وتابعه عبد العزيز بن المُختار، عن خالد.
وفي "سنن ابن ماجه" عن عبد الله بن مسعود، قال: "بينما نحن عند رسول الله ﷺ ، إذ أقبل فِتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي ﷺ اغرورقت عيناه، وتَغيّر لونه، فقلتُ: ما نزال نرى في وجهك شيئًا نكرهه؟ قال: إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنّ أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريدًا وتطريدًا، حتى يأتي قوم من أهل المشرق، ومعهم رايات سُود يسألون الحق فلا يُعطونه، فيُقاتِلون فيُنصَرون، فيُعطون ما سألوا فلا يَقبلونه، حتى يَدفعُونها إلى رجلٍ من أهل بيتي، فيملؤها قِسطًا، كما مُلئت جَورًا، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم ولو حَبْوًا على الثلج" (١).
وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وهو سيئ الحفظ، اختلط في آخر عُمُره، وكان يقبل [التلقين] (٢)، وهذا والذي قَبْله لو صح لم يكن فيه دليلٌ على أن المهدي الذي تولى من بني العباس هو المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، بل هو مهدي من جملة المهديين، وعمر بن عبد العزيز كان مهديًّا، بل هو أولى باسم المهدي منه.
وقد قال رسول الله ﷺ : "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي" (٣).
стр. 177
وقد ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه، وغيره، إلى أن عمر بن عبد العزيز منهم، ولا ريب أنه كان راشدًا مهديًّا، ولكن ليس بالمهدي الذي يخرج في آخر الزمان، فالمهدي في جانب الخير والرشد، كالدجال في جانب الشرّ والضلال، كما أن بين يدي الدجال الأكبر صاحب الخوارق، دجالون كذابون، فكذلك بين يدي [المهدي] (١) الأكبر مهديون راشدون.
القول الثالث: أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ ، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وقد امتلأت الأرض جَورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلًا، وأكثر الأحاديث على هذا تَدل (٢).
وفي كونه من ولد الحسن سِرٌّ لطيف، وهو أن الحسن رضي الله تعالى عنه ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق المتضمنة للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده: أنه من ترك لأجله شيئًا أعطاه الله، أو أعطى ذريته أفضل منه، وهذا بخلاف الحسين ﵁، فإنه حَرَص عليها، وقاتل عليها فلم يظفر بها، والله أعلم.
وقد روى أبو نعيم من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ : "يخرج رجل من أهل بيتي ويَعمل بسنّتي، ويُنزل الله له
стр. 178
البركة من السماء، وتُخرج له الأرض بركتها، ويَملأ الأرض عدلًا كما ملئت ظلمًا، ويَعمل على هذا الأمر سبع سنين، ويَنزل بيت المقدس" (١).
ورَوَى أيضًا من حديث أبي أُمامة، قال: "خَطبنا رسول الله ﷺ ، وذَكر الدجال، قال: فتَنفي المدينة الخَبث كما يَنفي الكير خَبث الحديد، ويُدعى ذلك اليوم يوم الخلاص، فقالت أمّ شَريك: فأين العرب يا رسول الله؟ قال: هم يومئذٍ قليلٌ، وجُلّهم ببيت المقدس، وإمامهم المهدي، رجلٌ صالحٌ" (٢).
ورَوى أيضًا من حديث عبد الله بن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "لم تَهلك أُمّة وأنا في أولها، وعيسى والمهدي في وسطها" (٣).
وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضّعف والغرابة، فهي مما يُقوّي بعضها بعضًا، وتُشدّ بعضها ببعض، فهذه أقوال أهل السنّة.
وأما الرّافضة الإمامية فلهم:
стр. 179
قول رابع: وهو أن المهدي هو محمد بن الحسن العَسكري (١) المُنتظر، من ولد الحسين بن علي، لا من ولد الحسن، الحاضر في الأمصار، الغائب عن الأبصار، الذي يورث العصا، ويختم الفضا (٢)، دخل سِرداب سامِرّاء طِفلًا صغيرًا من أكثر من خمس مئة سنة، فلم تَره بَعدَ ذلك عَين، ولم يُحَسّ فيه بخبر [ولا] (٣) أثر، وهم ينتظرونه كل يوم، ويقفون بالخيل على باب السّرداب، ويَصيحون به أن يَخرج إليهم: أُخرج يا مولانا، أخرج يا مولانا، ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم ودأبه، ولقد أحسن من قال:
مَا آنَ لِلسِّرْدَابِ أَنْ يَلِدَ الَّذِي … كَلّمتُمُوهُ بِجَهْلِكُمْ مَا آنَا
فَعَلَى عُقُولِكُمُ العَفَاء فَإِنَّكُم … ثَلَّثْتُمُ العَنْقَاءَ وَالغِيلانَا
ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضُحكة يَسخر منهم كل عاقل.
أما مهدي المغاربة: محمد بن تُومرت (٤)، فإنه رجلٌ كذابٌ ظالمٌ،
стр. 180
متغلبٌ بالباطل، مَلك بالظلم والتغلُّب والتحيُّل، فقَتل النُّفوس، وأباح حريم المسلمين، وسَبى ذراريهم، وأخذ أموالهم، وكان شرًّا على الملّة من الحجاج بن يوسف بكثير، وكان يُودع بَطن الأرض في القبور جماعة من أصحابه أحياءً، ويأمرهم أن يقولوا للناس: إنه المهدي، الذي بشر به النبي ﷺ ، ثم يَردم عليهم ليلًا؛ [لئلا] (١) يُكذّبوه بعد ذلك، وسمّى أصحابه- الجهميّة نُفاة صفات الرب، وكلامه، وعُلوه على خلقه، واستوائه على عرشه، ورُؤية المؤمنين له بالأبصار يوم القيامة-: الموحّدين، واستباح قَتل من خالفهم من أهل العلم والإيمان، وتَسمَّى بالمهدي المعصوم.
ثم خرج المهدي الملحد: عُبيد الله بن مَيمون القدّاح (٢)، وكان جَدُّه يهوديًّا من بنت مجوسي، فانتسب بالكذب والزور إلى أهل البيت، وادعى أنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ ، ومَلك وتغلّب، واستفحل له أمره، إلى أن استولت ذريته الملاحدة المنافقون الذين كانوا أعظم الناس عداوة لله ولرسوله، على بلاد المغرب، ومصر، والحجاز، والشام، واشتدت غُربة الإسلام ومحنته ومُصيبته، وكانوا يدّعون الإلهية، ويدّعون أن للشريعة باطنًا يخالف ظاهرها.
وهم ملوك القرامطة الباطنية أعداء الدين فتستّروا [بالرفض] (٣) والانتساب إلى أهل البيت، ودانوا بدين أهل الإلحاد، ولم يزل أمرهم ظاهرًا إلى أن أنقذ الله الأمة، ونصر الإسلام بصلاح الدين يوسف بن
стр. 181
أيوب، فاستنقذ الملة الإسلامية منهم، وأبادهم، وعادت مصر دار إسلام، بعد أن كانت دار نفاق وإلحاد في زمنهم.
والمقصود أن هؤلاء لهم مهدي، وأتباع ابن تُومرت لهم مهدي، والرافضة الاثنا عشرية لهم مهدي.
فكل هذه الفرق تدّعي في مهديّها الظّلُوم الغشُوم، والمستحيل المعدوم، أنه الإمام المعصوم، والمهدي المعلوم، الذي بشر به النبي ﷺ ، وأخبر بخروجه.
وهي تنتظره كما تنتظر اليهود القائم، الذي يخرج في آخر الزمان فتعلوا به كلمتهم، ويقوم به دينهم، وينتصرون به على جميع الأمم.
والنصارى تنتظر المسيح يأتي [قبل] (١) يوم القيامة، فيُقيم دين النصرانية، ويُبطل سائر الأديان.
وفي عقيدتهم: نُزع المسيح الذي هو إله حق، من إله حق، من جوهر أبيه، الذي نزل طامينا، إلى أن قالوا: وهو مُستعدّ للمجيء قبل يوم القيامة.
فالملل الثلاث تنتظره إمامًا قائمًا، يقوم في آخر الزمان.
ومُنتظَر اليهود، هو الذي يَتبعه من يَهود أَصبَهان سبعون ألفًا.
وفي "المسند" مرفوعًا، عن النبي ﷺ : "أكثر أتباع الدجال اليهود والنساء" (٢).
стр. 182
والنصارى تَنتظر المسيح عيسى ابن مريم، ولا رَيب في نُزوله، ولكن إذا نَزل كَسر الصّليب، وقَتل الخنزير، وأباد المِلَل كلها، سِوى مِلّة الإسلام.
وهذا معنى الحديث: "لا مَهدي إلا عيسى ابن مريم" (١).
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم، مُدّة ذكر الذاكرين، وسهو الغافلين، والحمد لله رب العالمين (٢).