٤٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
أي بيان الأحاديث الواردة في حجامة رسول الله ﷺ . والحجامة بكسر الحاء هي: شرط الجلد وإخراج الدم بالمحجمة، وهي ما يحتجم به، وهي من الأدوية الطبيعية الفعالة، وكانت معروفة قديماً عند العرب وغيرهم، وجاءت السنة النبوية بإثباتها والحث عليها.
وقد احتجم النبي ﷺ مرات عدة في أوقات متفرقة.
٨١ - عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتَمْ بِهِ الحِجَامَةُ»، أَوْ «إِنَّ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمُ الحِجَامَةَ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك ﵁ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرج البخاري جزأه الأول، وأخرجه مسلم بتمامه بنحوه (١).
стр. 212
* الوجه الثالث: دل الحديث على إباحة الحجامة، وأنها من أفضل وأنفع الأدوية لمن يحتاج إليها. والذي يظهر لي أن الحجامة ليست سنة مقصودة لذاتها يتعبد بها، وإنما هي نوع من العلاج والدواء لمن يحتاج إليه، ولذلك قال ﵊ كما في حديث الباب: «إن أفضل أو أمثل ما تداويتم به الحجامة».
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس مرفوعاً: «إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شربة عسل، أو شرطة محجم، أو لذعة من نار، وما أحب أن أكتوي» (١).
وفي السنن من حديث أنس: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم، من وجع كان به» (٢).
فهذه الأحاديث صريحة في أن الحجامة نوع من العلاج، لمن كان بحاجة له، وليست سنة مقصودة لذاتها كما يروج بعض الناس!!
* الوجه الرابع: دل الحديث على حل أخذ الأجرة على الحجامة، كما هو مذهب أكثر العلماء، وقد صح عن ابن عباس أنه قال: «احتجم النبي ﷺ ، وأعطى الذي حجمه»، ولو كان حراماً لم يعطه (٣).
وأما حديث: «كسب الحجام خبيث» (٤)، فحمله العلماء على التنزيه،
стр. 213
والارتفاع عن دني المكاسب، والحث على معالي الأمور (١)، فقد كانوا في زمن النبي ﷺ يعدون مهنة الحجامة من المهن الوضيعة.
* الوجه الخامس: كما أن في الحديث إشارة إلى الاهتمام بتدبير البدن، وأنه أمر مشروع، وأنه غير مناف للتوكل على الله ﵎، وقد صح في الحديث مرفوعاً: «تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم «(٢).
стр. 214
٤٧ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
أي بيان الأحاديث الواردة في أسماء رسول الله ﷺ . وقد كان له ﷺ أسماء عدة، كما سيأتي، ولا شك أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وعلو مرتبته، وللإمام السيوطي رسالة سماها: «البهجة السنية في الأسماء النبوية»، جمع فيها نحواً من خمسمائة اسم ووصف للنبي ﷺ ، مع ذكر الدليل على كل اسم، يذكره من القرآن الكريم أو السنة النبوية، وهي رسالة مطبوعة.
٨٢ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ، وَالعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
جبير بن مطعم هو: الصحابي الجليل جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد المناف القرشي، كان من سادات قريش وعلمائهم خاصة في الأنساب، توفي بالمدينة سنة: ٥٧ هـ.
стр. 215
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١).
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(محمد): هذا هو الاسم الأجل والأشهر من أسماء نبينا ﷺ ، قيل: إن الذي سماه به جده عبد المطلب، وقيل: بل أمه آمنة، رأت في المنام من يأمرها بتسميته محمداً (٢).
- وقد تكرر هذا الاسم في القرآن الكريم مرات عدة، وهو مشتق من الحمْد، لكثرة محامده وخصاله المحمودة ﷺ .
- ولم يكن هذا الاسم مشهوراً في الجاهلية، وإنما تسمَّى به بعض أفراد من العرب قرب بعثته ﷺ لما سمعوا من الأحبار والرهبان بأن نبياً يبعث آخر الزمان اسمه (محمداً)، فسمُّوا أبناءهم بهذا الاسم رجاء نيل النبوة (٣)!!
(أحمد): هذا هو الاسم الثاني في المكانة والشهرة لنبينا ﷺ . وقد ورد ذكره في القرآن الكريم مرة واحدة على لسان نبي الله عيسى بن مريم ﵊ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
стр. 216
(الماحي): هذا من أسمائه ﷺ ، وقد فسره النبي ﷺ بالذي يمحو الله به الكفر.
(الحاشر): هذا من أسمائه ﷺ ، وقد فسره النبي ﷺ بالذي يحشر الناس على قدمه.
واختلف في معنى هذه العبارة، فقيل معناها: أن الخلق يحشرون يوم القيامة على إثر حشره، لأنه يحشر قبل الناس (١)، كما جاء في الحديث: «أنا أول من ينشق عنه القبر» (٢).
وقيل معناها: أن الخلق يحشرون يوم القيامة على أثره، فليس بينه وبين يوم القيامة نبي آخر.
(العاقب): هذا أيضاً من أسمائه ﷺ ، وقد فسره في الحديث بالذي ليس بعده نبي، لأنه يأتي عقب الأنبياء أي آخرهم.
* الوجه الرابع: هذه الأسماء الواردة في الحديث هي بعض أسمائه الشريفة ﷺ ، وقد صحت أسماء أخرى له في بعض النصوص، منها: المقفي، ونبي التوبة، ونبي الرحمة، ونبي الملحمة، كما في حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة» (٣).
(والمقفي): أي آخر الأنبياء المتَّبع لهم، فإذا قفّى فلا نبي بعده.
стр. 217
(ونبي التوبة): سمي بهذا الاسم؛ لأنه كان كثير الرجوع والتوبة إلى الله تعالى، أو لأنه قُبل من أمته التوبة بمجرد الاستغفار، بخلاف الأمم السابقة.
(ونبي الرحمة): سمي بذلك: لأنه بُعِثَ رحمة للناس، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
(ونبي المَلحمة): هذا الاسم ورد في بعض ألفاظ روايات مسلم، لحديث أبي موسى الأشعري المتقدم.
ومعنى (نبي الملحمة): أي نبي الحرب والجهاد، فالإسلام كما أنه دين لين ورحمة، فهو دين جهاد وقوة، كلٌ بحسب الحاجة والمناسبة، وإن كان أصل علاقته من الغير: السلم والمهادنة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].
* الوجه الخامس: نقل الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعض الصوفية؛ أن أسماء النبي ﷺ بلغت الألف (١)!!
قلت: بعض هذه الأسماء ثابت في القرآن الكريم أو في السنة النبوية كما تقدم. بيد أن كثيراً من الأسماء التي يذكرونها إنما هي من قبيل الصفات وليست أسماء، كالمصطفى، والمجتبى، والشاهد، والمبشر، والنذير. وقد نبّه على هذا جمع من العلماء، كابن الملقن (٢)، وابن حجر (٣)، وغيرهما.
стр. 218
وبعض هذه الأسماء لم يصح فيه نص، فضلاً عن اشتمال بعضها على مخالفات شرعية، كتسمية بعضهم للنبي ﷺ : بـ (وحيد)، و (مغيث)، و (غوث)، و (غياث)، و (مدعو)، و (مقيل العثرات)، إلى غير ذلك من التسميات المبتدعة!!
стр. 219
٤٨ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
أي بيان الأحاديث الواردة في عمره الشريف ﷺ عند وفاته.
٨٣ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، وَبِالمَدِينَةِ عَشْراً، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
ابن عباس ﵄ تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بنحوه.
* الوجه الثالث: الحديث صريح في أن النبي ﷺ توفي وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقد اختلفت الروايات في ذلك، فقيل: ستون، وقيل: خمس وستون، وقيل ثلاث وستون، وهذه أصح الروايات وأشهرها باتفاق العلماء، كما قال النووي وغيره (٢). وما عداها إما روايات شاذة أو غلط أو متأولة على ترك الكسر.
стр. 220
قال الحافظ ابن حجر: «كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور، وهو ثلاث وستون جاء عنه المشهور» (١).
* الوجه الرابع: دل الحديث على تحديد مدة مقام النبي ﷺ بمكة بعد البعثة وهي ثلاث عشرة سنة، وهذا هو القول الصحيح المشهور، الذي عليه عامة أهل العلم، ودلت عليه الروايات الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن جمع من الصحابة. قال ابن الجوزي (٢): بلا خلاف.
وأما ما ورد عن بعض الصحابة أنه ﷺ أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين فمحمول على إلغاء الكسر الزائد على العشرة كما هي عادة العرب في الحساب (٣).
* الوجه الخامس: دل الحديث على أن مدة مقام النبي ﷺ بالمدينة بعد الهجرة عشر سنين بما فيها أيام أسفاره في الغزو والحج والعمرة إلى أن توفاه الله ، وهذا محل اتفاق بين العلماء جميعاً كما قال الإمام ابن عبد البر (٤) والنووي (٥) وغيرها.
стр. 221
٤٩ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
أي بيان الأحاديث الواردة في حال النبي ﷺ قبيل وفاته، وعند وفاته، وبيان موضع دفنه.
٨٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «آخِرُ نَظرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَشَفَ السِّتَارَةِ يَوْمَ الاثنَيْنِ، فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ، وَالنَّاسُ خَلْفَ أَبِي بَكرٍ، فَأَشَارَ إِلَى النَّاسِ أَنِ اثبُتُوا، وَأَبُو بَكرٍ يَؤُمُّهُمْ وَألقَى السِّجْفَ، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَومِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أنس بن مالك ﵁ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بنحوه.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(ورقة مصحف): أي في الحسن وصفاء البشرة واستنارتها.
(السجف): إحدى الستارتين المقرونتين بينهما فرجة.
стр. 222
* الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن النبي ﷺ توفي يوم الاثنين، وهذا محل إجماع من أهل العلم كما حكاه غير واحد كالحافظ ابن حجر وغيره، وكان ذلك في شهر ربيع الأول بالإجماع أيضاً (١).
واختلف في تحديد تاريخ يوم الوفاة؟ والمشهور أنه في الثاني عشر كما هو قول جمهور العلماء (٢).
* الوجه الخامس: في استخلاف النبي ﷺ أبا بكر الصديق، كي يصلي بالناس في مرض موته، دليل على فضل أبي بكر ومرتبته، وأنه أولى الناس بالخلافة بعد النبي ﷺ ، كما قال علي بن أبي طالب ﵁: «رضيه لديننا فرضيناه لدنيانا» (٣).
* الوجه السادس: في الحديث دليل على أن أحق الناس بإمامتهم في الصلاة أفقههم وأعلمهم، ولذلك استخلف النبي ﷺ أبا بكر الصديق، كي يصلّي بالناس، لأنه كان أعلمهم وأفقههم، وقد بوب الإمام البخاري ﵀ لهذا الحديث في الصحيح بقوله: «باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة».
* الوجه السابع: قول أنس: «وتوفي رسول الله ﷺ من آخر ذلك اليوم». هذا فيه إشكال، لأن المتفق عليه بين علماء السيرة: أن النبي ﷺ توفي حين اشتد وقت الضحى من ذلك اليوم. وقد وجه العلماء كلام أنس بأن المراد به تحقق وفاة النبي ﷺ عند الناس، لأن النبي ﷺ بعدما توفّي حصل اضطراب
стр. 223
واختلاف بين الصّحابة في موته، فأنكر كثير منهم موته؛ حتّى قال عمر بن الخطاب: «والله ما مات رسول الله ﷺ ، وليبعثنه الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم» (١)؟! فما تحقّقوا وفاته إلّا في آخر النّهار، حين جاء الصّدّيق رضي الله تعالى عنه وأعلمهم بذلك.
* الوجه الثامن: كان ابتداء مرض النبي ﷺ من وَجَعٍ وجده في رأسه الشريف، وقد استمر به هذا الوجع نحواً من ثلاثة عشر يوماً، إلى أن توفاه الله . ومما يدل على هذا: ما روته عائشة ﵂ قالت: «دخل عليّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بُدئ فيه، فقلت: وارأساه، قال: بل أنا وارأساه .. » (٢).
* الوجه التاسع: كان من أسباب ذلك المرض: أثرُ الشاة المسمومة، التي قدمتها له المرأة اليهودية في غزوة خيبر، فإن ذلك السمّ لم يقتله حينها، لكنه بقي أثره حتى كان من أسباب وفاته بعد ذلك ﷺ ، كما في صحيح البخاري مرفوعاً: «يا عائشة ما أزال أجدُ ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان وجدتُ انقطاع أبهَري من ذلك السمّ» (٣).
وبهذا يكون الله قد جمع لنبيه ﷺ بين درجة النبوة ودرجة الشهادة وأكرمه بذلك.
стр. 224
٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كُنْتُ مُسْنِدَةً النَّبِيَّ ﷺ إِلَى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: إِلَى حِجْرِي، فَدَعَا بِطَسْتٍ لِيَبُولَ فِيهِ، ثُمَّ بِالَ، فَمَاتَ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بنحوه دون ذكر البول. وأخرجه كاملاً بنحوه ابن ماجه في سننه (٢)، وصححه: الألباني وشعيب الأرناؤوط.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(حجري): بالكسر والفتح: الحضن.
(الطست): إناء كبير من نحاس ونحوه.
* الوجه الرابع: دلَّ الحديث على أن النبي ﷺ قبضه الله ﵎ وهو في حضن زوجه السيدة عائشة ﵂، وفي رواية الصحيحين: «قبضه الله بين سَحْري (٣) ونَحْري» (٤)، وفي رواية عند البخاري: «مات بين حاقنتي
стр. 225
وذاقنتي (١)» (٢). أي كان رأسه الشريف بين حنكها وصدرها.
قال الحافظ ابن حجر: «وهذا لا يغاير حديثها أنه كان على فخذها، لأنه محمول على أنها رفعته من فخذها إلى صدرها» (٣).
* الوجه الخامس: في الحديث دليل على فضل السيدة عائشة ﵂، حيث خصّها اللَّه تعالى بأن مات النبي ﷺ في بيتها، وفي يومها، وبين سَحْرِها ونَحْرها.
* * *
٨٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «لَا أَغبِطُ أَحَداً بَهَوْنِ مَوْتٍ بَعدَ الذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث إسناده ضعيف، فيه عبد الرحمن بن العلاء لم يوثقه غير ابن حبان، فهو مجهول، لكن رواه البخاري في صحيحه من طريق آخر عن عائشة بلفظ: «لا أكره شدة الموت لأحد أبداً بعد النبي ﷺ » (٤).
стр. 226
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(بهون موت): أي بموت سهل هين ليس فيه شدة.
* الوجه الرابع: مقصود عائشة ﵂: أن الميتة السهلة الهينة لو كانت كرامة لأحد لكان أحق الناس بها النبي ﷺ ، لأنه ﷺ كان قد أصابه في موته شدة ووجع شديد، وهو خير خلق الله، وأحبهم إلى الله ﵎.
ومن الأحاديث الدالة على شدة الوجع الذي أصاب النبي ﷺ عند موته: ما ثبت عن عبد الله بن مسعود ﵁، قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يُوْعَكُ وعكاً شديداً، فمسسته بيدي فقلت: يا رسول الله، إنك لتُوْعَكُ وعكاً شديداً؟ فقال رسول الله ﷺ : «أجل، إني أُوْعَكُ كما يُوْعَك رجلان منكم»، فقلت: ذلك أن لك أجرين؟ فقال رسول الله ﷺ : «أجل»، ثم قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يصيبه أذى، مرض فما سواه، إلا حط الله له سيئاته، كما تَحط الشجرة ورقها» (١).
وثبت عن عائشة ﵂ في قصة موت النبي ﷺ وفيها: وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه، يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت سكرات»، ثم نصب يده، فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى» حتى قُبض ومالت يده (٢).
* الوجه الخامس: دل الحديث على أن للموت شدة، وأنها أشد ما تكون على نفوس أحباب الله، من أنبيائه وأوليائه وأصفيائه، كما وقع للنبي ﷺ .
стр. 227
* الوجه السادس: قال الإمام القرطبي ﵀: «لتشديد الموت على الأنبياء فائدتان، إحداهما: تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم، وليس ذلك نقصاً ولا عذاباً بل هو كما جاء أن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. والثانية: أن يعرف الخلق مقدار ألم الموت وأنه باطن، وقد يطلع الإنسان على بعض الموتى فلا يرى عليه حركة ولا قلقاً، ويرى سهولة خروج روحه، فيظن سهولة أمر الموت ولا يعرف ما الميت فيه، فلما ذكر الأنبياء الصادقون في خبرهم شدة ألمه مع كرامتهم على الله تعالى، قطع الخلق بشدة الموت، الذي يقاسيه الميت مطلقاً لإخبار الصادقين عنه» (١).
* الوجه السابع: قوله ﷺ عند موته «لا إله إلا الله إن للموت سكرات»، يدل على أنه يجوز للإنسان أن يشكو لزوجه أو لصديقه أو طبيبه ما يعانيه من شدة أو ألم أو مرض، لأن النبي ﷺ كان يقول لعائشة ﵂: «لا إله إلا الله إن للموت سكرات»، فاشتكى من سكرات الموت، وأما ما روي عن بعض العلماء: «أن تأوه المريض مكروه»، فقد قال النووي: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه نهي مخصوص، وهذا لم يثبت فيه ذلك.
والحاصل أن إخبار المريض عن مرضه لا بأس به، وهو لا ينافي الرضا بقضاء الله وقدره، فكم من شاكٍ وهو راض، وكم من ساكت وهو ساخط، والمعول في ذلك على عمل القلب اتفاقاً، لا على نطق اللسان (٢).
* * *
стр. 228
٨٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اختَلَفُوا فِي دَفنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئاً مَا نَسِيتُهُ قَالَ: «مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَا فِي المَوْضِعِ الذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ». ادْفِنُوهُ فِي مَوْضِعِ فِرَاشِهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
عائشة ﵁ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في سننه (١) واستغربه، لكن صحح الحديث وقواه: الألباني، وعبد القادر الأرناؤوط، وشعيب الأرناؤوط، لما له من الطرق والشواهد.
* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
(موضع فراشه): أي في بيته بيت عائشة بنت الصديق ﵄، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة الصريحة (٢)، واتفق عليه العلماء (٣).
* الوجه الرابع: اختلف الصحابة في الموضع الذي ينبغي أن يدفن فيه النبي ﷺ ، وكان هذا أول خلاف يقع بينهم بعد وفاة النبي ﷺ ، فقال
стр. 229
بعضهم: يدفن مع أصحابه في البقيع، وقال بعضهم: يدفن بمكة حيث ولد، وقال بعضهم: يدفن في مسجده، حتى حدثهم أبو بكر الصديق بالحديث (١).
* * *
٨٨ - عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثنَيْنِ، فَمَكَثَ ذَلِكَ اليَوْمَ وَلَيْلَةَ الثُّلَاثَاءِ، وَدُفِنَ مِنَ اللَّيْلِ»، وَقَالَ سُفْيَانُ (٢): «وَقَالَ غَيْرُهُ (٣): يُسْمَعُ صَوْتُ المَسَاحِي مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
راوي هذا الحديث هو محمد بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، من أفاضل ثقات التابعين، من أهل البيت النبوي، وأحد من جمع العلم والفقه والشرف، والديانة والثقة والسؤدد، كما قال الحافظ الذهبي، توفي بالمدينة، سنة: ١١٤ هـ.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث إسناده مرسل، لأن محمداً الباقر تابعي، لكن صحح الحديث الشيخ الألباني بشواهده.
ومن جملة هذه الشواهد: حديث عائشة ﵂ قالت: «توفي النبي
стр. 230
- ﷺ يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء» (١).
* الوجه الثالث: دل الحديث على أن وفاة النبي ﷺ كانت يوم الاثنين، وهذا محل اتفاق بين العلماء، ودلت عليه الأحاديث الصحيحة كما قدمنا في شرح أول حديث في الباب.
كما دل على أن دفن النبي ﷺ كان في ليلة الأربعاء (٢)، وهذا هو المشهور عن جمهور العلماء كما قال الحافظ ابن كثير ﵀ (٣).
* الوجه الرابع: ذكر العلماء ﵏ أن سبب تأخر الصحابة رضوان الله عليهم في دفن النبي ﷺ يرجع إلى أمور عدة منها: دهشتهم أولاً بهذا الأمر الهائل، الذي لم يسبق لهم به معرفة، حتى إن بعضهم شك وبعضهم أنكر في البداية موته ﷺ ، الأمر الثاني: اختلافهم بعد ذلك في تعيين مكان دفنه، والأمر الثالث: انشغالهم بنصب خليفة للمسلمين يتولى مصالح الأمة بعد وفاته ﷺ ، لما قد يترتب على تأخير ذلك من الفتنة والاختلاف (٤).
فلما اتفقوا على كل هذه الأمور سارعوا إلى تجهيز النبي ﷺ ، والصلاة عليه ودفنه.
стр. 231
٥٠ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
أي بيان الأحاديث الواردة في أن ميراث النبي ﷺ الذي خلفه من المال لا يُملك، وإنما هو صدقة عامة للمسلمين.
٨٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى أَبِي بَكرٍ فَقَالَتْ: مَنْ يَرِثُكَ؟ فَقَالَ: أَهْلِي وَوَلَدِي، فَقَالَتْ: مَا لِي لَا أَرِثُ أَبِي؟ فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا نُورَثُ»، وَلَكِنِّي أَعُولُ مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُولُهُ، وَأُنْفِقُ عَلَى مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْفِقُ عَلَيْهِ.
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو هريرة تقدم التعريف به في الحديث رقم ٢٢.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه الترمذي في سننه (١) وقال: حديث حسن غريب، وحسنه الألباني، وعبدالقادر الأرناؤوط.
لكن مجيء السيدة فاطمة إلى أبي بكر الصديق ومطالبتها بالميراث وامتناع أبي بكر .. إلى آخره: ثابت في أحاديث كثيرة صحيحة، منها ما أخرجه
стр. 232
الشيخان من حديث عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ أخبرته: أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ ؛ أن يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ ، مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث ما تركنا صدقة» (١).
على أن حديث: «لا نورث ما تركنا صدقة» معدود في الأحاديث المتواترة، رواه نحو ثلاثة عشر صحابياً، منهم الخلفاء الأربعة، وممن نص على تواتره: الحافظ ابن حجر، والسيوطي، والكتاني وغيرهم (٢).
* الوجه الثالث: دل الحديث على أن ما تركه النبي ﷺ من أموال لا يورث، وإنما هو صدقة عامة للمسلمين، وهو من الخصائص المستثناة من آيات المواريث، وهذا مذهب أهل السنة قاطبة (٣).
* الوجه الرابع: وأما مطالبة السيدة فاطمة ﵂ بميراث أبيها فقال العلماء: إن ذلك كان قبل أن تعلم بحديث: «لا نورث ما تركناه صدقة»، ولمّا علمت به كفَّت وتراجعت عما طلبت، ويحتمل - وهذا أقوى عندي - أنها تأولت الحديث على أن المراد به: تملك الأصول والرقاب، دون المنافع، وأما أبو بكر ومعه عامة الصحابة فتمسكوا بعموم النص.
قال الحافظ ابن حجر: «وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث المذكور، فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: «لا نورث»، ورأت أن منافع ما
стр. 233
خلّفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم، واختلفا في أمر محتمل للتأويل» (١).
وكلام الحافظ هذا فيه جواب عمَّا استشكله الحافظ ابن كثير، عندما قال: إنه لا يدري ما وجه غضب فاطمة ﵂ على أبي بكر، بعد أن حدَّثها بالحديث (٢)، فقد وضح الآن أنها تأولت الحديث، على أن المراد به: تملُّك الأصول والرقاب دون المنفعة.
* الوجه الخامس: ذكر العلماء: أن الحكمة في أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورثون، أنه لا يؤمن أن يكون في الورثة من يتمنى موتهم فيهلك بذلك، وحتى لا يظن بهم الرغبة في الدنيا وجمع حطامها لورثتهم.
وقال الشيخ محمد العثيمين في بيان حكمة عدم توريث الأنبياء: «لأنهم لو ورثوا لقال من يقول: إن هؤلاء جاءوا بالرسالة يطلبون ملكاً يورث من بعدهم؛ ولكن الله منع ذلك، فالأنبياء لا يورثون، بل ما يتركونه يكون صدقة يصرف للمستحقين له» (٣).
* الوجه السادس: من الأمور التي يستحسن التنبيه عليها؛ أن أبا بكر الصديق لم يمنع فاطمة بنت رسول الله ﷺ وحدها من ميراث النبي ﷺ ، بل لقد منع كل من كان مستحقاً لإرثه ﷺ لو كان يورث، ومنهم عمّه العباس وجميع أزواج النبي ﷺ بمن فيهم ابنته عائشة ﵃ جميعاً، وإذن فلم يخص أبو بكر فاطمة بالمنع وحدها فقط.
стр. 234
٥١ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ -
أي بيان الأحاديث الواردة في رؤيا رسول الله ﷺ في المنام، وما يتعلق بها من أحكام. وقد ذكر شرّاح الشمائل: أن الإمام الترمذي ختم كتابه بهذا الباب، بعد بيانه لصفات النبي ﷺ الظاهرة والباطنة، حتى يستطيع الرائي التحقق من أن الذي رآه في المنام أهو رسول الله ﷺ أم لا؟ فإن طابقت الرؤيا صفاته المعلومة كانت حقاً، وإلا فلا.
٩٠ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَصَوَّرُ»، أَوْ قَالَ: «لَا يَتَشَبَّهُ بِي».
• الكلام عليه من وجوه:
* الوجه الأول: في التعريف براويه:
أبو هريرة تقدم التعريف به في الحديث رقم ٢٢.
* الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بنحوه، وقد روى نحوه أربعة عشر صحابياً، منهم: أنس بن مالك، وأبو مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو قتادة، وأبو سعيد، وابن مسعود، وابن عباس وغيرهم، وصرح
стр. 235
بتواتره الحافظ المناوي (١) والكتاني (٢) وغيرهما.
* الوجه الثالث: معنى هذا الحديث كما ذكر العلامة العيني وغيره: أن من رأى النبي ﷺ في المنام فهي رؤيا صحيحة صادقة لا أضغاث أحلام، ولا من تشبيه الشيطان، لأن الشيطان لا قدرة له على التشكل على صورته وخلقته ﷺ (٣).
* الوجه الرابع: متى يقال فيمن رأى النبي ﷺ في المنام: إنّه رآه حقاً؟
الجواب: أن هناك علامة فارقة يستطيع بها المرء أن يعرف من رآه، هل هو النبي ﷺ أو غيره؟
فإن كان الذي رآه على صورة شبيهة بصورة النبي ﷺ الثابتة بالنقل الصحيح عنه فهو النبي ﷺ ، وإن كان من رآه مخالفاً لصورته ﷺ المعروفة المعهودة في سنته، بأن رآه طويلاً جداً أو قصيراً جداً، أو شديد السمرة، أو نحو ذلك، فإنه لم ير النبي ﷺ .
ولذلك أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب، قال: حدثني أبي، قال: قلت: لابن عباس، رأيتُ النبي ﷺ في المنام، قال صفه لي؟ قال ذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال قد رأيته. قال ابن حجر: سنده جيد (٤).
وثبت عن التابعي الجليل محمد بن سيرين، أنه كان إذا قصَّ عليه رجلٌ
стр. 236
أنه رأى النبي ﷺ ، قال له: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره، وسنده صحيح، كما قال الحافظ ابن حجر (١).
* الوجه الخامس: رؤيا النبي ﷺ على صورته الحقيقة، قد تكون بشارة للمسلم، وقد تكون نذارة أو تخويفاً له، فإن رأى النبي ﷺ مقبلاً عليه فهي خير وبشارة، وإن رآه معرضاً عنه كان العكس (٢).
* الوجه السادس: ذكر العلماء: أن الأحكام الشرعية لا تثبت بالرؤى والمنامات، فلو رأى أحد النبي ﷺ يأمره بشيء مخالف للكتاب أو السُّنة، أو غير ثابت في الكتاب أو السُّنة، فإنه لا يجوز له العمل بهذا الحكم أو الترك به، لأن الرؤيا من غير الأنبياء لا يحكم بها شرعاً على حال؛ إلا أن تُعرض على ما في أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوغتها عُمل بمقتضاها، وإلا وجب تركها والإعراض عنها.
فلو رأى في النوم النبيَّ ﷺ يقول له: إن فلاناً سرق فاقطعه، أو عالماً فاسأله، أو فلاناً زنى فحدَّه .. ، وما أشبه ذلك لم يصح له العمل بذلك، حتى يقوم له الشاهد والبينة في اليقظة، وإلا كان عاملاً بغير شريعة (٣).
أما إذا رأى النبي ﷺ يأمره بفعل هو مندوب إليه في الشرع، أو ينهاه عن منهي عنه في الشرع، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب
стр. 237
العمل على وفقه، لأن ذلك ليس حكماً بمجرد المنام، بل تقرر من أصل ذلك الشيء (١).
والحاصل أن أحكام الشريعة لا تثبت ولا تنفى بالرؤى والأحلام إطلاقاً، والله ﵎ أعلم.
هذا وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم الكتاب
بحمد الله تعالى
стр. 238
فهرس المصادر والمراجع
١ - «إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري»، لأحمد بن محمد بن أبي بكر القسطلاني، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر، ط: ٧، ١٣٢٣ هـ.
٢ - «أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل»، لأحمد بن محمد بن حجر الهيتمي المكي، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط: ١، ١٤١٩ هـ.
٣ - «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد»، ليوسف بن عبد البر النمري القرطبي، تحقيق مصطفى بن أحمد العلوي وجماعة، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ط: ١٣٨٧ هـ.
٤ - «تنوير الحوالك شرح موطأ مالك»، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط: ١٩٦٩ م.
٥ - «التنوير شرح الجامع الصغير»، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق: د. محمد إسحاق محمد إبراهيم، مكتبة دار السلام، الرياض، ط: ١، ١٤٣٢ هـ.
٦ - «التوضيح لشرح الجامع الصحيح»، لعمر بن علي ابن الملقن الشافعي، دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، ط: ١، ١٤٢٩ هـ.
٧ - «توضيح الأحكام بشرح بلوغ المرام»، لعبد الله بن عبد الرحمن البسام، مكتبة الأسدي، مكة المكرمة، ط: ٥، ١٤٢٣ هـ.
стр. 239
٨ - «التيسير بشرح الجامع الصغير»، لمحمد عبد الرؤوف المناوي القاهري، مكتبة الإمام الشافعي، الرياض، ط: ٣، ١٤٠٨ هـ.
٩ - «جمع الوسائل في شرح الشمائل»، لعلي بن سلطان الهروي القاري، المطبعة الأشرفية، مصر.
١٠ - حاشية الباجوري على الشمائل، المسماة: «المواهب اللدنية على الشمائل المحمدية»، لإبراهيم بن محمد الباجوري الشافعي، عناية: محمد عوامة، دار المنهاج للنشر والتوزيع، ط: ٥، ١٤٣٦ هـ.
١١ - «ذخيرة العقبى في شرح المجتبى»، لمحمد بن علي بن آدم الأثيوبي، دار المعراج الدولية للنشر، ط: ١، ١٤١٦ هـ.
١٢ - «سبل السلام بشرح بلوغ المرام»، لمحمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، دار الحديث.
١٣ - «شرح الموطأ»، لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني الأزهري، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط: ١، ١٤٢٤ هـ.
١٤ - «شرح رياض الصالحين»، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين، دار الوطن للنشر، الرياض، ط: ١٤٢٦ هـ.
١٥ - «شرح سنن أبي داود»، لأحمد بن الحسين بن رسلان الرملي، تحقيق عدد من الباحثين بدار الفلاح، دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، مصر، ط: ١، ١٤٣٧ هـ.
١٦ - «شرح شمائل النبي ﷺ »، لعبد الرزاق بن عبد المحسن البدر، الناشر المتميز، ط: ١٤٣٨ هـ.
стр. 240
١٧ - «شرح صحيح مسلم»، ليحيى بن شرف النووي الشافعي، ط: ٢، ١٣٩٢ هـ.
١٨ - «طرح التثريب في شرح التقريب»، لعبد الرحيم بن الحسين العراقي، الطبعة المصرية القديمة.
١٩ - «عمدة القاري بشرح صحيح البخاري»، لمحمود بن أحمد العيني، درا إحياء التراث العربي، بيروت.
٢٠ - «فتح الباري بشرح صحيح البخاري»، لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩ هـ.
٢١ - «فتح الودود في شرح سنن أبي داود»، لأبي الحسن السندي، تحقيق: محمد زكي الخولي، مكتبة لينة، دمنهور، مصر، ط: ١، ١٤٣١ هـ.
٢٢ - «فيض القدير بشرح الجامع الصغير»، لمحمد عبد الرؤوف المناوي القاهري، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط: ١، ١٣٥٦ هـ.
٢٣ - «كشف المشكل من حديث الصحيحين»، لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي ابن الجوزي الحنبلي، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن، الرياض.
٢٤ - «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح»، لعلي بن سلطان الهروي القاري، دار الفكر، بيروت، لبنان، ط: ١، ١٤٢٢ هـ.
٢٥ - «معالم السنن شرح سنن أبي داود»، لحمد بن إبراهيم الخطابي، المطبعة العلمية، حلب، ط: ١، ١٣٥١ هـ.
٢٦ - «منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري»، لحمزة محمد قاسم،
стр. 241
مراجعة عبد القادر الأرناؤوط، مكتبة دار البيان، دمشق، ط: ١٤١٠ هـ.
٢٧ - «المنتقى شرح الموطأ»، لسليمان بن خلف الباجي المالكي، مطبعة السعادة، مصر، ط: ١٤٣٢ هـ.
٢٨ - «منتهى السول على وسائل الوصول إلى شمائل الرسول»، عبد الله بن سعيد اللحجي الشحاري، دار المنهاج، جدة، ط: ٣، ١٤٢٦ هـ.
٢٩ - «نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار»، محمد بن علي الشوكاني، تحقيق عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، مصر، ط: ١، ١٤١٣ هـ.