← Сира

Сира · id 938

شرح مختصر الشمائل المحمدية

هانى فقيه

Полный текст (241 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

٤٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة قراءة رسول الله ﷺ للقرآن؛ من الترتيل والمد والوقف والإسرار بالقراءة والجهر وغير ذلك. ٦٢ - عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: «مَدّاً». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك ﵂ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في الصحيح (١) ولفظه: «كَانَ يَمُدُّ مَدّاً». * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (مداً): أي يمد الحروف التي تستحق المد، ويمكّن لها بالقدر المعروف عند علماء القراءة، وقال بعضهم: المراد أنه يجود ويرتل ويشدد ويمكن ويتم الحركات (٢).

стр. 177

* الوجه الرابع: في الحديث استحباب مد الصوت بالقراءة، والحكمة فيه هو الاستعانة على تدبر معاني القرآن، والتفكر فيها، وتذكير من يتذكر. * * * ٦٣ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ يَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] ثُمَّ يَقِفُ، وَكَانَ يَقْرَأُ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أم سلمة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٩. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي واستغربه (١)، وأبو داود (٢)، وصححه الدارقطني (٣)، والحاكم (٤)، والبيهقي (٥)، والألباني بجموع طرقه. * الوجه الثالث: دل الحديث على استحباب الوقوف على رؤوس الآي، حتى وإن تعلقت بما بعدها، اتباعاً لهدي النبي ﷺ وسنته، وهذا هو المشهور عند جمهور العلماء والقراء.

стр. 178

* الوجه الرابع: قولها في الحديث: و «كَانَ يَقْرَأُ (مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ)»، (ملك) بغير ألف، كما في بعض نسخ الشمائل، وفي بعضها (مالك)، بإثبات الألف، قال الإمام ابن كثير: «قرأ بعض القراء: ﴿ملك يوم الدين﴾، وقرأ آخرون: ﴿مالك﴾، وكلاهما صحيح متواتر في السبع» (١). * * * ٦٤ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَكَانَ يُسِرُّ بِالقِرَاءةِ أَمْ يَجْهَرُ؟ قَالَتْ: «كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ، قَدْ كَانَ رُبَّمَا أَسَرَّ وَرُبَّمَا جَهَرَ». فَقُلْتُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (٢)، والترمذي (٣) وحسنه، ولفظ الترمذي: «كيف كانت قراءته بالليل». بزيادة لفظة الليل. وقد صححه الألباني وشعيب الأرناؤوط. والحديث له شواهد عديدة، منها حديث أبي هريرة ﵁ قال:

стр. 179

«كانت قراءة النبي ﷺ بالليل يرفع طوراً ويخفض طوراً» (١). * الوجه الثالث: الحديث فيه دليل على جواز الجهر والإسرار في صلاة الليل، لثبوت الأمرين عن رسول الله ﷺ . واختلفوا أي الأمرين أفضل، فقال النووي: «الإخفاء أفضل، حيث خاف الرياء، أو تأذى مصلون، أو نيام بجهره، والجهر أفضل في غير ذلك، لأن العمل فيه أكثر، ولأن فائدته تتعدى إلى السامعين، ولأنه يوقظ قلب القارئ، ويجمع همّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ويطرد النوم، ويزيد في النشاط» (٢). ويحتمل أن يقال: يفعل هذا تارة وهذا تارة تأسياً به ﷺ . وأما النوافل النهارية فيستحب فيها الإسرار بالقراءة عند جميع العلماء، قال النووي ﵀: «نوافل النهار يسنّ فيها الإسرار بلا خلاف» (٣). * الوجه الرابع: الجهر بالقراءة المقصود به الجهر اليسير الذي يسمع فيه المرء من بجواره، وليس برفع الصوت عالياً فيؤذي الناس، ويشهد لذلك ما أخرجه أبو داود عن أبي سعيد قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر فقال: «ألا إن كلكم مناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة»، أو قال: «في الصلاة» (٤).

стр. 180

وفي سنن أبي داود عن أبي قتادة ﵁: أن النبي ﷺ خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته، قال: ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلي رافعاً صوته، قال: فلما اجتمعا عند النبي ﷺ قال النبي ﷺ : «يا أبا بكر، مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك»، قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله، قال: وقال لعمر: «مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك»، قال: فقال: يا رسول الله، أوقظ الوسنان، وأطرد الشيطان، فقال النبي ﷺ : «يا أبا بكر، ارفع من صوتك شيئاً، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئاً» (١).

стр. 181

٤١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي بُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في بكاء رسول الله ﷺ وصفته. قال ابن حجر المكي: «بكاؤه ﷺ كان من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عينه حتى تهملان، ويُسمع لصدره أزيز» (١). وقد كان ﷺ يبكي تارة رحمة على الميت، وتارة خوفاً على أمته، وتارة يبكي من خشية الله، أو اشتياقاً ومحبة له عند استماع القرآن وقراءته. ٦٥ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ ﵁ قَالَ: «أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عبد الله بن الشخير هو عبد الله بن الشِخِّير بن عوف العامري الحَرشي، قال ابن عبدالبر: له صحبة ورواية. وهو والد الفقيه الشهير مطرّف بن عبد الله بن الشخير، أسلم عام الفتح، وسكن البصرة.

стр. 182

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، وصححه ابن خزيمة (٢)، وابن حبان (٣)، والحاكم (٤)، وقال ابن حجر: إسناده قوي (٥). ولفظ أبي داود «كأزيز الرحى». * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (أزيز كأزيز المرجل): أي يسمع له صوت كصوت غليان القِدر بسبب البكاء، والمرجل: القِدر. وفي رواية أبي داود: «كأزيز الرحى» أي كصوت الطاحون إذا دارت وتحركت. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على كمال خوف النبي ﷺ وخشيته من ربه ، وقد كان ﵊ أشد الناس خوفاً من الله ﵎، كما جاء في حديث الصحيحين: «والله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية» (٦). وسبب هذه الخشية هو كمال علمه ﷺ بالله تعالى، وعظمته وشدة عقابه، وما أُعْلِمَ به من أحوال يوم القيامة، ولذلك جاء في الصحيحين: «يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً» (٧).

стр. 183

* الوجه الخامس: في الحديث دليل على أن المصلي ينبغي له أن يخشع في صلاته، وأن يكون قلبه فيها بين الخوف من عدل الله والرجاء في فضله. * الوجه السادس: دل الحديث على أن البكاء لا يبطل الصلاة مطلقاً، سواء ظهر منه حرفان أم لا. وقيل: إن كان البكاء من خشية الله لا يبطل، وإن كان لأمر دنيوي أبطل، وقوّى الحافظ ابن حجر القول الأول، لأنه ليس من جنس الكلام (١). واستدل على جواز البكاء في الصلاة بقوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]. * الوجه السابع: ذكر بعض العلماء: أن الضحك في الصلاة يبطلها مطلقاً، لما فيه من هتك حرمة الصلاة، قال الإمام ابن المنذر: «أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة، وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها» (٢). * * * ٦٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اقْرَأْ عَلَيَّ»، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقَرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى بَلَغْتُ ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْ رَسُولِ اللَّهِ تَهْمِلَانِ.

стр. 184

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عبد الله بن مسعود هو: ابن غافل بن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، أحد كبار الصحابة وعلمائهم وقرائهم وحفاظهم، ومن السابقين للإسلام، توفي بالمدينة في خلافة عثمان بن عفان، سنة: ٣٢ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين بنحوه (١)، وفي رواية البخاري: «فإذا عيناه تذرفان»، وفي رواية مسلم: «فرأيت دموعه تسيل». * الوجه الثالث: دل الحديث على فوائد منها: استحباب طلب المرء القراءة من غيره ليستمع له، وهو أبلغ في التفهم والتدبر من قراءته بنفسه، لأنه مشغول بضبط القراءة وتصحيحها. ومنها: استحباب الخشوع والبكاء عند سماع القرآن وتدبره. ومنها: استحباب تواضع أهل العلم والفضل ولو مع أتباعهم. * الوجه الرابع: ذكر بعض الشرّاح: أن النبي ﷺ إنما بكى عند تلاوة هذه الآية لأنه مثل لنفسه أهوال يوم القيامة، وشدة الحال الداعية إلى شهادته لأمته بالتصديق، وسؤاله الشفاعة لأهل الموقف، وهو أمر يحق له طول البكاء. وقال الحافظ ابن حجر: الذي يظهر أنه بكى رحمة لأمته; لأنه علم أنه

стр. 185

لا بد أن يشهد بعملهم، وعملهم قد لا يكون مستقيماً فقد يفضي إلى تعذيبهم (١). * * * ٦٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ وَهُوَ يَبْكِي»، أَوْ قَالَ: «عَيْنَاهُ تَهْرَاقَانِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: تقدم التعريف بعائشة ﵂ في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: عثمان بن مظعون ﵁ هو الصحابي الجليل عثمان بن مظعون بن حبيب القرشي الجُمَحِي، أبو السائب، أخو النبي ﷺ من الرضاعة، ومن أوائل من أسلم، توفي في السنة الثانية من الهجرة، ولما توفي أعلم النبي ﷺ على قبره بحجر، وكان يزوره ﵁. * الوجه الثالث: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (٢)، وابن ماجه (٣)، والترمذي (٤) وقال: حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم في المستدرك وقال: «هذا حديث متداول

стр. 186

بين الأئمة» (١)، وصححه الألباني بشواهده. * الوجه الرابع: دل الحديث على جواز البكاء على الميت، لكن دون جزع أو ندب أو نياحة، وأن هذا لا يتنافى مع الصبر والتسليم بقضاء الله وقدره. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه بكى أيضاً عندما توفي ابنه إبراهيم (٢)، كذلك عندما توفيت ابنته أم كلثوم (٣) ﵄. وهذا يدل على أن النبي ﷺ إنما هو بشر يفرح ويحزن ويتألم، لكنه كان يتقيد بحدود الشرع ولا يتعداها. * الوجه الخامس: دل الحديث على جواز تقبيل الميت، وقد ثبت في الصحيح أن أبا بكر قَبَّل النبي ﷺ بعد موته، ثم بكى، وقال: «بأبي أنت يا نبي الله، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كُتبتْ عليك فقد متها» (٤).

стр. 187

٤٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في فراشه ﷺ الذي كان ينام عليه وما يتصف به من الخشونة والتواضع، وقد زعم بعضهم (١) بأن النبي ﷺ كان ينام غالباً على التراب!!، وهذا لا أصل له، بل لقد كان الغالب عليه ﷺ النوم على فراش، وإن كان متواضعاً خشناً، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. ٦٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنَّمَا كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (٢) بنحوه. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (أدم): الأدم هو: الجلد المدبوغ أو مطلق الجلد. (ليف): الليف: قشر النخل الذي يجاور السعف، الواحدة ليفة.

стр. 188

* الوجه الرابع: في الحديث بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الزهد في الدنيا، والابتعاد عن التنعم الزائد في الفراش، فإن الجلد المحشو بالليف يعد فراشاً خشناً متواضعاً. وقد كان النبي ﷺ ينام ويضطجع أحياناً على الحصير، كما جاء في حديث عبد الله بن مسعود ﵁، قال: اضطجع رسول الله ﷺ على حصير، فأثر في جنبه، فلما استيقظ، جعلت أمسح جنبه، فقلت: يا رسول الله، ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئاً؟ فقال رسول الله ﷺ : «ما لي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظلّ تحت شجرة، ثم راح وتركها» (١). قال ابن القيم ﵀: «كان ﷺ ينام على الفراش، وعلى النطع (٢) تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة» (٣). * الوجه الخامس: دل الحديث على جواز اتخاذ الفرش والوسائد والنوم عليها والارتفاق بها، وجواز المحشو، وجواز اتخاذ ذلك من الأدم وهي الجلود.

стр. 189

٤٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَوَاضُعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث والأخبار الواردة في تواضعه ﷺ . والتواضع ضد التكبر، وهو هضم النفس والتنازل عن بعض ما تستحق من التقدير، وهو من سمات المؤمنين، ومن أسباب محبة الله للعبد ومن أسباب محبة الناس له أيضاً، وفي الحديث مرفوعاً: «من تواضع لله درجة يرفعه الله درجة» (١). ٦٩ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عمر بن الخطاب هو: ابن نفيل القرشي العدوي، أبو حفص، الصحابي الجليل، أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم قبل الهجرة بخمس سنين، وتوفي شهيداً بالمدينة سنة: ٢٣ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في الصحيح (٢).

стр. 190

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (لا تطروني): الإطراء: المدح بالباطل، تقول: أطريت فلاناً: مدحته فأفرطت في مدحه، أفاده الحافظ ابن حجر (١). وقيل: الإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه (٢). وكلا التعريفين صحيح. * الوجه الرابع: دل الحديث على تحريم المبالغة في مدح النبي ﷺ ، والغلو في ذلك ومجاوزة الحد المسموح، كما وقع للنصارى عندما غلوا في مدح سيدنا عيسى بن مريم ﵊، فقالوا: هو إله أو ابن إله!! تعالى الله عن ذلك. * الوجه الخامس: في الحديث حرص النبي ﷺ على صيانة التوحيد، والخوف على أمته من الوقوع في الشرك، الذي وقعت فيه الأمم السابقة، فإن النصارى إنما كفروا بالله عندما غلوا في نبيهم عيسى بن مريم بوصفه بالألوهية والبنوة لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]. * الوجه السادس: دل الحديث على عظيم تواضعه ﷺ عندما اكتفى بقوله: «فإنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله»، ففيه هضمه لنفسه وإظهاره التواضع، مع أنه سيد الخلق وإمامهم، وهذا هو موضع الشاهد من الحديث الدال على تواضعه ﷺ ، وليس قوله «لا تطروني»، لأن الإطراء محرم شرعاً

стр. 191

وهو من الغلو في الدين، والنهي عنه ليس من التواضع، وبهذا يندفع استشكال بعض العلماء إيراد الترمذي هذا الحديث تحت هذا الباب. * * * ٧٠ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: «اجْلِسِي فِي أَيِّ طَرِيقِ المَدِينَةِ شِئْتِ أَجْلِسْ إِلَيْكِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك ﵁ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في الصحيح (١) بنحوه، ولفظه عنده: «أن امرأة كان في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، فقال: «يا أم فلان انظري أي السكك شئت، حتى أقضي لك حاجتك»، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها». * الوجه الثالث: في الحديث دليل على عظيم تواضعه ﷺ حيث استمع لهذه المرأة مع ما في عقلها من الضعف، وترك لها اختيار المكان الذي تريد أن تلقاه فيه، ولم يرسل معها أحداً من أصحابه بل ذهب بنفسه معها وقضى لها حاجتها.

стр. 192

* الوجه الرابع: في سيرة النبي ﷺ شواهد كثيرة جداً على ما كان عليه من التواضع الجم مع الناس جميعاً، صغيرهم وكبيرهم، غنيهم وفقيرهم، ولين جانبه وعريكته، مما كان له أبلغ الأثر في نجاح دعوته ومحبة الناس له. ففي الصحيح من حديث أنس بن مالك ﵁، أن غلاماً ليهود كان يخدم النبي ﷺ ، فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: «أسلم» فأسلم (١). وفي الشمائل من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة (٢) فيجيب. ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات» (٣). وفي الشمائل من حديث أنس بن مالك ﵁ أيضاً قال: حج رسول الله ﷺ على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: «اللهم اجعله حجاً لا رياء فيه ولا سمعة» (٤). والأحاديث والأخبار في الباب كثيرة. * * * ٧١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » قَالَ: «وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ».

стр. 193

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك ﵁ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي في السنن (١) وقال: حسن صحيح، وصحح إسناده ابن عبد الهادي (٢)، والألباني، وغيرهما. * الوجه الثالث: دل الحديث على كمال تواضع النبي ﷺ وحسن خلقه، حيث إنه كان يكره قيام أصحابه له، إذا ما أقبل كما جرت به العادة العرفية بين الناس، وكان الصحابة ينزلون عند رغبته، فلا يقومون له رغم شدة محبتهم له وتعظيمهم لشأنه. * الوجه الرابع: (حكم القيام إكراماً للقادم)، استدل بعض العلماء بهذا الحديث على منع القيام للقادم إكراماً له. وأيدوا المنع بما ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: «من أحبّ أن يمثل له عباد الله قياماً فليتبوأ مقعده من النار» (٣). وبحديث أبي أمامة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ متوكئاً على عصا، فقمنا إليه، فقال: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضها بعضاً» (٤).

стр. 194

والصحيح: أن القيام للقادم إكراماً له ومن أجل السلام عليه جائز شرعاً، وهو من محاسن الأخلاق، لا سيما إذا كان القادم من أهل العلم والفضل أو الصلاح أو السن. والأدلة على ذلك كثيرة متضافرة، منها: ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري؛ لما قدم سعد بن معاذ ليحكم في بني قريظة، فقال ﷺ للأنصار: «قوموا إلى سيدكم» (١). ومنها: حديث كعب بن مالك، وهو يقص خبر تخلفه عن غزوة تبوك وتوبة الله عليه، وفيه: «حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول، حتى صافحني وهناني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة» (٢). ومن الأحاديث الدالة على الجواز أيضاً: ما روته عائشة أم المؤمنين، قالت: «ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله ﷺ »، قالت: «وكانت إذا دخلت على النبي ﷺ قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبّلته، وأجلسته في مجلسها» (٣). فهذه الأحاديث صريحة في جواز القيام للقادم إكراماً له.

стр. 195

وأما الأحاديث التي استدل بها المانعون من القيام فالجواب عنها كالتالي: أما حديث أنس الأول: «لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهته لذلك». فيجاب عنه: بأن هذا كان حقاً له ﷺ وقد تركه، وتنازل عنه تواضعاً منه وشفقة على أصحابه. وأما حديث: «من أحبّ أن يمثل له عباد الله قياماً، فليتبوأ مقعده من النار»، فأجيب عنه بعدة أجوبة، منها: أن المقصود به أن يأمرهم بذلك ويلزمهم به تكبراً (١)، كما يفعل بعض المدرسين عندما يأمر طلبته بالقيام له إذا حضر! فهذا أقل ما يقال فيه الكراهة الشديدة، كما رجح الشيخ ابن باز ﵀ (٢). ومنها: أن المنهي عنه محبة المرء قيام الناس له، فلو لم يخطر بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا لوم عليه، فإن أحب ارتكب التحريم سواء قاموا أو لم يقوموا، فلا يصح الاحتجاج به لترك قيام الرجل لأخيه إذا سلم عليه. ومنها: أن النهي يقصد به أن يقوم الرجال على رأسه أو عن جانبيه طول جلوسه، تكبراً وإذلالاً للناس، كما يفعل بعض الملوك والأمراء. وأما استدلالهم بحديث: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضها بعضاً»، فقد تقدم أنه ضعيف الإسناد، وعلى فرض صحته فالجواب عنه كالحديث السابق: أن النهي يقصد به أن يقوم الناس على رأسه، وهو قاعد

стр. 196

تكبراً عليهم وإذلالاً لهم والله تعالى أعلم. وهذا الذي رجحناه من جواز القيام للقادم إكراماً له، هو مذهب جمهور العلماء، وهو اختيار الإمام النووي وغيره من أهل العلم المحققين (١)، والله تعالى أعلم. * * * ٧٢ - عَنْ عَمْرَةَ، قَالَتْ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: مَاذَا كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: «كَانَ بَشَراً مِنَ البَشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في صحيحه بنحوه ولفظه عنده: «كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج» (٢)، لكن السائل عنده هو الأسود بن يزيد، وليس عمرة بنت عبد الرحمن (٣). وقد أخرج الحديث أحمد في المسند، من طريق هشام بن عروة، عن

стр. 197

أبيه، عن عائشة، أنها سئلت: ما كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: «كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم» (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (يفلي ثوبه): أي يلتقط ما فيه من هناة ويزيلها. * الوجه الرابع: في الحديث بيان لتواضع النبي ﷺ ، فإنه كان يخدم نفسه، ويقوم على شؤون أموره برغم تشريف الله له بالنبوة والرسالة والوحي والعصمة والمعجزات، وفي ذلك إرشاد للناس عامة وللأئمة والعلماء خاصة أن يقوموا بخدمة أنفسهم وقضاء حوائجهم بأنفسهم، وأن ذلك من فعل الصالحين. * الوجه الخامس: نقل الإمام المناوي عن بعض أهل العلم: أن خدمة النبي ﷺ لنفسه يجب حملها على بعض الأحيان، لأنه ثبت أنه ﷺ كان له خدم، فتارة كان يخدم نفسه بنفسه وتارة بغيره وتارة بالمشاركة (٢)

стр. 198

٤٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة خُلُقه ﷺ ، والخُلُق بضم الخاء واللام هو: الطبع والسجية والصفات الباطنة، كالحلم والشجاعة والتواضع، وقد تقدم في أول الكتابِ الحديثُ عن خَلْق رسول الله ﷺ بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الصفات البدنية الظاهرة. ولِيُعْلَم أن النبي ﷺ كان أعظم الناس خُلُقاً، ويكفي شهادة القرآن له: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وهذا الخُلُق العظيم الذي كان عليه النبي ﷺ هو من أكبر أسباب نجاح دعوته، وانجذاب الناس له وتأثرهم به، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. ٧٣ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ: لِمَ تَرَكْتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً، وَلَا مَسَسْتُ خَزّاً وَلَا حَرِيراً وَلَا شَيْئاً كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا شَمَمْتُ مِسْكاً قَطُّ وَلَا عِطْراً كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرَقِ النَّبِيِّ ﷺ ».

стр. 199

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك ﵁ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرج البخاري ومسلم جزأه الأول بنحوه (١)، وأخرج مسلم جزأه الأخير مستقلاً بنحوه (٢). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (أُفّ): كلمة تقال عند الضجر، وتستعمل في كل ما يستقذر أو يستثقل. (خزاً): ثياب مصنوعة من حرير وغيره. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على كمال حسن خلق النبي ﷺ ، فإن مخالطة الخدم تقتضي السؤال عادة عن أعمالهم ومهامهم، ولكن حسن خلقه ﷺ حمله على ألا يسأل عما وقع منهم من تقصير، خاصة وأن أنساً قد أقر بأنه ربما وقع منه تقصير بسبب صغره أو غفلته أحياناً، كما جاء في إحدى روايات الحديث: «ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن أكون عليه» (٣). لكن النبي ﷺ كان يعامل خدمه كما أرشد الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. * الوجه الخامس: دل الحديث على أن الإنسان يجب عليه أن ينزه لسانه عن الزجر والسب والتوبيخ، وأن عليه استئلاف خاطر الخادم بترك

стр. 200

معاتبته، وهذا في الأمور المتعلقة بأمور الخدمة وحظ الإنسان، أما الأمور الشرعية فلا يتسامح فيها. * الوجه السادس: في قول أنس: ولا مسست خزاً ولا حريراً .. إلى آخره، وقوله: ولا شممت مسكاً .. إلى آخره: دليل على حسن خِلقة النبي ﷺ ولين كفه، وطيب رائحة بدنه وعرقه، وقد تضافرت بذلك الأحاديث الصحيحة، كما في حديث جابر بن سمرة، عندما مسح النبي ﷺ على خده وهو صبي، قال: «فوجدت ليده برداً أو ريحاً، كأنما أخرجها من جؤنة عطار» (١). * * * ٧٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّهَا قَالَتْ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاحِشاً وَلَا مُتَفَحِّشاً وَلَا صَخَّاباً فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِئءُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي في سننه (٢) وقال: حسن صحيح، وصححه: الألباني وشعيب الأرناؤوط.

стр. 201

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (فاحشاً): الفاحش: القبيح أو البذيء في أقواله وأفعاله وصفاته. (متفحشاً): المتفحش: الذي يتكلف الفحش ويتعمده. (صخاباً): ضبط بالصاد وبالسين، أي صيَّاحاً، والصخب: الصياح واختلاط الأصوات. * الوجه الرابع: في الحديث دليل على ما كان عليه النبي ﷺ من الأخلاق الكريمة، والآداب العالية، والبعد عن كل ما هو قبيح من الأقوال والأفعال أو الصفات، وما كان عليه ﷺ من الصفح والمسامحة والعفو، مما تواترت به الأحاديث الصحيحة، ويكفي شهادة الله ﵎ له في كتابه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وهذا العفو والصفح إنما هو في حقه ﷺ ، وما يمس شخصه الكريم، وأما ما كان من حقوق الله ومحارمه وحقوق الآدميين فكان ﵊ وقافاً عند حدود الله، كما جاء في الحديث الصحيح: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» (١). * * * ٧٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ شَيْئاً قَطُّ إِلَا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلَا ضَرَبَ خَادِماً أَوِ امْرَأَةً».

стр. 202

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١) بلفظ أطول، ولفظه: «ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله ». * الوجه الثالث: دل الحديث على أن ترك الضرب في التربية أفضل، وإن كان مباحاً في الأصل بشروط. * الوجه الرابع: دل الحديث على أن الأولى للإمام التنزه عن إقامة الحدود والتعزيرات بنفسه، بل يقيم لها من يتعاطاها، وعلى ذلك عمل الخلفاء ﵏ (٢). * * * ٧٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «بِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ» أَوْ «أَخُو العَشِيرَةِ»، ثُمَّ أَذِنَ لَهُ، فَأَلَانَ لَهُ القَوْلَ، فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟ فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ».

стр. 203

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بنحوه. * الوجه الثالث: الرجل الوارد في الحديث هو عُيينة بن حصن الفزاري ولم يكن أسلم حينئذ، وإن كان قد أظهر الإسلام، فأراد النبي ﷺ أن يبين حاله ليعرفه الناس، ولا يغتر به من لم يعرف حاله، وقد كان منه في حياة النبي ﷺ وبعدها ما دل على ضعف إيمانه، وارتد مع المرتدين وجيء به أسيراً إلى أبي بكر ﵁. ووصْفُ النبي ﷺ له بأنه: بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة لأنه ظهر كما وصف، وإنما ألان له القول تألفاً له ولأمثاله على الإسلام (٢). * الوجه الرابع: في الحديث دليل على استحباب مداراة من يُتقى فحشه، وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه، ومن يحتاج الناس إلى الحذر منه، ولم يمدحه النبي ﷺ ولا ذكر أنه أثنى عليه في وجهه ولا في قفاه، إنما تألفه بشيء من الدنيا مع لين الكلام (٣). * الوجه الخامس: استدل العلماء بهذا الحديث على مشروعية جرح رواة الحديث، وبيان ما فيهم من كذب أو ضعف ونحوه، مما يوجب رد

стр. 204

روايتهم، صيانة للشريعة وذباً عن السُّنة، وبينوا أن هذا مستثنى من الغيبة التي حرمها الله (١). * * * ٧٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَأْتِيهِ جِبْرِيلُ فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: ابن عباس تقدم التعريف به في الحديث رقم ٤. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (٢) بنحوه. * الوجه الثالث: دل الحديث على فوائد منها: عظم جود النبي ﷺ ، وهو مما تواترت به الأحاديث الصحيحة، واستحباب الإكثار من الجود والسخاء في العطاء في شهر رمضان، تأسياً بالنبي ﷺ ، ومنها: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين، وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم، ومنها استحباب مدارسة القرآن الكريم خاصة في شهر رمضان.

стр. 205

* الوجه الرابع: قيل: الحكمة في كونه ﷺ أجود في رمضان أن مدارسة القرآن تجدّد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات؛ لأن نِعَم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبيُّ ﷺ يُؤْثِر متابعة سُنَّة الله في عباده (١). وقد كان السلف رضوان الله عليهم يكثرون من تلاوة القرآن في شهر رمضان أكثر من غيره من الشهور، وكان بعضهم كالزهري ومالك بن أنس وسفيان الثوري وغيرهم يتوقفون عن رواية الحديث ونحوه من دروس العلم، ويتفرغون لتلاوة القرآن ومدارسته في هذا الشهر الكريم (٢). * * * ٧٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَدَّخِرُ شَيْئاً لِغَدٍ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك ﵁ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي في سننه (٣) واستغربه، لكن صححه ابن حبان (٤)،

стр. 206

وجود إسناده المناوي (١)، وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم. * الوجه الثالث: دل ظاهر الحديث على أن النبي ﷺ كان لا يدخر شيئاً لنفسه، وذلك لكمال توكله على الله ﵎، لكن قال العلماء بأن النبي ﷺ كان يدخر لعياله قوت سنتهم، وذلك لضعف توكلهم بالنسبة إليه ﷺ ، وليكون سُنَّةً للمعيلين من أمته. ومما يدل على هذا ما ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب ﵁: «أن النبي ﷺ كان يبيع نخل بني النضير، ويحبس لأهله قوت سنتهم» (٢). لكن قد يقال: كيف يتفق هذا مع ما ورد في أحاديث كثيرة؛ من أن النبي ﷺ كانت تمر عليه الليالي والأيام ولا يجد هو ولا أهل بيته شيئاً يأكلونه؟ والجواب: أن النبي ﷺ كان يدخر لأهله قوت سنتهم، لكن من جوده وكرمه على الوافدين والمحتاجين كان يفرغ زادهم قبل تمام السنة. (٣) * * *

стр. 207

٧٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: … عائشة ﵂ تقدم التعريف بها في الحديث رقم ٥. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (يثيب عليها): يكافئ ويجازي المهدي، فيعطيه عوضاً عنها مثلها أو أحسن منها. * الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب قبول الهدية وكراهة ردها، لما في ذلك من جبر خواطر الناس وتطييب نفوسهم، فإن المهدي إنما يقصد غالباً التودد والتقرب من المهدى إليه. وقد جاءت أحاديث كثيرة في استحباب الهدايا واستحباب قبولها، كقوله ﷺ «تهادوا تحابوا» (٢). وقوله ﷺ : «لو أُهديَ إلي ذراع أو كراع لقبلت» (٣). * الوجه الخامس: يستحب للمهدَى إليه المكافأة على الهدية بمثلها أو بأعظم منها، لقوله في الحديث: «ويثيب عليها»، وحتى يقابل المعروف بأكثر

стр. 208

منه، وتلك شيمة الكرام، وفي الحديث الصحيح: «من أهدى لكم فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له» (١). * الوجه السادس: استثنى العلماء صوراً عدة تمنع من قبول الهدية، منها: أن يهدي لمسؤولٍ كي يعطيه شيئاً لا يستحقه، أو يتجاوز عن شيء ليس له أن يتجاوز عنه، فهذه رِشوة محرمة، لا يجوز إعطاؤها ولا قبولها. كما أنه لا يجوز إعطاء المسؤول هدية على واجبه سداً لباب الرشوة. ومما يدل على هذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي، قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلاً من الأسد، يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أُهدي لي، قال: فقام رسول الله ﷺ على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال: «ما بال عامل أبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه، حتى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر»، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: «اللهم، هل بلغت؟» مرتين (٢). قال النووي ﵀: «أَخْذُ القاضي أو العامل (٣) هدية محرمة، يلزمه ردها إلى مهديها، فإن لم يعرفه وجب عليه أن يجعلها في بيت المال» (٤).

стр. 209

٤٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي حَيَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في كمال حيائه ﷺ . والحياء كما قال العلماء: خُلُق يبعث المرء على اجتناب القبيح وفعل الحسن، وقال بعضهم: انقباض يجده الإنسان من نفسه، يَحْمِله على الامتناع من ملابسة ما يعاب عليه ويُستقبح منه، ونقيضه الصَّلَفُ، وهو التَّصَلُّفُ في الأمور، وعدم المبالاة بما يستقبح. ٨٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشدَّ حَيَاءً مِنَ العَذرَاءِ في خِدْرِهَا، وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئاً عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو سعيد الخدري تقدم التعريف به في الحديث ١٠. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (العذراء): هي البكر. سميت بذلك لأن عذرتها وهي جلدة البكارة باقية. (خدرها): سترها.

стр. 210

والتشبيه بالعذراء لأنها أكثر حياء من غيرها. (عرفناه في وجهه): أي لا يتكلم به لحيائه، بل يتغير وجهه فنفهم نحن كراهته. * الوجه الرابع: في الحديث بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من شدّة الحياء، حتى كان أشدّ حياءً من العذراء في خِدْرها. لكن هذا الحياء إنما هو في غير ما يتعلّق بالحقوق الدينيّة؛ كانتهاك حرمات الله تعالى، فإنه كان أشدّ الناس غضباً لذلك، وإزالةً له بالقول والفعل. * الوجه الخامس: في الحديث فضيلة خلق الحياء، وهو من شعب الإيمان، وهو خير كله، ولا يأتي إلا بخير، كما ثبت في الأحاديث الصحاح.

стр. 211

٤٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي حِجَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في حجامة رسول الله ﷺ . والحجامة بكسر الحاء هي: شرط الجلد وإخراج الدم بالمحجمة، وهي ما يحتجم به، وهي من الأدوية الطبيعية الفعالة، وكانت معروفة قديماً عند العرب وغيرهم، وجاءت السنة النبوية بإثباتها والحث عليها. وقد احتجم النبي ﷺ مرات عدة في أوقات متفرقة. ٨١ - عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ، فَقَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ أَهْلَهُ فَوَضَعُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَدَاوَيْتَمْ بِهِ الحِجَامَةُ»، أَوْ «إِنَّ مِنْ أَمْثَلِ دَوَائِكُمُ الحِجَامَةَ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك ﵁ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرج البخاري جزأه الأول، وأخرجه مسلم بتمامه بنحوه (١).

стр. 212

* الوجه الثالث: دل الحديث على إباحة الحجامة، وأنها من أفضل وأنفع الأدوية لمن يحتاج إليها. والذي يظهر لي أن الحجامة ليست سنة مقصودة لذاتها يتعبد بها، وإنما هي نوع من العلاج والدواء لمن يحتاج إليه، ولذلك قال ﵊ كما في حديث الباب: «إن أفضل أو أمثل ما تداويتم به الحجامة». وفي الصحيحين من حديث ابن عباس مرفوعاً: «إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شربة عسل، أو شرطة محجم، أو لذعة من نار، وما أحب أن أكتوي» (١). وفي السنن من حديث أنس: «أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم على ظهر القدم، من وجع كان به» (٢). فهذه الأحاديث صريحة في أن الحجامة نوع من العلاج، لمن كان بحاجة له، وليست سنة مقصودة لذاتها كما يروج بعض الناس!! * الوجه الرابع: دل الحديث على حل أخذ الأجرة على الحجامة، كما هو مذهب أكثر العلماء، وقد صح عن ابن عباس أنه قال: «احتجم النبي ﷺ ، وأعطى الذي حجمه»، ولو كان حراماً لم يعطه (٣). وأما حديث: «كسب الحجام خبيث» (٤)، فحمله العلماء على التنزيه،

стр. 213

والارتفاع عن دني المكاسب، والحث على معالي الأمور (١)، فقد كانوا في زمن النبي ﷺ يعدون مهنة الحجامة من المهن الوضيعة. * الوجه الخامس: كما أن في الحديث إشارة إلى الاهتمام بتدبير البدن، وأنه أمر مشروع، وأنه غير مناف للتوكل على الله ﵎، وقد صح في الحديث مرفوعاً: «تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد: الهرم «(٢).

стр. 214

٤٧ - بَابُ: مَا جَاءَ فِي أَسْمَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في أسماء رسول الله ﷺ . وقد كان له ﷺ أسماء عدة، كما سيأتي، ولا شك أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى وعلو مرتبته، وللإمام السيوطي رسالة سماها: «البهجة السنية في الأسماء النبوية»، جمع فيها نحواً من خمسمائة اسم ووصف للنبي ﷺ ، مع ذكر الدليل على كل اسم، يذكره من القرآن الكريم أو السنة النبوية، وهي رسالة مطبوعة. ٨٢ - عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِيَ الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ، وَالعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: جبير بن مطعم هو: الصحابي الجليل جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل ابن عبد المناف القرشي، كان من سادات قريش وعلمائهم خاصة في الأنساب، توفي بالمدينة سنة: ٥٧ هـ.

стр. 215

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (محمد): هذا هو الاسم الأجل والأشهر من أسماء نبينا ﷺ ، قيل: إن الذي سماه به جده عبد المطلب، وقيل: بل أمه آمنة، رأت في المنام من يأمرها بتسميته محمداً (٢). - وقد تكرر هذا الاسم في القرآن الكريم مرات عدة، وهو مشتق من الحمْد، لكثرة محامده وخصاله المحمودة ﷺ . - ولم يكن هذا الاسم مشهوراً في الجاهلية، وإنما تسمَّى به بعض أفراد من العرب قرب بعثته ﷺ لما سمعوا من الأحبار والرهبان بأن نبياً يبعث آخر الزمان اسمه (محمداً)، فسمُّوا أبناءهم بهذا الاسم رجاء نيل النبوة (٣)!! (أحمد): هذا هو الاسم الثاني في المكانة والشهرة لنبينا ﷺ . وقد ورد ذكره في القرآن الكريم مرة واحدة على لسان نبي الله عيسى بن مريم ﵊ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
следующие страницы →