← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 939

فتح الباقي على منظومة المراقي

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (531 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

القيد الدال على المعنى المزيد على أصل المعنى مذكورا نحو (رقبة مؤمنة) وكونه مقدرا، كقوله جل من قائل: (فصيام ثلاثة أيام) أي: متتابعة، عند من يشترط التتابع، وبه قرأ ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ. وما على الذات بلا قيد يدل … فمطلق وباسم جنس قد عقل وما على الواحد شاع النكره … والاتحاد بعضهم قد نصره عليه طالق إذا كان ذكر … فولدت لاثنين عند ذي النظر معنى أول الأبيات: أن المطلق ـ ويرادفه اسم الجنس ـ: هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيد، والوحدة ضرورية عند الطلب، إذ لا وجود للماهية المطلوبة بأقل من واحد، فالتوجه إلى الماهية من حيث اتحادها مع الأفراد، أو وجودها فيها. فخرج الدال على الماهية بقيد التعين في الخارج، وهو المعرفة، أو التعين في الذهن، وهو علم الجنس، أو بقيد الاستغراق، وهو العام، والدال عليها بقيد الوحدة الشائعة ـ وهي الفرد المنتشر ـ وهو النكرة، كما أشار إليه ﵀ بقوله: وما على الواحد شاع النكره، والشيوع: خلاف التعيين. فالمطلق والنكرة من حيث اللفظ سواء، والاختلاف إنما هو بالاعتبار، فإن أريدت باللفظ الماهية بلا قيد، فهو المطلق، واسم الجنس، وإن أريدت به الماهية مع قيد الوحدة الشائعة، فهو النكرة. وأشار ﵀ بقوله: والاتحاد بعضهم قد نصره، إلى أن من أهل الأصول من اختار ما ذهب إليه ابن الحاجب والآمدي ـ رحمهما الله من استواء النكرة والمطلق، فالمطلق عندهم هو ما دل على واحد شائع في جنسه، كالنكرة في الإثبات، إذا لم يقترن بها ما يوجب عمومها، (١) وينكرون كون المطلق يدل على الماهية بلا قيد. والمراد بالواحد: مفرد المعنى، فإذا كان اللفظ مثنى، دل على اثنين شائعين في الجنس،

стр. 247

وإذا كان جمعا دل على جمع شائع في الجنس، فالنظر إلى الشيوع. قال العطار ﵀ : وقول ابن الحاجب ﵀ : ما دل على شائع في جنسه، معناه ما دل على حصة من الجنس، ممكنة الصدق على كل من حصص كثيرة مندرجة تحت مفهوم كلي. وقول الآمدي ﵀ : إنه عبارة عن النكرة في سياق الإثبات، بنحو معناه، لا أن مراده النكرة المحضة، بدليل قوله عقبه: إنه احترز بقوله: نكرة عن المعارف، وعما مدلوله واحد معين، أو عام مستغرق، ثم تصريحه بأن النكرة تخرج بالاستغراق عن التنكير، إذ لا يخفى أنها إنما تخرج به عن كونها نكرة محضة، لا أنها تصير معرفة اهـ والقول باستواء المطلق والنكرة هو الموافق لكلام أهل العربية، إذ لا دليل في كلامهم على الفرق المذكور، ولأن التكليف متعلق بالأفراد، دون المفهومات الكلية التي هي أمور عقلية قاله العطار ﵀ . وأشار ﵀ بقوله: عليه طالق البيت، إلى أنه ينبني على الاختلاف في استواء المطلق والنكرة واختلافهما: اختلاف الفقهاء في من قال لزوجته: إن كان ما في بطنك ذكرا، فأنت طالق، فولدت ذكرين، هل تطلق عليه أو لا؟ فقيل: تطلق، حملا على الجنس. وقيل: لا تطلق نظرا للتنكير المشعر بالتوحيد، قاله المحلي ﵀ . بما يخصص العموم قيِّد … ودع لما كان سواه تقتدي معناه أن المطلق يقيد بنحو ما سبق أنه يخصص العام مما يتأتى تقييده به. قال أبو الوليد الباجي ﵀ في الإشارة: التقييد يقع بثلاثة أشياء: الغاية، والشرط، والصفة. فأما الغاية فقولك: اضرب زيدا، وعمرا أبدا حتى يرجع إلى الحق، فلولا أنه قيد الضرب بالرجوع إلى الحق، لاقتضى ذلك ضربه أبدا. وأما الشرط فقولك: من جاءني من الناس فأعطه درهما، فقيد ذلك بالشرط. وأما الصفة فقولك: أعط القرشيين المؤمنين، فقيد بصفة الإيمان، ولولا ذلك لاقتضى

стр. 248

اللفظ كل قرشي اهـ والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال وجميع ما تقدم من البحوث في العام والخاص، جار في المطلق والمقيد، ولا يفترق البابان إلا في ما أشار إليه ﵀ بقوله: وحمل مطلق على ذاك وجب … إن فيهما اتحد حكم وسبب معناه أن المطلق والمقيد إذا اتفقا في الحكم والسبب، وجب حمل المطلق على المقيد، لأن السبب الواحد لا يوجب متنافيين، وذلك كتقييد الوصية في قوله جل من قائل: (من بعد وصية يوصي بها) الآية الكريمة، بحديث " الثلث والثلث كثير " (١) وحديث " فلا وصية لوارث " (٢) وأما التمثيل بقوله جل من قائل: (أو دما مسفوحا) فالظاهر أنه سهو، وأن ذلك من قبيل تخصيص العام. وكذلك التمثيل بقوله جل من قائل: (يأخذ كل سفينة غصبا). … وكذلك التمثيل بقراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في آية كفارة اليمين، لاتحاد المورد (٣). والوصف في الآية الأولى يقتضيه السياق، فالتعليل للخرق بشأن الملك مع السفن، صريح في أنه لا يأخذ ذات الخرق، فالنص ليس مطلقا، حتى يقال إنه مقيد بالإجماع والله أعلم بالصواب. وقد نقل الاتفاق على حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة القاضي أبو بكر والقاضي عبد الوهاب وابن فورك وإلكيا الطبري ﵏ قاله في الإرشاد. وليس القول به خاصا بمن يرى حجية المفهوم، كما بينه ابن عاشور ﵀

стр. 249

سبحانه وتعالى ـ. ومحل حمل المطلق على المقيد، إذا لم يتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق، فإن تأخر كان ناسخا للمطلق، بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد، فلو قال: إن ظاهرت فأعتق رقبة، ثم قال بعد ذلك: إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة، كان ناسخا لما اقتضاه القول من إجزاء الرقبة الكافرة، وإنما يحمل عليه إذا تقارنا، أو تأخر المطلق، أو جهل تاريخهما، أو تأخر الخطاب بالمقيد، عن الخطاب بالمطلق، لكن ورد قبل وقت العمل بالمطلق، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وإن يكن تأخر المقيد … عن عمل فالنسخ فيه يعهد وذلك لامتناع تأخر البيان عن وقت الحاجة، كما تقدم بيانه، والله أعلم. وإن يكن أمر ونهْي قُيِّدا … فمطلق بضد ما قد وجدا المراد أنه إذا تقابل أمر ونهي، وكان أحدهما مقيدا، والآخر مطلقا، فالمطلق منهما مقيد بضد ما قيد به المقيد، جمعا بينهما. فإذا قال: أعتق رقبة مؤمنة، وقال: لا تعتق رقبة، قيدت الرقبة في النهي بالكفر، وفي تسمية هذا تقييدا توسع. وإذا قال: لا تعتق رقبة كافرة، وقال أعتق رقبة، قيدت الرقبة في الأمر بالإيمان. وحيث ما اتحد واحد فلا … يحمله عليه جل العقلا معناه أن المطلق لا يحمل على المقيد إذا اتفقا في الحكم دون السبب، أو في السبب دون الحكم، بل يبقى المطلق على إطلاقه، هذا مذهب جل المالكية، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ . وذهب جمهور الشافعية إلى أنه يحمل عليه، وجعله الرازي ضعيفا جدا. وذهب محققون منا ومنهم إلى جواز التقييد بالقياس على المقيد على نحو ما يأتي اشتراطه في القياس، لا أن ذلك مطرد، هكذا ذكر هذا القول جماعة، وليس الكلام في هذا، إنما الكلام في الحمل بمقتضى اللفظ.

стр. 250

ومثال ذلك: إطلاق الرقبة في الظهار، وتقييدها في القتل، فيبقى المطلق على إطلاقه لاختلاف السبب، وإطلاق الأيدي في التيمم، وتقييدها في الوضوء بالمرافق، فيبقى المطلق على إطلاقه لاختلاف الحكم، إذ هو في المقيد الغسل، وفي المطلق المسح. فصل في التأويل والمحكم والمجمل التأويل لغة: من آل يؤول إذا رجع، تقول: آل الأمر إلى كذا أي: رجع إليه، ومآل الأمر: مرجعه. واصطلاحا: صرف اللفظ عن معناه الظاهر منه، إلى معنى محتمل منه بمرجوحية، لدليل دال على ذلك، فلا يكون في النص، ولا في المجمل، وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: حمل لظاهر على المرجوح .......................... وأما المحكم ـ بفتح الكاف ـ فهو لغة: من أحكمه إذا أتقنه. واصطلاحا: مشترك بين البيِّن الدلالة على معناه ـ وهو المراد هنا ـ والنص الذي ليس بمنسوخ، وسيأتي ـ إن شاء الله والمجمل ـ بفتح الميم ـ وهو لغة: من أجمله إذا جمعه مع غيره ولم يميزه، من أُجمل الحسابُ إذا جمع، وجعل جملة واحدة. واصطلاحا: ما احتمل أكثر من معنى على وجه سواء. واقسمه للفاسد والصحيح صحيحه وهْو القريب ما حمل … معْ قوة الدليل عند المستدل وغيره الفاسد والبعيد … وما خلا فلعبا يفيد معناه أن التأويل ينقسم إلى تأويل صحيح، ويسمى تأويلا قريبا، وإلى تأويل فاسد، ويسمى تأويلا بعيدا. وذلك أن صرف اللفظ عن ظاهره، إما أن يكون لدليل دال على ذلك، أو لا. والدليل إما أن يكون قويا، أو لا.

стр. 251

فأول القسمين: كحمل الجار في حديث " الجار أحق بصقبه " (١) على الشريك، فالمخالط قد يطلق عليه لفظ الجار، كقول الأعشى: أيا جارتا بيني فإنك طالقه … كذا أمر الناس غاد وطارقه لحديث قضى رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ بالشفعة في كل مال لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " (٢) وكتأويل القيام في قوله جل من قائل: (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية الكريمة، بالعزم على القيام، لما علم من اشتراط الطهارة للصلاة، كما في حديث " لا يقبل الله تعالى صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ " (٣) وذلك يقتضي حصوله قبل الشروع في الصلاة، فهذا تأويل صحيح. والثاني ـ وهو ما كان الصرف عن الظاهر فيه لأمر يعتقده المؤول مقتضيا لذلك، وليس كذلك في الواقع ـ هو التأويل الفاسد، وسيذكر منه أمثلة. وإن كان لغير دليل، فليس بتأويل أصلا، بل هو تلاعب، كما يقع من أهل الأهواء كثيرا في تفسيرهم لبعض الآيات الشريفة، والأحاديث النبوية. وقد تبع الشيخ ﵀ في ما ذكر من ترادف القريب والصحيح، وترادف البعيد والفاسد، البرماوي ـ رحمهما الله كما ذكره في النشر. وذكر غير واحد أن التأويل القريب هو ما كان المعنى المرجوح فيه غير بعيد، بأن تكون القرينة منتصبة عليه، والبعيد ما كانت إرادة المعنى المرجوح فيه بعيدة، والله أعلم. والخلفَ في فهم الكتاب صيِّرِ … إياه تأويلا لدى المختصر المراد بالكتاب: المدونة، وبالمختصر: مختصر العلامة سيدي خليل ﵀ .

стр. 252

يشير بهذا إلى أن سيدي خليلا ﵀ إذا أطلق في مختصره التأويل، فمراده به الوجوه التي يفسر الشيوخ بها كلام المدونة، كما أشار إليه ﵀ بقوله: وبأول لاختلاف شارحيها في فهمها. والتفسير من المعاني المعروفة لكلمة التأويل، كقوله جل من قائل حكاية عن سيدنا يوسف ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ: (قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل) فجعل مسكين بمعنى المد … عليه لائح سمات البعد كحمل مرأة على الصغيره … وما ينافي الحرة الكبيره وحمل ما روي في الصيام … على القضاء معَ الالتزام أشار ﵀ بهذه الأبيات، إلى أمثلة من التأويل البعيد. فأشار ﵀ بأول الأبيات، إلى ما جاء عن الحنفية من تأويل المسكين في قوله جل من قائل: (فإطعام ستين مسكينا) بالمد، فجوزوا إطعام مسكين واحد ستين يوما، بعلة أن المراد سد الخلة، ولا فرق بين سد خلة ستين مسكينا في يوم واحد، وسد خلة مسكين ستين يوما. فالكلام عندهم إما أن يكون على تقدير مضاف، والأصل إطعام طعام ستين مسكينا، وهو ستون مدا، أو يكون المسكين فيه بمعنى المد، والأول هو الواقع في كلام غير واحد، والثاني توهمه عبارة التاج السبكي ﵀ في الجمع. قال في المنخول: قوله جل من قائل: (فإطعام ستين مسكينا) يقتضي مراعاة عدد المساكين، وقال الإمام أبو حنيفة ـ رضي الله عنه ـ: لا يراعى، ومعناه إطعام طعام ستين مسكينا، فيجوز صرفه إلى واحد، وقال: ذكر عدد المساكين، لبيان الطعام. ثم اعترضه بوجهين: أحدهما: أن الافعال التي تتعدى إلى مفعولين، تنقسم إلى ما ينتظم من مفعوليه مبتدإ وخبر، كقولك: ظننت زيدا عالما، فتقول: زيد عالم، فيفهم، فهذا لا بد فيه من ذكر المفعولين

стр. 253

فأما ما لا يتأتى من مفعوليه كلام يفهم، كقولك: أعطيت زيدا درهما، فهذا يجوز الاقتصار فيه على أحد المفعولين، إذ تقول إذا أردت بيان المعطى: أعطيت درهما، ويبقى المعطى له مجملا. وإذا قصدت بيان المعطى له، قلت: أعطيت زيدا، والقدر المعطى مجمل، والإطعام من جنس الإعطاء، وقد ذكر الرب أحد مفعوليه، وهو المعطى لهم، وجرد القصد إلى بيانه، وترك مقدار الطعام وجنسه مجملا، فالتأويل المذكور إلغاء لما صرح به وتقدير في محل الاحتمال. الثاني: عدم تسليم ما قيل من استواء سد خلة فقير واحد ستين يوما، وسد خلة ستين مسكينا يوما، لاحتمال أن يكون إحياء مهج أقوام معدودين مقصودا للشارع، واللفظ دال عليه اهـ بتصرف. ولم يستبعد المازري ﵀ تأويل الحنفية المذكور، والله أعلم. وأشار ﵀ بالبيت الثاني إلى حمل الحنفية أيضا حديث " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له " (١) على الصبية، أو الأمة أو المكاتبة، لصحة تزويج الحرة الكبيرة نفسها عندهم قياسا على المال، فهو بعيد، أما الصبية فلأن المرأة لا تطلق على الصبية، وأما الأمة فلقوله: " فلها المهر " وقصره على المكاتبة قصر للعموم على صورة نادرة، فيكون كاللغز، والندور يقتضي عدم الإرادة، والعموم في الحديث لأجل الشرط، وأما ترك الاستفصال المذكور في بعض الشروح فلم أفهم المقصود به. وأشار ﵀ بالبيت الثالث، إلى ما جاء عن الحنفية من حمل

стр. 254

حديث " لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر " (١) على الصيام قضاء، والصيام عن نذر، وهو المراد بالالتزام، وذلك لجواز صوم رمضان، وصوم التطوع عندهم بنية في النهار. ووجه البعد: أنه قصر للعام النص في العموم ـ وهو " لا صيام " الذي هو نكرة مركبة مع لا النافية للجنس ـ على صورة نادرة، فالصيام المذكور نادر بالنسبة لصيام رمضان، لأنه إنما يكون لأسباب عارضة، والله أعلم. وذو وضوح محكم، والمجمل … هو الذي المراد منه يجهل أشار ﵀ بهذا إلى ما تقدم في شرح ترجمة البحث من تفسير المحكم والمجمل، فذكر أن المحكم: هو اللفظ المتضح الدلالة على معناه، وأن المجمل: هو ما له دلالة غير ظاهرة من قول أو فعل. قال في الإرشاد: الإجمال إما أن يكون في حال الإفراد، أو التركيب. والأول إما أن يكون بتصريفه، نحو: قال من القول والقيلولة، ونحو مختار، فإنه صالح للفاعل والمفعول، قال العسكري: ويفترقان، تقول في الفاعل: مختار لكذا، وفي المفعول: مختار من كذا، ومنه قوله جل من قائل: (لا تضار والدة بولدها) (ولا يضار كاتب ولا شهيد) وإما أن يكون بأصل وضعه، فإما أن تكون معانيه متضادة كالقرء، للطهر والحيض، والناهل للعطشان والريان، أو متشابهة غير متضادة، فإما أن يتناول معاني كثيرة بحسب خصوصياتها، فهو المشترك، وأما بحسب معنى تشترك فيه فهو المتواطئ. وكما يكون في المفردات يكون في المركبات، نحو قوله جل من قائل: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) لتردده بين الزوج والولي، ويكون أيضا في مرجع الضمير، ويكون في الصفة، نحو طبيب ماهر، لترددها بين أن تكون للمهارة مطلقا، أو للمهارة في الطب، ويكون في تعدد المجازات المتساوية مع مانع يمنع من حمله على حقيقته اهـ

стр. 255

منه بتصرف. وما به استأثر علم الخالق … فذا تشابه عليه أطلق معناه أن المتشابه هو ما استأثر الله بعلم معناه، بناء على أن الوقف في قوله جل من قائل: (وما يعلم تأويله إلا الله) على اسم الجلالة، وهو مذهب الجمهور، قالوا: ولا ينافي ذلك حصول العلم به لبعض الأولياء مثلا، كما أشار إليه ﵀ بقوله: وإن يكن علم به من عبد … فذاك ليس من طريق العهد كأنه يشير إلى أن ذلك من قبيل الصورة النادرة، والله أعلم. وقد يجي الإجمال من وجه، ومن … وجه يراه ذا بيان من فطن معناه أن النص قد يكون محكما من جهة، مجملا من جهة، بل هذا هو شأن أكثر النصوص، ومثاله قوله جل من قائل: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فهو واضح في وجوب الدعيمتين، مجمل في تفاصيل الأحكام، كذا للقرافي ﵀ في التنقيح. وقال إمام الحرمين ﵀ في البرهان: المجمل على أقسام: فقد يكون اللفظ مجمل الحكم والمحل، كقولك: لفلان في بعض مالي حق، فالحكم ـ وهو الحق ـ مجهول، والمحل ـ وهو بعض المال ـ مجهول. ومنها أن يكون الحكم مجهولا، والمحل معلوما، كقوله جل من قائل: (وآتوا حقه يوم حصاده) فالمحل الذي هو مورد الحق معلوم، وهو الزرع، والحكم الذي وقع التعبير عنه بالحق مجهول القدر والصفة والجنس. ومنها ما يكون الحكم منه معلوما، والمحل مجهولا، كقول القائل لنسائه: إحداكن طالق، أو لعبيده: أحدكم حر، فالحكم الطلاق والعتاق، وهو معلوم، ومحلهما مجهول. ومنها ما يكون المحكوم فيه معلوما، والمحكوم له، وبه، مجهولين، ومنه قوله جل من قائل: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) فالمحكوم فيه القتيل، والمحكوم له الولي، وهو مجهول، وكذلك المحكوم به مجهول، لأن السلطان مجهول في وصفه اهـ

стр. 256

والنفي للصلاة والنكاح … والشبه محكم لدى الصحاح أشار ﵀ إلى أن مذهب الأكثرين في نحو " لا صلاة إلا بطهور " (١) و " لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر " (٢) و " لا نكاح إلا بولي " (٣) أنه ليس بمجمل، خلافا للقاضي أبي بكر الباقلاني ﵀ فقد ذهب إلى أنه مجمل، قائلا: لا يصح نفي المسمى في هذه المواضع، لوجوده حسا، فلا بد من تقدير شيء، وهو متردد بين الصحة والكمال، ولا مرجح لواحد منهما. وأجيب بمنع عدم المرجح، فالمجاز بعدم الصحة هو أقرب المجازات إلى الحقيقة، لأن الفاسد لا يعتد به، فكان في معنى المعدوم حسا، فيكون أرجح، فإن قامت قرينة في موضع على إرادة غير الصحة كالكمال، صير إليه، ولا إجمال مع ترجح أحد الاحتمالات، وإلا كان كل ما ليس بنص مجملا. قال السيف الآمدي ﵀ : مذهب الكل أنه لا إجمال فيه، خلافا للقاضي أبي بكر وأبي عبد الله البصري ـ رحمهما الله فإنهما قالا بإجماله، لأن حرف النفي دخل على هذه المسميات، مع تحققها، فلا بد من إضمار. إلى أن قال: والمختار أنه لا إجمال في هذه الصور، لأنه لا يخلو إما أن يقال بأن الشارع له في هذه الأسماء عرف، أو لا عرف له فيها، بل هي منزلة على الوضع اللغوي. فإن قيل بالأول، فيجب تنزيل كلام الشارع على عرفه، إذ الغالب منه أنه إنما يناطقنا في ما له فيه عرف بعرفه، فيكون لفظه منزلا على نفي الحقيقة الشرعية من هذه الأمور، ونفي الحقيقة الشرعية ممكن، والأصل حمل الكلام على ما هو حقيقة فيه، وعلى هذا فلا إجمال، وإن كان مسمى هذه الأمور بالوضع اللغوي غير منفي. وإن قيل بالثاني، فالإجمال أيضا إنما يتحقق أن لو لم يكن اللفظ ظاهرا بعرف استعمال أهل اللغة قبل ورود الشرع في مثل هذه الألفاظ في نفي الفائدة والجدوى، وليس

стр. 257

كذلك. وبيانه أن المتبادر إلى الفهم من نفي كل فعل كان متحقق الوجود، إنما هو نفي فائدته وجدواه، ومنه قولهم: لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد، ولا حكم إلا لله ولا طاعة إلا له ولا بلد إلا بسلطان، إلى غير ذلك. وإن كان النفي محمولا على نفي الفائدة والجدوى، فلا إجمال فيه. وإن سلمنا أنه لا عرف للشارع، ولا لأهل اللغة في ذلك، وأنه لا بد من الإضمار، غير أن الاتفاق واقع على أنه لا خروج للمضمر هاهنا عن الصحة والكمال، وعند ذلك فيجب اعتقاد ظهوره في نفي الصحة والكمال، لوجهين: الأول: أنه أقرب إلى موافقة دلالة اللفظ على النفي، لأنه إذا قال: لا صلاة، لا صوم إلا بكذا، فقد دل على نفي أصل الفعل، بدلالة المطابقة، وعلى صفاته بدلالة الالتزام، فإذا تعذر العمل بدلالة المطابقة، تعين العمل بدلالة الالتزام، تقليلا لمخالفة الدليل. الثاني: أنه إذا كان اللفظ قد دل على نفي العمل وعدمه، فيجب عند تعذر حمل اللفظ على حقيقته، حمله على أقرب المجازات الشبيهة به، ولا يخفى أن مشابهة الفعل الذي ليس بصحيح، ولا كامل، للفعل المعدوم، أكثر من مشابهة الفعل الذي نفي عنه أحد الأمرين، دون الآخر، فكان الحمل عليه أولى اهـ والعكس في جداره، ويعفو … والقرء في منع اجتماع فاقف معناه أن من المجمل حديث " لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة أو خشبه- بضمتين- في جداره " (١) فالضمير في جداره يحتمل أن يكون عائدا إلى المنهي، وأن يكون عائدا إلى الجار، ومثل هذا كثير. ومنه الاسم الموصول في قوله جل من قائل: (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) فقد حمله الإمام مالك ﵀ على الولي، لما قام عنده من الدليل على ذلك، وحمله الإمام الشافعي ﵀ على الزوج، لما قام عنده أيضا على ذلك من الدليل.

стр. 258

ومنه المشترك في ما لا يمكن اجتماعه، عند التجرد عن القرائن المعيِّنة للمقصود، ومثل لذلك بالقرء، فهو مشترك في الطهر والحيض، وقد حمله على كل من المعنيين في آية العدة جماعة من أهل العلم. وقول الشيخ ﵀ : في منع اجتماع، يحترز به عن المشترك الذي تقدم ذكر الاختلاف فيه في فصل المشترك، وأنه عام عند الشافعية، والله أعلم. فصل في البيان البيان اسم مصدر بيَّن إذا أظهر، قال البناني: قال العضد ـ رحمهما الله : البيان يطلق على فعل المبين، وهو التبيين، كالسلام والكلام للتسليم والتكليم، واشتقاقه من بان إذا ظهر وانفصل، وعلى ما حصل به التبيين، وهو الدليل، وعلى متعلق التبيين ومحله، وهو المدلول، وبالنظر إلى المعاني الثلاثة اختلف تفسير العلماء له، فقال الصيرفي ﵀ بالنظر إلى الأول: هو الإخراج من حيز الإشكال، إلى حيز التجلي والوضوح اهـ وهذا هو ما عقده الشيخ ﵀ بقوله: تصيير مشكل من الجلي ........................... وقال أبو حامد الغزالي ﵀ : هذا الحد لفرع من البيان، وهو بيان المجمل خاصة، والبيان يكون فيه وفي غيره اهـ وقال القاضي أبو بكر، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، والإمام الرازي ﵏ والأكثرون ـ نظرا إلى الثاني ـ: إنه الدليل. وقال أبو عبد الله البصري ـ نظرا إلى الثالث ـ: هو العلم عن الدليل. وهُو واجب على النبي إذا أريد فهمه ......... ....................... معناه أن البيان واجب على النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ على امتناع

стр. 259

التكليف بما لا يطاق، لكن إنما يجب عليه لمن أريد فهمه للمشكل، ليعمل به كأحكام الوضوء، أو يفتي به كأحكام الحيض بالنسبة للرجال. ويجب على النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ بيان ما يتعلق بأحكام الشرع، واجبها، ومندوبها، وحرامها، ومكروهها، ومباحها. وقال بعض المتكلمين: يجب عليه بيان الواجب، ويستحب له بيان المندوب، ويباح له بيان المباح. قال ابن القشيري ﵀ : وهذا خرق للإجماع، لإجماع الأمة على وجوب تبليغ جميع الشرعيات، نقله الزركشي ﵀ في البحر. وهْو بما … من الدليل مطلقا يجلو العمى معناه أن البيان يكون بكل ما يرتفع به الإشكال، ويتضح به المراد، من قول، أو فعل، أو قرينة عقلية، أو حسية، أو غير ذلك. أما القول، فلا خلاف في وقوع البيان به، وأما الفعل، فمذهب الجمهور أنه يقع به البيان، كمسحه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم على خفيه. ومحل الخلاف، حيث لم ينضم إليه قول، كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " صلوا كما رأيتموني أصلي " (١) وقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم " خذوا عني مناسككم " (٢) ومنهم من حكى الاتفاق في البيان بالكتابة والإشارة. ومن الفعل: الترك، والتقرير. وبين القاصر من حيث السند … أو الدلالة على ما يعتمد معناه أنه لا يشترط عند جمهور أهل العلم في المبين ـ بالكسر ـ أن يكون مساويا للمبين ـ بالفتح ـ في قوة السند، ولا في قوة الدلالة، فيجوز بيان الكتاب الكريم، والسنة المتواترة، بأخبار الآحاد، ويجوز بيان المنطوق بالمفهوم. وذهب الكرخي ﵀ إلى اشتراط المساواة.

стр. 260

واختار ابن الحاجب ﵀ اشتراط كونه أقوى دلالة من المبين ـ بالفتح ـ. واختار الآمدي ﵀ التفصيل بين المجمل وغيره، فالمجمل يكفي في تعيين أحد محتملاته أدنى ما يفيد الترجيح، وأما العام والمطلق، فلا بد فيهما من كون المخصص والمقيد أقوى دلالة. وأوجبنَّ عند بعض عِلما … إذا وجوبُ ذي الخفاء عما معناه أن منهم من اشترط في المبين ـ بالكسر ـ أن يكون قطعيا إذا كان المبين ـ بالفتح ـ مما يعم التكليف به، كالطهارة والصلاة، لأن ما كان كذلك، تتوفر الدواعي على نقله تواترا. وهذا القول لا يختص بالبيان، على ما نقله ابن حزم ﵀ في الإحكام عن قوم من الحنفية وقوم من المالكية، فأخبار الآحاد عندهم مطروحة في ما تعم البلوى به. ونسبه الزركشي ﵀ في البحر لأكثر الحنفية وأبي عبد الله البصري وابن خويز الخارجي وابن سريج، وسيأتي الكلام على ذلك ـ إن شاء الله في كتاب السنة. والقول والفعل إذا توافقا … فانم البيان للذي قد سبقا وإن يزد فعل فللقول انتسب … والفعل يقتضي بلا قيد طلب والقول في العكس هو المبيِّن … وفعله التخفيف فيه بيِّن إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، وكان كل منهما صالحا لبيانه، فإما يتوافقا، بأن لا تكون في أحدهما زيادة على الآخر، أو لا، فإن توافقا فإما أن يعلم السابق منهما، أو لا. فإن علم السابق منهما، فهو المبين، والثاني تأكيد له. وقيل: إذا كان الفعل أضعف دلالة منه، لم يحمل على تأكيده، إذ يمتنع التأكيد بالأضعف. وإن لم يعلم السابق منهما، لم يحكم على واحد منهما بأنه المبين، فالمبين هو السابق في نفس الأمر، والثاني تأكيد له.

стр. 261

وإن لم يتفقا، بأن زاد أحدهما على الآخر، فالمبين هو القول خاصة، تقدم أو تأخر، وذلك هو قوله ﵀ : بلا قيد، والنقص الحاصل في الفعل تخفيف خاص به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وإن كان هو الزائد، فالزيادة إما مستحبة مطلقا، أو واجبة في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم خاصة. وذلك كما لو طاف صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في بيان الحج طوافين، وأمر بواحد، فالطواف الثاني إما مستحب في حقه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وفي حق الأمة، أو واجب يختص وجوبه به صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. وأما تمثيل صاحب نثر الورود بالوصال فسهو، كما بينه في الحلي. تأخر البيان عن وقت العمل … وقوعه عند المجيز ما حصل تأخيره للاحتياج واقع … وبعضنا هو لذاك مانع وقيل بالمنع بما كالمطلق … ثم بعكسه لدى البعض انطق أشار ﵀ بأول الأبيات، إلى أن تأخر البيان لمجمل أو ظاهر لم يرد ظاهره، عن وقت العمل، بحيث لا يكون المكلف متمكنا من المعرفة لما تضمنه الخطاب قبل الوقت، ممتنع عند القائلين بمنع التكليف بما لا يطاق، لاستحالة الإتيان بالشيء مع عدم العلم به، جائز عند من أجاز ذلك، إلا أنه لم يقع. فعدم الوقوع متفق عليه، وإنما الخلاف في الجواز. وأما تأخيره عن وقت الخطاب بالمبين ـ بالفتح ـ إلى وقت العمل، فقد اختلف في جوازه على مذاهب: أحدها: أنه جائز مطلقا، وواقع، حكاه القاضي عن الإمام مالك ـ رحمهما الله وقال أبو الوليد الباجي ﵀ : عليه أكثر أصحابنا، وهو مذهب الأكثرين. قال في الإرشاد: واستدلوا بقوله جل من قائل: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) وثم للتعقيب مع التراخي. وقوله جل من قائل ـ في قصة سيدنا نوح على نبينا وعليه أفضل الصلاة

стр. 262

وأتم التسليم -: (وأهلك) وبقوله جل من قائل: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) ثم لما سأل ابن الزبعرى عن عيسى والملائكة - على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم - نزل قوله جل من قائل: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) اهـ منه بتصرف. والثاني: أنه لا يجوز مطلقا، وهو قول المعتزلة، وكثير من الحنفية، وبعص الشافعية، وداود الظاهري، والأبهري ـ رحمهما الله . وإلى هذين القولين أشار ﵀ بالبيت الثاني. والثالث: أنه يمتنع في ما له ظاهر، كالعام، والمطلق، ويجوز في ما لا ظاهر له، كالمجمل، ونسب لأبي الحسين المعتزلي. والرابع: أنه يمتنع في ما لا ظاهر له، كالمجمل، ويجوز في ما له ظاهر، كالعام، حكاه الماوردي والروياني ـ رحمهما الله وجها لأصحاب الشافعي. وإلى هذين القولين أشار ﵀ بالبيت الثالث. وقيل غير ذلك، والمعول مذهب الجمهور والله أعلم. وجائز تأخير تبليغ له … ودرء ما يُخشى أبى تعجيله قوله ﵀ : وجائز تأخير تبليغ له، معناه أن تأخير النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ بلاغ ما أوحي إليه إلى وقت العمل به، جائز، لا فرق في ذلك بين القرآن الكريم وغيره، إذ لا محذور فيه، خلافا لمن قال بعدم جواز ذلك، محتجا بقوله جل من قائل: (بلغ ما أنزل إليك من ربك) قالوا: المراد بلغ على الفور، لأن وجوب التبليغ معلوم بالعقل ضرورة، فلا فائدة للأمر به، والوجوب بالعقل مبني على أن العقل يحسن ويقبح، فهو غير مسلم عند الجمهور، وكلام ابن الحاجب والإمام الرازي والآمدي ﵏ يقتضي الاتفاق على المنع في القرآن الكريم، للتعبد بتلاوته، فالحاجة إليه حاصلة قبل وقت العمل بمقتضاه، وهو بين، إذ قد ينسخ التعبد بالتلاوة دون الحكم ـ كما هو معلوم ـ والله أعلم.

стр. 263

وأشار ﵀ بقوله: ودرء ما يخشى أبى تعجيله، إلى أن تعجيل التبليغ قد يمتنع، وذلك حيث ترتب على التأخير درء فساد، ولهذا المعنى كان صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم إذا أراد غزوة ورى بغيرها، وكان يقول: " الحرب خدعة " (١) ونسبة الجهل لذي وجود … بما يُخصِّصُ من الموجود معناه أن تعين البيان قبل وقت الحاجة عليه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لا يقتضي تعين إعلام كل فرد من المكلفين، فإعلام البعض كاف، وعدم علم بعض المكلفين الموجودين حين الخطاب، ببعض الأحكام معروف عن أعيان الصحابة، كما في قصة سيدنا أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ في ميراث الجدة، وقصة سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ في مجوس هجر. وحكي فيه قول بالمنع، والله أعلم. فصل في النسخ النسخ لغة: الرفع والإزالة، ومنه نسخت الريح الأثر، قال في الحلي: ومنه قوله جل من قائل: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) ويطلق بمعنى النقل، والتحويل، ومنه تناسخ الأرواح، قيل: ومنه نسخت الكتاب، قال الزركشي ﵀ : وهو المعني بقوله جل من قائل: (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) اهـ ومذهب الأكثرين أنه حقيقة في الرفع والإزالة، مجاز في الثاني، وقيل مشترك بينهما، وقيل حقيقة في القدر المشترك بينهما. واصطلاحا عرفه القاضي أبو بكر ﵀ بأنه: رفع الحكم الثابت، بطريان الحكم اللاحق، المضاد له، مع تراخيه عنه، لأن الله شرع الحكم السابق دائما على خلقه، والحكم الثاني اقتضى عدم دوام الحكم الأول، فعدم الحكم الأول، مضاف إلى وجود الحكم الثاني، قاله في النشر. واختار التاج السبكي ﵀ هذا القول، لتناوله للنسخ قبل

стр. 264

التمكن. وقال السرخسي ﵀ : وأوجه ما قيل فيه، إنه عبارة عن التبديل، من قول القائل: نُسخت الرسوم، أي: بدلت برسوم أخر، إلى أن قال: وعبارة التبديل منصوص عليه في القرآن الكريم، قال جل من قائل: (وإذا بدلنا آية مكان آية) اهـ وهو في معنى ما قبله، قال في المحصول: والتبديل يشتمل على رفع وإثبات، والمرفوع إما التلاوة، وإما الحكم، وكيف ما كان فهو رفع ونسخ اهـ وقيل: النسخ هو بيان انتهاء زمن الحكم السابق، بالخطاب الثاني، فعدم الحكم الأول، ليس مضافا لوجود الحكم الثاني، بل لأنه كان مغيا بغاية، علمناها بورود الحكم الثاني، وهذا هو مذهب جمهور الفقهاء، فهو راجع إلى التخصيص في الزمن، وقد يتصمن النص الأول تلويحا بالتوقيت، وذلك ـ في ما أحسب ـ كقوله جل من قائل: (أو يجعل الله لهن سبيلا) وإلى هذا التعريف أشار الشيخ ﵀ بقوله: رفع لحكم أو بيان الزمن .......................... وهذا يتناول نسخ التلاوة دون الحكم، لأنه نسخ للتعبد بألفاظ الآية الكريمة، وحرمة قرائتها على الجنب، ومسها للمحدث على الخلاف، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالنظم. وخرج بقوله: رفع لحكم، رفع البراءة كما تقدم بيانه، وخرج بكون الرفع بحكم، الرفع بزوال السبب، ولذلك لم يكن قول من قال: من سقط رجلاه نسخ غسلهما، جاريا على الاصطلاح، وإلى ذلك أشار- ﵀ بقوله: بمحكم القرآن أو بالسنن فلم يكن بالعقل .......... ............................. وأشار ﵀ بقوله: أو مجرد … الاجماع بل ينمى إلى المستند إلى أن النسخ لا يقع بالإجماع، لأنه إنما ينعقد بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وعلى

стр. 265

آله وسلم، ولا نسخ بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فالناسخ هو دليل الإجماع الذي يستند إليه. وكذلك القول في التخصيص والتقييد، فكل منهما لا يقع بالإجماع، فالإجماع دال على وجود ناسخ، أو مخصص، أو مقيد، وليس ناسخا بنفسه، ولا مخصصا، ولا مقيدا. وكما لا يقع النسخ بالإجماع، كذلك لا يمكن نسخ الإجماع، لما تقدم من أنه إنما ينعقد بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، ولا نص بعد متوفاه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم. ومنْع نسخ النص بالقياس … هو الذي ارتضاه جل الناس أشار ﵀ بهذا إلى أن مذهب الجمهور، امتناع النسخ بالقياس، لأن القياس إنما يستعمل مع عدم النص، ولأنه إن عارض نصا أو إجماعا كان فاسد الاعتبار. وحكى القاضي أبو بكر ﵀ عن بعضهم النسخ به مطلقا، لاستناده للنص. وحكى عن قوم نسخ أخبار الآحاد به، دون المتواتر والقرآن الكريم. وحكي عن أبي القاسم الأنماطي النسخ بمنصوص العلة دون مستنبطها. وجعل الهندي ﵀ محل الخلاف في حياة الرسول ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ وأما بعده فلا ينسخ به بالاتفاق. وينسخ القياس بنسخ أصله، والمعول امتناع بقائه مع نسخ أصله، انظر الإرشاد. ونسْخ بعض الذكر مطلقا ورد … والنسخ للنص بنص معتمد والنسخ بالآحاد للكتاب … ليس بواقع على الصواب قوله: ونسخ بعض الذكر مطلقا ورد، معناه أن نسخ بعض القرآن الكريم جائز تلاوة وحكما، مثل ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان في ما أنزل من القرآن " عشر رضعات معلومات يحرمن " (١) أو تلاوة فقط، كآية الرجم، أو حكما فقط،

стр. 266

كآية عدة المتوفى عنها بالحول. خلافا لمن قال: لا يجوز نسخ أحدهما دون الآخر، فنسخ أحدهما يستلزم نسخ الآخر. قوله: والنسخ بالنص لنص معتمد، معناه أن نسخ النص ـ كيف كان ـ بالنص ـ كيف كان ـ جائز وواقع، على خلاف في نسخ القرآن بأخبار الآحاد، والأكثرون على أنه جائز، لكنه غير واقع، بل حكى طائفة الإجماع على عدم وقوعه. وذهب قوم من أهل الظاهر إلى وقوعه، وهو رواية عن الإمام أحمد ﵀ . وفصل قوم، فقالوا بوقوعه في زمن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ لا بعده. وجعل القائلون بالوقوع من أمثلة وقوعه نسخ حديث " لا وصية لوارث " آية الوصية للوالدين والاقربين، في أمثلة أخرى عددوها. قال في النشر: وممن قال بالوقوع أبو الوليد الباجي ﵀ منا، وعليه مشى القرافي في التنقيح. ونسخ النص بمساويه، متفق عليه، كنسخ الكتاب بالكتاب، والمتواتر بالمتواتر، والآحاد بالآحاد، وكذلك نسخه بأقوى منه، كنسخ السنة بالقرآن الكريم، ونسخ الآحاد بالمتواتر، كما في الإرشاد. وأما نسخ القرآن الكريم بالسنة المتواترة، فهو مذهب الجمهور، وذهب الإمام الشافعي ﵀ إلى منعه، ونقل عن أصحابه الاتفاق عليه، ونقل أيضا عن أكثرهم الجواز. وأما ما نقله في الحلي هنا عن صاحب نثر الورود، فهو غلط ببن، كما بينه. وينسخ الخِفُّ بما له ثِقَل … وقد يجيء عاريا من البدل قوله: وينسخ الخف بما له ثقل، معناه أن الحكم الناسخ قد يكون أثقل من الحكم المنسوخ، كنسخ وجوب صوم عاشوراء، بإيجاب صوم رمضان، ونسخ جواز الخمر بتحريمها، وخالف في جواز ذلك الظاهرية، وبعض المعتزلة، معللين بعدم المصلحة في الانتقال إلى

стр. 267

الأثقل. وأجيب بمنع تعين الأصلح، ومنع لزوم عدم الأصلحية في ذلك. وأما النسخ بالمساوي، والنسخ بالأخف، فلا خلاف في جوازه، كما في النشر والإرشاد. وقوله: الخف، هو بكسر الخاء: الخفيف، وقوله: ثقل، هو كعوج. وقوله: وقد يجيء عاريا من البدل، معناه أن الحكم قد ينسخ من دون بدل، عند الجمهور، كنسخ وجوب القيام للجنازة، ومنعه قوم، لقوله جل من قائل: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وأجيب بأن الجواب لا يجب أن يكون ممكنا، فضلا عن أن يكون واقعا. وليس ببين، فالموضوع أنه واقع، ولا معنى للجواب به، إلا التلازم في الوقوع، والآية من المتشابه. والنسخ من قبل وقوع الفعل … جاء وقوعا في صحيح النقل معناه أن نسخ الحكم قبل التمكن من الفعل، بأن لم يدخل وقته، أو دخل ولم يمض منه ما يسعه، جائز عند الجمهور، كما في قصة سيدنا إبراهيم في أمره بذبح ولده ـ على نبينا وعليهما وعلى سائر الأنبياء والمرسلين أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ. وذهب أكثر الحنفية والحنابلة والمعتزلة إلى المنع. وجاز بالفحوى ونسخه بلا … أصل، وعكسه جوازه انجلى قوله: وجاز بالفحوى، معناه أن النسخ بالفحوى ـ والمراد به مفهوم الموافقة بنوعيه ـ جائز، وقد حكى على ذلك الرازي والآمدي ـ رحمهما الله الاتفاق، وتعجب من ذلك الزركشي ﵀ وذكر أن فيه وجهين لأصحابهم، وذكر أن بعضا منهم صحح المنع، وذلك بناء على أنه قياس. قوله: ونسخه بلا أصل وعكسه جوازه انجلى، معناه أن نسخ المنطوق دون الفحوى، ونسخ الفحوى دون المنطوق، جائز، بناء على لفظية الدلالة فيه، فهما بمثابة نصين، فلا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر، فيجوز نسخ تحريم ضرب الوالدين، مع بقاء حرمة

стр. 268

التأفيف، ونسخ حرمة التأفيف، مع بقاء حرمة الضرب. وهذا قول أكثر المتكلمين. ومذهب أكثر الفقهاء تلازمهما، فلا يجوز نسخ أحدهما دون الآخر، وإلى قولهم أشار ﵀ بقوله: ورأي الاكثرين الاستلزام ........................... قال في الإرشاد: وذهب بعض المتأخرين إلى التفصيل، فقال: إن كانت علة المنطوق لا تحتمل التغيير، كإكرام الوالدين بالنهي عن التأفيف، امتنع نسخ الفحوى، لأنه يناقض المقصود، وإن احتملت النقض، جاز، كما لو قال لغلامه: لا تعط زيدا درهما، قاصدا بذلك حرمانه، ثم يقول: أعطه أكثر من درهم، ولا تعطه درهما، لاحتمال أنه انتقل من علة حرمانه إلى علة مواساته، قال: وهذا التفصيل قوي جدا اهـ وهو بين. وبالمخالفة لا يرام وهْي عن الأصل لها تجرد … في النسخ وانعكاسه مستبعد أشار ﵀ بهذا إلى ثلاث مسائل: الأولى: عدم النسخ بمفهوم المخالفة، وهي المراد بقوله ﵀ : وبالمخالفة لا يرام، وذلك لضعفه عن مقاومة النص. قال الشربيني ﵀ : لاحتمال القيد لأن يكون مخرجا على سبب من الأسباب، وبوجود النص يتقوى ذلك، بخلاف الفحوى، فإنها تنبيه بالأدنى على الأعلى اهـ وصحح الشيخ أبو إسحاق الشيرازي ﵀ جواز النسخ بالمخالفة، قال الزركشي ﵀ في البحر: ويحتمل وجها ثالثا، وهو التفصيل بين أقوى المفاهيم، وهو ما قيل فيه إنه منطوق، كالحصر، والشرط، وبين ما أجمعوا على أنه ليس بمنطوق اهـ ومقتضى تعليل المانع بضعفها عن مقاومة النص، جواز نسخ مفهوم المخالفة بها، ثم رأيت العطار نظر في ذلك، والله أعلم.

стр. 269

والثانية: جواز نسخ مفهوم المخالفة مع بقاء المنطوق، وذلك كقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " إنما الماء من الماء " (١) فمفهومه الذي هو سقوط الغسل عن من جامع ولم ينزل، منسوخ بإيجاب الغسل من التقاء الختانين، ومنطوقه الذي هو وجوب الغسل من الإنزال باق، وهذا هو المراد بقوله ﵀ : وهي عن الأصل لها تجرد في النسخ. الثالثة: امتناع نسخ المنطوق دون المخالفة، وهي المراد بقوله ﵀ : وانعكاسه مستبعد، وقد ذكر الصفي الهندي ﵀ في ذلك احتمالين، واستظهر منهما المنع، وحكى سليم الرازي ﵀ عن بعض أصحابهم الجواز، قال: والمذهب أنه لا يجوز ذلك، نقله في الإرشاد. ووجه المنع، أن المخالفة تابعة للمنطوق، لأن سبب اعتبارها، هو اعتبار المنطوق قيدا، فمتى ارتفعت قيديته بارتفاع اعتبار الدلالة عليها، كيف يثبت مفهوم القيد؟ قاله الشربيني ﵀ قال: فإن قلت يثبت لا من حيث إنه مفهوم القيد، قلت: حينئذ يثبت بلا حكمة، لانتفاء الحكمة التي كانت معتبرة شرعا، وهي ثقل المؤنة في المعلوفة مثلا، وانتفاء الحكمة ملزوم لانتفاء الحكم، لاستحالة بقائه بلا حكمة، وهذا بخلاف مفهوم الأولى، فإنه لا يلزم من انتفاء حكمة حرمة التأفيف مثلا، وهي غاية التعظيم، انتفاء حكمة حرمة الضرب مثلا، وهي أصل التعظيم اهـ ويجب الرفع لحكم الفرع … إن حكم أصله يرى ذا رفع معناه أن نسخ الحكم المقيس عليه، يقتضي نسخ حكم المقيس، لتبعيته له، وذهب بعض الحنفية إلى أنه لا يستلزمه، وذلك بناء على مذهبهم من أن حكم الأصل لا يضاف إلى العلة، وإنما يضاف إليها حكم الفرع، ولا تلازم بين العلة وحكم الأصل، فلا يكون نسخ حكم الأصل نسخا للعلة، فيبقى الفرع، وعلى مذهبهم في أن القياس مظهر لحكم الفرع، لا مثبت له. قال في النشر: مثاله على ما حكاه أبو الوليد الباجي ﵀ عنهم،

стр. 270

جواز شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، بالقياس على شهادتهم على المسلمين في السفر، ثم نسخت شهادتهم على المسلمين، وبقي حكم شهادة بعضهم على بعض. وينسخ الإنشا ولو مؤبدا … والقيد في الفعل أو الحكم بدا وفي الاخير منع ابن الحاجب … كمستمر بعد صوم واجب معناه أن نسخ الإنشاء، جائز، ولو وصف بكونه مؤبدا، عند الجمهور. سواء وصف بذلك الفعل، نحو: صوموا أبدا وجوبا، أو الحكم، نحو: الصوم واجب أبدا، إذا قيل إنشاء، ويتبين بورود الناسخ، أن المراد: افعلوا إلى وجوده، أو واجب إلى وجوده، فالمراد بالأبد البعض مجازا، كما يقال: لازم غريمك أبدا، أي إلى أن يعطيك الحق. قال الشربيني ﵀ : فإن قلت: لا قرينة على المجاز، قلت: القرينة إنما تلزم عند تعين المعنى المجازي، لا عند احتماله، كما نص عليه عبد الحكيم في حاشية القاضي، والكلام هنا مسوق على الاحتمال، وإلا فلا مساغ للنسخ فيه، بل تقدم أنه لا بد أن يكون النسخ على خلاف ظاهر الكلام. ومنع ابن الحاجب ﵀ النسخ في الثاني، لظهور منافاة ذلك للنسخ. قال في النشر: وأجيب من جهة الجمهور بعدم الفارق، لأنه إذا كان المراد بقوله: الصوم واجب مستمر الإنشاء، كان بمعنى صوموا صوما مستمرا، أو صوموا أبدا، وإنما يظهر الفرق بين كون التأبيد قيدا للواجب، أن لو كان المراد به الخبر، وهو محل وفاق. ونسخ الاخبار بإيجاب خبر … بناقض، يجوز، لا نسخ الخبر معناه أنه يجوز نسخ الأمر بالإخبار بشيء، بالأمر بالإخبار بنقيضه، كأن يؤمر بالإخبار عن زيد بالقيام، ثم يؤمر قبل الإخبار عنه بذلك، بالإخبار عنه بعدم القيام، لجواز تغير حاله، ولا خلاف في نحو هذا مما يمكن فيه تغير، وخالفت المعتزلة في ما لا يتغير، كالإخبار عن العالم بالقدم، لأنه كذب وهو قبيح، بناء على مذهبهم في التحسين والتقبيح. ورد بعدم تسليم مبناه، وعدم تسليم اطراد قبح الكذب، واطراد خلوه من المصلحة. وأما نسخ وجوب الإخبار، بإيجاب ترك الإخبار، كأن يقال ـ بعد إيجاب الإخبار عن شيء

стр. 271

بأمر ـ: لا تخبروا عنه بشيء، فجائز. وأما الخبر فلا يجوز نسخ مدلوله، سواء كان عما يتغير أو لا، وفيه أقوال أخرى. وكل حكم قابل له، وفي … نفي الوقوع الاتفاق قد قُفي قوله: وكل حكم قابل له، يعني به أنه يجوز عقلا نسخ الأحكام الشرعية كلها دفعة، وينقطع التكليف جملة، ومنع أبو حامد الغزالي ﵀ ذلك لتوقف العلم به - على تقدير وقوعه - على معرفة النسخ والناسخ، وهي من التكاليف، إذ النسخ لا يكون إلا بدليل شرعي، وهو خطاب يجب فهمه ومعرفته، ولا يتأتى نسخها، لأنها لو نسخت لوجب معرفة النسخ والناسخ لها أيضا، وهكذا. وأجيب بتسليم ذلك، لكن بحصول معرفة النسخ والناسخ ينتهي التكليف، وهو المراد، ولا خلاف في عدم وقوع ذلك، كما أشار إليه ﵀ بقوله: وفي نفي الوقوع الاتفاق قد قفي. وما شرح به في نثر الورود البيت، هو ظاهر العبارة، لكن مراده ما سبق. هل يستقل الحكم بالورود … أو ببلوغه إلى الموجود فالعزل بالموت أو العزل عرض … كذا قضاء جاهل للمفترض قوله: هل يستقل الحكم البيت، معناه أنه اختلف هل يثبت الحكم في حق المكلفين بمجرد وروده على النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ من غير اشتراط علمهم به، بمعنى تقرره في ذممهم، والأمر بقضائه، كحال النائم وقت الصلاة، أو لا يستقر حتى يبلغهم، وعليه الأكثر، لأنه تكليف محال، لا تكليف بالمحال، لأن الخلل فيه من جهة المأمور، لا المأمور به. ومثال المسألة ما وقع ليلة الإسراء من تخفيف فرض الصلاة ـ فضلا من الله من خمسين إلى خمس، فهذا لا يسمى على قول الأكثر نسخا في حق الأمة خاصة، وأما على مقابله فيسمى نسخا. وأشار ﵀ بقوله: فالعزل بالموت أو العزل عرض، إلى ما ينبني على الاختلاف في تقرر الحكم بمجرد حصوله، وعدم تقرره إلا ببلوغ المخاطب، من

стр. 272

الاختلاف في انعزال الوكيل بمجرد عزل الموكل له، أو موته، وإن لم يعلم بذلك، وعدم انعزاله، حتى يبلغه ذلك. وينبني على ذلك: الاختلاف في مضي تصرفه بعد عزله قبل علمه، أو بعد موت الموكل قبل علمه بذلك. وأشار ﵀ بقوله: كذا قضاء جاهل للمفترض، إلى أن مما ينبني على الاختلاف المذكور أيضا: الاختلاف في من أسلم ولم يتمكن من العلم بالفرائض إلا بعد زمن، لكونه في شاهق، أو بدار الحرب، مما يتعذر معه العلم، هل يجب عليه القضاء إذا علم؟ وأما من يمكنه تعلم الشرائع ولم يعلم، فيجب عليه القضاء لتفريطه. وليس نسخا كل ما أفادا … في ما رسا بالنص الازديادا معناه أن الزيادة المتصلة على مدلول النص، ليست نسخا له، وذلك كزيادة جزء في العبادة، كزيادة ركعة، أو زيادة شرط، كزيادة شرط الإيمان في رقبة الكفارة، هذا مذهب الإمام مالك ﵀ وأكثر أصحابه، والشافعية، والحنابلة. ووجهه أن الزيادة غير منافية، ومن شرط النسخ التنافي. وذهبت الحنفية إلى أن ذلك نسخ، واحتجوا بأن السلام كان واجبا بعد الركعتين، فبطل ذلك، وصار في موضع آخر، فقد بطل حكم شرعي. وأجيب بأن الفرض في السلام أن يكون آخر الصلاة، وهو باق على حاله، لا تغير فيه. وقيل: إن غيرت المزيد عليه، بحيث يكون غير معتبر دونها، فهي نسخ، وإلا فلا، وقيل غير ذلك. قال في النشر: ومثار الخلاف: الاختلاف في النص المزيد عليه، هل يقتضي ترك الزيادة أو لا؟ فالجمهور يرون أنه ساكت عن الزيادة، وأن تركها مأخوذ من البراءة الأصلية، ورفعها ليس بنسخ، والحنفية يرون أنه مقتض لذلك، والزائد وارد بخلافه، فيكون ناسخا، والمفصل

стр. 273

يرى أنه يقتضي ذلك أحيانا، على حسب المعاني التي نحوا إليها في التفصيل. قال الزركشي ﵀ في البحر: واعلم أن فائدة هذه المسألة أن ما ثبت أنه من باب النسخ، وكان مقطوعا به، فلا ينسخ إلا بقاطع، كالتغريب، فإن أبا حنيفة لما كان عنده نسخا نفاه، لأنه نسخ للقرآن بخبر الواحد، ولما لم يكن عند الجمهور نسخا قبلوه، إذ لا معارضة، نقله في الإرشاد. وأما الزيادة المنفصلة، فإن لم تكن من جنس المزيد عليه، كزيادة الحج على الصلاة، فليست بنسخ اتفاقا، وإن كانت من جنسه، كزيادة صلاة على الصلوات، فليست بنسخ عند الجمهور، وجعلها بعض العراقيين نسخا، والله أعلم. واختلف كذلك في النقص من العبادة، هل هو نسخ للباقي؟ فالوجوب كان متعلقا بالكل، وبعد النقص صار الواجب البعض فقط، فقد نسخ وجوب الكل، أو المنسوخ إنما هو الساقط خاصة، إذ البعض الباقي لم يحصل تجدد لوجوبه، بل هو واجب بالوجوب الأول، وإنما طرأ بالنص إسقاط البعض، فالبعض الساقط هو الذي تغير حكمه. وهذا الخلاف ناظر أيضا إلى ما سبق، ولا فرق في ما ذكر بين كون الساقط جزءا، كركعة من الصلاة، أو شرطا، كالوضوء، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: والنقص للجزء، أو الشرط انتقي … نسخه للساقط لا للذْ بقي وقيل: نقص الجزء نسخ، بخلاف نقص الشرط. وقيل: نقص الشرط المتصل، كالاستقبال، نسخ، بخلاف المنفصل، كالوضوء. وقول الشيخ ﵀ : وليس نسخا كل ما أفادا، هو على حد قوله جل من قائل: (لا يحب كل مختال فخور) فالمراد: عموم السلب، لا سلب العموم. الاجماع والنص على النسخ ولو … تضمنا كلا معرفا رأوا أشار ﵀ بهذا إلى ما يستدل به على النسخ، فذكر أن النسخ يعلم بتأخر أحد النصين ورودا، مع عدم إمكان الجمع بينهما، والتأخر يعرف بإجماع أهل

стр. 274

العلم عليه، كإجماعهم في آيتي عدة الوفات، وكذلك أيضا إذا أجمعوا على أن النص كذا، ناسخ للنص كذا، أو أن النص كذا منسوخ، كما تقدم بيانه. ويعرف أيضا بالنص صريحا أو لا، كقوله جل من قائل: (الآن خفف الله عنكم) وقوله جل من قائل: (فالآن باشروهن) الآية وقوله جل من قائل: (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) وقوله جل من قائل: (ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجويكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون) وكقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسكرا " (١) ويعرف أيضا بنصه على خلاف ما نص عليه في الشيء قبل ذلك، مع تعذر الجمع بينهما. كذاك يعرف لدى المحرر … بالمنع للجمع مع التأخر كقول راو: سابق، والمحكي … بما يضاهي المدني والمكي وقوله: الناسخ ........... ........................ معناه أن النسخ يعرف أيضا بتعذر الجمع بين النصين، مع معرفة المتأخر منهما، فالمتأخر ناسخ، وذلك كقول جابر ـ رضي الله عنه ـ: كان آخر الأمرين من فعله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ترك الوضوء مما مست النار. ويعرف التأخر بقولهم في أحدهما: إنه مدني، وفي الآخر إنه مكي، فالمدني ناسخ، وما في معنى ذلك، كقوله: كان هذا في غزوة كذا، وهذا في غزوة كذا، حيث كان تقدم إحداهما معلوما، أو هذا عام كذا، وهذا عام كذا. ويعرف كذلك بقوله: هذا هو الناسخ، أو هذا ناسخ، إذا قال ذلك في ما علم نسخه،

стр. 275

وجهل ناسخه كما قالوا. وانظره فإن هذا وإن دل على التأخر، إلا أنه ليس في ثبوت النسخ، بل في ثبوت الناسخية لنص جهل اتصافه بها، فهو بيان للناسخ، لا للنسخ، إذ لو قال ذلك في ما لا يعلم نسخه، لم يكن لقوله أثر، على المعول، وإنما يدل على النسخ على مقابله الذي لم يشترط في دلالته عليه العلم بنسخ الآخر. والفرق بين قوله: هذا سابق، وقوله: هذا ناسخ، أن دعوى السبق لا تكون ـ عادة ـ عن اجتهاد، بخلاف دعوى النسخ، فقد تقع عن اجتهاد. والتأثير دع … بوفق واحد للاصل تتبع وكون راويه الصحابي يقتفي … ومثله تأخر في المصحف أشار ﵀ بأول البيتين، إلى أن موافقة أحد النصين المتعارضين للبراءة الأصلية، لا تدل على أنه الناسخ، خلافا لمن قال بذلك، لأن الأصل مخالفة الشرع لها. وأجيب بأنه غير لازم، فقد يكون المنسوخ جاء على وفق البراءة الأصلية، وسيأتي - إن شاء الله في المرجحات أن منهم من استدل بموافقة البراءة على التقدم. وأشار ﵀ بقوله: وكون راويه الصحابي يقتفي، إلى أنه إذا تعارض حديثان تعارضا لا يتأتى الجمع معه، وكان إسلام راوي أحدهما متأخرا عن إسلام الآخر، فذلك لا يستلزم كون مرويه هو الناسخ، لجواز كون رواية المتقدم الإسلام متأخرة، خلافا لمن استدل بذلك. وذلك كحديث أبي هريرة (١) مع حديث طلق (٢) - رضي الله عنهما - في الوضوء من مس الذكر، فطلق ـ رضي الله عنه ـ أقدم إسلاما.

стр. 276

وهذا ما لم يتوف الأسبق إسلاما، قبل إسلام الثاني، إذ الأغلب في التحمل كونه بعد الإسلام. قوله ﵀ : ومثله تأخر في المصحف، معنى أن تأخر إحدى الآيتين المتعارضين في ترتيب المصحف، لا يستلزم كونها متأخرة في النزول، فتكون ناسخة، إذ قد تتقدم المتأخرة في النزول ترتيبا، كما في آيتي عدة الوفاة، فترتيب الآيات على حسب الترتيب في النزول، ليس بمطرد، وأولى ترتيب السور، فإن السور الأوائل في النزول، من آخر السور في المصحف الشريف، وهذا آخر النصف الأول من هذا الكتاب الميمون، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، اللهم صل، وسلم، وبارك، على سيدنا، وشفيعنا، وحبيبنا، وقرة أعيننا: محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله، وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 277

فتح الباقي على منظومة المراقي تأليف: محمد بن محمد محمود بن محمد المصطفى بن دي اليعقوبي الأعمامي الجزء الثاني

стр. 278

كتاب السنة السنة لغة: الطريقة المسلوكة، وأصلها من قولهم: سننت الشيء بالمسن، إذا أمررته عليه حتى يؤثر فيه سنا، أي: طريقا. وقال الكسائي ﵀ سبحانه وتعالي -: معناها الدوام، فقولنا: سنة، معناه الأمر بالإدامة من قولهم: سننت الماء إذا واليت في صبه، قاله في الإرشاد. وكأن من الأخير السنة بمعنى العادة، كقوله جل من قائل: (سنة الله التي قد خلت في عباده) وأما اصطلاحا: فتطلق في مقابلة البدعة، فتعم الشرع، ومن ذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " عليكم بسنتي " (١) وتطلق في مقابلة الواجب، ومعناها عند المالكية ما أشار إليه ﵀ في ما سبق بقوله: وسنة: ما أحمد قد واظبا … عليه، والظهور فيه وجبا وتطلق عند الأصوليين على أقوال النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وأفعاله، وتقريراته. وهي بهذا المعنى هي المذكورة في حديث " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض " (٢) وتتناول عند علماء الأثر ـ زيادة على ذلك ـ صفاته ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وعلى اصطلاحهم وقع تعريف الشيخ ﵀ حيث قال: وهي ما انضاف إلى الرسول … من صفة، كليس بالطويل والقول والفعل وفي الفعل انحصر … تقريره كذي الحديث والخبر وتدخل في القول الكتابة، ككتابه لعمرو بن حزم المعروف.

стр. 279

وتدخل في الفعل الإشارة، كإشارته على أبي بكر - رضي الله عنه - أن كما أنت (١). وإشارته برأسه حين قالت له عائشة ـ رضي الله عنها ـ في مسواك بيد أخيها: آخذه لك؟ (٢). والهم، ويعرف بالقرائن، كما روي من همه حين استسقى وعليه خميصة سوداء أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها، فثقلت عليه، فقلبها على عاتقه (٣). وكهمه أن يلعن الذي هم بالمجح قبل الاستبراء لعنا يدخل معه قبره (٤). والتقرير، كما أشار إليه ﵀ بقوله: وفي الفعل انحصر تقريره، فإذا فُعل شيء بحضرته وسكت عليه، أو بغير حضرته وعلم به، وسكت عليه، دل ذلك على أنه غير محرم. وكذلك سكوته على القول أيضا، فهو تقرير لمضمونه. وقوله ﵀ : كذي الحديث والخبر، معناه أن السنة يرادفها الحديث والخبر. ولما كانت حجية السنة متوقفة على العصمة بدأ بها، فقال: والانبياء عصموا مما نهوا … عنه ................... والمعنى أن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وغيره من الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ معصومون من الوقوع في الذنوب بالإطلاق، فلا يصدر منهم ذنب، لا كبيرة ولا صغيرة، لا عمدا ولا سهوا، ومعصومون أيضا من الوقوع في المكروه، لندور صدوره من الأولياء، فكيف بالأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ ـ ولم يكن لهم تفكه

стр. 280

بجائز بل ذاك للتشريع … أو نية الزلفى من الرفيع التفكه: التلذذ، والتمتع، والزلفى: القربة والمنزلة. والمعنى أن الأنبياء ـ على نبينا وعليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ لا يفعلون المباح تلذذا به وتشهيا، وإنما يفعلون ذلك بنية التقوي على الطاعات، والتشريع لأممهم، فأفعالهم كلها طاعات وقرب، ولا لغو في فعلهم، كما لا لغو في قولهم، عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم. فالصمت للنبي عن فعل عَلِم … به جواز الفعل منه قد فُهِم معناه أن سكوت النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ على فعل علم به من غيره ـ سواء كان بحضوره أو لا ـ يستلزم جوازه، إذ لا يسكت ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ على غير جائز، لوجوب تغيير المنكر عليه مطلقا. وقيل: إنما يدل على الجواز، إذا لم يكن الفاعل كافرا، بناء على عدم خطابهم بالفروع. واختلف القائلون به في المنافق، فألحقه بعضهم بالمسلم، لأنه في معناه من هذا الوجه، معاملة له بما يُظهر، ومنهم من ألحقه بالكافر. وقيل: يدل على الجواز، ما لم يكن الفاعل ممن يغريه النهي. ومذهب الجمهور أن ذلك يدل على الجواز في حق الفاعل وغيره، لأن الأصل استواء المكلفين، وذهب القاضي ﵀ إلى أنه إنما يدل على الجواز في حق الفاعل خاصة، إذ لا عموم للفعل. ومقتضى التعليل أن سكوته لا ينافي المرجوحية، وهو أبين. وربما يفعل للمكروه … مبيِّنا أنهُ للتنزيه فصار في جانبه من القُرَبْ … كالنهي أن يشرب من فم القِرَبْ معناه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قد يفعل الجائز المرجوح، لبيان جوازه، كشربه من فم السقاء (١) مع نهيه عنه، (٢)

стр. 281

وشربه قائما (١) مع نهيه عن الشرب من القيام، (٢) ووضوئه مرة مرة، (٣) ومرتين مرتين، (٤) وصلاته في آخر الوقت، في حديث " ما بين هذين وقت " (٥) فصار في حقه صلى الله تعالى عليه وسلم قربة، لوجوب البيان عليه صلى الله تعالى عليه وسلم. وفعله المركوز في الجِبِلَّه … كالاكل والشرب فليس مِلَّه من غير لمح الوصف والذي احتمل … شرعا ففيه قل تردد حصل فالحج راكبا عليه يجري … كضجعة بعد صلاة الفجر الجبلة ـ بكسر الجيم، والباء، وفتح اللام مشددة ـ: الخلقة والطبيعة، والملة ـ بكسر الميم وفتح اللام مشددة ـ: الشريعة. والمعنى أن فعل النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ينقسم إلى جبلي، وغيره. فالجبلي كالأكل، والشرب، والنوم، والقيام، والقعود، لا يعتبر تشريعا، لاستلزام الجبلة له، فلا يقتضي أكثر من الجواز، ولا يؤمر بالتأسي به فيه، ونقل القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀ عن قوم أنه مندوب، وكذا حكاه أبو حامد الغزالي ﵀ في المنخول، وقد كان عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - يتتبع مثل هذا، ويقتدي به، كما هو معروف عنه، منقول في كتب السنة المطهرة، قاله في الإرشاد. وهذا بالنظر إلى أصل الفعل، وأما بالنظر إلى الوجه الخاص الذي وقع عليه، منه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ فهو تشريع مأمور بالتأسي به فيه، ككونه يمشي كالمنحط من صبب، (٦) وكونه ينام في الوقت كذا.

стр. 282

قال في النشر كما حكاه الباجي ـ رحمهما الله عن بعض أهل المذهب. واختلف في فعله صلى الله تعالى عليه وسلم المحتمل للتشريع والجبلة، بأن كانت الجبلة تقتضيه، ووقع متعلقا بعبادة، كحجه راكبا، (١) ودخوله مكة المكرمة من كداء من الثنية العليا، وخروجه من الثنية السفلى، (٢) ودخوله المسجد الحرام من باب بني شيبة، (٣) ونزوله بالمحصب، (٤) واضطجاعه بعد ركعتي الفجر، (٥) ورجوعه في العيد مع طريق غير الطريق الذي سلك في ذهابه، (٦) على أصل الاختلاف في تعارض الأصل والظاهر. وقد اختلف القول في هذه الأمور بحسب ما يقوم عند كل مجتهد من القرائن، ومذهبنا في الضجعة الكراهة، وفي الركوب في الحج الاستحباب، وكذلك دخوله من كداء، وخروجه من كدى، ونزوله بالمحصب، ودخول المسجد الحرام من باب بني شيبة، ومخالفته طريق ذهابه في العيد. وغيره وحكمه جلي … فالاستوا فيه هو القوي من غير تخصيص ....... ......................... معناه أن غير الجبلي، وغير المتردد بين الجبلي والتشريعي، من أفعاله صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وهو التشريعي بلا تردد ـ إما أن يعلم حكمه من وجوب، أو استحباب، أو إباحة، أو لا. فإن علم، فمذهب الجمهور أن أمته مثله، ما لم يدل دليل على اختصاصه به، كتزوج أكثر من أربع. وقيل: أمته مثله في العبادات خاصة.

стр. 283

وقيل: بالوقف، وقيل: لا يكون شرعا لنا مطلقا إلا بدليل خاص. وإن لم يعرف، فهو ما سيشير إليه ﵀ بقوله: وكل ما الصفة فيه تجهل … ألبيت وأشار ﵀ إلى الأمارات التي يعرف به حكم الفعل، بقوله: وبالنص يُرى … وبالبيان وامتثال ظهرا وللوجوب عَلَمُ النداء … كذاك قد وُسم بالقضاء والترك إن جلب للتعزير … وسْم للاستقرا من البصير وما تمحض لقصد القرب … عن قيد الايجاب فسيمى الندب والمعنى أن حكم فعله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرف بوجوه: منها نصه على حكمه، كأن يقول: هذا واجب، أو هذا مستحب، أو هذا مباح، وهذا هو المراد بقوله ﵀ : وبالنص يرى. ومنها كونه بيانا لمعلوم الحكم مجهول الصفة، فيكون على حكمه، ويعرف كونه بيانا له بقول أو قرينة. ومنها وقوعه امتثالا لأمر علم الحكم فيه. وأورد على هذين الوجهين أنه إذا كان الحكم قد عرف بالقول، فما الفائدة من النظر إلى وقوع الفعل بيانا أو امتثالا؟ والجواب في المسألة الأولى: أن الموضوع عدم معرفة المأمور به في القول المبين - بفتح الياء - إذ لو عُرف الحكم، وعُرف المراد، لم يكن فيه إجمال حتى يبينه الفعل، والفرض أن الفعل مبين. وأما في المسألة الثانية فالجواب عنها أيضا أن موضوعها القول المحتمل لخصوص ذلك الفعل وغيره، فلو لا القرينة الدالة على الارتباط بينهما، لكان الفعل شرعا مستقلا. ومنها الأذان بالنسبة للصلاة، فقد دل الاستقراء على اختصاصه بالمفروضة، بخلاف ما لا يؤذن لها، كالعيد والاستسقاء، فعدم الأذان يدل على عدم الوجوب إلا لدليل خاص، كما في النافلة المنذورة، وذلك هو قوله ﵀ : وللوحوب علم النداء.

стр. 284

ومنها أيضا القضاء، فغير الواجب لا قضاء فيه عندنا، كما أشار إليه سيدي خليل ﵀ بقوله: ولا يقضى غير فرض إلا هي ـ يعني ركعتي الفجر ـ وهذا أحد أقوال ثلاثة في المذهب، وهو المشهور. والقولان الآخران: القضاء مطلقا، وعدمه مطلقا. ومذهب الإمام الشافعي ﵀ قضاء ذوات السبب، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: كذاك قد وسم بالقضاء. ومنها التعزير على الترك، فغير الواجب لا لوم على تاركه، وذلك هو قوله ﵀ : والترك إن جلب للتعزير البيت. وقوله: للاستقرا، تعليل لكون التعزير علامة على الترك، أي: وإنما كان التعزير على الترك علامة على وجوب الفعل، للاستقراء، فلا يعرف أنه صلى الله تعالى عليه وسلم عزر على غير واجب، ومن التعزير العتاب واللوم، كما هو قول سيدي خليل ﵀ : وعزر الإمام لمعصية الله حبسا، ولوما، وبالإقامة، ونزع العمامة، وضرب بسوط، أو غيره اهـ ومن علامات الاستحباب عند بعضهم: تمحض الفعل للقربة، كالصلاة، والصوم، والذكر، مع تجرده عن قرائن الوجوب، وسيأتي ذكر الاختلاف فيه في مجهول الحكم الذي أشار إليه ﵀ بقوله: وكل ما الصفة فيه تجهل … فللوجوب في الأصح يجعل وقيل معْ قصد التقرب وإن … فُقِد فهْو بالاباحة قمن ومعنى أول البيتين، أن فعله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ الذي لم يعلم حكمه، الأصح حمله على الوجوب في حقه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ وفي حقنا، لأنه أحوط. … قال في النشر: وهو الذي ذهب إليه الإمام مالك ﵀ سبحانه وتعالي- والأبهري، وابن القصار ـ رحمهما وبعض الشافعية، وأكثر أصحابنا، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة اهـ ولا فرق على هذا القول بين ما ظهر فيه قصد القربة، وبين غيره، كما اقتضاه قوله:

стр. 285

وقيل معْ قصد التقرب وإن … فقد فهو بالاباحة قمن ومعناه أن الفعل المجهول الحكم، منهم من فصل فيه، فقال: إن ظهر فيه قصد القربة، حمل على الوجوب، وإن لم يظهر فيه كان للإباحة، ونسبه الشيخ ﵀ سبحانه وتعالي - في النشر لأبي الوليد الباجي، تبعا لحلولو- رحمهما الله لكن أبو الوليد الباجي ﵀ قسم الفعل إلى الجبليات والقرب، وذكر الجواز في الجبليات، والوجوب في القرب، والطريقة التي سلك الناظم ﵏ أجمعين ـ قسمته إلى جبلي، وتشريعي، وينقسم إلى قرب وغيرها. ولذلك ذكروا فيه الإباحة، فتقسيم أبي الوليد الباجي- ﵀ ساكت عن التشريعي الذي ليس بقربة، فالغالب على الظن أن العزو له في ذلك غلط، منشأه عدم التأمل للاختلاف في التنويع. وقد رُوِي عن مالك الاخير … والوقف للقاضي نمى البصير أشار ﵀ إلى أن الإمام مالكا ﵀ نقل عنه في مجهول الصفة، الحمل على الإباحة، ولو ظهر منه قصد القربة، كما في المحصول على ما في الإرشاد. قال: ولم يحك الجويني ـ رحمها الله قول الإباحة هاهنا، لأن قصد القربة لا يجامع استواء الطرفين، لكن حكاه غيره، كما قدمنا عن الرازي ﵀ وكذلك حكاه ابن السمعاني، والآمدي، وابن الحاجب ﵏ حملا على أقل الأقوال اهـ وهو عزو غريب قال في الإبهاج: فإن قلت: فكيف يتجه جريان قول بالإباحة في ما يظهر فيه قصد القربة، فإن القربة لا تجامع استواء الطرفين؟ قلت: النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ قد يقدم على ما هو مستوي الطرفين، ليبين للأمة جواز الإقدام عليه، ويثاب صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا القصد، وهذا الفعل، وإن كان مستوي الطرفين، فيظهر في المباح قصد القربة بهذا الاعتبار، ولا يتجه جريان القول
следующие страницы →