← Книги сунны

Книги сунны · id 9391

تحريم نكاح المتعة

المقدسي، ابن أبي حافظ

Полный текст (100 стр.). Показаны 71–100 · переход к 76.

стр. 71

الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، قَالَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ: إِلَى مَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ. وَأَخْبَرَنِي أَبُو ذَرٍّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ قَتَادَةَ،: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] ، قَالَ: مَا تَرَاضَوْا عَلَيْهِ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُمَا " وَجَوَابٌ آخَرُ عَنِ الْآيَةِ وَهُوَ أَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا مَا ذَكَرُوا مِنَ الزِّيَادَةِ فِي الْقِرَاءَةِ، فَلَيْسَ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَإِنَّمَا فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ الْحَرَامَ مِنْ ذَلِكَ وَوَطِئَ فِيهِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: إِنَّ الْمَهْرَ يَلْزَمُ بِالْوَطْءِ فِيهِ لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ الَّتِي سَقَطَ الْحَدُّ لِأَجْلِهَا عَنْهُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ وَجَدَ امْرَأَةً نَائِمَةً عَلَى فِرَاشِهِ، فَوَطِئَهَا مُعْتَقِدًا أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَهْرُ مِثْلِهَا لِأَجْلِ الشُّبْهَةِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا. وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ مِنْ هَذَا الدَّلِيلِ، أَنَّا لَا نُوجِبُ لَهَا بِالْوَطْءِ الْمُسَمَّى، وَإِنَّمَا نُوجِبُ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا، كَسَائِرِ الْمَوْطُوءاتِ بِشُبْهَةٍ، أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، وَأَنَّا لَا نُوجِبُ لَهَا شَيْئًا مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، بَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ، بِخَلَافِ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَإِنَّ الزَّوْجَ إِذَا طَلَّقَهَا فِيهِ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَانَ

стр. 72

لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ، وَهَذَا بِخَلَافِهِ، فَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ، خَرَجْنَا مِنْ عُهْدَةِ الْآيَةِ، وَبَقِيَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ بِالدَّلَائِلِ الَّتِي لَا يَدْفَعُهَا إِلَّا جَاهِلٌ بِالْعِلْمِ أَوْ مُعَانِدٌ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ، وَإِنْ سَلَّمْنَا الزِّيَادَةَ، لَا تَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي أَوَّلِهَا: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤] يُرَادُ بِهِ النِّكَاحَ الصَّحِيحَ دُونَ الْمُتْعَةِ، لِأَنَّ الْإِحْصَانَ لَا يَحْصُلُ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ، وَلِأَنَّهُ قَالَ: غَيْرَ مُسَافِحِينَ، وَنِكَاحُ الْمُتْعَةِ هُوَ السِّفَاحُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَبَاحَ مَا وَرَاءَ الْأَعْيَانِ الَّتِي ذَكَرَ تَحْرِيمَهَا بِشَرْطِ الْإِحْصَانِ، وَعَدَمِ السِّفَاحِ. وَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، خَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ هَذِهِ الْإِبَاحَةِ، وَصَارَ كَأَنَّهُ نَهَى عَنْهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ الْمُعَلَقَةَ بِشَرْطٍ، هِيَ مُحَرْمَةٌ مَعَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّرْطِ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، كَانَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُخَالِفُ مِنْ أَخْذِ الْآيَةِ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ، لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لِأَجْلِ شُبْهَةِ الْعَقْدِ لَا يَخْلُو عَنْ عِوَضٍ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الزِّنَا

стр. 73

الْخَالِي عَنِ الْعِوَضِ، لِخُلُوِّهِ عَنْ شُبْهَةِ الْعَقْدِ، وَوُجُوبِ الْمَهْرِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ، لَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ فِعْلِهِ لَا سِيَّمَا، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي حُكْمِ أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَصَرِيحًا فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ غَيْرِهَا. أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَأَخْبَرَ تَعَالَى، أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَلَ صَيْدًا كَانَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، ثُمَّ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قَتْلُ الصَّيْدِ، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا مِثْلُهُ فِي نَظَائِرَ لِذَلِكَ. فَصْلٌ: وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ، قَالَ: فَأَبَاحَ النِّكَاحَ، وَلَمْ يَخُصَّ نِكَاحًا دُونَ نِكَاحٍ، وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ يُسَمَّى نِكَاحًا، لِأَنَّ النِّكَاحَ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْوَطْءُ، وَهُوَ فِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْعَقْدِ اللَّازِمِ الْمُؤَبَّدِ، بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. وَمِنْهُ يُقَالُ لِلْرَجُلِ الَّذِي يَمْذِي، اسْتَنْكَحَهُ الْمَذْيُ، أَيْ: لَازَمَهُ حَتَّى لَا يُفَارِقُهُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ مَوْضِعُ الْخِلَافَ

стр. 74

تَحْتَ الْآيَةِ، وَعَلَى أَنَّهُ عَامٌّ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَغَيْرِهِ، فَنَخُصُّهُ بِمَا ذَكَرْنَا. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ بِالنِّكَاحِ أَحْكَامًا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، فَكَانَ ذِكْرُ هَذَا النِّكَاحِ، وَإِبَاحَتِهِ رَاجِعًا إِلَى مَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ تِلْكَ الْأَحْكَامُ، وَلَيْسَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ شَيْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ، فَلَمْ يَكُنْ مُرَادًا بِالْآيَةِ

стр. 75

بَابُ ذِكْرِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْمُخَالِفُ مِنَ الْأَخْبَارِ ٧٣ - وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْخَضِرُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْكَرَجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّاغَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَا: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ، فَاسْتَمْتِعُوا، يَعْنِي مُتْعَةَ النِّسَاءِ ٧٤ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو

стр. 76

بَكْرٍ الْكَرَجِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الصِّدِّيقِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: «كُنَّا نَتَمَتَّعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالثَّوْبِ» ٧٥ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَدَّادُ، أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْحَسَنَ بْنَ حَفْصٍ الْبَهْرَانِيَّ، أَخْبَرَهُ فِيمَا أَجَازَ لَهُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَبِي شُرَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، قَالَا: خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَكُمْ فِي الْمُتْعَةِ، فَتَمَتَّعُوا ٧٦ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، أَنَّ الْيَمَانَ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيُّ، أَخْبَرَهُ فِيمَا أَجَازَ لَهُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ الْحَطَّابُ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غِيَاثِ بْنِ مُغِيثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ

стр. 77

الْمُرَادِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الشَّافِعِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَخْتَصِيَ، فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ إِلَى أَجَلٍ بِالشَّيْءِ» قَالَ الْمُخَالِفُ: وَهَذَا نَصٌّ أَنَّ الْمُتْعَةَ كَانَتْ مُبَاحَةً جَائِزَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ حَرَّمَ ذَلِكَ، احْتَاجَ إِلَى دَلِيلٍ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ، لَيْسَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا قَدْ أُبِيحَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَنَّ الْإِبَاحَةَ كَانَتْ مُدَّةً مَخْصُوصَةً، وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِقَوْمٍ مَخْصُوصِينَ، وَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنَ النَّاسِ، لُعُذْرٍ مَخْصُوصٍ، وَهُوَ الْحَاجَةُ، وَالضَّرُورَةُ إِلَى النِّسَاءِ فِي الْمَغَازِي، وَمَا كَانَ مُبَاحًا عَلَى هَذِهِ الْوُجُوهِ لَا تَجُوزُ اسْتِدَامَتُهُ لِكُلِّ حَالٍ، وَالْمُخَالِفُ يُبِيحُ ذَلِكَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ دَلِيلٌ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ ثَبَتَ مَا يُبْطِلُ اسْتِدْلَالَهُ مِنَ النَّسْخِ

стр. 78

الصَّرِيحِ، وَتَأْكِيدِهِ بِالتَّحْرِيمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ مَا رَوَيْنَاهُ مِنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّأْكِيدِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مُتَأَخِّرٌ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْحِ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَهُمَا مِنَ الْغَزَوَاتِ مَا كَانُوا يَحْتَاجُونَ فِيهِ، وَيَضْطَرُّونَ إِلَى ذَلِكَ، وَأَخْبَارُهُمْ مُتَقَدِمَةٌ، لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي حَالَةِ ضَرُورَةٍ فِي الْغَزَوَاتِ، وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَحِجَّةِ الْوَدَاعِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَاجُوا بَعْدَهُمَا إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ قَبْلَهُمَا مِنَ الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ، بَلِ انْقَادَ النَّاسُ إِلَى الْإِسْلَامِ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْآخَرُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَضَى بِهِ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ مِنْهُ.

стр. 79

٧٧ - وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَأْخُذُ بِالْأَحْدَثِ فَالْأَحْدَثِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أُكِدَّ التَّحْرِيمُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا زَائِدَةٌ، لِأَنَّ فِيهَا ذِكْرَ التَّحْرِيمِ، وَتَأْكِيدَهُ، وَتَأْبِيدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَخْبَارُهُمْ نَاقِصَةٌ، وَالْأَخْذُ بِالزَائِدِ أَوَّلَى. وَجَوَابٌ آخَرُ: هُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا مُقَيَّدَةٌ بِزَمَانٍ وَأَخْبَارَهُمْ مُطْلَقَةٌ، فَكَانَ الْأَخْذُ بِالْمُقَيَّدِ الَّذِي يُفِيدُ النَّسْخَ أَوْلَى. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا نَاقِلَةٌ عَنِ الْأَصْلِ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَبَعْضِ الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَارَهُمْ مُتَبَقِّيَةٌ عَلَى الْأَصْلِ، فَكَانَ النَّاقِلُ أَوْلَى كَمَا قُلْنَا فِي نَظَائِرَ ذَلِكَ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ بَعْضَ أَخْبَارِنَا عَمَلُ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَخْبَارُهُمْ، وَمَا وَافَقَهُ عَمَلُ الصَّحَابَةِ كَانَ أَوْلَى، لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالتَّأْوِيلِ وَالْأَحْكَامِ، فَكَانَتْ أَخْبَارُنَا أَوْلَى. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ لِأَخْبَارِنَا التَّرْجِيحُ،

стр. 80

كَمَا ذَكَرْنَا لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهَا وَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى، لِأَنَّهَا حَاظِرَةٌ وَأَخْبَارُهُمْ مُبِيحَةٌ، وَإِذَا اجْتَمَعَ الْحَظَرُ وَالْإِبَاحَةُ قُدِّمَ الْحَظَرُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، كَمَا لَوِ اخْتَلَطَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّةٍ، أَوْ شَاةٌ مُذَكَّاةٌ بِمَيْتَةٍ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ الْأَخْذَ بِأَخْبَارِنَا أَقْرَبُ إِلَى السَّلَامَةِ، وَأَبْعَدُ مِنَ الْخَطَرِ وَارْتِكَابِ الْفَاحِشَةِ، وَمَا سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَالصَّحَابَةُ زِنًا وَبَغْيًا وَسِفَاحًا، وَالْوَرَعُ، وَالْعَقْلُ، وَالدِّينُ تَشْهَدُ لَهُ، لِمُخَالَفَتِهِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ لِسَائِرِ الْأُصُولِ الَّتِي بَيَّنَّاهَا، فَكَانَ الْأَخْذُ بِأَخْبَارِنَا لِجَمِيعِ الْوُجُوهِ أَوْلَى. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا نُقِلَ فِيهَا لَفْظُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمُبَاشَرَةُ التَّحْرِيمِ بِنَفْسِهِ، وَإِفَاضَةُ ذَلِكَ إِفَاضَةً شَائِعَةً عَامَّةً عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ، وَمَجْمَعِ الْمَوْسِمِ، نَاصِبًا نَفْسَهُ لِإِعْلَامِ النَّاسِ أُمُورَ دِينِهِمْ مُوَدِعًا لَهُمْ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَخْبَارُهُمْ، فَكَانَتْ أَخْبَارُنَا أَوْلَى بِالْأَخْذِ، وَبِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا مِنْهَا. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ أَخْبَارَنَا بِلَفْظِ الرَّسُولِ ﷺ ، وَأَخْبَارَهُمْ عَنْ مُنَاوَلَةٍ، وَلَفْظٌ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ أَوْلَى.

стр. 81

وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ مَا أُبِيحَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ حَرَّمَهُ بَعَدَ ذَلِكَ وَجَبَ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ تَحْرِيمِهِ كَالْخَمْرِ فَصْلٌ ٧٨ - وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِمَا أَنْبَأَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَّاءِ الْمَقْرِيُّ الْبَصْرِيُّ ﵁، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ الْجُلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ الْحَافِظُ، قَالَ: وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ الْحَلَوَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: قَدِمَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مُعْتَمِرًا، فَجِئْنَاهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَسَأَلَهُ الْقَوْمُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمَّ ذَكَرُوا الْمُتْعَةَ، فَقَالَ: «نَعَمْ، اسْتَمْتَعْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄» ٧٩ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ،

стр. 82

قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: «كُنَّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنَ التَّمْرِ، وَالدَّقِيقِ الْأَيَّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكْرٍ، حَتَّى نَهَى عَنْهُ عُمَرُ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ» وَالْجَوَابُ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَفِيَ عَلَيْهِ النَّسْخُ، فَعَمِلَ عَلَى مَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ عَلِمَ النَّسْخَ، وَالتَّحْرِيمَ مِنْ جِهَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَرَجَعَ إِلَى ذَلِكَ وَامْتَنَعَ مِنْ إِجَازَتِهَا ٨٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْخَضِرُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَالْبَصْرِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الْكَرَجِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُنْدَارٌ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: " فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَعْنِي: مُتْعَةَ الْحَجِّ، وَمُتْعَةَ النِّسَاءِ "، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ ﵁، نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِي: فَلَمْ نَفْعَلْهُ بَعْدَهُ ٨١ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْمَقْرِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ:

стр. 83

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ الْبَكْرَاوِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَتَاهُ آتٍ، فَقَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ اخْتَلَفَا فِي الْمُتْعَتَيْنِ، فَقَالَ جَابِرٌ: «فَعَلْنَاهُمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ نَهَانَا عَنْهُمَا عُمَرُ، فَلَمْ نَعُدْ لَهُمَا» وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ النَّهْيَ عَنْهُمَا وَتَحْرِيمَهُمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنْ فِعْلِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَصْلٌ ٨٢ - وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: «مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَنَا أَنْهِي عَنْهُمَا، وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِمَا، مُتْعَةُ النِّكَاحِ، وَمُتْعَةُ الْحَجِّ» ، فَأَخْبَرَ عُمَرُ أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنَّمَا نَهَى عَنْهَا هُوَ، وَمَا ثَبَتَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَمْ يُنْسَخْ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ تَحْرِيمُ مَا كَانَ حَلَالًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

стр. 84

وَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا غَلَطٌ قَبِيحٌ، لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁، مَعَ عِلْمِهِ، وَزُهْدِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ مَا أَحَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا أُحَرِّمُهُ، وَأُعَاقِبُ عَلَيْهِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، أَنَّهُ يَقْفُو فِيهَا أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيَطْلُبُ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا يُدَّعَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَيُعَاقِبُ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ سُنَّتِهِ، وَيَأْمُرُ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا، وَالْأَخْذِ بِهَا، وَالْمَنْعِ مِنْ تَعَدِّيهَا، وَمُجَاوَزَتِهَا، وَلَوْ رَامَ تَحْرِيمَ مَا أَحلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَمْ يُقِرَّهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، وَلَا اعْتَرَضُوا عَلَيْهِ فِيهِ، كَمَا اعْتَرَضُوا فِيمَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَخَفُّ، فَبَطَلَ الدَّلِيلُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ عُمَرُ ﵁ بِذَلِكَ، أَنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، فَنُسِخَتِ الْإِبَاحَةُ، وَحُرِّمَتْ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: «إِنَّ مَنِ اسْتَحَلَّهَا وَفَعَلَهَا بَعْدَ مَا حَرَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَسَخَهَا، عَاقَبْتُهُ عَلَى ذَلِكَ» وَهَذَا وَاضِحٌ، لَا لَبْسَ فِيهِ، وَلِأَنَّ الَّذِي أَوْجَبَ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ، أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ مُتْعَةَ الْحَجِّ مَنْسُوخَةٌ، وَإِنَّمَا أُبِيحَتْ لِلرَّكْبِ الَّذِي كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تِلْكَ السَّنَةِ، فَإِنَهُ أَمَرَهُمْ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِهِ إِلَى الْعُمْرَةِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْإِجْمَاعِ، فَعَسَاهُ أَنْ

стр. 85

يَكُونَ بَلَغَهُ أَنَّ إِنْسَانًا فَعَلَ ذَلِكَ أَوْ هَمَّ بِفِعْلِهِ، وَأَمَّا مُتْعَةُ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ رَجُلا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّسْخِ، فَلِذَلِكَ زَجَرَ عُمَرُ عَنْهَا لِمَا يَكُونُ لَهُ مِنَ النَّظَرِ فِي أُمُورِ الدِّينِ. فَإِنْ قَالَ: فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مُتْعَةُ الْحَجِّ مَنْسُوخَةً، وَهِيَ مُبَاحَةٌ، وَقَدْ نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا، وَأَنَّهُ أَرَادَ مَا قُلْنَاهُ ٨٣ - مَا حَدَّثَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْفَرْضِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ الْبَهْلُولِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَدِّي، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁، أَنَّهُ ذَكَرَ الْمُتْعَةَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ كَانَ يُحِلُّ لِنَبِيِّهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبَضَ نَبِيَّهُ، فَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَحْصِنُوا فُرُوجَ النِّسَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] «وَقَدْ أَخْبَرَ عُمَرُ أَنَّهُ» يَنْهَى عَنْهَا، وَيُعَاقِبُ عَلَيْهَا " فَالْجَوَابُ: أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُرِدِ الْمَنْعَ مِنَ الْمُتْعَةِ الَّتِي وَرَدَ بِهَا الْقُرْآنُ، وَهُوَ التَّمَتُّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَإِنَّمَا أَرَادَ فَسْخَ الْحَجِّ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَفْسَخُوا إِحْرَامَهُمْ

стр. 86

بِالْحَجِّ، وَيُحْرِمُوا بِالْعُمْرَةِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَعْظِمُونَ فِعْلَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَيَقُولُونَ: إِذَا عَفَا الْوَبَرُ، وَانْسَلَخَ صَفَرُ، حَلَّتِ الْعُمْرَةُ لِمَنِ اعْتَمَرَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَفْسَخُوا الْحَجَّ، وَيَجْعَلُوهَا عُمْرَةً لِتَأْكِيدِ الْبَيَانِ، وَإِظْهَارِ الْإِبَاحَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا فِي تِلْكَ السَّنَةِ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ وَحَرَّمَهُ، كَمَا نُسِخَتْ مُتْعَةُ النِّكَاحِ، فَأَرَادَ بِنَهْيِهِ، وَعُقُوبَتِهِ هَذِهِ الْمُتْعَةِ، دُونَ الْمُتْعَةِ الْمُبَاحَةِ مِنَ الْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ٨٤ - وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، مَا أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَرَجِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ النَّحْوِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي ابْنَ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فُسِخَ الْحَجُّ لَنَا خَاصَّةً، أَوْ لِمَنْ بَعْدَنَا؟ ، قَالَ: «لَكُمْ خَاصَّةً»

стр. 87

٨٥ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ يُوسُفُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمَيَانَجِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، بِالرَّيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ حَاتِمٍ الْأَحْنَفُ الْوَاسِطِيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، قَالَ: " إِنَّمَا كَانَتْ مُتْعَةُ الْحَجِّ لَنَا رُخْصَةً أَصَحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاصَّةً ٨٦ - وَحَدَّثَنَا الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو حَامِدٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ يُونُسَ بْنِ يَاسِينَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ المُرَقَّعِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: " لَمْ تَكُنْ مُتْعَةُ الْحَجِّ لِأَحَدٍ أَنْ يَهِلَّ بِحَجٍّ، ثُمَّ يَفْسَخَهَا بِعُمْرَةٍ، إِلَّا لِلرَّكْبِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّهُ أَنْكَرَ، وَأَوْعَدَ بِالْعُقُوبَةِ لِمَنِ ارْتَكَبَ مَا نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، وَمُتْعَةِ الْحَجِّ، وَعَرَفَتِ الصَّحَابَةُ صِحَّةَ ذَلِكَ فَتَابَعُوهُ عَلَيْهِ، وَامْتَنَعُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ، وَلَا عَارَضُوهُ لِصِحَّتَهِ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا لَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ، وَعَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَوْلِ عُمَرَ ﵁ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا فِي عَهْدِ

стр. 88

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ فِيمَا بَعْدُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ فَصْلٌ: وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يُبِيحُ الْمُتْعَةَ، وَأَنَّهُ قَرَأَ «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِبَاحَةِ ذَلِكَ وَجَوَازِهِ ٨٧ - أَخْبَرَنِي أَبُو ذَرٍّ عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، فِيمَا كَتَبَ إِليَّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَوَيْهِ السَّرْخَسِّيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ خُزَيْمٍ الشَّاشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ نَصْرٍ الْقُرَشِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ قُمْقُمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا «فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى»

стр. 89

٨٨ - وَأَخْبَرَنِي الشَّيْخُ الْفَقِيهُ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْضِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْخَفَّافُ، قَالَ: أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ لَوْلَا أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُتْعَةِ مَا زَنَى مُسْلِمٌ "، قَالَ: يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَرَى وَهُوَ بِمَكَّةَ إِبَاحَةَ الْمُتْعَةِ، وَجَوَازَ بَيْعِ الدِّينَارَيْنِ بِالدِّينَارِ نَسَاءً، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الْبَصْرَةِ، رَجَعَ عَنِ الْمُتْعَةِ، وَأَقَامَ عَلَى الصَّرْفِ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ، حِينَ أَنْكَرَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَرَوَوْا لَهُ التَّحْرِيمَ فِيهَا، وَالنَّسْخَ، وَكَذَلِكَ رَجَعَ عَنِ الصَّرْفِ أَيْضًا، حِينَ رَوَى لَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَحْرِيمَ ذَلِكَ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُفْتِيَ الْإِمَامُ، وَالعَالِمُ بِمَا يُؤَدِّي اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَنْهُ لُوُضُوحِ عِلَّتِهِ وبيان صحته، وبطلان الأول ونسخه ٨٩ - أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 90

الزُّهْرِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ عَلِيًّا ﵁، قِيلَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، لَا يَرَى بِمُتْعَةِ النِّسَاءِ بَأْسًا، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «نَهَى عَنْهُمَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ» ٩٠ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْخَضِرُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَاضِي، بِأَنْطَاكِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، وَحَسَنٍ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ أَبِيهِمَا مُحَمَّدٍ، أَنَّهُ حَدَّثَهُمَا، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، يُرَخِّصُ فِي الْمُتْعَةِ بِالنِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ: دَعْ هَذَا عَنْكَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ «نَهَى عَنْهَا، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» ٩١ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْفَتْحِ عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الدَّيْنَوَرِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُرِّيُّ، بِدِمَشْقَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عُمَرَ

стр. 91

بْنُ فَضَالَةَ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِ مِائَةٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الْفَرَجِ الْغَزِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ابْنِ الْحَنِفِيَّةِ، عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مَرَّ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ يُفْتِي فِي مُتْعَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ امْرُؤٌ تَائِهٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ «نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ» ٩٢ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ طَاهِرٍ الْقُرَشِيُّ الصُّوفِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ فِرَاسٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَجُلا سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، عَنِ الْمُتْعَةِ؟ ، فَقَالَ: حَرَامٌ، فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقُولُ فِيهَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «حَرَّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ، وَمَا كُنَّا مُسَافِحِينَ»

стр. 92

٩٣ - وَأَنْبَأَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَقْرِيُّ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ الْجُلُودِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَامَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: " إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ، يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ، فَنَادَاهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ لَجَلِفٌ جَافِي، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتِ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، يُرِيدُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا، لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنُ سَيْفِ اللَّهِ، أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ، جَاءَهُ رَجُلٌ، فَاسْتَفْتَاهُ فِي الْمُتْعَةِ، فَأَمَرَهُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ: مَهْلًا، قَالَ: مَا هِيَ وَاللَّهِ بِحَرَامٍ، لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ، قَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ: كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، لِمَنِ اضْطُرَّ

стр. 93

إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّينَ، وَنَهَى عَنْهَا، قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، اسْتَدَامَ مَا كَانَ مُبَاحًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَبْلُغُهُ النَّسْخُ، وَالتَّحْرِيمُ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ، رَجَعَ عَنْهُ " ٩٤ - أَخْبَرَنِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَدَّادِ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ حَفْصٍ الْبَهْرَانِيُّ، فِيمَا أَجَازَ لِي، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو لَبِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّرْخَسِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ أَكْثَرُوا فِي الْمُتْعَةِ، حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ: أَقُولُ وَقَدْ طَالَ الثَّوَاءُ بِنَا ... يَا صَاحِ هَلْ لَكَ فِي فَتْوَى ابْنِ عَبَّاسِ هَلْ لَكَ فِي طِفْلَةِ الْأَطْرَافِ آنِسَةٍ ... تَكُونُ مَثْوَاكَ حَتَّى مَصْدَرِ النَّاسِ

стр. 94

فَخَرَجَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّهَا لَا تَحِلُّ إِلَّا لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ» وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا قُلْنَاهُ، وَفِيهِ كِفَايَةٌ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَمَّا سِوَاهُ، لِمَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ، فَاتَّبَعَ الْحَقَّ، وَخَالَفَ هَوَاهُ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، لَوْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ إِبَاحَةِ الْمُتْعَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ نَسْخُ إِبَاحَتِهَا، وَتَحْرِيمُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ، وَهَذَا يُوجِبُ تَرْكَ قَوْلِ كُلِّ أَحَدٍ خَالَفَهُ. وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ، إِذَا قَالَ: هِيَ حَلَالٌ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ: هِيَ حَرَامٌ، وَأُنْكِرَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، بِمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، فَكَيْفَ تَرَكَتْ هَذِهِ الطَّائِفَةُ قَوْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَعَ الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي نَسْخِهَا، وَتَمَسَّكَتْ بِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ؟ ! ٩٥ - وَأَنْبَأَنِي أَبُو الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْقٍ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رِشْدِينٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ، وَقَالَ: حَدَّثَنِي لَيْثُ بْنُ

стр. 95

عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ جَلِيسًا لِإِدْرِيسَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عَبْدَةَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، أَنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ، جَمَعَهُمْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي كُنْتُ أَقُولُ لَكُمْ فِي الْمُتْعَةِ مَا قَدْ عَلِمْتُمْ، وَإِنَّ جَمِيعَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ رَأَوْا تَقْوِيمِي، وَإِنِّي رَأَيْتُ رَأْيًا، وَقَدْ رَجَعْتُ عَنْ ذَلِكَ الرَّأْيِ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ، وَاجْتِهَادٌ اجْتَهَدَ فِيهِ، وَالرَّأْيُ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهِ رَجَعَ عَنْهُ، كَمَا يَفْعَلُ سَائِرُ الْمُجْتَهِدِينَ، إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُمْ بِالنَّصِ الْمُخَالِفِ لَهُ. وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْمُخَالِفِينَ فِي نِكَاحِ الْمُتْعَةِ، أَنَّهُ احْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، لَمَّا أَنْكَرَ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ، قَالَ لَهُ رَجُلٌ، وَعَرَّضَ لَهُ أَنَّ أُمَّهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ، تَزَوَّجَتْ مُتْعَةً، وَجَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلَا لَهُ، قُلْتُ: وَهَذَا أَضْعَفُ نَاصِرٍ، وَأَوْهَى دَلِيلٍ، وَأَدَلُّ عَلَى ضَعْفِ الْمُسْتَدِلِّ بِهِ، وَقِلَّةِ عِلْمِهِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَأَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَسِيرَةِ أَصْحَابِهِ، حِينَ تَرَكَ الظَّوَاهِرَ الصِّحَاحَ مِنْ ذَلِكَ، وَعَدَلَ إِلَى مَا لَا نَفْعَ لَهُ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ السِّيرَةِ وَالتَّوَارِيخِ، نَقَلُوا أَنَّ الزُّبَيْرَ تَزَوَّجَ أَسْمَاءَ بِكْرًا، ثُمَّ

стр. 96

مَاتَ عَنْهَا، وَلَمْ تَتَزَوَّجْ غَيْرَهُ. وَمَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِي كِتَابِ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَأَصْحَابِ التَّصَانِيفِ، وَحَافِظِي الصِّحَاحِ، وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمَّا حَصَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ كَانَ أَصْحَابُهُ يُعَيِّرُونَ عَبْدَ اللَّهِ، فَيَقُولُونَ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِأُمِّهِ أَسْمَاءَ، فَقَالَتْ: وَتِلْكَ شَكَاةٌ زَائِلٌ عَنْكَ عَارُهَا، وَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَاتِ النِّطَاقَينِ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا صَنَعُوا سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَاجَرَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، لَمْ يَحْضُرْهَا مَا يَشُدُّونَ بِهِ السُّفْرَةَ، فَأَمَرَهَا أَبُو بَكْرٍ أَنْ تَشُقَّ نِطَاقَهَا ثِنْتَيْنِ، وَرَبَطَتِ السُّفْرَةَ بِأَحَدِهِمَا، وَالسِّقَاءَ بِالْآخَرِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ الْمُخَالِفُ صَحِيحًا، لَمْ يَجِدِ الْحَجَّاجُ، وَأَصْحَابُهُ مَعَ مُخَالَفَتِهِمْ فِي جَوَازِ الْمُتْعَةِ، وَاعْتِقَادِهِمْ لِبُطْلَانِهَا، عَيْبًا لَعْبِدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، مِثْلَ أَنْ يُعَيِّرُوهُ بِأَنَّ أُمَّهُ تَزَوَّجَتْ مُتْعَةً، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا، وَلَا عِنْدَكَ: هَذَا عَيْبٌ فِيكَ. وَكَانَ هَذَا أَبْلَغَ مِنْ ذِكْرِ النِّطَاقَيْنِ، الَّذِي

стр. 97

هُوَ مَدْحٌ لَهُ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ أَوْرَدَهُ الْمُخَالِفُ فِي كِتَابٍ وَإِسْنَادٍ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ صَحِيحًا أَبَدًا، فَإِنَّا نَنْظُرُ فِي إِسْنَادِهِ، وَنُبَيِّنُ بُطْلَانَهُ إِنْ قَدِرَ عَلَيْهِ بِضَعْفِ نَاقِلِيهِ، وَفَسَادِ طُرُقِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا نُقِلَ وَمَا رُوِيَ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ، وَالْحُكْمُ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يُنْظَرَ وَيُكْشَفَ أَمْرُهُ، وَعَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَخْبَارِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَتَحْرِيمِهِ، وَصِحَّةِ نَسْخِهِ، وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَرُجُوعِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَاعْتِرَافِهِ بِأَنَّهُ حَرَامٌ كَالْمَيْتَةِ، وَالدَّمِ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ خَاصَّةً، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَشَدُّ الصَّحَابَةِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ، وَالزَّجْرِ عَنْهُ، وَالتَّغْلِيظِ، وَالتَّأْنِيبِ فِيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ أَوْلَى بِالرُّجُوعِ إِلَيْهِ مِنَ الشُّبْهَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا.

стр. 98

بَابُ ذِكْرِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَنْ نَصَرَ قَوْلَهُمْ مِنَ الْقِيَاسِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَقُولُونَ بِالْقِيَاسِ قَالَ: وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ، فَجَازَ أَنْ يَصِحَّ إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ كَالْإِجَارَةِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّ الْمَعْنَى فِي الْإِجَارَةِ: أَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا، وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَأْقِيتِ بِالْمُدَّةِ، أَوْ بِالْعَمَلِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَجَّرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِعَشَرَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُدَّةَ، أَوْ ذَكَرَ مُدَّةً مَجْهُولَةً، فَإِنَّهَا تَبْطُلْ، فَلِذَلِكَ كَانَ التَّأْقِيتُ شَرْطًا فِيهَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ النِّكَاحِ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ مُطْلَقًا، فَلِذَلِكَ بَطَلَ التَّأْقِيتُ كَالْبَيْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْبَيْعُ يَصِحُّ مُطْلَقًا، فَإِذَا ذُكِرَ التَّأْقِيتُ فِيهِ، وَلَمْ يَصِحَّ إِلَّا مُطْلَقًا فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.

стр. 99

وَجَوَابٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّ النِّكَاحَ إِذَا عُقِدَ مُطْلَقًا صَحَّ، فَإِذَا عُقِدَ مُقَيَّدًا بَطَلَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْإِجَارَةُ، لِأَنَّهَا إِذَا عُقِدَتْ مُطْلَقَةً بَطَلَتْ، فَلِذَلِكَ إِذَا عُقِدَتْ مُقَيَّدَةً صَحَّتْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. فَصْلٌ: وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ نِكَاحَ الْمُتْعَةِ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَجُزْ رَفْعُهُ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ. وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ بِمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ، لِأَنَّ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، لَمْ يَكُنْ إِجْمَاعٌ، وَإِنَّمَا الْإِجْمَاعُ هُوَ مَا اجْتَهَدُوا فِيهِ بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ ، فَأَدَّاهُمُ اجْتِهَادُهُمْ إِلَى أَمْرٍ فَحَكَمُوا بِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَمَا طَرِيقُهُ النَّقْلُ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ مُبَاحَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَلَمَّا سَمِعُوا النِّدَاءَ كَسَرُوا

стр. 100

أَوَانِيَهُمْ، وَأَرَاقُوا مَا مَعْهُمْ مِنَ الْخَمْرِ، وَالنِّدَاءُ إِنِّمَا هُوَ خَبَرُ وَاحِدٍ. وَعَلَى أَنَّ كُلَّ مَا نَقَلَ إِبَاحَةَ الْمُتْعَةِ، نَقَلَ تَحْرِيمَهَا أَيْضًا، وَحَصَلَتْ رِوَايَةُ التَّحْرِيمِ عَنْ غَيْرِ مَنْ نَقَلَ الْإِبَاحَةَ زِيَادَةً عَلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ إِبَاحَتُهُمْ بِنَقَلِ مَنْ نَقَلَ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَاعِ، فَتَحْرِيمُهَا أَيْضًا مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِهِ الْإِبَاحَةُ ثَبَتَ بِهِ التَّحْرِيمُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْثُ النَّقْلِ فَهُوَ مَا قُلْنَاهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا مِنْ جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَلَمْ يَسْتَحِلَّهَا بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَعَانَدَهُ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَمَذْمُومٌ فِي الشَّرِيعَةِ، مَلُومٌ عَلَى ارْتِكَابِهِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ أَوْلَى مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ، وُمَرَاعَاةُ الشَّرِيعَةِ أَوْلَى مِنْ تَقْلِيدِ النَّاسِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى السَّوَادِ الْأَعْظَمِ أَوْلَى مِنَ الِانْفَرَادِ وَالشُّذُوذِ