← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 936

دلائل التوفيق لأصح طريق لجمع الصديق

عرفة بن طنطاوي

Полный текст (53 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ملخص البحث فهذا بحث بعنوان: " دَلَائِلُ التَّوْفِيقِ لِأَصَحِ طَرِيقٍ لِجَمْعِ الصِّدِّيِقِ"، وهو الجمع الثاني للقرآن الكريم الذي نهض له وقام به وتعاهده الخليفة الراشد أبو بكر الصِّديق بمشورة الفاروق عمر بن الخطاب وتكليف زيد بن ثابت الأنصاري بمهمة رئاسة لجنة الجمع، كما تم الجمع- كذلك- بمشاركة الصحابة ﵃ أجمعين، وكان ذلك سنة اثنتي عشرة للهجرة. فقام الصِّديق ﵁ وجَمَعَ فيه القرآنَ بين دفتي لوح واحد بعد أن كان مفرقًا في عهد الجمع النبوي الأول، وكان ذلك إثر مقتل سبعين من القراء في موقعة اليمامة، والتي خُشِيَ من إثراها ذهاب القرآن بذهاب حملته. وهذا البحث قد جمعه الباحث ورغب في تقديمه في صورة مختصرة تجمع بين التأصيل العلمي، وبين التحقيق والتدقيق، ولا سيما في بعض المسائل التي وقع فيها خلاف بين بعض أهل العلم، وبعض المسائل والقضايا التي كثر تناولها وتداولها دون تثبت حتى أضحت من المسلمات البديهيات، كما اعتنى الباحث بسلاسة الأسلوب وسهولة العبارة وجزالة الألفاظ وحسن وجمال العرض، ليدنيه من نظر طالبيه، ويقربه ويسهل تناوله لراغبيه، راجيًا أن يتقبله الله من عبده الضعيف بقبول حسنٍ ويُنَمِّيه.

стр. 2

المقدمة الْحَمْدُ لِلَّهِ والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد: فإن القرآن الكريم، كلام رب العالمين، ووحيه المبين، الذي أنزل الله على خاتم النبين والمرسلين نبينا محمد خير خلقه أجمعين ﷺ ، قد عظَّمه اللهُ أيِّمَا تعظيم، و أجلَّه أيِّمَا إجلال، فوَصَفه بأحسن الصفات، ونعته بأجلِّ وأعظم النعوت، وسماه أجمل الأسماء، وهو سبحانه المبتدئ بتعظيمه وتوقيره وإجلاله، وقد حفظه سبحانه عنده في مكان مصون لا يقربه إلا الملائكة الأطهار، فقال في وصفه سبحانه: (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ) (البروج: ٢١ - ٢٢)، ثم جَمَعَ وَصْفَهُ ومكانه المصون فيه، وَصِفَةَ الملائكة الذين لا يمسه سواهم، وَصِفَةَ منزله سبحانه في قوله جل في علاه: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة: ٧٧، ٨٠). ولعظم قدر كلام ربنا فقد اصطفى سبحانه صفوة ملائكته من أهل السماء لينزل به في أعظم وأشرف بقعةِ من المعمورة، على صفوة خلقه من أهل الأرض، في سيدة الليالي من سيد الشهور. فقد اصطفى من الملائكة أكرمَهم وأصفاهم لتنزيله فقال سبحان في وصف الملك الكريم الذي نزل بالقرآن: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ) (الشعراء: ١٩٣)، ثم اصطفى أطهر القلوب ليكون محل تنزل كلامه فيسكنه فؤاده لِيَعِيِهِ، ويحفظه له فيه، فيقوم بحقه في نفسه وفي بلاغه لأمته عن ربه ليرضيه، فقال سبحانه عن ذلك المحل الذي أنزله عليه وأودعه فيه: (عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) (الشعراء: ١٩٤)، وقال سبحانه في ذلك أيضًا: (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٩٧). وكان ذلك في أعظم ليلة والتي وصفها ربنا بأنها ليلة مباركة فقال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) (الدخان: ٣)، وتلك الليلة هي ليلة القدر التي قال سبحانه فيها: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر: ١ - ٣)، وكان ذلك في أفضل شهر كما قال ربنا: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (البقرة: ١٨٥) وجعل بداية ونهاية تنزله في مكة المكرمة عند بيته العتيق الذي قال سبحانه فيه: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران: ٩٦)، وجعل مختتم نزوله وتوديع وحيه المنزل في حجة الوداع في شهر حرام

стр. 3

بجوار بيته الحرام، قال سبحانه: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: ٣). وعلى هذا الإجلال والتعظيم والتبجيل لكلام رب العالمين رَبَّى النبيُ الكريم أصحابَه ﵃، فأحبوا كلام الله وقاموا به في محاربيهم يتلونه زرفانًا ووحدانًا، وعمَّروا به أوقاتهم وتمسكوا بهداه فأحلُّوا حلاله وحرَّموا حرامه وجعلوه مِلْءَ قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وتداوا به من العلل الحسية والمعنوية، وتحاكموا إليه في كل شؤون حياتهم. وقد انتقل النبيُ ﷺ إلى الرفيق الأعلى والقرآن لم يجمع في مكان واحد، ولمَّا آلت الخلافة إلى الصِّدِيِق الأول ﵁ وقتل في عهده سبعون من القراء في حرب المرتدين في وقعة اليمامة، وَخُشِيَ ذهاب القرآن بذهاب حملته فهبَّ ﵁ ومعهم جموع الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين للقيام بأعظم عمل من الأعمال التي عرفها تاريخنا المجيد، فجمع القرآن بين دفتي مصحف واحد. وهذا البحث هو نقل مشهد حِسِّي واقعي لهذا العمل العظيم الذي قام به صِّدِيقُ الأمة الأول وعاونه عليه هؤلاء الأعلام الكبار من السابقين الأولين للإسلام من طليعة هذه الأمة رضوان الله عليهم أجمعين. خطة البحث وقد ضمَّن الباحثُ بحثَه خطة بحث مكونة من أربعة فصول، وكل فصل مكون من عدة مباحث، وقد بيَّن فيه ما يلي: أولًا: أهمية موضوع البحث ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه خامسًا: منهجية البحث سادسًا: خاتمة البحث، وبيان أهم النتائج التي توصلت لها تلك الدراسة المختصرة. سابعًا: مجموع الفهارس: وخطة البحث تشتمل على أربعة فصول على النحو التالي: الفصل الأول بواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: بداية فكرة الجمع في عهد أبي بكر الصديق-﵁ المبحث الثاني: موقف الصحابة من جمع أبي بكر للقرآن المبحث الثالث: أهم بواعث جمع أبي بكر-﵁ الفصل الثاني خصائصه ومزاياه وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: أبرز مزايا هذا الجمع المبحث الثاني: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي المبحث الثالث: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها المبحث الرابع: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره الفصل الثالث بيان شروط جمع أبي بكر- ﵁ والصفة التي تم بها وفيه سبعة مباحث:

стр. 4

المبحث الأول: التعريف بـ " زيد بن ثابت " المكلف بالجمع المبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار " زيد " المبحث الثالث: أسباب اختيار " زيد " لهذه المهمة إجمالًا المبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع المبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر- ﵁ المبحث السادس: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ " زيد " في جمع وتدوين القرآن الكريم المبحث السابع: مصير صحف أبي بكر- ﵁ الفصل الرابع تاريخ وزمن هذا الجمع وأبرز نتائجه وفيه مبحثان المبحث الأول: أبرز نتائج جمع أبي بكر- ﵁ المبحث الثاني: أوّل من سمى القرآن بالمصحف منهجية البحث أولًا: أهمية موضوع البحث إذا كان شرف العلم من شرف المعلوم، فإن موضوع البحث متعلق بأشرف وأعظم وأجل كتاب "القرآن الكريم" هذا على العموم، وعلى الخصوص فإنه متعلق بقضية جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق ﵁، تلك القضية التي أقلقت مضاجع صفوة الرعيل الأول من جيل الصحابة وهم حماة الدين وورثة علم النبوة وهم خيرة هذه الأمة، فقاموا بحق كتاب ربهم حق قيام ونهضوا لجمعه كما كان في عهده الأول سليمًا من الزيادة والنقصان، سليمًا من التغير والتبديل، وكان جمعهم للقرآن موافقًا للجمع الأول تمامًا، ولكنهم جمعوه في مكان واحد بعد أن كان مفرقًا بين العُسُبِ واللِّخَافِ وغيرها، كما جمعوه من المحفوظ في صُدُورِ الرِّجَالِ كذلك. والقرآن الكريم قد تكفَّل الله تعالى في بحفظه في كل أطواره تنزله، والشواهد على ذلك من كتاب الله كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: ١ - قال سبحانه في عموم حفظه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩) أي من أن يُزاد فيه أو يُنقص، وهذا قول عموم أئمة التفسير، ولا يُعلم له مخالف. ٢ - ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) (فصلت: ٤٢) والباطل: إبليس، لا يستطيع أن ينقص منه حقًا، ولا يزيد فيه باطلًا. (١). ٣ - ومن ذلك أيضًا قوله سبحانه: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا) (الكهف: ٢٧) وقوله: (لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ) أي: لا مغير لها، ولا محرِّف، ولا مؤوّل. (٢)، والشواهد العامة على ذلك في كتاب الله تعالى أكثر من أن تُحصى. والقرآن قد حفظه الله تعالى في كل أطواره تنزله، فأثبته الله تعالى وحفظه في اللوح المحفوظ في السماء قبل نزوله، وحفظه في طريق نزوله إلى الأرض، وحفظه بعد نزوله كذلك إلى الأرض على رسوله ﷺ ، وسيبقى كذلك إلى أن يُرْفَعَ في آخر

стр. 5

الزمان. أولًا: حفظ القرآن الكريم في السماء: والقرآن الكريم قبل نزوله محفوظ في اللوح المحفوظ في السماء كما قال ربنا: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١، ٢٢). فهو في اللوح المحفوظ، مصون مستور عن الأعين، لا يطلع عليه إلاّ الملائكة المقربون، ولا يمسه في السماء إلاّ الملائكة الأطهار، ولا يصل إليه شيطان، ولا يُنال منه. (١) وقد جعله الله تعالى كتابًا معظمًا في كتاب معظم محفوظ موقر (٢)، وقد أقسم الله تعالى على ذلك في كتابه فقال سبحانه: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٧٥، ٨٠). ثانيًا: حفظ القرآن الكريم في طريق نزوله إلى الأرض فالذي نزل به ملك منزه مطهر أمين على وحي الله كما قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥). فلا يستطيع شيطان الاقتراب من السماء لاستراق السمع طمعًا في الاطلاع على أخبار السماء وقت نزوله كما قال ربنا: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ. دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ. إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (الصافات: ٧ - ١٠)، والشياطين لمَّا حاولوا ذلك ما استطاعوا لأن السماء قد حفظت بحراسة مشددة من الملائكة وبالشهب الحارقة، وقد وصف الله تعالى محاولة فئة من الجنِّ ذلك في سورة "الجنِّ" في قوله سبحانه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيدًا وَشُهُبًا. وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدَا. وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدَا﴾ (الجن: ٨ - ١٠) ثالثًا: حفظ القرآن الكريم بعد نزوله على الأرض على النبي ﷺ . لقد حفظ الله القرآن الكريم كذلك بعد أن أنزله على رسوله ﷺ والذي قام بحقه خير قيام في حفظه وبلاغه عن ربه، وكان ﷺ من شدة حرصه على حفظه وتلقيه يحرص على التعجل بتلقيه من فِي جبريل ﵇، فقال له ربه: (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: ١١٤)، ثم وعده الله تعالى بحفظه له في صدره، فطمأنه ربه بتحقيق وعده فقال له سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦ - ١٩). فكان ﷺ يحرك به لسانه ويتعجل ويبادر بأخذه من فِي جبريل محرِّكًا به شفتيه حين قراءة الملك للقرآن يَخْشى أن يَتَفَلَّتَ منه، فوعده الله أن يجمعه له في

стр. 6

صدره ويُبيَّنه له على لسانه، ثم يقرأه على الناس من غير أن ينسى منه شيئًا. وهكذا يتبين لنا أن الله تعالى قد حفظ القرآن الكريم وهو في السماء، وحفظه وقت نزوله منها، وحفظه بعد نزوله إلى الأرض. ولقد مر جمع القرآن بثلاث مراحل، وكان جمعه في مراحله جميعًا محفوظًا في الصدور مكتوبًا في السطور. أما المرحلة الأولى: فكانت في عهد النبي ﷺ ، وقد حرص ﷺ على حفظ القرآن الكريم، وقد جمعه الله له في صدره، كما اعتنى ﷺ بتعليمه أصحابه ورغبهم في حفظه واستظهاره واتَّخَذَ من صفوة حفَّاظهم كتّابًا للوحي يكتبون كلّ ما ينزل عليه بين يديه، وانتقل النَّبيُ ﷺ إلى الرفيق الأعلى ولم يُجمع القرآنُ كله في مكان واحد في حياته لا في صحف ولا في مصاحف، بل كُتب مفرقًا بين الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ ونحوها من أدوات الكتابة المستخدمة في هذا العهد المبارك، وكان حرصه ﷺ على عدم جمع القرآن بين دفتي صحيفة واحدة ترقبًا لتجدد الوحي وتتابع نزول شيء جديد منه حتى وفاته، فلو أنه رتبه أولاً بأول وجمع القرآن في مكان واحد بين دفتي مصحف واحد لحصل من جراء ذلك من المشقة والعنت ما لا يخطر ببال، ولأدى هذا الترتيب إلى حدوث تغيير وتبديل في موضع السور والآيات كلما نزل عليه ﷺ شيء جديد من الوحي، وفي هذا مالا يخفى من المشقة البالغة التي جاءت الشريعة الغراء برفعها ودفعها. وأما المرحلة الثانية: فكانت في عهد أبي بكر الصديق ﵁، ولقد ظل القرآن الكريم مفرقًا غير مجموع بين دفتي مصحف واحد، إلى أن آلت الخلافة إلى أبي بكر، وقامت حروب الردة، واستحرّ القتل بالقراء في وقعة اليمامة - سنة اثنتي عشرة للهجرة - التي قتل فيها سبعون قارئًا من حفاظ القرآن. فهالَ ذلك الأمر عمر بن الخطاب، وخشي أن يضيع شيء من القرآن بموت حفاظه وقرائه، فأشار على أبي بكر بجمع القرآن خشية ضياع شيء منه بقتل القراء والحفَّاظ، فكان هذا هو الدافع الرئيس لهذا الجمع، فقام الصديق بجمع ما كُتب مفرقًا في بين يدي رسول الله ﷺ من الرِّقَاع، وَالأَكْتَافِ، وَالْعُسُبِ، واللخاف، والأضلاع، والأقتاب، والأَلواحِ في مكان واحد، فكان جَمْعُهُ ﵁ هو نفس ما كتب في عهد النبوة مرتب الآيات والسور، لكنَّه جَمَعَهُ في مكان واحد بعد أن كان مفرقًا. وأما المرحلة الثالثة: فكانت في عهد عثمان بن عفان ﵁. ولقد اختلفت أسباب الجمع في عهده عن أسباب الجمع في عهد الصدِّيق-﵄؛ ولقد كان الصحابة يقرؤون القرآن على الأحرف السبعة التي أقرأهم عليها رسول الله ﷺ ، إلى أن وقع الاختلاف بين القراء في الفتوحات زمن عثمان ﵁، ولمّا عظم الخطب أفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في

стр. 7

الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فتدارك عثمانُ الأمرَ قبل تفاقمه. ويكتفي الباحث - هنا- ببيان هذه المرحلة بإيجاز بما رواه البخاري عن أنس بن مالك ﵁: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القُرْآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم (يعني ابتداءً)، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمانُ الصحفَ إلى حفصة، وأرسل إلى كل أُفُق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القُرْآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (١) ثانيًا: أهم الدراسات السابقة وأبرزها لم يقف الباحث في حدود بحثه الضيق على بحث متأصل تناول جمع الصديق ﵁ ببحث علمي مستقل، ولكن جاء تناوله ضمن جمع القرآن في مراحله الثلاث في عدد من البحوث العلمية، ومن أبرزها ما يلي: الدراسة الأولى: جمع القران في مراحله التاريخية من العصر النبوي إلى العصر الحديث، تأليف: محمد شرعي أبو زيد، رسالة ماجستير، كلية الشريعة، جامعة الكويت، سنة النشر: ١٤١٩ هـ. وصف البحث: هذا البحث يُبرِز عناية المسلمين بحفظ القرآن من عهد النبوة إلى الآن، ويُؤكِّد أن نقل القرآن حظِيَ بأقصى درجات العناية من المسلمين، ويرُدُّ على شبهات الطاعِنِين من أعداء الإسلام على نقل القرآن الكريم، ولجودة البحث وحسن صياغته وجودة عرضه وسبك أسلوبه وقوة حجته قد أفاد منه الكثير من الباحثين ونهلوا منه. الدراسة الثانية: جمع القرآن (دراسة تحليلية لمروياته)، أصل الكتاب رسالة علمية، بكلية العلوم الإسلامية - جامعة بغداد، أشرف عليها الدكتور عمر محمود حسين السامرائي، ومؤلفها الباحث: أكرم عبد خليفة حمد الدليمي الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م، عدد الأجزاء: ١. وصف الكتاب: وهو عبارة عن أطروحة علمية، قدمها الباحث لكلية العلوم الإسلامية، ولم يحدد المرحلة التي نال شهادتها بهذا البحث. وقد قسم الباحث هذا البحث إلى

стр. 8

مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. وقد تناول بحثه في أربعة فصول، فتناول كتابة القرآن في عهوده الثلاثة، كل مرحلة في فصل مستقل، وقد تابع فيها كثيرًا ممن سبقه، ثم تناول فيه شبهات حول القرآن في الفصل الرابع. والباحث في هذا البحث تراه ممسكًا من علمين بطرف، هما: علوم القرآن والحديث. لكنه أقرب إلى الحديث ودراسة الأسانيد منه إلى علوم القرآن. وقد جاءت دراسة أسانيده والحكم عليها وتخريجها مختصرة جدًا. وهذا يلحظه المتتبع لتلك المرويات. وقد بذل الباحث وفقه الله جهد مشكورًا وطرق موضوعًا رائعًا جديرًا بالبحث حاول أعداء الدين التسلل من خلاله للنيل من كتاب الله ومحاولة التشكيك فيه، وقد وفق في عرض شبههم والجواب عنها بأجوبة قريبة يستوعبها كل من يطلع عليها. (١) الدراسة الثالثة: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، عبد القيوم بن عبد الغفور السندي، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢١ هـ، عدد المجلدات: ١. وصف الكتاب: لقد تناول الباحث الجمع في عهديه الثاني والثالث، ولم يتعرض للجمع في العهد النبوي مع أهميته ومكانته لأن بحثه جاء ضمن محاور ندوة خاصة عقدها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة بعنوان: عناية المملكة العربية السعودية بالقرآن الكريم وعلومه، ولكون بحثه هو أحد محاور الندوة .. وقد اشتمل بحثه على ثلاثة مباحث في مجلد واحد في حدود ٧٢ صفحة، وقد تناول في المبحث الأول: جمع أبي بكر ﵁، ثم تناول في المبحث الثاني: جمع عثمان ﵁، وأما المبحث الثالث فلم يسمه، وقد تناوله في مطلبين، أما المطلب الأول فتناول فيه الفروق المميزة بين الجمعين، وأما المطلب الثاني فقد تناول فيه الأحرف السبعة ومراعاتها في الجمعين. وكان على الباحث مراعاة جوانب هامة والانتباه لها، ومن أبرزها ما يلي: ١ - التقدمة للجمع في العهد النبوي ولو في التمهيد لأنه الأساس الذي بنيت عليه مراحل الجمع كلها، ولارتباط الجمع في عهديه التاليين به ارتباطًا وثيقًا، غير أنه أشار إليه إشارة سريعة في سطرين فحسب. ٢ - الانتبهاه لما ذهب إليه أبو عمر الداني في"الأرجوزة المنبهة"إلى أن جبريل ﵇ كان يعارض النبي ﷺ كل عام بواحد من الحروف السبعة، حيث يقول: وكان يعرض على جبريل … في كل عام جملة التنزيل فكان يقريه في كل عرضة … بواحد من الحروف السبعة حتى إذا كان بقرب الحين … عرضه عليه مرتين (٢) وهذا التفصيل لا يصح وهو محل نظر عند أهل التحقيق وقد قال به غير

стр. 9

واحد من أهل العلم غير الداني. وإذا تأملنا في زمن الاستزادة من الأحرف السبعة تحقق لدينا أن ذلك كان في المدينة قبيل وفاة النبي ﷺ بقرابة عام أو عامين اثنين، وقصة عمر وهشام بن حكيم في اختلاف قراءتيهما في سورة الفرقان خير شاهد، وذلك لأن هشامًا من مسلمة الفتح، وأن ذلك كان قُبيل انتقال النبي ﷺ للرفيق الأعلى بعامين على الأكثر، وكذلك ما وقع لأبي بن كعب مع ابن مسعود في سورة النحل. فكيف كان يعرض عليه جبريل في كل عام بحرف من الأحرف السبعة! وهي لم تنزل بعد! وهذا خلف من القول من عَلَمٍ كأبي عمرو الداني، ولكن جل من لا يسهو. ٣ - الانتباه لكثرة النقول في البحث والتي غيبت وجود قلم الباحث في كثير من مواطن البحث. وهناك بعض ملاحظات أخرى غير جوهرية، وهذه الملحوظات وغيرها لا تقل من قيمة البحث العلمية ولا من جهدالباحث الذي قد أجاد وأفاد فجزاه الله خيرًا. الدراسة الرابعة: مواقف المستشرقين من جمع القرآن الكريم ورسمه وترتيبه عرض ونقد، د. أبو بكر كافي، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، نسخة منشورة (بي دي إف) وصف الكتاب: في هذا البحث الماتع يستعرض لنا الباحث -أبو بكر كافي- المواقف المشهورة عن كبار المستشرقين من مسألة جمع القرآن الكريم وتدوينه وترتيبه والمراحل التي مر بها، حيث أثار كثير من المستشرقين شبهات ومزاعم باطلة حول هذه المسألة، وفي هذا الكتاب يعرض لنا المؤلف هذه المزاعم والشبهات كما أنه يحلل لنا دوافعها وأهدافها ويتعقبها بالنقد والرد ليدحضها بشكل علمي وموضوعي مبينًا كم الأغاليط الموجودة فيها. الدراسة الخامسة: جمع القرآن الكريم حفظا وكتابة، أ. د. علي بن سليمان العبيد، الناشر: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف-المدينة النبوية، الطبعة: الأولى، سنة النشر: ١٤٢١ هـ، عدد المجلدات: ١. وصف الكتاب: لقد تناول الباحث الجمع في عهوده الثلاثة باختصار شديد في قرابة: ٧٣ صفحة، وقد تبع من سبقه، وقد جاء بحثه متميزًا بسهولة الأسلوب ووضوح العبارة، فجزى الله الباحث خيرًا، ولكنه لم يضف إلى بحثه جديد بحث. الدراسة السادسة: جمع القرآن الكريم في عهد الخلفاء الراشدين، أ. د. فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، عدد الصفحات: ٤٢، مصدر الكتاب: موقع الإسلام. وصف البحث: هو بحث مختصر للغاية، غير أن صاحبه له رسوخ في تقديم مادة علمية مؤصلة وإن كانت موجزة.

стр. 10

ثالثًا: أسباب ودواعي اختيار موضوع البحث يُعد تقريب علوم القرآن بأسلوب علمي سهل المأخذ قريب التناول من الأسباب الرئيسة الدافعة لاختيار موضوع البحث، إضافة إلى أن جمع القرآن في عهوده الثلاثة ما يزال يحتاج إلى تقريب وتحقيق وتدقيق في بعض مسائله وتجليتها للعيان، وإلقاء الضوء على ما نقله جيلٌ عن جيلٍ بصورة صحيحة مع التنبيه على مالم تثبت صحته من آثار تتعلق بموضوع البحث، وقد اختار الباحث تناول جمع الصديق بالبحث والدراسة لأنه لم يقف في حدود بحثه على دراسة خاصة بهذا الجمع، كما رغب الباحثُ إبرازَ جانبِ العناية التامة والتحري والدقة التي لاقها جمع القرآن في عهد الصديق وأجمعت عليه الأمةُ سلفًا وخلفًا على صحته ودقته وسلامته. رابعًا: مشكلة البحث وأهدافه هناك إشكالات تتعلق بموضوع البحث من أبرزها ما يلي: ١ - لماذا لم يُجمع القرآن في عهد النبوة في مكان واحد؟ ٢ - هل اختلف جمع الصديق عن الجمع في عهد النبوة؟ ٣ - هل جمع القرآن في مكان واحد يُعد من الابتداع في الدين؟ ٤ - هل اشتمل جمع الصديق ﵁ على الأحرف السبعة؟ ٥ - هل كان ترتيب الآيات في السور بتوقيف من النبي ﷺ أم كان باجتهاد من الصحابة ﵃. وكان من أبرز أهداف البحث إبراز هذه الإشكالات الواردة وحلها بإلقاء الضوء عليها وتناولها بالبحث والدراسة والتحقيق والتدقيق. خامسًا: منهجية البحث لقد سلك الباحث في تناول بحثه أكثر من منهج بحثي ومن أبرز ذلك ما يلي: ١ - المنهج الاستقرائي التحليلي ٢ - المنهج النقدي ٣ - المنهج التاريخي ففي الفصل الأول: استقرأ الباحثُ بواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه، وربط العلاقة التي بينه وبين الجمع الأول في العهد النبوي. وفي الفصل الثاني: عرض الباحثُ خصائصَ هذا الجمع ومزاياه عرضًا تحليليًا باستقراء تلك المزايًا التي ميزة هذا الجمع، ثم تعرَّض لترتيب الآيات في السور، فعرض الأقوال الواردة فيها ثم قام بالترجيح بينها، ثم استقرأ بعد ذلك بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبين مصدره وعرض ذلك كله عرضًا تحليليًا، ثم نقده ونقضه.

стр. 11

وأما الفصل الثالث: فتعرض الباحثُ فيه لبيان شروط هذا الجمع والصفة التي تم بها، ثم عَرَّفَ بـ " زيد " المكلف بالجمع، ثم استقرأ المقومات الداعية لاختياره، ثم عرض مميزات هذا الجمع والمنهج الذي وُضِعَ فيه لجمع وتدوين القرآن الكريم عرضًا تحليليًا، ثم بين في خاتمته مصير صحف أبي بكر- ﵁. وأما الفصل الرابع: فذكر فيه تاريخ هذا الجمع وأنه كان في زمن خلافة الصديق ﵁، وحدد فترة استغراقه، ثم عرض عرضًا تحليليًا استنتاجيًا لأبرز نتائج هذا الجمع، ثم ختم ببيان أوّل من سمى القرآن بالمصحف، وهو في كل مرحلة من مراحل البحث يقوم بعرض المادة العلمية ويحلل أجزاءها ثم يعرض الأقوال الوارد ويقوم بدراستها دراسة تحليلية نقدية. الفصل الأول بواعث جمع أبي بكر وأسبابه ودواعيه وفيه ثلاثة مباحث: بعد موت النبي- ﷺ وقبل دفنه بُيع أبو بكر الصديق-﵁-بالخلافة وكانت مدة خلافته سنتين وبضعة أشهر، وذلك من عام (١١ هـ - ١٣ هـ)، وكانت وفاته في شهر جمادى الآخرة سنة ١٣ هـ. المبحث الأول: بداية فكرة الجمع في عهد أبي بكر الصديق-﵁ - لقد كانت بداية فكرة جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر- ﵁ في أواسط خلافته: سنة ١٢ من الهجرة. وذلك "حينما ارتدت العرب واستشرى القتل بالمسلمين وخاصة يوم اليمامة وقد استحر بقراء القرآن، جاء إليه عمر وقال له: إني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثير من القراءة والقرآن وإني أرى أن تجمع القرآن؛ وظل يراجع أبا بكر حتى شرح الله صدره لذلك؛ فكان أول من جمع القرآن". (١) وإنما كان ذلك بعد أن بُيع أبو بكر الصديق- ﵁ وآلة الخلافة إليه بتلك البيعة، بعدها ارتدت أحياء من العرب ومنعوا الزكاة، وقد وقع هذا الأمر الجلل بعد وفاة النبي ﷺ حينما ارتدَّت العرب عن الإسلام قيل إلا ثلاثة مساجد كما نقل ابن إسحاق، ألا وهي: مسجد المدينة، ومسجد مكة، ومسجد جواثا الذي يصلي فيه بنو عبد القيس. وذكر القاضي عياض أن أهل الردة في ذلك الوقت على ثلاثة أصناف: الصنف الأول: صنف كفر بعد إسلامه وعاد لجاهليته، واتبع مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وصدَّق بهما. والصنف الثاني: صنف أقر بالإسلام إلا الزكاة فجحدها. والصنف الثالث: صنف أقر بوجوبها لكنه امتنع عن دفعها لأبي بكر-﵁ وقالوا: إن ذلك خاص بالنبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا

стр. 12

وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ (التوبة: ١٠٣). فرأى أبو بكر والصحابة- ﵃ قتالهم جميعهم، الصنفان الأولان لكفرهم والثالث لامتناعهم، والامتناع مع الإقرار يختلف حكمًا من الامتناع مع الجحود ولا شك في ذلك أبدًا. وقد ذكر أبو العباس القرطبي (٦٥٦ ت: هـ) في "المفهم"﵀: أن الصنف الثالث هم الذين أُشْكِلَ أمْرُهُم على عمر وراجع فيهم أبا بكر حتى ظهر الحق. ولا يعتبرون كفارًا وإنما بغاة. (١) وهذا التقسيم الذي ذكره أبو العباس القرطبي قد ذهب إليه جمع من أئمة الإسلام، منهم الإمام الشافعي (ت: ٢٤٠ هـ) حيث يقول- ﵀: -- بنحوه- في "الأم" "وأهل الردة بعد رسول الله ﷺ ضربان: منهم قوم كفروا بعد الإسلام، مثل طليحة ومسيلمة والعنسي وأصحابهم، ومنهم قوم تمسكوا بالإسلام ومنعوا الصدقات". ثم أشار إلى أن أبا بكر وعمر- ﵄ كانا مجمعين على إن الصنف الثاني ليسوا كفارًا. فيقول بعد أن ذكر ما دار بينهما من حوار: " … معرفتهما معًا بأن ممَّن قاتلوا من هو على التمسك بالإيمان". (٢) وممَّن قرر هذا التقسيم أيضًا الخطابيُّ (ت: ٣٨٨ هـ) حيث يقول ﵀ في "معالم السنن"-: "الذين يلزمهم اسم الردة من العرب كانوا صنفين: صنفًا منهم ارتدَّ عن الدين، ونابذ الملة، وعاودوا الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة- ﵁ بقوله: (وكفر من كفر من العرب)، وهم أصحاب مسيلمة الكذاب، ومن سلك مذهبهم في إنكار نبوة محمد ﷺ ، وصنفًا آخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة، وهؤلاء على الحقيقة أهل بغي". (٣) وممَّن قرر هذا التقسيم كذلك ابن حزم الأندلسي (ت: ٤٥٦ هـ) في محض كلامه عن أصناف المرتدين حيث يقول-﵀ في "المحلى": " … والقسم الثاني: قوم أسلموا، ولم يكفروا بعد إسلامهم، ولكن منعوا الزكاة من أن يدفعوها إلى أبي بكر ﵁ فعلى هذا قوتلوا". (٤) وقد قرر هذا التقسيم أيضًا جمع من العلماء الأعلام، منهم: أبو عمر ابن عبد البرـ وابن المنذر، والماوردي صاحب التفسير، والقاضي عياض، وابن العربي المالكي، والبغوي، والنووي، وابن حجر، وغيرهم كثير. (٥) وكذلك هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀، ولقد كان له بعض الأقوال والتقريرات التي يبدو ويظهر منها أنه يرى أن الصحابة- ﵃ كانوا يفرّقون بين أصناف المرتدين، فيجعلون بعضهم كفارًا، كالمرتدين من أتباع مسيلمة الكذاب، وبعضهم مسلمين بغاة لهم سائر أحكام أهل القبلة كما ذكر ذلك أبو العباس القرطبي في المفهم والنووي في شرحه لمسلم، ومن تلك الأقوال والتقريرات: أنه جعل قتال مانعي الزكاة من جنس قتال أهل القبلة، فقال- ﵀: "والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان: منهم من يرى قتالاً علي يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغي، وكذلك يجعل قتال أبي بكر لمانعي الزكاة،

стр. 13

وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبي حنيفة والشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم". (١) كتاب أبي بكر- ﵁ إلى المرتدين: ومما يُستأنس به ها هنا أيضًا وبه نختم هذا المبحث الهام: كتاب أبي بكر- ﵁ إلى المرتدين، فقد كتب إليهم كتابًا طويلاً حوى أمورًا شتى ومتنوعة في مضمونها وفحواها، وممَّا ورد في كتابه إليهم قوله- ﵁: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ إلى من بلغه كتابي هذا، من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه (٢). فهذا يدلُّ على إن بعض أهل الردة بقي على إسلامه ولم يخرج عنه، وكلامه قد وجهه إلى فئتين اثنتين، فيُؤخذ ويُفهم ويُستدلُّ منه على أن الذي ارتد عن الإسلام من الفئتين إنما هي فئة واحدة منهما لا الفئتين. والشاهد الأول مما سبق ذكره: أن الصديق الأول- ﵁ قام مقام الجبال الرواسي الشامخات ليرد الأمة إلى دينها فحارب وقاتل المرتدين بشجاعة وثبات ورباطة جأش، فالموقف جد عصيب فقد ارتدت جموع غفيرة وأحياء كثيرة من العرب وقد عارضه في ذلك أول الأمر أقرب المقربين ومع هذا كله فقد ثبت ﵁ ثبات الجبال الرواسي واستطاع بعد عون الله وتوفيقه أن يُعيد الأمة إلى رشدها، وأن يعيد للإسلام صولته وقوته ومكانته، فكان- ﵁ للإسلام يوم الردة، كما كان الإمام أحمد للإسلام كذلك يوم المحنة. ولنتأمل ما رواه البخاري- ﵀ من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ- ﵄: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلاَّ الله. فَمَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ الله فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلاَّ بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى الله؟ " فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَالله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَالله لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللّهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ-﵁: فَوَ الله مَا هُوَ إِلاَّ أَنْ رَأَيْتُ اللهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ. فَعَرفتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. (٣) ولقد كلف الصديقُ-﵁ للقيام بهذه المهمة وهذا العمل العظيم -زيد بن ثابت الأنصاري-﵁، ولنتأمل خبر تلك الواقعة العظيمة التي قيد الله لها الخليفتين الراشدين الجليلين صاحبي خير الخلق وحبيب الحق محمد- ﷺ ولندع المجال للإمام البخاري ﵀ ليقص لنا الخبر على لسان من كُلِفَ بهذه المهمة الهامة الشاقة بنفسه ألا وهو الصحابي الجليل زيد بن ثابت الأنصاري- ﵁ حيث يقول: " أَرْسَلَ إلَيَّ أبو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ عِنْدَهُ، قالَ أبو بَكْرٍ ﵁: إنَّ عُمَرَ أتَانِي فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَومَ اليَمَامَةِ بقُرَّاءِ القُرْآنِ، وإنِّي

стр. 14

أخْشَى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بالقُرَّاءِ بالمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ، وإنِّي أرَى أنْ تَأْمُرَ بجمع القرآن، قُلتُ لِعُمَرَ: كيفَ تَفْعَلُ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ عُمَرُ: هذا واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لذلكَ، ورَأَيْتُ في ذلكَ الذي رَأَى عُمَرُ، قالَ زَيْدٌ: قالَ أبو بَكْرٍ: إنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وقدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسولِ اللَّهِ- ﷺ ، فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَ اللَّهِ لو كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبَالِ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ ممَّا أمَرَنِي به مِنْ جمع القرآن، قُلتُ: كيفَ تَفْعَلُونَ شيئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ؟، قالَ: هو واللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أبو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ له صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ- ﵄، فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ العُسُبِ واللِّخَافِ، وصُدُورِ الرِّجَالِ، حتَّى وجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مع أبِي خُزَيْمَةَ الأنْصَارِيِّ لَمْ أجِدْهَا مع أحَدٍ غيرِهِ، ﴿لقَدْ جَاءَكُمْ رَسولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عليه ما عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨ - ١٢٩] حتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ ﵂". (١) المبحث الثاني: موقف الصحابة من جمع أبي بكر للقرآن الصحابة- ﵃ يدركون تمام الإدراك ويتيقنون كمال اليقين في أن الله تعالى وعده لا يتخلف أبدًا، وقد وعد سبحانه بحفظ كتابه من التغيير والتبديل ومن أن يزاد فيه أو يُنقص منه بقوله سبحانه: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩) وهم يدركون كذلك أن سنن الله الكونية لها من الأسباب ما يقوم بها، ويدركون من خلال تلك السنن أيضًا أن هذا الدين لا يقوم بذاته بل لابد أن يكون له أنصار وأعوان من البشر يحملوا على عواتقهم هم نصرته وحمل رسالته والذب عن حياضه، ولهذا قاموا- ﵃ بواجبهم تجاهه ببذل الأسباب لحفظ كتاب ربهم من الذهاب والضياع، وهذا من قوة إيمانهم بالله ورسوله، ومن سعة علمهم بدين ربهم، وفهمهم لشرعته ومنهاجه، ومن إدراكهم لعظم الأمانة التي في أعناقهم، ولضخامة المسؤولية الملقاة على عواتقهم. هل يُعد جمع أبي بكر- ﵁ للقرآن من البدعة المحدثة في الدين؟ مفهوم البدعة في اللغة: لنعلم أولًا أن البدعة في اللغة: مأخوذة من البَدْع، وهو الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]. أي مخترعها على غير مثال سابق، قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]. أي: ما كنت أول من جاء بالرسالة من الله إلى العباد، بل تقدمني كثير من الرسل. ويقال: ابتدع فلان بدعة، يعني: ابتدأ طريقة لم يسبق إليها. والابتداع على قسمين: القسم الأول: ابتداع في العادات كابتداع المخترعات الحديثة، وهذا مباح؛ لأن الأصل في العادات الإباحة. و القسم الثاني: ابتداع في الدين: وهذا مُحرَّم؛ لأن

стр. 15

الأصل فيه التوقيف، قال ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد". (١). (٢) البدعة في المفهوم الاصطلاحي: والبدعة في المفهوم الاصطلاحي كما عرفها الشاطبي (ت: ٧٩٠ هـ) ﵀ في الاعتصام هي: " طريقة في الدين مخترعة، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية". (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) -﵀: " البدعة في الدين هي ما لم يشرعه الله ورسوله- ﷺ ، وهو ما لم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب". (٤) وإذا علمنا أن البدعة هي أمر محدث ومخترع في الدين يُضاهي الشرعية وهي ما لم يشرعه الله ورسوله- ﷺ يُقصد به التعبد والتقرب إلى الله، على غير مثال سابق، وقد علمنا كذلك أن القرآن قد سبق وأَنْ جُمِعَ في صدور الرجال، وقد جُمِعَ كذلك في ألواحٍ عندهم، فاجتمع له جمعان: جمع في الصدور، وجمع في السطور. لذا فلا يُعد جمعه في مكان واحد من الأمور المحدثة في الدين، وإن جمع أبي بكر-﵁ لم يكن من ذلك أبدًا، بدليل إجماع الصحابة- رضوان الله عليهم- على استحسانه، بل والمشارك فيه كذلك، وأن كل ما في الأمر أنه جمعٌ لما كتب مفرقًا في الجمع النبوي الأول فحسب. قال الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) في الفتح: "وقد تسول لبعض الروافض أنه يتوجه الاعتراض على أبي بكر بما فعله من في المصحف فقال: كيف جاز أن يفعل شيئًا لم يفعله الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام؟ والجواب: أنه لم يفعل ذلك إلاّ بطريق الاجتهاد السائغ الناشئ عن النصح منه لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم، وقد كان النبي- ﷺ أَذِنَ في كتابة القرآن، ونهى أن يكتب معه غيره، فلم يأمر أبو بكر إلاّ بكتابة ما كان مكتوبًا. ثم قال: وإذا تأمل المنصف ما فعله أبو بكر من ذلك جزم بأنه يعد من فضائله، وينوه بعظيم منقبته لثبوت قوله- ﷺ " من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها " (٥) (٦) فما أحدٌ بعده إلاّ وكان له مثل أجره إلى يوم القيامة". (٧) وإن أبرز ما قيل في موافقة الصحابة-﵃-لهذا الجمع قول علي بن أبي طالب-﵁: … "أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمعه بين اللوحين. (٨) وقد ذكر الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ) ﵀ وجوهًا في فعل أبي بكر من أجودها خمسة: الأول: أن رسول الله- ﷺ ترك ذلك مصلحة، وفعله أبو بكر للحاجة.

стр. 16

الثاني: أن الله أخبر أنه في الصحف الأولى، وأنه عند محمد ﷺ في مثلها بقوله: (يتلوا صحفًا مطهرة فيها كتب قيمة) (البينة: ٢ - ٣)؛ فهذا اقتداء بالله وبرسوله. الثالث: أنهم قصدوا بذلك تحقيق قول الله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩)؛ فقد كان عنده محفوظًا، وأخبرنا أن يحفظه بعد نزوله، ومن حِفظِه تيسير الصحابة- ﵃ لجمعه-، واتفاقهم على تقييده وضبطه. الرابع: أن النبي- ﷺ كان يكتُبه كَتَبَتُهُ بإملائه إياه عليهم، وهل يخفى على متصور معنى صحيحًا في قلبه أن ذلك كان تنبيهًا على كتبه وضبطه بالتقييد في الصحف، ولو كان ما ضمنه الله من حفظه لا عمل للأمة فيه لم يكتبه رسول الله- ﷺ -بعد إخبار الله له بضمان حفظه، ولكن علم أن حفظه من الله بحفظنا وتيسيره ذلك لنا وتعليمه لكتابته وضبطه في الصحف بيننا. الخامس: أنه ثبت: " أن النبي- ﷺ نهى عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو " (١)؛ وهذا تنبيه على أنه بين الأمة مكتوب مستصحب في الأسفار. قال أبو بكر بن العربي (ت: ٥٤٣ هـ) ﵀: في أحكام القرآن هذا من أبين الوجوه عند النظار". (٢) وقال الباقلاني (ت: ٤٠٢ هـ) ﵀ أيضًا: وقد فهم عمر أن ترك النبي- ﷺ جمعه لا دلالة فيه على المنع، ورجع أبو بكر لما رأى وجه الإصابة في ذلك … (٣) كلام الباقلاني آنفًا كلام نفيس فيه من الدلائل الواضحات والحجج البينات الدامغات ما يُرُدُّ به كلُ الشبهات الواردات. والحمد لله رب الأرض والسموات. وقال الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ﵀ في الموافقات: وحاصل الأمر أن جمع المصحف كان مسكوتًا عنه في زمانه- ﷺ . (٤) والصحابة- ﵃ خير هذه الأمة وأكثرها تعظيمًا لله ولدينه ولشرعه وأبعدها من الابتداع والإحداث في دينه الله ما ليس منه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: " … فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شيء من الدين والكلام فيه نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستنير فهذا أصل أهل السنة". (٥) ومشاركة جمعٍ غفيرٍ من الصحابة- ﵃ في هذا الجمع يُعد إجماعًا سكوتيًا لأنه ليس له أي معارض منهم أبدًا، وذلك وحده كاف في حسم القضية، لأنهم يستحيل اجتماعهم- ﵃ على ضلالة أبدًا. والله تعالى قد أجار هذه الأمة من أن تجْتَمِع عَلَى ضَلالَة، ولقد أجمع أهل العلم على ذلك وأن هذه العصمة باقية إلى قيام الساعة. ولقد صحت السنة الثابتة عن المعصوم- ﷺ بذلك، فقد ثبت من حديث كَعْبِ

стр. 17

بْنِ عَاصِمٍ (ت: ١٨ هـ) ﵁ (أنه) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ -يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ لِي عَلَى أُمَّتِي مِنْ ثَلاثٍ لا يَجُوعُوا، وَلا يَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلالَةٍ، وَلا يستباح بيضة المسلمين". (١) ومن حديث ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: قال: قال رسول الله- ﷺ : " إن الله تعالى لا يجمع أمتي على ضلالة ويد الله على الجماعة "). (٢) وعَنْ يُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ ابن مَسْعُودٍ-﵁ يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ -على ضلالة". (٣) وهذا لاشك له حكم المرفوع، بل هو موافق له تمامًا. وعصمة هذه الأمَّة المرحومة إنما هي عصمة عامة تمنعهم من الاجتماعِ على ضلالة؛ أي: إنهم لا يجتمعون على أمرٍ فيه ضلال واضح وبين مخالفٍ للسنَّة يقودُهم إلى الهلكة والضلالة والعمه. المبحث الثالث: أهم بواعث جمع أبي بكر-﵁ - وكان من أهم بواعث هذا الجمع وأسبابه ما يلي: ١ - إن من أهم البواعث التي دفعت الصحابة-﵃ لجمع القرآن هو انقطاع الوحي من السماء بموت النبي- ﷺ ذاك المصاب العظيم والحدث الجلل الكبير والذي يُخشى على القرآن الضياع بسببه. ٢ - ومن أبرزها كذلك تحري القتل في قراء القرآن وحفاظه يوم اليمامة، ويُخشى بقتلهم ذهاب كتاب ربهم، وهم مع ذلك أيضًا معرضون للتفرق والانتشار في الأمصار للجهاد في سبيل الله، وللدعوة إلى الإسلام ونشره في أرجاء المعمورة، ولتعليم الناس أمر دينهم، لأنهم أمة بلاغ وأمة دعوة وجهاد، لا أمة نوم ورقاد. ولذا كان من قول عمر لأبي بكر- ﵄: "إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن". فذهاب بعض القراء قد يعني ذهاب الآخرين، فبهذا العمل أمكن تدارك الأمر منذ بدايته. (٤) "ولقد كانت معركة اليمامة معركة حامية الوطيس استشهد فيها كثير من قراء الصحابة وحفظتهم للقرآن ينتهي عددهم إلى السبعين وأنهاه بعضهم إلى خمسمائة من أجلهم سالم مولى أبي حذيفة. " (٥) فتم " … تسجيل القرآن وتقييده بالكتابة مجموعًا مرتبًا خشية ذهاب شيء منه بموت حملته وحفاظه". (٦) الفصل الثاني خصائصه ومزاياه وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: أبرز مزايا هذا الجمع المبحث الثاني: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي المبحث الثالث: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها المبحث الرابع: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره ويذكر الباحث المباحث الأربعة بشيء من الإيضاح والتفصيل على النحو التالي: المبحث الأول: أبرز مزايا هذا الجمع اتسم جمع القرآن الكريم في عهد أبي بكر الصديق- ﵁ بخصائص ومزايا عدة، والتي كان من أبرزها ما يلي إجمالًا:

стр. 18

أولها: دقته وسلامته ثانيها: استيفائه لشروط الجمع المتفق عليها وموافقته العرضة الأخيرة أبرز سمات وخصائص ومزايا جمع أبي بكر-﵁ تفصيلًا: أولها: دقته وسلامته فقد كان التحري والتدقيق والتثبت والاستيثاق لقرآنية كل ما يُجمع من سور القرآن وآياته وثبوت تواتره ومن الاقتصار على ما لم تنسخ تلاوته فحسب، وتجريده عن كل ما ليس بقرآن، هو أبرز خصائص هذ الجمع، وذلك بإجماع الصحابة- ﵃ .. ثانيها: استيفائه لشروط الجمع المتفق عليها وموافقته العرضة الأخيرة إن كل ما استوفت فيه شروط الجمع المتفق عليها فإنه يضم إلى صحيفة واحدة في مكان واحد وهو ما عِرِف بعد ذلك بالمصحف، وترتب آياته وسوره ترتيبًا مصحفيًا لا ترتيبًا نزوليًا، وذلك وفق العرضة الأخيرة التي أُشِيعَ أن زيد بن ثابت (١) ﵁ قد شهدها -، وذلك الجمع هو الموافق لما هو مثبت في اللوح المحفوظ. ثبت عند البخاري وغيره عن عائشة عن فاطمة-﵄ أنها قالت: "أسَرَّ إليَّ النبيُّ ﷺ أنَّ جبريلَ كانَ يعارضُنِي بالقرآنِ كلَّ سنةٍ وأنهُ عارضَنِي العامَ مرَّتينِ ولا أراهُ إلا حضَرَ أجَلِي". (٢) (٣) وفي ذلك يقول أبو عبد الرحمن السُلميّ (ت: ٧٤) ﵀: قرأ زيد بن ثابت على رَسُول اللهِ ﷺ في العام الذي توفَّاه الله فيه مرتين، وإنَّما سمِّيَت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت؛ لأنه كتبها لرَسُول اللهِ ﷺ ، وقرأها عليه وشهد العرضة الأخيرة، وكان يقرئ الناس بِها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كتبة المصاحف. (٤) وفي نحو ذلك يقول أبو عمرو الداني-﵀ في الأرجوزة المنبهة: (٥) وكان يعرض على جبريل … في كل عام جملة التنزيل فكان يقريه في كل عرضة … بواحد من الحروف السبعة (٦) حتى إذا كان بقرب الحين … عرضه عليه مرتين (٧) ويقول القسطلاني (ت: ٩٢٣ هـ) ﵀: "وقد كان القرآن كله مكتوبًا في عهده- ﷺ ، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور". (٨) وذلك لأن الدواعي إلى عدم جمعه في موضع واحد مفتقرة إلى ذلك، ولا توجد ضرورة ملحة إليه في ذلك الوقت. المبحث الثاني: بيان أن ترتيب الآيات في السور توقيفي وترتيب الآيات في السور أمر توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه البتة: قال الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) ﵀: فأما الآيات في كل سورة، ووضع البسملة في أوائلها، فترتيبها توقيفي بلا شك، ولا خلاف فيه، ولهذا لا يجوز تعكيسها. (٩) وقال السيوطي (ت: ٩١١ هـ) ﵀: الإجماع والنصوص المترادفة على أن ترتيب الآيات

стр. 19

توقيفي لا شبهة في ذلك، وأما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في البرهان، وأبو جعفر بن الزبير في مناسباته وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه ﷺ وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين. (١) ويقول السيوطي (ت: ٩١١ هـ) - أيضًا-﵀: "والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه، ولم ينسخه، ولا رفع تلاوته بعد نزوله، هو الذي بين الدفتين، الذي حواه مصحف عثمان، وأنه لم ينقص منه شيئًا، ولا زيد فيه، وأن ترتيبه، ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى، ورتبه عليه رسوله ﷺ من آي السور، لم يقدم من ذلك مؤخر ولم يؤخر مقدم". (٢) وقال الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀: ولقد" انعقد إجماع العلماء على أن ترتيب الآيات في السورة كان بتوقيف من النبي ﷺ -عن الله ، وأنه لا مَجال للرأي والاجتهاد فيه، ولم يُعْلَم في ذلك مُخالفٌ". (٣) وممن قال بالإجماع الذي حكاه السيوطي والزرقاني كذلك كل من: ١ - ابن قدامة المقدسي (ت: ٦٢٠ هـ) حيث يقول- ﵀: ترتيب الآيات واجب؛ لأن ترتيبها بالنص إجماعًا. (٤) ٢ - وأبو جعفر الغرناطي (ت: ٧٠٨ هـ) حيث يقول- ﵀: اعلم أولاً أن ترتيب الآيات في سورها وقع بتوقيفه وأمره- ﷺ ، من غير خلاف في هذا بين المسلمين. (٥) ٣ - والملا على القاري (ت: ١٠١٤ هـ) حيث يقول- ﵀: ترتيب الآيات توقيفي، وعليه الإجماع. (٦) ٤ - وشهاب الدين النفراوي (ت: ١١٢٧ هـ) حيث يقول- ﵀: ترتيب الآيات توقيفي اتفاقًا. (٧) وقد دل على ذلك أيضًا أدلة كثيرة من السنة الصحيحة الثابتة عن المعصوم ﷺ وهي أكثر من أن تُحصى ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي: ١ - منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ قُلْتُ لِعُثْمَانَ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) إِلَى قَوْلِهِ (غَيْرَ إِخْرَاجٍ) (البقرة من آية: ٢٤٠) قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبُهَا قَالَ تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي لا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ. (٨) فردُ عثمانَ بن عفان على ابْن الزُّبَيْرِ يُفهم منه أنهم-﵃ أجمعين- يعلمون أماكن ترتيب الآيات فتَرَكَهَا عثمان مكانها مثبتةً لأن القرينة تدل عليها، ولأنه هو الذي تعلموه وهو المعمول به لديهم. ٢ - ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن عمر قال ما سألت النبي ﷺ عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال ألا تكفيك آية الصّيْف التي في آخر سورة النساء. (٩) فآية الكلالة مكانها في نهاية سورة النساء وخواتيمها، ولما سأل عمرُ ﵁ رسولَ الله ﷺ أرشده إلى مكانها في آخر السورة. ومن هنا يتبين لنا أمران: الأمر الأول: أن آيات السورة مرتبة ومتتابعة من أولها وحتى آخرها. والأمر الثاني: أن ترتيب الآيات كان مما يُعَلِّمهُ النبيُ ﷺ أصحابهَ الكرام ﵃.

стр. 20

٣ - ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الدرداء مرفوعًا من حفظ عشر آيات من أول الكهف عصم من الدجال وفي لفظ عنده من قرأ العشر الأواخر من سورة الكهف. (١) فقوله: (من أول الكهف) وقوله: (العشر الأواخر) واضح الدلالة على ترتيب آيات السورة كما هو شأن آيات القرآن قاطبة. وكذلك" قراءته ﷺ للسور المختلفة بمشهد من الصحابة يدلّ على أن ترتيب آياتها توقيفي وما كان الصحابة ليرتبوا ترتيبًا سمعوا النبي- ﷺ يقرأ على خلافة فبلغ ذلك مبلغ التواتر. " (٢) ٤ - ومنها ما ثبت عند البخاري من حديث عائشة ﵂، (أنها) قالت: سمع النبيُ ﷺ رجلاً يقرأ في المسجد، فقال: "﵀، لقد أَذْكَرَنِي كذا وكذا آية، أَسْقَطْتُهُنَّ من سورة كذا، وكذا" (٣). فهذا الحديث وأضرابه مما يُستدل به على تعليمه ﷺ أصحابه- رضوان الله عليهم- أماكن الآيات وترتيبها في السور وأنه أمر توقيفي لا محيد عنه ولا محيص. وهناك أدلة كثيرة جدًا تقرر هذه المسألة، فسماع النبي ﷺ للقرآن من أصحابه مرتب الآيات وإقراره ﷺ لقراءتهم، وكذلك صلاته بهم على مدار مرحلة نزول القرآن في ثلاث وعشرين سنة وقد تكرر ذلك تكرارًا ومرارًا وهو معلوم في دواوين السنة، ففي الإشارة إليه غنية وكفاية. ومن أراد زيادة فائدة في هذا الباب فليراجع فضائل قراءة بعض آيات من القرآن بعينها في مظانها من كتب السنة كفضل فاتحة الكتاب وهي أكثر من أن تحصى، وكفضائل الآيتين الآخرتين من سورة البقرة (٤)، وكفضل العشر آيات الأُول من سورة الكهف (٥) وكذلك ما واظب رسول الله ﷺ على قراءته لبعض سور القرآن ولم يغير في آياتها أي شيء، لا بتقديم ولا بتأخير، وذلك كقراءته لسور البقرة، والنساء، وآل عمران، وقراءته، لسورة "ق" في العيد. (٦) وكذلك من فوق المنبر وفي الصلاة كذلك، كما كان يقرأ بـ"المنافقون" في الجمعة (٧). والنبي ﷺ مع مواظبته على قراءة هذه السور والآيات فقد واظب ﷺ كذلك على ترتيبها، فإنه لا يُعْلَم عنه ﷺ أنه غير شيئًا منها البتة. ولا ريب أن فعله ﷺ هذا من أوضح البراهين على أن هذا الترتيب هو ما وافق ترتيبه في اللوح المحفوظ والذي تلقاه عن جبريل-﵇. أدلة أخرى تؤكد على أن ترتيب الآيات توقيفي: ومما يؤكد على أن ترتيب الآيات ترتيب توقيفي كذلك ويبرهن عليه نزول عدد من سور القرآن جملة ودفعة واحدة. وفي تقسيم نزول سور القرآن يذكر السيوطي النوع الثاني، وهو النوع الذي نزل جملة واحدة فيقول- ﵀: " … وَمِنْ أَمْثِلَةِ الثَّانِي: - ما نزل جملة واحدة - سُورَةُ الْفَاتِحَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْكَوْثَرِ وَتَبَّتْ وَلَمْ يَكُنْ وَالنَّصْرُ وَالْمُعَوِّذَتَانِ نَزَلَتَا مَعًا. وَمِنْهُ سُورَةُ الصَّفِّ. (٨) ونسوق بعض الأدلة الصحيحة الثابتة في نزول بعض السور جملة واحدة،

стр. 21

فمن تلك السور التي نزلت جملة واحدة سورة براءة: فقد روى البخاري في صحيحه عَنِ البَرَاءِ- ﵁، قَالَ: " آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ". (١) وقد رواه البخاري كذلك (٢) بلفظ: " آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةَ … " دون لفظة " كاملة ". وقد ذهب بعض العلماء إلى أن سورة براءة نزلت مفرقة ولم تنزل جملة واحدة مدعين عدم صحة لفظة "كاملة ". قال بدر الدين العيني- ﵀: "قَوْله: (كَامِلَة) قَالَ الدَّاودِيّ: لفظ: كَامِلَة، لَيْسَ بِشَيْء لِأَن بَرَاءَة نزلت شَيْئًا بعد شَيْء، قلت: وَلِهَذَا لم يذكر لفظ: كَامِلَة، فِي هَذَا الحَدِيث فِي التَّفْسِير، وَلَفظه هُنَاكَ: آخر سُورَة نزلت بَرَاءَة ". (٣) ولكن الطاهر بن عاشور ذكر في "التحرير والتنوير" أنها نزلت دفعة واحدة وقد عزا هذا القول لجمهور العلماء. (٤) ومن تلك السور التي نزلت جملة واحدة كذلك سورة الفتح: فقد روى البخاري في صحيحه عن عمر-﵁ عن النبي ﷺ قَالَ: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ، لَهِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) ثُمَّ قَرَأَ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) (الفتح: ١). (٥) ومن تلك السور التي نزلت جملة واحدة كذلك سورة البينة: فعَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَبَّةَ الْبَدْرِيَّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب) [البينة: ١] إِلَى آخِرِهَا، قَالَ جِبْرِيلُ-﵇: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُقْرِئَهَا أُبَيًّا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: (إِنَّ جِبْرِيلَ أَمَرَنِي أَنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ) قَالَ أُبَيٌّ: وَقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ) قَالَ: فَبَكَى أُبَيٌّ. (٦) وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة الْكَوْثَر: فعن أنس، قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله قال: "أنزلت علي آنفًا سورة" فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ. فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ. إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (الكوثر كاملة: ١ - ٣). (٧) وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة النصر: فعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: تعلم آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعًا؟ قلت: " نعم، إذا جاء نصر الله والفتح "، قال: صدقت. (٨) وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورة المسد: ثبت في الصحيحين من حديث عَنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ- ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: (يَا صَبَاحَاهْ)، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ، أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) (المسد: ١). (٩)

стр. 22

وكذلك من السور التي نزلت جملة واحدة سورتا المعوذتين: فعن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله ﷺ : ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. (١) والخلاصة فيما سبق: أن نزول كثير من سور قصار المفصل نزلت جملة واحدة هو أمر ثابت بأدلة صحيحة صريحة، كالفاتحة والقدر والماعون والمسد والكوثر والفيل والنصر والكافرون والإخلاص والفلق والناس. وكذا الفتح. وأما ما ذكره بعض أهل التفسير من أن سورًا عدة قد نزلت جملة واحدة كذلك ولا سيما من الطوال، فإن أغلب تلك الأقوال محل نظر واجتهاد والخلاف فيها معلوم لأنها أقوال اجتهادية لم تنهض بها حجة واضحة من دليل صحيح صريح ثابت، ولذا لم يذكر الباحث إلا ما ثبت لديه بالدليل الصحيح الثابت الصريح. هذا: ولابد أن يُعلم أن الأصل في القرآن الكريم أنه جُمع ورتب على أساس موافقته للعرضة الأخيرة، وقد استقرت العرضة الأخيرة لما هو مثبتٌ وموافق لما في اللوح المحفوظ كذلك. المبحث الثالث: عرض الأقوال الواردة في ترتيب السور مع الترجيح بينها يقول السيوطي- ﵀ في الإتقان عن الخلاف في ترتيب السور: وأما ترتيب السور على ما هي عليه الآن في المصحف، فقد اختلف فيه أهل هذا الشأن على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: وهو مذهب الجمهور الذي يرى أن ترتيب السور هو أمر توفيقي من اجتهاد الصحابة، حيث إن النبي ﷺ فوَّضَ ذلك إلى أمته من بعده. ومن أبرز من نحا إلى هذا الرأي الإمام مالك. المذهب الثاني: يرى أن هذا الترتيب توقيف من النبي ﷺ ، وبه قالت طائفة من أهل العلم. المذهب الثالث: يجنح إلى أن ترتيب أغلب السور كان بتوقيف من النبي ﷺ وعلم ذلك في حياته، وأن ترتيب بعض السور كان باجتهاد من الصحابة. (٢) مر بنا آنفًا ما ذكره السيوطي من أقوال العلماء في القول بترتيب السور إجمالًا، والخلاف في هذه المسألة واسع جدًا وله أهميته الكبرى لتعلقه بأمر عظيم يتعلق بكلام الله تعالى، وقد ساق أصحاب كل قول أدلة ما يترجح لديهم القول به، ومن تكلم في هذه المسألة أئمة كبار ممن يُعتد برأيهم، والموضوع ليس بحثًا رئيسًا في موضوع بحثنا، والباحث لم يسق أدلة كل فريق لمناقشتها مخافة الإطالة في بحث هو جانبي عن موضوع البحث الرئيس، وإن كان من الأهمية الكبرى بمكان، لمكانته وقدره

стр. 23

وقدر متعلقه ألا وهو كتاب الله تعالى. والكثير من الأئمة يرى أن ترتيب سور القرآن الكريم كان ترتيبًا توقيفيًا كما كان ترتيب آياته كذلك، وقد ساقوا من الأدلة الواضحات والحجج الدامعات ما يجعل الباحث يقف عندها طويلًا ويعيد التأمل والبحث والنظر فيها كثيرًا، ومن أبرز هذه الأقوال ما يلي: القول الأول: قول الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ) في البرهان ﵀: "قال بعض مشايخنا المحققين: قد وهم من قال: لا يطلب للآية الكريمة مناسبة لأنها على حسب الوقائع المتفرقة وفصل الخطاب أنها على حسب الوقائع تنزيلًا وعلى حسب الحكمة ترتيبًا، فالمصحف كالصحف الكريمة على وفق ما في الكتاب المكنون مرتبة سوره كلها وآياته بالتوقيف … قلت: وهو مبني على أن ترتيب السور توقيفي وهذا الراجح. (١) ولاشك أن مثل قول الزركشي له قيمته العلمية وله مكانته وقدره كذلك، لكونه قد ناقش أدلة كل فريق من جهة، ولتمكنه من هذا العلم من جهة ثانية. القول الثاني: قول السيوطي (ت: ٩١١ هـ) في الإتقان-﵀: "ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلاءً "يعني متوالية" وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات وَلاءً، بل فصل بين سورها وفصل بين "طسم" الشعراء و"طسم" القصص بـ "طس" مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهادًا لذكرت المسبحات وَلاءً، وأخرت "طس" عن القصص". (٢) القول الثالث: قول أبي بكر الأنباري (ت: ٣٢٨ هـ) حيث يقول- ﵀: "اتساق السور كاتساق الآيات والحروف كله عن النبي ﷺ فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن". (٣) القول الرابع: قول الكرماني: (ت: ٨٩٣ هـ) ﵀: "ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب". (٤) القول الخامس: قول شرف الدين الطيبي (ت: ٧٤٣ هـ) كذلك- ﵀: "أنزل القرآن أولا جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل مفرقًا على حسب المصالح، ثم أثبت في المصاحف على التأليف والنظم المثبت في اللوح المحفوظ. ". (٥) القول السادس: قول محب الدين النُّوَيْري (ت: ٨٥٧ هـ) حيث يقول- ﵀: وإنما أمرهم-عثمان- بالنسخ من الصحف؛ ليستند مصحفه إلى أصل أبى بكر المستند إلى أصل النبي ﷺ ، وعيّن زيدًا لاعتماد أبى بكر وعمر عليه، وضم إليه جماعة مساعدة له، ولينضم العدد إلى العدالة، وكانوا هؤلاء؛ لاشتهار ضبطهم ومعرفتهم. وكتبوه مائة وأربعة عشر سورة، أولها "الحمد" وآخرها "الناس" على هذا الترتيب. (٦) يتضح من كلام النويري أنه يرى بأن نسخ أبي بكر كان كاملاً مرتب الآيات

стр. 24

والسور أيضًا، وأنه استند إلى المكتوب، والمحفوظ عن رسول الله ﷺ ، لا فرق بين الآيات والسور في التوقيف، ولذا أمرهم-عثمان- بالنسخ منه. القول السابع: قول أبي جعفر النحاس (ت: ٣٣٨ هـ) حيث يقول- ﵀: "إن تأليف السور على هذا الترتيب من رسول الله- ﷺ (١). القول الثامن: قول أبي الحسن ابن الحصَّار (ت: ٦٢٠ هـ) حيث يقول- ﵀: "ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي". (٢) القول التاسع: قول البغوي (ت: ٥١٦ هـ) حيث يقول- ﵀: إن الصحابة- ﵃، جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ ، من غير أن زادوا فيه، أو نقصوا منه شيئًا … فكتبوه كما سمعوا من رسول الله ﷺ ، من غير أن قدموا شيئًا أو أخروا … فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد، لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على الترتيب الذي هو في مصاحفنا، أنزله الله تعالى جملة واحدة في شهر رمضان ليلة القدر إلى السماء الدنيا، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) (٣). كلام البغوي في غاية الدقة، فهو يرى أن القرآن الذي في أيدينا ما زال كما كان في اللوح المحفوظ، فكان مرتبًا، ونزل مرتبًا إلى السماء الدنيا بكامل آياته وسوره، وأنه وإن نزل منجمًا بعد ذلك على رسول الله ﷺ ، فقد جُمع بالوحي كما كان في اللوح المحفوظ، وكتبه الصحابة- ﵃ على هذا الجمع الذي تعلموه من رسول الله ﷺ . القول العاشر: قول الملا علي القاري (٤) حيث يقول- ﵀: مع أن الأصح أن ترتيب السور توقيفي أيضًا، وإن كانت مصاحفهم مختلفة في ذلك قبل العرضة الأخيرة … ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلَاءً، وكذلك الطواسين، ولم يرتب المسبحات وَلَاءً، بل فصل بين سورها، وكذا اختلاط المكيات بالمدنيات (٥). وفي قول ودليل "علي القاري"، يتضح أن الترتيب وإن لم يرد فيه نص نظري لكنه كان أوكد من خلال التأمل في التطبيق العملي، الذي يوحي بما لا يدع مجالًا للشك بأن الترتيب كان توقيفيًا. وكلامه فحواه مقتبس من قول السيوطي. ولما سبق لم يتردد العلماء في ترجيح هذا الرأي القائل بالتوقيف، فقد قال أحمد بن عبد الرحمن بن محمد البنا الساعاتي: والصحيح أن ترتيب السور والآيات أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه. (٦) ومما نُظم وقيل في ذلك قولُ أبي الحسن بن الحصار (ت: ٦٢٠ هـ) في كتابه "الناسخ والمنسوخ ":

стр. 25

يا سائلي عن كتاب الله مجتهدًا … وعن ترتيب ما يتلى من السور وكيف جاء بها المختار من مضر … صلى الإله على المختار من مضر (١) فابن الحصار يشير إلى أن ترتيب السور جاء بها النبي- ﷺ وهي إشارة واضحة الدلالة من كلامه بأن ترتيب السور توقيفي منه- ﷺ القول الحادي عشر: جملة من أقوال بعض المعاصرين وقد رجح جمع من المعاصرين القول بالتوقيف كذلك، وهم على سبيل المثال لا الحصر على نحو التالي: "جاء في التفسير الوسيط: ترتيب السور على ما جاء في المصحف الشريف بأمر الله (٢). ١ - قال صاحب التفسير الوسيط: والذي تميل إليه النفس أن ترتيب السور توقيفي، وأن كل سورة لها موضوعاتها التي نراها بارزة بصورة تميزها عن غيرها (٣). ٢ - وقال وَهْبَة بن مصطفى الزُّحَيْلِيّ (ت: ١٤٣٦ هـ): ولا خلاف بين العلماء في أن ترتيب آيات السور توقيفي منقول ثابت عن النّبي ﷺ ، كما أن ترتيب السور أيضًا توقيفي على الراجح (٤). وممن قال به كذلك من المعاصرين محمد عبد الله دراز، أحمد شاكر. ومن أبرز ما استدل به بعض هؤلاء على توقيف الترتيب المصحفي ما يلي: ١ - إجماع الصحابة-﵃ على ترتيب السور في المصحف العثماني، إذ لو كان هذا الترتيب ترتيبًا اجتهاديًا لما أجمعوا عليه ولتمسكوا بمصاحفهم ولما قدموها للحرق، ولما اجتمعوا على المصحف الإمام. ولقد" قام عثمان بن عفان- ﵁ بإحراق المصاحف التي وقع فيها الاختلاف، وأبقى لهم المتفَق عليه، كما ثبت في العَرْضة الأخيرة". (٥) وقد ثبت عند البخاري عن أنس بن مالك ﵁، أن حذيفة بن اليمان ﵁ قدم على عثمان ﵁، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرِكْ هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة: أنْ أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبدالله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما نزل بلسانهم (يعني ابتداءً)، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. (٦) (٧)

стр. 26

قال علي بن أبي طالب ﵁: " يا أيها الناس، لا تغلوا في عثمان، ولا تقولوا له إلا خيرًا في المصاحف وإحراق المصاحف، فو الله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا جميعًا ". (١) وقول علي بن أبي طالب ﵁ يدل على أنهم قد أجمعوا عليه إجماعًا سكوتيًا-﵃ أجمعين-. موقف ابن مسعود- ﵁: قال ابن كثير-﵀: "روي عن عبدالله بن مسعود أنه غضب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلَّم في تقدُّم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف، فكتب إليه عثمان بن عفان- ﵁ يدعوه إلى اتِّباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب عبدالله بن مسعود، وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة-﵃ أجمعين-". (٢) وكذلك إجاب ابن مسعود- ﵁ إلى المتابعة في تقديم مصحفه للحرق تعزز ما ذكرناه آنفًا من قول على بن أبي طالب- ﵁ تقوى وتؤكد وتعزز القول بالإجماع السكوتي من جهة، وتقرر الإجماع الفعلي من جهة أخرى كذلك، فرضي الله عنهم أجمعين. وفي ذلك يقول الزرقاني- (ت: ١٣٦٧ هـ) في مناهله-وهو يستعرض أدلة القائلين بالتوقيف: "إن ترتيب السور كلها توقيفي بتعليم الرسول- ﷺ كترتيب الآيات وأنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر منه ﷺ . واستدل أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد. وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم. لكنهم لم يتمسكوا بها بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم وعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعا. ثم ساقوا روايات لمذهبهم كأدلة يستند إليها الإجماع". (٣) فلو سلمنا جدلاً أن ترتيب المصحف كان في أول أمره ترتيبًا اجتهاديًا لا توقيفيًا، لقلنا إن إجماع الأمة قد استقر على الترتيب المصحفي، حتى إن كُتب التفسير كلها على هذا الأمر لا نعلم منها أي مخالف عند السلف والخلف، لكن شذ عن ذلك ثلاثة نفر من المعاصرين، وسيأتي ذكرهم في المبحث القادم بإذن الله تعالى، فلا يجوز والحال كذلك خرق هذا العمل الذي أجمعت الأمة عليه، وإنما المعنى بذلك هو كتب التفسير، لأن أمر المصاحف لا يتجرأ أحدُ على مخالفته البتة إلا مما نادى بعض المستشرقين كما سيأتي بيانه. ٢ - تحزيب الصحابة-﵃ للقرآن ومما استدلوا به كذلك على أن ترتيب السور توقيفي تحزيب القرآن وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) -رحمه الله تعالى: "ومما يدل على أن ترتيب

стр. 27

المصحف كان توقيفيًّا ما أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما عن أوس بن أبي أوس حذيفة الثقفي قال: كنت في الوفد الذين أسلموا من ثقيف … وفيه … فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل من "ق" حتى نختم". ثم قال ابن حجر: "فهذا يدل على أن ترتيب السور على ما هو في المصحف الآن كان في عهد النبي- ﷺ ". (١) وهذا أيضًا دليل واضح جلي ذكره الحافظ في الفتح واستدل به على أن ترتيب السور على ما هو عليه في المصحف الأن كان كذلك في عهد تنزله الأول على عهد النبي ﷺ . ٣ - النظم الترتيبي لبعض السور المتشابهة في مفتتحها، وفي ذلك يقول السيوطي -رحمه الله تعالى-: "ومما يدل على أنه توقيفي كون الحواميم رتبت وَلاءً "يعني متوالية" وكذا الطواسين، ولم ترتب المسبحات وَلاءً، بل فصل بين سورها وفصل بين "طسم" الشعراء و"طسم" القصص بـ "طس" مع أنها أقصر منهما، ولو كان الترتيب اجتهادًا لذكرت المسبحات وَلاءً، وأخرت "طس" عن القصص". (٢) وقد مر ذكره عند عرض أقوال القائلين بتوقيف ترتيب السور. وهذا الترتيب الدقيق الذي ذكره السيوطي للسور المتشابهات في مفتتحها ومطلعها وصفة ترتيبها وتتابعها بتك الدقة المتناهية من سور "آل حميم" وسور "آل طسم"، إذ إن سور "آل حم" السبع رتبت ترتيبًا متواليًا وكذلك سور "آل طسم" الثلاث، وأما سور المسبحات السبع فرغم تشابه مفتتحها فإنها لم تأت متوالية. وقوله: (وأخرت طس) يعني النمل المفتتحة بـ (طس) فقد أخرت عن القصص فجاءت بعدها، وقد وقعت بين سورتي الشعراء والقصص المتشابهتين في الافتتاح بـ (طسم)، فدلل بذلك على أن ترتيب السور توقيفي بلا شك، وهذا استدلال من السيوطي له قوته ووجاهته وحجيته. وسور الحواميم هي: سور ذَوات "آل حم". وسور الطواسين أو الطواسيم هي: السور ذَوات "آل طسم ". وقد جُمِعَتْ على غيرِ قِياس. أما سور "آل حم": فهي سور "آل حم" السبع التي افتتحت بـ"حم" وهي سور: ١ - غافر ٢ - فصلت ٣ - الشورى ٤ - الزخرف ٥ - الدخان ٦ - الجاثية ٧ - الأحقاف. قال الكميت بن يزيد (٣): وجدنا لكم في آل حاميم آية … تأوّلها منّا تقيّ ومعرب (٤) وهي على الترتيب المصحفي على النحو التالي: الأولى: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)) [غافر]. الثانية: (حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢)) [فصلت]. الثالثة: (حم (١) عسق (٢)) [الشورى].

стр. 28

الرابعة: (حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)) [الزخرف]. الخامسة: (حم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)) [الدخان]. السادسة: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)) [الجاثية]. السابعة: (حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)) [الأحقاف] "وقد تجعل "حم" اسمًا للسورة ويدخل الإعراب ولا يصرف". (١) وأما سور "آل طسم": فهي السور المفتتحة بـ (طسم) أو (طس)، وهي ثلاث سور: ١ - الشعراء ٢ - والنمل ٣ - والقصص. وهي على الترتيب المصحفي على النحو التالي: الأولى: (طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) [الشعراء]. الثانية: (طس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ) (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)) [النمل]. الثالثة: (طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢)) [القصص]. أنشد أبو عبيدة: وبالطّواسيم الّتي قد ثلّثت … وبالحواميم الّتي قد سبّعت (٢) وهو يعني بقوله: " قد ثلّثت" أنها ثلاث سور، وبقوله: " قد سبّعت "أنها سبع سور. وأما المسبحات فهي السور المفتتحة بالتسبيح، وهي سبع سور: ١ - الإسراء. ٢ - الحديد. ٣ - الحشر. ٤ - الصف. ٥ - الجمعة. ٦ - التغابن. ٧ - الأعلى. وهي على الترتيب المصحفي على النحو التالي: الأولى: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ) (١) [الإسراء]. الثانية: (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) [الحديد]. الثالثة: (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) [الحشر]. الرابعة: (سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (١) [الصف]. الخامسة: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (١) [الجمعة]. السادسة: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١) [التغابن]. السابعة: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (١) [الأعلى]. وبعد بيان استعراض أقوال وأدلة القائلين بالقول بأن ترتيب السور توقيفي والحكم عليها يتبين لنا ما يلي:

стр. 29

أولًا: قوة أدلتهم وحجيتها ووجاهتها ورجحانها ثانيًا: أن ترتيب السور المصحفي الذي استقر عليه المصحف الإمام هو الموافق لما هو مثبت في اللوح المحفوظ بلا شك وهو الذي أجمع عليه الصحابة ﵃ وتلقته الأمة بالقبول وعليه يجب التمسك والاعتصام والعمل به وعدم الحيد عنه سواء كان هذا الترتيب ترتيبًا توقيفيًا أم ترتيبًا اجتهاديًا، مع رد الدعوات المغرضة المنادية بإعادة ترتيب المصحف ترتيبًا نزوليًا أو ترتيبًا موضوعيًا ورد أي دعوة مماثلة لتك الدعاوي الباطلة الهابطة كتلك الدعاوي التي صدرت من بعض المستشرقين الذين سيأتي ذكرهم ومن تأثر بهم وتابعهم ونادى بفكرتهم من بعض المعاصرين كذلك. المبحث الرابع: بداية مخالفة ومعارضة الترتيب المصحفي بالترتيب النزولي وبيان مصدره لقد تَعرَّضَ لهذا الترتيب فئة من المستشرقين ولا غرابة في ذلك فهذا شأنهم وديدنهم، ولكن عندما يتعرض لهذا الترتيب فئة من بني جلدتنا وممن ينتمون لقبلتنا فمن هنا يأتي التعجب!. فقد أحدث ثلاثة نفر خرقًا لهذا الإجمال، فصنفوا تفاسيرهم على الترتيب النزولي، تاركين الترتيب المصحفي الذي عليه عمل السلف واستقر عليه إجماع الأمة. أما التفاسير الثلاثة فهي: ١ - تفسير بيان المعاني: وهو "تفسير كتاب الله الحكيم حسب النزول لـ" عبد القادر ملا حُوَيِّش" (ت: ١٣٩٨ هـ) (١). ٢ - التفسير الحديث: لـ" محمد عزة دروزة " (ت: ١٤٠٤ هـ) (٢). ٣ - كتاب "معارج التفكر ودقائق التدبر" لـ" عبد الرحمن حبنكة الميداني" (ت: ١٤٢٥ هـ). (٣). أما الشيخ "عبد القادر ملا حُوَيِّش "، والأستاذ "محمد عزة دروزة"، وهما (معاصريين) قد أقرا بأن ترتيب السور في المصحف توقيفي ولا يجوز مخالفة هذا الترتيب، لأنه كان بوحي من الله إلى جبريل إلى رسول الله- ﷺ ". (٤) ومع ذلك فقد خالفا الترتيب التوقيفي في تفسيريهما، وقد احتجا بأن طريقة تناول التفسير تختلف عن الترتيب المصحفي، وقد قدما أعذارًا لا تقوم بها حجة ولا تضح بها محجة. ولم يتعرض الباحث هنا لتلك الحجج الواهية ومناقشتها والرد عليها لضعفها ووهنها من جهة وطولها كذلك، ولكونهم لم يقدموا أي أدلة مقنعة يمكن أن تنهض للاحتجاج من جهة أخرى، وقد ناقشها الباحث مع مدارسة التفاسير الثلاثة في بحث خاص. (٥) وقد أملى كل من " حُوَيِّش " و"دروزة" تفسيرًا معاصرًا قد رتبه كل منهما ترتيبًا نزوليًا لا

стр. 30

ترتيبًا مصحفيًا، و "حُوَيِّش" هو رأس الحربة الذي ابتدأ هذا الأمر الجلل، إذ هو أول من أقبل على هذا العمل الذي خالف فيه ما درج عليه أئمة التفسير وسادات التحبير والتأويل سلفًا وخلفًا، ثم تبعه "دروزة"- كذلك-، وقد تبعهما على هذا العمل كذلك - أيضًا- الشيخ "عبد الرحمن حبنكة الميداني". وجميع هؤلاء بذلك قد خرقوا إجماع الأمة على اتباع الترتيب المصحفي والذي عليه عمل أئمة التفسير من السلف والخلف، وفي حدود علم الباحث واطلاعه الضيق أن هذا العمل لم يسبقهم إليه أحدٌ أبدًا من هذه الأمة، إلا ما كان من دعوة ونداء بعض المستشرقين لإعادة ترتيب القرآن ترتيبًا نزوليًا وذلك سعيًا منهم لبث الشبهات حول القرآن ولزعزعة الثقة في كتاب الله ولاسيما في نفوس الأجيال المقبلة، ومن أبرز هؤلاء المستشرقين: ١ - المستشرق الألماني غوستاف ليبرشت فْلوجِل: (ت: ١٢٧٨ هـ). ٢ - والمستشرق الألماني اليهودي غوستاف فايل: (ت: ١٣٠٦ هـ). ٣ - والمستشرق الألماني فريدريش شفالي: (ت: ١٣٣٨ هـ)، وهو تلميذ تيودور نولدكه ٤ - وشيخ المستشرقين الألماني تيودور نولدكه: (ت: ١٣٤٩ هـ). وهو من أوائل المستشرقين الذين أثاروا مسألة إعادة ترتيب القرآن الكريم، "وفق ترتيب النزول". ولقد أفنى جزءًا كبيرًا من حياته، معتمدًا على كتاب أبي القاسم عمر بن محمد بن عبد الكافي من رجال القرن الخامس. (١) ويقال بأنه ندم في آخر حياته على الجهد الكبير الذي بذله في علم لا يمكن أن يصل فيه إلى نتائج قطعية بسبب اختلاف الروايات وتضاربها. ٥ - والمستشرق الإنجليزي ديفيد صموئيل مرجليوث: (ت: ١٣٥٨ هـ). ٦ - والمستشرق الفرنسي ريجي بلاشير: (ت: ١٣٩٣ هـ) وقد قام "بلاشير" (زعمًا منه) بترجمة القرآن الكريم للفرنسية عام ١٣٧١ هـ-١٩٥٠ م، والحقيقة أن الترجمة تمتنع تمامًا لأسباب كثيرة لا يسع المجال لذكرها، وإن الذي يمكن ترجمته إنما هو معاني القرآن فحسب. وقد رتب "بلاشير" تلك الترجمة المزعومة بحسب ترتيب النزول أول الأمر. ثم بعد سبع سنوات من تأمله ثبت لديه عدم صواب وجدوى طريقته الأولى التي استخدمها ألا وهي الترتيب بحسب ترتيب النزول فأعاد ترتيب ترجمته هذه بحسب الترتيب المصحفي. ولقد تأثر بهؤلاء المستشرقين الكفرة بعض المعاصرين كذلك، ومن أمثال هؤلاء: ١ - يوسف راشد (ت:؟) الذي يقول: "إن ترتيب القرآن في وضعه الحالي يبلبل الأفكار ويضيع الفائدة من تنزيل القرآن، لأنه يخالف منهج التدرج التشريعي الذي روعي في النزول. ويفسد نظام التسلسل الطبيعي للفكرة، لأن القارئ إذا انتقل من

стр. 31

سورة مكية إلى سورة مدنية اصطدم صدمة عنيفة، وانتقل بدون تمهيد إلى جو غريب عن الجو الذي كان فيه. وصار كالذي ينتقل من درس في الحروف الأبجدية إلى درس في البلاغة". (١) وكذلك له رسالة تحت عنوان: "رتبوا القرآن كما أنزله الله". وقد أقام اللهُ لها الدكتورَ/ محمد عبد الله دراز-﵀ فقام بالرد عليها بتقرير رفعه إلى إدارة الأزهر. (٢) ٢ - وميرزا باقر الأسكوئي الحائري الرافضي (ت: ١٣٠١ هـ) ٣ - والدكتور/ يوسف صديق التونسي (معاصر) من مواليد (١٣٦٢ هـ)، هو فيلسوف وعالم انثروبولوجي. ٤ - وعائشة بنت عبد الرحمن المعروفة بـ "بنت الشاطئ" (ت: ١٤١٩ هـ) والتي لها التفسير البياني للقرآن، وقدر صدر في جزئين تناولت فيه تفسير بعض سور القرآن. وأخيرًا فهل تحققت الأهداف التي رامها مُفْتَتِحُو هذا الباب أولًا: لم تتحقق تلك الأهداف كما مر معنا، وكيف تتحقق في أمر عظيم جلل أجمع عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا وقد خرقوا هذا الإجماع. ثانيًا: كيف تتحقق تلك الأهداف ولم تقترن بأي مبررات مقنعة أو أي معالم ظاهرة أو حجج دامغة وبراهين ساطعة وأجوبة مسكتة. وإنما الذي تحقق من الأهداف هو ما أراده مُؤسسو ومرجو هذا الفكرة أولًا من المستشرقين، بل إن أحدهم قد تراجع عن هذا العمل ألا وهو المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير: (ت: ١٣٩٣ هـ) وقد مر معنا آنفًا ذكر خبر تراجعه عن ترتيب ترجمته للقرآن بحسب ترتيب النزول لما رأى خطأه، فأعاد ترتيب تلك الترجمة بحسب الترتيب المصحفي، هذا مع سوء نيته وخبث طويته. فهل كان للثلاثة نفر الذين خرقوا هذا الخرق أن يتراجعوا عن فعلهم كما تراجع عن مثله ذلك المستشرق، ويؤبوا إلى ما أجمع عليه أسلافهم الصالحون، لأنهم بذلك قد أفسدوا نظم القرآن. وقد قيل في نحو ذلك: "من قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن". (٣). وَلَمَّا أنهم كانوا قد قضوا نحبهم وقضوا آجالهم فحق لأهل الحل والعقد من الجهات المعنية في الأمة أن يبرموا في ذلك أمر رشيدًا وأن يعملوا على رأب صدعهم بعد أن أفضوا إلى ربهم، فكان لزامًا عليهم أن يقوموا بما أوجب الله عليهم تجاه كتاب ربهم، ولقد عناهم الله بقوله: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران: ١٨٧). قال ابن سعدي في تفسيره: "الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه،

стр. 32

ويوضح الحق من الباطل". (١) فلزمهم أن يقوموا بواجبهم تجاه كتاب ربهم ويردوا تلك المصنفات إلى ما أجمعت عليه الأمة وسارت عليه تلك القرون الطوال، كما يُرد المتشابه إلى المحكم، فإن من خصائص أهل الحق رد المتشابه إلى المحكم، كما إن من خصائص أهل الباطل اتباع المتشابه ورد المحكم. طوام كبرى نخشاها هذا ونخشى أن يأتي على الأمة زمان يأتي فيه من يُنادي بإعادة ترتيب آيات القرآن ترتيبًا نزوليًا كما نادى المستشرقون بترتيب السور ترتيبًا نزوليًا كذلك، وهم يريدون بذلك الطعن في القرآن ليفقد بذلك أعظم دلائل بقائه وحفظه، من مصداقيته، وتحقق أوجه إعجازه، وجزالة لفظه، ودقة نظمه، وترابط نصه، ووحدة موضوعيته، ولكن كما قال الله تعالى: (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة من آية: ٣٢)، فقد تولى الله تعالى حفظ كتابه بذاته العلية فقال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩)، ونخشى أن يتبعهم على ذلك من أعمى الله بصائرهم عن لزوم الحق والتمسك به ممن لا خلاق لهم ولا حظ ولا نصيب من علم ولا ورع ولا تقوى من بني جلدتنا، والله تعالى وحده من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل. والحمد لله رب العالمين. بيان وجوب احترام الترتيب المصحفي وعدم التعرض له، والتصدي لمن تعرض له والخلاصة فإن الأمر قد انتهى إلى أنه يجب احترام هذا الترتيب. "وسواء أكان ترتيب سور القرآن اجتهاديًا (من الصحابة) أو توقيفيًا (من عند الله) فإنه يجب احترامه خصوصًا في كتابة المصاحف لأنه عن إجماع الصحابة والإجماع حجة. ولأن خلافه يجر إلى الفتنة ودرء الفتنة وسد ذرائع الفساد واجب. ". (٢) وبعد الانتهاء من بيان أمر تلك التفاسير الثلاثة التي خالف مؤلفُوها جماهير السلف والخلف في لزوم الترتيب المصحفي، والجنوح عنه إلى الترتيب النزولي نرجع إلى أصل البحث هنا ألا وهو استعراض أقوال وأدلة القائلين بالقول بأن ترتيب السور توقيفي والحكم عليها، وقد تبين لنا أمورًا ذكرنا منها أمرين اثنين وننتقل إلى ما تبقى من تلك الأمور فيما يلي: ثالثًا: إن كان في ترتيب آيات القرآن فيه من الإعجاز ما فيه، فإن ترتيب السور قد استخرج منه العلماء دررًا في علم المناسبات بين السور كذلك. فهو لا يقل شأنًا عن ترتيب آياته. قال محمد بن سيرين (ت: ١١٠ هـ) لعكرمة (ت: ١٠٧ هـ) أيّام الجمع الأول للقرآن: "ألَّفوه كما أُنزل الأول فالأول، فقال عكرمة: لو اجتمع الإنس والجن على أن يألفوه ذلك التأليف ما استطاعوا ". (٣) رابعًا: الأولى في تلاوة القرآن مراعاة الترتيب المصحفي سواء كان ذلك في الصلاة أم

стр. 33

خارجًا عنها لأنه الأصل، وإن حاد عنه أحيانًا جاز له ذلك ولكنه ترك الأفضل والأولى والأحسن والأكمل والأتم، وذلك لأن ترتيب التلاوة أمر مندوب وليس بواجب بدليل فعله-﵊ ذلك في صلاته في بعض الأحايين. ويلحق البعض بذلك تعليم الصغار من بداية قصار المفصل لوجود المشقة والعنت في حفظ السور الطوال - بداية -، بل ولامتناعه عليهم أيضًا، وقد جرى على ذلك عمل الكثير من الأوليين في تعليم الصغار، وقد يلحق بهم كذلك تعليم الأعاجم الذين لا يحسنون العربية، وكذلك من أسلم وكان حديث عهد بكفر، وكذلك كبار السن ومن لديه تعثر وثقل في اللسان، وكل من يلحقه عنت ومشقة في الحفظ وتعلم التلاوة من بداية السور الطوال، وذلك لاشتراكهم جميعًا مع الصغار في العلة والسبب على حد سواء، ووجه الجواز في ذلك قراءة النبي ﷺ أحيانًا على غير الترتيب المصحفي مما يدلل على عدم وجوب ذلك تلاوة من- جهة-، كما يدلل على جوازه عند الحاجة التي يتعثر معها الحفظ كالتي ذكرنا وما في نحوها كذلك من - جهة ثانية-، ولأن تلاوة كل فرد غير مثبتة في مصحف خاص لديه، بل إن كل منهم يتلو ويحفظ من مصحف واحد في ترتيبه المصحفي الذي أجمعت عليه الأمة سلفًا وخلفًا وجرى قبوله إجماعًا والعمل عليه ماض في الأمة عبر كل أجيالها، فتغير الترتيب المصحفي سالم ومأمون. والله أعلم. ومما يدلل على ذلك ما ثبت عند مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيَّ ﷺ ، ذاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَح البقَرَةَ، فقلتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ المِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فقلتُ: يُصَلَّي بِهَا في ركْعَةٍ، فمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَح النِّسَاءَ فَقَرأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَها، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذا مَرَّ بِآيَةِ فِيها تَسْبيحٌ سَبَّحَ، وَإِذا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإذَا مَرَّ بتَعوَّذ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ … الحديث. (١) وفي نحو ذلك يقول النووي- ﵀ في التبيان: "قال العلماء ﵏: الاختيار أن يقرأ على ترتيب المصحف، فيقرأ الفاتحة، ثم البقرة ثم آل عمران، ثم النساء إلى أن يختم بـ (قُلْ أَعوذ بربِ النَّاس) سواء قرأ في الصلاة أم خارجًا عنها، ويستحب أيضًا إذا قرأ سورة أن يقرأ بعدها السورة التي تليها، ولو قرأ في الركعة الأولى: (قُلْ أَعوذ بربِ النَّاس) يقرأ في الثانية من البقرة ودليل هذا: أن ترتيب المصحف لحكمة، فينبغي أن يحافظ عليها إلا فيما ورد الشرع باستثنائه كصلاة الصبح يوم الجمعة، يقرأ في الركعة الأولى: (ألم تَنزيل) وفي الثانية: (هَلْ أتَى) وصلاة العيدين (قاف) و (اقتربت). ولو خالف الترتيب فقرأ سورة ثم قرأ التي قبلها، أو خالف الموالاة فقرأ قبلها ما لا يليها جاز وكان تاركًا للأفضل، وأما قراءة السورة من آخرها إلى أولها فمتفقٌ على منعه وذمِّه؛ فإنه يُذهب بعض أنواع الإعجاز، ويزيل حِكمة الترتيب ". (٢)

стр. 34

وكما كان- ﷺ يقرأ في الجمعة أحيانًا بـ الجمعة في "الأولى" والغاشية في "الثانية". خامسًا: بما أن الترتيب المصحفي قد أجمعت الأمة عليه سلفًا وخلفًا وجرى العمل عليه فلا يحق لأحد كائنًا ما كان خرق الإجماع الذي هو حجة في ذاته والحيد عنه إلى غيره من أنواع الترتيب، نزوليًا كان أو موضوعيًا أو تاريخيًا أو غير ذلك مما لم يجر عليه عمل من جمعوا القرآن في عهوده الثلاثة، ولم يجر عليه عمل أي أحد ممن اتبعوهم بإحسان، وسواء كان الترتيب المصحفي هذا ترتيبًا توقيفيًا، أم كان ترتيبًا اجتهاديًا، وذلك صيانة وحفظًا لكتاب الله تعالى من التبديل والتغيير والتحريف، ولما يترتب على ذلك من مفاسد وطوام لا تحمد عقباها، وكذلك لما قد يفتح باب التجرؤ على العبث في كتاب الله تعالى الذي (لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) (فصلت: ٤٢). من هنا كان واجب التصدي لمثل هذا العمل وإبرازه للعباد بين الفينة والفينة انتصارًا لكتاب الله تعالى وردًا لمطاعن الطاعنين والمشككين في كتاب رب العالمين من سائر أعداء الملة والدين من الذين لا يهدأ لهم بال ولا يقر لهم قرار ولا يتوقفون عن الطعن في كتاب الله تعالى ويعملون ويسعون في ذلك ليل نهار عبر الزمان والمكان، ورد سهامهم في نحورهم لينقلبوا إلى أهلهم خاسرين ويندحروا خاسئين ويرجعوا إلى جحورهم ذليلين وينقلبوا صاغرين. - نعم يقومون بذلك نصحًا لله تعالى ولكتابه كما قام الصديق الأول- ﵁ يوم الردة، وكما قام الإمام المبجل أحمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة- ﵀ لكتاب الله يوم المحنة. فكان التصدي لهؤلاء وأمثالهم وأذنابهم جميعًا من أوجب الواجبات المتحتمات على المعنين بهذا الشأن العظيم من المرابطين على ثغور الإسلام وحماته ومن الغيور على دينهم وكتاب ربهم وممن يحبون أن يشملهم وصف ربهم لهم: (والذين اتبعوهم بإحسان) فيتحقق لهم وعده في قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: ١٠٠). وذلك كله سعيًا في تحقيق وعد ربهم الذي لا يتخلف ولا يتأخر ولا يتبدل ولا يتغير أبدًا، الذي قال فيه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ١٠٩) وختامًا لهذا المبحث نسوق لطيفة للألباني - محدث العصر- ﵀: وقد وُجِهَ إليه هذا السؤال: ما الغاية من جمع القرآن ووضعه في المصحف وهل ترتيب السور في المصحف توقيفي أو اجتهادي.؟ فكان مما أجاب عنه بعد كلام طويل-﵀: ما يلي: " … ما أدري، لا أدري، هنا المسألة يقال فيها مسألة تعبدية لأن ترتيب القرآن ليس على حسب التاريخ، التاريخ النزولي الذي تشير إليه، هذه مسألة اختلف فيها العلماء هل

стр. 35

هي توقيفية أم اجتهادية بعكس لما تنظم آية فتوضع في سورة، فهذا توقيفي يقينًا، أما ترتيب السور تقديمها وتأخيرها فمثلا اقرأ باسم ربك المفروض حسب السؤال المطروح آنفا أنها توضع في أول ما نزل فهي قد وضعت في آخر ما نزل، اختلفوا في هذا الترتيب للسور وليس في ترتيب الآيات في السور، ترتيب الآيات في السور توقيفي بدون أي تردد، أما ترتيب السور كما هو الآن في المصحف اختلفوا فمنهم من يقول هذا توقيفي أيضًا من الرسول-﵇ ومنهم من يقول لا هذا باجتهاد من بعده، أما أنا شخصيًا ليس عندي رأي قاطع في الموضوع ولكن أقول إذا كان الراجح أنه توقيفي فهنا يأتي جواب السؤال السابق الله أعلم، وإذا كان هو باجتهاد ممن جمعوا القرآن بعد الرسول-﵇ وصنفوه من بعده على هذا التصنيف فأنا ما عرفت ما هي الحكمة، ولذلك فأكل العلم إلى عالمه". (١) فلنتأمل كيف بعلم من الأعلام وسيد من سادات الأنام يقول مثل هذا الكلام، (ما أدري، لا أدري، … فأنا ما عرفت ما هي الحكمة، … ولذلك فأكل العلم إلى عالمه) فرحم الله الألباني ذاك العالم الرباني. وقد طال بنا البحث والتطواف فيما مضى ذكره لعظم الخطب. والحمد لله رب العالمين. (٢) الفصل الثالث بيان شروط جمع أبي بكر-﵁ والصفة التي تم بها وفيه سبعة مباحث: وهي إجمالًا على النحو التالي: المبحث الأول: التعريف بـ " زيد بن ثابت " المكلف بالجمع المبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار " زيد " المبحث الثالث: أسباب اختيار " زيد " لهذه المهمة إجمالًا المبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع المبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر- ﵁ المبحث السادس: منهج أبي بكر الذي وضعه لـ " زيد " في جمع وتدوين القرآن الكريم المبحث السابع: مصير صحف أبي بكر- ﵁ وهي تفصيلًا على النحو التالي: المبحث الأول: التعريف بـ " زيد " المكلف بالجمع أما المكلف بالجمع فهو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي، من كتَّاب الوحي لرسول الله- ﷺ وكان مشهورًا بالصدق والأمانة، وتفقَّه في الدين حتى أصبح رأسًا بالمدينة في القضاء والفتوى والقراءة والفرائض على عهد عمر وعثمان وعلي ﵃، وكان يُعدُّ من الراسخين في العلم، تُوفِّي سنة ٤٥ هـ، ولمَّا تُوفِّي رثاه حسان بن ثابت- ﵁، وقال أبو هريرة ﵁: "اليوم مات حبر هذه الأمَّة وعسى الله أن يجعل في ابن عبَّاس منه خلفًا" (٣) ولقد " ولد في المدينة، ونشأ بمكة، وقتل أبوه وهو ابن ست سنين، وهاجر مع النبي- ﷺ وهو ابن إحدى عشرة سنة، تعلم السريانية في سبعة عشر يومًا ". (٤) وإنما اختصه النبي ﷺ بتعلم لغة اليهود، ليكتب النبي- ﷺ إليهم وليقرأ له ما يكتبون. (٥) ولقد عُرِفَ زيدٌ واشتهر بكمال الدين والعلم مع حسن السيرة والعدالة، وكان من أصحاب الفتوى الستة من الصحابة ﵃. وحفظ القرآن الكريم كله عن ظهر قلب في حياة الرسول- ﷺ وكان من أبرز كُتَّابِ الوحي بين يدي رسول الله- ﷺ ، كما عرف أنه كان ممن يكتب للنبي ﷺ إلى الملوك كذلك، وغير ذلك من المناقب العظيمة. ولقد بوب الإمام البخاري- ﵀ في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب " مناقب زيد بن ثابت ﵁. " (٦)

стр. 36

المبحث الثاني: أبرز المقومات الداعية لاختيار " زيد " لقد تحلى زيدٌ ﵁ وتجمل بمحاسن الصفات الذاتية والمقومات الإيمانية العالية التي تؤهله للقيام بهذه المهمة العظيمة وتحمل مسؤوليتها، وذلك من النشاط والقوة والحيوية المصحوبة برجاحة العقل والورع والأمانة والتقوى المقرونة بالجُرأة في الحق مع تعظيم شعائر الله، إضافة إلى تحمله للمسؤولية ومعرفة ضخامة المهمة، كل ذلك مع اتقانه وحفظه للقرآن المقرون بتوافر الخبرة السابقة في أداء المهمة نفسها، ألا وهى كتابة الوحي للنبي ﷺ . ولا شك في أن تلك الصفات التي تحلى بها تعينه على دقة التحرِّي في جمع الكريم على الوجه المطلوب والذي يليق بمكانة كتاب الله تعالى سعيًا في تحقيق وعد الله تعالى الذي لا يتخلف الذي قال فيه سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩). ولنتأمل ما ثبت في الجامع الصحيح في الحديث المشهور الذي رواه البخاري بسنده عن زَيْد بْنَ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ- ﵁: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ إِنَّ الْقَتْلَ قَدْ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجمع القرآن، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ- ﷺ ؟ قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جمع القرآن. قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) (التوبة: ١٢٨) حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ- ﵁. (١) وبدأ زيد بن ثابت ﵁ في مهمته الشاقة، معتمدًا على المحفوظ في صدور القراء والمكتوب لدى الكُتَّاب، وقد راعى غاية التثبت؛ فمع كونه حافظًا لم يكتفِ بمجرد وجدانه الآيات مكتوبة حتى يشهد بها من تلقَّاها سماعًا، قال ابن شامة: وكان غرضهم ألا يكتب إلا عين ما كتب بين يدي النبي ﷺ ، لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة (لم أجدها مع غيره) أي لم أجدها مكتوبة مع غيره لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون

стр. 37

الكتابة. (١) لقد اختاره أبو بكر-﵁ لهذه المهمَّة العظيمة والخطب الجسيم، لما تفرس فيه من الأمانة ورجاحة العقل، وقربه من الرسول ﷺ ، واعتماده- ﷺ ، عليه. ويقول الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ في ذلك: " اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن، ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفاظ القرآن، ومن كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وشهد العرضة الأخيرة (٢) للقرآن في ختام حياته ﷺ ، وكان فوق ذلك معروفًا بخصوبة عقله، وشدة ورعه، وعظم أمانته، وكمال خلقه، واستقامة دينه (٣). المبحث الثالث: أسباب اختيار " زيد " لهذه المهمة إجمالًا يمكن إجمال هذه الأسباب فيما يلي: ١ - أنه من الحفاظ الذين اشتهروا بحفظ القرآن واتقانه على عهد النبي ﷺ ٢ - توفر عنصر القوة والنشاط والحيوية فيه، وإنما يؤخذ ذلك من قول أبي بكر-﵁ له: "إنك رجل شاب"؟ والشاب له من القوة والنشاط ما ليس لغيره. والشباب له ميزة قد تخفى غالبًا، ألا وهي أنهم علموا ما نسخ مما بقيت تلاوته بخلاف الكثير من الكبار الذين تقدم إسلامهم، والذين قد يخفى على البعض منهم ما نسخ، وذلك بخلاف الشباب، والله أعلم. ٣ - اتصافه بالذكاء والفطنة ورجاحة العقل وسرعة البديهة وهي مقومات تعينه على حسن التصرف ولا سيما عند تشابك وتشابه الأمور، ولاشك أن ذلك أدعى لكمال العمل وإتمامه وإحسانه، وإنما يؤخذ ذلك من وصف أبي بكر- ﵁ له بأنه: "عاقل"، ومما يدلل على ذلك أيضًا صدوره عن رأي أبي بكر وعمر- ﵄ ورجوعه إليه بعد أن علم أنه الحق. ويتبين ذلك من قوله: " فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- ﵄"، فما كان تردده- ﵁ وتوقفه في بادئ الأمر إلا عن رجاحة عقلٍ وإعمال فكرٍ. ٤ - ما ناله من اطمئنان وتزكية أبي بكر- ﵁ له من خلوه من الموانع القادحة كخوارم المروءة ومما يشين من الصفات، فلا تتوجس النفس منه ولا ترتاب ولا تشك فيه، وبذلك لا تلحقه أدنى تهمة قادحة في دينه تمنع من قبول عمله وأداء مهمته الجسيمة، ويستنبط ذلك من قوله له: " لا نتهمك ". ٥ - وجود الخبرة السابقة لديه في نفس المهمة التي سيقوم بها ألا وهي كتابة الوحي للنبي- ﷺ ، مع ما - قيل- واشتهر من شهوده للعرضة الأخيرة، وهي ما يشبه ما يسمى بـ" شهادة الخبرة " في عصرنا الحالي.

стр. 38

ذلك لأن زيدًا- ﵁ قيل- أنه شهد العرضة الأخيرة بين يدي النبي ﷺ والتي بيَّنَ لهم فيها ما نُسِخ من القرآن وما استقر بقاؤه، فأمَر- ﷺ بإبقاء الناسخ وتركِ المنسوخ، وقرأ- ﷺ القرآن على الحالة التي استقر عليها على زيدٍ، فكان- ﵁ يؤمُّ الناس به حتى وفاته ﷺ . ولاشك أن تلك ميزة تميز بها زيدٌ لم تجتمع لأحد من الصحابة- ﵃ سواه، إلا ما كان من ابن مسعود ﵁. ولقد روى البَغَويُّ (ت: ٥١٦ هـ) عن أبي عبدالرحمن عبد الله بن حبيب السُّلَمِي (ت: ٧٤ هـ) أنه قال: قرأ زيد بن ثابت على رسول الله- ﷺ في العام الذي توفاه الله فيه مرتين … إلى أن قال عن زيد بن ثابت أنه: " شهد العرضة الأخيرة، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات، ولذلك اعتمده أبو بكر وعمر في جمعه، وولاه عثمان كَتبة المصاحف- ﵃ أجمعين - ". (١). "وإنما سميت هذه القراءة قراءة زيد بن ثابت، لأنه كتبها لرسول الله- ﷺ وقرأها عليه، وشهد العرضة الأخيرة ". (٢) ٦ - تحليه بالتقوى وتعظيم شعائر الله. ويؤخذ ذلك أيضًا من قوله- ﵁ لأبي بكر وعمر ﵄: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟! قال ابن بطال-﵀: " إنما نفر أبو بكر أولًا، ثم زيد بن ثابت ثانيًا، لأنهما لم يجدا رسول الله- ﷺ فعله، فكرها أن يحلا أنفسهما محل من يزيد احتياطه للدين على احتياط الرسول- ﷺ ". (٣). ولا شك أن ذلك من شواهد تقوى الله- تعالى- وتعظيم شعائره. ٧ - جُرأته في الحق، ويتبين ذلك من قوله لأبي بكر وعمر- ﵄: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟!، فلم يمنعه قول ذلك لأكبر رأسين في الأمة لمَّا ظنَّ أنهما على غير صواب، وهذا من أبين المقومات التي تؤهله للقيام بهذه المهمة الجسيمة بلا مجاملة ولا محابة لأحد أبدًا. ٨ - حرصه على الاتباع وخشيته من الابتداع وحرصه على لزوم حدوده الله، ويؤخذ ذلك من رفضه القيام بالمهمة أول الأمر وتردده في قبولها، فما لبث أن شرح الله صدره لما شرح له صدر أبي بكر وعمر- ﵃ أجمعين-. ٩ - تحمله للمسؤولية ومعرفة ضخامة المهمة وعظم شأنها وجليل قدرها، ويتبين ذلك من قوله- ﵁: " فَوَ اللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ ". المبحث الرابع: الدواعي لهذا الجمع أولًا: بيان تلك الدواعي بإيجاز كان السبب في جمع القرآن الكريم في زمن أبي بكر الصدّيق ﵁ خوفُ الصحابة ﵃ من ضياع شيءٍ منه، خاصّةً بعد استشهاد كثيرٍ من حَفَظة القرآن، فكان الأفضل أن يُجمَع في موضعٍ واحدٍ؛ لِما في ذلك من أمانٍ، وحِفاظٍ عليه؛ خوفاً ممّا قد

стр. 39

يحصل في المستقبل، (١) وكانت معركة اليمامة التي جرتْ أحداثها في السنة الثانية عشرة للهجرة قد استشهد فيها قريبًا من سبعين صحابيًا من كبار القراء وحفّاظ القرآن الكريم. (٢) ولقد توفي رسول الله ﷺ ولم يتم جمع القرآن الكريم في عهده في المصاحف، بل كان محفوظًا في صدور الصحابة الكرام وبعض سوره مكتوبة في الألواح وبعض الصحُف، وعندما بُويع أبو بكرٍ الصدِّيق بالخلافة صار من الضروري أن يتم جمع القرآن الكريم كلِّه في الصحف وذلك لأسباب عديدة أولُها وفاة رسول الله ﷺ ونهاية الوحي، وكذلك بسبب وفاة الكثير من الصحابة في حروب الردة والذين كان من بينهم كثير من الحفظة لكتاب الله، وقد تنبَّه عمر بن الخطاب ﵁ لذلك فاقترح على الخليفة أبي بكرٍ الصديق أمرَ جمع القرآن الكريم وبسرعة، وتدوينه في الصحف حتى لا تضيع آياتُ الذكر الحكيم بموت الحفظة، واستجاب أبو بكر الصديق لذلك بعد تردده في بداية الأمر، لأنَّه أمرٌ غير مسبوق ولم يحدث في عهد رسول الله ﷺ . (٣) - يعني جمعه بين دفتين في مصحف واحد. ولقد "كثرة الصُّحُف التي بين أيدي الصحابة الكرام، والتي اعتزَّ كلٌّ منهم أنه كتبها بين يدي رسول الله ﷺ ، وفيهم مَنْ أسلم في بداية العهد المكي. ولا يُعقَل أن يكونوا كتبوها جميعًا، في عهد أبي بكر. وبهذا يطمئن القلب أن القرآن الكريم كله كان مكتوبًا في عهده النبي الكريم، وإن كان غير مجموع في موضع واحد". (٤) ولقد ظل القرآن الكريم على هذه الحال مفرقًا غير مجموع في مصحف واحد، إلى أن كانت خلافة أبي بكر، فواجهته أحداث جسيمة، وقامت حروب الردة، واستحرّ القتل بالقراء في وقعة اليمامة - سنة اثنتي عشرة للهجرة - التي استشهد فيها سبعون قارئًا من حفاظ القرآن. هالَ ذلك عمر بن الخطاب، وخاف أن يضيع شيء من القرآن بموت حفظته، فدخل على أبي بكر، وأشار عليه بجمع القرآن وكتابته خشية الضياع، فنفر أبو بكر من مقالته، وكَبُرَ عليه أن يفعل ما لم يفعله النبي ﷺ ، فظل عمر يراوده حتى اطمئن أبو بكر لهذا الأمر. ثم كلف أبو بكر زيد بن ثابت بتتبع الوحي وجمعه، فجمعه زيد من الرقاع والعسب واللخاف وصدور الرجال. حرص زيد بن ثابت على التثبت مما جمعه، ولم يكتف بالحفظ دون الكتابة، وحرص على المطابقة بين ما هو محفوظ ومكتوب، وعلى أن الآية من المصدرين جميعًا. فكان ذلك أول جمع للقرآن بين دفتين في مصحف واحد. واحتفظ أبو بكر بالمصحف المجموع حتى وفاته، ثم أصبح عند حفصة بنت عمر. (٥) ثانيًا: بيان الباعث الرئيس لجمع الصديق إن جمع أبي بكر الصِّدِّيق للقُرْآن كان بسبب خشيته أن يذهب من القُرْآن شيء بذهاب حَمَلتِه؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، فجمعه في صحائف

стр. 40

مرتبًا لآيات سوره على ما وقفهم عليه النبي ﷺ . (١) ثالثًا: تتلخص أبرز الأسباب والدواعي لهذا الجمع فيما يلي: ١ - انقطاع الوحي بوفاة رسول الله ﷺ ، فكان لزامًا على المسلمين حفظ كتاب ربهم من الضَّياع. ٢ - ويعد من الأسباب الرئيسة والباعثة على كتابة القرآن وجمعه في عهد الصديق ﵁ مقتل سبعين من القراء يوم اليمامة، إذا كان الخوف من ضياع شيء من القرآن وذهابه بذهاب وموت حملته وحفاظه في حروب الردة. ٣ - كما كان خشية تكرار تحري القتل في حفاظ القرآن فيما يستقبل من معارك وجهاد المشركين من الأسباب الداعية لجمعه في مكان واحد كذلك، ويخشى أن يكون عند أحد من الصحابة شيء من القرآن المكتوب فيذهب بموت حامله. لذا فإنه لمّا تحر القتل في القراء يوم اليمامة وخشي الصحابة ﵃ ذهاب القرآن بذهاب حملته الذين قتلوا في حرب المرتدين، وخشيتهم استمرار ذلك القتل فيما يستقبل من معارك كذلك؛ فأجمعوا أمرهم على جمع القرآن في مكان واحد بقيادة أبي بكر- ﵃ أجمعين. و إن أمر هذا الجمع كان معتمده على المحفوظ في الصدور والمكتوب في السطور، ولذلك اعتنى الصديق بتلك الصحف عناية بالغة بالصحف فبقيت عنده حتى وفاته، ثم عند عمر حتى وفاته، ثم بقيت عند حفصة حتى طلبها عثمان ﵁ في جمع الأمة على " الإمام". "وكان الغرض من هذا الجمع تقييد القرآن كله مجموعًا في مصحف واحد حتى لا يضيع منه شيء، دون أن يحمل الناس عليه لعدم ظهور الخلاف في قراءته". (٢) المبحث الخامس: مميزات جمع أبي بكر- ﵁ - أما عن مميزات هذا الجمع فيُجملها الزرقاني (ت: ١٣٦٧ هـ) ﵀ في مناهله فيما يلي: مزايا جمع القرآن في عهد أبي بكر كان لِجمع القرآن في عهد أبي بكر ﵁ منزلة عظيمة بين المسلمين، فلم يَحصل خلاف على شيء مِمَّا فيه، وامتاز بِمزايا عديدة، منها: أولًا: أنه جمع القرآن على أدقِّ وجوه البحث والتحري، وأسلم أصول التثبت العلمي .. ثانيًا: حصول إجماع الأمة على قبوله، ورضى جميع المسلمين به. ثالثًا: بلوغ ما جُمِع في هذا الجمع حدّ التواتر، إذ حضره وشهد عليه ما يزيد على عدد التواتر من الصحابة. رابعًا: أنه اقتصر في جمع القرآن على ما ثبت قرآنيته من الأحرف السبعة، بثبوت عرضه في العرضة الأخيرة، فكان شاملاً لما بقي من الأحرف السبعة (٣)، ولم يكن
следующие страницы →