← Сира

Сира · id 938

شرح مختصر الشمائل المحمدية

هانى فقيه

Полный текст (241 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

فاتحة الكتاب الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأصلّي وأسلّم على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين، سيّدنا ونبيّنا محمد وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين، الذين عزروه ونصروه، وعظموه ووقروه، وكانوا رسل خير ومشاعل نور وهداية للناس أجمعين … وبعد: فإن كتاب «الشمائل» ويقال له: «الشمائل المحمدية»، للإمام الحافظ الكبير صاحب التصانيف: أبي عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرَة الترمذي، (٢٠٩ هـ - ٢٧٩ هـ)، يعد من أعظم كتب الشمائل وأجمعها وأجودها، كما قال العلامة علي القاري ﵀: «إن مُطالع هذا الكتاب كأنه يطالع طَلعة ذلك الجناب (١)، ويرى محاسنه الشريفة في كل باب» (٢). لذلك فقد لقي هذا الكتاب عناية عظيمة من قبل أهل العلم وطلبته عبر القرون، قراءة وضبطاً، ودراسة وحفظاً، وتصدى لشرحه غير واحد، ووضعوا عليه شروحاً وحواشي مطولة ومختصرة (٣).

стр. 2

وقد أحببت أن أدخل في زمرة خَدَمَة هذا الكتاب، فوضعت عليه شرحاً متوسطاً، منتخباً من شروحه المتقدمة وبقية شروح كتب السُنَّة، مع محاولة عرضه بطريقة جديدة، تناسب أساليب الكتابة وأذواق القراء في العصر الحديث، متجافياً عن كثير من المباحث التي كان يشتغل بها الشراح القدماء، كالإغراق في التفصيلات المذهبية أو مسائل العربية، وبيان أوجه الإعراب والنحو والدلالات البلاغية ونحو ذلك، مما هو أجنبي عن فقه الأحاديث وما تحمله من فوائد وآداب. كما قال العلامة المناوي ﵀: «إنما الشأن في معرفة مقصوده ﷺ ، وبيان ما تضمنه كلامه من الحِكَم والأسرار، بياناً تعضده أصول الشريعة، وتشهد بصحته العقول السليمة. وما سوى ذلك ليس من الشرح في شيء» (١). ولأن الإمام الترمذي ﵀ قد أطال الكتاب بذكر أحاديث متحدة الألفاظ، أو ذات دلالة واحدة في الباب، فقد رأيت اختصاره أولاً قبل شرحه على النحو التالي: ١ - حذفت أسانيد الإمام الترمذي مع الإبقاء على راوي الحديث، من الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. ٢ - حذفت جميع الأحاديث الضعيفة في الكتاب، ولم أشرح إلا ما كان منها في دائرة القبول، حسب أحكام أهل العلم المعتبرين في الحديث. ٣ - حذفت الأحاديث المكررة المعنى، واقتصرت على أقواها وأتمها، وكثيراً ما أشير إلى بقيتها أثناء الشرح كشواهد تقوي الحديث وتزيده ثبوتاً.

стр. 3

٤ - حذفت الأحاديث التي ليس لها علاقة وثيقة بترجمة الباب، وأبقيت ما كان له صلة وثيقة وواضحة به. ٥ - أبقيت عناوين تراجم الأبواب كما وضعها الإمام الترمذي، لم أغيّر منها شيئاً، مع التزام طريقة ترتيبه وسرده للأحاديث والأبواب. وقد خلص لي من أحاديث الكتاب بعد اختصاره «تسعون حديثاً» من أصل أربع مئة هي عدد أحاديث الكتاب كله. وهذا يعني أنني قد يسرت كتاب الشمائل، واختصرته في أقل من ربعه بقليل. ثم إنني شرعت بعد ذلك في شرح الأحاديث، فعرَّفت برواتها من الصحابة الكرام باختصار، وخرجتها من مصادرها الأصلية (١) مع الالتزام ببيان درجة كل حديث، من حيث الصحة أو الضعف، ثم شرحت معانيها، وأبنت عما تشتمل عليه من دلالات فقهية، وأحكام شرعية وآداب مرعية، وهذا هو مقصود الشرح ولبّه وجوهره. وقد بذلت في سبيل ذلك جهدي وتفكيري وتأملي، ولم أكن مجرد ناقل أو ناسخ من كتب الشروح والحواشي المتقدمة. • معنى كلمة «الشمائل المحمدية»: وقبل مغادرة هذه التقدمة أحب أن أشرح معنى كلمة الشمائل، أو

стр. 4

شمائل النبي ﷺ التي هي عنوان كتاب الترمذي ﵀؛ فأقول: معنى كلمة الشمائل: الطباع والخصال والأخلاق والخلال والصفات والسجايا. وعندما يقال شمائل النبي ﷺ فهذا يعني: خصاله الكريمة، وطباعه النبيلة، وأخلاقه العالية، وصفاته الطاهرة، وسجاياه الباهرة .. كجوده ﷺ وحلمه، وأناته وصبره، وتواضعه وشجاعته .. على أن الترمذي ﵀ لم يقتصر في هذا الكتاب على موضوع الشمائل فحسب، بل وسّع دائرة بحثه فأضاف أبواباً تحدث فيها عن أمور أخرى، تخص النبي ﷺ ، فتحدث عن صفاته الخَلْقية البدنية الظاهرة، وطلعته البهية، ومحياه الوضاء. وتحدث عن عبادته، وعن صفة صيامه وقيامه وقراءته للقرآن ونحو ذلك. وتحدث عن كثير من أمتعته وحاجياته الخاصة، كخفّه ونعله، وإزاره وردائه، وخاتمه وعمامته، وسيفه ودِرْعه، ومِغفره وقَدَحه. وتحدث عن طعامه وشرابه، وخبزه وإدامه، وفاكهته، وغير ذلك مما اشتمل عليه هذا الكتاب الشريف. ثم ختم الكتاب بأبواب في أسمائه الشريفة ﷺ ، وسِنّه عند وفاته، وحادثة وفاته، وميراثه، ورؤيته في المنام. وما من شك أن دراسة هذه الأبواب وتفهمها على الوجه الصحيح مما يزيد المسلم معرفة بنبيه ﷺ ومحبة له، وتعلقاً به وتصديقاً برسالته. أضف أن هذه الأبواب مشتملة على كثير من المسائل الفقهية، والآداب

стр. 5

السلوكية، والفوائد الأخلاقية، التي يحتاج إلى معرفتها والتأسي بها كل مؤمن. هذا والله أسال الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يكتب لنا ذخره وأجره، ويجعله شفيعاً يوم القيامة، وينفع به من قرأه وطالعه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وكتبه أ. د. هاني أحمد فقيه أستاذ الحديث وعلومه، بكلية الحديث الشريف، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة ١٤٤١ هـ

стр. 6

١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي خَلْق رسول الله ﷺ - ذكر الإمام الترمذي تحت هذا الباب جملة من الأحاديث الشريفة المتعلقة بصورة النبي ﷺ الظاهرة، وصفاته البدنية الباهرة، وطلعته البهية، ومحياه الوضاء. وما من شك في أن الله ﵎ قد حبا نبيه ﷺ من حسن الصورة وكمال الخِلقة وجمال الهيئة وبهاء الطلعة ما سوف يأتي بيانه والحديث عنه إن شاء الله. ١ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: «كَانَ رسول الله ﷺ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ وَلَا بِالقَصِيرِ، وَلَا بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ وَلَا بِالآدَمِ، وَلَا بِالجَعْدِ القَطَطِ وَلَا بِالسَّبِطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَأسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأسِهِ وَلِحيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك هو: ابن النضر بن ضمضم النَّجاري الخزرجي الأنصاري، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه منذ أن قدم ﷺ إلى المدينة مهاجراً إلى أن لحق بالرفيق الأعلى، وهو من المكثرين من رواية الحديث، وفضائله كثيرة،

стр. 7

وقد توفي سنة: ٩٣ هـ، وهو المراد عند الإطلاق، وإن كان هناك جماعة من الصحابة يسمى كل منهم أنساً. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (١)، والترمذي في سننه (٢) وقال: حديث حسن صحيح. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (الطويل البائن): الظاهر الطول أو المفرط في الطول. (الأبيض الأمهق): الشديد البياض. (الآدم): الأسمر، وهي منزلة بين البياض والسواد. (الجعد القطط): الشعر يكون فيه التواء وانقباض. (السَّبِط): بفتح فكسر: الشعر الناعم المسترسل. * الوجه الرابع: ذكر أنس ﵁ في هذا الحديث بعض الصفات الجسدية للنبي ﷺ ، وليعلم قبل الخوض في شرح الحديث أن الله قد ركب خلقة نبيه محمد ﷺ في أجمل صورة وأحسن هيئة، فكان كما وصفه الصحابة: بهيّ الطلعة، حسن الخِلْقة، متناسب الأعضاء، لم تر العيون شيئاً أجمل ولا أحسن منه، لا قبله ولا بعد. وقد ذكر أنس ﵁ في هذا الحديث بعض صفاته الجسدية ﷺ ومن جملتها أنه «لم يكن بالطويل البائن ولا بالقصير»، أي أنه كان متوسط القامة،

стр. 8

لم يكن طويلاً شديد الطول، كما أنه لم يكن قصيراً، وإنما بين هذا وهذا. لكنه ﵊ كان إلى الطول أقرب وأميل، بدليل أن أنساً لم ينف عنه أصل الطول، وإنما نفى عنه الطول الزائد، وهذا ما وقع مصرحاً به في بعض الأحاديث الأخرى، كقول أبي هريرة ﵁: «كان ﷺ ربعةً (١) إلى الطول أقرب» (٢). * الوجه الخامس: بين الحديث صفة لون النبي ﷺ بقوله: «ولم يكن بالأبيض الأمهق ولا بالآدم»، ومعناه: أن النبي ﷺ لم يكن شديد البياض كالأبرص، فإنه لون مستكره، كما أنه لم يكن أسمر اللون، وإنما كان أبيض بياضاً مستنيراً مخلوطاً بحمرة كما وقع التصريح به في أحاديث عديدة. وفي صحيح البخاري (٣) عن أنس بن مالك: «كان أزهر اللون»، والأزهر هو: الأبيض المستنير، كما أفاده أهل اللغة والغريب (٤). * الوجه السادس: وقع في مسند أحمد من حديث حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان أسمر اللون (٥)، لكن أعل هذه الرواية بعض العلماء بأن حميداً تفرد بها عن أنس، ورواها بقية تلامذة أنس بلفظ أزهر اللون. كما أن كل من ذكر صفته ﷺ غير أنس فقد وصفه بالبياض دون

стр. 9

السمرة، وهم خمسة عشر صحابياً كما قاله الحافظ العراقي (١)، فلا شك أن روايتهم أصح وأرجح. وتأول بعضهم كلمة «أسمر» هنا بأن المراد بها نفي البياض الشديد كما تقدم، وعلى هذا التوجيه فلا منافاة بين هذه الرواية وبين بقية الروايات التي وصفته بالبياض. وقال بعضهم: بأن السمرة كانت في أعضائه ﷺ البارزة للشمس، والبياض فيما تحت الثياب، وكل هذه تأويلات متكلفة. * الوجه السابع: بين الحديث صفة شعر النبي ﷺ بأنه: «ليس بالجعد القطط، ولا بالسبط»، ومعناه أن شعره ﷺ كان وسطاً بين الجعودة والنعومة، وهي أحسن صفات الشعر، وقد جاء في رواية أبي هريرة: أنه كان «رَجِل الشعر» (٢)، وهو الذي كأنه رُجّل وسُرّح بالمشط، وفسره بعضهم بما فيه تثنٍ قليل. * الوجه الثامن: وردت صفات أخرى لخِلْقة النبي ﷺ في أحاديث أخر كثيرة، ومنها على سبيل المثال: أنه كان «بعيد ما بين المنكبين»، كما في حديث البراء بن عازب (٣)، والمعنى أنه كان عريض أعلى الظهر.

стр. 10

وأنه كان (شَثْن القدمين والكفين)، كما في حديث أنس بن مالك (١)، ومعناه: غليظ الأصابع وراحة اليد، لكن من غير خشونة، كما في حديث أنس ابن مالك ﵁ قال: «ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف النبي ﷺ » (٢). وأنه كان (كَثَّ اللحية)، كما صح ذلك في أحاديث عدة، منها حديث علي بن أبي طالب (٣)، ومعناه: كثير شعر اللحية، كما جاء مصرحاً به في حديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم (٤). وأنه كان (ضخم الرأس) أي عظيمه في اعتدال، وفيه دليل على كمال قواه ﷺ العقلية والدماغية، وذكائه وفطنته. وأنه كان (ضخم الكراديس)، ومعناه: عظيم رؤوس العظام والمفاصل التي تلتقي فيها العظام، والمراد أن بنيته ﷺ كانت قوية شديدة. وأنه كان (طويل المَسْربة)، ومعناه: أن له شعراً دقيقاً يمتد من صدره إلى سرته. وهذه الصفات الثلاث الأخيرة: (ضخم الرأس، ضخم الكراديس، طويل المسربة) وردت في حديث علي بن أبي طالب ﵁ (٥). وأنه كان (ضليع الفم)، ومعناه: أن فمه ﷺ لم يكن صغيراً ضيقاً.

стр. 11

وأنه كان (أشكل العينين)، ومعناه على القول الراجح: أن بياض عينيه ﷺ كان يخالطهما شيء من الحمرة. وأنه كان (منهوس العقبين)، أي أن عقب قدمه ﷺ كان قليل اللحم. وهذه الأوصاف الثلاثة الأخيرة (ضليع الفم، أشكل العين، منهوس العقب) صحت من حديث جابر بن سمرة ﵁ (١). كما وصف وجهه ﷺ غير واحد من الصحابة بأنه كان كالقمر، بل أحسن من القمر، كما صح ذلك في حديث البراء بن عازب (٢)، وكعب بن مالك (٣)، وجابر بن سمرة (٤) وغيرهم. و (كأن الشمس تجري في وجهه)، كما في حديث أبي هريرة (٥). وسيأتي مزيد كلام - إن شاء الله - عن صفة شعره، وصفات أخرى تتعلق ببدنه الشريف ﷺ . * الوجه التاسع: ذكر الحديث بأن بعثة النبي ﷺ كانت «على رأس أربعين سنة» من عمره، وقد اختلف في تفسير هذه اللفظة، فذهب بعضهم إلى أن المراد أول سنة أربعين من مولده، أي بعد أن أتم التاسعة والثلاثين من

стр. 12

عمره، وذهب بعضهم إلى أن المراد آخر الأربعين، أي بعث بعد أن أتم الأربعين، وطعن في الحادي والأربعين، وهذا قول الجمهور. * الوجه العاشر: بين الحديث بأن النبي ﷺ أقام بمكة بعد البعثة عشر سنين، لكن المشهور في روايات الصحيحين وغيرهما عن جمع من الصحابة أن مدة مقام النبي ﷺ بمكة بعد البعثة كانت ثلاث عشرة سنة. قال ابن الجوزي (١): «بلا خلاف». وعليه فقد اختلف في مقصود أنس بهذه الرواية، والأقرب أنها مبنية على إلغاء الكسر الزائد على العشرة، كما هي عادة العرب في الحساب. * الوجه الحادي عشر: ذكر في الحديث بأن مدة مقام النبي ﷺ في المدينة بعد الهجرة كانت عشر سنوات، وهذا محل اتفاق بين العلماء جميعاً كما قال النووي ﵀ (٢). * الوجه الثاني عشر: ذكر في الحديث بأن الله قد توفى نبيه ﷺ على رأس ستين سنة، لكن المشهور في روايات الصحيحين من حديث عائشة وابن عباس أن عمر النبي ﷺ عند وفاته كان ثلاثاً وستين سنة، بل صح ذلك حتى عن أنس بن مالك عند مسلم في صحيحه (٣)، وعليه فقد حمل العلماء رواية الستين بأنها مبنية على حذف الكسر الزائد كما تقدم في مدة بقائه ﷺ في مكة.

стр. 13

ووردت رواية أخرى في الصحيح (١) عن ابن عباس أن النبي ﷺ توفي عن خمس وستين سنة!! لكنها رواية شاذة أو متأولة، قال الحافظ ابن حجر: «كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور، وهو ثلاث وستون جاء عنه المشهور» (٢). * الوجه الثالث عشر: ذكر في الحديث بأن النبي ﷺ عند وفاته لم يكن في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء أي أقل من ذلك، وهذا يدل على قلة شيبه ﷺ ، وتمتعه بالشباب والنضارة إلى حين وفاته ﷺ ، وسيأتي إن شاء الله مزيد كلام على صفة شيبه ﷺ في باب خاص عقده المؤلف لذلك. * الوجه الرابع عشر: كما دل حديث أنس ﵁ على اهتمام الصحابة البالغ بنقل أدق التفاصيل المتعلقة بنبينا ﷺ حتى إنهم نقلوا لنا عدد شعراته البيضاء في رأسه ولحيته صلوات الله وسلامه عليه، وسيأتينا أيضاً كيف وصفوا لنا نعله وخاتمه وإزاره وقميصه وطعامه وشرابه وفاكهته وغير ذلك من التفاصيل الدقيقة المتعلقة بشخصه وبحياته ﷺ .

стр. 14

٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي خَاتَمِ النُّبُوَّةِ خاتم النبوة هو إحدى العلامات التي كانت على جسده الشريف ﷺ ، الدالة على نبوته. وكانت هذه العلامة معروفة عند أهل الكتاب، مذكورة في كتبهم، وبها تعرَّف بعضهم على النبي ﷺ كبحيرى الراهب عندما التقى بالنبي ﷺ على مشارف بلاد الشام، في رحلته ﷺ الأولى إليها مع عمه أبي طالب (١). كذلك تعرَّف سلمان الفارسي على النبي ﷺ بهذه العلامة أول مقدمه المدينة فآمن به (٢). وقد أورد الترمذي ﵀ تحت هذا الباب جملة من الأحاديث الواردة في شأن هذا الخاتم وصفته. ٢ - عن السَّائِبَ بنَ يَزِيدَ ﵁ قال: «ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النبي ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابنَ أُختِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ ﷺ رَأسِي، وَدَعَا لِي بِالبَرَكَةِ، وَتَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، وَقُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى الخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مِثْلُ زِرّ الحَجَلَة».

стр. 15

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: السائب بن يزيد هو: ابن سعيد الكناني: صحابيّ جليل، من صغار الصحابة، وكان مع أبيه في حجة الوداع. استعمله عمر بن الخطاب على سوق المدينة، وهو آخر من توفي بها من الصحابة، بعد سنة تسعين. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (زرّ الحجلة): الحجلة طائر معروف متوسط الحجم، وزرّها: بيضها، مأخوذ من قول العرب: ارتزت الجرادة إذا أدخلت ذنبها في الأرض لتبيض. وقيل: المراد بالحجلة: بيت كالقبة له أزرار كبار وعرى، ويسمى في الحجاز بالناموسية. * الوجه الرابع: دل الحديث على إثبات خاتم النبوة بين كتفيه ﷺ ، والأحاديث الواردة في إثباته كثيرة. وهو كما قدمنا إحدى العلامات الدالة على أنه النبي الموعود في آخر الزمان. * الوجه الخامس: وَصَفَ الحديثُ خاتم النبوة بأنه مثل زرّ الحجلة، وقد اختلف في تفسير هذه اللفظة كما تقدم، والمشهور أن المراد بها كبيضة الحجلة، والحجلة طائر معروف متوسط الحجم، ويؤكد هذا التفسير ما ثبت

стр. 16

من حديث جابر بن سمرة أنه قال: «رأيت الخاتم عند كتفه ﷺ مثل بيضة الحمامة يشبه جسده» (١). * الوجه السادس: ثبتت أحاديث أخرى في صفة خاتم النبوة منها: حديث أبي سعيد الخدري، أن خاتم النبوة كان «بَضعة ناشزة» (٢)، أي قطعة لحم ظاهرة مرتفعة. وفي حديث جابر بن سمرة أنه كان «غدَّة حمراء» (٣) أي مثل الغدة يميل لونها إلى الحمرة، لأن لون جسده ﷺ كان أبيضَ مخلوطاً بحمرة. وفي حديث أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا أبا زيد، ادنُ منّي فامسح ظهري»، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم. قيل: وما الخاتم؟ قال: «شعرات مجتمعات» (٤)، وقد حمل العلماء هذا الحديث على أن أبا زيد لم ير الخاتم بعينه، وإنما أخبر عما وصلت إليه يده، وهو الشعر الذي كان حول الخاتم متراكباً عليه. وفي حديث عبد الله بن سرجِس قال: «نظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند ناغض كتفه اليسرى، جُمعاً، عليه خيلان كأمثال الثآليل» (٥). وهذه

стр. 17

الرواية أفادتنا أن الخاتم كان إلى جهة الكتف الأيسر أقرب، وأن عليه خيلان سوداء، وأنه مثل الجُمع، أي جُمع اليد في الهيئة والاستدارة وليس في الحجم، حتى تتوافق مع بقية الروايات الدالة على أن الخاتم كان بحجم بيضة الحمامة أو الحجلة. * الوجه السابع: تحصل من مجموع الروايات الثابتة في صفة خاتم النبوة أنه كان قطعة لحم ناتئة من جسد النبي ﷺ ، وأنه كان بلون جسده الشريف؛ أبيض يميل إلى الحمرة، وأن محله على ظهره بين كتفيه، إلى الكتف الأيسر أقرب، وأنه في حجم وهيئة بيضة الحمامة، حوله شعر متراكب عليه، وعليه خيلان سود تشبه الثآليل. * الوجه الثامن: ورد في بعض الروايات أن خاتم النبوة كان كالشامة السوداء أو الخضراء، وفي بضعها: مكتوب عليه محمد رسول الله، أو سر فأنت المنصور، لكن قال الحافظ ابن حجر: بأنه لم يثبت من هذه الروايات شيء، وأن ابن حبان غفل عندما صحح بعضها (١). * الوجه التاسع: اختلف العلماء هل كان خاتم النبوة موجوداً حين ولادة النبي ﷺ أو أنه وجد بعد ذلك؟ والأقوى أنه وجد بعد ذلك، فقد ورد في بعض الروايات في مسند أحمد (٢) وغيره أن الملكين عندما جاءا إلى النبي ﷺ وهو صبي بالطائف شقا صدره وغسلاه ثم لأماه وختما عليه بخاتم

стр. 18

النبوة. قال الحافظ ابن حجر: «مقتضى هذه الأحاديث أن الخاتم لم يكن موجوداً حين ولادته، ففيه تعقيب على من زعم أنه ولد به» (١)، انتهى كلامه ﵀. * الوجه العاشر: في شرب السائب بن يزيد من وضوء النبي ﷺ دليل على مشروعية التبرك بآثار النبي ﷺ الثابتة عنه، كالتبرك بالماء الفاضل من وضوئه ﷺ ، والتبرك بريقه وشعره وعرقه ونحوه. وفي السنة والسيرة وقائع كثيرة تشهد لذلك، وهو من خصائصه ﷺ التي لا يقاس عليه فيها غيره. * الوجه الحادي عشر: ثبت في صحيح البخاري (٢) أن السائب بن يزيد ﵁ بلغ الرابع والتسعين سنة وهو ممتع بقواه البدنية والعقلية، وكل هذا كان ببركة مسح النبي ﷺ رأسه وشربه من وضوئه ودعائه له، ولفظ رواية البخاري: عن الجعيد بن عبدالرحمن قال: رأيت السائب بن يزيد، ابن أربع وتسعين، جلداً معتدلاً، فقال: قد علمتُ: ما متعتُ به سمعي وبصري إلا بدعاء رسول الله ﷺ ، إن خالتي ذهبت بي إليه، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي شاك، فادع الله له، قال: «فدعا لي».

стр. 19

٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - تقدم في الباب الأول بيان صفة شعر النبي ﷺ ، وفي هذا الباب ذكر المصنف جملة من الأحاديث المتعلقة بمقدار طول شعره ﷺ وطريقة ترجيله وغير ذلك من الأخبار. ٣ - عَنْ أَنَس بن مالك ﵁: «أَنَّ شَعْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ إِلَى أَنصَافِ أُذُنَيْهِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١). * الوجه الثالث: دلّ الحديث على أن شعر النبي ﷺ كان يبلغ طوله إلى أنصاف أذنيه. لكن هذه لم تكن الحال الوحيدة لشعره ﷺ ، فقد وردت أحاديث أخرى تفيد بأن شعره ﷺ كان يبلغ أحياناً منكبيه، كما في حديث

стр. 20

البراء بن عازب ﵁ قال: «ما رأيت من ذي لِمَّة (١) أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ شعره يضرب منكبيه» (٢). وثبت من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ : «كان له شعر فوق الجُمَّة ودون الوَفْرة» (٣). والجُمّة: الشعر يسقط على المنكبين، والوَفْرة: الشعر إذا وصل شحمة الأذن، كما في النهاية لابن الأثير. وهذه الروايات وإن كانت متعارضة في الظاهر، لكن ليس الأمر كذلك، فقد جمع العلماء بينها بأجوبة أقواها وأرجحها: أن شعره ﷺ كان يختلف طولاً وقصراً من وقت لآخر، فكان يطول أحياناً ويقصر أحياناً، فكل صحابي وصف ما رأى، قال الإمام النووي ﵀: إن ذلك يرجع لاختلاف الأوقات، فإذا غفل ﷺ عن تقصيره بلغ المنكب، وإذا قصره كان إلى أنصاف الأذنين، فكان يقصر ويطول بحسب ذلك (٤). وبنحوه قال الإمام ابن كثير: «ولا منافاة بين الحالين، فإن الشعر تارة يطول، وتارة يقصر منه، فكل حكى بحسب ما رأى» (٥). وقال الحافظ ابن حجر: «كون شعره ﷺ كان إلى قرب منكبيه كان غالب

стр. 21

أحواله، وكان ربما طال حتى يصير ذؤابة ويتخذ منه عقائص وضفائر، كما أخرج أبو داود والترمذي بسند حسن من حديث أم هانئ قالت قدم رسول الله ﷺ مكة وله أربع غدائر، وفي لفظ أربع ضفائر .. فحاصل الخبر أن شعره طال حتى صار ذوائب فضفره أربع عقائص، وهذا محمول على الحال التي يبعد عهده بتعهده شعره فيها وهي حالة الشغل بالسفر ونحوه والله أعلم» (١). * الوجه الرابع: سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن إطالة شعر الرأس وتوفيره هل هو من السنة أو لا؟ فأجاب: «لا. ليس من السنة؛ لأن النبي ﷺ اتخذه حيث إن الناس في ذلك الوقت يتخذونه، ولهذا لما رأى صبياً قد حَلَقَ بعض رأسه قال: «احلقه كله أو اتركه كله» (٢)، ولو كان الشعر مما ينبغي اتخاذه لقال: أبقه. وعلى هذا فنقول: اتخاذ الشعر ليس من السنة، لكن إن كان الناس يعتادون ذلك فافعل، وإلاَّ فافعل ما يعتاده الناس .. فالصواب: أنه تَبَعٌ لعادة الناس، إن كنت في مكان يعتاد الناس فيه اتخاذ الشعر فاتخذه وإلا فلا» (٣). * * * ٤ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسْدِلُ شَعْرَهُ، وَكَانَ المُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُءُوسَهُمْ، وَكَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يُسْدِلُونَ رُؤُوسَهُمْ، وَكَانَ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، ثُمَّ فَرَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ».

стр. 22

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: ابن عباس: هو الصحابي الجليل عبد الله بن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ابن عم النبي ﷺ ، وأحد العلماء الفقهاء المكثرين من رواية الحديث، ولد بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي بالطائف بعد أن كف بصره، سنة: ٦٨ هـ، وفضائله ومناقبه كثيرة. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بنحوه. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (يسدل شعره)، سَدْلُ الشعر معناه: إرساله على الجبين ومن ورائه، وتركه على هيئته مسترسلاً. (يفرقون رؤوسهم)، فرق الرأس معناه: فرق الشعر وقسمته من وسط الرأس، وكشفه عن الجبين بأن يجعله فرقتين، كل فرقة ذؤابة. * الوجه الرابع: معنى الحديث أن النبي ﷺ عندما قدم المدينة مهاجراً كان في بداية أمره يسدل شعره، ويتركه مرسلاً على حاله، لأن اليهود كانوا يفعلون ذلك، وكان النبي ﷺ يحب موافقتهم فيما لم يؤمر فيه بشيء، من باب التأليف لهم، لأنهم كانوا أهل كتاب وأقرب إلى الإيمان من عبدة الأوثان، فلمَّا استمروا في عنادهم ولم يفد معهم الاستئلاف والموافقة استحب النبي ﷺ مخالفتهم، فخالفهم في أشياء كثيرة، منها مسألة سدل

стр. 23

الشعر، وصبغه، والصلاة في النعال، وإعفاء اللحى، واستقبال القبلة، حتى قال أهل الكتاب: والله ما يدع محمد شيئاً نعمله إلا خالفنا فيه!! وقال بعض العلماء: إن النبي ﷺ كان يحب موافقة أهل الكتاب في بداية الأمر، لأنهم كانوا متمسكين ببقايا من شرائع الرسل، فكانت موافقتهم أحبّ إليه من موافقة عباد الأوثان، فلما أسلم غالب عباد الأوثان بعد فتح مكة، أحبّ مخالفة باقي الكفار من أهل الكتاب. * الوجه الخامس: ذكر العلماء بأن كلاً من سدل الشعر وفرقه جائز، بدليل أن الصحابة رضوان الله عليهم استمروا على فعل الأمرين، فمنهم من كان يسدل شعره، ومنهم من كان يفرقه، ولم يعب بعضهم على بعض (١). وقال جماعة من العلماء: الفرق أفضل لأنه آخر ما كان عليه رسول الله ﷺ ، وهو لا يكون إلا مع كثرة الشعر (٢). والذي يظهر أن الأمرين سيان، وإنما فرق النبي ﷺ من أجل مخالفة أهل الكتاب. واليوم لم يعد أهل الكتاب يختصون بالسدل حتى تستحب مخالفتهم، فلم يعد فرق الشعر مطلوباً ولا مستحباً، كما كان عليه الأمر في زمنه ﷺ ، والله تعالى أعلم.

стр. 24

٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَرَجُّلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - ذكر الترمذي ﵀ تحت هذا الباب الأحاديث المتعلقة بترجيل النبي ﷺ شعره، وبيان بعض آداب الترجيل، وسيأتي بيان معناه بعد قليل إن شاء الله. ٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنا حائض». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عائشة هي: أم المؤمنين، عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄، زوج النبي ﷺ ، وأحب نسائه إليه، ولدت بعد البعثة بأربع سنين أو خمس، وكانت من فقهاء الصحابة ومن المكثرات من رواية الحديث، توفيت في المدينة ودفنت في البقيع، سنة: ٥٨ هـ، وعندما توفي النبي ﷺ كان عمرها ثمان عشرة سنة. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بنحوه.

стр. 25

* الوجه الثالث: شرح ألفاظه: (ترجيل الشعر): تسريحه وتنظيفه وتحسينه كما في النهاية لابن الأثير. * الوجه الرابع: أورد المصنف هذا الحديث مختصراً، وقد أخرجه الشيخان بلفظ أطول عن عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ يصغي إليّ رأسه وهو مجاورٌ في المسجد، فأرجّله وأنا حائض»، هذا لفظ البخاري. وفي رواية عند أبي داود: «كان رسول الله ﷺ يكون معتكفاً في المسجد، فيناولني رأسه من خلل الحجرة فأغسل رأسه وأنا حائض» (١). * الوجه الخامس: في الحديث دلالة على عناية النبي ﷺ بتسريح شعره ونظافته، وقد وردت أحاديث أخرى في الباب لا تخلو من ضعف، منها حديث عائشة ﵂ قالت: «كان لا يفارق مسجد رسول الله ﷺ سواكه ومشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته» (٢). * الوجه السادس: دلّ الحديث على استحباب العناية بنظافة الشعر وتسريحه وتحسينه، اقتداء وتأسياً بالنبي ﷺ ، حيث إنه لم يكن يترك ذلك في زمن الاعتكاف مع قصره، واشتغاله بالعبادة ففي غيره من باب أولى. وقد وردت أحاديث قولية أخرى في الحث على العناية بالشعر، منها حديث أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «من كان له شعر، فليكرمه» (٣).

стр. 26

ومنها حديث عطاء بن يسار، أخبره قال: كان رسول الله ﷺ في المسجد، فدخل رجل ثائر الرأس واللحية، فأشار إليه رسول الله ﷺ بيده أن اخرج - كأنه يعني إصلاح شعر رأسه ولحيته - ففعل الرجل، ثم رجع فقال رسول الله ﷺ : «أليس هذا خيراً من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان» (١). * الوجه السابع: يلحق بالعناية بتسريح شعر الرأس العناية بتسريح شعر اللحية بالنسبة للرجال، فقد ورد في «شمائل الترمذي» عن أنس بن مالك قال: «كان رسول الله ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته» (٢)، وهو وإن كان ضعيف الإسناد لكن القياس الصحيح يقوم مقامه. * الوجه الثامن: عناية المسلم بنظافة شعره وتسريحه، لا تعني استغراقه في ذلك، حتى يصبح ديدنه وشغله الشاغل، بل الواجب أن يكون حال المسلم وسطاً بين الإفراط والتفريط، ويشهد لذلك ما أخرجه المصنف في الشمائل والسنن، من حديث عبد الله بن مغفل، قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الترجّل إلا غباً» (٣). أي لا يبالغ في العناية بتسريح شعره فهذا أليق بالنساء. * الوجه التاسع: السنة في تسريح الشعر أن يبدأ بشقه الأيمن أولاً، كما دل عليه حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: قالت: كان النبي ﷺ «يعجبه التيمن، في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله» (٤).

стр. 27

٦ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبّاً». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: عبد الله بن مُغفل هو: ابن عبد غنم المزني، أبو سعيد، وأبو زياد، صحابي جليل، شهد بيعة الشجرة، وكان أحد الذين بعثهم عمر بن الخطاب ليفقهوا الناس بالبصرة، مات بالبصرة سنة: ٥٩ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، والترمذي (٣) وقال: حسن صحيح، وصححه ابن حبان (٤)، وصححه: الألباني وشعيب الأرناؤوط بشواهده. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (غباً): حيناً بعد حين. * الوجه الرابع: دل الحديث على كراهة اشتغال المسلم بترجيل شعره والمبالغة في العناية به، حتى يصبح شغله الشاغل، وإنما الواجب التوسط في

стр. 28

الأمر، بحيث لا يهمله بالكلية ولا يشتغل به دوماً، وإنما يكون وسطاً بين هذا وهذا. وقد تقدم معنا في شرح الحديث السابق ذكرُ بعض الأحاديث الدالة على استحباب العناية بنظافة الشعر، وتسريحه وتحسينه، دون إفراط ولا تفريط.

стр. 29

٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي شَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان ما ورد في صفة شيب رسول الله ﷺ من الأخبار وما يتعلق بخضابه. ٧ - عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: هَلْ خَضَبَ رَسُولُ الله ﷺ ؟ قَالَ: «لَم يَبْلُغْ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانَ شَيْباً فِي صُدْغَيْهِ، وَلَكِنْ أَبُو بَكرٍ رضي الله تعالى عنه خَضَبَ بالحِنَّاء والكَتَم «. • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول في التعريف براويه: أنس بن مالك ﵁ تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) بنحوه، وليس في البخاري ذكر خضاب أبي بكر. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (الشيب): تحول الشعر من لونه الأصلي إلى البياض، وهو يحصل لأسباب مختلفة، منها التقدم في السن ودوام الأحزان وغير ذلك.

стр. 30

(خضب): الخضب: تلوين الشعر بحمرة أو غيرها. (صُدغيه): الصُّدغ: ما بين العين والأذن. (الحناء والكتم): ورق نباتي يصبغ به، الأول يجعل الشعر لونه أحمر، والثاني يجعله أسود مائلاً إلى الحمرة، والصبغ بهما معاً يجعله بين السواد والحمرة كما في الفتح (١). * الوجه الرابع: دل الحديث على أن النبي ﷺ لم يكن يخضب شعره، لأن شيبه كان قليلاً في جهة الصدغين لا يحتاج معه إلى خضاب. وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث عند مسلم أن الشيب كان أيضاً في عنفقته وفي مفرق رأسه ﷺ ، ولفظه: «إنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نُبَذٌ» (٢). * الوجه الخامس: صحت أحاديث أخرى تدل على قلة شيب رسول الله ﷺ ، منها حديث أنس في البخاري: «قُبض - رسول الله ﷺ وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء» (٣). وحديث جابر بن سمرة، أنه سئل عن شيب النبي ﷺ فقال: «كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيء، وإذا لم يدهن رئي منه» (٤). فكل هذه الأحاديث وغيرها تدل على أن الشيب لم يكن كثيراً في شعر

стр. 31

رسول الله ﷺ ، وإنما كان على سواده وحسنه حتى توفاه الله . * الوجه السادس: اختلف العلماء هل خضب رسول الله ﷺ شعره أو لا؟ فذهب جماعة إلى نفي ذلك استناداً إلى حديث أنس في الباب. وذهب جماعة إلى إثبات الخضاب مستدلين بأحاديث، منها: حديث ابن عمر ﵄ أنه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة (١)، وفي رواية: «أن النبي ﷺ كان يصفّر لحيته بالورس والزعفران» (٢). ومنها حديث عثمان بن عبد الله بن موهب، قال: دخلت على أم سلمة ﵂ «فأخرجت إلينا شعراً من شعر النبي ﷺ مخضوباً» (٣). وقد جمع الإمام النووي بين هذه الأحاديث بأن النبي ﷺ صبغ في وقت وتركه في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى (٤). وهذا معناه أن عدم علم أنس ﵁ بخضاب رسول الله ﷺ لا يعني عدم وقوع ذلك مطلقاً، خاصة وقد أثبت غيره ذلك. * الوجه السابع: أخرج الترمذي في الشمائل من حديث أبي جحيفة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله نراك قد شبت. قال: «قد شيبتني هود وأخواتُها» (٥).

стр. 32

وأخرج من حديث ابن عباس، أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله! قد شِبتَ؟، فقال ﷺ : «شيبتني (هود) و (الواقعة) و (المرسلات) و (عم يتساءلون) و (إذا الشمس كورت)» (١). فهذه الأحاديث الصحيحة تدل على الأسباب التي لأجلها شاب شعر النبي ﷺ ، وهي اشتمال السور المذكورة على ذكر أهوال يوم القيامة وأحوال السعداء والأشقياء والأمر بالاستقامة وغير ذلك مما يوجب استيلاء سلطان الخوف، لا سيما خوفه ﷺ على أمته وعظيم شفقته عليهم ورأفته بهم. * الوجه الثامن: ذهب جمع من العلماء إلى أن صبغ الشيب وتغيير لونه سنة، سواء للرجال أو النساء، لما ثبت من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» (٢). وعن أبي أمامة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: «يا معشر الأنصار حمروا أو صفروا وخالفوا أهل الكتاب» (٣). وذهب بعض أهل العلم إلى أن الصبغ مباح وليس بسنة، بدليل أن الصحابة كان بعضهم يصبغ كأبي بكر وعمر، وكان بعضهم لا يصبغ كعلي بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وسَلَمَة بن الأكوع وأنس وغيرهم.

стр. 33

وقال الحافظ ابن حجر: «الخضاب مطلقاً أولى، لأنه فيه امتثال الأمر في مخالفة أهل الكتاب إلا إن كان من عادة أهل البلد ترك الصبغ، وأن الذي ينفرد بدونهم بذلك يصير في مقام الشهرة، فالترك في حقه أولى» (١).

стр. 34

٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي كُحْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي باب ما ورد في صفة كحل رسول الله ﷺ من الأحاديث، وسنذكر بعد قليل معنى الكحل، وأن منه ما يستعمل للزينة ومنه ما يستعمل للاستشفاء. ٨ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النبي ﷺ قال: «إِنَّ خَيْرَ أَكْحَالِكُمُ الإِثْمِدُ يَجْلُو البَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: ابن عباس تقدم التعريف به في حديث رقم ٤. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والنسائي (٢)، وابن ماجه (٣)، وصححه جمع من العلماء منهم: ابن حبان (٤)، والحاكم (٥)، وابن القطان (٦)، وأحمد شاكر، والألباني. ووردت أحاديث أخرى في معناه تشهد له.

стр. 35

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (أكحالكم): الكحل: ما يوضع في العين مما ليس بسائل، من أجل الزينة أو الاستشفاء. (الإثمد): بكسر الهمزة، حجر معدني معروف، أسود يميل إلى الحمرة، يكتحل به بعد طحنه جيداً. (يجلو البصر): أي يحسن النظر، لتنظيفه العين ودفع المواد الضارة عنها. * الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب الاكتحال بالإثمد لكثرة فوائده الصحية للعين، وقد أشار إلى استحبابه غير واحد من أهل العلم كالحافظ ابن حجر والمناوي (١). * الوجه الخامس: صح في حديث جابر بن عبد الله تقييد الاكتحال بالإثمد بما قبل النوم، ولفظه: «عليكم بالإثمد عند النوم فإنه يجلو البصر وينبت الشعر» (٢). قال ابن القيم في زاد المعاد: «وفي الكحل حفظ لصحة العين، وله عند النوم مزيد فضل لاشتمالها على الكحل، وسكونها عقيبه عن الحركة المضرة بها، وخدمة الطبيعة لها».

стр. 36

* الوجه السادس: أخرج الترمذي في الشمائل (١) وغيره من حديث ابن عباس: «أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة. وفي رواية: قبل أن ينام ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه»، وقد حسنه: الترمذي (٢)، وأحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، خلافاً لتضعيف الألباني له. * الوجه السابع: سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن حكم وضع الكحل للرجال؟ فأجاب بقوله: «الكحل مشروع للرجال والنساء على حدٍ سواء، فكونه يكحل عينيه فلا بأس، والكحل طيب نافع، وكان النبي ﷺ يكتحل، فلا بأس بذلك» (٣). قلت: وقد بوب الإمام المنذري في كتابه الترغيب والترهيب فقال: «باب الترغيب في الكحل بالإثمد للرجال والنساء». وقال الشيخ الشرقاوي: «ينبغي أن يقصد المكتحل باكتحاله المعالجة والدواء، لا مجرد الزينة كالنساء، ولذا ذهب الإمام مالك إلى كراهة الاكتحال للرجال مطلقاً إلا للتداوي» (٤).

стр. 37

٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان ما ورد في صفة لباس رسول الله ﷺ من الأحاديث وما يتعلق باللباس من أحكام وآداب. وقد ذكر بعض العلماء أن اللباس تعتريه الأحكام الخمسة، فقد يكون واجباً كاللباس الذي يستر العورة من العيون، ومندوباً كالثوب الحسن في العيدين والجُمَع، ومحرماً كلبس الحرير للرجال، ومكروهاً كلبس الثياب الرثة دائماً للغني، ومباحاً وهو ما عدا ذلك. ٩ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ يلبسه القَمِيصُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أم سَلَمَة: هي أم المؤمنين، هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، إحدى زوجات النبي ﷺ ، أسلمت قديماً، وكانت من أكمل النساء عقلاً وخلقاً، تعد من فقهاء الصحابة، توفيت في المدينة، سنة: ٦١ هـ.

стр. 38

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) وحسنه، وابن ماجه (٣)، وصححه الحاكم (٤)، والألباني، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث حسن. * الوجه الثالث: في غريبه: (القميص): هو الثوب والجلباب المعروف، له كمان تدخل فيهما اليدين، وفتحة للعنق. * الوجه الرابع: قال العلماء: وإنما كان القميص أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ لأنه أستر للبدن من الإزار والرداء اللذين يحتاجان إلى كثير من الربط والإمساك، كما أنه مريح في الحركة، خفيف في لبسه وخلعه. * الوجه الخامس: ثبت عن النبي ﷺ أنه لبس أنواعاً مختلفة من اللباس، ولم يقتصر على صنف واحد، فقد ثبت أنه لبس القميص، ولبس الإزار والرداء، ولبس الجبة، ولبس البردة، ولبس القباء، ولبس الفروة، ولبس السراويل وغير ذلك (٥). * الوجه السادس: ذكر العلماء أن الأصل في اللباس الحل والإباحة، وأن للمسلم لبس ما يشاء إلا ما ورد النهي عنه، كتحريم الحرير للرجال، أو

стр. 39

ما يكشف العورة، أو ما فيه تشبه بالنساء والكفار مما هو مختص بهم، أو ما كان لباس شهرة. وقد دل على هذا الأصل نصوص الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله ﷺ : «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة»، وقال ابن عباس: «كلْ ما شئت، والبسْ ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرفٌ، أو مخيلة» (١). * * * ١٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْباً سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصاً أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو سعيد الخدري: هو الصحابي الجليل سعد بن مالك بن سِنَان الخزرجي الأنصاري الخدري، وخدره بطن من الأنصار، كان من حفاظ الحديث المكثرين، ومن العلماء الفضلاء العقلاء، توفي سنة: ٧٤ هـ.

стр. 40

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) وحسنه، وصححه ابن حبان (٣)، والنووي (٤)، وحسنه الحافظ ابن حجر بشواهده (٥). * الوجه الثالث: قوله «سماه باسمه»، مقصود هذه العبارة على الصحيح أن النبي ﷺ كان عندما يدعو بهذا الدعاء يقول: اللهم لك الحمد كما كسوتني هذه العمامة أو هذا القميص، يسمّيه باسمه مستحضراً منَّة الله عليه، وليس المراد أن يطلق على الكساء الجديد اسماً أو العمامة الجديدة اسماً. * الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب دعاء المسلم بهذا الدعاء عندما يكرمه الله ﵎ بلباس جديد، قميصاً كان أو عمامة أو غير ذلك. * * * ١١ - عَنْ عَوْنِ بنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رأيت النبي ﷺ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو جحيفة هو: وهب بن عبد الله بن مسلم السوائي، صاحب رسول الله
следующие страницы →