← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 939

فتح الباقي على منظومة المراقي

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (531 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بالشاهد واليمين، وعدم عموم ذلك هو مذهب الأكثر، لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، والمحكي يحتمل أن يكون غير عام، هذا مذهب الأكثر، فلا يعم ذلك كل غرر، وكل شاهد. واختار ابن الحاجب والآمدي ـ رحمهما الله عمومه لكل غرر، وكل شاهد. قال في الإرشاد: وهو الحق، لأن مثل هذا ليس بحكاية للفعل الذي فعله، بل حكاية لصدور النهي منه، إلى أن قال: لأن عبارة الصحابي ـ رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين ـ يجب أن تكون مطابقة للمقول، لمعرفته باللغة، وعدالته، ووجوب مطابقة الرواية للمسموع، إلى أن قال: وحكي عن بعض أهل الأصول التفصيل بين أن يقترن الفعل بحرف أن، فيكون للعموم، كقوله: قضى أن الخراج بالضمان، وبين أن لا يقترن، فيكون خاصا نحو قضى بالشفعة للجار، وقد حكى هذا القول القاضي في التقريب، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو إسحاق، والقاضي عبد الوهاب، وصححه، وحكاه عن أبي بكر القفال ﵏ أجمعين ـ اهـ قال في النشر: ولا يقال: نحو قضى بالشفعة للجار، ليس من حكاية الفعل، ولا من حكاية القول، لأنا نقول: مثل هذا القول ملحق عندنا بالفعل، قاله في الآيات البينات، ولهذا قال إمام الحرمين ﵀ في الورقات: ولا يجوز دعوى العموم في الفعل، وما يجري مجراه اهـ ومثلوا الثاني بالقضاء بالشفعة اهـ وفرق في التوضيح بين حكاية الفعل، نحو صلى ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ في الكعبة، وبين نحو قضى بالشفعة للجار، فجعل هذا من قبيل الرواية بالمعنى، ونصه: مسألة حكاية الفعل لا تعم، لأن الفعل المحكي عنه واقع على صفة معينة، نحو صلى النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ في الكعبة، فيكون هذا في معنى المشترك، فيتأمل، فإن ترجح بعض المعاني بالرأي، فذاك، وإن ثبت التساوي، فالحكم في البعض يثبت

стр. 212

بفعله ﵊ وفي البعض الآخر بالقياس. (١) وأما نحو قضى بالشفعة للجار، فليس من هذا القبيل، وهو عام لأنه نقل الحديث بالمعنى، ولأن الجار عام. وقال في التلويح: فهو حكاية عن قول النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ الشفعة ثابتة للجار، ولئن سلمنا أنه حكاية الفعل، لكن الجار عام، لأن اللام لاستغراق الجنس، لعدم المعهود، فصار كأنه قال: قضى صلى الله تعالى عليه وسلم بالشفعة لكل جار اهـ وقوله: إن نحو قضى بالشفعة للجار من قبيل الرواية بالمعنى غير بين، فالرواية بالمعنى خاصة بالألفاظ، والمعلوم في مثل هذا التركيب أن المراد به الإخبار عن الواقعة، لا رواية قوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وإن كنا نعلم أن هذه الواقعة لا تخلو غالبا عن قول، لكن حكاية الواقعة بمثل هذا القول لا يقتضي أن القائل شهد الأمر، ولا أنه سمع لفظ النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ولا تكرر الحادثة، وحينئذ فليس في خبره ما يقتضي العموم. أما قوله: قضى فمطلق، وأما قوله: بالشاهد، فلا معنى لقصد العموم فيه، مع عدم راجحية إرادة تكرر الأمر، فالوجه أن تكون الألف واللام فيه للجنس. لكن لا ينبغي أن يختلف في عموم الحكم، في مثل هذا التركيب إذ الأصل عدم الخصوصية، فأقل أحواله أن يكون الخطاب فيه خطاب واحد، وهو عام من حيث الحكم اتفاقا، وموطأ الإمام ﵀ وكتب أصحابه وغيرهم، مليئة بالاحتجاج بمثل هذه التراكيب في ذلك والله أعلم. وذكر منها أيضا خطاب الواحد، ومحل الخلاف فيه، إذا لم يقترن بما يدل على

стр. 213

اختصاصه به، نحو حديث " تجزئك ولا تجزئ أحدا بعدك " (١) وعدم العموم مذهب الجمهور. ونسب لبعض الحنابلة، وبعض الشافعية أنه عام. وقال إمام الحرمين ﵀ : لا ينبغي أن يكون في هذه المسألة خلاف، إذ لا شك أن الخطاب خاص لغة بذلك الواحد، ولا خلاف أنه عام بحسب العرف الشرعي. وقال الزركشي ﵀ : والحق أن التعميم منتف لغة، ثابت شرعا، والخلاف في أن العادة هل تقضي بالاشتراك، بحيث يتبادر فهم أهل العرف إليها، أو لا، فأصحابنا ـ يعني الشافعية ـ يقولون: لا قضاء للعادة في ذلك، كما لا قضاء للغة، والخصم يقول: إنها تقضي بذلك اهـ نقله في الإرشاد. وأشار ﵀ بقوله: من غير رعي النص، والقيس الجلي، إلى ما ذكر من الاتفاق على عموم الحكم شرعا، فما نسبه ابن القصار لمالك - رحمهما الله محل اتفاق، والله أعلم. فصل في التخصيص قال في النشر: وهو لغة الإفراد، قاله الإبياري ـ رحمهما الله قال: وهو مصدر خصص بمعنى خص، فالتضعيف هنا بمعنى أصل الفعل، دون دلالة على التكثير الذي تفيده هذه الصيغة غالبا. قصْر الذي عم مع اعتماد … غير على بعض من الأفراد معناه أن التخصيص اصطلاحا: هو قصر العام على بعض أفراده، بأن لا يراد منه البعض الآخر حكما ـ وهو العام المخصوص ـ أو لا يراد حكما ولا لفظا ـ وهو العام المراد به الخصوص ـ بدليل يقتضي ذلك، وهو المراد بقوله: مع اعتماد غير. وهذا تعريف للتخصيص الذي هو قول المجتهد بكون العام كذا مخصوصا.

стр. 214

قال في جمع الجوامع: والقابل له حكم ثبت لمتعدد، يعني سواء كان ثبوته لفظيا، وهو المتقدم التعريف، أو معنويا، كالمفهوم. جوازه لواحد في الجمع … أتت به أدلة في الشرع وموجب أقله القفال … والمنع مطلقا له اعتلال معناه أن العام يجوز تخصيصه حتى لا يبقى من أفراده إلا واحد، سواء كان لفظه جمعا كالرجال، أو لا، كمن، والرجل. أما المفرد فحكى الشيخ أبو إسحاق الاسفرائيني ﵀ الاتفاق فيه، وحكى غيره فيه خلافا. وأما الجمع، فنسب ذلك فيه القاضي عبد الوهاب ﵀ للجمهور، وذلك لبطلان الجمع، وصيرورة آحاده أفرادا، وجاء أن المراد بالناس الأولى في قوله جل من قائل: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) نعيم ابن مسعود وبالثانية أبو سفيان - رضي الله عنهما -. وذهب القفال الشاشي وابن الصباغ ـ رحمهما الله إلى أنه لا بد من بقاء أقل معنى الجمع، وإلا كان نسخا. وقيل: يجب بقاء أقل معنى الجمع مطلقا، حكاه ابن برهان ﵀ . وأشار الشيخ ﵀ إلى تضعيفه بقوله: والمنع مطلقا له اعتلال، وهو لأبي الحسين المعتزلي. وقيل: يجب بقاء عدد غير محصور. وقيل: إذا كان التخصيص بالاستثناء و البدل، جاز إلى الواحد، وإلا فلا. أقل معنى الجمع في المشتهر … الاثنان في رأي الامام الحميري ذا كثرة أم لا وإن منكرا … والفرق في انتهاء ما قد نكرا معناه أن أقل معنى الجمع اثنان عند الإمام مالك ﵀ ونقله أبو الوليد الباجي عن القاضي أبي بكر بن العربي ـ رحمهما الله واختاره،

стр. 215

ونقل عن الإمام أبي الحسن الاشعري، وأبي يوسف، وجمهور أهل الظاهر، والخليل ابن أحمد، ونفطويه، واختاره الغزالي ﵏ أجمعين ـ. وذهب الأكثرون إلى أن أقله: ثلاثة وحكاه ابن الدهان النحوي عن جمهور النحاة. وذكر الآمدي ﵀ أدلة الفريقين، ولم يرها مقنعة، ونحى نحو الوقف. وحكى بعض أهل الأصول قولا بأن أقله: واحد. وذكر المازري أن القاضي أبا بكر ـ رحمهما الله حكى الاتفاق على أنه - يعني الاستعمال في الواحد - مجاز. ولا فرق في ما ذكر بين جمع القلة وجمع الكثرة، فالفرق بينهما إنما هو في منتهى ما يدلان عليه. فمنتهى جمع القلة: العشرة، وجمع الكثرة لا حد لمنتهاه. والفرق بينهما أيضا في المنتهى، محله إذا لم تقترن بهما أداة معممة، وإلا فهما سواء، إذ لا حصر في العام، وهذا هو مراد الشيخ ﵀ بقوله: ذا كثرة أم لا البيت. وقد استشكل قوم اجتماع العموم مع جمع القلة، إذ الأول يقتضي عدم الحصر، والثاني يقتضي الحصر، وهو سهو، فإن العموم يبطل الحصر، ولذلك عم المفرد والمثنى، وآحاد الجمع العام أفراد، كما هو مقتضى الاستعمال. وذو الخصوص هو ما يستعمل … في كل الافراد لدى من يعقل وما به الخصوص قد يراد … جعله في بعضها النقاد والثاني اعز للمجاز جزما … وذاك للأصل وفرع ينمى أشار بهذه الأبيات إلى الفرق بين العام المخصوص، والعام المراد به الخصوص. فقوله: وذو الخصوص البيت، المراد به: العام المخصوص. ومعناه أن العام المخصوص عمومه مراد تناولا، ليصح الإخراج، لا حكما، للمخصص. بخلاف العام المراد به الخصوص، فليس عمومه مرادا، لا تناولا ولا حكما، فهو العام

стр. 216

المصحوب عند التكلم به بقرينة دالة على إرادة بعض ما يتناوله بعمومه، ولذلك كان مجازا قطعا. ومثاله ما تقدم من قوله جل من قائل: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) الآية الكريمة. قال الزركشي ﵀ : وظن بعضهم أن الفرق بينهما مما أثاره المتأخرون، وليس كذلك، فقد وقعت التفرقة بينهما في كلام الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ وجماعة من أصحابنا، في قوله جل من قائل: (وأحل الله البيع) هل هو عام مخصوص، أو عام أريد به الخصوص. وقوله: والثاني اعز للمجاز جزما، أشار به إلى ما ذكرنا من كون العام المراد به الخصوص مجازا، من إطلاق اسم الكل في البعض، فالناس موضوع للكل، وقد أريد به فرد بعينه. وقوله: وذاك للأصل وفرع ينمى، أشار به إلى الاختلاف في العام المخصوص، هل هو حقيقة في الباقي بعد التخصيص، أو مجاز، وهو مذهب الأكثرين، ونسبه إلكيا الطبري ﵀ إلى المحققين. ووجهه: أنه موضوع للمجموع، فإذا أريد به البعض، فقد أريد به غير ما وضع له، ولو كان حقيقة في البعض، كما كان حقيقة في الكل، لزم أن يكون مشتركا. والمذهب السابق هو مذهب الإمام الشافعي وأصحابه وهو قول الإمام مالك، وجماعة من أصحاب الإمام أبي حنيفة ـ رضي الله تعالى عنهم أجمغين ـ. واحتجوا بأن تناول اللفظ للبعض الباقي بعد التخصيص، كتناوله قبل التخصيص. وفصل القاضي ﵀ فقال: إن خص بما لا يستقل بنفسه، كالاستثناء، فهو حقيقة، وإلا فمجاز، وهو مذهب بين جدا. وقال إمام الحرمين ﵀ هو حقيقة باعتبار تناوله، مجاز باعتبار الاقتصار، وقيل غير ذلك، والله أعلم. ثم المحاشاة وقصر القصد … من آخر القسمين دون جحد

стр. 217

وشبه الاستثنا للاول سما … واتحد القسمان عند القدما قوله: ثم المحاشاة البيت معناه أن العام مع المحاشاة المذكورة في قول سيدي خليل ﵀ استثناء من قوله في الاستثناء: إن نطق ـ: إلا أن يعزل في يمينه أولا، كالزوجة، في الحلال علي حرام، وهي المحاشاة اهـ من العام المراد به الخصوص، وهو المراد بآخر القسمين. وكذلك العام المخصص بالنية المذكور في قوله: وخصصت نية الحالف إلخ، وذلك هو المراد بقوله ﵀ : وقصر القصد، فالمراد بالقصر: التخصيص، والمراد بالقصد: النية. واختلف الشيوخ في المحاشاة، والتخصيص بالنية، هل هما شيء واحد، أو المحاشاة خاصة اصطلاحا بمسألة الحلال علي حرام، أو المحاشاة إنما تطرد في المحلوف به، دون المحلوف عليه، بخلاف التخصيص بالنية، فإنه مطرد في المحلوف به، والمحلوف عليه. وأولها هو ظاهر عبارة غير واحد، حيث قابلوا بين المحاشاة والاستثناء، وفرق بينهما ابن محرز ﵀ باختصاص المحاشاة بإرادة البعض ابتداء، الذي هو قول سيدي خليل ﵀ إلا أن يعزل في يمينه أولا، وأن الاستثناء الذي لا بد فيه من النطق يختص بحل اليمين جملة، كأن يقول إلا أن يبدو لي، وبإخراج البعض على وجه الاستدراك والتلافي، فلا بد من النطق في هذين الوجهين بما يدل على هذه النية، إذا كانت اليمين في ما يقضى فيه، وقامت عليه بها البينة، وإلا فخلاف، كما في جواهر ابن شاس ﵀ . ونقل سيدي ابن عرفة ﵀ في مختصره عن ابن رشد ﵀ أنه قال: والنية: قصر عقد اليمين على بعض مدلولها الظاهر، ولا يشترط فيه النطق اتفاقا. قال سيدي ابن عرفة ﵀ : هذا ما فسر به ابن محرز المحاشاة. وظاهر سيدي خليل ﵀ في توضيحه، أنه لم يقف على الفرق

стр. 218

بين التخصيص بالنية والمحاشاة لأحد سوى شيخه، ونصه: وكان شيخنا يزيد حقيقة ثالثة، وهي التخصيص بالنية. ثم ذكر عنه كلاما لا يستقيم مع كلامهم والله أعلم. ولعل مما أدى إلى اللبس هنا أمرين: أحدهما: قولهم في محاشاة الزوجة في الحلال علي حرام: إنه يصدق في دعوى المحاشاة مطلقا، مع قولهم في التخصيص بالنية ـ حيث لم تنتصب على ما يدعيه من ذلك قرينة، ولا على عدمه ـ: إنه لا يصدق فيه إلا في الفتوى. وليس هذا تفريقا بين التخصيص بالنية، والمحاشاة. بل الفرق إنما هو بين الحلال علي حرام، وغيرها من الأيمان، وهو اختلاف أهل العلم في هذه الصيغة إذا حنث فيها، فمنهم من لم يوجب فيها إلا كفارة يمين، كما بينه رشد ﵀ في البيان. وقد وقع التصريح بذلك في كلام مطرف، قال في التوضيح: وقال مطرف عن الإمام مالك ـ رحمهما الله يصدق في المحاشاة وإن استحلف، لاختلاف الناس في الحرام وإن كانت اليمين بغير الحرام لم تنفعه النية، واليمين على نية المستحلف اهـ الثاني: دوران لفظ المحاشاة في كلامهم مع مسألة الحلال علي حرام. وهذا الإشكال مبني على استقراء ناقص، فقد وقع في عبارتهم لفظ المحاشاة في غير المسألة المذكورة، من ذلك ما في العتبية ونصها: مسألة: وسئل الإمام مالك ﵀ عن الرجل يكون له الحق على رجل قد حل، فخرج يطلبه بحقه، ويقول المطلوب: امرأته طالق إن قضاك شهرا، فيستأذي عليه صاحب الحق، فيأمر السلطان ببيع متاعه، حتى يقتضي، كيف ترى الأمر فيه؟ قال: أرى أن يدين، إن قال: لم أرد إلا ألا أقضي أنا، ولم أرد السلطان، فذلك له، وأدينه في ذلك ما الذي أراد بيمينه، فإن حاشى السلطان لم أر عليه شيئا، وإن لم يحاش السلطان رأيته حانثا اهـ

стр. 219

وتقييد الشيخ بأولا، في قوله ﵀ : إلا أن يعزل في يمينه أولا، هو لازم ما ذكره الشيخ ﵀ من كونهما من العام الذي أريد به الخصوص، والله أعلم. وقوله: وشبه الاستثنا للاول سما، معناه أن العام مع الاستثناء وما شابهه كالشرط والغاية من المخصصات اللفظية من العام المخصوص، وليس من العام المراد به الخصوص، كما تقدم. وسيأتي ذكر الاختلاف في المخصص بالحس أو العقل، هل هو من الأول أو الثاني. وقوله: واتحد القسمان عند القدما، معناه أن العام المراد به الخصوص، والعام المخصوص مترادفان عند المتقدمين، فالكل من العامين يطلق عليه عندهم العام المخصوص، والعام المراد به الخصوص، وقد تقدم للشيخ ﵀ نقل ما هو صريح في ذلك عن العبادي ﵀ في شرح قوله: وذو الخصوص هو ما يستعمل البيت. وقد تقدم عن الزركشي ﵀ خلاف ذلك. وما ذكره من كون العام مع المخصص المتصل، من العام المخصوص سيأتي ذكر الخلاف فيه ـ إن شاء الله في قوله ﵀ : وعدد مع كإلا قد وجب … له الخصوص عند جل من ذهب ثم أشار ﵀ إلى حجية العام بعد التخصيص، فقال: وهُو حجة لدى الأكثر إن … مخصص له معينا يبن معناه أن العام المخصوص حجة بعد التخصيص عند جماهير أهل العلم، لاستدلال السلف من الصحابة وغيرهم ومن بعدهم به، من غير نكير، ولأنه لا يكاد يوجد عام لم يدخله تخصيص، وأكثر أحكام الشريعة مستمد من العمومات، فلو لم يكن حجة لبطل أكثر ذلك، وفساد ذلك اللازم أظهر من أن يذكر. وذهب عيسى بن أبان وأبو ثور ـ رحمهما الله سيحانه وتعالى ـ إلى أنه ليس بحجة في ما بقي، ونسب لجماعة من الشافعية، والمالكية، والحنفية. وقيل: إن خص بمتصل، فهو حجة في ما بقي، وإن خص بمنفصل، صار مجملا،

стр. 220

وقيل غير ذلك. وأشار بقوله: إن مخصص له معينا يبن، إلى أن محل حجية العام بعد التخصيص إذا كان تخصيصه بمعين، فإن خص بمبهم، كما لو قيل: اقتلوا المشركين إلا بعضهم، لم يكن حجة، إذ ما من فرد إلا ويحتمل أنه ذلك المبهم، فإخراج المجهول من المعلوم، يصيره مجهولا، وقد حكى الإجماع على هذا القيد جماعة منهم القاضي أبو بكر، وابن السمعاني، والأصفهاني ﵏ ونقل الزركشي عن ابن برهان ـ رحمهما الله في وجيزه، أنه حكى الخلاف في ذلك. قال: وبالغ فصحح العمل به مع الإبهام، واعتل بأنا إذا نظرنا إلى فرد، شككنا فيه هل هو من المخرج، والأصل عدمه، فيبقى على الأصل، ونعمل به إلى أن نعلم بالقرينة بأن الدليل المخصص معارض للفظ العام، وإنما يكون معارضا عند العلم به. قال الزركشي ﵀ : وهو صريح في الإضراب عن المخصص، والعمل بالعام في جميع أفراده، وهو بعيد، وقد رد الهندي ﵀ هذا البحث، بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج به في الكل المخصوص وغيره، ولا قائل به اهـ وقال بعض الشافعية بإحالة هذا، محتجا بأن البيان لا يتأخر، وهذا يؤدي إلى تأخيره، قاله في الإرشاد. وقال الشربيني ﵀ : إن المراد بالمبهم، المبهم المعبر عنه بعبارة، قال: أما لو قيل هذا العام مخصوص، أو لم يرد به الكل، فليس بحجة اتفاقا، قاله العضد ﵀ وذلك نحو إلا رجلا. وأما ما ذكره صاحب نثر الورود ﵀ هنا عن المالكية، من أن فسخ المتفق على فساده من البيوع، ومضي المختلف فيه بالفوات، قاعدتان أغلبيتان، والخارج منهما غير معين، فليس ببين كونه من هذا القبيل. أما عدم اطراد الفسح في المتفق عليه، فهو آئل إلى تعدد المخصص، فكأنه قيل الفاسد يجب فسخه، إلا المختلف في فساده بعد الفوات، وإلا ما دل دليل على عدم فسخه، ولا محذور في ذلك.

стр. 221

وأما عدم اطراد المضي في المختلف فيه، فهو بمعنى دخول التخصيص في العام المخصص به، فكأنه قيل الفاسد يجب فسخه إلا ما اختلف فيه، إلا ما ضعف مدرك صحته، ولا محذور في هذا أيضا. وأما عدم تعيين الخارج من الأصلين، فغير مسلم، إذ لا يخرج عنهما إلا لمعنى تختص به الجزئية الخارجة، وذلك ليس من التخصيص بالمجهول، لأن المراد بالمجهول، المجهول الذي لا أمارة عليه، وإلا امتنع التخصيص بالوصف. وهذا هو الأصل في الضوابط، فالمراد بها اطراد الحكم في ذلك المعنى إلا لمعنى يوجب حكما آخر، إذ قل أن يسلم عموم من التخصيص، والمخصص فيها لا يمكن حصره غالبا بالعد، والله أعلم. وقس على الخارج للمصالح ............................ معناه أنه اختلف في جواز القياس على الصورة المخصوصة من العموم، فذهب القاضي إسماعيل ﵀ وجماعة من الفقهاء إلى جواز ذلك، ومنعه الأكثرون، قال في النشر: كما لو خرج بيع البر متفاضلا من قوله جل من قائل: (وأحل الله البيع) فهل يجوز قياس الأرز عليه بجامع القوت والادخار عندنا، أو بجامع الطعم عند الشافعية، أو الكيل عند الحنفية خلاف اهـ والفرق بين هذه المسألة، ومسألة التخصيص بالقياس ـ في ما يظهر ـ هو ما بينه لمرابط ابن أحمد زيدان ﵀ وصاحب الحلي. ومقتضى التعليل أن قياس ما لا يتناوله العموم على الصورة الخارجة من العموم ليس من محل الخلاف، فليس الاختلاف في جواز أصليته مطلقا، وإنما هو في أصليته لما يشترك معه في تناول اسم العام والله أعلم. فصل في المخصص المتصل المخصص في الحقيقة هو المتكلم، وعرفا: اللفظ المقتضي للتخصيص مثلا. والمخصص المتصل هو ما لا يستقل بنفسه عن العام، بأن يرتبط في دلالته على معناه، بلفظ العام، كالاستثناء مع المستثنى منه.

стр. 222

الاستثناء حروف الاستثناء والمضارع … من فعل الاستثنا وما يضارع معناه أن من المخصص المتصل الاستثناء، وهو إخراج بعض العام بإلا أو غيرها من حروف الاستثناء، وما في معنى ذلك نحو أستثني، وخلا وعدا في النصب بهما. والظاهر أن في معنى ذلك أخرج، وأستبقي، ونحو ذلك. وهل يشترط كونه من المتكلم بالعام، فلو قال قائل: قام الرجال، وقال آخر: إلا زيدا، كان لغوا، أو لا يشترط، فيكون قول القائل المذكور استثناء. والحكم بالنقيض للحكم حصل … لما عليه الحكم قبلُ متصل وغيره منقطع، ورجحا … جوازه، وهو مجازا وضحا أشار بهذا إلى أن الاستثناء نوعان: استثناء متصل، واستثناء منفصل، والمخصص هو المتصل، وهو الحكم بنقيض المحكوم به أولا، لجنس المحكوم عليه، نحو قام القوم إلا زيدا. فإن كان المحكوم عليه في الاستثناء من غير جنس المحكوم عليه أولا، نحو قام القوم إلا حمارا، أو كان من جنسه، ولم يحكم له بنقيض ما حكم به أولا، كقوله جل من قائل: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما) فهو استثناء منقطع، قال أبو بكر الصيرفي ﵀ : يشترط أن يتوهم دخوله في المستثنى منه بوجه ما، وإلا لم يجز، كقوله: وبلدة ليس بها أنيس … إلا اليعافير وإلا العيس فاليعافير قد تؤانس، فكأنه قال ليس بها من يؤانس به إلا هذا النوع، قاله في الإرشاد. وقد ذكر الزركشي ﵀ أن من أهل اللغة من أنكره، وأوله تأويلا رده به إلى الجنس، وحينئذ فلا خلاف في المعنى. وقال العضد ﵀ : لا نعلم خلافا في صحته لغة، وإلى ذلك

стр. 223

الإشارة بقوله ﵀ : ورجحا جوازه. وأشار بقوله: وهو مجازا سمعا، إلى أن الاستثناء المنقطع مجاز عند الجمهور، وقيل حقيقة. واختلف هل محل الخلاف لفظ الاستثناء، وهو للمحلي ﵀ وهو الذي في الإرشاد، قال: والثالث أنه لا يسمى استثناء، لا حقيقة ولا مجازا حكاه القاضي في التقريب والماوردي، أو الصيغة كما للتفتازاني، قال: وأما لفظ الاستثناء فحقيقة اصطلاحا في القسمين بلا نزاع. فلتنم ثوبا بعد ألف درهم … للحذف والمجاز أو للندم وقيل بالحذف لدى الإقرار … والعقد معنى الواو فيه جار اختلف إذا قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا، فقيل: هو على تقدير محذوف، وأصل الكلام: قيمة ثوب، ليصير الاستثناء متصلا، إذ لا يصار إلى انقطاعه، إلا مع عدم إمكان اتصاله. وقيل: يحمل على المجاز، فهو مستعمل في القيمة، وبه قال القاضي إسماعيل ﵀ . وقيل: يعد ندما، فتلزم الألف كلها، لأن ذلك خلاف المعهود، فكان مرجوحا، وذلك قرينة على القصد إلى إبطال الإقرار، ولا علاقة لهذا بالخلاف في جواز الاستثناء المنقطع، فالعبرة في الإقرار بما يدل عليه، سواء وقع بجائز أو ممتنع لغة، فما استظهره في نثر الورود في ذلك غير بين، والله أعلم. وهذا هو المراد بالبيت الأول. وأشار ﵀ بالبيت الثاني إلى قول مفصِّل، وهو أن الاستثناء من غير الجنس في الإقرار يحمل على إرادة القيمة، وفي العقود تكون إلا بمعنى الواو، فإذا قال: له علي ألف درهم إلا ثوبا، كان المعنى إلا قيمة ثوب، وإذا قال: بعتك هذه السلعة بدينار إلا قفيز حنطة، كان المعنى بعتك هذه السلعة وقفيز حنطة بدينار، إذ لو جعل القفيز مستثنى من الدينار، لفسد البيع، للجهل بالثمن، بخلاف ما لو جعل مبيعا.

стр. 224

وهذا التعليل مشكل، إذ المقرر حمل ألفاظ العقود على ما علم أنه مقصود المتعاقدين، صح أو فسد، والله أعلم. بشِرْكة وبالتواطي قالا … بعض .................... تقدم أن الاستثناء مجاز في المنقطع، وذكر هنا قولا بأنه حقيقة فيه، واختلف القائلون به، فمنهم من قال: إن الاستثناء متواطئ في المتصل والمنقطع، فهو موضوع للقدر المشترك بينها، وهو المخالفة بإلا أو إحدى أخواتها. ومنهم من قال: إنه مشترك فيهما، فهو حقيقة في كل منهما على حدته. وقيل: بالوقف، وهذا صريح في أن الخلاف في كلمة الاستثناء، لا صيغته. وأوجب فيه الاتصالا وفي البواقي دون ما اضطرار … وأبطلنْ بالصمت للتذكار معناه أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال بحسب العادة، ولا يضر الفصل اليسير اضطرارا، كالقطع لسعال، أو عطاس، ونحوهما. فإن انفصل لا على هذا الوجه لم يعتد به. واشتراط الاتصال هو مذهب الجمهور، وجاء عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ جواز تأخيره، قيل: إلى شهر، وقيل: إلى سنة، وقيل: أبدا، وقيل: إنما قوله في التعليق على مشيئة الله خاصة، كمن حلف وقال: إن شاء الله وليس هو في الإخراج بإلا وأخواتها، وأن مدركه في ذلك قوله جل من قائل: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت) قال: المعنى إذا نسيت قول إن شاء الله فقل بعد ذلك، ولم يخصص. ووجه قول الجمهور حديث الصحيحين وغيرهما " من حلف على شيء، فرأى غيره خيرا منه، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه " فلو صح الاستثناء مع التراخي، لقال: فليستثن، ولو جاز على التراخي لزم بطلان جميع الإقرارات والإنشاآت، لإمكان الكر عليها بالاستثناء، ولو جاز على التراخي، لما صح صدق ولا كذب، لإمكان التعقب بالاستثناء. وروي عن طاووس ﵀ جواز الاستثناء ما دام في المجلس، وعن

стр. 225

عطاء ﵀ جوازه إلى مقدار حلب ناقة غزيرة، وعن مجاهد ﵀ إلى سنتين، وعن سعيد بن جبير ـ رضي الله عنه ـ إلى أربعة أشهر، وقيل: يجوز تأخيره ما لم يأخذ في كلام آخر، وقيل: يجوز تأخيره بشرط أن ينوى في الكلام، وقيل: في كلام الله فقط. وقوله: وفي البواقي، معناه أن الاتصال مشروط أيضا في بقية المخصصات المتصلة، لأجل المعنى المذكور. قال في النشر: اتفاقا في غير الشرط عند بعضهم وقد حكى المازري وتاج الدين السبكي ـ رحمهما الله الاتفاق على وجوب اتصال الشرط أيضا. وقوله: دون ما اضطرار، أشار به إلى أن الفصل الواقع قهرا عن المتكلم لا ينافي الاتصال، كما لو عرضت له نوبة سعال، أو عطاس، أو ذرعه القيء ونحو ذلك. وأشار ﵀ بقوله: وأبطلن بالصمت للتذكار، إلى أن السكوت انشغالا باستحضار المنسي، مناف للاتصال المشترط في الاعتداد بالاستثناء. قال في النشر: قال ابن عرفة ـ رحمهما الله : ظاهر أقوال أهل المذهب أن سكتة التذكار مانعة مطلقا اهـ وعدد معَ كإلا قد وجب … له الخصوص عند جل من ذهب وقال بعض بانتفا الخصوص … والظاهر الإبقا من النصوص الكلام المركب من العام والمخصص المتصل، قد يورد عليه إشكال، وهو أن الخارج بالمخصص، داخل بالعموم، إذ لو لم يدخل لم يحتج إلى إخراجه، ولو لم يخرج بطل التخصيص، والشيء الواحد لا يمكن أن يكون داخلا في الحكم، وغير داخل فيه في وقت واحد، لامتناع توارد النفي والإثبات على محل واحد. والجواب عن هذا عند الجمهور، أنه إنما يلزم في ذلك توارد النفي والإثبات على محل واحد، لو لم يكن الحكم بالنسبة بعد تقدير الإخراج، فالمراد بقول القائل: جاءني عشرة إلا ثلاثة، إنما هو سبعة، وإلا ثلاثة، قرينة إرادة السبعة من العشرة، إرادة الجزء باسم الكل، فهو من العام الذي أريد به الخصوص.

стр. 226

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني وإمام الحرمين ـ رحمهما الله إن ذلك اسم مركب للباقي بعد التخصيص، فالسبعة مثلا لها اسمان: اسم مفرد، وهو السبعة، واسم مركب، وهو عشرة إلا ثلاثة. وعلى هذا القول فليس في هذا تخصيص أصلا، وهذا هو مختار أبي إسحاق الشاطبي ﵀ في موافقاته، فالعام المخصوص كله عنده إنما يراد به الخصوص، قال: فالأصوليون إنما اعتبروا صيغ العموم بحسب ما تدل عليه في الوضع الإفرادي، ولم يعتبروا حالة الوضع الاستعمالي، حتى إذا أخذوا في الاستدلال على الأحكام رجعوا إلى اعتباره. ونصه: التخصيص إما بالمنفصل أو بالمتصل. فإن كان بالمتصل، كالاستثناء، والصفة، والغاية، وبدل البعض، وأشباه ذلك، فليس في الحقيقة بإخراج لشيء، بل هو بيان لقصد المتكلم في عموم اللفظ، أن لا يتوهم السامع منه غير ما قصد، وهو ينظر إلى قول سيبويه ﵀ : زيد الأحمر، عند من لا يعرفه، كزيد وحده، عند من يعرفه. وبيان ذلك أن زيدا الأحمر، هو الاسم المعرف به مدلول زيد، بالنسبة إلى قصد المتكلم، كما كان الموصول مع صلته هو الاسم، لا أحدهما، وهكذا إذا قلت: الرجل الخياط، فعرفه السامع، فهو مرادف لزيد، فإذا المجموع هو الدال، ويظهر ذلك في الاستثناء، إذا قلت: عشرة إلا ثلاثة، فإنه مرادف لقولك: سبعة، فكأنه وضع آخر عرض حالة التركيب، وإذا كان كذلك، فلا تخصيص في محصول الحكم، لا لفظا ولا قصدا اهـ وبه تعلم أنه لا يراد أن ذلك اسم مركب من ثلاثة ألفاظ. وقيل: العشرة في هذا التركيب: العشرة باعتبار أفرادها، ثم أخرجت الثلاثة بقوله: إلا ثلاثة، فأسند لفظا إلى العشرة، ومعنى إلى السبعة، فكأنه قيل: له علي الباقي من عشرة أخرج منها ثلاثة، فليس في ما حكم عليه ـ وهو السبعة ـ إلا الإثبات، وإنما النفي في الثلاثة المخرجة، ولا إثبات فيها أصلا، وهو اختيار ابن الحاجب والتاج السبكي ـ رحمهما الله وذلك لإجماع النحاة على أن الاستثناء إخراج، والثلاثة على قول الأكثر

стр. 227

قرينة استعمال العشرة في السبعة، وهي على قول القاضي ﵀ جزء الاسم، ولا إخراج في القولين. وقد أشار الناظم ﵀ إلى مذهب الجمهور بقوله: وعدد مع كإلا قد وجب البيت. وأشار إلى القولين الآخرين بقوله: وقال بعض بانتفا الخصوص. قال في الإرشاد: والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، لأن الإسناد إنما يتبين معناه، بجميع أجزاء الكلام، وعلى كل حال فالمسألة قليلة الفائدة. وقوله: والظاهر الإبقا من النصوص، أشار به إلى أن الظاهر عنده ﵀ أن مقتضى الأقوال الثلاثة أن المستثنى مبقى، لا مشترى، لأن المراد في المثال المتقدم من حيث الحكم السبعة باتفاق، وإنما اختلف في التناول لفظا، فما ذكره حلولو غير بين، والله أعلم. والمثل عند الاكثرين مبطل … ولجوازه يدل المدخل وجُوز الأكثر عند الجل … ومالك أوجب للأقل ومُنع الأكثر من نص العدد … والعَقْد منه عند بعض انفقد يشترط في صحة الاستثناء أن لا يستغرق المستثنى المستثنى منه، وقد حكى الإجماع على ذلك جماعة من المحققين، منهم الرازي في المحصول، وابن الحاجب في المختصر ـ رحمهما الله وحكي قول بصحته، ولا يخفى ضعفه. وذهب الأكثرون إلى جواز استثناء الأكثر، نحو له عشرة إلا تسعة، واستدلوا بقوله جل من قائل: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) ومعلوم أن الغاوين أكثر. وذهب قوم من النحاة منهم الزجاج إلى منعه، وقال: لم ترد به اللغة. قال ابن جني ﵀ : لو قال: له عندي مائة إلا تسعة وتسعين، ما كان متكلما بالعربية، وكان عبثا من القول. ويجب عند الإمام مالك ﵀ إبقاء الأكثر، وهو مذهب

стр. 228

القاضي ﵀ فلو قال: له علي عشرة إلا خمسة، كان مقرا بعشرة، لبطلان الاستثناء. وقيل: يمنع استثناء الأكثر إذا كان المستثنى منه نصا في العدد، ويجوز في غيره. وهذا هو أوجه الأقوال ـ إن شاء الله وأقعدها بالاستعمال. وقيل: يمتنع استثناء عَقد صحيح من اسم العدد، ونسب لابن الماجشون ﵀ كالعشرات من المائة، والآحاد من العشرة، فلا يقال له علي مائة إلا عشرة، بخلاف له علي مائة إلا تسعة، أو إلا ثلاثة عشر. وقيل: يمتنع الاستثناء من العدد مطلقا، ورده ابن عصفور بقوله جل من قائل: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما) وأجيب بأن الألف تستعمل في التكثير، ورد بمنع إرادة ذلك هنا، إذ لو أريد لصار المعنى: مكث فيهم دهرا طويلا إلا خمسين عاما. وذا تعدد بعطف حصِّلِ … بالاتفاق مسجلا للاول الاستثناء إذا تعدد، فإما أن يكون ذلك مع العطف أو دونه. فإن كان مع العطف، كانت الاستثناآت كلها عائدة إلى المستثنى منه أولا، لأن العطف يقتضي اشتراك المتعاطفات في المعنى، سواء كان هناك استغراق أولا، وذلك هو المراد بقوله: مسجلا. فإن لم يكن فيها استغراق صح استثناء الجميع، نحو: له علي عشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة، وإلا اثنين، فيكون مقرا بواحد، عند من يجيز استثناء الأكثر. وإن استغرق بطل الجميع، أو ما وقع به الاستغراق خاصة، على الخلاف في جمع المتفرق الآتي - إن شاء الله . فإذا قال: له علي عشرة إلا خمسة، وإلا أربعة، وإلا واحدا، فعلى الجمع تبطل الاستثناآت كلها، وتلزم العشرة، لأن ذلك في معنى: له علي عشرة إلا عشرة، وعلى عدم الجمع، يبطل الاستثناء الأخير خاصة، لأنه الذي وقع به الاسغراق، فيكون مقرا بواحد. وإلى هذا أشار ﵀ بهذا البيت.

стр. 229

ومقتضى ما سيأتي، أنه إذا تعدد المستثنى منه في هذه المسألة، تكون الاستثناآت عائدة إلى كل مستثنى على حدته، فإذا قال: له علي عشرة وعشرة إلا أربعة، وإلا ثلاثة، وإلا اثنين، لزمه اثنان، وقد صرح بذلك البناني ﵀ والله أعلم. وكذلك بقية هذه المسائل، والله أعلم. هذا واعلم أن العطف إنما يكون بين الاستثناآت، وأما عطف الاستثناء على المستثنى منه، فهو مبطل للاستثناء اتفاقا، كما في الإرشاد عن الأستاذ أبي إسحاق الاسفرائيني ـ رحمهما الله وذلك نحو: له علي عشرة، وإلا واحدا، فتلزم العشرة كلها، والله أعلم. وإذا تعدد الاستثناء من غير تخلل حرف عطف، كان كل واحد منها راجعا لما قبله، وذلك لقربه منه، فإذا قال: له علي عشرة إلا ستة إلا أربعة، كان مقرا بثمانية، لأن الأربعة خارجة من الستة، لا من العشرة، فكأنه قال: له علي عشرة إلا اثنين، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: إلا فكل للذي به اتصل ........................... وهذا ما لم يمنع من ذلك مانع الاستغراق، فإن كان هناك استغراق نظر، فإن استغرق كل ما يليه، نحو: له علي عشرة، إلا عشرة، إلا عشرة، بطل الجميع، ولزمت العشرة، وإلى ذلك أشار ﵀ بقوله: وكلها عند التساوي قد بطل وإن كان المستغرق هو ما بعد الأول، كان ذلك قرينة على عود الاستثناآت كلها للمستثنى منه أولا، كمسألة التعاطف، نحو: له علي عشرة، إلا اثنين، إلا ثلاثة، إلا أربعة، فيلزم واحد، لأن مجموع الخارج في الاستثناآت تسعة. وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: إن كان غير الأول المستغرقا … فالكل للمخرج منه حققا وهذا حيث استغرق كل واحد مما بعد الأول، كما مثل.

стр. 230

فإن استغرق بعض مما بعد الأول، دون بعض، نحو: له علي عشرة، إلا اثنين، إلا ثلاثة، إلا واحدا، كان المستغرق ـ وهو الثلاثة في المثال المذكور ـ عائدا إلى الأول، لامتناع خروجه مما قبله، ويكون غيره ـ وهو الواحد ـ عائدا إلى ما يليه، لقربه، وعدم المانع، وهو الثلاثة، نقله الشربيني عن العضد ـ رحمهما الله . وإذا استغرق الأول دون ما بعده، نحو: له علي عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة، فقيل يبطل الأول لاستغراقه، واختلف القائل به هل يبطل الثاني تبعا له، فيلزم مجموع العشرة، أو لا يبطل، فتلزم سبعة. وقيل: لا يبطل الأول، بل يكون ذلك قرينة على تركب الاستثناءين، وأن المستثنى: هو الخارج من عشرة إلا ثلاثة، وهو سبعة، فتلزم ثلاثة، وكأنه قال: له عشرة إلا سبعة، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وحيث ما استغرق الاول فقط … فألغ واعتبر بخلف في النمط وقوله ﵀ : وكل ما يكون فيه العطف … من قبل الاستثنا فكلا يقفو دون دليل العقل أو ذي السمع ........................... معناه أن الاستثناء إذا وقع بعد متعاطفات، كان استثناء من كل واحد منها، حيث لم يمنع من ذلك مانع، اتفاقا على ما لبعضهم في المفردات، نحو: أكرم الفقراء، وأبناء السبيل، وطلبة العلم، إلا الفسقة، وعند الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، والأكثر، في الجمل، لأن ذلك هو ظاهر الكلام، إذ الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلقات. وقيل: إنما يعود لجميع الجمل إذ اتفق المعنى فيها، نحو حبست داري على أبناء السبيل، ووقفت بستاني على طلبة العلم، وسبلت بئري على الفقراء إلا أن يتنازعوا، فالتحبيس والوقف والتسبيل ألفاظ مترادفة، فيكون الاستثناء عائدا إلى الجمل الثلاث. وقال الإمام أبو حنيفة ﵀ : يعود إلى الأخيرة خاصة، ونقل عن الظاهرية.

стр. 231

وقيل: مشترك بين العود للكل، والعود للأخيرة خاصة. وقيل بالوقف، وهو مذهب الأشعرية واختاره إمام الحرمين وأبو حامد الغزالي ﵏ . وهذا ما لم تقم قرينة على مرجعه، فإن قامت عمل عليها، سواء قامت على رجوعه للجميع، أو للأخيرة خاصة. أولهما: كقوله جل من قائل: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) إلى قوله جل من قائل: (إلا من تاب) فهو استثناء من قوله جل من قائل: (يلق أثاما) وهو جواب للشرط المشار فيه لجميع ذلك. والثاني: كقوله جل من قائل: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا) بقرينة عود الضمير في يصدقوا إلى أهل القتيل، وهم مذكورون في الدية، لا في التحرير، مع أن التصدق إنما يتأتى في الدية، لأنها حق آدمي، بخلاف التحرير قاله شيخ الإسلام ﵀ . وإلى ذلك أشار ﵀ بقوله: دون دليل العقل، أو ذي السمع. وأشار ﵀ بقوله: والحق الافتراق دون الجمع إلى أنه على المعول من عود الاستثناء للمتعاطفات، فالمعول أنه يعود للجميع متفرقا، لا مجموعا، فلو قال: طالق ثلاثا، وثلاثا، إلا أربعا، كانت طالقا ثلاثا، للاستغراق، على المعول من عوده لها متفرقة، وعلى مقابله تطلق طلقتين فقط، إذ كأنه قال: طالق ستة إلا أربعة. أما قِران اللفظ في المشهور … فلا يساو في سوى المذكور معناه أن تعاطف الجملتين، أو الجمل، أو المفردين، أو المفردات، لا يستلزم الاستواء في غير الحكم المذكور، مما علم ثبوته لأحدهما من الأحكام، على مذهب الجمهور، خلافا لما ذهب إليه بعض المالكية، والمزني من الشافعية وأبو يوسف من الحنفية، من اقتضائه استواءهما في غير ما وقع فيه التشريك بينهما بالعطف، مما تقرر الحكم به لأحدهما، فتكون

стр. 232

العمرة واجبة لقوله جل من قائل: (وأتموا الحج والعمرة لله). قال في النشر: قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ لما سئل عن وجوب العمرة: إنها لقرينته في كتاب الله وقال: ما من أحد إلا وعليه حجة وعمرة. ومنه ما كان من الشرط أعد … للكل عند الجل أو وفقا تفد أخرج به وإن على النصف سما … كالقوم أكرم إن يكونوا كرما معناه أن من المخصص المتصل كذلك: الشرط، والمراد به: ما دخلت عليه أداة من أدوات الشرط المعروفة، كإن وإذا، نحو أكرم بني تميم إن أحسنوا، فمعناه أكرم المحسنين منهم، وكقول الشيخ ﵀ : القوم أكرم إن يكونوا كرما وأشار ﵀ بقوله: أعد للكل، إلى أن الشرط الواقع بعد متعاطفات يعود إليها كلها، وحكي فيه الاتفاق. وأشار ﵀ بقوله: أخرج به وإن على النصف سما، إلى أنه يجوز إخراج الأكثر به، وحكي في ذلك الاتفاق أيضا، فتقول: أكرم بني تميم إن أحسنوا، مع كون المحسن منهم أقل. وإن ترتب على شرطين … شيء فبالحصول للشرطين وإن على البدل قد تعلقا … فبحصول واحد تحققا إذا تعدد الشرط، فقد تكون الشروط مشترطة على وجه الاجتماع، فلا يقع المشروط إلا بحصول جميعها، وهذا هو المراد بأول البيتين، وقد يكون ذلك على سبيل البدلية، فيقع المشروط بوقوع أي واحد منها، وهذا هو المراد بالبيت الثاني. ومسألة الحنث ببعض الشروط المتعاطفة على المعول فيها، مبنية على ما هو مقرر عندنا في اليمين من الحنث بالبعض. وأما مسألة تعليق التعليق التي ذكر سيدي ـ خليل ﵀ بقوله: وإن قال: إن كلمت إن دخلت لم تطلق إلا بهما، فالمعول توقف الطلاق فيها على مجموع الأمرين.

стр. 233

ووجهه: أن ذلك ليس تعليقا للطلاق على شرطين، بل على شرط واحد، ولكن اشترط في سببيته أمر آخر، فتتوقف سببيته عليه، والله أعلم. ومنه في الإخراج والعودِ يُرى … كالشرط قل وصف وإن قبلُ جرى معناه أن من المخصص المتصل أيضا: الصفة، وهي كالشرط في جواز إخراج الأكثر بها، وفي عودها إلى جميع ما تعاطف قبلها، سواء تأخرت، نحو: وقفت هذا على أولادي وأولادهم المحتاجين، أو تقدمت، نحو: وقفت هذا على محتاجي أولادي وأولادهم. وإن توسطت نحو: وقفت على أولادي المحتاجين وأولادهم فقال السبكي ﵀ في الجمع: المختار اختصاصها بما وليته، قال المحلي ﵀ : ويحتمل أن يقال تعود إلى ما وليها أيضا. وذكر العبادي ﵀ أنه لا فرق في ذلك بين الصفة وغيرها، وإليه أشار الشيخ ﵀ بقوله: وحيث ما مخصص توسطا … خصصه بما يلي من ضبطا ولا يخفى أن المراد بالصفة: الصفة التي لم يمنع من اعتبار مفهومها مانع، وكذا في بقية المذكورات. ومنه غاية عموم يشمل … لو كان تصريح بها لا يحصل وما لتحقيق العموم فَدَعِ … نحوُ سلام هي حتى مطلع وهْي لما قبلُ خلا تعود … وكونها لما تلي بعيد معناه أن من المخصص المتصل كذلك: الغاية، والمراد: الغاية التي يتناول العموم ما بعدها لو لم يؤت بها، كقوله جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية) فإن هذه الغاية لو لم ترد، لكنا مأمورين بقتال المشركين وإن أعطوا الجزية، وهذا هو المراد بأول الأبيات. بخلاف نحو: قوله جل من قائل: (سلام هي حتى مطلع الفجر) إذ طلوع الفجر ليس من اليلة. وبخلاف نحو: ما لو قيل سلام هي إلى آخرها، إذ لا إخراج أصلا، فالغاية في

стр. 234

الموضعين لتحقيق العموم وتوكيده، وليست مخصصة للعموم، وإلى هذا أشار ﵀ بالبيت الثاني. والمراد بالعموم في الآية، استغراق أبعاض مسمى اليلة، لا العموم المصطلح عليه. ولا فرق في التخصيص بالغاية بين تأخرها، كالمثال المذكور، وبين تقدمها، نحو: إلى أن يفسق أولادي، وقفت بستاني عليهم، وعلى أولادهم. وإذا وقعت الغاية بعد متعاطفات، كانت عائدة إلى جميعها، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، كغيرها من المخصصات، خلافا لمن جعلها عائدة إلى ما يليها خاصة، وإلى هذا أشار ﵀ بالبيت الثالث. وبدل البعض من الكل يفي … مخصصا لدى أناس فاعرفِ معناه أن من المخصص المتصل كذلك: بدل البعض من الكل، كقوله جل من قائل: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). ولم يعده الأكثرون، لأن المبدل منه في نية الطرح، قال البناني ﵀ : فيه أن معنى كونه في نية الطرح، أنه غير معتمد عليه، لا أنه لا يذكر. ونحوه في الإرشاد ونصه: الذي عليه المحققون ـ كالزمخشري ـ أن المبدل منه في غير بدل الغلط ليس في حكم المهدر، بل هو للتمهيد والتوطئة، وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد، قال السيرافي: زعم النحوييون أنه في حكم تنحية الأول، وهو المبدل منه، ولا يريدون إلغاءه، وإنما مرادهم أن البدل قائم بنفسه، وليس تبيينه الأول كتبيين النعت الذي هو من تمام المنعوت، وهو معه كالشيء الواحد اهـ واختار في الحلي أنه من قبيل العام المراد به الخصوص، وقد علمت أن ذلك هو مذهب الجمهور في كل عام خصص بمتتصل لكن ذلك أبين هنا والله أعلم. وفي معنى بدل البعض، بدل الاشتمال، كقوله جل من قائل: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه) والله أعلم. ومن المخصصات المتصلة كذلك: الظرف، والجار والمجرور، نحو: أكرم زيدا اليوم، أو في

стр. 235

مكان كذا. ومنها كذلك: المفعول له، فهو مقتض تخصيص الفعل بتلك العلة، وكذلك المفعول معه، فهو مقتض اختصاص الفعل بالمعية، انظر الإرشاد. فصل في المخصص المنفصل وسم مستقله منفصلا … للحس والعقل نماه الفضلا المخصص المنفصل هو: ما يستقل بنفسه عن العام، بحيث لا يفتقر إلى ذكر العام معه، وهو نوعان: لفظي وغيره، وقدم غير اللفظي لقلته، وهو الحس والعقل. والمراد بالتخصيص بالحس: أن يشهد الحس بخروج بعض أفراد العام عن حكمه، وذلك كقوله جل من قائل: (تجبى إليه ثمرات كل شيء) فالحس يدرك ضرورة خروج بعض أفراد الثمرات. وجعله الزركشي ﵀ من العام الذي أريد به الخصوص، لا من العام المخصوص. والمراد بالتخصيص بالعقل أيضا: اقتضاؤه خروج بعض أفراد العام عن حكمه، كقوله جل من قائل: (الله خالق كل شيء) فالعقل قاض بعدم تناول العموم له لاستحالة ذلك. ونفى قوم كون ذلك تخصيصا، إذ لو كان تخصيصا لصحت إرادة العموم، وما اقتضى العقل خروجه لا يراد من اللفظ لغة. وخصص الكتاب والحديث به … أو بالحديث مطلقا فلتنتبه معناه أن الكتاب يخصص بالكتاب وبالسنة، والسنة تخصص أيضا بالكتاب وبالسنة، وخالف في تخصيص الكتاب بالكتاب بعض الظاهرية، وقالوا التخصيص بيان، ولا يكون إلا بالسنة، لقوله جل من قائل: (لتبين للناس ما نزل إليهم). وأجيب بأن ذلك لا يستلزم اختصاص البيان بالسنة، فقد قال جل من قائل: (وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء). ومثال تخصيص الكتاب بالكتاب: قوله جل من قائل: (والمطلقات

стр. 236

يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فقد خصت منه الحوامل بقوله جل من قائل: (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وخصت منه المطلقات قبل الدخول، بقوله جل من قائل: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المومنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها). وخالف في تخصيص الكتاب بالسنة قوم، أما تخصيصه بالسنة المتواترة، فحكيت عن داوود رواية بمنعه، وحكي أيضا الإجماع على جوازه. وخالف في تخصيصه بخبر الآحاد بعض الحنابلة، والمعتزلة، ونقل عن عيسى بن أبان التفصيل بين ما دخله التخصيص بدليل قطعي وغيره، فالأول يجوز تخصيصه بخبر الآحاد، دون الثاني، ونقل عنه أيضا أنه إن دخله التخصيص، جاز تخصيصه بخبر الآحاد، سواء كان مخصصه قطعيا أو لا، وإلا فلا. وذهب الكرخي ﵀ إلى اختصاص الجواز بما دخله التخصيص بدليل منفصل، سواء كان قطعيا أو ظنيا. وذهب القاضي أبو بكر ﵀ إلى الوقف. والجمهور على الجواز مطلقا. ومثاله: تخصيص قوله جل من قائل: (يوصيكم الله في أولادكم) بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لا نورث ما تركناه صدقة " (١) وبقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لا يرث المسلم الكافر " (٢). وتخصيص قوله جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) بقوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لا قطع في ثمر ولا كثر " (٣) وقد قال صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم: " لا ألفينَّ أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما

стр. 237

أمرت به أو نهيت عنه، فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " (١). ومحل الخلاف الأخبار الآحادية التي لم تجمع الأمة على العمل بها، أما ما أجمع على العمل به، كحديث " ليس لقاتل ميراث " (٢) وحديث " لا وصية لوارث " (٣) فالتخصيص به كالتخصيص بالمتواتر. ومثال تخصيص السنة بالسنة: تخصيص عموم حديث " في ما سقت السماء والعيون أو كان عَثْرِيا (٤) العشر " (٥) بحديث " ليس في ما دون خمسة أوسق صدقة " (٦) وتخصيص النهي عن بيع ما ليس عندك (٧) بتجويز السلم. ومثال تخصيص السنة بالكتاب: حديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله " (٨) بقوله جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون). واعتبر الإجماع جل الناس … وقسمي المفهوم كالقياس معناه أن من المخصص المنفصل: الإجماع، وقد حكى الاتفاق على ذلك الأستاذ أبو منصور ﵀ قال: ومعناه أن يعلم بالإجماع أن المراد باللفظ العام بعض ما يقتضيه ظاهره، وفي الحقيقة يكون التخصيص بدليل الإجماع، لا نفس الإجماع، قاله في الإرشاد. قال: ومثله ابن حزم ﵀ بقوله جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) واتفقت الأمة على أنهم لو بذلوا فلسا أو فلسين، لم يجز بذلك حقن دمائهم، قال: والجزية بالألف واللام، فعلمنا أنه أراد جزية معلومة.

стр. 238

ومثله ابن الحاجب ﵀ بآية حد القذف، وبالإجماع على التنصيف للعبد، ومثله ابن عاشور ﵀ بالإجماع على اعتداد الأمة بقرأين. وقول الشيخ ﵀ : واعتبر الإجماع جل الناس، ظاهره في النشر أنه يشير به إلى أن من الأصوليين من لم يذكره كالسبكي ﵀ إذ المخصص إنما هو النص الذي يستند إليه الإجماع مباشرة أو بواسطة القياس. ومن المخصصات المنفصلة كذلك،: المفهوم بنوعيه: الموافقة والمخالفة، قال الآمدي ﵀ : لا أعرف خلافا في تخصيص العموم بالمفهوم، بين القائلين بالعموم والمفهوم، ووقع لصفي الدين الهندي ﵀ أن الخلاف إنما هو في مفهوم المخالفة، وأن مفهوم الموافقة متفق على التخصيص به، وقال الزركشي ﵀ : والحق أن الخلاف ثابت فيهما نقله في الإرشاد. وذكر الشيخ أن الذي نقله أبو الوليد الباجي ـ رحمهما الله عن أكثر أصحابنا امتناع التخصيص بمفهوم المخالفة، لأن تناول العام لما تعارض فيه مع المفهوم بالمنطوق، والمنطوق مقدم على المفهوم. وهذا مشكل من وجهين: أحدهما: تخصيص مفهوم المخالفة بذلك عن مفهوم الموافقة. والثاني: ما اقتضاه من اشتراط مساوات المخصص للعام في القوة، فهو مشكل مع ما يأتي في البيان من عدم اشتراط مساواة المبين ـ بالكسر ـ للمبين ـ بالفتح ـ وما تقدم من تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بأخبار الآحاد، والله أعلم. وظاهر هذه العلة، أن الخلاف خاص بالعام المنطوق، فلو كان العموم بطريق المفهوم، لجاز تخصيصه بالمفهوم، والله أعلم. ومن المخصصات المنفصلة القياس، في ما ذهب إليه الجمهور والأئمة الأربعة ﵏ . وذهب الجبائي إلى المنع مطلقا، ونقل عن عيسى بن أبان ﵀ سبحانه وتعالى

стр. 239

ـ نحو ما نقل عنه في تخصيص الكتاب الكريم بخبر الواحد. ونقل عن الكرخي ﵀ هنا أيضا نحو مذهبه هناك. وذهب الإصطخري ﵀ إلى التخصيص بالقياس الجلي، دون غيره. وذهب أبو حامد الغزالي ﵀ إلى أنه إن تفاوت القياس والعام في غلبة الظن، رجح الأقوى، وإن تعادلا فالوقف، واختاره المطرزي ورجحه الفخر الرازي واستحسنه القرافي والقرطبي ﵏ أجمعين ـ نقله في الإرشاد. ومثاله: قياس العبد على الأمة في تشطر الحد، الوارد في قوله جل من قائل: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) المخصص للعموم في قوله جل من قائل: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) قال في الإرشاد: وقد حكى إمام الحرمين ـ رحمهما الله في النهاية مذهبين لم ينسبهما إلى من قالهما أحدهما: أنه يجوز إن كان الأصل المقيس عليه مخرجا من ذلك، وإلا فلا. ونقل في الحلي عن الإبياري ﵀ اختصاص الخلاف بالقياس الظني، وسيأتي بيان القياس القطعي إن شاء الله في القياس. والعرف حيث قارن الخطابا ........................... معناه أن العرف المقارن للخطاب، بأن كان قائما وقت ورود النص، مخصص أيضا، بمعنى أن العرف إذا خص العام ببعض معناه اللغوي اختص به، كما تقدم في محامل اللفظ، وأما العرف الفعلي فتخصيصه راجع إلى ما سبق من السنة والإجماع. وذلك أن العادة إذا جرت بفعل بعض المنهي عنه، أو ترك بعض المأمور به، فإن كانت في زمنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وأقرها، فذلك من قبيل التخصيص بالسنة، كعدم إرضاع الشريفة، وإن كانت بعده صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، وأجمع الناس عليها، فذلك من قبيل التخصيص بالإجماع. ولا تؤثر العادة الفعلية في دلالة اللفظ على الأصح، قال التاج السبكي ـ رحمه الله

стр. 240

سبحانه وتعالى ـ في بيان الأصح في مسائل من الباب: وأن العام لا يقصر على المعتاد، ولا على ما وراءه، بل تطرح له العادة السابقة اهـ قال المحلي ﵀ : الأول كما لو كان عادتهم تناول البر، ثم نهى عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا، فقيل: يقصر الطعام على البر المعتاد. والثاني: كما لو كان عادتهم بيع البر بالبر متفاضلا، ثم نهى عن بيع الطعام بجنسه متفاضلا، فقيل: يقصر الطعام على غير البر المعتاد. وهذا ما لم تقم قرينة على إرادة المعنى المعهود خاصة، كحديث معمر بن عبد الله ـ رضي الله عنه " الطعام بالطعام مثلا بمثل " (١) قال معمر ـ رضي الله عنه ـ: وكان طعامنا يومئذ الشعير، فيحمل عليه، كما هو الحال لو لم تكن هناك عادة. ودع ضمير البعض والأسبابا قوله ﵀ : ودع ضمير البعض، معناه أنه إذا دل الدليل على أن المراد في الضمير العائد على العام بعضه خاصة، لم يقتض ذلك اختصاص العام بمرجع الضمير، وذلك كقوله جل من قائل: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) إلى قوله جل من قائل: (وبعولتهن أحق بردهن) فالضمير في (بعولتهن) و (ردهن) عائد إلى الرجعيات خاصة، فلا يقتضي ذلك كون المطلقات في صدر الآية خاصا بالرجعيات، على ما ذهب إليه الإمام مالك ﵀ والأكثر. وقوله ﵀ : والأسبابا، معناه أن ورود العام على سبب خاص من سؤال أو غيره، لا يخصصه، فلا يقصر على موضع السبب، بل هو باق على ما تقتضيه الصيغة من العموم عند الجمهور. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن القشيري وإِلْكِيا الطبري وأبو حامد الغزالي ـ

стр. 241

رحمهم الله : إنه الصحيح، وجزم به القفال الشاشي ﵏ . وقيل: يقصر على سببه، ونقل عن بعض الشافعية، وأبي الفرج من أصحابنا وأبي حنيفة. وقيل: بالوقف، وقيل غير ذلك. ومحل الخلاف إذا لم تقم قرينة على تخصيص، كما في مسألة البساط على الظاهر من عبارة الأكثر، ولا على تعميم، كقوله جل من قائل: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) نزل كما قال المفسرون في شأن مفتاح الكعبة، فذكر الأمانات بالجمع قرينة على إرادة العموم. ومحل الخلاف أيضا إذا كان الخطاب يستقل بنفسه، فإن كان لا يستقل بنفسه، كجواب سؤال لا يستقل عنه، كحديث " أينقص الرطب إذا جف " قالوا: نعم، قال: " فلا إذا " (١) كان تابعا للسؤال في عمومه وخصوصه اتفاقا كما ذكره الزركشي ﵀ . وذكر ما وافقه من مفرد … ومذهب الراوي على المعتمد أشار ﵀ بالشطر الأول، إلى أن ذكر بعض أفراد العام بحكمه، لا يقتضي قصر العام عليه، عند الجمهور، إذا لم يكن له مفهوم ينفي الحكم عن ما سواه من أفراد العام، فإن كان له مفهوم ينفي الحكم عما سواه من أفراد العام، فهو من أفراد مسألة التخصيص بالمفهوم المتقدمة الذكر. ونقل عن أبي ثور ﵀ أنه ذهب إلى التخصيص بذلك، وقيل إنه لم يقل به، وإنما نسب له من جهة قوله بمفهوم اللقب، وقال ابن دقيق العيد ﵀ : إن كان أبو ثور نص على هذه القاعدة فذاك، وإن كان أخذها له بطريق الاستنباط من مذهبه في مفهوم اللقب، فلا يدل على ذلك. قال الزركشي ﵀ : فإن قلت: فعلى قول الجمهور ما فائدة

стр. 242

هذا الخاص، مع دخوله في العام؟ قلت: يجوز أن تكون فائدته عدم جواز تخصيصه، أو التفخيم له، أو إثبات المزيد له على غيره من الأفراد، نقله في الإرشاد. ولا فرق بين أن يكون الخاص المذكور معطوفا على العام، وأن يكون منفصلا عنه في نص آخر. مثال أولهما: قوله جل من قائل: (وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) وقوله جل من قائل: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن) الآية الكريمة. ومثال الثاني: قوله جل من قائل: (وآتوا حقه يوم حصاده) مع قوله جل من قائل: (خذ من أموالهم صدقة) الآية الكريمة. وأشار بالشطر الثاني، إلى أن راوي العام إذا كان مجتهدا، وكان يذهب إلى اختصاص الحكم ببعض أفراد العام، فذلك لا يخصصه، عند الإمام مالك والإمام الشافعي والكرخي ﵏ بل هو باق على عمومه، لاحتمال كون مخالفته عن اجتهاد منه، ولا يجوز للمجتهد تقليد مجتهد. وقيل: إن ذلك مخصص، وهو مذهب بعض الحنفية. وقيل: إن كان الراوي المخالف صحابيا فهو مخصص، لبعد خفاء المراد عليه. وقيل: إن مذهب الصحابي مخصص للعموم مطلقا. قال الرازي ﵀ في المحصول: حجة الشافعي - رضي الله عنه - أن المقتضي - وهو ظاهر اللفظ قائم، والمعارض الموجود - وهو مخالفة الراوي - لا يصلح أن يكون معارضا، لاحتمال أن يكون قد تمسك في تلك المخالفة بما ظنه دليلا، مع أنه لا يكون كذلك اهـ ومثال ذلك ما جاء عن أبي هريرة - رضي الله عنه - من غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، مع روايته لحديث الغسل من ذلك سبعا. واجزم بإدخال ذوات السبب … وارو عن الإمام ظنا تصب

стр. 243

معناه أن صورة السبب الذي ورد عليه العام، قطعية الدخول فيه عند الأكثرين، بل نقل الإجماع عليه. قال الزركشي ﵀ في البحر: فهو نص في سببه، ظاهر في ما زاد عليه، وإنما جعلوها قطعية في السبب، لاستحالة تأخير البيان عن وقت الحاجة، وروي عن الإمام مالك والإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله أنها ظنية كغيرها، وإليه ذهب تقي الدين السبكي ﵀ . قال الشربيني ﵀ : ظاهر الشارح أن النزاع في عين صورة السبب، وهو ابن زمعة، ويصرح به ما قاله الشيخ الإمام ﵀ يعني تقي الدين السبكي - وصرح السعد بأن الإمام أبا حنيفة ـ رحمهما الله لم يخرج عينها، بل نوعها، لأن عين صورة السبب داخلة قطعا، واتفاقا اهـ وجاء في تخصيص ما قد جاورا … في الرسم ما يعم خلف النظرا قوله: خلف النظرا، هو فاعل جاء، وما في قوله: ما قد جاورا في الرسم، فاعل المصدر الذي هو تخصيص، ومفعوله ما في قوله: ما يعم. والمعنى أنه جاء في تخصيص العام بالخاص المجاور له في الرسم، بأن يكون مواليا له في المصحف، وإن تأخر عنها نزولا، خلاف. ولم أقف على شيء في هذا. فالذي ذكره التاج السبكي ﵀ في ذلك، إنما هو أن صورة الخاص فيه، قريبة من صورة السبب من جهة قطعية الدخول في العام. وهو غير بين، فإن الترتيب لا أثر له في المعنى. ومسألة التذييل، ليست هي مسألة المجاورة في الرسم، والله أعلم. والتخصيص في مسألة التذييل عند القائل به من قبيل التخصيص بالسياق، وليست دلالته هنا بينة جدا. قال ابن دقيق العيد ﵀ في شرح الإلمام ـ: نص بعض الأكابر من الأصوليين، أن العموم يخص بالقرائن القاضية بالتخصيص، قال: ويشهد له مخاطبات

стр. 244

الناس بعضهم بعضا، حيث يقطعون في بعض الخطابات بعدم العموم، بناء على القرينة، والشرع يخاطب الناس بحسب تعارفهم، قال: ولا يشتبه عليك التخصيص بالقرائن، بالتخصيص بالسبب، كما اشتبه على كثير من الناس، فإن التخصيص بالسبب غير مختار، فإن السبب وإن كان خاصا، فلا يمنع أن يورد لفظ عام يتناوله وغيره، كما في قوله جل من قائل: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولا ينتهض السبب بمجرده قرينة لرفع هذا، بخلاف السياق، فإنه يقع به التبيين، والتعيين، أما التبيين ففي المجملات، وأما التعيين ففي المحتملات، وعليك باعتبار هذا في ألفاظ الكتاب والسنة، والمحاورات، تجد منه ما لا يمكنك حصره نقله في الإرشاد. قال: والحق أن دلالة السياق إن قامت مقام القرائن القوية المقتضية لتعيين المراد، كان المخصص هو ما اشتملت عليه من ذلك، وإن لم يكن السياق بهذه المنزلة، ولا أفاد هذا المفاد فليس بمخصص اهـ ومعنى تخصيص القرائن اقتضاؤها إرادة الخصوص بالعام، والله أعلم. وإن أتى ما خص بعد العمل … نسخ، والغير مخصص جلي معناه أن الخاص إذا تأخر عن وقت العمل بالعام، كان ناسخا لما تعارض فيه مع العام، قال الزركشي ﵀ في البحر: وفاقا، ولا يكون تخصيصا، لأن تأخير بيانه عن وقت العمل غير جائز. وإن تقدم الخاص عن وقت العمل بالعام كان مخصصا له، سواء تأخر عن وقت الخطاب بالعام، أو تقدم، سواء تأخر العام عن العمل بالخاص، أو لا، خلافا للإمام أبي حنيفة ﵀ وأكثر أصحابه، حيث قالوا: إن تأخر العام عن وقت العمل بالخاص، كان ناسخا له. وإذا جهل تاريخهما، فمذهب الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وبعض من الحنفية، بل نقل عليه أبو الحسين الإجماع، أن العام يبنى على الخاص، ونقل عن الإمام أبي حنيفة ﵀ وأكثر أصحابه الوقف حتى يعلم التاريخ، أو يظهر مرجح، وحكي عن القاضي أبي بكر والدقاق ـ رحمهما الله .

стр. 245

وإن يك العموم من وجه ظهر … فالحكم بالترجيح حتما معتبر معناه أنه إذا كان بين الدليلين عموم وخصوص من وجه، فإنه يصار إلى الترجيح، سواء تقارنا، أو تأخر أحدهما. قال الشربيني ﵀ : قولهم: العام الآتي بعد الخاص ناسخ مطلقا، سواء كان موصولا أو مفصولا، في ما إذا كان العموم ليس وجهيا، نص عليه السعد ﵀ وغيره، وذلك لأنه لو نسخ الاول لكان نسخ ما لا يتناوله منه كالرجال، في " من بدل دينه فاقتلوه " بغير دليل تأمل اهـ ومثال تقابلهما: قوله جل من قائل: (وأن تجمعوا بين الأختين) مع قوله جل من قائل: (أو ما ملكت أيمانكم) فيرجح عموم الآية الأولى، لاقتضائه التحريم، ولأن الثاني مخصص بنصوص كثيرة، ولأنه سيق لغرض خاص، وقد تقدم الخلاف في ذلك، والحمد لله رب العالمين وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. فصل في المقيد والمطلق المناسبة في ذكر المقيد والمطلق بعد العام والخاص بينة، فالمطلق عام عموما بدليا، والمقيد منه بمثابة المخصص من العام، مع اتفاقهما في أغلب البحوث. فما على معناه زِيد مسجلا … معنى لغيره اعتقده الاولا قال الآمدي ﵀ في الإحكام: المقيد يطلق باعتبارين: الأول: ما كان من الألفاظ الدالة على مدلول معين، كزيد وعمرو، وهذا الرجل ونحوه. الثاني: ما كان من الألفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق بصفة زائدة عليه، كقولك: دينار مصري، ودرهم مكي، وهذا النوع من المطلق وإن كان مطلقا في جنسه، من حيث هو دينار مصري، ودرهم مكي، غير أنه مقيد بالنسبة إلى مطلق الدينار والدرهم، فهو مطلق من وجه، ومقيد من وجه اهـ وهذا المعنى الثاني هو المراد بالبيت. وقوله ﵀ : مسجلا، أشار به إلى أنه لا فرق في ذلك بين كون

стр. 246

القيد الدال على المعنى المزيد على أصل المعنى مذكورا نحو (رقبة مؤمنة) وكونه مقدرا، كقوله جل من قائل: (فصيام ثلاثة أيام) أي: متتابعة، عند من يشترط التتابع، وبه قرأ ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ. وما على الذات بلا قيد يدل … فمطلق وباسم جنس قد عقل وما على الواحد شاع النكره … والاتحاد بعضهم قد نصره عليه طالق إذا كان ذكر … فولدت لاثنين عند ذي النظر معنى أول الأبيات: أن المطلق ـ ويرادفه اسم الجنس ـ: هو اللفظ الدال على الماهية بلا قيد، والوحدة ضرورية عند الطلب، إذ لا وجود للماهية المطلوبة بأقل من واحد، فالتوجه إلى الماهية من حيث اتحادها مع الأفراد، أو وجودها فيها. فخرج الدال على الماهية بقيد التعين في الخارج، وهو المعرفة، أو التعين في الذهن، وهو علم الجنس، أو بقيد الاستغراق، وهو العام، والدال عليها بقيد الوحدة الشائعة ـ وهي الفرد المنتشر ـ وهو النكرة، كما أشار إليه ﵀ بقوله: وما على الواحد شاع النكره، والشيوع: خلاف التعيين. فالمطلق والنكرة من حيث اللفظ سواء، والاختلاف إنما هو بالاعتبار، فإن أريدت باللفظ الماهية بلا قيد، فهو المطلق، واسم الجنس، وإن أريدت به الماهية مع قيد الوحدة الشائعة، فهو النكرة. وأشار ﵀ بقوله: والاتحاد بعضهم قد نصره، إلى أن من أهل الأصول من اختار ما ذهب إليه ابن الحاجب والآمدي ـ رحمهما الله من استواء النكرة والمطلق، فالمطلق عندهم هو ما دل على واحد شائع في جنسه، كالنكرة في الإثبات، إذا لم يقترن بها ما يوجب عمومها، (١) وينكرون كون المطلق يدل على الماهية بلا قيد. والمراد بالواحد: مفرد المعنى، فإذا كان اللفظ مثنى، دل على اثنين شائعين في الجنس،

стр. 247

وإذا كان جمعا دل على جمع شائع في الجنس، فالنظر إلى الشيوع. قال العطار ﵀ : وقول ابن الحاجب ﵀ : ما دل على شائع في جنسه، معناه ما دل على حصة من الجنس، ممكنة الصدق على كل من حصص كثيرة مندرجة تحت مفهوم كلي. وقول الآمدي ﵀ : إنه عبارة عن النكرة في سياق الإثبات، بنحو معناه، لا أن مراده النكرة المحضة، بدليل قوله عقبه: إنه احترز بقوله: نكرة عن المعارف، وعما مدلوله واحد معين، أو عام مستغرق، ثم تصريحه بأن النكرة تخرج بالاستغراق عن التنكير، إذ لا يخفى أنها إنما تخرج به عن كونها نكرة محضة، لا أنها تصير معرفة اهـ والقول باستواء المطلق والنكرة هو الموافق لكلام أهل العربية، إذ لا دليل في كلامهم على الفرق المذكور، ولأن التكليف متعلق بالأفراد، دون المفهومات الكلية التي هي أمور عقلية قاله العطار ﵀ . وأشار ﵀ بقوله: عليه طالق البيت، إلى أنه ينبني على الاختلاف في استواء المطلق والنكرة واختلافهما: اختلاف الفقهاء في من قال لزوجته: إن كان ما في بطنك ذكرا، فأنت طالق، فولدت ذكرين، هل تطلق عليه أو لا؟ فقيل: تطلق، حملا على الجنس. وقيل: لا تطلق نظرا للتنكير المشعر بالتوحيد، قاله المحلي ﵀ . بما يخصص العموم قيِّد … ودع لما كان سواه تقتدي معناه أن المطلق يقيد بنحو ما سبق أنه يخصص العام مما يتأتى تقييده به. قال أبو الوليد الباجي ﵀ في الإشارة: التقييد يقع بثلاثة أشياء: الغاية، والشرط، والصفة. فأما الغاية فقولك: اضرب زيدا، وعمرا أبدا حتى يرجع إلى الحق، فلولا أنه قيد الضرب بالرجوع إلى الحق، لاقتضى ذلك ضربه أبدا. وأما الشرط فقولك: من جاءني من الناس فأعطه درهما، فقيد ذلك بالشرط. وأما الصفة فقولك: أعط القرشيين المؤمنين، فقيد بصفة الإيمان، ولولا ذلك لاقتضى

стр. 248

اللفظ كل قرشي اهـ والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال وجميع ما تقدم من البحوث في العام والخاص، جار في المطلق والمقيد، ولا يفترق البابان إلا في ما أشار إليه ﵀ بقوله: وحمل مطلق على ذاك وجب … إن فيهما اتحد حكم وسبب معناه أن المطلق والمقيد إذا اتفقا في الحكم والسبب، وجب حمل المطلق على المقيد، لأن السبب الواحد لا يوجب متنافيين، وذلك كتقييد الوصية في قوله جل من قائل: (من بعد وصية يوصي بها) الآية الكريمة، بحديث " الثلث والثلث كثير " (١) وحديث " فلا وصية لوارث " (٢) وأما التمثيل بقوله جل من قائل: (أو دما مسفوحا) فالظاهر أنه سهو، وأن ذلك من قبيل تخصيص العام. وكذلك التمثيل بقوله جل من قائل: (يأخذ كل سفينة غصبا). … وكذلك التمثيل بقراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ في آية كفارة اليمين، لاتحاد المورد (٣). والوصف في الآية الأولى يقتضيه السياق، فالتعليل للخرق بشأن الملك مع السفن، صريح في أنه لا يأخذ ذات الخرق، فالنص ليس مطلقا، حتى يقال إنه مقيد بالإجماع والله أعلم بالصواب. وقد نقل الاتفاق على حمل المطلق على المقيد في هذه الحالة القاضي أبو بكر والقاضي عبد الوهاب وابن فورك وإلكيا الطبري ﵏ قاله في الإرشاد. وليس القول به خاصا بمن يرى حجية المفهوم، كما بينه ابن عاشور ﵀

стр. 249

سبحانه وتعالى ـ. ومحل حمل المطلق على المقيد، إذا لم يتأخر المقيد عن وقت العمل بالمطلق، فإن تأخر كان ناسخا للمطلق، بالنسبة إلى صدقه بغير المقيد، فلو قال: إن ظاهرت فأعتق رقبة، ثم قال بعد ذلك: إن ظاهرت فأعتق رقبة مؤمنة، كان ناسخا لما اقتضاه القول من إجزاء الرقبة الكافرة، وإنما يحمل عليه إذا تقارنا، أو تأخر المطلق، أو جهل تاريخهما، أو تأخر الخطاب بالمقيد، عن الخطاب بالمطلق، لكن ورد قبل وقت العمل بالمطلق، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وإن يكن تأخر المقيد … عن عمل فالنسخ فيه يعهد وذلك لامتناع تأخر البيان عن وقت الحاجة، كما تقدم بيانه، والله أعلم. وإن يكن أمر ونهْي قُيِّدا … فمطلق بضد ما قد وجدا المراد أنه إذا تقابل أمر ونهي، وكان أحدهما مقيدا، والآخر مطلقا، فالمطلق منهما مقيد بضد ما قيد به المقيد، جمعا بينهما. فإذا قال: أعتق رقبة مؤمنة، وقال: لا تعتق رقبة، قيدت الرقبة في النهي بالكفر، وفي تسمية هذا تقييدا توسع. وإذا قال: لا تعتق رقبة كافرة، وقال أعتق رقبة، قيدت الرقبة في الأمر بالإيمان. وحيث ما اتحد واحد فلا … يحمله عليه جل العقلا معناه أن المطلق لا يحمل على المقيد إذا اتفقا في الحكم دون السبب، أو في السبب دون الحكم، بل يبقى المطلق على إطلاقه، هذا مذهب جل المالكية، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ . وذهب جمهور الشافعية إلى أنه يحمل عليه، وجعله الرازي ضعيفا جدا. وذهب محققون منا ومنهم إلى جواز التقييد بالقياس على المقيد على نحو ما يأتي اشتراطه في القياس، لا أن ذلك مطرد، هكذا ذكر هذا القول جماعة، وليس الكلام في هذا، إنما الكلام في الحمل بمقتضى اللفظ.

стр. 250

ومثال ذلك: إطلاق الرقبة في الظهار، وتقييدها في القتل، فيبقى المطلق على إطلاقه لاختلاف السبب، وإطلاق الأيدي في التيمم، وتقييدها في الوضوء بالمرافق، فيبقى المطلق على إطلاقه لاختلاف الحكم، إذ هو في المقيد الغسل، وفي المطلق المسح. فصل في التأويل والمحكم والمجمل التأويل لغة: من آل يؤول إذا رجع، تقول: آل الأمر إلى كذا أي: رجع إليه، ومآل الأمر: مرجعه. واصطلاحا: صرف اللفظ عن معناه الظاهر منه، إلى معنى محتمل منه بمرجوحية، لدليل دال على ذلك، فلا يكون في النص، ولا في المجمل، وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله: حمل لظاهر على المرجوح .......................... وأما المحكم ـ بفتح الكاف ـ فهو لغة: من أحكمه إذا أتقنه. واصطلاحا: مشترك بين البيِّن الدلالة على معناه ـ وهو المراد هنا ـ والنص الذي ليس بمنسوخ، وسيأتي ـ إن شاء الله والمجمل ـ بفتح الميم ـ وهو لغة: من أجمله إذا جمعه مع غيره ولم يميزه، من أُجمل الحسابُ إذا جمع، وجعل جملة واحدة. واصطلاحا: ما احتمل أكثر من معنى على وجه سواء. واقسمه للفاسد والصحيح صحيحه وهْو القريب ما حمل … معْ قوة الدليل عند المستدل وغيره الفاسد والبعيد … وما خلا فلعبا يفيد معناه أن التأويل ينقسم إلى تأويل صحيح، ويسمى تأويلا قريبا، وإلى تأويل فاسد، ويسمى تأويلا بعيدا. وذلك أن صرف اللفظ عن ظاهره، إما أن يكون لدليل دال على ذلك، أو لا. والدليل إما أن يكون قويا، أو لا.
следующие страницы →