← Книги сунны

Книги сунны · id 9384

الرقة والبكاء لابن قدامة

ابن قدامة

Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

صَاحِبَةُ أَيُّوبَ، هَذَا الرَّجُلِ الْمُبْتَلَى؟ قَالَ: هَلْ تَعْرِفِينِي؟ قَالَتْ: لا، قَالَ: إِنَّهُ إِلَهُ الأَرْضِ، وَأَنَا الَّذِي صَنَعْتُ بِصَاحِبِكِ مَا صَنَعْتُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ عَبْدَ إِلَهَ السَّمَاءِ وَتَرَكَنِي، فَأَغْضَبَنِي، وَلَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً وَاحِدَةً رَدَدْتُ عَلَيْهِ وَعَلَيْكُمَا مَا كَانَ لَكُمَا مِنْ وَلَدٍ وَمَالٍ فَإِنَّهُ عِنْدِي، ثُمَّ أَرَاهَا إِيَّاهُمْ فِيمَا يُرَى بِبَطْنِ الْوَادِي الَّذِي لَقِيَهَا فِيهِ، فَرَجَعَتْ إِلَى أَيُّوبَ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا قَالَ لَهَا وَمَا أَرَاهَا، قَالَ: وَلَقَدِ أَتَاكِ عَدُوُّ اللَّهِ يَفْتِنُكِ عَنْ دِينِكِ، ثُمَّ أَقْسَمَ إِنِ اللَّهُ عَافَاهُ لَيَضْرِبَنَّهَا مِائَةَ ضَرْبَةً، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ جَاءَهُ النَّفَرُ الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا مَعَهُ وَصَدَّقُوهُ، وَمِنْهُمْ فَتًى حَدِيثُ السِّنِّ، قَدْ كَانَ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ، فَجَلَسُوا إِلَى أَيُّوبَ، وَنَظَرُوا إِلَى مَا بِهِ مِنَ الْبَلاءِ، فَأَعْظَمُوا ذَلِكَ وَفُظِعُوا بِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: وَلَقَدِ أَعْيَانَا أَمْرُكَ يَا أَيُّوبُ، إِنْ تَكَلَّمْتُ فَمَا لِلْحَدِيثِ فِيكَ مِنْ مَوْضِعٍ، وَإِنْ سَكَتُّ عَنْكَ عَلَى مَا نَرَى فِيكَ فَذَلِكَ أَشَدُّ عَلَيْنَا، غَيْرَ أنَّا نَرَى مِنْ أَعْمَالِكَ أَعْمَالا لا نَرْجُو لَكَ مِنَ الثَّوَابِ عَلَيْهَا غَيْرَ مَا نَرَى، وَإِنَّمَا يَحْصُدُ امْرُؤٌ مَا زَرَعَ، وَإِنَّمَا يُجْزَى بِمَا عَمِلَ، مَعَ أَنِّي أَشْهَدُ عَلَى اللَّهِ الَّذِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ، وَلا يُحْصَى عَدَدُ نِعْمَتِهِ أَنَّهُ حَكَمٌ لا يَجُورُ، وَهُوَ إِلَى الْعَفْوِ وَالْمَغْفِرَةِ أَسْرَعُ مِنْهُ إِلَى الْغَضَبِ وَالْعُقُوبَةِ، فَتَكَلَّمَ أَيُّوبُ بِجَوَابِهِمْ، فَقَالَ الآخَرُ: أَتُحَاجُّ اللَّهَ يَا أَيُّوبُ فِي أَمْرِهِ، أَمْ تُرِيدُ أَنْ تُنَاصِفَهُ فِي حُكْمِهِ، أَمْ تُزَكِّي نَفْسَكَ وَأَنْتَ خَاطِئٌ، أَمْ تُبْرِئْهَا وَأَنْتَ سَقِيمٌ؟ مَاذَا يَنْفَعُكَ وَيُغْنِي عَنْكَ أَنْ تَرَى أَنَّكَ بَرِيءٌ وَقَدْ أَحَاطَتْ بِكَ خَطِيئَتُكَ، وَأَوْثَقَكَ عَمَلُكَ، وَأُحْصِيَ عَلَيْكَ ذَنْبُكَ، وَأَنْتَ مُصِرٌّ إِصْرَارَ الْمَاءِ الْجَارِي فِي صَبٍّ لا يُطَاقُ حَبْسُهُ، وَذَكَرَ كَلامًا كَثِيرًا، وَكَلامَ أَيُّوبَ فِي جَوَابِهِمْ، فَقَالَ الْفَتَى الَّذِي حَضَرَهُمْ: إِنَّكُمْ تَكَلَّمْتُمْ أَيُّهَا الْكُهُولُ قَبْلِي، وَكُنْتُمْ

стр. 37

أَحَقَّ بِالْكَلامِ وَأَوْلَى بِهِ مِنِّي لِحَقِّ أَسْنَانِكُمْ، وَلأَنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمْ قَبْلِي وَرَأَيْتُمْ، وَعَلِمْتُمْ مَا لَمْ أَعْلَمْ، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَكْتُمْ مِنَ الْقَوْلِ أَحْسَنَ مِنَ الَّذِي قُلْتُمْ، وَمِنَ الرَّأْيِ أَصْوَبَ مِنَ الَّذِي رَأَيْتُمْ، وَمِنَ الأَمْرِ أَجْمَلَ مِنَ الَّذِي أَتَيْتُمْ، وَمِنَ الْمَوْعِظَةِ أَحْكَمَ مِنَ الَّذِي وَعَظْتُمْ، وَقَدْ كَانَ لأَيُّوبَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْحَقِّ وَالذِّمَامِ أَفْضَلَ مِنَ الَّذِي فَعَلْتُمْ، فَهَلْ تَدْرُونَ أَيُّهَا الْكُهُولُ حَقَّ مَنِ انْتَقَصْتُمْ؟ وَحُرْمَةَ مَنِ انْتَهَكْتُمْ؟ وَمَنِ الرَّجُلُ الَّذِي عِبْتُمْ وَاتَّهَمْتُمْ؟ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الْكُهُولُ أَنَّ أَيُّوبَ نَبِيَّ اللَّهَ وَخِيرَتُهُ وَصَفْوَتُهُ مِنَ الأَرْضِ يَوْمَكُمْ هَذَا؟ اخْتَارَهُ اللَّهُ لِوَحْيِهِ، وَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، وَأمَّنَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، ثُمَّ لَمْ تَعْلَمُوا وَلَمْ يُطْلِعْكُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّهُ سَخِطَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ مُنْذُ آتَاهُ اللَّهُ مَا آتَاهُ ﵇ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا، وَلا عَلَى أَنَّ أَيُّوبَ، قَالَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ فِي طُولِ مَا صَحِبْتُمُوهُ إِلَى يَوْمِكُمْ هَذَا، فَإِنْ كَانَ الْبَلَاءُ هُوَ الَّذِي أَزْرَى بِهِ عِنْدَكُمْ وَوَضَعَهُ فِي أَنْفُسِكُمْ فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ اللَّهَ يَبْتَلِي النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءَ وَالصَّالِحِينَ، ثُمَّ لَيْسَ بَلاؤُهُ لأَوْلِيَائِهِ بِدَلِيلٍ عَلَى سَخَطِهِ عَلَيْهِمْ، وَلا هَوَانِهِ لَهُمْ، وَلَكِنَّهَا كَرَامَةٌ وَخِيَرَةٌ لَهُمْ، وَلَوْ كَانَ أَيُّوبَ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ لا بِالنُّبُوَّةِ، وَلا بِالأَثَرَةِ، وَلا بِالْفَضِيلَةِ، وَلا بِالْكَرَامَةِ إِلا أَنَّهُ أَخٌ آخَيْتُمُوهُ عَلَى وَجْهِ الصَّحَابَةِ لَكَانَ وَهُوَ لا يَجْمُلُ بِالْحَكِيمِ أَنْ يَعْذِلَ أَخَاهُ

стр. 38

عِنْدَ الْبَلاءِ، وَلا يُعَيِّرَهُ بِالْمُصِيبَةِ، وَلا يَعِيبَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ وَهُوَ مَكْرُوبٌ حَزِينٌ، وَلَكِنَّهُ يَرْحَمُهُ، وَيَبْكِي مَعَهُ وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ وَيَحْزَنُ لِحُزْنِهِ، وَيَدُلُّهُ عَلَى مَرَاشِدِ أَمْرِهِ، وَلَيْسَ بِحَكِيمٍ، وَلا رَحِيمٍ مَنْ جَهِلَ هَذَا، فَاللَّهُ اللَّهُ أَيُّهَا الْكُهُولُ فِي أَنْفُسِكُمْ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْفَتَى عَلَى أَيُّوبَ بَعْدَمَا فَرَغَ مِنْ كَلَامِهِ لأَصْحَابِ أَيُّوبَ، فَقَالَ: وَقَدْ كَانَ فِي عَظَمَةِ اللَّهِ يَا أَيُّوبُ وَجَلالِهِ وَذِكْرِ الْمَوْتِ مَا يَقْطَعُ لِسَانَكَ وَيَكْسِرُ قَلْبَكَ وَيُنْسِيكَ حُجَّتَكَ، أَلَمْ يَعْلَمُوا يَا أَيُّوبُ أَنَّ لِلَّهِ عِبَادًا أَسْكَتَتْهُمْ خَشْيَتُهُ مِنْ غَيْرِ عِيٍّ وَلَا بُكْمٍ؟ وَإِنَّهُمْ لَهُمُ الْفُصَحَاءُ النُّطَقَاءُ الأَلِبَّاءُ النُّبَلاءُ الْعَالِمُونَ بِاللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ، وَلَكِنَّهُمْ إِذَا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ انْقَطَعَتْ أَلْسِنَتُهُمْ، وَاقْشَعَرَّتْ جُلُودُهُمْ، وَانْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ، إِعْظَامًا وَإِعْزَازًا وَإِجْلالا، فَإِذَا اسْتَفَاقُوا مِنْ ذَلِكَ اسْتَبَقُوا إِلَى اللَّهِ بِالأَعْمَالِ الزَّاكِيَةِ، يَعُدُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ الظَّالِمِينَ وَالْخَاطِئِينَ، وَإِنَّهُمْ لأَنْزَاهٌ بُرَاءٌ، وَمَعَ الْمُقَصِّرِينَ وَالْمُفَرِّطِينَ وَإِنَّهُمْ لأَكْيَاسٌ أَقْوِيَاءٌ، وَلَكِنَّهُمْ لا يَسْتَكْثِرُونَ لِلَّهِ الْكَثِيرَ، وَلا يَرْضَوْنَ لَهُ بِالْقَلِيلِ، وَلا يُدْلُونَ عَلَيْهِ بِالأَعْمَالِ. فَهُمْ مَتَى مَا رَأَيْتُهُمْ مُرَوَّعُونَ مُفَزَّعُونَ مُهْتَمُّونَ خَاشِعُونَ وَجِلُونَ مُسْتَكِينُونَ مُعْتَرِفُونَ،

стр. 39

فَقَالَ أَيُّوبُ ﵇: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَزْرَعُ الْحِكْمَةَ بِالرَّحْمَةِ فِي قَلْبِ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَمَتَى مَا نَبَتَتْ فِي الْقَلْبِ يُظْهِرُهَا اللَّهُ عَلَى اللِّسَانِ، وَلَيْسَتْ تَكُونُ الْحِكْمَةُ مِنْ قِبَلِ السِّنِّ وَلا الشِّيبَةِ وَلا طُولِ التَّجْرِبَةِ، وَإِذَا جَعَلَ اللَّهُ الْعَبْدَ حَكِيمًا فِي الصِّبَا لَمْ يُسْقِطْ مَنْزِلَتَهُ عِنْدَ الْحُكَمَاءِ، وَهُمْ يَرَوْنَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ نُورَ الْكَرَامَةِ " وَذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ قِصَّةَ أَيُّوبَ، فَقَالَ: " وَأُلْقِيَ عَلَى الرَّمَادِ، فَقَالَتِ امْرَأَتُهُ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا أَيُّوبَ قَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِي مِنَ الْجَهْدِ وَالْفَاقَةِ مَا بِعْتُ قَرْنًا مِنْ قُرُونِي بِرَغِيفٍ فَأَطْعَمْتُكَ، فَادْعُ رَبَّكَ فَلِيَشْفِكَ. قَالَ: وَيْحَكِ، كُنَّا فِي النَّعْمَاءِ سَبْعِينَ عامًا فَاصْبِرِي حَتَّى تَكُونِي فِي الضرَّاءِ سَبْعِينَ عَامًا. قَالَ: فَكَانَ فِي ذَلِكَ الْبَلاءِ سَبْعُ سِنِينَ. قَالَ: وَقَعَدَ الشَّيْطَانُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَخَذَ تَابُوتًا يُطَبِّبُ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةُ أَيُّوبَ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنَّ هَهُنَا إِنْسَانًا مُبْتَلًى، فَهَلْ لَكَ أَنْ نُدَاوِيَهُ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ فَعَلْتُ، عَلَى أَنْ يَقُولَ لِي كَلِمَةً إِذَا بَرَأَ، يَقُولُ: أَنْتَ شَفَيْتَنِي. قَالَ: فَأَتَتْهُ، فَقَالَتْ: يَا أَيُّوبُ، إِنَّ هَهُنَا رَجُلا يَزْعُمُ أَنَّهُ يُدَاوِيكَ عَلَى أَنْ تَقُولَ لَهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً: أَنْتَ شَفَيْتَنِي. قَالَ: وَيْلَكِ، ذَلِكَ الشَّيْطَانُ، لِلَّهِ عَلِيَّ إِنْ شَفَانِي اللَّهُ أَنْ أَجْلِدَكِ مِائَةَ جَلْدَةً ". وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: فَقَالَ لَهَا: " اذْهَبِي فَلا حَاجَةَ لِي فِيكِ , فَذَهَبَتْ

стр. 40

عَنْهُ، وَقَالَ: رَبِّ ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ، قَالَ: قُمْ، فَقَالَ لَهُ: ارْكُضْ بَرَجْلِكَ، فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَقَالَ: اغْتَسِلْ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ نَحَّاهُ، فَقَالَ: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، فَرَكَضَ فَنَبَعَتْ عَيْنٌ، فَقَالَ: اشْرَبْ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَلْبَسَهُ حُلَّةً مِنَ الْجَنَّةِ، فَإِذَا أَيُّوبُ أَحْسَنَ مَا كَانَ وَأَتَمُّهُ! ثُمَّ إِنَّ امْرَأَتَهُ رَقَّتْ عَلَيْهِ وَرَحِمَتْهُ، وَقَالَتْ: إِلَى مَنْ أَكِلُهُ وَإِنْ طُرِدْتُ؟ ! فَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ، فَلَمْ تَرَهْ! فَانْطَلَقَتْ وَالِهَةً إِلَى الْقَرْيَةِ تَسْعَى، ثُمَّ عَادَتْ وَالِهَةً لا تَعْقِلُ. قَالَ: وَمَرَّتْ بِأَيُّوبَ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ ذَلِكَ الْمُبْتَلَى الْمُلْقَى عَلَى الْكُسَاحَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهَا أَيُّوبُ: وَمَاذَا تَخْشَيْنَ عَلَيْهِ؟ قَالَتْ: صَدَقْتَ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ قَدْ أَكَلَهُ كَلْبٌ أَوْ سَبْعٌ، فَمَا تَمَالَكَ أَيُّوبُ أَنْ بَكَى، وَقَالَ: تَعْرِفِينَهُ لَوْ رَأَيْتِهِ؟ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لأَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ لَمَّا كَانَ صَحِيحًا. رَجْعُ الْحَدِيثِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ: فَقَالَ: وَيْحَكِ فَأَنَا أَيُّوبُ قَدْ رَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ نَفْسِي، قَالَ: فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تَسْخَرْ بِي. قَالَ: وَيْحَكِ أَنَا أَيُّوبُ ". فَرُوِيَ أَنَّهُمَا اعْتَنَقَا، وَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مَالَهُ وَوَلَدَهُ عِيَانًا، وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ.

стр. 41

الذَّبِيحُ ﵇ ! ١٧٨ أخبرنا الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْمرقعَاتِيِّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَخْبَرَنِي جَدِّي لأُمِّي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دُومَا النِّعَالِيُّ، أخبرنا أَبُو عَلِيٍّ مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَاقَرْحِيُّ، أخبرنا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلُّوَيْهِ الْقَطَّانُ، أخبرنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى الْعَطَّارُ، أخبرنا أَبُو حُذَيْفَةَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُبَيْصَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " رَأَى إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي الْمَنَامِ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمَ قُمْ فَقَرِّبِ ابْنَكَ لِي قُرْبَانًا وَكَانَتِ الرُّؤْيَا بِمَكَّةَ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: أَخْزَ اللَّهُ إِبْلِيسَ يُرِيدُ أَنْ يَعِيبَنِي. فَقَامَ يُصَلِّي حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الْقَابِلَةُ رَأَى مِثْلَهَا، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، حَتَّى كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَتَاهُ نِدَاءٌ وَهُوَ قَائِمٌ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمَ مَا كَانَ إِبْلِيسُ لِيَأْمُرَكَ بِالطَّاعَةِ لِرَبِّكَ، قُمْ فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ ". وَعَنْ إِسْحَاقَ رَفَعَهُ إِلَى كَعْبِ الأَحْبَارِ: فَلَمَّا أَصْبَحَ، قَالَ لأُمِّهِ: " اغْسِلِي رَأْسَهُ. فَغَسَلَتْ أُمُّهُ رَأْسَهُ، وَأَلْبَسَتْهُ ثَوْبَهُ، ثُمَّ دَهَنَتْهُ، وَقَالَ: يَا بَنِي، خُذِ الْمُدْيَةَ وَالْحَبْلَ ثُمَّ انْطَلِقْ بِنَا ".

стр. 42

قَالَ سَعِيدٌ: " وَمِنْ غَيْرِ حَدِيثِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ إِبْلِيسُ: لأَنْتَهِزَنَّ فُرْصَتِي مِنْ إِبْرَاهِيمَ، فَأَتَاهُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ، فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: لِي حَاجَةٌ فِي هَذَا الشِّعْبِ. قَالَ: إِنِّي أَرَى الشَّيْطَانَ قَدْ جَاءَكَ فِي مَنَامِكَ فَأَمَرَكَ بِذَبْحِ ابْنِكَ هَذَا، فَعَرَفَهُ إِبْرَاهِيم، فَقَالَ: اغْرُبْ عَنِّي وَيْلَكَ، وَاللَّهِ لأَمْضِيَنَّ لأَمْرِ رَبِّي. فَلَمَّا أَيِسَ عَدُوُّ اللَّهِ جَاءَ إِلَى إِسْحَاقَ، فَقَالَ: أَيْنَ تَذْهَبُ مَعَ أَبِيكَ فِي هَذَا الشِّعْبِ؟ قَالَ: أَذْهَبُ مَعَهُ فِي حَاجَةٍ. قَالَ: أَمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَكَ؟ قَالَ: وَيْلَكَ! هَلْ رَأَيْتَ وَالِدًا يَذْبَحُ ابْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قَالَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ. قَالَ: فَلْيَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ، فَسَمْعًا وَطَاعَةً، فَلَمَّا امْتَنَعَ مِنْهُ الْغُلَامُ ذَهَبَ إِلَى أُمِّهِ، قَالَ: هَلْ تَعْلَمِينَ أَيْنَ يَذْهَبُ ابْنُكِ مَعَ أَبِيهِ؟ قَالَتْ: إِلَى هَذَا الشِّعْبِ لِحَاجَةٍ. قَالَ: وَمَا ذَهَبَ بِهِ إِلا لِيَذْبَحَهُ، فَقَالَتْ: كَلا، هُوَ أَرْحَمُ بِهِ وَأَشَدُّ حُبًّا لَهُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ. قَالَتْ: فَإِنْ كَانَ رَبُّهُ أَمَرَهُ بِذَلِكَ فَنُسَلِّمُ لأَمْرِ اللَّهِ. فَرَجَعَ عَدُوُّ اللَّهِ بِغَيْظِهِ ". قَالَ إِسْحَاقُ: عَنْ أَبِي إِلْيَاسَ، عَنْ وَهْبٍ: فَانْطَلَقَا، حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الشِّعْبِ مِنْ مِنًى، فَانْتَهَيَا إِلَى أَصْلِ بثير، فَقَالَ: " انْزِلْ يَا بُنَيَّ. فَنَزَلَ، فَقَالَ: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] . قَالَ: فَتَهَلَّلَ وَجْهُهُ، وَاضْطَرَبَتْ مَفَاصِلُهُ، ثُمَّ قَالَ: وَابْتَدَرَ أَبَاهُ، فَقَالَ: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] . قَالَ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَاكَ قَدْ تَهَلَّلَ وَجْهُكَ وَاضْطَرَبَتْ مَفَاصِلُكَ وَلَمْ تَتَكَسَّرْ، وَلَمْ يَدْخُلْكَ شَيْءٌ؟ ! قَالَ: يَا أَبَتِ رَبِّي لِي

стр. 43

عِوَضٌ مِنْكَ، وَالْجَنَّةُ عِوَضٌ مِنَ الدُّنْيَا، وَمَا أَمَرَكَ رَبِّي بِهَذَا إِلا لِمَا رَضِيَ لِي، إنَّ مَا عِنْدَهُ خَيْرٌ لِي فَامْضِ لأَمْرِ رَبِّكَ، وَلَكِنْ يَا أَبَتِ شُدَّ يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ لا أَجْتَذِبْ مِنْ حَزِّ الْمُدْيَةِ فَتَنْتَضِحُ بِدَمِي، يَا أَبَتِ كَفِّنِّي فِي ثَوْبَيْكَ، وَرُدَّ ثَوْبِي إِلَى أُمِّي تَسْتَنْشِقُ مِنْ رِيحِي يَكُونُ إِسْلَالُهَا. قَالَ: فَشَدَّ يَدَهُ وَرِجْلَهُ، ثُمَّ شَحَذَ مُدْيَتَهُ، وَجَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ: إِلَهِي لَكَ الْحَمْدُ فِي الدَّهْرِ الْبَاقِي، رَزَقْتَنِي الْوَلَدَ عَلَى كِبَرِ السِّنِّ، وَوَعَدْتَنِي، وَأَنْتَ لا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، فَابْتَلَيْتَنِي بِهَذَا الْبَلَاءِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا رِضًا لَكَ فَأُسَلِّمُ لأَمْرِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَضَبٍ مِنْكَ عَلِيَّ فَأَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ. قَالَ: فَبَكَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَقَالَتْ: نَبِيًّا مُنْكَبًّا لِوَجْهِهِ وَالآخَرُ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَهُ! قَالَ: فَدَنَا مِنِ ابْنِهِ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أَيْ لِلْوَجْهِ لِئَلا يَنْظُرَ إِلَى وَجْهِهِ فَيَجْزَعُ. قَالَ: ثُمَّ أَدْخَلَ شَفْرَتَهُ مِنْ تَحْتِ حَنَكِهِ، ثُمَّ أَمَرَّهَا، فَنَبَتِ السِّكِّينُ، وَانْثَنَتِ السِّكِّينُ، وَشَحَذَهُ، وَاتَّقَى النَّظَرَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ الشَّفْرَةَ لِحَلْقِهِ، فنَبَتِ الشَّفْرَةُ، وَكَلَّتْ، وَقَلَبَهَا اللَّهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ اجْتَذَبَهَا لِيَفْرُغَ مِنْهُ. وَنُودِيَ: أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا، عَلَيْكَ بِالَّذِي خَلْفَكَ فَاذْبَحْهُ دُونَهُ. قَالَ: فَالْتَفَتَ، فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ أَمْلَحَ. فَتَرَكَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ فِي وَثَاقِهِ، وَاتَّبَعَ الْكَبْشَ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: فَأَرْسَلَ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ كَمَا هُوَ فِي الْوَثَاقِ

стр. 44

وَاتَّبَعَ الْكَبْشَ، فَأَخْرَجَهُ إِلَى الْجَمْرَةِ الأُولَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ أَفْلَتَهُ فَجَاءَهُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى، فَأَخْرَجَهُ إِلَيْهَا، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ أَفْلَتَهُ، فَأَدْرَكَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ أَخَذَهُ، فَأَتَى بِهِ الْمَنْحَرَ مِنْ مِنًى فَذَبَحَهُ. قَالَ وَهْبٌ: فَجَاءَ جِبْرِيلُ إِسْحَاقَ، فَأَطْلَقَ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: لَكَ عِنْدِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ بِصَبْرِكَ. قَالَ: يَا رَبُّ أَسْأَلُكَ أَنْ تَعْفُوَ لِكُلِّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُشْرِكْ بِكَ شَيْئًا، فَلَمَّا جَاءَهُ إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: يَا بُنَيَّ مَنْ أَطْلَقَكَ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ، فَوَصَفَهُ لَهُ وَمَا قَالَ لَهُ، وَسَأَلَهُ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَمُوَفَّقٌ. قَالَ: فَأَتَاهُمَا نِدَاءٌ مِنَ السَّمَاءِ: يَا إِبْرَاهِيمُ يَا أَصْدَقَ الصَّادِقِينَ، وَيَا إِسْحَاقُ يَا أَصْبَرَ الصَّابِرِينَ، كُنْتُمَا بِعَيْني، اخْتَبَرْتُكُمَا فَوَفَّقْتُكُمَا، وَابْتَلَيْتُكُمَا فَصَبَرْتُمَا، وَإِنَّمَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ بِكُمَا لأَبْلُغَ بِكُمَا الْمَنْزِلَةَ الَّتِي لا بَعْدَهَا، وَالدَّرَجَاتَ الْعُلَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِي الدُّنْيَا لِسَانُ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ، إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ "

стр. 45

عِيسَى ﵇ ! ١٧٩ قُرِئَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عَسَاكِرَ بْنِ الْمُرَحّبِ الْبَطَائِحِيِّ ﵀، أَخْبَرَكُمُ الأَمِينُ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، قَالَ: أخبرنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخَيَّاطُ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أخبرنا الْحَافِظُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ، قَالَ: أخبرنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَلَمٍ الْخُتُلِّيُّ، قَالَ: أخبرنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْمَرْوَذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي نَصْرٌ الرَّفَّاءُ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: " بَيْنَا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سِيَاحَتِهِ، إِذْ أَخَذَتْهُ السَّمَاءُ، فَلَجَأَ إِلَى الْكَهْفِ، فَإِذَا فِيهِ رَاعٍ، فَتَنَحَّى عَنْهُ، ثُمَّ لَجَأَ إِلَى أَجَمَةٍ، فَإِذَا فِيهَا أَسَدٌ رَابِضٌ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: سَيِّدِي، جَعَلْتَ لِكُلِّ أَحَدٍ مَأْوى خَلَايَ! فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: مَأْوَاكَ عِنْدِي، وَفِي ظِلِّ عَرْشِي، وَفِي مُسْتَقَرٍّ مِنْ رَحْمَتِي، لأُزَوِّجَنَّكَ أَلْفَ حَوْرَاءَ، وَلأُطْعِمَنَّ فِي عُرْسِكَ أَلْفَ عَامٍ، وَلَيُنَادِيَنَّ مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: احْضُرُوا عُرْسَ وَلِيِّ اللَّهِ الزَّاهِدِ " ! ١٨٠ وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ ظَبْيَانَ، قَالَ: قَالَ الْمَسِيحُ: «مَنْ تَعَلَّمَ وَعَمِلَ فَذَاكَ يُسَمَّى أَوْ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاءِ» ! ١٨١ وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ﵇:

стр. 46

«إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُدْنِ عَلَيْهِ مِنْ سِتْرِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُقَسِّمُ الثَّنَاءَ كَمَا يُقَسِّمُ الرِّزْقَ» قَرَأْتُ عَلَى الْكَاتِبَةِ شُهْدَةَ بِنْتِ أَحْمَدَ بْنِ الْفَرَجِ الإِبَرِيِّ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ النِّعَالِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحِنَّائِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّمَّاكُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْخُتُلِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّغْلِبِيُّ، حَدَّثَنَا مُقَاتِلُ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " خَرَجَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ﵇ يَسْتَسْقِي، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: لا يَسْتَسْقِي مَعَكَ خَطَّاءٌ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ: مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْخَطِيئَةِ فَلْيَعْتَزِلْ، فَاعْتَزَلَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إِلا رَجُلًا مُصَابًا بِعَيْنِهِ الْيُمْنَى! فَقَالَ لَهُ عِيسَى: مَا لَكَ لا تَعْتَزِلُ؟ قَالَ: يَا رَوْحَ اللَّهِ، مَا عَصَيْتُ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَقَدِ الْتَفَتُّ فَنَظَرْتُ إِلَى قَدَمِ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ كُنْتُ أَرَدْتُ النَّظَرَ إِلَيْهَا، فَقَلَعْتُهَا! وَلَوْ نَظَرْتُ إِلَيْهَا بِالْيُسْرَى لَقَلَعْتُهَا، قَالَ: فَبَكَى عِيسَى حَتَّى ابْتَلَّتْ لِحْيَتُهُ بِدُمُوعِهِ، ثُمَّ قَالَ: فَادْعُ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِالدُّعَاءِ مِنِّي فَإِنِّي مَعْصُومٌ بِالْوَحْيِ، فَلَمْ أَعْصِ، وَأَنْتَ لَمْ تَعْصِ، فَقَدَّمَ الرَّجُلَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ خَلَقْتَنَا، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا نَعْمَلُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَخْلُقَنَا، فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذَلِكَ أَنْ تَخْلُقَنَا، وَتَكَفَّلْتَ بِأَرْزَاقِنَا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا. فَوَالَّذِي نَفْسُ عِيسَى بِيَدِهِ مَا خَرَجَتِ الْكَلِمَةُ مِنْ فِيهِ حَتَّى أَرْخَتِ السَّمَاءُ غَزَالَتَهَا، وَسُقِيَ الْحَاضِرُ وَالْبَادِي

стр. 47

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْعَالِمُ الأَوْحَدُ مُحْيِي الدِّينَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ أَبِي صَالِحٍ الْجِيلِيُّ ﵁ قِرَاءَةً مِنْهُ وَأَنَا أَسْمَعُ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ فِي أَوَّلِ مَا قِيلَ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ سَوْسَنَ التَّمَّارُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ نَجِيحٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي قَيْسٍ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ اسْتَخْلَفُوا خَلِيفَةً عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُوسَى، فَقَامَ يُصَلِّي فِي الْقَمَرِ فَوْقَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَذَكَرَ أُمُورًا كَانَ يَصْنَعُهَا، قَالَ: فَخَرَجَ فَتَدَلَّى بِسَبَبٍ، فَأَصْبَحَ السَّبَبُ مُعَلَّقًا فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ ذَهَبَ. قَالَ: فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى قَوْمًا عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ، فَوَجَدَهُمْ يَصْنَعُونَ لَبِنًا، فَسَأَلَهُمْ كَيْفَ يَأْخُذُونَ هَذَا اللَّبِنَ؟ قَالَ: فَأَخْبَرُوهُ، فَلَبَّنَ مَعَهُمْ، وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، فَإِذَا كَانَ حِينَ الصَّلَاةِ تَطَهَّرَ فَصَلَّى، فَرَفَعَ ذَلِكَ الْعُمَّالُ إِلَى قَهْرَمَانِهِمْ أَنَّ فِينَا رَجُلا يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، فَأْرَسَلَ إِلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَأْتِيهِ، ثَلاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ جَاءَهُ بِنَفْسِهِ يَسِيرُ عَلَى دَابَّتِهِ، فَلَمَّا رَآهُ فَرَّ فَتَبِعَهُ , فَسَبَقَهُ، فَقَالَ: أَنْظِرْنِي أُكَلِّمْكَ، فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُ، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَلِكًا، وَأَنَّهُ فَرَّ مَنْ رَهْبَةِ رَبِّهِ ،

стр. 48

قَالَ: إِنِّي لأَظُنُّنِي لاحِقٌ بِكَ. قَالَ: فَاتَّبَعَهُ، فَعَبَدَا اللَّهَ حَتَّى مَاتَا بِرُمَيْلَةِ مِصْرَ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ أَنِّي كُنْتُ ثَمَّ لاهْتَدَيْتُ إِلَى قَبْرَيْهِمَا، مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ الَّتِي وَصَفَ " حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: " لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلا ثَلاثَةٌ: عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلا عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً، فَكَانَ فِيهَا فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مَنِ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ، فَانْصَرَفَتْ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي! فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاتِهِ فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ!

стр. 49

فَتَذَكَّرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ، وَكَانَتِ امْرَأَةُ بَغِيٍّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَقْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ! فَأَتَوْهُ، فَاسْتَنْزَلُوهُ، وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ، وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ فَوَلَدَتْ مِنْكَ. فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاءُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّي، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ، فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلَامُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلانٌ الرَّاعِي. قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لا، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ. فَفَعَلُوا. وَبَيْنَا صَبِيُّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا. فَتَرَكَ الثَّدْيَ، وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ.

стр. 50

قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ فَجَعَلَ يَمُصُّهَا. قَالَ: وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا، وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَتْ أُمُّهُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَتَرَكَ الرَّضَاعَ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ، فَقَالَتْ: حَلْقِي، مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ، سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا!! قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّارًا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا: زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا " !

стр. 51

١٨٢ قُرِئَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي الْمَعَالِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ صَابِرٍ السُّلَمِيِّ، وَأَنَا أَسْمَعُ: أَخْبَرَكُمُ الشَّرِيفُ النَّسِيبُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ الْحُسَيْنِيُّ، أخبرنا أَبُو الْفَتْحِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْمَحَامِلِيُّ فِي كِتَابِهِ إِلَيْنَا مِنْ بَغْدَادَ، أخبرنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الأَزْرَقُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبُهْلُولِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ زِيَادٍ مِنْ بَنِي أُسَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، عَنْ شَبِيبِ بْنَ شَيْبَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ الأَهْتَمِ، قَالَ: " أَوْفَدَنِي يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي وَفْدِ الْعِرَاقِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ وَقَدْ خَرَجَ مُبْتَدِئًا بِقَرَابَتِهِ، وَأَهْلِهِ، وَحَشَمِهِ، وَغَاشِيَتِهِ مِنَ جُلَسَائِهِ، فَنَزَلَ فِي أَرْضٍ قَاعٍ صَحْصَحٍ مُتَنَائِفٍ أَفْيَحَ، فِي عَامٍ قَدْ بَكَّرَ وَسْمِيُّهُ، وَتَتَابَعَ وَلِيُّهُ، وَأَخَذْتُ الأَرْضُ فِيهِ زِينَتَهَا مِنِ اخْتِلَافِ أَنْوَارِ نَبْتِهَا، مَنْ نَوْرِ رَبِيعٍ مُونِقٍ، فَهُوَ أَحْسَنُ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُ مُسْتَنْظَرًا، وَأَحْسَنُ مُخْتَبَرًا، بِصَعِيدٍ كَأَنَّ تُرَابَهُ قِطَعُ الْكَافُورِ، لَوْ أَنَّ قِطْعَةً أُلْقِيَتْ فِيهِ لَمْ تُتْرَبْ. وَقَدْ ضُرِبَ لَهُ سُرَادِقٌ مِنْ حِبَرَةٍ كَانَ صَنَعَهُ لَهُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ بِالْيَمَنِ فِيهِ فُسْطَاطٌ، فِيهِ أَرْبَعَةُ أَفْرِشَةٍ مِنْ خَزٍّ أَحْمَرَ، مِثْلَهَا مَرَافِقُهَا، وَعَلَيْهِ دُرَّاعَةٌ مِنْ خَزٍّ أَحْمَرَ، مِثْلُهَا عِمَامَتُهَا. قَالَ: وَقَدْ أَخَذَ النَّاسُ مَجَالِسَهُمْ، فَأَخْرَجْتُ رَأْسِي مِنْ نَاحِيَةِ السِّمَاطِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ شِبْهُ الْمُسْتَنْطِق لِي، فَقُلْتُ: تَمَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ، وَسَوَّغَكَهَا بِشُكْرِهِ، وَجَعَلَ مَا قَلَّدَكَ مِنْ هَذَا الأَمْرِ رَشَدًا، وَعَاقِبَةَ مَا تَئُولُ إِلَيْهِ حَمْدًا، أَخْلَصَهُ لَكَ بِالتُّقَى، وَكَثَّرَهُ لَكَ بِالنَّمَاءِ، لا كَدَرَ

стр. 52

عَلَيْكَ مِنْهُ مَا صَفَا، وَلا خَالَطَ مَسْرُوُرَهُ الرَّدِيُّ، فَقَدْ أَصْبَحْتَ لِلْمُسْلِمِينَ ثِقَةً وَمُسْتَرَاحًا، إِلَيْكَ يَقْصِدُونَ فِي أُمُورِهِمْ، وَإِلَيْكَ يَفْزَعُونَ فِي مَظَالِمِهِمْ، وَمَا أَجِدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، شَيْئًا هُوَ أَبْلَغُ فِي قَضَاءِ حَقِّكَ وَتَوْقِيرِ مَجْلِسِكَ مِمَّا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيَّ مِنْ مُجَالَسَتِكَ وَالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، مِنْ أَنْ أُذَكِّرَكَ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَأُنَبِّهَكَ لِشُكْرِهَا، وَمَا أَجِدُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ شَيْئًا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ حَدِيثِ مَنْ سَلَفَ مِنَ الْمُلُوكِ، فَإِنْ أَذِنَ لِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبَرْتُهُ عَنْهُ. قَالَ: فَاسْتَوَى جَالِسًا وَكَانَ مُتَّكِئًا، ثُمَّ قَالَ: هَاتِ يَا ابْنَ الأَهْتَمِ. فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ قَبْلَكَ خَرَجَ فِي عَامٍ مِثْلِ عَامِنَا هَذَا إِلَى الْخَوَرْنَقَ وَالسَّدِيرِ، فِي عَامٍ قَدْ بَكَّرَ

стр. 53

وَسْمِيُّهُ، وَتَتَابَعَ وَلِيُّهُ، وَأَخَذَتِ الأَرْضُ زِينَتَهَا مِنْ نَوْرِ رَبِيعٍ مُونِقٍ، فَهُوَ فِي أَحْسَنِ مَنْظَرٍ، وَأَحْسَنِ مُسْتَنْظَرٍ، وَأَحْسَنِ مُخْتَبَرٍ، بِصَعِيدٍ كَأَنَّ تُرَابَهُ قِطَعُ الْكَافُورِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ قِطْعَةً أَلْقَيْتَ فِيهِ لَمْ تُتْرِبْ، قَالَ: وَكَانَ قَدْ أُعْطِيَ فَتَاءَ السِّنِّ، مَعَ الْكَثْرَةِ وَالْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ. قَالَ: فَنَظَرَ، فَأَبْعَدَ النَّظَرَ، فَقَالَ لِجُلَسَائِهِ: لِمَنْ هَذَا؟ هَلْ رَأَيْتُمْ مِثْلَ مَا أَنَا فِيهِ؟ هَلْ رَأَيْتُمْ مِثْلَ مَا أُعْطِيتُ؟ قَالَ: وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ بَقَايَا حَمَلَةِ الْحُجَّةِ، وَالْمُضِيِّ عَلَى أَدَبِ الْحَقِّ وَمِنْهَاجِهِ. قَالَ: وَلَنْ تَخْلُوَ الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّتِهِ فِي عِبَادِهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ! إِنَّكَ قَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ أَفَتَأْذَنُ بِالْجَوَابِ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَرَأَيْتَ مَا أَنْتَ فِيهِ، أَشَيْءٌ لَمْ تَزَلْ فِيهِ أَمْ شَيْءٌ صَارَ إِلَيْكَ مِيرَاثًا مِنْ غَيْرِكَ وَهُوَ زَائِلٌ عَنْكَ وَصَائِرٌ إِلَى غَيْرِكَ كَمَا صَارَ إِلَيْكَ

стр. 54

مِيرَاثًا مِنْ لَدُنْ غَيْرِكَ؟ ! قَالَ: فَكَذَلِكَ هُوَ , قَالَ: أَفَلا أَرَاكَ إِنَّمَا أُعْجِبْتَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ تَكُونُ فِيهِ قَلِيلًا وَتَغِيبُ عَنْهُ طَوِيلًا وَتَكُونُ غَدًا بِحِسَابِهِ مُرْتَهَنًا؟ قَالَ: وَيْحَكَ! فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ؟ وَأَيْنَ الْمَطْلَبُ؟ قَالَ: إِمَّا أَنْ تُقِيمَ فِي مُلْكِكَ تَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ رَبَّكَ عَلَى مَا سَاءَكَ وَسَرَّك وَمَضَّكَ وَأَرْمَضَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَضَعَ تَاجَكَ وَتَلْبَسَ أَطْمَارَكَ وَأَمْسَاحَكَ وَتَعْبُدَ رَبَّكَ فِي هَذَا الْجَبَلِ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَجَلُكَ! قَالَ: فَإِذَا كَانَ بِالسَّحَرِ فَاقْرَعْ عَلَى بَابِي فَإِنِّي مُخْتَارٌ أَحَدَ الرَّأْيَيْنِ، فَإِنِ اخْتَرْتُ مَا أَنَا فِيهِ كُنْتَ وَزِيرًا لا تُعْصَى، وَإِنِ اخْتَرْتُ فَلَوَاتِ الأَرْضِ وَقَفْرَ الْبِلَادِ كُنْتَ رَفِيقًا لا تُخَالَفُ. قَالَ: فَقَرَعَ عَلَيْهِ بَابَهُ عِنْدَ السَّحَرِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ وَضَعَ تَاجَهُ، وَوَضَعَ أَطْمَارَهُ، وَلَبِسَ أَمْسَاحَهُ، وَتَهَيَّأَ لِلسِّيَاحَةِ. قَالَ: فَلَزِمَا وَاللَّهِ الْجَبَلَ، حَتَّى أَتَتْهُمَا آجَالُهُمَا. وَهُوَ حَيْثُ يَقُولُ أَخُو بَنِي تَمِيمٍ عَدِيُّ بْنُ سَالِمٍ الْمَرَاي الْعَدَوِيُّ:

стр. 55

أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْرِ ... أَنْتَ الْمُبَرَّأُ الْمَوْفُورُ أَمْ لَدَيْكَ الْعَهْدُ الْوَثِيقُ مِنْ أَيَّامٍ ... أَمْ أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ مَنْ رَأَيْتَ الْمَنُونَ خَلَّدْنَ أَمْ مَنْ ... ذَا لَدَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خَفِيرُ أَيْنَ كِسْرَى؟ كِسْرَى الْمُلُوكِ أَبُو ... سَاسَانَ أَمْ أَيْنَ قَبْلَهُ سَابُورُ؟ وَبَنُو الأَصْفَرِ الْكِرَامُ مُلُوكُ الرُّومِ ... لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ مَذْكُورُ وَأَخُو الْحَضْرِ إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ ... دِجْلَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ وَالْخَابُورُ شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْسًا ... فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُ لَمْ يَهِبْهُ رَيْبُ الْمَنُونَ فَبَادَ ... المُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ وتذكر رَبّ الْخَوَرْنَقِ إذْ ... أَشْرَفَ يَوْمًا وَلِلْهُدَى تَفْكِيرُ سَرَّهُ مَالُهُ وَكَثْرَةُ مَا يَمْلِكُ ... وَالْبَحْرُ مُعْرِضٌ وَالسَّدِيرُ فَارْعَوَى قَلْبُهُ وَقَالَ: وَمَا ... غِبْطَةُ حَيٍّ إِلَى الْمَمَاتِ يَصِيرُ ثُمَّ أَضْحَوْا كَأَنَّهُمْ وَرِقٌ جَفَّ ... فَأَلْوَتْ بِهِ الصَّبَا وَالدَّبُورُ

стр. 56

ثُمَّ بَعْدَ الْفَلاحِ وَالْمُلْكِ وَالإِمَّةِ ... وَارَتْهُمْ هُنَاكَ الْقُبُورُ قَالَ: فَبَكَى وَاللَّهِ هِشَامٌ حَتَّى أَخْضَلَ لِحْيَتَهُ وَبَلَّ عِمَامَتَهُ، وَأَمَرَ بِنَزْعِ أَبْنِيَتِهِ، وَبَنُقْلانِ قَرَابَتِهِ وَأَهْلِهِ وَحَشَمِهِ وَغَاشِيَتِهِ مِنْ جُلَسَائِهِ، وَلَزِمَ قَصْرَهُ. قَالَ: فَأَقْبَلَتِ الْحَشَمُ عَلَى خَالِدِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ الأَهْتَمِ فَقَالُوا: مَا أَرَدْتَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ لَذَّتَهُ، وَنَغَّصْتَ عَلَيْهِ بَادِيَتَهُ. قَالَ: إِلَيْكُمْ عَنِّي، فَإِنِّي عَاهَدْتُ اللَّهَ تَعَالَى عَهْدًا أَنْ لا أَخْلُو بِمَلِكٍ إِلا ذَكَّرْتُهُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ

стр. 57

الْفَصْلُ الثَّالِثُ ذِكْرُ طَرَفٍ مِنْ أَخْبَارِ نَبِيِّنَا ١٤٠ أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الْمَوْصِلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْمُبَارَكُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصَّيْرَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَاذَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُغَلِّسِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأُمَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَأَنْ يُبَادِيَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْرَهُ وَأَنِ اسْتَتَرَ بِهِ إِلَى أَنْ أَظْهَرَهُ: ثَلاثُ سِنِينَ فِيمَا بَلَغَنِي مِنْ مَبْعَثِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] . وَقَالَ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ﴿٢١٤﴾ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤-٢١٥] , ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ [الحجر: ٨٩] ، فَلَمَّا بَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ بِالإِسْلامِ، وَصَدَعَ بِهِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ كُلَّ الرَّدِّ فِيمَا بَلَغَنِي، حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا، فَلَمَّا

стр. 58

فَعَلَ ذَلِكَ أَعْظَمُوا مَا قَالَ وَنَاكَرُوهُ! وَأَجْمَعُوا عَلَى خِلافِهِ وَعَدَاوَتِهِ، إِلا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ بِالإِسْلامِ، وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ، وَحَدَبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَقَامَ دُونَهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يُعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، مِنْ فِرَاقِهِمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حَدَبَ عَلَيْهِ وَقَامَ دُونَهُ فَلَمْ يُسْلِمْهُ، مَشِيَ رِجَالُ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَالأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهُ ابْنَا الْحَجَّاجِ، أَوْ مَنْ مَشِيَ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا، فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فَنَكْفِيكَهُ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلا لَيِّنًا، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَدًّا جَمِيلا، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ: يُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ، وَيَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِيَ الأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، حَتَّى تَبَاعَدَ الرِّجَالُ وَتَضَاغَنُوا وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهَا وَتَذَامَرُوا فِيهِ، وَحَضَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ مَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إِنَّ لَكَ سِنًّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً، وَإِنَّا قَدِ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ فَلَمْ تَنْهَهُ عَنَّا، وَإِنَّا وَاللَّهِ لا نَصْبِرُ

стр. 59

عَلَى هَذَا، مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا، أَوْ نُنَازِلُهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ كَمَا قَالُوا، ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلا خِذْلانِهِ " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغَيرَةَ بْنِ الأَخْنَسِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ قَالَتْ لأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَاءُونِي، فَقَالُوا لِي: كَذَا وَكَذَا، فَابْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ، وَلا تُحَمِّلْنِي مَا لا أُطِيقُ، فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ بَدَاءٌ، وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسَلِّمُهُ، وَأَنَّهُ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِهِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاللَّهِ يَا عَمِّ، لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي، عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ مَا تَرَكْتُهُ، حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَبَكَى، ثُمَّ قَامَ، فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: أَقْبِلْ يَا ابْنَ أَخِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: اذْهَبْ يَا ابْنَ أَخِي فَافْعَلْ مَا أَحْبَبْتَ، فَوَاللَّهِ لا أُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أَبَدًا " قَالَ الأُمَوِيُّ: فَحَدَّثَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ

стр. 60

يَحْيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ بَلَغَ حَرْوَتَنَا، وَإِنَّا غَيْرُ مَارِّينَ لَكَ عَلَى ذَلِكَ وَلا مُجَامِعِيكَ عَلَيْهِ، فَلا يَكُنْ دُعَاؤُهُ هَذَا عِنْدَ كَعْبَتِنَا وَلا نَادِينَا، وَإِلا وَاللَّهِ أَخْرَجْنَاهُ. قَالَ: افْعَلْ يَا عَقِيلُ، ادْعُ لِي مُحَمَّدًا، وَخَرَجُوا، فَأَتَيْتُهُ فِي دَارِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَسْعَى، فَخَرَجَ مَعِي عَلَيْهِ بُرْدَانِ دَنِسَانِ حَضْرَمِيِّانِ، مُتَقَنِّعًا حَافِيًا يَتْبَعُ الظِّلَّ، حَتَّى أَتَيْنَا أَبَا طَالِبٍ فِي الشِّعْبِ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى سُدَّةِ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: هَهُنَا يَا ابْنَ أَخِي، فَقَالَ: «مَكَانِي» ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ أَنْصَفُوكَ، وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْكَ أَنْ يَكُونَ دُعَاؤُكَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَصْحَابِكَ، وَحَيْثُ تُجَالِسُونَ، وَلا يَكُونُ فِي كَعْبَتِهِمْ، وَلا فِي نَادِيهِمْ، فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مُقَارِبِينَا. قَالَ عَقِيلٌ: فَوَاللَّهِ مَا سَمِعْتُهُ دَعَاهُ بِاسْمِهِ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ: يَا عَمِّ. فَقَالَ: «يَا أَبَا طَالِبٍ، هَلْ تَسْتَطِيعُ إِخْفَاءَ هَذِهِ الشَّمْسَ لَوْ أَرَدْتَ إِخْفَاءَهَا؟» , فَقَالَ: اعْمَلْ عَلَى مَهْلِكَ، فَوَاللَّهِ لا خَذَلْنَاكَ وَلا تَرَكْنَاكَ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي

стр. 61

ثُمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيثِ زِيَادٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ قُرَيْشًا مَشَوْا بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، هَذَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنْهَدُ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَشْعَرُهُ وَأَجْمَلُهُ، فَخُذْهُ، فَلَكَ عَقْلُهُ وَنَصْرُهُ، وَاتَّخِذْهُ وَلَدًا، فَهُوَ لَكَ، وَأَسْلِمْ إِلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ، هَذَا الَّذِي خَالَفَكَ فِي دِينِكَ وَدِينِ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ، وَسَفَّهَ أَحْلَامَهُمْ، فَنَقْتُلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ كَرَجُلٍ. قَالَ: وَاللَّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي إِلَيْهِ! تُعْطُونِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ، وَأُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ! لا يَكُونُ هَذَا أَبَدًا. فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلَ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: وَاللَّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ وَلَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وَجَهِدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُ، فَمَا أَرَاكَ تَقْبَلُ شَيْئًا. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِمُطْعِمٍ: وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ عَلَى خِذْلانِي وَمُظَاهَرَةِ الْقَوْمِ عَلَيَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، أَوْ كَمَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ " قَالَ زِيَادٌ: وَحَدَّثَنِي الْمُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْحِمْيَرِيِّ، عَنْ سعَد بْنِ مَسْعُودٍ: " أَنَّ أَبَا طَالِبٍ فَقَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَيْنِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، وَظَنَّ أَنَّهُ قَدِ اغْتِيلَ، فَأَرْسَلَ، فَالْتَمَسَهُ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَعَا بَنِيهِ وَبَنِي أَخِيهِ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: حُدُّوا سِلَاحَكُمْ، وَكُونُوا عَلَى مَكَانِكُمْ، وَأَعْطَى بَنِيهِ وَبَنِي أَخِيهِ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ شَفْرَةً قَدْ شَحَذَهَا، وَقَالَ: لِيَجْلِسْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَى جَنْبِ رَجُلٍ مِنْ

стр. 62

قُرَيْشٍ حَتَّى أَنْطَلِقَ إِلَى هَذَا الْجَبَلِ، فَإِنِّي قَدْ طَلَبْتُ مُحَمَّدًا فِي مَظَانِّهِ إِلا هَذَا الْمَكَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَبَلِ الَّذِي يُطِلُّ عَلَى مَكَّةَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ أَنْعِي مُحَمَّدًا فَلْيَجَأْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ جَلِيسَهُ. قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ! حَتَّى بَلَغَ أَسْفَلَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَكَانَ الَّذِي أَرَادَ، فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا لَكَ يَا عَمِّ؟ قَالَ: ظَنَنْتُ وَاللَّهِ أَنَّكَ قَدِ اغْتِلْتَ، فَقَدْ كِدْتَ تَجْرِمُنِي الْيَوْمَ أَنْ أَقْتُلَ قَوْمِي فِيكَ! أَلا تُخْبِرْنِي إِذَا خَرَجْتَ مَكَانًا أَيْنَ مَكَانَكَ فَأَعْرِفُهُ؟ , فَقَالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : يَا عَمِّ، مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يُسْعِدَهُ اللَّهُ بِمَا بُعِثْتُ بِهِ مِنْكَ، أَفَلا أُرِيكَ آيَةً عَلَى أَنْ تُسْلِمَ؟ قَالَ: وَمَا الآيَةُ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُرِيكَ شَيْئًا لا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُرِيكَهُ! قَالَ: فَأَرِنِيهِ! قَالَ: تَرَى تِلْكَ الشَّجَرَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَدْعُو رَبِّي فَيَأْتِيكَ بِهَا حَتَّى تَنْظُرَ إِلَيْهَا عِنْدَكَ. قَالَ: فَافْعَلْ! قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَقْبِلِي بِإِذْنِ اللَّهِ، فَأَقْبَلَتِ الشَّجَرَةُ تَهْتَزُّ حَتَّى أَتَتْهُمَا، فَقَالَ: خُذْ مِنْ وَرِقِهَا وَمِنْ بَعْضِ غُصُونِهَا. فَأَخَذَ أَبُو طَالِبٍ، ثُمَّ قَالَ لَهَا: ارْجِعِي بِإِذْنِ اللَّهِ، فَرَجَعَتْ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَمِّ عِنْدَكَ اتْبَعْنِي، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي لِهَذَا يَقُولُ قَوْمُكَ إِنَّكَ سَاحِرٌ، فَانْطَلِقْ حَتَّى أُؤْنِسُهُمْ مِنْكَ،

стр. 63

فَأَقْبَلَ أَبُو طَالِبٍ آخِذًا بِيَدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى نَادِي قُرَيْشٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا رَآهُ، قَالُوا: هَذَا أَبُو طَالِبٍ آخِذٌ بِيَدِ مُحَمَّدٍ، مَا تَرَوْنَهُ يُرِيدُ؟ أَتَرَوْنَهُ يُرِيدُ أَنْ يُسْلِمَهُ إِلَيْكُمْ؟ قَالُوا: مَا نَرَاهُ إِلا فَاعِلا، فَأَقْبَلَ أَبُو طَالِبٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكَ يَا أَبَا طَالِبٍ؟ قَالَ: كُنْتُ أَرَاكُمْ قَدْ قَتَلْتُمُوهُ، وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَالْبَلَدِ الْحَرَامِ، لَوْ كُنْتُمْ فَعَلْتُمْ لَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاءِ جَلِيسَهُ، أَخْرِجُوا شِفَارَكُمْ، فَأَخْرَجُوهَا، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ، يَئِسُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ". وَمِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الأُمَوِيِّ: فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ لا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ، أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَكْتُبُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كِتَابًا أَنْ لا يُنْكِحَوهُمْ، وَلا يَخْطِبُوا إِلَيْهِمْ، وَلا يُبَايِعُوهُمْ، وَلا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ، كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةٍ، ثُمَّ تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ، وَتَوَاثَقُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّقُوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ انْحَازَتْ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ إِلَى أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي شِعْبِهِ وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى قُرَيْشٍ، وَظَاهَرَ عَلَيْهِمْ قُرَيْشًا، وَقَالَ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ: يَا ابْنَةَ عُتْبَةَ، هَلْ نَصَرْتُ اللاتَ وَالْعُزَّى وَفَارَقْتُ مَنْ فَارَقَهُمَا وَظَاهَرَ عَلَيْهِمَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا أَبَا عُتْبَةَ،

стр. 64

ثُمَّ عَدَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، فَأَوْبَقُوهُمْ، وَآذُوهُمْ، وَاشْتَدَّ الْبَلَاءُ عَلَيْهِمْ، وَعَظُمَتِ الْفِتْنَةُ فِيهِمْ، وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا، وَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، وَأَخْبَرُوهُمْ بِمَا قَالَ، اشْتَدَّ وَجْدُهُمْ، وَآذَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ أَذًى شَدِيدًا، وَضَرَبُوهُمْ فِي كُلِّ طَرِيقٍ، وَحَصَرُوهُمْ فِي شِعْبِهِمْ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الْمَادَّةَ وَالأَسْوَاقَ، فَلَمْ يَدَعُوا أَحَدًا يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ طَعَامًا، وَلا شَيْئًا مِمَّا يَرْتَفِقُونَ بِهِ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الشِّعْبِ إِلَى الأَسْوَاقِ، فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تِبَادِرُهُمْ إِلَى الأَسْوَاقِ، فَيَشْرُونَهَا وَيُغَلُّونَهَا عَلَيْهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ ثَلاثَ سِنِينَ، حَتَّى بَلَغَ الْقَوْمَ الْجَهْدُ الشَّدِيدُ، حَتَّى سَمِعُوا أَصْوَاتَ صِبْيَانِهِمْ يَتَضَاغون مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَلا أَبْلِغَا عَنِّي عَلَى ذَاتِ بَيْنِنَا ... لُؤَيًّا وَخُصَّا مِنْ لُؤَيِّ بَنِي كَعْبِ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّا وَجَدْنَا مُحَمَّدًا نَبِيًّا ... كَمُوسَى خُطَّ فِي أَوَّلِ الْكُتْبِ وَأَنَّ عَلَيْهِ فِي الْعِبَادِ مَحَبَّةً وَلَا خَيْرَ ... مِمَّنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِالْحُبِّ وَأَنَّ الَّذِي أَلْصَقْتُمُ مِنْ كِتَابِكُمْ يَكُونُ ... لَكُمْ يَوْمًا كَرَاغِيَةِ السَّقْبِ فَلَسْنَا وَرَبِّ الْبَيْتِ نُسْلِمُ أَحْمَدًا لِعَزَّاءِ ... مِنْ عَضِّ الزَّمَانِ وَلا كَرْبِ وَلَمَّا تَبِنْ مِنَّا وَمِنْكُمْ سَوَالِفٌ ... وَأَيْدٌ أُتِرَّتْ بِالْمُهَنَّدَةِ الشُّهْبِ

стр. 65

بِمُعْتَرَكٍ ضَنْكٍ تَرَى كِسَرَ الْقَنَا ... بِهِ وَالنُّسُورَ الطُّخْمِ يَعْكُفْنَ كَالشَّرْبِ كَأَنَّ مُجَالَ الْخَيْلِ فِي حَجَرَاتِهِ ... وَمَعْمَعَةَ الأَبْطَالِ مَعْرَكَةُ الْحَرْبِ ثُمَّ رَجْعُ الْحَدِيثِ إِلَى زِيَادٍ: " فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا، حَتَّى جُهِدُوا، وَلا يَصِلُ إِلَيْهِمْ شَيْءٌ إِلا مُسْتَخْفًى بِهِ مِنْ كُلِّ مَنْ أَرَادَ وَصْلَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فِيمَا يَذْكُرُونَ، لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى مَعَهُ غُلامٌ لَهُ يَحْمِلُ مَعَهُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ فِي الشِّعْبِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ، وَقَالَ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ لا تَبْرَحُ أَنْتَ وَطَعَامُكَ حَتَّى أَفْضَحَكَ بِمَكَّةَ، فَجَاءَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ؟ فَقَالَ: يَحْمِلُ الطَّعَامَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَقَالَ لَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ، فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ، أَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا؟ خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ، فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ، حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَأَخَذَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَحْيَ بَعِيرٍ، فَضَرَبَهُ، فَشَجَّهُ، وَوَطِئَهُ وَطْأً شَدِيدًا، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَرِيبٌ يَرَى كُلَّ ذَلِكَ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلا وَنَهَارًا، وَسِرًّا، وَجَهَارًا، مُبَادِيًا بِأَمْرِ اللَّهِ، لا يَتَّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ،

стр. 66

فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهَا بِعَمِّهِ وَقَوْمِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَرَادُوا مِنَ الْبَطْشِ بِهِمْ وَبِهِ، يَهْمِزُونَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَيُخَاصِمُونَهُ، ثُمَّ أَنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ تِلْكَ الصَّحِيفَةِ الَّتِي تَكَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُبْلِ فِيهَا أَحَدٌ بَلاءً أَحْسَنَ مِنْ بَلاءِ هَاشِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابْنُ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لأُمِّهِ، وَكَانَ نَضْلَةُ وَعَمْرٌو أَخَوَيْنِ لأُمٍّ، وَكَانَ هَاشِمٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصِلا، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي يَأْتِي بِالْبَعِيرِ قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا لَيْلا، حَتَّى إِذَا أَقْبَلَهُ فَمَ الشِّعْبِ، خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبَيْهِ، فَيَدْخُلُ الشِّعْبَ عَلَيْهِمْ، وَيَأْتِي بِهِ، قَدْ أَوْقَرَهُ برا، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَنَّهُ مَشِيَ إِلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: أَيْ زُهَيْرُ، قَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، لا يُبَايَعُونَ وَلا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَلا يَنْكِحُونَ وَلا يُنْكَحُ إِلَيْهِمْ؟ ! أَمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانَ أَخْوَالُ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ ثُمَّ دَعَوْتَهُ إِلَى مِثْلِ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ مَا أَجَابَكَ إِلَيْهِ أَبَدًا! قَالَ: وَيْحَكَ يَا هَاشِمُ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا حَتَّى أَنْقُضَهَا. قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلا. قَالَ: مَنْ هُوَ؟

стр. 67

قَالَ: أَنَا، قَالَ: أَبْغِنِي ثَالِثًا. فَذَهَبَ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلٍ، فَقَالَ: يَا مُطْعِمُ، أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَنْتَ شَاهِدٌ لِذَلِكَ، مُوَافِقٌ لِقُرَيْشٍ فِيهِ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا. قَالَ: وَيْحَكَ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ ثَانِيًا، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: أَبْغِنِي ثَالِثًا، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ. قَالَ: أَبْغِنَا رَابِعًا. قَالَ: فَذَهَبَ إِلَى أَبِي الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، قَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَنَا، قَالَ: أَبْغِنَا خَامِسًا. فَذَهَبَ إِلَى زَمْعَةَ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ، قَالَ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ الَّذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْقَوْمَ، فَاتَّعَدُوا خَطْمَ الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ، وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْقِيَامِ عَلَى الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا. وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَكُمْ يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا، غَدَوْا عَلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ أُسْبُوعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، إِنَّا نَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى، لا يُبْايَعُونَ وَلا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ! وَاللَّهِ لا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ لا تُشَقُّ. قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَتَهَا حِينَ كُتِبَتْ. قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ، لا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا، وَلا نُقِرُّ بِهِ.

стр. 68

قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إِلَى اللَّهِ مِنْهَا وَمِمَّا كُتِبَ فِيهَا. وَقَالَ هَاشِمُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ عِنْدَ ذَلِكَ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، وَتُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ. وَأَبُو طَالِبٍ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ. فَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ إِلَى الصَّحِيفَةِ فَشَقَّهَا، فَوَجَدَ الأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا، إِلا «بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ» . قَالَ: وَكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَشُلَّتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ غَيْرُ زِيَادٍ: فَلَمَّا أَفْسَدَ اللَّهُ صَحِيفَةَ مَكْرِهِمْ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَهْطُهُ، فَعَاشُوا فِي النَّاسٍ "

стр. 69

رَجْعُ الْحَدِيثِ إِلَى زِيَادٍ: عَنِ الأَجْلَحِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يُصَلِّي، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيِبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ جُلُوسٌ فِي الْحِجْرِ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: أَيُّكُمْ يَأْتِي بَنِي فُلانَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ نَحَرُوا وَأَجْزَرُوا، فَيَأْتِينَا بِسَلاهَا وَدَمِهَا وَفَرْثِهَا فَيُلْقِيهِ عَلَى مُحَمَّدٍ؟ فَانْطَلَقَ أَسْفَهُهُمْ وَأَشْقَاهُمْ: عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَتَاهُمْ بِهِ، فَأَلْقَاهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدًا لَمْ يَتَجَلْجَلْ، وَأَنَا قَائِمٌ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَلا أَمْنَعُهُ، لَيْسَتْ لِي عَشِيرَةٌ تَمْنَعُنِي. فَأَنَا أَتَكَاءَبُ، إِذْ سَمِعَتْ فَاطِمَةُ، فَأَقْبَلَتْ حَتَّى أَلْقَتْ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ قُرَيْشًا فَشَتَمَتْهُمْ، فَلَمْ يُرْجِعُوا إِلَيْهَا شَيْئًا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ يَرْفَعُهُ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاتَهُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلاثًا، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعُقْبَةِ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُتْبَةَ، وَشَيِبَةَ، وَأَبِي جَهْلٍ، وَالْوَلِيدِ، وَأُمَيَّةَ، وَالنَّضْرِ» ،

стр. 70

ثُمَّ خَرَجَ، فَلَقِيَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَمَعَ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ سَوْطٌ يَتَخَصَّرُ بِهِ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَهُ! فَأَخَذَهُ، فَقَالَ: تَعَالَى، مَا لَكَ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : خَلِّ عَنِّي، قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ لا أُخَلِّي عَنْكَ، أَوْ تُخْبِرُنِي مَا شَأْنُكَ، فَلَقَدِ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَمَّا عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ غَيْرُ تَارِكِهِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ أَمَرَ بِهِ فَطُرِحَ عَلَيْهِ فَرْثٌ، قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: هَلُمَّ ادْخُلِ الْمَسْجِدِ. فَأَتَى بِالنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَدْخَلَهُ الْمَسْجِدَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا الْحَكَمِ، أَنْتَ أَمَرْتَ بِمُحَمَّدٍ أَنْ يُطْرَحَ عَلَيْهِ الْفَرْثُ؟ قَالَ: فَرَفَعَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامِ السَّوْطَ، فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ أَبِي جَهْلٍ، فَثَارَتِ الرِّجَالُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَصَاحَ أَبُو جَهْلٍ: وَيْحَكُمْ! هِيَ لَهُ، إِنَّمَا يُرِيدُ مُحَمَّدٌ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ وَيَنْجُو هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ جَمِيعًا، فَلَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: «مَنْ لَقِيَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ فَلا يَقْتُلْهُ» ، ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ هَلاكُهُمَا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ مَضَيْنَ مِنْ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَصَائِبُ بِهَلاكِ خَدِيجَةَ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ عَلَى الإِسْلامِ، يَسْكُنُ إِلَيْهَا , وَهَلَكَ أَبُو طَالِبٍ عَمُّهُ، وَكَانَ لَهُ عَضُدًا، وَحِرْزًا، وَمَنْعَةً، وَنَاصِرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأَذَى مَا لَمْ يَكُونُوا يَطْمَعُونَ فِيهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا ".

стр. 71

قَال زِيَادٌ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ لَهَا: لا تَبْكِ يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ، فَقَالَ: وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَضِيُّ، قَالَ: فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الأَذَى، وَجَدَ فَقْدَ عَمِّهِ لَمَّا كَانَ يَكُفُّ عَنْهُ مِنْ أَذَى قَوْمِهِ، فَخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ عَلَى قَدَمَيْهِ يُرِيدُ ثَقِيفًا لِيَمْنَعُوهُ وَلِيَنْصُرُوهُ وَلِيُعِينُوهُ، وَلِيَكُونُوا مَعَهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى مَسْعُودٍ، وَحَبِيبٍ، وَعَبْدِ يَالِيلَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيرَةَ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَدَعَاهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ، وَظَلَّمَ عِنْدَهُمْ قَوْمَهُ، فَلَمْ يُؤْوا، وَلَمْ يَمْنَعُوا، وَلَمْ يَرْحَمُوا، وَلَمْ يَكْتُمُوا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: إِنَّا قَدْ عَلِمْنَا عَامَّةَ أَمْرِكَ، وَالَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ قَوْمِكَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ تُرِيدُ مَا لا يَكُونُ، أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ؟ وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَسْرِقُ حِجَابَ كَعْبَةٍ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ بِشَيْءٍ قَطُّ! وَقَالَ الآخَرُ: لَسْتُ بِقَائِلٍ لَكَ شَيْئًا، وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، لأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ نُكَلِّمَكَ بِشَيْءٍ يُؤْذِيكَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَفْتَرِي عَلَى اللَّهِ وَعَلَى نَفْسِكَ، لأَنْتَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اكْتُمُوا عَلَيَّ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَبْلُغَ قَوْمِي أَنِّي أَتَيْتُكُمْ فَلَمْ تُصَدِّقُونِي، فَيَزْدَادُوا عَلَيَّ جَرْأَةً» .

стр. 72

فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَأَفْشُوا عَلَيْهِ، وَصَيَّحُوا بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ جَمَعَ لَهُ أَهْلُ الطَّائِفِ صَفَّيْنِ: عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ وَمَرَّ بِهِمْ صَيَّحُوا بِهِ: تُرِيدُ أَنْ تُفْسِدَنَا كَمَا أَفْسَدْتَ قَوْمَكَ؟ فَلَمَّا خَلَصَ مِنْهُمْ وَتَوَارَى عَنْهُمْ، أَتَى كَرْمًا لِعُتْبَةَ وَشَيِبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ حَبَلَةٍ مِنْهُ مَكْرُوبًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، أَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَوْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلا أُبَالِي، وَلَكِنْ عَافِيَتُكَ لِي أَوْسَعُ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَنْ تُنْزِلَ بِي سَخَطَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلِيَّ غَضَبُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِكَ» . وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ: أَنَّهُ قَالَهَا حِينَ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَوَجَدَ فِي الْكَرْمِ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيِبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَخْفَى مِنْهُمَا، وَكَرِهَ أَنْ يُجَالِسَهُمَا، فَيَرَيَانِ الَّذِي بِهِ، فَبَصُرَا بِهِ، فَأَرْسَلا إِلَيْهِ غُلامًا يُدْعَى عَدَّاسًا، نَصْرَانِيًّا، فَقَالا: خُذْ هَذَا الْعِنَبَ فَاجْعَلْهُ فِي هَذَا الإِنَاءِ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ. قَالَ: وَعَدَّاسٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، فَلَمَّا جَاءَهُ عَدَّاسٌ بِالْعِنَبِ، وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَسَمَّى اللَّهَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا تَقُولُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ! قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «وَمَنْ أَنْتَ؟» , قَالَ: أَنَا رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: «وَمِنْ أَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ؟» , قَالَ: مِنْ أَهْلِ نِينَوَى. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَرْيَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى الْعَبْدِ الصَّالِحِ» ، فَلَمَّا سَمِعَ عَدَّاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يُونُسَ بْنَ مَتَّى، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ مَنْ يُونُسُ؟ , قَالَ

стр. 73

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَاكَ أَخِي وَخَلِيلِي وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ، ذَاكَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَنَا نَبِيٌّ مِثْلُهُ , بَعَثَنِي لِلَّهِ بِالْحَقِّ» . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحْقِرُ أَحَدًا يَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَدَّاسٌ خَرَّ سَاجِدًا، وَجَعَلَ يُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ، فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ عُتْبَةُ وَشَيِبَةُ، ضَحِكَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، وَقَالا: غُلامُنَا قَدْ فَسَدَ، وَنَادَيَاهُ، فَجَاءَهُمَا، فَقَالا: لِمَ صَنَعْتَ بِهَذَا الرَّجُلِ مَا لَمْ تَصْنَعْ بِأَحَدٍ مِنَّا قَطُّ؟ قَبَّلْتَ قَدَمَيْهِ، وَسَجَدْتَ لَهُ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، هَذَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، أَخْبَرَنِي عَنْ قَوْمِي أَهْلِ نِينَوَى، وَعَنْ نَبِيِّهِمْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِيُخْبِرَنِي بِهِ فِي هَذِهِ الأَرْضِ إِلا نَبِيٌّ. فَضَحِكَا، وَقَالا: لا يَخْدَعَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالسُّفَهَاءِ، وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرِيدُ قَتْلَهُ. قَالَ لَهُمَا: لا تَسْتَطِيعَانِ قَتْلَ الَّذِي رَأَيْتُ، فَأَطِيعَانِي، وَأَجِيبَاهُ إِلَى مَا دَعَاكُمَا إِلَيْهِ، فَزَجَرَاهُ زَجْرًا شَدِيدًا " قَالَ الأُمَوِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاللَّهِ , مَا أَرَى عِنْدَكَ وَلا عِنْدَ بَنِي أَبِيكَ مَنَعَةً، فَهَلْ أَنْتَ خَارِجٌ بِي إِلَى الْمَوْسِمِ فَتُعَرِّفُنِي قَبَائِلَ الْعَرَبِ؟» , قَالَ: فَرَكِبْتُ بِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ الْمَوْسِمَ، قَالَ: فَبَدَأَ بِهَذَا الْحَيِّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَعُونَةَ. قَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» , قَالُوا: كِنْدَةَ، قَالَ: «فَهَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ؟» , قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «تَشْهَدُونَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَتُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» ، فَقَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» ، قَالُوا: لا حَاجَةَ لَنَا بِمَا جِئْتَنَا بِهِ، بَدَأْتَ بِنَا لِتَصُدَّنَا عَنْ آلِهَتِنَا وَنُنَابِذُ النَّاسَ عَلَى سَوَاءٍ وَتَرْمِينَا الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ؟ فَالْحَقْ بِقَوْمِكَ فَلا حَاجَةَ لَنَا بِمَا جِئْتَنَا بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَلَحِقَ بِبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَيَأْتِي بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: «كَيْفَ الْعَدَدُ؟» , قَالُوا: مِثْلُ الْحَصَى، قَالَ: «كَيْفَ الْمَنَعَةُ؟» , قَالُوا: لا نَمْنَعُ بَطْنَ

стр. 74

تَلْعَةٍ، جَاوَرْنَا قَوْمًا مِنَ الْفُرْسِ، لا نُجِيرُ عَلَيْهِمْ، وَلا نَمْنَعُ مِنْهُمْ. قَالَ: «فَلِلَّهِ عَلَيْكُمْ إِنْ أَبْقَاكُمُ اللَّهُ حَتَّى تَنْزِلُوا مَنَازِلَهُمْ، وَتَنْكِحُوا نِسَاءَهُمْ، وَتَسْتَعْبِدُوا أَبْنَاءَهُمْ، أَنْ تُسَبِّحُوا اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتُحَمِّدُوهُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتُكَبِّرُوهُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ» . قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» . قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ، مَرَّ بِهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَكَمِ هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الْمَوْلَى الَّذِي قَامَ مِنْ عِنْدِنَا آنِفًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنَّا، فَعَنْ أَيِّ شَأْنِهِ تَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: قَالَ لَنَا كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لا تَرْفَعُوا بِهِ رَأْسًا فَإِنَّهُ مَجْنُونٌ، يَهْذِي مِنْ أُمِّ رَأْسِهِ. قَالُوا: قَدْ رَأَيْنَا وَاللَّهِ ذَلِكَ حِينَ ذَكَرَ لَنَا مِنْ أَمْرِ فَارِسٍ مَا ذَكَرَ. قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَأْتِي بَنِي عَامِرَ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» , قَالُوا: بَنُو قُشَيْرٍ. قَالَ: «كَيْفَ الْمَنَعَةُ؟» , قَالُوا: لا يُرَامُ مَا قَبْلَنَا وَلا يُصْطَلَى بِنَارِنَا. قَالَ: «فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ لِتَمْنَعُونِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّي، وَلا أُكْرِهُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى شَيْءٍ» . قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ» . قَالُوا: فَأَيْنَ قَوْمُكَ عَنْكَ؟ قَالَ: «هُمْ أَوَّلُ مَنْ طَرَدَنِي وَكَذَّبَنِي» . قَالُوا: لَكِنَّا لا نُؤْمِنُ بِكَ وَلا نَطْرُدُكَ , وَسَنَمْنَعُكَ حَتَّى تُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّكَ. فَجَلَسَ، فَأَتَاهُمْ بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي أُنْكِرُهُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ، زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا لَكُمْ وَلَهُ؟ , قَالُوا: أَتَانَا لِنَمْنَعَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ. قَالَ: فَرَدَدْتُمْ عَلَيْهِ مَاذَا؟ , قَالُوا: قُلْنَا فِي الرُّحْبِ وَالسَّعَةِ، تَحَوَّلْ إِلَى بَلَدِنَا وَنَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا. قَالَ: فَمَا قَفَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ هَهُنَا بِشَرٍّ مِمَّا قَفَلْتُمْ بِهِ، تُرِيدُونَ أَنْ تُنَابِذُوا النَّاسَ عَلَى سَوَاءٍ وَتَرْمِيكُمْ عَنْ

стр. 75

قَوْسٍ وَاحِدَةٍ؟ فَقَوْمُهُ أَعْلَمُ بِهِ، لَوْ أَنِسُوا مِنْهُ خَيْرًا كَانُوا أَسْعَدَ بِهِ، فَأَلْحِقُوهُ بِقَوْمِهِ، تَعْمِدُونَ إِلَى دَحِيقِ قَوْمٍ قَدْ نَفَاهُ قَوْمُهُ وَطَرَدُوهُ، فَتُئْونَهُ وَتَنْصُرُونَهُ؟ فَبِئْسَ الرَّأْيَ رَأَيْتُمْ، ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قُمْ فَالْحَقْ بِقَوْمِكَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَرْكَبُ نَاقَتَهُ، فَيَغْمِزُهَا بَيْحَرَةُ فِي خَاصِرَتِهَا بِعَنَزَةٍ مَعَهُ، فَقَمَصَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ قُرْطِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ هُنَاكَ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا صَنَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا لَعَامِرٍ! أَلا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُنْفَرُ بِهِ وَلا أَسْتَطِيعُ لَهُ مَنَعَةً؟ قَالَ: فَوَثَبَ ثَلاثَةٌ مِنْ بَنِي عَمِّهَا إِلَى ثَلاثَةٍ مِمَّنْ نُفِّرَ بِهِ، فَصَرَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجُلا، ثُمَّ عَلِقُوا وُجُوهَهُمْ لَطْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى هَؤُلاءِ، وَالْعَنْ هَؤُلاءِ» ، فَالْمَلْعُونُونَ: بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسٍ، وَحِرْزُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ، وَأَبُو حَرْبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَحَدُ بَنِي عَقِيلٍ: مَاتُوا كُلُّهُمْ لَعْنًا، وَأَمَّا الَّذِينَ نَصَرُوهُ: فَغُطَيْفٍ، وَغَطْفَانُ ابْنَا سُهَيْلٍ، وَعُرْوَةُ، أَوْ عَزْرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ: مَاتُوا كُلُّهُمْ شُهَدَاءَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: وَفَشَا الإِسْلامُ، وَاتَّبَعَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، عَلَى خَوْفٍ مِنْ قَوْمِهِمْ، يَسْمَعُونَ الأَذَى، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِمْ فِي كُلِّ نَادٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَرَّضُ لِلْعَرَبِ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَسْتَنْصِرُهُمْ لِيَمْنَعُوا لَهُ ظَهْرَهُ، حَتَّى يُنَفِّذَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَهُ بِهِ.
следующие страницы →