← Книги сунны

Книги сунны · id 9384

الرقة والبكاء لابن قدامة

ابن قدامة

Полный текст (91 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرِّقَّةُ وَالْبُكَاءُ لابْنِ قُدَامَةَ الْفَصْلُ الأَوَّلُ ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ صِفَاتِهِمْ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ حَمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحَدَّادُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَصْبَهَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَرِيشِ الْكِلابِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ بْنِ بَهْرَامَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ أَبِي حَاجِبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَدَى الْحَقِّ أَسِيرٌ، يَعْلَمُ أَنَّ عَلَيْهِ رَقِيبًا، عَلَى سَمْعِهِ، وَبَصَرِهِ، وَلِسَانِهِ، وَيَدِهِ، وَرِجْلِهِ، وَبَطْنِهِ، وَفَرْجِهِ، حَتَّى اللَّمْحَةِ بِبَصَرِهِ، وَفُتَاتِ الطِّينِ بِأُصْبُعِهِ، وَكُحْلِ عَيْنَيْهِ، وَجَمِيعِ سَعْيِهِ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَأْمَنُ قَلْبُهُ، وَلا يَسْكُنُ رَوْعَتُهُ، وَلا يَأْمَنُ اضْطِرَابُهُ، أَنَّهُ يَتَوَقَّعُ الْمَوْتَ صَبَاحًا وَمَسَاءً، فَالتَّقْوَى رَقِيبُهُ، وَالْقُرْآنُ دَلِيلُهُ، وَالْخَوْفُ مَحَجَّتُهُ، وَالشَّرَفُ مَطِيَّتُهُ، وَالْحَذَرُ رَقِيبُهُ، وَالْوَجَلُ شِعَارُهُ، وَالصَّلَاةُ كَهْفُهُ، وَالصِّيَامُ جُنَّتُهُ، وَالصَّدَقَةُ فِكَاكُهُ، وَالصِّدْقُ وَزِيرُهُ، وَالْحَيَاءُ أَمِيرُهُ، وَرَبُّهُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ بِالْمِرْصَادِ،

стр. 2

يَا مُعَاذُ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَيَّدَهَ الْقُرْآنُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ هَوَى نَفْسِهِ وَشَهَوَاتِهِ، وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَهْلَكَ فِيمَا يَهْوَى بِإِذْنِ اللَّهِ. يَا مُعَاذُ، إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَنْهَيْتُ إِلَيْكَ مَا أَنْهَى إِلَيَّ جِبْرِيلُ ﵇، فَلا أَعْرِفَنَّكَ تُوَافِينِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدٌ أَسْعَدُ بِمَا آتَاكَ اللَّهُ مِنْكَ» ! ١٥٠ أخبرنا الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَسَاكِرَ بْنِ الْمُرَحِّبِ الْبَطَائِحِيِّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، قُلْتُ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْيُوسُفِيُّ، قَالَ: أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمذهبِ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أخبرنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ﵀، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، قَالَ: سمعت وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " لَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى، قَالَ: لا يُعْجِبْنَكُمَا زِينَةُ فِرْعَوْنَ، وَلا مَا مُتِّعَ بِهِ، وَلا تَمُدَّنَّ إِلَى ذَلِكَ أَعْيُنُكُمَا، فَإِنَّهَا زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَزِينَةُ الْمُتْرَفِينَ، وَإِنِّي لَوْ شِئْتُ أَنْ أُزَيِّنَكُمَا مِنَ الدُّنْيَا بَزَينَةٍ يَعْلَمُ فِرْعَوْنُ حِينَ يَنْظُرُ إِلَيْكُمَا أَنَّ مَقْدِرَتَهُ

стр. 3

تَعْجَزُ عَنْ مِثْلِ مَا أُوتِيتُمَا لَفَعَلْتُ، وَلَكِنِّي أَرْغَبُ بِكُمَا عَنْ ذَلِكَ وَأَزْوِيهِ عَنْكُمَا، وَكَذَلِكَ أَفْعَلُ بِأَوْلِيَائِي، وَقَدِيمًا مَا خِرْتُ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنِّي لأَذُودُهُمْ عَنْ نَعِيمِهَا وَرَخَائِهَا كَمَا يَذُودُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ عَنْ مَرَاتِعِ الْهَلَكَةِ، وَإِنِّي لأُجَنِّبُهُمْ سَلْوَتَهَا وَعَيْشَهَا كَمَا يُجَنِّبُ الرَّاعِي الشَّفِيقُ إِبِلَهُ عَنْ مَبَارِكِ العُرِّ، وَمَا ذَلِكَ لِهَوَانِهِم عَلَيَّ، وَلَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهُمْ مِنْ كَرَامَتِي سَالِمًا مُوَفَّرًا، لَمْ تَكْلِمْهُ الدُّنْيَا، وَلَمْ يُطْغِهِ الْهَوَى، وَأَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَيَّنْ لِي الْعِبَادُ بِزِينَةٍ هِيَ أَبْلَغُ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا زِينَةُ الْمُتَّقِينَ، عَلَيْهِمْ مِنْهَا لِبَاسٌ يُعْرَفونَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ وَالْخُشُوعِ، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِنْ آثَارِ السُّجُودِ، أُولَئِكَ هُمْ أَوْلِيَائِي حَقًّا حَقًّا، فَإِذَا لَقِيتَهُمْ فَاخْفِضْ لَهُمْ جَنَاحَكَ، وَذَلِّلْ لَهُمْ قَلْبَكَ وَلِسَانَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا أَوْ أَخَافَهُ فَقَدْ بَارَزَنِي بَالْمُحَارَبَةِ وَبَادَأَنِي، وَعَرَّضَ لِي نَفْسَهُ وَدَعَانِي إِلَيْهَا، وَأَنَا أَسْرَعُ شَيْءٍ إِلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِي، أَفَيَظُنُّ الَّذِي يُحَارِبُنِي أَنْ يَقُومَ لِي؟ أَوْ يَظُنُّ الَّذِي يُعَادِينِي أَنْ يُعْجِزَنِي؟ أَوْ يَظُنُّ الَّذِي يُبَارِزَنِي أَنْ يَسْبِقَنِي أَوْ يَفُوتَنِي؟ وَكَيْفَ وَأَنَا الثَّائِرُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،

стр. 4

لا أَكِلُ نُصْرَتَهُمْ إِلَى غَيْرِي؟ " ! ١٥١ قَالَ أَحْمَدِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: " قَالَ مُوسَى ﵇: " يَا رَبُّ، مَنْ أَهْلَكَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُكَ، الَّذِينَ تُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّ عَرْشِكَ؟ قَالَ: هُمُ الْبَرِيئَةُ أَيْدِيهِمْ، الطَّاهِرَةُ قُلُوبُهُمْ، الَّذِينَ يَتَحَابُّونَ بِجَلالِي، الَّذِينَ إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرُوا بِي، وَإِذَا ذُكِرُوا ذُكِرْتُ بِذِكْرِهِمْ، الَّذِينَ يُسْبِغُونَ الْوُضُوءَ عِنْدَ الْمَكَارِهِ، وَالَّذِينَ يُنِيبُونَ إِلَى ذِكْرِي كَمَا تُنِيبُ النُّسُورُ إِلَى وُكُورِهَا، وَيَكْلَفُونَ بِحُبِّي كَمَا يَكْلَفُ الصَّبِيُّ بِحُبِّ النَّاسِ، ويَغضَبونَ لِمَحَارِمِي إِذَا اسْتُحِلَّتْ كَمَا يَغْضَبُ النَّمِرُ إِذَا حُرِبَ " ! ١٥٢ قَالَ: وَحَدَّثَنَا غَوْثُ بْنُ جَابِرٍ، قَالَ: سمعت مُحَمَّدَ بْنَ دَاوُدَ، عَنْ

стр. 5

أَبِيهِ، عَنْ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ الْحَوَارِيُّونَ: " يَا عِيسَى، مَنْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ؟ قَالَ عِيسَى ﵇: الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا، وَالَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى آجِلِ الدُّنْيَا حِينَ نَظَرَ النَّاسُ إِلَى عَاجِلِهَا، فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا يَخْشَوْنَ أَنْ يُمِيتَهُمْ، وَتَرَكُوا مَا عَلِمُوا أَنْ سَيَتْرُكَهُمْ، فَصَارَ اسْتِكْثَارُهُمْ مِنْهَا اسْتِقْلالا، وَذِكْرُهُمْ إِيَّاهَا فَوَاتًا، وَفَرَحُهُمْ بِمَا أَصَابُوا مِنْهَا حُزْنًا، فَمَا عَارَضَهُمْ مِنْ نَائِلِهَا رَفَضُوهُ، وَمَا عَارَضَهُمْ مِنْ رِفْعَتِهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ وَضَعُوهُ، وَخَلِقَتِ الدُّنْيَا عِنْدَهُمْ فَلَيْسُوا يُجَدِّدُونَهَا، وَخَرِبَتْ بُيُوتُهُمْ فَلَيْسُوا يَعْمُرُونَهَا، وَمَاتَتْ شَهَوَاتُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ فَلَيْسُوا يُحْيُونَهَا، يَهْدِمُونَهَا فَيَبْنُونَ بِهَا آخِرَتَهُمْ، وَيَبِيعُونَهَا فَيَشْتَرُونَ بِهَا مَا يَبْقَى لَهُمْ، وَرَفَضُوهَا، فَكَانُوا بِرَفْضِهَا هُمُ الْفَرِحِينَ، وَنَظَرُوا إِلَى أَهْلِهَا صَرْعَى قَدْ حَلَّتْ بِهِمُ الْمَثُلاتُ، فَأَحْيَوْا ذِكْرَ الْمَوْتِ، وَأَمَاتُوا ذِكْرَ الْحَيَاةِ، يُحِبُّونَ اللَّهَ ، وَيُحِبُّونَ ذِكْرَهُ، وَيَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ وَيُضِيئُونَ بِهِ، لَهُمْ خَبَرٌ عَجِيبٌ، وَعِنْدَهُمُ الْخَبَرُ الْعَجِيبُ، بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَبِهِ قَامُوا، وَبِهِمْ نَطَقَ الْكِتَابُ وَبِهِ نَطَقُوا، وَبِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَبِهِ عَلِمُوا، وَلَيْسُوا يَرَوْنَ نَائِلا مَعَ مَا نَالُوا، وَلا أَمَانًا دُونَ مَا يَرْجُونَ، وَلا خَوْفًا دُونَ مَا يَحْذَرُونَ "

стр. 6

قَالَ: وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ إِدْرِيسَ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أُخْبِرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ قَوْمًا عِنْدَ بَابِ بَنِي سَهْمٍ يَخْتَصِمُونَ، أَظُنُّهُ قَالَ: فِي الْقَدَرِ، فَنَهَضَ إِلَيْهِمْ فَأَعْطَى مِحْجَنَهُ عِكْرِمَةَ، وَوَضَعَ إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَيَّ، وَالأُخْرَى عَلَى طَاوُسٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمْ أَوْسَعُوا لَهُ، وَرَحَّبُوا بِهِ، فَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَالَ: «أَوَ مَا عَلِمْتُمْ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَصْمَتَتْهُمْ خَشْيَتُهُ مِنْ غَيْرِ بُكْمٍ وَلا عِيٍّ، وَإِنَّهُمْ لَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْفُصَحَاءُ وَالطُّلَقَاءُ وَالنُّبَلاءُ، الْعُلَمَاءُ بِأَيَّامِ اللَّهِ، غَيْرُ أَنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ طَاشَتْ لِذَلِكَ عُقُولُهُمْ، وَانْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ، وَانْقَطَعَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، حَتَّى إِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ سَارَعُوا إِلَى اللَّهِ بِالأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ» . وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، وَزَادَ فِيهِ: " يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الْمُقَصِّرِينَ الْمُفَرِّطِينَ، وَإِنَّهُمْ لأَكْيَاسٌ أَقْوِيَاءٌ، وَمَعَ الْمُخْطِئِينَ الظَّالِمِينَ وَإِنَّهُمْ لأَنْزَاهٌ بُرَآءٌ، أَلا إِنَّهُمْ لا يَسْتَكْثِرُونَ لَهُ الْكَثِيرَ، وَلا يَرْضَوْنَ لَهُ بِالْقَلِيلِ، وَلا يَدُلُّونَ عَلَيْهِ بِالأَعْمَالِ، هُمْ حَيْثُمَا لَقِيتَهُمْ: مُهْتَمُّونَ، مُشْفِقُونَ، وَجِلُونَ، خَائِفُونَ، ".

стр. 7

وَانْصَرَفَ عَنْهُمْ، فَرَجَعَ إِلَى مَجْلِسِهِ أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ صَابِرٍ السَّلَمِيُّ قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ، أَخْبَرَنَا الشَّرِيفُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِيُّ، أَخْبَرَنَا رَشَأُ بْنُ نَظِيفِ بْنِ مَا شَاءَ اللَّهُ الْمُقْرِئُ، أَنْبَانَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الضَّرَّابُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الدَّيْنَوْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَوْفَى بْنِ دَلْهَمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: " تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ تُعْرَفُوا بِهِ، وَاعْمَلُوا بِهِ تَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَإِنَّهُ يَأْتِي مِنْ بَعْدِكُمْ زَمَانٌ يُنْكَرُ فِيهِ الْحَقُّ تِسْعَةَ أَعْشَارِهِ، وَإِنَّهُ لا يَنْجُو مِنْهُ إِلا كُلُّ نُؤَمَةُ مُنْبَتُّ الدَّاءِ، أُولَئِكَ أَئِمَّةُ الْهُدَى وَمَصَابِيحُ الْعِلْمِ، لَيْسُوا بِالْعُجُلِ الْمَذَايِيعِ الْبُذُرِ،

стр. 8

ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بَنُونَ، فَكُونُوا مَنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، أَلا وَإِنَّ الزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا اتَّخَذُوا الأَرْضَ بِسَاطًا، وَالتُّرَابَ فِرَاشًا، وَالْمَاءَ طِيبًا، أَلا مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ رَجَعَ عَنِ الْحُرُمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمُصِيبَاتُ، أَلا إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا كَمَنْ رَأَى أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ مُخَلَّدِينَ، وَأَهْلَ النَّارِ فِي النَّارِ مُعَذَّبِينَ، شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ، وَقُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ، وَأَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ، وَحَوَائِجُهُمْ خَفِيفَةٌ، صَبَرُوا أَيَّامًا قَلِيلَةً لِعُقْبَى رَاحَةٍ طَوِيلَةٍ، أَمَّا اللَّيْلُ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، يَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّهِمْ: رَبَّنَا رَبَّنَا، يَطْلُبُونَ فِكَاكَ رِقَابِهِمْ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَعُلَمَاءٌ، حُلَمَاءٌ، بَرَرَةٌ، أَتْقِيَاءٌ، كَأَنَّهُمُ الْقِدَاحُ، يَنْظُرُ النَّاظِرُ، فَيَقُولُ: مَرْضَى، وَمَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ! وَخُولِطُوا، وَلَقَدْ خَالَطَ الْقَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ " أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خُضَيْرٍ الصَّيْرَفِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبٍ شُجَاعُ بْنُ فَارِسٍ الذُّهْلِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَيَّاطُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دُوَسْتَ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ

стр. 9

صَفْوَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ شَمِرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي أَرَاكَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَلَّمَ انْفَتَلَ عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ مَكَثَ كَأَنَّ عَلَيْهِ كَآبَةً، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى حَائِطِ الْمَسْجِدِ قِيدَ رُمْحٍ، قَلَبَ يَدَهُ، وَقَالَ: «وَاللَّهِ , وَلَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَمَا أَرَى الْيَوْمَ شَيْئًا يُشْبِهُهُمْ، وَلَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثًا صُفْرًا غُبْرًا، بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ أَمْثَالُ رُكَبِ الْمِعْزَى، قَدْ بَاتُوا لِلَّهِ سُجَّدًا وَقِيَامًا، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ ، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَأَقْدَامِهِمْ، فَإِذَا أَصْبَحُوا فَذَكَرُوا اللَّهَ ، مَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ فِي يَوْمِ الرِّيحِ، وَهَمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تُبَلَّ ثِيَابُهُمْ، وَاللَّهِ لَكَأَنَّ الْقَوْمَ بَاتُوا غَافِلِينَ، ثُمَّ نَهَضَ، فَمَا رُئِيَ مُفْتِرًّا يَضْحَكُ، حَتَّى ضَرَبَهُ ابْنُ مُلْجِمٍ، عَدُوُّ اللَّهِ الْفَاسِقُ» ! ١٥٤ وَأخبرنا أَبُو طَالِبٍ، أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَلافٍ، أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرَانَ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ

стр. 10

الآجُرِّيُّ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ، أخبرنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بِنِ الحكُمْ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحُوَّارَى، قَالَ: " دَخَلْتُ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ يَوْمًا وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ لِي: يَا أَحْمَدُ، إِنَّهُ إِذَا جَنَّ اللَّيْلُ عَلَى أَهْلِ الْمَحَبَّةِ، افْتَرَشُوا أَقْدَامَهُمْ وَدُمُوعَهُمْ تَجْرِي عَلَى خُدُودِهِمْ، وَقَدْ أَشْرَفَ الْجَلِيلُ عَلَيْهِمْ فَنَادَى: يَا جِبْرِيلُ، بِعَيْنِي مَنْ تَلَذَّذَ بِكَلامِي وَاسْتَرَاحَ إِلَى مُنَاجَاتِي، وَإِنِّي لَمُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ، أَسْمَعُ خَنِينَهُمْ، وَأَرَى بُكَاءَهُمْ، فَنَادِ فِيهِم: يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذَا الْجَزَعُ الَّذِي أَرَاهُ فِيكُمْ؟ هَلْ أَخْبَرَكُمْ عَنِّي مُخْبِرٌ أَنَّ حَبِيبًا يُعَذِّبُ أَحِبَّاءَهُ؟ أَمْ هَلْ يَجْمُلُ بِي أَنْ أُبَيِّتَ أَقْوَامًا، وَعِنْدَ الْبَيَاتِ أَجِدُهُمْ لِي وُقُوفًا، فَإِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ تَمَلَّقُونِي؟ فَبِي حَلَفْتُ، لأَجْعَلَنَّ هَدِيَّتِي إِيَّاهُمْ لَوْ قَدْ وَرَدُوا عَلَى الْقِيَامَةِ أَنْ أَكْشِفَ لَهُمْ عَنْ وَجْهِيَ الْكَرِيمِ، أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ " !

стр. 11

١٥٥ أخبرنا الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَلْمَانَ، أخبرنا الْخَطِيبُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الأَنْبَارِيُّ، أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّا، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " الْمُؤْمِنُ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ. وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَفْجَؤُهُ الشَّيْءُ وَيُعْجِبُهُ فَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَشْتَهِيكَ، وَإِنَّكَ لَمِنْ حَاجَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا مِنْ صِلَةٍ إِلَيْكَ، أَيْهَاتَ، حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَيَفْرُطُ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيَقُولُ: مَا أَرَدْتُ إِلَى هَذَا، مَا لِي وَلِهَذَا، وَاللَّهِ مَا أُعْذَرُ بِهَذَا، وَاللَّهِ لا أَعُودُ إِلَى هَذَا أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ،

стр. 12

إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْقَفَهُمُ الْقُرْآنُ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا، يَسْعَى فِي فَكَاكِ رَقَبَتِهِ، لا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ، يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، وَفِي لِسَانِهِ، وَفِي جَوَارِحِهِ، مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ " ! ١٥٦ وَعَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ، يَقُولُ: «الْمُؤْمِنُ فِي الدُّنْيَا كَالْغَرِيبِ، لا يَجْزَعُ مِنْ ذُلِّهَا، وَلا يُنَافِسُ أَهْلَهَا فِي عِزِّهَا، لِلنَّاسِ حَالٌ وَلَهُ حَالٌ أُخْرَى، قَدْ أَهَمَّتْهُ نَفْسُهُ، النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ، وَنَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ، وَاللَّهِ وَلَقَدْ أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا، لَهُمْ كَانُوا فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ أَزْهَدَ مِنْكُمْ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عليكُمْ، وَلَهُمْ بِدِينِهِمْ أَبْصَرُ بِقُلُوبِهِمْ مِنْكُمْ بِأَبْصَارِكُمْ، وَلَهُمْ بِحَسَنَاتِهِمْ أَشَدُّ خَوْفًا أَنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْكُمْ لِسَيِّئَاتِكُمْ أَنْ تُعَاقَبُوا عَلَيْهَا، إِذَا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ فَقِيَامٌ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، يَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهُمْ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ» ! ١٥٧ وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ بِالسَّاعَةِ إِلا بَكَى، وَإِلا نَصِبَ، وَإِلا ذَبُلَ، وَإِلا حَزَنَ، وَإِلا ضَاقَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ بِرَحْبِهَا» !

стр. 13

١٥٨ وَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا جَعَلَ الْعَيْشَ عَيْشًا وَاحِدًا، فَأَكَلَ كِسْرَةً، وَلَبِسَ خَلِقًا، وَلَزِقَ بِالأَرْضِ، وَاجْتَهَدَ فِي الْعِبَادَةِ، وَبَكَى عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَهَرَبَ مِنَ الْعُقُوبَةِ، وَابْتَغَى الرَّحْمَةَ، حَتَّى يَأْتِيهِ الْمَوْتُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ» ! ١٥٩ أخبرنا أَبُو الْمَعَالِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ السُّلَمِيُّ، أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُسَيْنِيُّ، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطِيبُ، أخبرنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ النَّقَّاشُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الطَّبَرِيُّ، حَدَّثَنَا هَنَّادِ بْنِ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ ضِرَارِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " قُرَّاءُ الْقُرْآنِ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ اتَّخَذَهُ بِضَاعَةً، يَنْقُلُهُ مِنْ مِصْرٍ إِلَى مِصْرٍ، يَطْلُبُ بِهِ مَا عِنْدَ النَّاسِ، وَقَوْمٌ قَرَأُوا الْقُرْآنَ: حَفِظُوا حُرُوفَهُ، وَضَيَّعُوا حُدُودَهُ، وَاسْتَجَرُّوا بِهِ الْوُلَاةَ، وَاسْتَطَالُوا بِهِ عَلَى أَهْلِ بِلادِهِمْ، فَقَدْ كَثُرَ هَذَا الضَّرْبُ فِي حَمَلَةِ الْقُرْآنِ، قَالَ الْحَسَنُ: لا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ، وَرَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَبَدَأَ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ دَوَاءِ الْقُرْآنِ، فَوَضَعَهُ عَلَى دَاءِ قَلْبِهِ، فَأَسْهَرَ لَيْلَهُ، وَهَمِلَتْ عَيْنَاهُ، وَتَسَرْبَلُوا بِالْحُزْنِ، وَارْبَدُّوا بِالْخُشُوعِ، وَرَكَدُوا فِي مَحَارِيبِهِمْ، وَخَنُّوا

стр. 14

فِي بَرَانِسِهِمْ، فَبِهِمْ يَسْقِي اللَّهُ الْغَيْثَ، وَيُنْزِلُ النَّصْرَ، وَيَدْفَعُ الْبَلاءَ، وَاللَّهُ لَهَذَا الضَّرْبُ فِي حَمَلَةِ الْقُرْآنِ أَقَلُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الأَحْمَرِ " ! ١٦٠ أخبرنا أَبُو طَالِبٍ الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خُضَيْرٍ، قَالَ: أخبرنا أَبُو مَنْصُور الْقَزَّازُ، قَالَ: أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، قَالَ: أخبرنا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْوَرْكَانِيُّ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْجَرْمِيِّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «شَبَابٌ مُتَكَهِّلُونَ فِي حَدَاثَةِ أَسْنَانِهِمْ، غَبِيَّةٌ عَنِ الشَّرِّ عُيُونُهُمْ، مُتَنَزِّهَةٌ عَنِ اللَّهْوِ أَسْمَاعُهُمْ، ثَقِيلَةٌ عَنِ الْبَاطِلِ أَرْجُلُهُمْ، خُمْصُ الْبُطُونِ مِنْ كَسْبِ الْحَرَامِ، قَدْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ مَحْنِيَّةٌ عَلَى أَجْزَاءِ الْقُرْآنِ أَصْلَابُهُمْ، سَابِلَةٌ عَلَى الْخُدُودِ دُمُوعُهُمْ، كُلَّمَا مَرُّوا بِآيَةٍ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّةِ بَكَوْا شَوْقًا، وَكُلَّمَا مَرُّوا بِآيَةٍ مِنْ ذِكْرِ النَّارِ صَرَخُوا مِنْهَا فَرَقًا، كَأَنَّ رَمَادَ النَّارِ فِي آذَانِهِمْ، وَكَأَنَّ الْجَمْرَةَ نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ، قَدْ أَكَلَتِ الأَرْضُ جِبَاهَهُمْ وَرُكَبَهُمْ، وَغَيَّرَ السَّهَرُ وَالظَّمَأُ أَلْوَانَهُمْ، وَكَانُوا فِي لَيْلِهِمْ أَهْلَ سَهَرٍ وَأَهْلَ بُكَاءٍ، وَكَانُوا فِي نَهَارِهِمْ أَهْلَ ذِكْرٍ وَأَهْلَ ظَمَأٍ، إِذَا ذُكِّرُوا بِالدُّنْيَا اسْتَبَانَتْ زَهَادَتُهُمْ فِيهَا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِفَنَائِهَا،

стр. 15

وَإِذَا ذَكَرُوا الآخِرَةَ عَظُمَتْ فِيهَا رَغْبَتُهُمْ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِبَقَائِهَا، فَصَغُرَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ، وَأْبَغَضَتْهَا أَنْفُسُهُمْ، فَذَلَّتْ مِنْ بَعْدِ صُعُوبَةٍ، وَأَطَاعَتْهُمْ مِنْ بَعْدِ عِصْيَانٍ، الْحَيَاةُ عِنْدَهُمْ فِي الدُّنْيَا مُصِيبَةٌ لِخَوْفٍ الْفِتْنَةِ، وَالْقَتْلُ عِنْدَهُمْ نِعْمَةٌ فِيمَا يَرْجُونَ بَعْدَهُ مِنَ الرَّوْحِ وَالرَّاحَةِ، لا تَفْتَرُّ بِالضَّحِكِ شِفَاهُهُمْ، وَلا تُفَارِقُ الأَحْزَانُ قُلُوبَهُمْ. ادَّخَرُوا مَا قَدَّمُوا مِنَ الأَعْمَالِ لِمَا يَخَافُونَ مِنْ عِظَمِ الأَهْوَالِ» . وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ

стр. 16

الْفَصْلُ الثَّانِي ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِ الأَنْبِيَاءِ ﵈ آدَمُ ﵇ ! ١٦١ أخبرنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ الْمُعَدِّلُ، أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ عِيسَى بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّومَارِيُّ، أخبرنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ، أخبرنا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، أخبرنا أَبِي، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: " أَنَّ آدَمَ ﵇ لَبِثَ فِي السَّخْطَةِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَطْلَعَهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَهُوَ مُنَكَّسٌ مَحْزُونٌ كَظِيمٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: " يَا آدَمُ مَا هَذَا الْجَهْدُ الَّذِي أَرَاكَ فِيهِ؟ يَا آدَمُ وَمَا هَذِهِ البليَّةُ الَّتِي قَدْ أَجْحَفَ بِكَ بَلاؤُهَا وَشَقَاؤُهَا؟ قَالَ آدَمُ: عَظُمَتْ مُصِيبَتِي يَا إِلَهِي، وَأَحَاطَتْ بِي خَطِيئَتِي، وَخَرَجْتُ مِنْ مَلَكُوتِ رَبِّي، فَأَصْبَحْتُ فِي دَارِ الْهَوَانِ بَعْدَ الْكَرَامَةِ، وَفِي دَارِ الشَّقَاءِ بَعْدَ السَّعَادَةِ، وَفِي دَارِ الْبَلاءِ بَعْدَ الْعَافِيَةِ، وَفِي دَارِ الظَّعْنِ وَالزَّوَالِ بَعْدَ الْقَرَارِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَفِي دَارِ الْفَنَاءِ بَعْدَ الْخُلْدِ وَالْبَقَاءِ، وَفِي دَارِ الْغُرُورِ بَعْدَ الأَمْنِ، يَا إِلَهِي! فَكَيْفَ لا أَبْكِي عَلَى خَطِيئَتِي؟ أَمْ كَيْفَ لا تَحْزُبُنِي نَفْسِي؟ أَمْ كَيْفَ

стр. 17

لِي أَنْ أَجْتَبِرُ هَذِهِ الْبَلِيَّةَ وَالْمُصِيبَةَ يَا إِلَهِي؟ . قَالَ اللَّهُ لَهُ: أَلَمْ أَصْطَفِكَ لِنَفْسِي، وَأَحْلَلْتُكَ دَارِي، وَاصْطَفَيْتُكَ عَلَى خَلْقِي، وَتَخَصَّصْتُكَ بِكَرَامَتِي، وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّتِي، وَحَذَّرْتُكَ سَخَطِي؟ أَلَمْ أُبَاشِرْكَ بِيَدِي، وَأَنْفُخْ فِيكَ مِنْ رَوْحِي، وَأُسْجِدْ لَكَ مَلَائِكَتِي؟ أَلَمْ تَكُنْ جَارِي فِي بُحْبُوحَةِ كَرَامَتِي، تَتَبَوَّأُ فِي بُحْبُوحَةِ جَنَّتِي حَيْثُ تَشَاءُ مِنْ كَرَامَتِي، فَعَصَيْتَ أَمْرِي، وَنَسِيتَ عَهْدِي، وَضَيَّعْتَ وَصِيَّتِي؟ فَكَيْفَ تَسْتَنْكِرُ نِقْمَتِي؟ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي، لَوْ مَلَأْتُ الأَرْضَ رِجَالًا، كُلَّهُمْ مِثْلَكَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ، ثُمَّ عَصَوْنِي، لأَنْزَلْتُهُمْ مَنَازِلَ الْعَاصِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَحِمْتُ ضَعْفَكَ، وَأقَلْتُكَ عَثْرَتَكَ، وَقَبِلْتُ تَوْبَتَكَ، وَسمعت تَضَرُّعَكَ، وَغَفَرْتُ ذَنْبَكَ، فَقُلْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَلِمْتُ السُّوءَ، فتُبْ عَلِيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، فَقَالَهَا آدَمُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَمِلْتُ السُّوءَ فَاغْفِرْ لِي، إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَقَالَ آدَمُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: قُلْ: لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمِّدَك، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَمِلْتُ السُّوءَ فَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. قَالَ: وَكَانَ آدَمُ قَدِ اشْتَدَّ بُكَاؤُهُ وَحُزْنُهُ لَمَّا كَانَ مِنْ عِظَمِ مُصِيبَتِهِ، حَتَّى أَنْ كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ لَتَحْزُنُ لِحُزْنِهِ، وَتَبْكِي لِبُكَائِهِ، فَبَكَى عَلَى الْجَنَّةِ، مِائَتَيْ سَنَةٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ بِخَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ الْجَنَّةِ، فَوَضَعَهَا لَهُ فِي مَوْضِعِ الْكَعْبَةِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ الْكَعْبَةُ "،

стр. 18

وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، قَالَ: " فَبَكَى آدَمُ ثَلَاثَ مِائَةِ عَامٍ عَلَى جَبَلِ الْهِنْدِ، تَجْرِي دُمُوعُهُ فِي أَوْدِيَةِ جِبَالِهَا. قَالَ: فَنَبَتَتْ بِتِلْكَ الْمَدَامِعِ أَشْجَارُ طِيبِكُمْ هَذَا، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ يَؤُمُّ الْبَيْتَ الْعَتِيقَ، فَجَعَلَ يَخْطُو الْخُطْوَةَ، فَيَكُونُ مَوَاضِعُ قَدَمَيْهِ دَسَاكِرُ وَعمْرَانٌ، وَبَيْنَهُمَا مَفَاوِزُ وَبَرَارِي، حَتَّى أَتَى الْبَيْتَ، وَطَافَ أُسْبُوعًا، فَبَكَى حَتَّى خَاضَ فِي دُمُوعِهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى، فَبَكَى سَاجِدًا حَتَّى فَاضَتْ دُمُوعُهُ وَجَرَتْ عَلَى الأَرْضِ، فَنُودِيَ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا آدَمُ، قَدْ رَحِمْتُ ضَعْفَكَ، وَقَبِلْتُ تَوْبَتَكَ، وَغَفَرْتُ ذُنُوبَكَ، فَقُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، عَمِلْتُ سُوءًا، وَظَلَمْتُ نَفْسِي، فَتُبْ عَلِيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرِّحِيمُ، فَاغْفِرْ لِي وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ، وَارْحَمْنِي وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ. قَالَ: فَمَكَثَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يُبْدِي عَنْ وَاضِحِهِ، حَتَّى أَتَاهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: حَيَّاكَ اللَّهُ يَا آدَمُ وَبَيَّاكَ. قَالَ: فَضَحِكَ " ! ١٦٢ وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تَسَاقَطَ عَنْهُ جَمِيعُ زِينَةٍ الْجَنَّةِ، وَلْم يَبْقَ

стр. 19

عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ زِينَتِهَا إِلا التَّاجُ وَالإِكْلِيلُ، وَجَعَلَ لا يَسْتَتِرُ بِشَيْءٍ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ إِلا سَقَطَ عَنْهُ، فَالْتَفَتَ إِلَى حَوَّاءَ بَاكِيًا، وَقَالَ: اسْتَعَدِيِّ لِلْخُرُوجِ مِنْ جِوَارِ اللَّهِ، هَذَا أَوَّلُ شُؤْمِ الْمَعْصِيَةِ. قَالَتْ: يَا آدَمُ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَحْلِفُ بِاللَّهِ كَاذِبًا. وَذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ قَاسَمَهُمَا عَلَى الشَّجَرَةِ، وَآدَمُ فِي الْجَنَّةِ هَارِبًا، اسْتِحْيَاءً مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَتَعَلَّقَتْ بِهِ شَجَرَةٌ بِبَعْضِ أَغْصَانِهَا، فَظَنَّ آدَمُ أَنَّهُ قَدْ عُوجِلَ بِالْعُقُوبَةِ، فَنَكَّسَ رَأْسَهُ يَقُولُ: الْعَفْوَ الْعَفْوَ. فَقَالَ اللَّهُ : يَا آدَمُ أَفِرَارًا مِنِّي؟ قَالَ: بَلْ حَيَاءً مِنْكَ سَيِّدِي. فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى الْمَلَكَيْنِ: أَخْرِجَا آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنْ جِوَارِي فَإِنَّهُمَا قَدْ عَصَيَانِي، فَنَزَعَ جِبْرِيلُ ﵇ التَّاجَ عَنْ رَأْسِهِ، وَحَلَّ مِيكَائِيلُ الإِكْلِيلَ عَنْ جَبِينِهِ، فَلَمَّا هَبَطَ مِنْ مَلَكُوتِ الْقُدْسِ إِلَى دَارِ الْجُوعِ وَالْمَسْغَبَةِ، بَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ مِائَةَ سَنَةٍ، قَدْ رَمَى بِرَأْسِهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، حَتَّى نَبَتَتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَأَشْجَارًا مِنْ دُمُوعِهِ، حَتَّى نَقَعَ الدَّمْعُ فِي نُقَرِ الْجَلَاهِمِ وَأَقْعِيَتِهَا، فَمَرَّ بِهِ نَسْرٌ عَظِيمٌ قَدْ أَجْهَدَهُ الْعَطَشُ،

стр. 20

فَشَرِبَ مِنْ دُمُوعِ آدَمَ، وَأَنْطَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النَّسْرَ فَقَالَ: يَا آدَمُ أَنَا فِي هَذِهِ الأَرْضِ قَبْلَكَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، وَقَدْ بَلَغْتُ شَرْقَ هَذِهِ الأَرْضِ وَغَرْبَهَا، وَشَرِبْتُ مِنْ بُطُونِ أَوْدِيَتِهَا، وَغُدْرَانِ جِبَالِهَا، وَسِيفِ بِحَارِهَا، مَا شَرِبْتُ مَاءً أَعْذَبَ وَلا أَطْيَبَ رَائِحَةً مِنْ هَذَا الْمَاءِ. قَالَ آدَمُ: وَيْحَكَ يَا نَسْرُ! أَتَعْقِلُ مَا تَقُولُ؟ مِنْ أَيْنَ تَجِدُ عُذُوبَةَ دَمْعِ عَبْدٍ عَصَى رَبَّهُ وَجَرَى عَلَى خَدَّيْنِ عَاصِيَيْنِ؟ وَأَيُّ دَمْعٍ أَمَرُّ مِنْ دَمْعِ عَاصٍ! وَلَكِنْ أَظُنُّ أَنَّكَ أَيُّهَا النَّسْرُ أَنَّكَ تُعَيِّرُنِي لأَنِّي عَصَيْتُ رَبِّي، فَأُزْعِجْتُ مِنْ دَارِ النِّعْمَةِ إِلَى دَارِ الْبُؤْسِ وَالْمَسْكَنَةِ. قَالَ النَّسْرُ: يَا آدَمُ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنَ التَّعْيِيرِ فَمَا أُعَيِّرُكَ، وَلَكِنْ هَكَذَا وَجَدْتُ طَعْمَ دُمُوعِكَ، وَأَيُّ دَمْعٍ أَعْذَبُ مِنْ دَمْعِ عَبْدٍ عَصَى رَبَّهُ، وَذَكَرَ ذَنْبَهُ، فَوَجِلَ قَلْبُهُ، وَخَشَعَ جِسْمُهُ، وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ خَوْفًا مِنْ رَبِّهِ ؟ " ! ١٦٣ وَذَكَرَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ فِي الزُّهْدِ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا رَبَاحٌ، قَالَ: حُدِّثتُ عَنْ شُعَيبٍ الْجُبَّائِيِّ، قَالَ: «كَانَتِ الشَّجَرَةُ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا آدَمَ وَزَوْجَتَهُ شِبْهُ الْبُرِّ، اسْمُهَا الدَّعةُ. وَكَانَ لِبَاسُهُمَا النُّورُ»

стр. 21

إِبْرَاهِيمُ ﵇ ! ١٦٤ أخبرنا الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنُ عَسَاكِرَ الْمُقْرِئُ، أخبرنا الأَمِينُ أَبُو طَالِبٍ الْيُوسُفِيُّ، أخبرنا أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمُذْهِبِ التَّمِيمِيُّ، أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو هِلالٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ، قَالَ: " لَمَّا أُلْقِيَ إِبْرَاهِيمُ فِي النَّارِ جَأَرَتْ عَامَّةُ الْخَلِيقَةِ إِلَى رَبِّهَا فَقَالُوا: يَا رَبُّ، خَلِيلُكَ يُلْقَى فِي النَّارِ فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نُطْفِئَ عَنْهُ. فَقَالَ: هُوَ خَلِيلِي، لَيْسَ لِي فِي الأَرْضِ خَلِيلٌ غَيْرَهُ، وَأَنَا رَبُّهُ، لَيْسَ لَهُ رَبٌّ غَيْرِي، فَإِنِ اسْتَغَاثَكُمْ فَأَغِيثُوهُ، وَإِلا فَدَعُوهُ. قَالَ: فَجَاءَ مَلَكُ الْقَطْرِ، فَقَالَ: يَا رَبُّ، خَلِيلُكَ يُلْقَى فِي النَّارِ، فَأْذَنْ لِي أَنْ أُطْفِئَ عَنْهُ بِالْقَطْرِ. فَقَالَ: هُوَ خَلِيلِي، لَيْسَ لِي فِي الأَرْضِ خَلِيلٌ غَيْرَهُ، وَأَنَا رَبُّهُ لَيْسَ لَهُ رَبٌّ غَيْرِي، فَإِنِ اسْتَغَاثَكَ فَأَغِثْهُ، وَإِلا فَدَعْهُ. قَالَ: فَلَمَّا أُلْقِيَ فِي النَّارَ دَعَا رَبَّهُ بِدُعَاءٍ نَسِيَهُ أَبُو هِلالٍ. قَالَ: فَقَالَ اللَّهُ : ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] . قَالَ: فَبَرَدَتْ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَلَمْ يَنْضُجْ بِهَا كُرَاعٌ " ! ١٦٥ وَأخبرنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي، أخبرنا أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ،

стр. 22

أخبرنا الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ السّندِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلُّوَيْهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: قَالَ مُقَاتِلٌ، وَسَعِيدٌ: " لَمَّا جِيءَ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇، فَخَلَعُوا ثِيَابَهُ، وَشَدُّوا قِمَاطَهُ، وَوُضِعَ فِي الْمَنْجَنِيقِ: بَكَتِ السَّمَوَاتُ، وَالأَرْضُ، وَالْجِبَالُ، وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، وَالْعَرْشُ، وَالْكُرْسِيُّ، وَالسَّحَابُ، وَالرِّيحُ، وَالْمَلَائِكَةُ، كُلٌّ يَقُولُ: يَا رَبُّ، عَبْدُكَ يُحْرَقُ، فَأْذَنْ لَنَا فِي نُصْرَتِهِ، فَقَالَتِ النَّارُ وَبَكَتْ: رَبِّ سَخَّرْتَنِي لِبَنِي آدَمَ وَعَبْدُكَ يُحْرَقُ بِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ: إِنَّ عَبْدِي إيَّايَ عَبَدَ، وَفِي جَنْبِي أُوذِيَ، إِنْ دَعَانِي أَجَبْتُهُ، وَإِنِ اسْتَنْصَرَكُمْ فَانْصُرُوهُ، فَلَمَّا أَنْ رُمِيَ اسْتَقْبَلَهُ جِبْرِيلُ ﵇ بَيْنَ الْمَنْجَنِيقِ وَالنَّارِ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ، أَنَا جِبْرِيلُ، أَلَكَ حَاجَةٌ؟ قَالَ: أَمَا إِلَيْكَ فَلا! حَاجَتِي إِلَى رَبِّي " دَاوُدُ ﵇ ! ١٦٦ وَأخبرنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ، أخبرنا عَبْدِ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أخبرنا

стр. 23

التَّمِيمِيُّ، أخبرنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أخبرنا الْمَسْعُودِيُّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبَّابٍ: " أَنَّ دَاوُدَ ﵇ سَجَدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا حَتَّى نَبَتَتِ الْخُضْرَةُ مِنْ دُمُوعِ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ فِي آخِرِ ذَلِكَ: رَبِّ قَرُحَ الْجَبِينُ، وَرَقَأَ الدَّمْعُ، وَخَطِيئَةُ دَاوُدَ كَمَا هِيَ، فأُجِيبَ: يَا دَاوُدُ، أَظَمْآنٌ أَنْتَ فَتُسْقَى؟ أَمْ جَائِعٌ فَتُطْعَمُ؟ أَمْ مَظْلُومٌ فيُنْتَصَرُ لَكَ؟ قَالَ: فَنَحَبَ نَحْبَةً هَاجَ مَا هُنَالِكَ مِنَ الْخُضْرَةِ. قَالَ: فَغُفِرَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ " ! ١٦٧ قَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي مُهَاجِرٍ: " أَنَّ دَاوُدَ كَانَ يُعَاتَبُ فِي كَثْرَةِ الْبُكَاءِ، فَيَقُولُ: ذَرُونِي أَبْكِ قَبْلَ يَوْمِ الْبُكَاءِ، قَبْلَ تَحْرِيقِ الْعِظَامِ، وَاشْتِعَالِ اللِّحَى، وَقَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِي مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ

стр. 24

شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ، وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " ! ١٦٨ قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَلِيلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ: " كَانَ دَاوُدُ ﵇ يُسَمِّي النُّوَّحَ فِي الْكِتَابِ، وَإِنَّهُ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الْبَحْرَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْبَحْرُ، إِنِّي هَارِبٌ إِلَى رَبِّي، فَارٌّ مِنَ الطَّالِبِ الَّذِي لا يَنْأَى طَلَبُهُ، فَاجْعَلْنِي قَطْرَةً مِنْ مَائِكَ، أَوْ دَابَّةً مِمَّا فِيكَ، أَوْ تُرْبَةً مِنْ تُرَبِكَ، أَوْ صَخْرَةً مِنْ صَخْرِكَ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْهَارِبُ الْفَارُّ مِنَ الطَّالِبِ الَّذِي لا يَنْأَى طَلَبُهُ، ارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنِّي إِلا بَارِزٌ يَنْظُرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ، قَدْ أَحْصَاهُ وَعَدَّهُ عَدًّا، فَلَسْتُ أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الْجَبَلَ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْجَبَلُ، إِنِّي هَارِبٌ فَارٌّ مِنَ الطَّالِبِ الَّذِي لا يَنْأَى طَلَبُهُ، اجْعَلْنِي حَجَرًا مِنْ حِجَارَتِكَ، أَوْ تُرْبَةً مِنْ تُرَبِكَ، أَوْ صَخْرَةً مِنْ صَخْرِكَ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا فِي جَوْفِكَ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْفَارُّ مِنَ الطَّالِبِ الَّذِي لا يَنْأَى طَلَبُهُ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنِّي شَيْءٌ إِلا يَرَاهُ اللَّهُ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِ، قَدْ أَحْصَاهُ وَعَدَّه عَدًّا، فَلَسْتُ أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الأَرْضَ يَعْنِي الرَّمْلَ، فَقَالَ لَهَا: أَيُّهَا الرَّمْلُ،

стр. 25

اجْعَلْنِي تُرْبَةً مِنْ تُرَبِكَ، أَوْ صَخْرَةً مِنْ صَخْرِكَ، أَوْ شَيْئًا مِمَّا فِي جَوْفِكَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الرَّمْلِ أَنْ أَجِيبِيهِ. فَقَالَتْ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الْهَارِبُ مِنَ الطَّالِبِ الَّذِي لا يَنْأَى طَلَبُهُ، ارْجِعْ مِنْ حَيْثُ جِئْتَ، فَاجْعَلْ عَمَلَكَ قِسْمَيْنِ: لِرَغْبَةٍ أَوْ لِرَهْبَةٍ، فَعَلَى أَيِّهِمَا أَخَذَكَ رَبُّكَ لَمْ تُبَالِ " ! ١٦٩ أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَلِيٍّ السُّلَمِيِّ، أخبرنا الْمُبَارَكُ بْنُ الْحَسَنِ، أنبانا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَيَّاطُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دُوَسْت، أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا الصَّنْعَانِيُّونَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " لَمَّا أَصَابَ دَاوُدُ ﵇ الْخَطِيئَةَ، جَعَلَ يَخْرُجُ إِلَى الْبَرَارِي، فَيَبْكِي، وَتَبْكِي الْوُحُوشُ مَعَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَبْكِي وَيَبْكُونَ مَعَهُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيَبْكِي وَيَبْكُونَ مَعَهُ، فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لا يَرْجِعُ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ، خَرَّ سَاجِدًا، فَبَكَى حَتَّى نَبَتَ الْبَقْلُ مِنْ دُمُوعِهِ، ثُمَّ نَحَبَ فَهَاجَ الْعُودُ وَاحْتَرَقَ مِنْ زَفِيرِهِ، فَنُودِيَ: يَا دَاوُدُ، أَمَظْلُومٌ فتُنْصَرُ؟ أَعَارٍ فَتُكْسَى؟ أَظَمْآنٌ فَتُسْقَى؟ أَجَائِعٌ فَتُطْعَمُ؟ قَالَ: لا، أَوْبَقَتْنِي خَطِيئَتِي، فَلْم يَرْجِعْ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَجَعَلَ يَئِنُّ فِي سُجُودِهِ عِنْدَ آخِرِ بُكَائِهِ، ثُمَّ انْقَطَعَ صَوْتُهُ، فَكَانَ لا يُسْمَعُ إِلا شِبْهُ الأَنِينِ الْخَفِيِّ، فَعِنْدَ ذَلِكَ رُحِمَ "

стр. 26

! ١٧٠ وَبِالإِسْنَادِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ الرُّومِيُّ، حَدَّثَنَا أَسَدٌ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْعَاتِكَةِ، قَالَ: " كَانَ مِنْ قَوْلِ دَاوُدَ ﵇: سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، إِلَهِي، إِذَا ذَكَرْتُ خَطِيئَتِي ضَاقَتْ عَلَيَّ الأَرْضُ بِرُحْبِهَا، وَإِذَا ذَكَرْتُ رَحْمَتَكَ ارْتَدَّ إِلَيَّ رُوحِي. سُبْحَانَ خَالِقِ النُّورِ، إِلَهِي، خَرَجْتُ أَسْأَلُ أَطِبَّاءَ عِبَادِكَ أَنْ يُدَاوُوا خَطِيئَتِي، وَكُلُّهُمْ عَلَيْكَ يَدُلُّنِي " ! ١٧١ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: وَحَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي بَكْرُ بْنُ خُنَيْسٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ، عَنْ نَوْفٍ الشَّامِيِّ، قَالَ: " لَمَّا أَصَابَ دَاوُدُ الْخَطِيئَةَ جَعَلَ يَبْكِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَبْكُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الْبَرَارِي، فَيَبْكِي إِلَى الْوُحُوشِ وَتَبْكِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يُنَوِّحُ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَعْكُفُ عَلَيْهِ الطَّيْرُ فَيَبْكِي لِبُكَائِهِ، ثُمَّ تَضِيقُ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَيَسِيحُ فِي الْجِبَالِ وَيُنَادِي: إِلَيْك هَرَبْتُ إِلَهِي مِنْ عَظِيمِ جُرْمِي. فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُمْسِي، فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيَدْخُلُ بَيْتَ عِبَادَتِهِ، فَلا يَزَالُ مُصَلِّيًا، بَاكِيًا، سَاجِدًا. قَالَ: فَأَتَاهُ ابْنٌ لَهُ صَغِيرٌ فَنَادَاهُ: يَا أَبَتَاهُ، هَجَمَ اللَّيْلُ، وَأَفْطَرَ الصَّائِمُونَ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ أَبَاكَ لَيْسَ كَمَا كَانَ يَكُونُ، إِنَّ أَبَاكَ قَدْ وَقَعَ فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ، إِنَّ أَبَاكَ عَنْكَ وَعَنْ عَشَائِكَ مَشْغُولٌ. قَالَ: فَرَجَعَ الْغُلَامُ بَاكِيًا إِلَى أُمِّهِ، فَجَاءَتِ

стр. 27

الْمَرْأَةُ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَدْ جَاءَ اللَّيْلُ، وَحَضَرَ فِطْرُ الصَّائِمِ، أَلا نَأْتِيكَ بِطَعَامٍ؟ فَنَادَاهَا مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ: وَمَا يَصْنَعُ دَاوُدُ بِالطَّعَامِ بَعْدَ رُكُوبِ الْخَطِيئَةِ؟ . فَلَمْ يَزَلْ عَلَى هَذَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ " ! ١٧٢ وعن وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " كَانَ لِدَاوُدَ حَشِيَّةٌ مَحْشُوَّةٌ بِالرَّمَادِ، يُصَلِّي عَلَيْهَا، فَكَانَ يُصَلِّي، فَيَبْكِي فِي سُجُودِهِ حَتَّى يَبُلَّ مَوْضِعَ سُجُودِهِ، ثُمَّ تَغْلِبُهُ الدُّمُوعُ فَتَجْرِي حَتَّى يَبُلَّ مَوْضِعُ الْحَشِيَّةِ مِنْ تَحْتِهِ، وَكَانَ يُنَادِي فِي سُجُودِهِ: قَرَحَ الْجَبِينُ، وَجَفَّتِ الدَّمْعَةُ، وَخَطِيئَتِي لَمْ تُغْفَرْ لِي. فَقِيلَ لَهُ: يَا دَاوُدُ، أَظَمْآنٌ فَتُسْقَى؟ أَجَائِعٌ فَتُطْعَمُ؟ أَعَارٍ فَتُكْسَى؟ قَالَ: فَازْدَادَ بُكَاءً عَلَى بُكَائِهِ، وَأَخَذَ فِي الأَنِينِ عِنْدَ مُنْقَطَعِ النَّحِيبِ. قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَحِمَهُ، فَغُفِرَ لَهُ " ! ١٧٣ قَالَ مُحَمَّدٌ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ زِيَادٍ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: " لَمَّا أَصَابَ دَاوُدُ الْخَطِيئَةَ، جَعَلَ يَفْزَعُ إِلَى الْعُبَّادِ، فَيَبْكِي إِلَيْهِم فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَيَبْكُونَ إِلَيْهِ، فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مُنْفَرِدٍ، فَنَادَاهُ: أَنَا دَاوُدُ نَبِيُّ اللَّهِ صَاحِبُ الْخَطِيئَةِ، أَوْ مَا بَلَغَكَ أَيُّهَا الرَّجُلُ؟ قَالَ: فَبَكَى الرَّجُلُ بُكَاءً شَدِيدًا، ثُمَّ قَالَ: يَا دَاوُدُ قَدْ بَلَغَتْ خَطِيئَتُكَ إِلَى الْعَظَاءَةِ فِي جُحْرِهَا، فَكَيْفَ لَمْ تَبْلُغْ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ فَبَكَى دَاوُدُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَخَرَّ سَاجِدًا، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ مِنْ دُمُوعِهِ " !

стр. 28

١٧٤ وَأخبرنا أَبُو طَالِبٍ الْمُبَارَكُ بْنُ خُضَيْرٍ، أخبرنا أَبُو غَالِبٍ شُجَاعُ بْنُ فَارِسٍ، أخبرنا أَبُو بَكْرٍ الْخَيَّاطُ، أخبرنا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ دُوَسْت، أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ، أخبرنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ جَرِيرٍ الْبَجْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَامِرُ بْنِ يَسَافٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُ " كَانَ إِذَا كَانَ يَوْمٌ نَوَّحَ دَاوُدُ ﵇، مَكَثَ قَبْلَ ذَلِكَ سَبْعًا لا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَلا يَشْرَبُ الشَّرَابَ، وَلا يَقْرَبُ النِّسَاءَ، فَإِذَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أُخْرِجَ لَهُ مِنْبَرٌ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، وَأَمَرَ سُلَيْمَانُ مُنَادِيًا يَسْتَقْرِي الْبِلَادَ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْغِيَاضِ، وَالآكَامِ، وَالْجِبَالِ، وَالْبَرَارِي، وَالدِّيَارَاتِ، وَالصَّوَامِعِ، وَالْبِيَعِ فَيُنَادِي فِيهَا: أَلا مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْمَعَ نَوْحَ دَاوُدَ. قَالَ: فَتَأْتِي الْوُحُوشُ مِنَ الْبَرَارِي وَالآكَامِ، وَتَأْتِي السِّبَاعُ مِنَ الْغِيَاضِ، وَتَأْتِي الْهَوَامُّ مِنَ الْجِبَالِ، وَتَأْتِي الطَّيْرُ مِنَ الأَوْكَارِ، وَيَأْتِي الرُّهْبَانُ مِنَ الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، وَتَأْتِي الْعَذَارَى مِنْ خُدُورِهَا، وَيَجْتَمِعُ النَّاسُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ، وَيَأْتِي دَاوُدُ ﵇ حَتَّى يَرْقَى عَلَى الْمِنْبَرِ، وَيُحِيطُ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَكُلُّ صِنْفٍ عَلَى حِدَتِهِ مُصْغُونَ إِلَيْهِ. قَالَ: وَسُلَيْمَانُ ﵇ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ، قَالَ: فَيَأْخُذُ ﵇ فِي الثَّنَاءِ عَلَى رَبِّهِ، فَيَصِيحُونَ بِالْبُكَاءِ وَالصُّرَاخَ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي ذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَتَمُوتُ

стр. 29

طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَطَائِفَةٌ مِنَ السِّبَاعِ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْهَوَامِّ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْوُحُوشِ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الرُّهْبَانِ وَالْعَذَارَى الْمُتَعَبِّدَاتِ، ثُمَّ يَأْخُذُ فِي ذِكْرِ الْمَوْتِ وَأَهْوَالِ الْقِيَامَةِ، وَيَأْخُذُ فِي النِّيَاحَةِ عَلَى نَفْسِهِ، قَالَ: فَتَمُوتُ طَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلاءِ، وَطَائِفَةُ مِنْ هَؤُلاءِ، وَمِنْ كُلِّ صِنْفٍ طَائِفَةٌ، فَإِذَا رَأَى سُلَيْمَانُ مَا قَدْ كَثُرَ مِنَ الْمَوْتِ فِي كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ، نَادَى: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ فَرَّقْتَ الْمُسْتَمِعِينَ كُلَّ مُمَزَّقٍ، وَمَاتَتْ طَوَائِفُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَنِ الْوُحُوشِ، وَالْهَوَامِّ، وَالسِّبَاعِ وَالرُّهْبَانِ. قَالَ: فَيَقْطَعُ النِّيَاحَةَ وَيَأْخُذُ فِي الدُّعَاءِ. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ نَادَاهُ عُبَّادُ بَنِي إِسْرَائِيلَ: يَا دَاوُدُ عَجِلْتَ بِطَلَبِ الْجَزَاءِ عَلَى رَبِّكَ. قَالَ: فَخَرَّ دَاوُدُ عِنْدَ ذَلِكَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سُلَيْمَانُ وَمَا أَصَابَهُ، أَتَى بِسَرِيرٍ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ مُنَادِيًا: مَنْ كَانَ لَهُ مَعَ دَاوُدَ حَمِيمٌ أَوْ قَرِيبٌ، فَلْيَأْتِ بِسَرِيرٍ فَلْيَحْمِلْهُ، فَإِنَّ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ دَاوُدَ قَدْ قَتَلَهُمْ ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لَتَأْتِي بِالسَّرِيرِ، فَتَقِفُ عَلَى أَبِيهَا وَهُوَ مَيِّتٌ، فَتُنَادِي: وَا أَبَتَاهُ مَنْ قَتَلَهُ ذِكْرُ النَّارِ، وَا أَبَتَاهُ مَنْ قَتَلَهُ ذِكْرُ الْجَنَّةِ، وَا أَبَتَاهُ مَنْ قَتَلَهُ ذِكْرُ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ: حَتَّى إِنَّ الْوُحُوشَ لَتَجْتَمِعُ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَتَحْمِلُهُ، وَالسِّبَاعُ وَالْهَوَامُّ كَذَلِكَ. قَالَ: وَيَتَفَرَّقُونَ، فَإِذَا أَفَاقَ دَاوُدُ مِنْ غَشْيَتِهِ نَادَى: يَا سُلَيْمَانُ مَا فَعَلَتْ عُبَّادُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فُلانٌ وَفُلانٌ؟ فَيَعُدُّ نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَيَقُولُ سُلَيْمَانُ: مُوِّتُوا عَنْ آخِرِهِمْ، فَيَقُومُ دَاوُدُ فَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَ عِبَادَتِهِ، وَيُغْلِقُ عَلَيْهِ بَابَهُ , ثُمَّ يُنَادِي: أَعَصْيَانٌ أَنْتَ عَلَى دَاوُدَ إِلَه دَاوُدَ؟ أَمْ كَيْفَ قَصَّرْتَ بِهِ أَنْ يَمُوتَ؟ خَوْفًا مِنْكَ؟ أَوْ فَرَقًا مِنْ نَارِكَ؟ أَوْ شَوْقًا إِلَى جَنَّتِكَ وَلِقَائِكَ؟ إِلَهَ دَاوُدَ، إِلَهَ دَاوُدَ، فَلا يَزَالُ كَذَلِكَ سَبْعًا يُنَادِي:

стр. 30

إِلَهَ دَاوُدَ. قَالَ: فَيَأْتِي سُلَيْمَانُ، فَيَقِفُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَيُنَادِي: يَا أَبَتِ أَتَأْذَنُ لِي فِي الدُّخُولِ عَلَيْكَ؟ فَيَأْذَنُ لَهُ، فَيَدْخُلُ وَمَعَهُ قُرْصٌ مِنْ شَعِيرٍ، فَيَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ، تَقَوَّ عَلَى مَا تُرِيدُ، قَالَ: فَيَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَيَكُونُ بَيْنَهُمْ " يَحْيَى ﵇ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: دَخَلَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ﵇ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ حِجَجٍ، فَنَظَرَ إِلَى عُبَّادِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَدْ لَبِسُوا مَدَارِعَ الشَّعْرِ وَبَرَانِسَ الصُّوفِ، وَنَظَرَ إِلَى مُجْتَهِدِيهِمْ، أَوْ قَالَ: مُتْهَجِدِيهِمْ، قَدْ خَرَقُوا التَّرَاقِيَ، وَسَلَكُوا فِيهَا السَّلاسِلَ وَشَدُّوهَا إِلَى حَنَايَا بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَهَالَهُ ذَلِكَ، وَرَجَعَ إِلَى أَبَوَيْهِ، فَمَرَّ بِصِبْيَانٍ يَلْعَبُونَ، فَقَالُوا: يَا يَحْيَى هَلُمَّ فَلْنَلْعَبْ. قَالَ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِلَّعِبِ. فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ

стр. 31

عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . فَأَتَى أَبَوَيْهِ، فَسَأَلَهُمَا أَنْ يُدَرِّعَاهُ الشَّعْرَ، فَفَعَلا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَكَانَ يَخْدُمُهُ نَهَارًا، وَيُصْبِحُ فِيهِ لَيْلا، حَتَّى أَتَتْ لَهُ خَمْسَ عَشَرَةَ حِجَّةَ، فَأَتَاهُ الْخَوْفُ، فَسَاحَ، وَلَزِمَ أَطْرَافَ الأَرْضِ وَغِيرَانَ الشِّعَابَ، وَخَرَجَ أَبَوَاهُ فِي طَلَبِهِ، فَوَجَدَاهُ حِينَ نَزَلا مِنْ جِبَالِ الثَّنِيَّةِ عَلَى بُحَيْرَةِ الأُرْدُنِّ، وَقَدْ قَعَدَ عَلَى شَفِيرِ الْبُحَيْرَةِ، وَأَنْقَعَ قَدَمَيْهِ فِي الْمَاءِ، وَقَدْ كَادَ الْعَطَشُ يَذْبَحُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَعِزَّتُكَ لا أَذُوقُ بَارِدَ الشَّرَابِ حَتَّى أَعْلَمَ مَكَانِي مِنْهُ، فَسَأَلَهُ أَبَوَاهُ أَنْ يَأْكُلَ قَرِيمًا كَانَ مَعَهُمَا مِنْ شَعِيرٍ، وَيَشْرَبَ مِنَ الْمَاءِ، فَفَعَلَ، وَكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ، فَمُدِحَ بِالْبِرِّ، فَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ [مريم: ١٤] . وَرَدَّهُ أَبَوَاهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَكَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ بَكَى، وَبَكَى زَكَرِيَّا لِبُكَائِهِ، حَتَّى يُغْمَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى خَرَمَتْ دُمُوعُهُ لَحْمَ خَدَّيْهِ، وَبَدَتْ أَضْرَاسُهُ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: يَا يَحْيَى، لَوْ أَذِنْتَ لِي لاتَّخَذْتُ لَكَ لِبَدًا لِيُوَارِي أَضْرَاسَكَ عَنِ النَّاظِرِينَ. قَالَ: أَنْتِ وَذَاكَ. فَعَمَدَتْ إِلَى قِطْعَتَيْ لُبُودٍ، فَأَلْصَقَتْهُمَا عَلَى خَدَّيْهِ، فَكَانَ إِذَا بَكَى اسْتَنْقَعَتْ دُمُوعُهُ فِي الْقِطْعَتَيْنِ، فَتَقُومُ إِلَيْهِ أُمُّهُ فَتَعْصِرُهُمَا بِيَدِهَا، فَكَانَ إِذَا نَظَرَ إِلَى دُمُوعِهِ تَجْرِي عَلَى ذِرَاعَيْ أُمِّهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ دُمُوعِي، وَهَذِهِ أُمِّي، وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

стр. 32

زَكَرِيَّا ﵇ ! ١٧٥ أخبرنا أَبُو الْمَعَالِي بْنُ صَابِرٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحُسَيْنِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ رَشَأُ بْنُ نَظِيفٍ الْمُقْرِئُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: " أَنَّ زَكَرِيَّا ﵇ هَرَبَ وَدَخَلَ جَوْفَ شَجَرَةٍ، فَوُضِعَ عَلَى الشَّجَرَةِ الْمِنْشَارُ وَقُطِعَ نِصْفَيْنِ، فَلَمَّا وَقَعَ الْمِنْشَارُ عَلَى ظَهْرِهِ أَنَّ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: يَا زَكَرِيَّا، إِمَّا أَنْ تَكُفَّ عَنْ أَنِينِكَ أَوْ أَقْلِبُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا. قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى قُطِعَ نِصْفَيْنِ ﵇ " ! ١٧٦ أخبرنا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِلالٍ الدَّقَّاقُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ، قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ، أخبرنا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْعُشَارِيُّ، أخبرنا أَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ أَخِي

стр. 33

ميمي، أخبرنا الْحُسَيْنُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ الْفَرَجِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ مَالِكٍ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فُضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: " عُقيبٌ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مَلِكٌ يُعَذِّبُ النَّاسَ بِالْمَثُلاتِ. قَالَ عُقيبٌ: لَوْ نَزَلْتُ إِلَى هَذَا فَأَمَرْتُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ كَانَ أَوْجَبَ عَلِيَّ، فَنَزَلَ مِنَ الْجَبَلِ، فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ . فَقَالَ لَهُ الْجَبَّارُ: يَا كَلْبُ مِثْلُكَ يَأْمُرُ بِتَقْوَى اللَّهِ ؟ لأُعَذِّبَنَّكَ عَذَابًا لَمْ يُعَذَّبْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُسْلَخ مِنْ قَدَمَيْهِ إِلَى رَأْسِهِ وَهُوَ حَيٌّ، فَسُلِخَ، فَلَمَّا بَلَغَ بَطْنَهُ أَنَّ أَنَّةً، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: عُقيبُ اصْبِرْ أُخْرِجْكَ مِنْ دَارِ الْحُزْنِ إِلَى دَارِ الْفَرَحِ، وَمَنْ دَارِ الضِّيقِ إِلَى دَارِ السَّعَةِ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّلْخُ وَجْهَهُ صَاحَ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَبْكَيْتَ أَهْلَ سَمَاوَاتِي وَأَهْلَ أَرْضِي، وَأَذْهَلْتَ مَلَائِكَتِي عَنْ تَسْبِيحِي، لَئِنْ صِحْتَ الثَّالِثَةَ لأَصُبَّنَّ الْعَذَابَ صَبًّا. فَصَبَرَ حَتَّى سُلِخَ وَجْهُهُ، مَخَافَةَ أَنْ يَأْخُذَ قَوْمَهُ الْعَذَابُ " أَيُّوبُ ﵇ ! ١٧٧ أخبرنا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَلْمَانَ، قَالَ: أخبرنا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ خَيْرُونَ، أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الطُّومَارِيُّ، أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ

стр. 34

أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مُبَارَكٍ الْعَبْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ سِنَانٍ، أخبرنا وَالِدِي، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: " أَنَّهُ كَانَ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلا مِنَ الرُّومِ، وَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدِ اصْطَفَاهُ وَنَبَّأَهُ وَابْتَلَاهُ بِالْغِنَى وَكَثْرَةِ الْمَالِ وَالْوَلَدِ، وَبَسَطَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، وَوَسَّعَ عَلَيْهِ فِي الرِّزْقِ، وَكَانَتْ لَهُ الْبَثَنِيَّةُ مِنَ أَرْضِ الشَّامِ، أَعْلَاهَا وَأَسْفَلُهَا , وَكَانَ لَهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، وَكَانَ بَرًّا تَقِيًّا، رَحِيمًا بِالْمَسَاكِينِ يُطْعِمُهُمْ، وَيَحْمِلُ الأَرَامِلَ، وَيَكْفُلُ الأَيْتَامَ، وَيُكْرِمُ الضَّيْفَ، وَيُبَلِّغُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَكَانَ شَاكِرًا لِنِعَمِ اللَّهِ، مُؤَدِّيًا لِحَقِّهِ، وَكَانَ مَعَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَدْ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَاهُ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَنَفْسِهِ رَحْمَةً لَهُ لِيُعْظِمَ لَهُ الثَّوَابَ مِمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْبَلاءِ، عَبْرَةً لِلصَّابِرِينَ، وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ، فسُلِّطَ عَلَيْهِ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ، فَجَمَعَ عَفَارِيتَهُ وَقَالَ: إِنِّي قَدْ سُلِّطْتُ عَلَى مَالِ أَيُّوبَ وَأَهْلِهِ، فَمَاذَا عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَكُونُ إِعْصَارًا فِيهِ نَارٌ فَلا أَمُرُّ بِشَيْءٍ إِلا أَحْرَقْتُهُ، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى إِبِلَهُ، فَأَحْرَقَهَا وَرُعَاتَهَا، وَجَاءَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ مُتَمَثِّلا بِقَهْرَمَانِ الرُّعَاةِ، وَأَيُّوبُ فِي مُصَلاهُ يُصَلِّي، فَقَالَ: أَيَا أَيُّوبُ أَقْبَلَتْ نَارٌ حَتَّى غَشِيَتْ إبِلَكَ فَأَحْرَقَتْهَا وَمَنْ فِيهَا غَيْرِي، فَجِئْتُكَ أُخْبِرُكَ، فَقَالَ أَيُّوبُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هُوَ أَعْطَاهَا وَهُوَ أَخَذَهَا، الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْهَا كَمَا يُخْرَجُ الزُّؤَانُ مِنَ الْقَمْحِ، وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيكَ خَيْرًا لَذَهَبَ بِكَ مَعَ تِلْكَ الأَنْفُسِ.

стр. 35

وَجَعَلَتْ تُصِيبُ مَالَهُ مَالا مَالا، فَكُلَّمَا انْتَهَى إِلَيْهِ هَلاكُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ حَمِدَ اللَّهَ وَأَحْسَنَ عَلَيْهِ الثَّنَاءَ، وَرَضِيَ بِالْقَضَاءِ، وَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى الْبَلاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ مَالٌ أَتَى أَهْلَهُ وَدَارَهُ وَهُمْ فِي قَصْرٍ لَهُ، فَصَارَ رِيحًا عَاصِفًا، فَاحْتَمَلَ الْقَصْرَ مِنْ نَوَاحِيهِ، فَأَلْقَاهُ عَلَى أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى شَدَخَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُ فِي صُورَةِ قَهْرَمَانَةٍ عَلَيْهِمْ، فَأَخْبَرَهُ، فَجَزِعَ عَلَى وَلَدِهِ، وَقَالَ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي، ثُمَّ رَجَعَ أَيُّوبُ فِيمَا قَالَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، فَسَبَقَتْ تَوْبَتُهُ عَدُوَّ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَدُوُّ اللَّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَنَفَخَ فِي جَسَدِهِ، فَصَارَ ثَآلِيلَ كَثَآلِيلِ الْغَنَمِ، فَحَكَّ بِأَظْفَارِهِ حَتَّى سَقَطَتْ، ثُمَّ بِالْفَخَّارِ وَالْحِجَارَةِ حَتَّى تَسَاقَطَ لَحْمُهُ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلا الْعُرُوقُ وَالْعَصَبُ وَالْعِظَامُ، وَعَيْنَاهُ تَجُولانِ فِي رَأْسِهِ لِلنَّظَرِ، وَقَلْبُهُ لِلْعَقْلِ، وَلِسَانُهُ لِلذِّكْرِ، وَلَمْ يَخْلُصْ إِلَى شَيْءٍ مِنْ حُشْوَةِ الْبَطْنِ، لأَنَّهُ لا بَقَاءَ إِلا بِهَا، وَمَنْ غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: " وَتَرَكَهُ جَمِيعُ النَّاسِ وَاطَّرَحُوهُ، إِلا امْرَأَتَهُ رَحْمَةَ بِنْتَ مِيشَا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ﵈، فَإِنَّهَا صَبَرَتْ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ تَتَصَدَّقُ بِالْكِسْرَةِ وَاللُّقْمَةِ وَتُطْعِمُهَا إِيَّاهُ، وَتَطْحَنُ لِلنَّاسِ بِيَدِهَا وَتَأْخُذُ أُجْرَتَهَا طَعَامًا لَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ، وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ بَلَغَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ أُلْقِيَ عَلَى زَبَلٍ وَسُتِرَتْ عَوْرَتُهُ بِالرَّمَادِ، تَقَعُ عَنْهُ الدُّودَةُ فَيَرُدُّهَا إِلَى مَوْضِعِهَا فِي بَدَنِهِ، رَجْعُ الْحَدِيثِ إِلَى وَهْبٍ: قَالَ: فَلَبِثَ فِي ذَلِكَ الْبَلاءِ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يَزِدْ يَوْمًا وَاحِدًا، فَلَمَّا غَلَبَهُ أَيُّوبُ وَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْهُ شَيْئًا، اعْتَرَضَ لامْرَأَتِهِ فِي هَيْئَةٍ لَيْسَتْ كَهَيْئَةِ بَنِي آدَمَ فِي الْعِظَمِ وَالطُّولِ وَالْجِسْمِ، عَلَى مَرْكَبٍ لَيْسَ مِنْ مَرَاكِبِ النَّاسِ، فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ

стр. 36

صَاحِبَةُ أَيُّوبَ، هَذَا الرَّجُلِ الْمُبْتَلَى؟ قَالَ: هَلْ تَعْرِفِينِي؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: إِنَّهُ إِلَهُ الأَرْضِ، وَأَنَا الَّذِي صَنَعْتُ بِصَاحِبِكِ مَا صَنَعْتُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَبْدَ إِلَهَ السَّمَاءِ وَتَرَكَنِي، فَأَغْضَبَنِي، وَلَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً رَدَدْتُ عَلَيْهِ وَعَلَيْكُمَا مَا كَانَ لَكُمَا مِنْ وَلَدٍ وَمَالٍ فَإِنَّهُ عِنْدِي، ثُمَّ أَرَاهَا إِيَّاهُمْ فِيمَا يُرَى بِبَطْنِ الْوَادِي الَّذِي لَقِيَهَا فِيهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَيُّوبَ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا قَالَ لَهَا وَمَا أَرَاهَا، قَالَ: وَلَقَدِ أَتَاكِ عَدُوُّ اللَّهِ يَفْتِنُكِ عَنْ دِينِكِ، ثُمَّ أَقْسَمَ إِنِ اللَّهُ عَافَاهُ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ ضَرْبَةً، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ جَاءَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا مَعَهُ وَصَدَّقُوهُ، وَمِنْهُمْ فَتًى حَدِيثُ السِّنِّ، قَدْ كَانَ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، فَجَلَسُوا إِلَى أَيُّوبَ، وَنَظَرُوا إِلَى مَا بِهِ مِنَ الْبَلاءِ، فَأَعْظَمُوا ذَلِكَ وَفُظِعُوا بِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: وَلَقَدِ أَعْيَانَا أَمْرُكَ يَا أَيُّوبُ، إِنْ تَكَلَّمْتُ فَمَا لِلْحَدِيثِ فِيكَ مِنْ مَوْضِعٍ، وَإِنْ سَكَتُّ عَنْكَ عَلَى مَا نَرَى فِيكَ فَذَلِكَ أَشَدُّ عَلَيْنَا، غَيْرَ أنَّا نَرَى مِنْ أَعْمَالِكَ أَعْمَالا لا نَرْجُو لَكَ مِنَ الثَّوَابِ عَلَيْهَا غَيْرَ مَا نَرَى، وَإِنَّمَا يَحْصُدُ امْرُؤٌ مَا زَرَعَ، وَإِنَّمَا يُجْزَى بِمَا عَمِلَ، مَعَ أَنِّي أَشْهَدُ عَلَى اللَّهِ الَّذِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ، وَلا يُحْصَى عَدَدُ نِعْمَتِهِ أَنَّهُ حَكَمٌ لا يَجُورُ، وَهُوَ إِلَى الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ أَسْرَعُ مِنْهُ إِلَى الْغَضَبِ وَالْعُقُوبَةِ، فَتَكَلَّمَ أَيُّوبُ بِجَوَابِهِمْ، فَقَالَ الآخَرُ: أَتُحَاجُّ اللَّهَ يَا أَيُّوبُ فِي أَمْرِهِ، أَمْ تُرِيدُ أَنْ تُنَاصِفَهُ فِي حُكْمِهِ، أَمْ تُزَكِّي نَفْسَكَ وَأَنْتَ خَاطِئٌ، أَمْ تُبْرِئْهَا وَأَنْتَ سَقِيمٌ؟ مَاذَا يَنْفَعُكَ وَيُغْنِي عَنْكَ أَنْ تَرَى أَنَّكَ بَرِيءٌ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِكَ خَطِيئَتُكَ، وَأَوْثَقَكَ عَمَلُكَ، وَأُحْصِيَ عَلَيْكَ ذَنْبُكَ، وَأَنْتَ مُصِرٌّ إِصْرَارَ الْمَاءِ الْجَارِي فِي صَبٍّ لا يُطَاقُ حَبْسُهُ، وَذَكَرَ كَلامًا كَثِيرًا، وَكَلامَ أَيُّوبَ فِي جَوَابِهِمْ، فَقَالَ الْفَتَى الَّذِي حَضَرَهُمْ: إِنَّكُمْ تَكَلَّمْتُمْ أَيُّهَا الْكُهُولُ قَبْلِي، وَكُنْتُمْ

стр. 37

أَحَقَّ بِالْكَلامِ وَأَوْلَى بِهِ مِنِّي لِحَقِّ أَسْنَانِكُمْ، وَلأَنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمْ قَبْلِي وَرَأَيْتُمْ، وَعَلِمْتُمْ مَا لَمْ أَعْلَمْ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَكْتُمْ مِنَ الْقَوْلِ أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي قُلْتُمْ، وَمِنَ الرَّأْيِ أَصْوَبَ مِنَ الَّذِي رَأَيْتُمْ، وَمِنَ الأَمْرِ أَجْمَلَ مِنَ الَّذِي أَتَيْتُمْ، وَمِنَ الْمَوْعِظَةِ أَحْكَمَ مِنَ الَّذِي وَعَظْتُمْ، وَقَدْ كَانَ لأَيُّوبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْحَقِّ وَالذِّمَامِ أَفْضَلَ مِنَ الَّذِي فَعَلْتُمْ، فَهَلْ تَدْرُونَ أَيُّهَا الْكُهُولُ حَقَّ مَنِ انْتَقَصْتُمْ؟ وَحُرْمَةَ مَنِ انْتَهَكْتُمْ؟ وَمَنِ الرَّجُلُ الَّذِي عِبْتُمْ وَاتَّهَمْتُمْ؟ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الْكُهُولُ أَنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهَ وَخِيرَتُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنَ الأَرْضِ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ اخْتَارَهُ اللَّهُ لِوَحْيِهِ، وَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَأمَّنَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، ثُمَّ لَمْ تَعْلَمُوا وَلَمْ يُطْلِعْكُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ سَخِطَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ مُنْذُ آتَاهُ اللَّهُ مَا آتَاهُ ﵇ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا، وَلا عَلَى أَنَّ أَيُّوبَ، قَالَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ فِي طُولِ مَا صَحِبْتُمُوهُ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الْبَلَاءُ هُوَ الَّذِي أَزْرَى بِهِ عِنْدَكُمْ وَوَضَعَهُ فِي أَنْفُسِكُمْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ، ثُمَّ لَيْسَ بَلاؤُهُ لأَوْلِيَائِهِ بِدَلِيلٍ عَلَى سَخَطِهِ عَلَيْهِمْ، وَلا هَوَانِهِ لَهُمْ، وَلَكِنَّهَا كَرَامَةٌ وَخِيَرَةٌ لَهُمْ، وَلَوْ كَانَ أَيُّوبَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لا بِالنُّبُوَّةِ، وَلا بِالأَثَرَةِ، وَلا بِالْفَضِيلَةِ، وَلا بِالْكَرَامَةِ إِلا أَنَّهُ أَخٌ آخَيْتُمُوهُ عَلَى وَجْهِ الصَّحَابَةِ لَكَانَ وَهُوَ لا يَجْمُلُ بِالْحَكِيمِ أَنْ يَعْذِلَ أَخَاهُ

стр. 38

عِنْدَ الْبَلاءِ، وَلا يُعَيِّرَهُ بِالْمُصِيبَةِ، وَلا يَعِيبَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ وَهُوَ مَكْرُوبٌ حَزِينٌ، وَلَكِنَّهُ يَرْحَمُهُ، وَيَبْكِي مَعَهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ وَيَحْزَنُ لِحُزْنِهِ، وَيَدُلُّهُ عَلَى مَرَاشِدِ أَمْرِهِ، وَلَيْسَ بِحَكِيمٍ، وَلا رَحِيمٍ مَنْ جَهِلَ هَذَا، فَاللَّهُ اللَّهُ أَيُّهَا الْكُهُولُ فِي أَنْفُسِكُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْفَتَى عَلَى أَيُّوبَ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ كَلَامِهِ لأَصْحَابِ أَيُّوبَ، فَقَالَ: وَقَدْ كَانَ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ يَا أَيُّوبُ وَجَلالِهِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ مَا يَقْطَعُ لِسَانَكَ وَيَكْسِرُ قَلْبَكَ وَيُنْسِيكَ حُجَّتَكَ، أَلَمْ يَعْلَمُوا يَا أَيُّوبُ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَسْكَتَتْهُمْ خَشْيَتُهُ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ وَلَا بُكْمٍ؟ وَإِنَّهُمْ لَهُمُ الْفُصَحَاءُ النُّطَقَاءُ الأَلِبَّاءُ النُّبَلاءُ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ انْقَطَعَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ، وَانْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ، إِعْظَامًا وَإِعْزَازًا وَإِجْلالا، فَإِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ اسْتَبَقُوا إِلَى اللَّهِ بِالأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الظَّالِمِينَ وَالْخَاطِئِينَ، وَإِنَّهُمْ لأَنْزَاهٌ بُرَاءٌ، وَمَعَ الْمُقَصِّرِينَ وَالْمُفَرِّطِينَ وَإِنَّهُمْ لأَكْيَاسٌ أَقْوِيَاءٌ، وَلَكِنَّهُمْ لا يَسْتَكْثِرُونَ لِلَّهِ الْكَثِيرَ، وَلا يَرْضَوْنَ لَهُ بِالْقَلِيلِ، وَلا يُدْلُونَ عَلَيْهِ بِالأَعْمَالِ. فَهُمْ مَتَى مَا رَأَيْتُهُمْ مُرَوَّعُونَ مُفَزَّعُونَ مُهْتَمُّونَ خَاشِعُونَ وَجِلُونَ مُسْتَكِينُونَ مُعْتَرِفُونَ،

стр. 39

فَقَالَ أَيُّوبُ ﵇: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَزْرَعُ الْحِكْمَةَ بِالرَّحْمَةِ فِي قَلْبِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَمَتَى مَا نَبَتَتْ فِي الْقَلْبِ يُظْهِرُهَا اللَّهُ عَلَى اللِّسَانِ، وَلَيْسَتْ تَكُونُ الْحِكْمَةُ مِنْ قِبَلِ السِّنِّ وَلا الشِّيبَةِ وَلا طُولِ التَّجْرِبَةِ، وَإِذَا جَعَلَ اللَّهُ الْعَبْدَ حَكِيمًا فِي الصِّبَا لَمْ يُسْقِطْ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ، وَهُمْ يَرَوْنَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ نُورَ الْكَرَامَةِ " وَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ قِصَّةَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: " وَأُلْقِيَ عَلَى الرَّمَادِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَيُّوبَ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِي مِنَ الْجَهْدِ وَالْفَاقَةِ مَا بِعْتُ قَرْنًا مِنْ قُرُونِي بِرَغِيفٍ فَأَطْعَمْتُكَ، فَادْعُ رَبَّكَ فَلِيَشْفِكَ. قَالَ: وَيْحَكِ، كُنَّا فِي النَّعْمَاءِ سَبْعِينَ عامًا فَاصْبِرِي حَتَّى تَكُونِي فِي الضرَّاءِ سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ: فَكَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلاءِ سَبْعُ سِنِينَ. قَالَ: وَقَعَدَ الشَّيْطَانُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَخَذَ تَابُوتًا يُطَبِّبُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةُ أَيُّوبَ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنَّ هَهُنَا إِنْسَانًا مُبْتَلًى، فَهَلْ لَكَ أَنْ نُدَاوِيَهُ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ فَعَلْتُ، عَلَى أَنْ يَقُولَ لِي كَلِمَةً إِذَا بَرَأَ، يَقُولُ: أَنْتَ شَفَيْتَنِي. قَالَ: فَأَتَتْهُ، فَقَالَتْ: يَا أَيُّوبُ، إِنَّ هَهُنَا رَجُلا يَزْعُمُ أَنَّهُ يُدَاوِيكَ عَلَى أَنْ تَقُولَ لَهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً: أَنْتَ شَفَيْتَنِي. قَالَ: وَيْلَكِ، ذَلِكَ الشَّيْطَانُ، لِلَّهِ عَلِيَّ إِنْ شَفَانِي اللَّهُ أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةَ جَلْدَةً ". وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَالَ لَهَا: " اذْهَبِي فَلا حَاجَةَ لِي فِيكِ , فَذَهَبَتْ

стр. 40

عَنْهُ، وَقَالَ: رَبِّ ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، قَالَ: قُمْ، فَقَالَ لَهُ: ارْكُضْ بَرَجْلِكَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَقَالَ: اغْتَسِلْ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَحَّاهُ، فَقَالَ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَقَالَ: اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَلْبَسَهُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ، فَإِذَا أَيُّوبُ أَحْسَنَ مَا كَانَ وَأَتَمُّهُ! ثُمَّ إِنَّ امْرَأَتَهُ رَقَّتْ عَلَيْهِ وَرَحِمَتْهُ، وَقَالَتْ: إِلَى مَنْ أَكِلُهُ وَإِنْ طُرِدْتُ؟ ! فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ، فَلَمْ تَرَهْ! فَانْطَلَقَتْ وَالِهَةً إِلَى الْقَرْيَةِ تَسْعَى، ثُمَّ عَادَتْ وَالِهَةً لا تَعْقِلُ. قَالَ: وَمَرَّتْ بِأَيُّوبَ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ ذَلِكَ الْمُبْتَلَى الْمُلْقَى عَلَى الْكُسَاحَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ: وَمَاذَا تَخْشَيْنَ عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: صَدَقْتَ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ أَكَلَهُ كَلْبٌ أَوْ سَبْعٌ، فَمَا تَمَالَكَ أَيُّوبُ أَنْ بَكَى، وَقَالَ: تَعْرِفِينَهُ لَوْ رَأَيْتِهِ؟ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لأَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ لَمَّا كَانَ صَحِيحًا. رَجْعُ الْحَدِيثِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: فَقَالَ: وَيْحَكِ فَأَنَا أَيُّوبُ قَدْ رَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ نَفْسِي، قَالَ: فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَسْخَرْ بِي. قَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ ". فَرُوِيَ أَنَّهُمَا اعْتَنَقَا، وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَوَلَدَهُ عِيَانًا، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ.
следующие страницы →