← Сира

Сира · id 938

شرح مختصر الشمائل المحمدية

هانى فقيه

Полный текст (241 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

* الوجه السادس: أخرج الترمذي في الشمائل (١) وغيره من حديث ابن عباس: «أن النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة. وفي رواية: قبل أن ينام ثلاثة في هذه، وثلاثة في هذه»، وقد حسنه: الترمذي (٢)، وأحمد شاكر وشعيب الأرناؤوط، وعبد القادر الأرناؤوط، خلافاً لتضعيف الألباني له. * الوجه السابع: سئل الشيخ ابن باز ﵀ عن حكم وضع الكحل للرجال؟ فأجاب بقوله: «الكحل مشروع للرجال والنساء على حدٍ سواء، فكونه يكحل عينيه فلا بأس، والكحل طيب نافع، وكان النبي ﷺ يكتحل، فلا بأس بذلك» (٣). قلت: وقد بوب الإمام المنذري في كتابه الترغيب والترهيب فقال: «باب الترغيب في الكحل بالإثمد للرجال والنساء». وقال الشيخ الشرقاوي: «ينبغي أن يقصد المكتحل باكتحاله المعالجة والدواء، لا مجرد الزينة كالنساء، ولذا ذهب الإمام مالك إلى كراهة الاكتحال للرجال مطلقاً إلا للتداوي» (٤).

стр. 37

٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي لِبَاسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان ما ورد في صفة لباس رسول الله ﷺ من الأحاديث وما يتعلق باللباس من أحكام وآداب. وقد ذكر بعض العلماء أن اللباس تعتريه الأحكام الخمسة، فقد يكون واجباً كاللباس الذي يستر العورة من العيون، ومندوباً كالثوب الحسن في العيدين والجُمَع، ومحرماً كلبس الحرير للرجال، ومكروهاً كلبس الثياب الرثة دائماً للغني، ومباحاً وهو ما عدا ذلك. ٩ - عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ يلبسه القَمِيصُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أم سَلَمَة: هي أم المؤمنين، هند بنت أبي أمية بن المغيرة القرشية المخزومية، إحدى زوجات النبي ﷺ ، أسلمت قديماً، وكانت من أكمل النساء عقلاً وخلقاً، تعد من فقهاء الصحابة، توفيت في المدينة، سنة: ٦١ هـ.

стр. 38

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) وحسنه، وابن ماجه (٣)، وصححه الحاكم (٤)، والألباني، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث حسن. * الوجه الثالث: في غريبه: (القميص): هو الثوب والجلباب المعروف، له كمان تدخل فيهما اليدين، وفتحة للعنق. * الوجه الرابع: قال العلماء: وإنما كان القميص أحب الثياب إلى رسول الله ﷺ لأنه أستر للبدن من الإزار والرداء اللذين يحتاجان إلى كثير من الربط والإمساك، كما أنه مريح في الحركة، خفيف في لبسه وخلعه. * الوجه الخامس: ثبت عن النبي ﷺ أنه لبس أنواعاً مختلفة من اللباس، ولم يقتصر على صنف واحد، فقد ثبت أنه لبس القميص، ولبس الإزار والرداء، ولبس الجبة، ولبس البردة، ولبس القباء، ولبس الفروة، ولبس السراويل وغير ذلك (٥). * الوجه السادس: ذكر العلماء أن الأصل في اللباس الحل والإباحة، وأن للمسلم لبس ما يشاء إلا ما ورد النهي عنه، كتحريم الحرير للرجال، أو

стр. 39

ما يكشف العورة، أو ما فيه تشبه بالنساء والكفار مما هو مختص بهم، أو ما كان لباس شهرة. وقد دل على هذا الأصل نصوص الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، وقوله ﷺ : «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة»، وقال ابن عباس: «كلْ ما شئت، والبسْ ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرفٌ، أو مخيلة» (١). * * * ١٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْباً سَمَّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصاً أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كَمَا كَسَوْتَنِيهِ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو سعيد الخدري: هو الصحابي الجليل سعد بن مالك بن سِنَان الخزرجي الأنصاري الخدري، وخدره بطن من الأنصار، كان من حفاظ الحديث المكثرين، ومن العلماء الفضلاء العقلاء، توفي سنة: ٧٤ هـ.

стр. 40

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) وحسنه، وصححه ابن حبان (٣)، والنووي (٤)، وحسنه الحافظ ابن حجر بشواهده (٥). * الوجه الثالث: قوله «سماه باسمه»، مقصود هذه العبارة على الصحيح أن النبي ﷺ كان عندما يدعو بهذا الدعاء يقول: اللهم لك الحمد كما كسوتني هذه العمامة أو هذا القميص، يسمّيه باسمه مستحضراً منَّة الله عليه، وليس المراد أن يطلق على الكساء الجديد اسماً أو العمامة الجديدة اسماً. * الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب دعاء المسلم بهذا الدعاء عندما يكرمه الله ﵎ بلباس جديد، قميصاً كان أو عمامة أو غير ذلك. * * * ١١ - عَنْ عَوْنِ بنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «رأيت النبي ﷺ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَرِيقِ سَاقَيْهِ». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو جحيفة هو: وهب بن عبد الله بن مسلم السوائي، صاحب رسول الله

стр. 41

- ﷺ ، توفي النبي ﷺ وهو مراهق، وولي بيت المال والشرطة لعلي بن أبي طالب ﵁، كانت وفاته بالكوفة، سنة: ٧٤ هـ ﵁. * الوجه الثاني في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين بلفظ أطول (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (الحلة): إزار ورداء، ولا تكون الحلة إلا اسماً للثوبين معاً. * الوجه الرابع: دل لبس النبي ﷺ للحلة الحمراء على جواز لبس الأحمر، ولو كان قانياً، وهو مذهب الشافعي وغيره (٢)، وقد صحت أحاديث أخرى في لباس النبي ﷺ للحلة الحمراء، كحديث البراء بن عازب ﵁ قال: «كان النبي ﷺ مربوعاً، وقد رأيته في حلة حمراء، ما رأيت شيئاً أحسن منه»، أخرجاه في الصحيحين (٣). وخالف بعض العلماء كابن قيم الجوزية، وذهبوا إلى تحريم لبس الأحمر الخالص على الرجال، مستدلين بأدلة من أصحها: ما ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ نهى عن لبس المعصفر (٤)، والعصفر يصبغ صباغاً أحمر، قالوا: وما ورد من لبس النبي ﷺ للحلة الحمراء، فهذه لم تكن خالصة الحمرة، وإنما كانت منسوجة بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود اليمانية.

стр. 42

ونوقش هذا: بأنه لا دليل عليه لغة ولا شرعاً، وظاهر الأحاديث يدل على أن الحلة كانت كلها حمراء (١). قالوا: وأما استدلال المانعين بالنهي عن المعصفر، فقد اختلف في علة هذا النهي، فقيل: المعصفر من زينة النساء، وقيل: النهي خاص بالمعصفر وليس كل أحمر، وقيل: تحمل أحاديث النهي على الكراهة، وأحاديث الحلة الحمراء على الجواز. والحاصل أن لبس الأحمر فيه خلاف كبير بين العلماء، وقد حكى الحافظ ابن حجر في الفتح (٢) سبعة أو ثمانية أقوال في المسألة، ونَسَبَ إلى جمع من الصحابة والتابعين القول بالجواز مطلقاً، فمثل هذه المسألة مما لا ينبغي التشديد فيها، لقوة الخلاف وتعارض الأدلة. ويعجبني في هذه المسألة قول الإمام الطبري: «الذي أراه جواز لبس الثياب المصبغة بكل لون، إلا أني لا أحب لبس ما كان مشبعاً بالحمرة، ولا لبس الأحمر مطلقاً ظاهراً فوق الثياب، لكونه ليس من لباس أهل المروءة في زماننا، فإن مراعاة زي الزمان من المروءة ما لم يكن إثماً، وفي مخالفة الزي ضرب من الشهرة» (٣). فيفهم من كلام الإمام الطبري؛ أن الأصل في لبس الأحمر الجواز، إلا إذا خالف عرف الناس فيمنع لأجل الشهرة، والعرف قد يتغير من زمان إلى زمان، وليس فيه حكم مضطرد.

стр. 43

* الوجه الخامس: صحت النصوص في الترغيب في لبس الثياب البيضاء، كحديث ابن عباس مرفوعاً: «البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» (١). وورد تعليل الاستحباب في حديث سمرة بن جندب مرفوعاً: «البسوا البياض فإنها أطهر وأطيب»، رواه الترمذي وصححه (٢)، وقال ابن حجر: «إسناده صحيح» (٣). فهذا الحديث يوضح سبب الترغيب في لبس الأبيض، لأنه أطهر، لأن النجاسة تظهر إذا وقعت عليه، ولأنه أقرب للتواضع وعدم الكبر والخيلاء. * الوجه السادس: أما لبس بقية الألوان، فقد تقدم قبل قليل كلام الطبري في جواز لبس كل الألوان، ولم أقف على ما يمنع من لبس لون بعينه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لبس ألواناً مختلفة، فقد لبس الأبيض، ولبس الأسود، ولبس الأحمر، والأخضر، والأصفر، ولبس المخطط، والله تعالى أعلم.

стр. 44

٨ - بَابُ مَا جَاءَ فِي خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان ما ورد في خف رسول الله ﷺ من الأحاديث، وبيان صفته. والخف معروف، وهو عادة ما يصنع من الجلد الرقيق. ١٢ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُريدة، عن أبيه: «أن النَّجَاشِي أهدى النبيَّ ﷺ خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ، فَلَبِسَهُمَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: بُريدة: هو الصحابي الجليل بريدة بن الحُصيب بن عبد الله الأسلمي ﵁، أسلم قبل بدر ولم يشهدها، واستعمله النبي ﷺ على صدقات قومه. وسكن المدينة، وانتقل إلى البصرة، ثم إلى مرو فمات بها، سنة: ٦٣ هـ. له ١٦٧ حديثاً. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢) وحسنه، وابن ماجه (٣)، وحسنه الألباني وشعيب الأرناؤوط بالشواهد.

стр. 45

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (النجاشي): لقب ملوك الحبشة، واسم هذا النجاشي: أَصحمة على وزن أربعة، وقد أكرمه الله فأسلم. (خُفين): مثنى خُف، وهو ما يلبس في الرجل، مصنوع من جلد رقيق. (ساذجين): لا نقش فيهما، ولا شعر عليهما. * الوجه الرابع: دل الحديث على فوائد منها: ١ - بيان صفة خف النبي ﷺ وأنه كان ساذجاً، لا نقش فيه ولا شعر عليه. ٢ - قبول هدايا أهل الكتاب، خاصة إذا كان فيه تأليف لهم على الإسلام، وكانت هدية النجاشي هذه قبل أن يسلم، كما أفاده ابن العربي (١). ٣ - أن الأصل في الأشياء المجهولة الطهارة، فإن النبي ﷺ لم يسأل عن أصل هذين الخفين، هل هما من جلد حيوان مذكى أو ميتة!! ٤ - جواز المسح على الخفين في الوضوء وهو إجماع.

стр. 46

٩ - بَابُ مَا جَاءَ فِي نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة النعل الذي كان رسول الله ﷺ يلبسه. وقد ذكر بعض العلماء: أن لبس النعال من الأمور المستحبة، ومن سنن الأنبياء، وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبدالله مرفوعاً: «استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكباً ما انتعل» (١)، ومعناه كما قال النووي: «أن المنتعل شبيه بالراكب في خفة المشقة عليه، وقلة تعبه وسلامة رجله مما يعرض في الطريق من خشونة وشوك وأذى ونحو ذلك» (٢). ١٣ - عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: كَيْفَ كَانَ نَعْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قال: «لهما قِبَالان». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١.

стр. 47

* الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري في صحيحه (١)، ولفظه من طريق قتادة، حدثنا أنس ﵁: «أن نعل النبي ﷺ كان لها قبالان». * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (النعل): الحذاء الذي يلبس في القدم، ليقيها من الأرض. (لهما قبالان): أي لكل واحد من النعلين قبالان، تثنية قِبال بكسر القاف، وهما سيران، يضع أحدهما بين إبهام رجله والتي تليها، ويضع الآخر بين الإصبع الوسطى والتي تليها، ويجمع السيرين إلى السير الذي على ظهر القدم، وهو الشراك، ويسمى أيضاً الشِسْع. * الوجه الرابع: في الحديث بيان صفة نعل النبي ﷺ ، وفي هذا عناية الصحابة الفائقة بنقل ورواية كل ما يتعلق بالنبي ﷺ وأحواله وصفاته وأدواته ولباسه، حتى إنهم وصفوا شكل نعله وهيئته. * الوجه الخامس: ورد في صفة نعلي النبي ﷺ أيضاً أنهما كانا جرداوين، كما في صحيح البخاري (٢)، أي لا شعر عليهما. وأنهما كانا مخصوفين (٣)، أي مخروزين، أي أن جلدهما مخيط. * الوجه السادس: ذكر العلماء أن الأصل في لبس النعال الحل، وللمرء لبس ما يناسبه منها، دون أن يتقيد بصفة أو هيئة محددة.

стр. 48

* الوجه السابع: صح عن النبي ﷺ أنه كان يخصف - يخيط -ـ نعله بنفسه، فعن عائشة ﵂، أنها سُئلت ما كان النبي ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: «كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم» (١). وهذا من كمال تواضعه ﷺ . * الوجه الثامن: صح عن جماعة من الصحابة أن النبي ﷺ نهى أن ينتعل الرجل قائماً (٢). وذكر العلامة المناوي أن النهي للإرشاد، لأن لبسها قاعداً أسهل وأمكن، ومنه أخذ بعضهم تخصيص النهي بما في لبسه قائماً تعبٌ كالتاسومة والخف، لا كالقباقب. * الوجه التاسع: صح عن النبي ﷺ النهي عن المشي في نعل واحدة، فقال: «لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً أو ليحفهما جميعاً» (٣). قال العلماء: هذا مكروه تنزيهاً حيث لا عذر له، لما في مشيته في نعل واحدة من التشويه والمثلة، وربما أدى إلى اختلال توازنه وسقوطه (٤).

стр. 49

١٠ - بَابُ مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ خَاتَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي ذكر الأحاديث الواردة في الخاتم الذي كان يلبسه ﷺ في يده، وبيان صفته، وإنما زاد لفظ «ذكر» هنا دون بقية التراجم ليكون علامة مميزة بين خاتم النبوة وهو البضعة الناشزة بين كتفيه ﷺ ، وقد تقدم الحديث عنه، وبين الخاتم الذي كان يلبسه في يده ويختم به. ١٤ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَرِقٍ وَكَانَ فَصُّهُ حَبَشياً». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم (١)، وهو في البخاري (٢) بلفظ: «اتخذ خاتماً من فضة»، ليس فيه ذكر الفَصّ.

стр. 50

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (ورق): الورق بكسر الراء: الفضة. (فصّه): الفص بفتح الفاء وكسرها (١): ما يركَّب في الخاتم من الأحجار الكريمة وغيرها. (حبشياً): أي أن فصّ الخاتم كان من حجر الحبشة، أي مجلوباً من بلاد الحبشة، وقيل المراد: أن لون الفص كان كلون الحبشة أحمر يميل إلى السواد. * الوجه الرابع: في الحديث بيان صفة خاتم النبي ﷺ ، وأنه كان مصنوعاً من فضة عليه حجر حبشي. وقد صح في حديث آخر لأنس ﵁؛ أن خاتم النبي ﷺ كان من فضه فصّه منه (٢). وهذا بظاهره مخالف لحديث الباب، وقد جُمع بينهما بالتعدد، أي أن النبي ﷺ كان له خاتمان، أحدهما فصه حبشي، والآخر فصه منه. * الوجه الخامس: صح من حديث أنس بن مالك ﵁ أن خاتم النبي ﷺ كان منقوشاً عليه ثلاثة أسطر: (محمد) سطر، و (رسول) سطر، و (الله) سطر (٣). وقد ذكر بعض العلماء أن كتابتها كانت من أسفل إلى فوق، يعني أن لفظ

стр. 51

الجلالة في أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد في أسفلها، كي لا يعلو على اسم الله شيء، لكن قال ابن حجر: «لم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث» (١). وقد نبه الحافظ ابن حجر أيضاً إلى أن هذه الكلمات الثلاث «لم تكن كتابتها على السياق العادي، لأن ضرورة الاحتياج إلى أن يختم به يقتضي أن تكون الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستوياً» (٢). * الوجه السادس: ورد في الصحيحين سبب اتخاذ النبي ﷺ للخاتم، فعن أنس بن مالك قال: لما أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى الروم، قيل له: إنهم لا يقرءون كتاباً إلا مختوماً، قال: «فاتخذ رسول الله ﷺ خاتماً من فضة، كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله ﷺ ، نقشه محمد رسول الله» (٣). وفي قوله: «كأني أنظر إلى بياضه في يد رسول الله» دليل على أن النبي ﷺ كان يلبس هذا الخاتم، وهذا يضعف رواية أنه ﷺ كان يختم به ولا يلبسه (٤). * الوجه السابع: دل حديث الباب على جواز لبس خاتم الفضة للرجال وهو إجماع. ولا يكره للمرأة لبسه أيضاً عند جماهير العلماء خلافاً للخطابي الذي كره الفضة للنساء لأنه شعارٌ للرجال، ورده النووي وقال «هذا ضعيف أو باطل لا أصل له، والصواب أنه لا كراهة في لبسها خاتم الفضة» (٥).

стр. 52

* الوجه الثامن: ذهب بعض العلماء إلى كراهة لبس الخاتم للرجال مطلقاً إلا لحاجة، مستدلين بحديث في سنن أبي داود (١) أن النبي ﷺ «نهى عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان»، لكنه حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به (٢)، وقد كان الصحابة يلبسون الخواتم في عهد النبي ﷺ ، لذلك فالصحيح الذي عليه جمهور العلماء جواز لبسه دون كراهة (٣). * الوجه التاسع: ورد في سنن أبي داود (٤) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: «كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه». وهو حديث مختلف في صحته، فقد ضعفه أبو داود والنسائي والدارقطني، وصححه الترمذي والمنذري وابن دقيق العيد (٥). والحديث وإن كان مختلفاً في صحته لكن الأصول العامة تقتضي وجوب تنزيه ذكر الله تعالى عن الأماكن القذرة كالحمامات وبيوت الخلاء. لذلك جاء في فتاوى اللجنة الدائمة برقم (٢٢٤٥): «لا يجوز أن يدخل الشخص الحمام ومعه مصحف، بل يجعل المصحف في مكان لائق به؛ تعظيماً لكتاب الله واحتراماً له، لكن إذا اضطر إلى الدخول به خوفاً من أن يسرق إذا تركه خارجاً جاز له الدخول به للضرورة».

стр. 53

وبمثله يمكن أن يقال في الدخول إلى الحمامات بالكتب والنقود التي فيها ذكر الله تعالى. * الوجه العاشر: فائدة: يحرم لبس خاتم الذهب على الرجال مطلقاً، وهو إجماع، وكان النبي ﷺ لبسه في بداية الأمر ثم نزعه وألقاه، وقال: «والله لا ألبسه أبداً» (١).

стр. 54

١١ - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ أي بيان الأحاديث الواردة في أن النبي ﷺ كان يلبس الخاتم في يمينه، وكأن الترمذي يرجح أن النبي ﷺ كان يتختم في اليمين فحسب، لكن سوف نورد ما يدل على أنه ﷺ كان يتختم في شماله أيضاً. ١٥ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَلْبَسُ خَاتَمَهُ فِي يمينه». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: علي بن أبي طالب: هو الصحابي الجليل أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته فاطمة الزهراء، وأحد الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة، ومن أوائل من أسلم، فضائله كثيرة، وقد توفي ﵁ شهيداً سنة: ٤٠ هـ بالكوفة. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، وصححه ابن حبان (٢)، والألباني، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده قوي.

стр. 55

* الوجه الثالث: دل الحديث على أن السنة لبس الخاتم في اليد اليمنى تأسياً بالنبي ﷺ ، وقد أورد الترمذي في الشمائل أحاديث عدة في تختم النبي ﷺ في اليمين غير هذا الحديث، وكأنه بهذا يرجح التختم في اليد اليمنى، وهو ظاهر من تبويبه. لكن صح عنه ﷺ أنه تختم في اليسار أيضاً كما ثبت ذلك في صحيح مسلم (١) من حديث أنس بن مالك قال: «كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى». قال النووي ﵀: «أجمعوا على جواز التختم في اليمين وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل، فتختم كثيرون من السلف في اليمين، وكثيرون في اليسار» (٢). قلت: كلام النووي يدل على أن الأمر فيه سعة، بلا بأس من التختم في اليمين أو الشمال، وكلاهما جائز، والحمد لله. * الوجه الرابع: الأفضل جعل خاتم الرَّجُل في خنصر اليد كما دل عليه حديث أنس السابق في صحيح مسلم. وأما التختم في بقية الأصابع فقد ثبت من حديث علي بن أبي طالب قال: «نهاني رسول الله ﷺ أن أتختم في إصبعي هذه أو هذه»، قال: «فأومأ إلى

стр. 56

الوسطى والتي تليها» (١)، والمقصود بالتي تليها السبابة كما بينتها رواية أبي داود (٢). وهذا النهي خاص بالرجال، وهو محمول على كراهة التنزيه، وأما المرأة فلها التختم في الأصابع كلها، أفاده النووي (٣) والطيبي (٤).

стр. 57

١٢ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة سيف رسول الله ﷺ ، وحاله التي كان عليها. وقد ذكر شرّاح الشمائل: أن النبي ﷺ كانت له سيوف متعددة، ذكروا منها تسعة، فكان له سيف يقال له: (المأثور)، وسيف يقال له: (البتار)، وسيف يقال له: (القضيب) .. إلى آخره. ١٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من فضة». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أبو داود (١)، والترمذي (٢)، والنسائي (٣) بلفظ أطول، من طريق جرير بن حازم عن قتادة عن أنس به، وهذا إسناد صحيح، لكن أعله جماعه من الحفاظ كأبي داود والنسائي بتفرد جرير بن حازم به، وقالوا: الصواب أنه عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن البصري به مرسلاً.

стр. 58

لكن بين الإمام الترمذي أن جريراً لم يتفرد به، فقد تابعه همّام فرواه عن قتادة عن أنس به. وكذا تابعه أبو عوانه كما في رواية الطحاوي فرواه عن قتادة عن أنس به. والحديث قال عنه الترمذي: حسن غريب، وقال عبد الحق الإشبيلي: الذي أسنده ثقة وهو جرير بن حازم. وصححه الألباني وذكر له شواهد عدة تقويه، وصحح أسانيد بعضها الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير، فصح الحديث إن شاء الله تعالى (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (القبيعة): بفتح القاف، قطعة من الحديد أو الفضة تكون على طرف مقبض السيف، تمنع اليد من انزلاق السيف منها. * الوجه الرابع: دل الحديث على جواز تحلية السيف وسائر آلات الحرب بالقليل من الفضة. وأما التحلية بالذهب فغير مباحة، والحديث الذي أخرجه الترمذي في الشمائل؛ أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى سيفه ذهب وفضة، حديث ضعيف كما قال شراح الشمائل كابن حجر المكي وعلي القاري (٢)، وقال الذهبي: «هذا منكر، فما علمنا في حلية سيفه ﷺ ذهباً» (٣).

стр. 59

* الوجه الخامس: اتفق العلماء على تحريم لبس الذهب على الرجال مطلقاً كخاتم من ذهب ونحوه، وإباحة لبس خاتم الفضة، وأما النساء فيجوز لهن لبس الذهب والفضة كليهما (١). * الوجه السادس: اتفق العلماء على تحريم استعمال آنية الذهب والفضة الخالصة سواء على الرجال أو النساء، وألحق بهما أكثر العلماء بقية الأدوات المستعملة كالمكحلة والمشط والقلم ونحوها. واختلفوا في الأدوات المطلية والمموهة بالذهب والفضة، فبعضهم منعه مطلقاً، وبعضهم فصّل وقال: إن كان الطلاء خفيفاً يسيراً، أي مجرد لون وتمويه فلا بأس به، وإن كان الأفضل تركه، وأما إن كانت كمية الذهب والفضة كثيرة بحيث يمكن فصلها عن الإناء، ويكون لها جرم فلا يجوز، ويكون حكمه حكم الذهب والفضة الخالصة (٢).

стр. 60

١٣ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - مقصود الترمذي بيان صفة لبسه ﷺ للدرع وليس صفة الدرع نفسه، لأنه أورد في الباب حديثين في صفة لبس الدرع، وأن النبي ﷺ لبس درعين أحدهما فوق الآخر. وقال بعض الشراح: أراد الترمذي أن يبين اتخاذ النبي ﷺ الدرع ولبسه في الحرب، والله أعلم. وقد ذكر شراح الشمائل أن النبي ﷺ كانت له سبعة أدرع، وفي الصحيح أنه ﷺ توفي ودرعه مرهونة عند يهودي على شعير اشتراه منه (١). ١٧ - عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ ﵁ قال: كان على النبي ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَأَقْعَدَ طَلْحَةَ تَحْتَهُ وَصَعِدَ النبي ﷺ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقول: «أوجب طلحة». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: الزبير بن العوام هو: الصحابي الجليل أبو عبد الله، الزبير بن العوام بن

стр. 61

خويلد القرشي الأسدي، ابن عمة النبي ﷺ وحواريّه، وأحد كبار وفضلاء الصحابة، والعشرة المبشرين بالجنة، ومن أوائل من أسلم، توفي شهيداً سنة: ٣٦ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه الترمذي في سننه وقال: حسن غريب (١)، وصححه ابن حبان (٢)، والحاكم (٣)، والألباني. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (الدرع): قَمِيص مصنوع من حلقات من الحديد المتشابك، يلبس وقاية من السّلاح. * الوجه الرابع: قوله: «أوجب طلحة» أي وجبت له الجنة بسبب عمله هذا، أو بما فعله في ذلك اليوم - يوم أحد - فإنه خاطر بنفسه، وفدى بها رسول الله ﷺ وجعلها وقاية له حتى طعن ببدنه وجرح جميع جسده حتى شلّت يده، وجرح ببضع وثمانين جراحة (٤). * الوجه الخامس: (طلحة) في الحديث هو: طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، أحد فضلاء الصحابة السابقين إلى الإسلام، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، استشهد سنة: ٣٦ هـ في معركة الجمل.

стр. 62

* الوجه السادس: دل الحديث على فضل طلحة بن عبيد الله ﵁، وفضائله كثيرة. * الوجه السابع: في لبس النبي ﷺ يوم أحد درعين دليل على مشروعية الأخذ بالأسباب، والتوقي من الأعداء والتأهب للحرب، وأن هذا لا ينافي كمال التوكل على الله سبحانه والتسليم له، كما جاء في الحديث: «اعقلها وتوكل». (١)

стр. 63

١٤ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ مِغْفَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أراد المصنف بهذا الباب بيان أن النبي ﷺ اتخذ المغفر ولبسه في الحرب تأهباً لها. ١٨ - عن أنس بن مالك ﵁: «أن النبي ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ وعليه مغفرٌ، فلما نزعه قيل لَهُ: هَذَا ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: اقْتُلُوهُ». قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رسول الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ مُحْرِماً. • … الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أنس بن مالك تقدم التعريف به في الحديث رقم ١. الوجه الثاني في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١). * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (المغفر): زَرَدٌ ينسج من الحديد على قدر الرَّأْس يلبس تَحت القلنسوة، وهي تسبغ على العنق فتقيه من ضربات السيوف والرماح ونحوها، وهو

стр. 64

معدود من جملة السلاح، لأن السلاح يطلق على ما يقتل به وعلى ما يدفع به. * الوجه الرابع: عندما فتح النبي ﷺ مكة ودخلها أَمَّنَ كل من فيها إلا ستة نفر أهدر دماءهم لكثرة ما ألحقوه من الأذى الشديد بالمسلمين، منهم ابن خطل هذا، فإنه كان قد أسلم، ثم قتل رجلاً من المسلمين وارتد مشركاً وهرب إلى مكة، وكان له جاريتان تغنيان بهجاء النبي ﷺ والمسلمين (١). * الوجه الخامس: دخول النبي ﷺ مكة وعليه المغفر دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، سواء دخلها لحاجة تتكرر أو لا تتكرر. وما نقله الترمذي عن ابن شهاب أنه قال: «وبلغني أن رسول الله ﷺ لم يكن يومئذ محرماً»، يشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري، أن رسول الله ﷺ «دخل مكة يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام» (٢). * الوجه السادس: في لبس النبي ﷺ للمغفر دليل على مشروعية الأخذ بالأسباب والتوقي من الأعداء والتأهب للحرب، وأن هذا لا ينافي كمال التوكل على الله سبحانه والتسليم له، كما جاء في الحديث: «اعقلها وتوكل». (٣) * الوجه السابع: قدمنا قبل قليل أنه ورد في صحيح مسلم أن النبي ﷺ

стр. 65

دخل مكة وعليه عمامة سوداء، وهذه الرواية لا تعارض حديث الباب لاحتمال أنه ﷺ كان أوّل دخوله على رأسه المغفر، ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك، فحكى كل راوٍ ما رآه.

стр. 66

١٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي عِمَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة عمامة رسول الله ﷺ . والعمامة هي ما يلفه الناس على رؤوسهم من الثياب، وهي منتشرة في كثير من البلدان والشعوب، يلبسونها وقاية من الحر والبرد أو جزءاً من الزينة. وجاء في المواهب اللدنية للقسطلاني: «لم تكن عمامته ﷺ بالكبيرة التي يؤذي حملها ويضعفه ويجعله عرضة للآفات، أو بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد، بل وسطاً بين ذلك» (١). وورد في الصحيح ما يدل على أن النبي ﷺ كان إذا اعتم يرخي عمامته بين كتفيه، ففي صحيح مسلم من حديث عمرو بن حريث قال: «كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد أرخى طرفيها بين كتفيه» (٢). * * * ١٩ - عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: «دخل النبي ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامةٌ سوداء».

стр. 67

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: جابر بن عبد الله هو: الصحابي الجليل أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الخزرجي الأنصاري، أحد كبار الصحابة وفضلائهم وعلمائهم، ومن المكثرين من رواية الحديث، توفي بالمدينة، سنة: ٧٤ هـ. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه مسلم في صحيحه (١). * الوجه الثالث: قدمنا في الباب السابق وجه الجمع بين هذا الحديث وحديث أن النبي ﷺ دخل مكة وعلى رأسه المغفر، فلا حاجة لتكراره هنا. * الوجه الرابع: دخول النبي ﷺ مكة وعليه عمامة دليل على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، سواء دخلها لحاجة تتكرر أو لا تتكرر، وقد تقدمت الإشارة إلى هذه المسألة في الباب السابق. * الوجه الخامس: دل الحديث على جواز لبس الثياب السوداء وإن كان الأبيض أفضل، كما دل عليه حديث: «البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم» (٢). والنبي ﷺ لم يكن من هديه لبس الثياب السوداء باستمرار وإنما كان يلبسها أحياناً، قال ابن القيم ﵀: «وفي القصة: أنه دخل مكة، وعليه

стр. 68

عمامة سوداء، ففيه دليل على جواز لبس السواد أحياناً، ومن ثم جعل خلفاء بني العباس لبس السواد شعاراً لهم، ولولاتهم، وقضاتهم، وخطبائهم، والنبي ﷺ لم يلبسه لباساً راتباً، ولا كان شعاره في الأعياد والجمع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لبس العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه يومئذ السواد، بل كان لواؤه أبيض» (١). * الوجه السادس: وأما لباس بقية الألوان فقد تقدم كلام الإمام الطبري في الباب السابع في جواز لبس الألوان كلها وأن المسألة خاضعة للعرف. ولم أقف على ما يمنع من لبس لون بعينه إلا الأحمر وقد تقدم الخلاف فيه في الباب السابع، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه لبس ألواناً مختلفة، فقد لبس الأبيض، ولبس الأسود، ولبس الأحمر، ولبس الأخضر، ولبس الأصفر، ولبس المخطط، والله تعالى أعلم. * الوجه السابع: اختلف العلماء في لبس العمامة التي تلف على الرأس، فقال بعضهم إن لبسها سنة اقتداء بالنبي ﷺ ، ورجحت اللجنة الدائمة أنها من المباحات وليست بسنة، والأولى أن يلبس الإنسان ما اعتاد أهل بلده لبسه على رؤوسهم (٢). وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: «لباس العمامة ليس بسنة، لكنه عادة، والسنة لكل إنسان أن يلبس ما يلبسه الناس ما لم يكن محرماً بذاته، وإنما قلنا هذا؛ لأنه لو لبس خلاف ما يعتاده الناس لكان ذلك شهرة، والنبي

стр. 69

- ﷺ نهى عن لباس الشهرة، فإذا كنا في بلد يلبسون العمائم لبسنا العمائم، وإذا كنا في بلد لا يلبسونها لم نلبسها، وأظن أن بلاد المسلمين اليوم تختلف، ففي بعض البلاد الأكثر فيها لبس العمائم، وفي بعض البلاد بالعكس، والنبي ﷺ كان يلبس العمامة؛ لأنها معتادة في عهده، ولهذا لم يأمر بها بل نهى عن لباس الشهرة مفيداً إلى أن السنة في اللباس أن يتبع الإنسان ما كان الناس يعتادونه إلا أن يكون محرماً» (١). قلت: وردت أحاديث عدة في فضل لبس العمامة، وكلها أحاديث ضعيفة وبعضها أوهى من بعض كما ذكر الشيخ الألباني ﵀ (٢).

стр. 70

١٦ - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ إِزَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - أي بيان الأحاديث الواردة في صفة إزاره ﷺ وكذلك ردائه، والإزار: ما يستر أسفل البدن، والرداء: ما يستر أعلاه. ٢٠ - عن أبي بردة، عن أبيه قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ ﵂ كِسَاءً مُلَبَّداً وَإِزَاراً غَلِيظاً فَقَالَتْ: «قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ الله ﷺ في هذين». • الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: أبو بردة هو أحد علماء التابعين من أهل الكوفة، وأبوه هو: الصحابي الجليل عبدالله بن قيس بن سليم، المعروف بأبي موسى الأشعري، أحد كبار الصحابة وفضلائهم وعلمائهم، وأحد الشجعان الولاة الفاتحين، أسلم قديماً، وشهد المشاهد، وكانت وفاته بالكوفة، سنة: ٤٤ هـ * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين (١) من حديث أبي بردة عن أبيه به.

стр. 71

* الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (كساء): هو الرداء الذي يستر أعلى البدن ضد الإزار. (ملبداً): مرقعاً. (غليظاً): خشناً. * الوجه الرابع: قال العلامة الباجوري: «كانت عائشة ﵂ حفظت هذا الكساء والإزار اللذين قبض فيهما رسول الله ﷺ لأجل التبرك بهما، وقد كان عندها أيضاً جبة طيالسية كان ﷺ يلبسهما، فلما ماتت عائشة أخذتها أختها أسماء، فكانت عندها تستشفى بها المرضى، كما أخبرت بذلك أسماء في حديثها في مسلم» (١)، انتهى كلامه. قلت: وفي هذا تبرك الصحابة ﵃ بآثار النبي ﷺ الثابتة عنه، كالتبرك بريقه ﷺ وشعره وعرقه، وهو من خصائصه ﷺ التي لا يقاس عليه فيها غيره، بمعنى أنه لا يجوز التبرك بآثار غيره من الأولياء والصالحين على القول الصحيح كما قرره الإمام الشاطبي (٢) وغيره. * الوجه الخامس: دل الحديث على تواضع رسول الله ﷺ في لباسه بالرغم من إقبال الدنيا عليه بحذافيرها في آخر عمره، وربما لبس ﷺ هذا الكساء موافقة لا عن قصد، فقد كان ﵊ يلبس ما وجد. وأما تعمد ترقيع الثياب الجديدة كما يفعل بعض المتصوفة فهذا من الجهل بالسنة ومن تلبيس الشيطان عليهم، قال العلامة ابن الجوزي رحمه

стр. 72

الله: «فأما صوفية زماننا فإنهم يعمدون إِلى ثوبين أو ثَلاثَة كل واحد منها على لون فيجعلوها خِرَقاً ويلفقونها، فيجمع ذلك الثوب وصفين: الشهرة والشهوة، فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهى عند خلق كثير من الديباج، وبها يشتهر صاحبها أنه من الزهاد! افتراهم يصيرون بصورة الرقاع كالسلف؟ كذا قد ظنوا، وإن إبليس قد لبَّس عليهم وقال أنتم صوفية، لأن الصوفية كانوا يلبسون المرقعات وأنتم كذلك، أتراهم ما علموا أن التصوف معنى لا صورة، وهؤلاء قد فاتهم التشبه في الصورة والمعنى، أما الصورة فإن القدماء كانوا يرقعون ضرورة ولا يقصدون التحسن بالمرقع، ولا يأخذون أثواباً جدداً مختلفة الألوان فيقطعون من كل ثوب قطعة ويلفقونها على أحسن الترقيع ويخيطونها ويسمونها مرقعة!!» (١). * الوجه السادس: يؤخذ من الحديث أيضاً أنه ينبغي للإنسان أن يجعل آخر عمره محلاً لترك الزينة والترفه كما أفاده العلامة الباجوري ﵀ (٢). * * * ٢١ - عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَمَّتِي تُحَدِّثُ، عن عمّها قال: بَيْنَا أَنَا أَمشِي بِالمَدِينَةِ إِذَا إِنْسَانٌ خَلْفِي يَقُولُ: «ارْفَعْ إزارك فإنه أتقى»، فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هِيَ بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، قَالَ: «أَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ». فَنَظَرْتُ فَإِذَا إِزَارُهُ إلى نصف ساقيه.

стр. 73

• الكلام عليه من وجوه: * الوجه الأول: في التعريف براويه: راوي الحديث هو: عبيد أو عبدة بن خالد، ويقال ابن خلف المحاربي، صاحب رسول الله ﷺ ، معدود في الكوفيين. * الوجه الثاني: في تخريجه: الحديث أخرجه أحمد في المسند (١) بنحوه، وضعف إسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط وأعله بجهالة عمة أشعث بن سليم بن أبي الشعثاء، فإنها لا تعرف، لكن صححه الألباني بشواهده كما في مختصر الشمائل. * الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: (بردة ملحاء): بفتح الميم، والملحة بالضم بياض يخالطه سواد، وكأن الصحابي أراد أن مثل هذه البردة ليست من الثياب الفاخرة ولا خيلاء فيها. (ارفع إزارك) أي عن الأرض. (فإنه أتقى) أي أقرب للتقوى وأبعد عن الخيلاء، وفي بعض النسخ: (أتقى وأبقى)، أي أكثر دواماً للإزار، وفي بعضها: (أنقى وأبقى) أي أنظف، لأن الإزار إذا جُرّ على الأرض ربما تعلقت به نجاسة فتلوثه. * الوجه الرابع: دل الحديث على استحباب أن يكون الإزار إلى أنصاف الساقين للرجال، وألحق بعضهم به القميص والسراويل وكل ملبوس، بدليل حديث عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: «الإسبال في الإزار والقميص

стр. 74

والعمامة، من جرّ شيئاً خيلاء لم ينظر الله تعالى إليه يوم القيامة» (١). والذي يظهر لي؛ أن جعل اللباس إلى نصف الساق إنما هو خاص بالإزار دون غيره، لورود الأحاديث بتقييده بذلك، كحديث «إزرة المؤمن إلى نصف الساقين» (٢)، وأما حديث عبد الله بن عمر المتقدم فهو في الإسبال، وهو يشمل الإزار والقميص وكل ملبوس، وقد ذكر بعض العلماء: أن اللباس إلى نصف الساق، إذا كان يخالف عرف البلد فإنه يصبح شهرة، وموضع استغراب منهم. * الوجه الخامس: فرّق النووي في حكم إسبال الثياب تحت الكعبين بين المسبل خيلاء والمسبل لغير خيلاء، فقال: «لا يجوز إسباله تحت الكعبين إن كان للخيلاء، فإن كان لغيرها فهو مكروه، وظواهر الأحاديث في تقييدها بالجرّ خيلاء، تدل على أن التحريم مخصوص بالخيلاء، وهكذا نص الشافعي على الفرق كما ذكرنا» (٣). وهذا التفريق الذي ذكره النووي هو الذي عليه أكثر العلماء، وهو الذي رجحه ابن عبد البر والشوكاني (٤) وغيرهما. وقال بعض العلماء يحرم إسبال الثياب تحت الكعبين مطلقاً، سواء كان من أجل الخيلاء أو لغير خيلاء، والله تعالى أعلم.

стр. 75

* الوجه السادس: حكى القاضي عياض والشوكاني (١) إجماع العلماء على أن النهي عن الإسبال إنما هو خاص بالرجال دون النساء. ويؤيده حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من جر ثوبه خيلاء، لم ينظر الله إليه يوم القيامة، فقالت أم سَلَمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: يرخين شبراً، فقالت أم سَلَمة: إذاً تنكشف أقدامهن، قال: فيرخين ذراعاً، لا يزدن عليه» (٢).
следующие страницы →