← Книги сунны

Книги сунны · id 9384

الرقة والبكاء لابن قدامة

ابن قدامة

Полный текст (91 стр.). Показаны 71–91 · переход к 76.

стр. 71

قَال زِيَادٌ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: " لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ لَهَا: لا تَبْكِ يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ، فَقَالَ: وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَضِيُّ، قَالَ: فَلَمَّا أَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الأَذَى، وَجَدَ فَقْدَ عَمِّهِ لَمَّا كَانَ يَكُفُّ عَنْهُ مِنْ أَذَى قَوْمِهِ، فَخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ عَلَى قَدَمَيْهِ يُرِيدُ ثَقِيفًا لِيَمْنَعُوهُ وَلِيَنْصُرُوهُ وَلِيُعِينُوهُ، وَلِيَكُونُوا مَعَهُ عَلَيْهِمْ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى مَسْعُودٍ، وَحَبِيبٍ، وَعَبْدِ يَالِيلَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيرَةَ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَدَعَاهُمْ إِلَى نُصْرَتِهِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ، وَظَلَّمَ عِنْدَهُمْ قَوْمَهُ، فَلَمْ يُؤْوا، وَلَمْ يَمْنَعُوا، وَلَمْ يَرْحَمُوا، وَلَمْ يَكْتُمُوا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: إِنَّا قَدْ عَلِمْنَا عَامَّةَ أَمْرِكَ، وَالَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ قَوْمِكَ، وَأَنْتَ رَجُلٌ تُرِيدُ مَا لا يَكُونُ، أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ؟ وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَسْرِقُ حِجَابَ كَعْبَةٍ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ بِشَيْءٍ قَطُّ! وَقَالَ الآخَرُ: لَسْتُ بِقَائِلٍ لَكَ شَيْئًا، وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، لأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ نُكَلِّمَكَ بِشَيْءٍ يُؤْذِيكَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَفْتَرِي عَلَى اللَّهِ وَعَلَى نَفْسِكَ، لأَنْتَ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اكْتُمُوا عَلَيَّ، فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَبْلُغَ قَوْمِي أَنِّي أَتَيْتُكُمْ فَلَمْ تُصَدِّقُونِي، فَيَزْدَادُوا عَلَيَّ جَرْأَةً» .

стр. 72

فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَأَفْشُوا عَلَيْهِ، وَصَيَّحُوا بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ جَمَعَ لَهُ أَهْلُ الطَّائِفِ صَفَّيْنِ: عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ وَمَرَّ بِهِمْ صَيَّحُوا بِهِ: تُرِيدُ أَنْ تُفْسِدَنَا كَمَا أَفْسَدْتَ قَوْمَكَ؟ فَلَمَّا خَلَصَ مِنْهُمْ وَتَوَارَى عَنْهُمْ، أَتَى كَرْمًا لِعُتْبَةَ وَشَيِبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، فَاسْتَظَلَّ تَحْتَ حَبَلَةٍ مِنْهُ مَكْرُوبًا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، أَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي؟ أَوْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلا أُبَالِي، وَلَكِنْ عَافِيَتُكَ لِي أَوْسَعُ، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ أَنْ تُنْزِلَ بِي سَخَطَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلِيَّ غَضَبُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِكَ» . وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ: أَنَّهُ قَالَهَا حِينَ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: وَوَجَدَ فِي الْكَرْمِ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيِبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَخْفَى مِنْهُمَا، وَكَرِهَ أَنْ يُجَالِسَهُمَا، فَيَرَيَانِ الَّذِي بِهِ، فَبَصُرَا بِهِ، فَأَرْسَلا إِلَيْهِ غُلامًا يُدْعَى عَدَّاسًا، نَصْرَانِيًّا، فَقَالا: خُذْ هَذَا الْعِنَبَ فَاجْعَلْهُ فِي هَذَا الإِنَاءِ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ. قَالَ: وَعَدَّاسٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى، فَلَمَّا جَاءَهُ عَدَّاسٌ بِالْعِنَبِ، وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَسَمَّى اللَّهَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ فِي وَجْهِهِ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا تَقُولُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ! قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «وَمَنْ أَنْتَ؟» , قَالَ: أَنَا رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ. قَالَ: «وَمِنْ أَيِّ أَرْضٍ أَنْتَ؟» , قَالَ: مِنْ أَهْلِ نِينَوَى. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «قَرْيَةُ يُونُسَ بْنِ مَتَّى الْعَبْدِ الصَّالِحِ» ، فَلَمَّا سَمِعَ عَدَّاسٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ يُونُسَ بْنَ مَتَّى، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ مَنْ يُونُسُ؟ , قَالَ

стр. 73

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ذَاكَ أَخِي وَخَلِيلِي وَإِنْ كُنْتُ لَمْ أَرَهُ، ذَاكَ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَأَنَا نَبِيٌّ مِثْلُهُ , بَعَثَنِي لِلَّهِ بِالْحَقِّ» . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَحْقِرُ أَحَدًا يَذْكُرُ ذَلِكَ لَهُ، قَالَ: فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَدَّاسٌ خَرَّ سَاجِدًا، وَجَعَلَ يُقَبِّلُ قَدَمَيْهِ، فَلَمَّا بَصُرَ بِهِ عُتْبَةُ وَشَيِبَةُ، ضَحِكَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ، وَقَالا: غُلامُنَا قَدْ فَسَدَ، وَنَادَيَاهُ، فَجَاءَهُمَا، فَقَالا: لِمَ صَنَعْتَ بِهَذَا الرَّجُلِ مَا لَمْ تَصْنَعْ بِأَحَدٍ مِنَّا قَطُّ؟ قَبَّلْتَ قَدَمَيْهِ، وَسَجَدْتَ لَهُ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، هَذَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، أَخْبَرَنِي عَنْ قَوْمِي أَهْلِ نِينَوَى، وَعَنْ نَبِيِّهِمْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِيُخْبِرَنِي بِهِ فِي هَذِهِ الأَرْضِ إِلا نَبِيٌّ. فَضَحِكَا، وَقَالا: لا يَخْدَعَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، فَإِنَّهُ كَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالسُّفَهَاءِ، وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرِيدُ قَتْلَهُ. قَالَ لَهُمَا: لا تَسْتَطِيعَانِ قَتْلَ الَّذِي رَأَيْتُ، فَأَطِيعَانِي، وَأَجِيبَاهُ إِلَى مَا دَعَاكُمَا إِلَيْهِ، فَزَجَرَاهُ زَجْرًا شَدِيدًا " قَالَ الأُمَوِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَاللَّهِ , مَا أَرَى عِنْدَكَ وَلا عِنْدَ بَنِي أَبِيكَ مَنَعَةً، فَهَلْ أَنْتَ خَارِجٌ بِي إِلَى الْمَوْسِمِ فَتُعَرِّفُنِي قَبَائِلَ الْعَرَبِ؟» , قَالَ: فَرَكِبْتُ بِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ الْمَوْسِمَ، قَالَ: فَبَدَأَ بِهَذَا الْحَيِّ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَعُونَةَ. قَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» , قَالُوا: كِنْدَةَ، قَالَ: «فَهَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ؟» , قَالُوا: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «تَشْهَدُونَ أَنَّ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَتُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ» ، فَقَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» ، قَالُوا: لا حَاجَةَ لَنَا بِمَا جِئْتَنَا بِهِ، بَدَأْتَ بِنَا لِتَصُدَّنَا عَنْ آلِهَتِنَا وَنُنَابِذُ النَّاسَ عَلَى سَوَاءٍ وَتَرْمِينَا الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ؟ فَالْحَقْ بِقَوْمِكَ فَلا حَاجَةَ لَنَا بِمَا جِئْتَنَا بِهِ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ، فَلَحِقَ بِبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَيَأْتِي بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ: «كَيْفَ الْعَدَدُ؟» , قَالُوا: مِثْلُ الْحَصَى، قَالَ: «كَيْفَ الْمَنَعَةُ؟» , قَالُوا: لا نَمْنَعُ بَطْنَ

стр. 74

تَلْعَةٍ، جَاوَرْنَا قَوْمًا مِنَ الْفُرْسِ، لا نُجِيرُ عَلَيْهِمْ، وَلا نَمْنَعُ مِنْهُمْ. قَالَ: «فَلِلَّهِ عَلَيْكُمْ إِنْ أَبْقَاكُمُ اللَّهُ حَتَّى تَنْزِلُوا مَنَازِلَهُمْ، وَتَنْكِحُوا نِسَاءَهُمْ، وَتَسْتَعْبِدُوا أَبْنَاءَهُمْ، أَنْ تُسَبِّحُوا اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتُحَمِّدُوهُ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَتُكَبِّرُوهُ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ» . قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا رَسُولُ اللَّهِ» . قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزَهُمْ، مَرَّ بِهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَكَمِ هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الْمَوْلَى الَّذِي قَامَ مِنْ عِنْدِنَا آنِفًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنَّا، فَعَنْ أَيِّ شَأْنِهِ تَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: قَالَ لَنَا كَذَا وَكَذَا. قَالَ: لا تَرْفَعُوا بِهِ رَأْسًا فَإِنَّهُ مَجْنُونٌ، يَهْذِي مِنْ أُمِّ رَأْسِهِ. قَالُوا: قَدْ رَأَيْنَا وَاللَّهِ ذَلِكَ حِينَ ذَكَرَ لَنَا مِنْ أَمْرِ فَارِسٍ مَا ذَكَرَ. قَالَ: ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَأْتِي بَنِي عَامِرَ، فَقَالَ: «مَنِ الْقَوْمُ؟» , قَالُوا: بَنُو قُشَيْرٍ. قَالَ: «كَيْفَ الْمَنَعَةُ؟» , قَالُوا: لا يُرَامُ مَا قَبْلَنَا وَلا يُصْطَلَى بِنَارِنَا. قَالَ: «فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْكُمْ لِتَمْنَعُونِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّي، وَلا أُكْرِهُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَلَى شَيْءٍ» . قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: «أَنَا ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ» . قَالُوا: فَأَيْنَ قَوْمُكَ عَنْكَ؟ قَالَ: «هُمْ أَوَّلُ مَنْ طَرَدَنِي وَكَذَّبَنِي» . قَالُوا: لَكِنَّا لا نُؤْمِنُ بِكَ وَلا نَطْرُدُكَ , وَسَنَمْنَعُكَ حَتَّى تُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّكَ. فَجَلَسَ، فَأَتَاهُمْ بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي أُنْكِرُهُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْقُرَشِيُّ، زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَمَا لَكُمْ وَلَهُ؟ , قَالُوا: أَتَانَا لِنَمْنَعَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّهِ. قَالَ: فَرَدَدْتُمْ عَلَيْهِ مَاذَا؟ , قَالُوا: قُلْنَا فِي الرُّحْبِ وَالسَّعَةِ، تَحَوَّلْ إِلَى بَلَدِنَا وَنَمْنَعُكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا. قَالَ: فَمَا قَفَلَ أَحَدٌ مِمَّنْ هَهُنَا بِشَرٍّ مِمَّا قَفَلْتُمْ بِهِ، تُرِيدُونَ أَنْ تُنَابِذُوا النَّاسَ عَلَى سَوَاءٍ وَتَرْمِيكُمْ عَنْ

стр. 75

قَوْسٍ وَاحِدَةٍ؟ فَقَوْمُهُ أَعْلَمُ بِهِ، لَوْ أَنِسُوا مِنْهُ خَيْرًا كَانُوا أَسْعَدَ بِهِ، فَأَلْحِقُوهُ بِقَوْمِهِ، تَعْمِدُونَ إِلَى دَحِيقِ قَوْمٍ قَدْ نَفَاهُ قَوْمُهُ وَطَرَدُوهُ، فَتُئْونَهُ وَتَنْصُرُونَهُ؟ فَبِئْسَ الرَّأْيَ رَأَيْتُمْ، ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : قُمْ فَالْحَقْ بِقَوْمِكَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَرْكَبُ نَاقَتَهُ، فَيَغْمِزُهَا بَيْحَرَةُ فِي خَاصِرَتِهَا بِعَنَزَةٍ مَعَهُ، فَقَمَصَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ قُرْطِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ هُنَاكَ، فَلَمَّا رَأَتْ مَا صَنَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا لَعَامِرٍ! أَلا أَرَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُنْفَرُ بِهِ وَلا أَسْتَطِيعُ لَهُ مَنَعَةً؟ قَالَ: فَوَثَبَ ثَلاثَةٌ مِنْ بَنِي عَمِّهَا إِلَى ثَلاثَةٍ مِمَّنْ نُفِّرَ بِهِ، فَصَرَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَجُلا، ثُمَّ عَلِقُوا وُجُوهَهُمْ لَطْمًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى هَؤُلاءِ، وَالْعَنْ هَؤُلاءِ» ، فَالْمَلْعُونُونَ: بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسٍ، وَحِرْزُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ قُشَيْرٍ، وَأَبُو حَرْبِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَحَدُ بَنِي عَقِيلٍ: مَاتُوا كُلُّهُمْ لَعْنًا، وَأَمَّا الَّذِينَ نَصَرُوهُ: فَغُطَيْفٍ، وَغَطْفَانُ ابْنَا سُهَيْلٍ، وَعُرْوَةُ، أَوْ عَزْرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ: مَاتُوا كُلُّهُمْ شُهَدَاءَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: وَفَشَا الإِسْلامُ، وَاتَّبَعَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، عَلَى خَوْفٍ مِنْ قَوْمِهِمْ، يَسْمَعُونَ الأَذَى، وَيُسْتَهْزَأُ بِهِمْ فِي كُلِّ نَادٍ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَرَّضُ لِلْعَرَبِ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَسْتَنْصِرُهُمْ لِيَمْنَعُوا لَهُ ظَهْرَهُ، حَتَّى يُنَفِّذَ عَنِ اللَّهِ مَا بَعَثَهُ بِهِ.

стр. 76

وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَذْكُرُهُ يَطُوفُ عَلَى الْمَنَازِلِ بِمِنًى، وَأَنَا مَعَ أَبِي غُلامٌ شَابٌّ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، أَحْوَلُ، ذُو غَدِيرَتَيْنِ، كُلَّمَا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَوْمٍ، فَقَالَ: " إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَيَقُولُ الَّذِي خَلْفَهُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَى أَنْ تُفَارِقُوا دِينَكُمْ، وَأَنْ تَسْلُخُوا مِنْ أَعْنَاقِكُمُ اللاتَ وَالْعُزَّى، وَحُلَفَاءَكُمْ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ، إِلَى مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنَ الْبِدْعَةِ. فَقُلْتُ لأَبِي: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " قَالَ الأُمَوِيُّ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ، أَنَّ جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَيْصِنِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ حَدَّثَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ، رَهِقَتْهُ قُرَيْشٌ بِالأَذَى وَالتَّطْرِيدِ، فَخَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى أَعْلَى الْوَادِي، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَمْسَى مِنَ الْغَدِ، فَلَقِيَ ابْنَ أُرَيْقِدٍ، أَحَدَ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ خُزَاعَةَ، وَهُوَ دَلِيلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «هَلْ أَنْتَ مُعِينِي إِلَى الأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ؟» , قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: " ائْتِهِ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّ مُحَمَّدًا، يَقُولُ: أَجِرْنِي مِنْ قَوْمِكَ "، قَالَ: فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا بَعَثَنِي إِلَيْكَ لِتُجِيرَهِ مِنْ قَوْمِكَ. قَالَ: إِنَّ حَلِيفَ قُرَيْشٍ لا يُجِيرُ عَلَى حَمِيمِهَا، فَأَتَاهُ فَأَخْبَرَهُ ذَلِكَ،

стр. 77

فَقَالَ: " أَعِنِّي إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَقُلْ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ لَكَ: أَجِرْنِي مِنْ قَوْمِكَ "، فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا، يَقُولُ لَكَ: أَجِرْنِي مِنْ قَوْمِكَ. فَقَالَ: إِنَّ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ لا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: " هَلْ أَنْتَ مُعِينِي إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ؟ فَقُلْ لَهُ إِنَّ مُحَمَّدًا، يَقُولُ لَكَ: أَجِرْنِي مِنْ قَوْمِكَ "، فَقَالَ: نَعَمْ أَفْعَلُ، أَنَا لَهُ جَارٌ، أَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: بِأَعْلَى الْوَادِي. قَالَ لَهُ: قُلْ لَهُ: فَلْيَأْتِ، فَأَتَاهُ، فَأَخْبَرَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَبَاتَ عِنْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَتَّى أَصْبَحَ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لَهُ الْمُطْعِمُ: قُمْ فَالْبَسْ ثِيَابَكَ. قَالَ: فَلَبِسَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ خَرَجَ وَمَعَهُ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، وَمَعَهُ بَنُونَ لَهُ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، أَمْثَالُ الرِّمَاحِ، مُتَقَلِّدِينَ السُّيُوفَ، فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، فَاسْتَلَمُوا الرُّكْنَ جَمِيعًا، ثُمَّ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : طُفْ، وَاحْتَبُوا بِحَمَائِلِ سُيُوفِهِمْ فِي الْمَطَافِ، فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ , فَقَالَ: يَا مُطْعِمُ، أَمُجِيرٌ أَنْتَ أَمْ تَابِعٌ؟ قَالَ: بَلْ مُجِيرٌ. قَالَ: إِذًا لا يُخْفَرُ جَارُكَ، فَجَلَسَ مَعَهُ حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ ﷺ طَوَافَهُ، فَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَبَنُوهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، لَمْ يَلْبَثُ إِلا يَسِيرًا، حَتَّى وَمِيَ فِي جِنَازَتِهِ الْمُطْعِمُ، فَقَالَ حَسَّانُ: وَاللَّهِ لأَرْثِيَنَّهُ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ : كَيْفَ تَرْثِي رَجُلا كَافِرًا؟ فَقَالَ: أَشْكُرُ لَهُ مَا صَنَعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: أَعَيْنِي أَلا ابْكِي سَيِّدَ النَّاسِ وَاسْفَحِي ... بِدَمْعٍ فَإِنَّ أَنْزَفْتِهِ فَاسْكُبِي الدَّمَا وَبَكِّي عَظِيمَ الْمَشْعَرَيْنِ كِلَيْهِمَا ... عَلَى النَّاسِ مَعْرُوفًا لَهُ مَا تَكَلَّمَا فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلِدُ الْيَوْمَ وَاحِدًا ... مِنَ النَّاسِ نَجَّى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمَا

стр. 78

أَجَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا ... عَبِيدُكَ مَا لَبَّى مُحِلٌّ وَأَحْرَمَا وَذَكَرَ سَائِرَهَا. وَيُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: «لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا ثُمَّ سَأَلَنِي فِي هَؤُلاءِ النَّتْنَى لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الأَنْصَارِ فِي الْمَوْسِمِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، فَأَجَابُوهُ، وَأَسْلَمُوا، وَكَانَ ذَلِكَ خَيْرًا ذَخَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ وَخَصَّهُمْ بِهِ " قَالَ الأُمَوِيُّ: فَحَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ مِمَّنْ لا يُتَّهَمُ: أَنَّهُ بَيْنَا رَهْطٌ مِنْهُمْ قَدِمُوا الْعَقَبَةَ ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَاعْتَرَضَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ سِتَّةُ رَهْطٍ: مُعَاذٌ وَعَوْفٌ ابْنَا عَفْرَاءَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ، كِلاهُمَا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ، فَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِمَّنْ هُمْ؟» فَقَالُوا: مِنَ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ: «أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟» , قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَكَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَخْبَرَهُمْ بِالَّذِي

стр. 79

بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، وَأَكْرَمَهُ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ أَنَّهُ لَلرَّجُلُ الَّذِي كَانَتْ يَهُودُ تُوعِدُكُمْ بِهِ وَيَذْكُرُونَ أَنَّهُ كَائِنٌ، فَلا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ، وَكَانُوا مِنْ أَعْلَمِ الْعَرَبِ بِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَذَلِكَ إِنَّهُمْ كَانُوا جِيرَانَ يَهُودَ فِي بِلادِهِمْ، فَكَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُمْ، وَكَانَتْ يَهُودُ تَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ كَانُوا أَصْحَابَ وَثَنٍ، وَكَانَتْ يَهُودُ أَصْحَابَ كِتَابٍ، وَكَانُوا قَدْ غَزَوْهُمْ، فَكَانَتْ يَهُودُ تَقُولُ: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، وَهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ، فَنَتْبَعُهُ، فَيَقْتُلُكُمْ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، كَثِيرًا مَا يَقُولُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، وَكَثِيرًا مَا يَسْمَعُونَهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا سَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعُوا، أَجَابُوهُ بِالإِيمِانِ بِهِ، وَبِالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَقَالُوا: إِنَّا قَدْ فَارَقْنَا قَوْمَنَا، وَلا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ مَا بَيْنَهُمْ، وَسَنَرْجِعُ بِالَّذِي سَمِعْنَا مِنْكَ إِلَيْهِمْ، لَعَّلَ اللَّهَ يَقْبَلُ بِقُلُوبِهِمْ، وَيُصْلِحُ بِكَ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، فَإِنْ يُجْمَعُوا لَكَ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ، فَلا رَجُلٌ أَعَزَّ مِنْكَ. ثُمَّ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِمْ، فَأَفْشُوا فِيهِمُ الإِسْلَامَ، وَذَكَرُوا لَهُمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى فَشَا ذَلِكَ فِي قُرَى الأَنْصَارِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: كَتَبَتِ الأَنْصَارُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رَجُلا يُفَقِّهُهُمْ فِي الدِّينِ، فَبَعَثَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، فَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَكَانَ يَأْتِي بِهِ دُورَ الأَنْصَارِ، فَيَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَيَتْلُو عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَيُفَقِّهُ مَنْ كَانَ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فِي الإِسْلامِ. قَالَ: فَخَرَجَ بِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ إِلَى حَائِطٍ مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرَ، فَجَلَسَ بِهِ فِيهِ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ سَمِعَ بِالإِسْلامِ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْ أَهْلِ الدَّارَيْنِ: مِنْ بَنِي ظَفَرَ، وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، قَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ لأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: ائْتِ هَذَا الرَّجُلَ فَإِنَّهُ لَوْلا أَنَّهُ مَعَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ وَهُوَ ابْنُ

стр. 80

خَالَتِي كُنْتُ أَنَا أَكْفِيكَهُ. قَالَ: فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ الْحَرْبَةَ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا. قَالَ: وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ حِينَ رَأَى أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ: هَذَا سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ قَوْمِي، لَهُ شَرَفٌ وَخَطَرٌ، فَابْلُ اللَّهَ فِيهِ خَيْرًا. فَقَالَ: إِنْ يَسْمَعْ مِنِّي أُكَلِّمْهُ. قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِمَا كَلَّمَهُمَا كَلامًا فِيهِ غِلْظَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَ تَجْلِسُ فَتَسْمَعُ؟ فَإِنْ سَمِعْتَ خَيْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ سَمِعْتَ شَيْئًا تَكْرَهُهُ أَوْ خَالَفَكَ أَعْفَيْنَاكَ مِمَّا تَكْرَهُهُ، فَقَالَ: مَا بِهَذَا بَأْسٌ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ، وَجَلَسَ، فَتَلا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَكَلَّمَهُمْ بِالإِسْلامِ. قَالَ: فَوَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِيهِ الإِسْلامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، بِإِشْرَاقِ وَجْهِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْقَوْلَ، فَدَخَلَ فِيهِ، فَأَمَرُوهُ، فَتَشَهَّدَ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوهُ؟ قَالا لَهُ: تَقُومُ فَتَغْتَسِلُ، ثُمَّ تُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، وَتَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ، وَتَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ. قَالَ: فَفَعَلَ، ثُمَّ خَرَجَ رَاجِعًا، فَلَمَّا رَآهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلا، قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ وَلَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ، وَقُلْتُ لَهُمَا نَحْوًا مِمَّا قُلْتَ لِي فَكَلَّمَانِي بِكَلامٍ رَقِيقٍ، وَزَعَمَا أَنَّهُمَا سَيَتْرُكَانِ ذَلِكَ، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ سَمِعُوا بِمَكَانِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَأَجْمَعُوا لِقَتْلِهِ، وَهُوَ ابْنُ خَالَتِكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِخْفَارِكَ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ بِهِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكْهُ، قَالَ: فَوَثَبَ، وَأَخَذَ الْحَرْبَةَ مِنْ يَدْ أُسَيْدٍ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى جَاءَهُمَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، فَقَالَ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: أَجِئْتَنَا بِهَذَا الرَّجُلِ الْغَرِيبِ تُسَفِّهُ بِهِ سُفَهَاءَنَا وَضُعَفَاءَنَا؟ وَاللَّهِ لَوْلا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ الرَّحِمِ مَا تَرَكْتُكَ وَهَذَا، وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لِمُصْعَبٍ حِينَ رَأَى سَعْدًا

стр. 81

طَالِعًا: هَذَا وَاللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءِهِ، إِنْ تَابَعَكَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ اثْنَانُ مِنْ قَوْمِهِ، فَابْلُ اللَّهَ فِيهِ بَلاءً حَسَنًا، قَالَ: إِنْ يَقْعُدْ نُسْمِعْهُ مَا أَسْمَعْنَا صَاحِبَهُ، قَالَ: فَلَمَّا فَرَغَ سَعْدٌ مِنْ مَقَالَتِهِ لأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ لَهُ مُصْعَبُ: أَوَ تَجْلِسُ؟ فَإِنْ سَمِعْتَ شَيْئًا تُحِبُّهُ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ خَالَفَكَ شَيْءٌ أَوْ كَرِهْتَهُ أَعْفَيْنَاكَ. قَالَ: أَنْصَفْتَ، مَا بِهَذَا بَأْسٌ، قَالَ: فَرَكَزَ حَرْبَتَهُ، ثُمَّ جَلَسَ، فَكَلَّمَهُ الإِسْلامَ، وَتَلا عَلَيْهِ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمَ حَتَّى عَرَفْنَا الإِسْلامَ فِي وَجْهِهِ، بِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، فَأَسْلَمَ، وَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَجْمَلَهُ، نَقْبَلُهُ وَنُعِينُكَ عَلَيْهِ، كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا دَخَلْتُمْ فِي هَذَا الأَمْرِ؟ قَالَ: تَغْتَسِلُ، وَتُطَهِّرُ ثَوْبَكَ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَتَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، قَالَ: فَفَعَلَ، ثُمَّ خَرَجَ، حَتَّى أَتَى دَارَ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ رَأْيِي فِيكُمْ وَمَكَانِي مِنْكُمْ؟ قَالُوا: نَعْلَمُكَ وَاللَّهِ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَيْمَنُنَا وَأَرْشَدُنَا أَمْرًا. قَالَ: فَإِنَّ كَلامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلِيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ، وَتَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ إِلا مُسْلِمًا " قَالَ الأُمَوِيُّ: حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُدُ بْنُ مَهْرَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَطَّارُ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتْبَعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوَاسِمِ بِمَجَنَّةَ وَعُكَاظَ، وَمَنَازِلِهِمْ بِمِنًى: مَنْ يُؤْوِينِي وَيَنْصُرُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ؟ فَلا يَجِدُ أَحَدًا يُؤْوِيهِ وَلا يَنْصُرُهُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ يَدْخُلُ مِنْ مِصْرَ وَالْيَمَنِ

стр. 82

, فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ أَوْ ذُوُو رَحِمَهُ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ فَتَى قُرَيْشٍ لا يَفْتِنْكَ، وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ، يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِهِمْ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ لَهُ مِنْ يَثْرِبَ، فَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِنَّا، فَيُؤْمِنُ بِهِ، وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ، فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلامِهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ يَثْرِبَ إِلا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الإِسْلامَ، ثُمَّ بَعَثَنَا اللَّهُ، فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا سَبْعِينَ رَجُلا، فَقُلْنَا: حَتَّى مَتَى نَذَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدَنَا شِعْبَ الْعَقَبَةَ، فَاجْتَمَعْنَا فِيهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ، حَتَّى تَوَافَيْنَا فِيهِ عِنْدَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ، لا تَأْخُذُكُمْ لَوْمَةُ لائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ، وَتَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الْجَنَّةُ» ، فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ رَجُلا، فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُعَادَاةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصْبِرُونَ عَلَى عَضِّ السُّيُوفِ إِذَا مَسَّتْكُمْ، وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ، وَمُفَارَقَةِ الْعَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً، فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالُوا: أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ يَا أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ، فَوَاللَّهِ لا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلا نَسْتَقْيِلُهَا، فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلا رَجُلا، فَيَأْخُذُ عَلَيْنَا شَرْطَهُ، وَيُعْطِينَا عَلَى ذَلِكَ

стр. 83

الْجَنَّةَ قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبٍ، وَغَيْرِهِ، إِنَّهُمْ وَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ بِمَكَّةَ بِمَنِ اتَّبَعَهُمْ، فَخَرَجُوا مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ سَبْعِينَ رَجُلا فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضِ الشِّرْكِ مِنْ قَوْمِهِمْ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى مِنًى، فَقَضَيْنَا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا كُنَّا وَسَطَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، أَبْعَدْنَا نَحْنُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ نَتَسَلَّلُ مِنْ رِحَالِنَا، وَنُخْفِي ذَلِكَ مِمَّنْ مَعَنَا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا، حَتَّى إِذَا اجْتَمَعْنَا عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ: فَتَلا عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، فَأَجَبْنَاهُ، بِأَنْ صَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَرَضِينَا مَا قَالَ، ثُمَّ إِنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَكَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَإِنَّا قَدْ مَنَعْنَاهُ مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي عَشِيرَتِهِ وَقَوْمِهِ مَمْنُوعٌ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: بَايِعْنَا، فَقَالَ: «أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَنِسَاءَكُمْ، وَأَبْنَاءَكُمْ» . قَالُوا: نَعَمْ وَاللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، وَمِمَّا نَمْنَعُ مِنْ أُزُرَنَا، فَنَحْنُ وَاللَّهِ أَهْلُ الْحَلْقَةِ وَالْحَرْبِ، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْحَدِيثُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَلَمْ يُسَمِّهِ لِي قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ

стр. 84

ذَكَرَهُ لِي مَنْ لا أَتَّهِمُ أَنَّهُ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيْهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ حِبَالا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ وَخَرَجْنَا مَعَكَ، ثُمَّ نَصَرَكَ اللَّهُ وَأَظْهَرَكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «الدَّمُ الدَّمُ، وَالْهَدْمُ الْهَدْمُ، وَأَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ، وَأُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ» . قَالَ مُحَمَّدٌ: وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ لَيْلَتَئِذٍ مَعَ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُوَاحَةَ , وَأَنَّ عَبَّاسَ بْنَ عُبَادَةَ بْنَ نَضْلَةَ، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَئِنْ أَحْبَبْتَ لَنَصْبَحَنَّ أَهْلَ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ» ، فَلَمَّا ضَرَبَ عَلَى أَيْدِيهِمْ صَرَخَ أَزَبُّ الْعَقَبَةِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ، بِأَصْلَبِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ هَلْ لَكُمْ فِي مُحَمَّدٍ وَالصُّبَاةِ مَعَهُ، قَدْ بَايَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبٍ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُ بَأْسٌ، قَدْ عَلِمَ مَكَانَكُمْ، فَانْفَضُّوا إِلَى رِحَالِكُمْ» ، قَالَ: ثُمَّ نَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا ابْنَ أَزْيَبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لأَفْرُغَنَّ لَكَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ» ،

стр. 85

قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى رِحَالِنَا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا أَجِلَّهُ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا عَنْكُمْ، وَلا نَدْرِي أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ؟ إِنَّكُمْ لا قَوْمَ أَبْغَضُ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ يَنْشُبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنْكُمْ. قَالَ: فَانْبَعَثَ مَنْ كَانَ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا عَلِمُوا وَلا فَعَلُوا، قَالَ: وَقَدْ صَدَقُوا، ثُمَّ أَتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وَبِهِ بَدَأُوا، وَكَانَ سَيِّدَ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنْ هَذَا بِشَيْءٍ، وَلَوْ كَانَ فِي قَوْمِي مِثْلَ هَذَا مَا غَيَّبُوهُ عَنِّي، قَالَ: ثُمَّ تَنَطَّسُوا الْخَبَرَ فَوَجَدُوا ذَلِكَ قَدْ كَانَ، بَعْدَ أَنْ خَرَجَ الْقَوْمُ، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِمْ، فَأَدْرَكُوا الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَذَاخِرَ، وَأَخَذُوا سَعْدًا، وَأُفْلِتَ الْمُنْذِرُ، حَتَّى خَلَّصَهُ الْحَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ لِجِوَارٍ مَتَّ بِهِ إِلَيْهِمَا. وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ: " يَلْحَقُوا بِإِخْوَانِهِمْ بِالْمَدِينَةِ، فَتَسَلَّلُوا إِلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ بْنِ هِلالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، خَرَجَ مُرْتَحِلا مَعَهُ ابْنُهُ سَلَمَةُ وَامْرَأَتُهُ أُمَّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةَ، فَلَمَّا جَازَ بِبَنِي الْمُغِيرَةِ قَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذَا غلبتنا عَلَى نَفْسِكَ، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَنَا، عَلامَ نُخَلِّي بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا تَسِيرُ بِهَا فِي

стр. 86

الْبِلَادِ؟ ثُمَّ انْتَزَعُوا خِطَامَ بَعِيرِهَا مِنْ يَدِهِ، وَغَضِبَتْ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ، فَقَامُوا إِلَى سَلَمَةَ وَهُوَ فِي حِجْرِهَا، فَأَخَذُوا بِيَدِهِ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لا نَتْرُكُ صَبِيَّنَا مَعَهَا إِذْ أَخَذْتُمُوهَا مِنْ زَوْجِهَا، فَتَجَاذَبُوا الْغُلَامَ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ، فَانْطَلَقَ أَبُو سَلَمَةَ، وَأَمْسَكَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ، وَأَخَذَ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ مِنِّي ابْنِي، فَمَا لَقِيَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحُزْنِ إِلا دُونَ مَا لَقِيتُ، فُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي، فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْبَطْحَاءِ , فَأَبْكِي حَتَّى اللَّيْلِ، فَمَا أَزَالُ كَذَلِكَ، حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْمُغِيرَةَ، فَقَالَ: أَلا تُخْرِجُونَ هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ؟ حَبَسْتُمُوهَا عَنْ زَوْجِهَا، وَحَبَسْتُمْ عَنْهَا ابْنَهَا؟ قَالَتْ: فَرُدُّوا عَلَيَّ ابْنِي، وَخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْخُرُوجِ إِلَى زَوْجِي، فَانْطَلَقَتْ إِلَيْهِ ". قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَدَبَّرَتْ أَمْرَهَا فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَافُوهُ وَرَأَوْا مَنِ اتَّبَعَهُ، وَعَرَفُوا أَنْ قَدْ عَاقَدَهُ الْقَوْمُ عَلَى حَرْبِهِمْ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يُزَايِلَهُمْ، فَاجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِلْمَشُورَةِ فِيهِ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ، فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ، مِنْ أَذَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُجْتَمَعَ رَأْيِهِمْ فِيهِ، مُتَظَاهِرِينَ عَلَيْهِ، يُغْرُونَ بِهِ سُفَهَاءَهُمْ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً بِمَكَّةَ، ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالْخُرُوجِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ، وَافْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْقِتَالَ عَلَى دِينِهِ»

стр. 87

ذِكْرُ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَلْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ خُزَيْمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْعَوَّامِ الرِّمَاحِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمَدَائِنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَسَنِ العُرَنِيِّ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ طَلِيقٍ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: اجْتَمَعْنَا فِي بَيْتِ أُمِّنَا عَائِشَةَ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ، فَتَشَدَّدَ فَنَعَى إِلَيْنَا نَفْسَهُ حِينَ دَنَا الْفِرَاقَ، فَقَالَ: " مَرْحَبًا بِكُمْ، حَيَّاكُمُ اللَّهُ، جَمَعَكُمُ اللَّهُ، نَصَرَكُمُ اللَّهُ، رَفَعَكُمُ اللَّهُ، نَفَعَكُمُ اللَّهُ، وَفَّقَكُمُ اللَّهُ، قَبِلَكُمُ اللَّهُ، هَدَاكُمُ اللَّهُ، سَلَّمَكُمُ اللَّهُ، أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَأُوصِي اللَّهَ بِكُمْ، لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ فِي عِبَادِهِ وَبِلادِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ لِي وَلَكُمْ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] ". وَقَالَ: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠] . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَتَى أَجَلُكَ؟ قَالَ: «دَنَا الأَجَلُ، وَالْمُنْتَهَى إِلَى اللَّهِ ، وَإِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَإِلَى جَنَّةِ الْمَأْوَى، وَالْعَرْشِ الأَعْلَى» . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنْ يُغَسِّلُكَ؟ , قَالَ: «رِجَالُ أَهْلِ بَيْتِي، الأَدْنَى فَالأَدْنَى» . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَ نُكَفِّنُكَ؟ , قَالَ: «فِي ثِيَابِي هَذِهِ إِنْ شِئْتُمْ،

стр. 88

أَوْ يَمَنِهِ، أَوْ بَيَاضٍ» . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَمَنْ يُصَلِّي عَلَيْكَ؟ , وَبَكَى وَبَكَيْنَا، فَقَالَ: «مَهْلا غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَجَزَاكُمْ عَنْ نَبِيِّكُمْ خَيْرًا، إِذَا غَسَّلْتُمُونِي وَكَفَّنْتُمُونِي فَضَعُونِي عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي، فَإِنَّ أَوَّلَ مِنْ يُصَلِّي عَلَيَّ خَلِيلِي وَجَلِيسِي جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكَائِيلُ، ثُمَّ إِسْرَافِيلُ، ثُمَّ مَلَكُ الْمَوْتِ، مَعَ مَلائِكَةٍ كَثِيرَةٍ، ثُمَّ ادْخُلُوا فَصَلُّوا عَلَيَّ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، وَلا تُؤْذُونِي بِتَزْكِيَةٍ، وَلا بِرِنَّةٍ، وَلا بِصَيْحَةٍ، وَلْيَبْدَأْ بِالصَّلاةِ عَلَيَّ رِجَالُ أَهْلِ بَيْتِي، ثُمَّ نِسَاؤُهُمْ، ثُمَّ أَنْتُمْ، وَأَقْرِئُوا أَنْفُسَكُمُ السَّلامَ كَثِيرًا، وَمَنْ غَابَ عَنِّي مِنْ أَصْحَابِي فَأَقْرِئُوهُ سَلامًا كَثِيرًا، أَلا وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ سَلَّمْتُ عَلَى كُلِّ مَنْ دَخَلَ فِي الإِسْلامِ، وَعَلَى مَنْ تَابَعَنِي فِي دِينِي مِنَ الْيَوْمَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ , فَمَنْ يُدْخِلُكَ فِي قَبْرِكَ؟ قَالَ: «رِجَالُ أَهْلِ بَيْتِي، مَعَ مَلائِكَةٍ كَثِيرَةٍ يَرَوْنَكُمْ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ» أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَسَاكِرَ الْمُقْرِئُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمذهبِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَطِيعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَنِيسُ بْنُ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ:

стр. 89

خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَهُوَ عَاصِبٌ رَأْسَهُ، قَالَ: فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى صَعَدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «إِنِّي السَّاعَةَ لَقَائِمٌ عَلَى الْحَوْضِ» . قَالَ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ عَبْدًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا فَاخْتَارَ الآخِرَةَ» ، قَالَ: فَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا أَحَدٌ مِنَ الْقَوْمِ إِلا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَقَالَ: بِأَبِي وَأُمِّي نَفْدِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَمْوَالِنَا وَأَنْفُسِنَا وَأَوْلادِنَا، قَالَ: ثُمَّ هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمِنْبَرِ، فَمَا رُئِيَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةِ قَالَ أَحْمَدُ: سَمِعْتُ يَعْلَى بْنَ حَكِيمٍ يُحَدِّثُ , عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلِيَّ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا، وَلَكِنْ خِلَّةُ الإِسْلامِ، سُدُّوا عَنِّي كُلَّ

стр. 90

خَوْخَةٍ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ» . وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: " قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْرِغُوا عَلِيَّ سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ سَبْعَةِ أَبْئُرٍ لَعَلِّي أَخْرُجُ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدُ إِلَيْهِمْ ". قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ، فَوَجَدَ رَاحَةً، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَخَطَبَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أُحُدٍ، وَأَوْصَى بِالأَنْصَارِ خَيْرًا، قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنَّكُمْ قَدْ أَصْبَحْتُمْ تَزِيدُونَ، وَأَصْبَحَتِ الأَنْصَارُ عَلَى هَيْئَتِهَا، لا تَزِيدُ عَلَى هَيْئَتِهَا الَّتِي عَلَيْهَا الْيَوْمَ، وَالأَنْصَارُ عَيْبَتِي الَّتِي أَوَيْتُ إِلَيْهَا، فَأَكْرِمُوا كَرِيمَهُمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ ".

стр. 91

قَالَ: " ثُمَّ إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَبَيْنَ الدُّنْيَا، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمْ يَفْقَهُهَا إِلا أَبُو بَكْرٍ ﵁، فَبَكَى، فَظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ فِي الْمَسْجِدِ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ، فَإِنِّي لا أَعْلَمُ امْرَءًا أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصَّحَابَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ حَتّى