← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 9388

المنار المنيف في الصحيح والضعيف - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (182 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وبالجملة: فكل أحاديث الديك كذب، إلا حديثًا واحدًا: "إذا سمعتم صِياح [الدّيَكة﴾ (١)، فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت مَلكًا" (٢).

стр. 72

فصل ومنها: مُناقضة الحديث لما جاءت به السَّنة مُناقضة بَيّنة، فكل حديثٍ يَشتمل على فَسادٍ، أو ظُلمٍ، أو عَيبٍ، أو مَدح باطلٍ، أو ذَم حقٍّ، أو نحو ذلك، فرسول الله ﷺ منه بَريء. ومن هذا الباب: أحاديث مَدح من اسمه محمّد وأحمد، وأنّ كل من يُسمّى بهذا الاسم، لم يَدخل النار (١). وهذا مُناقض ما هو مَعلومٌ من دِينه: أنّ النّار لا يُجار منها بالأسماء والألقاب، وإنّما النَّجاة منها بالإيمان والأعمال. ومن هذا الباب: أحاديث كثيرة عُلّقت النجاة من النّار [بها] (٢) وأنها لا تَمس من فعل ذلك، وغايتها أن تكون من صغار الحسنات. والمعلوم من دِينه ﷺ خِلاف ذلك، وأنّه إنما ضَمن [النجاة] (٣) لمن حَقّق التوحيد.

стр. 73

فصل ومنها: أن يُدّعى على النبي ﷺ أنه فعل أمرًا ظاهرًا، بمحضر من الصحابة كلهم، وأنهم اتفقوا على كِتمانه ولم يَفعلوه [كما] (١) يَزعم أكذب الطوائف: "أنّه ﷺ أخذ بيد علي بن أبي طالب ﵁ بمحضر من الصحابة كلهم، وهم رَاجعون من حجة الوداع، فأقامه بينهم حتى عرفه الجميع، ثم قال: هذا وَصيي وأخي، والخليفة من بَعدي، فاسمعوا له وأطيعوا" (٢). ثم اتفق الكُلّ على كِتمان ذلك وتَغييره، فلعنة الله على الكاذبين. وكذلك رِوايتهم: "أن الشّمس رُدّت له بَعد العصر، والناس يُشاهدونها" (٣).

стр. 74

ولا يَشتهر هذا أعظم اشتهار، ولا يَعرفه إلا [أسماء بنت عُميس] (١).

стр. 75

فصل ومنها: أن ي كون الحديث باطلًا في نَفْسه، فيدل بطلانه على أنه ليس من كلام الرسول ﷺ . كحديث: "المجرّة التي في السماء من عَرَق الأَفعى التي تحت العَرش" (١). وحديث: "إذا غَضب الله تعالى أنزل الوَحيَ بالفارسية، وإذا رَضي أنزله بالعَربيّة" (٢). وكحديث: "سِتُّ خِصال تُورث النّسيان: سُؤر الفأر، وإلقاء القَمل في النار، والبَول في الماء الراكد، ومَضغ العِلك، وأكل التفاح الحامض … " (٣).

стр. 76

وحديث: "الحِجامة على القفا تُورث النِّسيان" (١). وحديث: "يا حُميراء (٢) لا تَغتسلي بالماء المُشمّس، فإنه يُورث البرص" (٣). وكل حديث فيه "يا حُميراء" أو ذكر "الحميراء". فهو كذب مختلق (٤)، مثل: "يا حُميراء، لا تأكلي الطّين، فإنه يُورث كذا

стр. 77

وكذا" (١). وحديث: "خُذوا شَطر دِينكم عن الحُميراء" (٢). وحديث: "من لم يكن له مال يتصدّق به، فليلعن اليهود

стр. 78

النصارى" (١). فإن اللعنة لا تقوم مقام الصدقة أبدًا. وكحديث: "آليت على نفسي أن لا أُدخل النار من كان اسمه أحمد ومحمد" (٢). وكحديث: "من وُلد له مَولود فسمّاه محمدًا -تبركًا به- كان هو والولد في الجنة" (٣). وكحديث: "ما مِن مُسلم دَنا من زَوجته، وهو يَنوي إن حَبلَت منه يُسميه محمدًا، إلا رزقه الله ولدًا ذكرًا" (٤). وفي ذلك جُزء كله كَذب (٥).

стр. 79

فصل ومنها: أن يكون كلامه (١) لا يُشبه كلام الأنبياء، فضلًا عن كَلام رسول الله ﷺ الذي هو وَحي يُوحى، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٣، ٤]، أي: نُطقه إلا وحي يوحى، فيكون الحديث ممّا لا يُشبه الوحي، بل لا يُشبه كلام الصحابة. كحديث: "ثلاثة تَزيد في البصر: النَّظر إلى الخُضرة، والماء الجاري، والوجه الحسن" (٢). وهذا الكلام ممَّا يُجلّ عنه أبو هريرة وابن عباس، بل سعيد بن المسيّب والحسن، بل أحمد ومالك. وحديث: "النّظر إلى الوجه الحسن يَجلو البصر" (٣). وهذا ونحوه من وَضْع بعض الزنادقة. وحديث: "عليكم بالوُجوه المِلاح، والحدَق السُّود، فإنّ الله

стр. 80

يَستحي (١) أن يُعذِّب مَليحًا بالنار" (٢). فلعنة الله على واضعه الخبيث. وحديث: "النّظر إلى الوجه الجميل عِبادة" (٣). وحديث: "الزُّرقة يُمن" (٤). وحديث: "إنَّ الله طَهَّر قومًا من الذُّنوب [بالصلعة] (٥) في رُؤوسهم، وإن عليًّا لأولهم" (٦). وحديث: "نَبات الشّعر في الأنف أمَان من الجُذام" (٧).

стр. 81

وقد سُئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال: يا مُؤمن ذا شيء (١). وحديث: "مَن آتاه الله وَجهًا حَسنًا، واسمًا حَسنًا، وجعله في مَوضع غير شَائن، فهو من صفوة الله في خَلقه" (٢). وكل حَديث فيه ذِكر حِسان الوُجوه، أو الثناء عليهم، أو الأمر بالنظر إليهم، أو التماس الحوائج منهم، أو أنّ النار لا تَمسُّهم: فكذبٌ مختلقٌ، وإفكٌ مُفترى (٣). وفي الباب أحاديث كثيرةٌ، وأقرب شيءٍ في الباب حديث: "إذا بَعثتم إليّ بَريدًا فابعثوه حَسن الوجه حَسن الاسم" (٤).

стр. 82

وفيه عُمر بن راشد، قال ابن حِبّان: يَضع الحديث (١). وذكر أبو الفَرج هذا الحديث في "الموضوعات" (٢). ومنها: أن يكون في الحديث تاريخ كذا وكذا، مثل قوله: إذا كان سَنَة كذا وكذا، وَقع كَيت وكَيت. كقول الكذّاب الأشر: "إذا انكسف القَمر في المُحرّم، كان البلاء والقتال، وشُغل السلطان، وإذا انكسف في صَفر كان كذا وكذا … " (٣). واستمر الكذاب في الشهور كلها. وأحاديث هذا الباب كلها كذبٌ.

стр. 83

فصل ومنها: أن يكون الحديث بوَصف الأطباء والطُّرُقية أشبه وأليق، كحديث: "الهريسة تَشدّ الظهر" (١). وكحديث: "كل السمك يُوهن الجسد" (٢). وحديث: "الذي شكا إلى النبي ﷺ قِلّة الولد؟ فأمره أن يأكل البيض والبصل" (٣). وحديث: "أتاني جبريل بهريسة من الجنة فأكلتها، فأعطيت قُوَّة أربعين في الجماع" (٤).

стр. 84

وحديث: "المؤمن حُلو يُحب الحلاوة" (١). ورواه الكذّاب الأشر، بلفظ آخر: "المؤمن حَلوي، والكافر خَمري" (٢). وحديث: "كُلوا التّمر على الرّيق، فإنّه يَقتل الدُّود" (٣). وحديث: "أطعموا نساءكم في نِفاسهن التّمر" (٤). وحديث: "من لَقّم أخاه لُقمة حُلوة، صَرَف الله عنه مَرارة الموقف" (٥).

стр. 85

وحديث: "من أخذ لُقمة من مَجرى الغائط والبول، فغَسلَها ثم أكلها، غُفر له" (١). وحديث: "النّفخ في الطعام يُذهب البركة" (٢). وحديث: "إذا طَنّت أُذن أحدكم فليُصلّ عليّ، وليقل: ذَكر الله من ذَكرني بخير" (٣). وكل حديثٍ في طَنين الأذن فهو كذبٌ".

стр. 86

فصل ومنها: أحاديث "العقل" كلها كَذِب، كقوله: "لما خَلَق الله العقل، قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: ما خلقت خلقًا أكرم عليّ منك، بك آخذ، وبك أُعطي" (١). وحديث: "لكلّ شيء مَعدن، ومَعدن [التقوى] (٢) قُلوب العارفين" (٣). وحديث: "إن الرّجل ليكون من أهل الصلاة والجهاد، وما يُجزى إلا على قَدر عَقله" (٤).

стр. 87

قال الخطيب: حدثنا الصوري، قال: سمعت الحافظ عبد الغني (١)، يقول: [قال] (٢) الدارقطني: "إنّ كِتاب العَقل، وَضعه أربعة: أولهم مَيسرة بن عبد ربه، ثم سَرقه منه داود بن المُحبّر، [فرَكّبه بأسانيد غير أسانيد مَيسرة، وسَرقه عبد العزيز بن أبي رَجاء، فرَكّبه بأسانيد أُخر، ثم سَرقه سُليمان بن عيسى السّجزي، فأتى بأسانيد أُخر (٣)] " (٤). قلتُ: يُريد كتاب "العقل" [لداود] (٥) المُحترق الكذّاب، وهو سِفر (٦). وقال أبو الفَتح الأَزدي: لا يَصحّ في العقل حديثٌ، قاله

стр. 88

أبو جعفر العُقيلي (١)، وأبو حاتم [ابن] (٢) حِبّان (٣)، والله أعلم.

стр. 89

فصل ومنها: الأحاديث التي ذُكر فيها الخَضر وحياته، كلها كذب ولا يَصح في حياته حديثٌ واحدٌ. كحديث: "أن رسول الله ﷺ كان في المسجد فسمع كلامًا من ورائه فذهبوا ينظرون فإذا هو الخَضر" (١). وحديث: "يَلتقي الخَضر وإلياس كل عام" (٢). وحديث: "يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخَضر … " (٣) الحديث مفترى طويل. سُئل إبراهيم الحرْبي عن تَعمير الخَضر، وأنه باق؟ فقال: من أحال على غائب لم يُنتصف منه، وما ألقى هذا بين الناس إلا شيطان (٤). وسئل البخاري عن الخَضر، وإلياس هل هما أحياء؟ فقال: كيف يكون هذا، وقد قال النبي ﷺ : "لا يَبقى على رأس مِئة سنة ممن هو اليوم

стр. 90

على ظهر الأرض أحدٌ" (١). وسُئل عن ذلك غيره من الأئمة؛ فقرأ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]. وسُئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: لو كان الخَضر حيًّا لوجب عليه أن يأتي النبي ﷺ ، ويجاهد بين يديه ويتعلّم منه، وقد قال النبي ﷺ يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض" (٢). وكانوا ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلًا معروفين بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم، فأين كان الخَضر حينئذ؟ (٣) قال أبو الفرج بن الجوزي (٤): والدليل على أن الخَضر ليس بباقٍ في الدنيا أربعة أشياء: القرآن، والسنة، وإجماع المحققين من العلماء، والمعقول. أما القرآن فقوله تعالى: (﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فلو دام البقاء كان خالدًا. وأما السنّة فذكر حديث: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة لا يَبقى على ظهر الأرض ممّن هو اليوم أحدٌ" متفق

стр. 91

عليه (١). وفي "صحِيح مسلم" عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ قبل موته بقليل: "ما مِن نفس منفوسة يأتي عليها مئة سنة وهي يومئذ حَيّة" (٢). ثم ذَكر (٣) عن البخاري، وعلي بن موسى الرِّضا، أن الخَضر مات، وأنّ البخاري سُئل عن حياته، فقال: كيف يكون ذلك، وقد قال النبي ﷺ : "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مئة سنة لا يَبقى ممّن على ظهر الأرض أحدٌ" (٤). قال: وممّن قال إن الخَضر مات: إبراهيم بن إسحاق الحربي، وأبو الحسين بن المُنادي، وهما إمامان. وكان ابن المُنادي يُقبّح قول من يقول: إنّه حَيٌّ. وحَكى القاضي أبو يَعلى مَوته عن بعض أصحاب أحمد، وذَكر عن بَعض أهل العلم أنه احتجّ بأنّه لو كان حيًّا لوجَب عليه أن يأتي إلى النبي ﷺ . قال أحمد: ثنا سُريج بن النُّعمان، ثنا هُشيم، أنا مُجالد، عن الشَّعبي، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نَفسي بِيده لو أنّ موسى كان حيًّا ما وَسِعه إلا أن

стр. 92

يَتّبعني" (١). فكيف يكون حيًّا ولا يُصلي مع رسول الله ﷺ الجُمعة والجَماعة ويُجاهد معه، ألا ترى أنّ عيسى ﵇ إذا نزل إلى الأرض يُصلي خَلف إمام هذه الأمة ولا يَتقدم؛ لئلا يكون ذلك خَدشًا في نُبوة نبينا ﷺ . قال أبو الفرج: وما أَبعد فَهم من يُثبت وجود الخَضر ويَنسى ما في طَي إثباته من الإعراض عن هذه الشريعة. أما الدليل من المعقول فمن تسعة أوجه: أحدها: أن الذي أثبت حياته يقول: إنه وَلد آدم لصُلبه، وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن يكون عُمره الآن ستة آلاف سنة فيما ذُكر في [كتب بعض] (٢) المؤرخين، ومثل هذا بعيد في العادات أن يقع في حق بشر. والثاني: أنه لو كان وَلده لصُلبه، أو الرابع من وَلد وَلده كما زعموا، كان وَزير ذِي القَرنين، فإن تلك الخِلقة ليست على خِلقتنا، بل مُفرط في الطول والعرض. وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "خَلق الله آدم طوله ستون ذراعًا، فلم يزل الخلق يَنقص بَعد" (٣).

стр. 93

وما ذَكر أحد ممّن رأى الخَضر أنه رآه على خِلقة عظيمة، وهو من أقدم الناس. الوجه الثاني: أنه لو كان الخَضر قبل نُوح لركب معه في السفينة، ولم يَنقل هذا أحد. الوجه الثالث: أنه قد اتّفق العلماء أن نوحًا لما نَزل [من] (١) السفينة [مات] (٢) من كان معه، ثم مات نسلُهم، ولم يَبق غير نَسل نوح، والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]، وهذا يُبطل قول من قال إنه كان قبل نوح. الوجه الرابع: أن هذا لو كان صحيحًا أن بَشرًا من بني آدم يَعيش من حين يُولد إلى آخر الدهر، ومولده قبل نوح، لكان هذا من أعظم الآيات والعجائب، وكان خبره في القرآن مَذكورًا في غير موضع؛ لأنه من أعظم آيات الربوبية، وقد ذكر الله من استحياه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وجعله آية، فكيف بمن أحياه إلى آخر الدهر، ولهذا قال بعض أهل العلم: ما أَلقى هذا بين الناس إلا شيطان (٣). الوجه الخامس: أن القول بحياة الخَضر قول على الله بلا علم، وذلك حرام بنص القرآن. أما المقدمة الثانية فظاهرة. وأما الأولى: فإن حَياته لو كانت ثابتة لَدلّ عليها القرآن، أو السنة،

стр. 94

أو إجماع الأمة. فهذا كتاب الله تعالى فأين فيه حياة الخَضر، وهذه سُنة رسول الله ﷺ فأين فيها ما يَدل على ذلك بِوجه، وهؤلاء عُلماء الأمة هل أجمعوا على حياته؟ الوجه السادس: أنّ غَاية ما يَتمسك به من ذَهَب إلى حياته حِكايات مَنقولة، يُخبر الرجل بها أنّه رأى الخَضر، فيالله العَجب، هل لِلخَضر عَلامة يَعرفه بها من رَآه؟ وكثير من هؤلاء يَغترّ بقوله: أنا الخَضر، ومعلوم أنه لا يجوز تصديق قائل ذلك بلا بُرهان من الله، فأين للرائي أن المُخبر له صادق لا يكذب. الوجه السابع: أن الخَضر فارق موسى بن عمران كَليم الرحمن، ولم يُصاحبه، وقال: ﴿هَذَا فِرَاقٌ بَيْنِى وَبيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] فكيف يَرضى لِنفسه بمُفارقته لمثل موسى، ثم يَجتمع بجهلة العُبّاد الخارجين عن الشريعة، الذين لا يحضرون جُمعة ولا جماعة ولا مجلس علم، ولا يعرفون من الشريعة شيئًا، وكل منهم يقول: قال لي الخَضر، وجاءني الخَضر، وأوصاني الخَضر. فيا عَجبًا له يُفارق كَليم الله تعالى، ويدور على صُحْبة الجهال، ومن لا يعرف كيف يتوضأ، ولا كيف يصلي؟!. الوجه الثامن: أن الأمة مُجمعة على أن الذي يقول: أنا الخَضر، لو قال: سَمعت رسول الله ﷺ يقول كذا وكذا، لم يُلتفت إلى قوله، ولم يُحتجّ به في الدين، إلا أن يُقال: إنه لم يأتِ إلى رسول الله ﷺ ولا بايعه، أو يَقول هذا الجاهل: إنه لم يُرسل إليه، وفي هذا من الكفر ما فيه.

стр. 95

"الوجه التاسع": أنه لو كان حيًّا لكان جِهاده الكفار، ورِباطه في سبيل الله، ومُقامه في الصفّ ساعة، وحُضور الجمعة والجماعة، وتعليم العلم: أفضل له بكثير، من سِياحته بين الوحُوش في القِفار، والفَلوات، وهل هذا إلا من أعظم الطّعن عليه، والعَيب له.

стр. 96

فصل ومنها: أن يكون الحديث ممّا تَقوم الشواهد الصحيحة على بُطلانه. كحديث عُوج بن عُنق (١) الطويل (٢)، الذي قَصَد واضعه الطعن في أخبار الأنبياء، فإنهم يجترئون على هذه الأخبار. فإن في هذا الحديث: أنّ طوله كان ثلاثة آلاف ذراع، وثلاث مئة وثلاثة وثلاثين وثلثًا، وأن نوحًا لما خَوّفه الغَرَق قال له: احملني في قصعتك هذه، وأن الطوفان لم يصل إلى كعبه، وأنه خاض البحر فوصل إلى حُجزته، وأنه كان يأخذ الحوت من قرار البحر فيشويه في عين الشمس، وأنه قلع صخرة عظيمة على قدر عسكر موسى، وأراد أن يرضّهم بها، فطوّقها الله في عُنقه مثل الطوق. وليس العَجب من جُرأة مثل هذا الكذاب على الله، إنّما العَجب ممّن يُدخل هذا الحديث في كُتب العلم، من التفسير وغيره، ولا يُبيّن أمره. وهذا عندهم ليس من ذرية نوح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧]. فأخبر أن كُل من بَقي على وَجه الأرض من ذُرية نوح، فلو كان لعُوج وجود، لم يبق بعد نوح. وأيضًا فإن النبي ﷺ قال: "خلق الله آدم، وطوله في السماء ستون

стр. 97

ذراعًا، فلم يزل الخلق ينقص حتى الآن" (١). وأيضًا: "فإن بين السماء والأرض خمس مئة عام، وسُمكها كذلك" (٢). وإذا كانت الشمس في السماء الرابعة، فبيننا وبينها هذه المسافة العظيمة، فكيف يصل إليها [من طوله] (٣) ثلاثة آلاف ذراع حتى يَشوي في عينها الحوت، ولا ريب أن هذا وأمثاله من وَضع زَنادقة أهل الكتاب، الذي قَصدوا السخرية والاستهزاء بالرسل، وأتباعهم. ومن هذا حديث: "إن قاف جَبل من زَبرجدة خضراء مُحيط بالدنيا كإحاطة الحائط بالبستان، والسماء رافعة (٤) أكنافها عليه، فزُرقتها منه" (٥). وهذا وأمثاله مما يَزيد زنادقة الفلاسفة، وأمثالهم كفرًا.

стр. 98

ومن هذا حديث: "إن الأرض على صَخرة، والصخرة على قَرن ثَور، فإذا حَرّك الثّور قَرنه تحرّكت الصخرة فتحركت الأرض، وهي الزلزلة" (١). والعجب من مُسوّد كُتبه بهذه الهذيانات. ومن هذا حديث: "كانت جِنّية تأتي النبي ﷺ فأبطأت عليه، قال: ما بطأ بك؟ قالت: مات لها ميّت بالهند، فذهبتُ في تعزيته، فرأيتُ في طريقي إبليس يُصلي على صَخرة، فقلتُ له: ما حملك أن أضللت آدم؟ فقال: دَعي هذا عنك، قلتُ: تُصلي وأنت أنت؟ قال: يا فارغة إني لأرجو من ربي إذا بَرّ قسمه أن يغفر لي، فما رأيتُ رسول الله ﷺ ضَحك [كذلك] (٢) اليوم" (٣). قال ابن عدي في "الكامل ": ثنا عبد المؤمن بن أحمد، [ثنا مِنقر بن الحكم] (٤)، ثنا ابن لَهيعة، عن أبيه، عن أبي الزُّبير، عن جابر، فذكره (٥).

стр. 99

والله تعالى أعلم بما دُسّ في كُتب ابن لَهيعة، وإلا فهو أعلم بالحديث من أن يروج عليه مثل هذا. ومن هذا: حديث هامة بن الهيم بن لاقيس بن إبليس، الحديث الطويل (١)، ونحوه. وحديث زَرنب (٢) بن برثملا (٣). قال ابن الجوزي: حديث زرنب باطل (٤).

стр. 100

فصل ومنها: مخالفة الحديث صريح القرآن، كحديث: "مقدار الدنيا، وأنها سبعة آلاف سنة، ونحن في الألف السابعة" (١). وهذا من أبين الكذب؛ لأنه لو كان صحيحًا لكان كل أحد عالمًا أنه قد بقي للقيامة من وقتنا هذا مئتان وإحدى وخمسون سنة، والله تعالى يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤]. وقال النبي ﷺ : "لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" (٢). وقد جاهر بالكذب بعض من يدعي في زماننا العلم، وهو يَتشبّع بما لم يُعط أن رسول الله ﷺ كان يعلم متى تقوم الساعة، قيل له: فقد قال في حديث جبريل: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (٣) فحرّفه عن مواضعه، وقال: معناه أنا وأنت نعلمها. وهذا من أعظم الجهل وأقبح التحريف، والنبي ﷺ أعلم بالله من أن يقول لمن كان يَظنه أعرابيًّا: أنا وأنت نعلم الساعة، إلا أن يقول هذا

стр. 101

الجاهل: إنه كان يَعرف أنه جبريل، فرسول الله ﷺ هو الصادق في قوله: "والذي نفسي بيده ما جاءني في صورة إلا عرفته غير هذه الصورة" (١). وفي اللفظ الآخر: "ما شُبّه عليّ غير هذه المرّة" (٢). وفي اللفظ الآخر: "رُدوا عليّ الأعرابي، فذهبوا فالتمسوا فلم يجدوا شيئًا" (٣). وإنما علم النبي ﷺ أنه جبريل بعد مُدّة، كما قال عُمر: فلبثتُ مَليًّا، فقال النبي ﷺ : "يا عُمر أتدري من السائل؟ " (٤). والمحرّف يقول: عَلمَ وقت السؤال أنه جبريل، ولم يُخبر الصحابة بذلك إلا بعد مُدّة. ثم نَقول في الحديث: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" (٥) يَعمّ كل سائلٍ ومسؤولٍ، فكل سائلٍ ومسؤولٍ عن الساعة هذا شأنهما. ولكنّ هؤلاء الغلاة عندهم أن عِلم (٦) رسول الله ﷺ مُنطبق على عِلم الله سَواء بسواء، فكل ما يعلمه الله يعلمه رسول الله ﷺ . والله تعالى يقول: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ

стр. 102

الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وهذا في براءة، وهو في أواخر براءة، وهو من أواخر ما نزل من القرآن، هذا والمنافقون جيرانه في المدينة. ومن هذا حديث: "عِقد عائشة ﵂ لما أَرسل في طلبه فأثاروا الجمل [فوجدوه] (١) " (٢). ومن هذا حديث: "تلقيح [النخل] (٣)، وقال: ما أرى لو تركتموه يضره شيء، فتركوه فجاء شِيصًا، فقال: أنتم أعلم بدنياكم" (٤). وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وقال: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. ولمّا جَرى لأم المؤمنين عائشة ما جَرى، ورَماها أهل الإفك، لم يَكن يَعلم حقيقة الأمر، حتى جاءه الوحي من الله ببرائتها. وعند هؤلاء الغلاة أنه كان يعلم الحال [إلا] (٥) أنه بلا ريبة استشار الناس في فِراقها ودعا [الجارية] (٦) فسألها، وهو يعلم الحال،

стр. 103

وقال لها: "إن كنتِ أَلمَمتِ بذنب فاستغفري الله" (١). وهو يعلم علمًا يقينًا أنها لم تُلم بذنب، ولا رَيب أن الحامل لهؤلاء على هذا الغلو: اعتقادهم أنه يُكفر عنهم سيئاتهم، ويُدخلهم الجنة، [وأنهم] (٢) كلما غلوا (٣) كانوا أقرب إليه وأخص به، فهم أعصى الناس لأمره، وأكثرهم مخالفة لسنته، وأعظمهم غلوًّا فيه. وهؤلاء فيهم شَبه ظاهر من النصارى، غَلَوا في المسيح أعظم الغلو، وخالفوا شرعه ودينه أعظم المخالفة. والمقصود أن هؤلاء يُصدّقون بالأحاديث المكذوبة، ويُحرّفون الأحاديث الصحيحة.

стр. 104

فصل ويُشبه هذا ما وَقع فيه الغلط من حديث أبي هريرة: "خلق الله التربة يوم السبت … " الحديث، وهو [في] (١) "صحيح مسلم" (٢). ولكن وَقع فيه الغلط في رَفعِه، وإنما هو من قول كَعب الأحبار، كذلك قال إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في "تاريخه الكبير" (٣) وقال غيره من علماء المسلمين أيضًا (٤). وهو كما قالوا؛ لأن الله أخبر أنه ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الفرقان: ٥٩]. وهذا الحديث يقتضي أن مُدّة التّخليق سبعة أيام، والله تعالى أعلم (٥)

стр. 105

فصل ومن ذلك الحديث الذي يُروى في الصّخرَة: "أنها عَرش الله الأدنى" (١). تعالى الله عن كذب المفترين. ولما سَمع عُروة بن الزُّبير هذا، قال: "سبحان الله، يقول الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وتكون الصخرة عَرشه الأدنى" (٢). وكل حديث في "الصخرة" فهو كذب مفترى. [والقدم] (٣) الذي فيها كذبٌ موضوعٌ، مما عملته [أيدي] (٤) المزورين (٥). وأرفع شيءٍ في الصخرة أنها كانت قبلة اليهود، وهي في المكان كيوم السبت في الزمان، أبدل الله بها الأمة الكعبةَ البيت الحرام. ولما أراد أمير المؤمنين عُمر بن الخطاب ﵁ أن يبني المسجد الأقصى استشار الناس: هل يجعله أمام الصخرة أو خلفها؟ فقال كَعب: يا أمير المؤمنين، ابنه خَلف الصخرة. فقال: يا [ابن] (٦)

стр. 106

اليهودية، خالطتك اليهودية، بل أَبنيه أمام الصخرة حتى لا يَستقبلها المصلون، فبناه حيث هو اليوم (١). وقد أكثر الكذابون من الوضع في فضائلها، وفضائل بيت المقدس، والذي صح في فضله قوله ﷺ : "لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا". وهو في الصحيحين (٢). وقوله من حديث أبي ذر، وقد سأل: أي مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ فقال: "المسجد الحرام" قال: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى … " الحديث، وهو متفقٌ عليه (٣). وحديث عبد الله بن عَمرو: "لما بنى سُليمان البيت، سألَ ربّه ثلاثًا: سأله حكمًا يُصادف حكمه، فأعطاه إياه، وساله مُلكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أن لا يَؤمّ أحدٌ هذا البيت لا يُريد إلا الصلاة فيه إلا رَجع من خَطيئته كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أنه قد يكون أعطاه الله ذلك" وهو في "مسند أحمد"، و"صحيح الحاكم" (٤).

стр. 107

وفي الباب حديثٌ رابع دون هذه الأحاديث، رواه ابن ماجه في سننه". وهو حديثٌ مُضطربٌ: "أن الصّلاة فيه بخمسين ألف صلاة" (١). وهذا مُحالٌ؛ لأنّ مَسجد رسول الله ﷺ أفضل منه، والصلاة فيه: "تفضل على غيره بألف صلاة" (٢). وقد رُوي في بيت المقدس (٣) "التفضيل بخمس مئة" (٤) وهو أشبه.

стр. 108

وصَحّ أنه ﷺ : "أُسري به إليه، وأنه صَلّى فيه، وأمّ المرسلين في تلك الصلاة، ورَبط البراق بحلَقة الباب، وعُرج به منه" (١). وصَحّ عنه أن المؤمنين يتحصّنون به من يأجوج ومأجوج (٢). فهذا مجموع ما يصح فيه من الأحاديث. ثم افتتح الجراب، واكتل الأحاديث المكذوبة فيه، وفي الخليل. فقبح الله [الكاذبين] (٣) على رسول الله ﷺ ، والمحرّفين للصحيح من كلامه، فيالله مَن لِلأُمّة من هاتين الطائفتين.

стр. 109

فصل ومنها: أحاديث صلوات الأيام والليالي، كصلاة يوم الأحد، وليلة الأحد، ويوم الاثنين، وليلة الاثنين، إلى آخر الأسبوع (١). كل أحاديثها كذب، وقد تقدم بعض ذلك (٢). وكذلك: أحاديث صلاة الرغَائب ليلة أول جمعة من رَجَب (٣)، كلها كذب مُختلق على رسول الله ﷺ . وأصله: ما رواه عبد الرحمن بن مَندة -وهو صدوق- عن [ابن] (٤) جَهضم، وهو واضع الحديث: ثنا علي بن محمد بن سعيد البصري، ثنا أبي، ثنا خَلف بن عبد الله الصنعاني، عن حميد، عن أنس، يرفعه: "رَجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي … " الحديث، وفيه: "لا تغفلوا عن أول جمعةٍ من رَجب؛ فإنها تسميها الملائكة الرغائب "، وذكر الحديث المذكور بطوله (٥).

стр. 110

قال ابن الجوزي: اتّهموا به ابن جَهضم، ونَسبوه إلى الكذب، وسمعتُ عبد الوهاب الحافظ يقول: رِجاله مجهولون، فنبشتُ عليهم جميع الكتب، فما وجدتهم (١). قال بعض الحفاظ: بل لعلهم لم يُخلقوا (٢). وكل حديث في ذكر صوم رَجب، وصلاة بعض الليالي فيه، فهو كذبٌ مفترى (٣)، كحديث: "من صلّى بعد المغرب أول ليلة من رَجب عشرين ركعة، جاز على الصراط بلا حساب" (٤).
следующие страницы →