← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 939

فتح الباقي على منظومة المراقي

محمد بن محمد بن المصطفى اليعقوبي

Полный текст (531 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

بغير العدول، وإلا لم يستلزم تعديلا. وذكر ابن الحاجب ﵀ الاتفاق على تضمن حكم الحاكم بشهادته التعديل، وهو ظاهره أيضا في عمل العامل، وصرح به الشربيني ﵀ . ونص ابن الحاجب في المختصر: حكم الحاكم المشترِطِ العدالةَ بالشهادة، تعديل باتفاق، وعمل العالم مثله، ورواية العدل، ثالثها المختار: إن كانت عادته أنه لا يروي إلا عن عدل اهـ والجرح قَدِّم باتفاق أبدا … إن كان من جرح أعلى عددا وغيره كهْو بغير مين … وقيل بالترجيح في القسمين معناه أنه إذا اختلف في عدالة الراوي، فزكاه قوم، وجرحه قوم، فذلك على ثلاثة وجوه: وذلك أن الجارح له إما أن يكون أكثر من المعدل، أو مساويا، أو أقل. أما القسم الاول، فيقدم فيه الجرح، قال السبكي ﵀ في الجمع: إجماعا. والمعول في الثاني، والثالث، تقديم الجرح، لاطلاع القائل بجرحه على ما لم يطلع عليه القائل بالعدالة. وحكى المحلي والقرافي - رحمهما الله قولا بتقديم التعديل في أكثرية المعدل. وجاء عن ابن شعبان - رحمهما الله من أصحابنا أنه يصار فيهما للترجيح. وهذا ما لم يكن الجرح بأمر معين، ينفيه المعدل جزما، كقوله: قتل فلانا، فيقول: المعدل هو حي. كلاهما يثبته المنفرد … ومالك عنه رُوِي التعدد وقال بالعدد ذو درايه … في جهة الشاهد لا الروايه

стр. 317

اختلف هل لا بد في ثبوت عدالة الشاهد والراوي، وجرحهما، من شهادة اثنين بذلك، أو يكفي الواحد، أو يفرق، فيكتفى بالواحد في الراوي، دون الشاهد، لكفاية الواحد في الرواية، دون الشهادة، وهو أبين الأقوال، ونسبه ابن الحاجب ﵀ للأكثر، ونصه: الأكثر أن الجرح والتعديل يثبت بقول الواحد في الرواية دون الشهادة، وقيل: لا، فيهما، وقيل: نعم، فيهما. الأول: شرط، فلا يزيد على مشروطه، كغيره، قالوا: شهادة، فيتعدد، وأجيب بأنه خبر، قالوا: أحوط، أجيب بأن الآخر أحوط، والثالث ظاهر اهـ وما ذكره الشيخ ﵀ من اشتراط التعدد عن الإمام ﵀ ذكر في النشر أنه بالنص في الشهادة، ومقتضى القياس في الرواية، على ما قال الإبياري ﵀ ونقل عن حلولو ـ رحمهما الله أنه قال: لا يحسن أن يقال: التزكية في حق الشاهد شهادة، وفي حق المخبر خبر، لأن معقول الشهادة فيهما على حد واحد، هو الإنباء بأمر يختص بالمشهود له أو عليه، فالصواب إذا أن لا فرق اهـ والله أعلم. وليس ببين جدا. شهادةٌ: الاخبار عما خص إن … فيه ترافع إلى القاضي زكن وغيره رواية ................. .......................... أشار ﵀ إلى الفرق بين الرواية والشهادة. فذكر أن الشهادة هي: الإخبار عن خاص، يقع فيه الترافع إلى القضاة، سواء كان الإخبار عن كونه لخاص ـ أيضا ـ ككون زيد طلق حفصة، أو باع بعيره لعمرو، أو لعام، كما لو أخبر أن الدار الفلانية وقف على عموم المسلمين، كما نبه عليه الشربيني ﵀ (١). ولما قيد الإخبار عن الخاص، بإمكان الترافع، علم أن الإخبار عنه من حيث الترافع،

стр. 318

فيكون الإخبار عنه بخصوص آخر، وهو كونه في الواقع للمدعي، بخلاف الخصوص الأول، فإنه من حيث الدعوى به، فلا يرد الدعوى والإقرار، فإن الأولى إخبار باختصاص المدعى به بالمدعي، والثاني إخبار باختصاص المقر به، بالمقر له، وليس فيه قبل الإقرار جهة خصوص قاله الشربيني ﵀ –. وأما الرواية فهي الإخبار عن عام، نحو: " الصلاة نور" (١) أو عن خاص لا يقع فيه الترافع، كبشارة العشرة المعروفين من أصحابه صلى الله تعالى عليه وآله وصحبه وسلم بالجنة. والصحب … تعديلهم كل إليه يصبو واختار في الملازمين دون من … رآه مرة إمام مؤتمن قوله: والصحب البيت، معناه أن الصحابة كلهم عدول، فلا يبحث عن عدالتهم في رواية ولا شهادة، حكى ذلك ابن الحاجب ﵀ عن الأكثرين، قال القاضي ﵀ : هو قول السلف، وجمهور الخلف، وقال الجويني ﵀ : بالإجماع، قال السيوطي ﵀ : وهم عدول كلهم لا تشتبه … ألنووي: أجمع من يعتد به وذلك لما ورد من العمومات المقتضية لتعديلهم، وبراءتهم عن المطاعن. قال الجويني ﵀ : ولعل السبب في قبولهم من غير بحث عن أحوالهم، أنهم نقلة الشريعة، ولو ثبت التوقف في روايتهم، لانحصرت الشريعة على عصر الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولما استرسلت على سائر الأعصار. والمعول في حد الصحابي أنه كل من اجتمع بالنبي - صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم - اجتماعا متعارفا، وهو مؤمن به، ولو حكما، كالصبي المحكوم له بالإسلام، ذكرا كان أو أنثى، وإن لم يرو عنه شيئا، ولم يغز معه، ولم يطل اجتماعه به. خلافا لمن اشترط الرواية وطول الاجتماع، وخلافالمن اشترط أحدهما، وخلافا لمن اشترط الجهاد معه، أو الاجتماع معه سنة. وأشار الشيخ ﵀ بقوله: واختار في الملازمين البيت، إلى ما

стр. 319

ذكره المازري ﵀ في شرح البرهان، من أنه ليس المراد بالصحابة في قولنا الصحابة عدول، كل من رآه ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ يوما ما، أو رآه لماما، أو اجتمع به لغرض وانصرف، وإنما نعني به الذين لازموه، وعزروه، ونصروه اهـ وتبعه القرافي ﵀ وهو قول غريب جدا. إذا ادعى العدل المعاصر الشرف … بصحبة يقبله جل السلف معناه أن العدل الذي علم أنه كان في عصر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا ادعى الاجتماع بالنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قبلت دعواه، وثبتت صحبته، في ما ذهب إليه القاضي ﵀ والأكثرون، لأن عدالته مانعة من الكذب، قال التاج في الإبهاج: ومن الناس من توقف في ثبوتها بقوله، لما في ذلك من دعواه رتبة لنفسه، وهو توقف ظاهر، فإن المرء لو قال: أنا عدل، لم يلتفت إلى مقاله، لدعواه لنفسه خصلة شريفة، فكيف إذا ادعى الصحبة، التي هي فوق منصب العدالة بأضعاف مضاعفة، فهذا ما يجب التوقف فيه اهـ وأجيب من قبل الجمهور بالفرق بعلم العدالة في هذه المسألة. ومرسل: قولة غير من صحب … قال إمام الاعجمين والعرب عند المحدثين: قول التابعي … أو الكبير، قال: خير شافع معنى أول البيتين، أن المرسل في اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو ما رفعه غير الصحابي إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يقول - مثلا -: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فيدخل فيه المنقطع، والمعضل، والمعلق. وإذا حدث الصحابي عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وعلم أن بينه وبينه واسطة لم يسمها، فهو في حكم المتصل، إذ الظاهر صحبة الواسطة، وجهالة الصحابي لا تضر، ويعرف هذا بمراسيل الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - كتحديث أبي هريرة - رضي الله عن بدر، وابن عباس أو عائشة - رضي الله عنهم أجمعين - عن بدء الوحي. ومعنى البيت الثاني، أن المرسل في اصطلاح المحدثين هو ما رفعه التابعي، بأن يقول:

стр. 320

قال رسول الله - صلي الله تعالى عليه وسلم كذا، أو فعل كذا. سواء كان التابعي المذكور كبيرا، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب. أو صغيرا، كالزهري وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري - رضي الله عنهم أجمعين -. هذا هو المشهور عندهم، ومنهم من خصه بالتابعي الكبير خاصة، لأن أكثر رواية الصغير عن التابعي، فما رفعه منقطع. وما في بعض الشروح (١) هنا عن شيخ الإسلام ابن حجر ﵀ من أن التابعي الكبير هو من أدرك الصحابة، وإن لم يلقهم، سهو. … والذي يغلب على الظن، أن منشأه سقَط في نسخة الشيخ ﵀ من فتح الباري، وقد ذكرت ذلك في الأعلاق الموضونة، وهذا نص ما ذكرت: قال في هدي الأبرار عند قوله في طلعة الأنوار: ثم الكبير عند ذي النجابه … أكثر ما يروي عن الصحابه ما نصه: وفي فتح الباري: أن الكبير من أدرك الصحابة، وإن لم يلقهم، قاله في كتاب التيمم اهـ وهذا سهو، إذ كيف يكون من التابعين من لم يلق الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ـ مع اشتراط جماعة من أهل العلم، طول الصحبة، في تحقق التابعية، وعدم الاكتفاء باللقي، فضلا عن أن يكون من كبارهم. قال العماد ابن كثير ﵀ في حد التابعي: لم يكتفوا بمجرد رؤيته الصحابي، كما اكتفوا في إطلاق اسم الصحابي على من رآه ﵊، والفرق عظمة وشرف رؤيته ﵊ اهـ (٢)

стр. 321

فالصواب أن من لم يلق الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - ليس من التابعين أصلا، فضلا عن أن يكون من كبارهم. ولعل مراد الشيخ ﵀ في ما نسبه لشيخ الإسلام ابن حجر ﵀ قوله في سيار بن وردان ﵀ أحد رواة الحديث الثاني من كتاب التيمم من صحيح البخاري ﵀ ما نصه: اتفقوا على توثيق سيار، وأخرج له الأئمة الستة وغيرهم، وقد أدرك بعض الصحابة، لكن لم يلق أحدا منهم فهو من كبار أتباع التابعين اهـ فتكون نسخة الشيخ ﵀ قد سقط منها لفظ أتباع، والله أعلم اهـ وأورد السيوطي ﵀ على تخصيص المرسل بالتابعي، من سمع من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو كافر، ثم أسلم بعد موته ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ فهو تابعي اتفاقا، وحديثه ليس بمرسل، بل موصول، لا خلاف في الاحتجاج به، كالتنوخي: رسول هرقل، وفي رواية: قيصر، فقد أخرج حديثه الإمام أحمد وأبو يعلى - رحمهما الله في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة. وأورد أيضا من رأى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - غير مميز، كمحمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما - فإنه صحابي، وحكم روايته حكم المرسل، لا الموصول، ولا يجيء فيه ما قيل في مراسيل الصحابة، لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعي، بخلاف الصحابي الذي أدرك وسمع، فإن احتمال روايته عن التابعي بعيد جدا اهـ من التدريب. قال في الأعلاق الموضونة: ويجاب عن أمثال محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله

стр. 322

سبحانه وتعالى عنهما - بما ذكره شيخ الإسلام ابن حجر ﵀ في الإصابة، من أنهم من حيث الرواية أتباع، فانظره في الكلام على حد الصحابي. وقد يؤخذ منه أن الصحابي رواية، غيره شرفا وعدالة. وقد يقال حينئذ: إن التنوخي صحابي رواية، والله أعلم. وقوله: لأن أكثر رواية هذا وشبهه عن التابعي غير ظاهر، إذ لا يكون أنزل حالا من كبار التابعين الذين نصوا أن أكثر رواياتهم عن الصحابة، وأكثر ما يقال في هذه الطبقة: أن احتمال روايتهم عن التابعين أقل بعدا، من احتمال رواية من هم أسن منهم عن التابعين، والله أعلم وهو حجة، ولكن رجحا … عليه مسند، وعكس صححا معناه أن المرسل حجة عند الإمام مالك والإمام أبي حنيفة ـ رحمهما الله في المشهور عنهما، وعند الإمام أحمد ﵀ في أشهر الروايتين عنه، وأكثر من تكلم في الأصول، واختاره الآمدي ﵀ وبالغ ابن خويز منداد حتى قال في ما نسبه له أبو الوليد الباجي ـ رحمهما الله في الإشارة إن إنكار المرسل بدعة ظهرت بعد المائتين. وحجة هذا القول: أن العدل لا يسقط الواسطة بينه وبين النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلا وهو عدل عنده، وإلا كان تلبيسا قادحا فيه. ورده الأكثر، ومنهم الإمام الشافعي، والقاضي أبو بكر - رحمهما الله للجهل بعدالة الواسطة. وقيل: إن كان المرسل من أئمة النقل مثل سعيد بن المسيب ﵀ قبل، وإلا لم يقبل، إذ لا يؤمن أن يظن العدالة بغير عدل. والمرسل على القول بحجيته أضعف من المسند، فإذا تعارض مرسل ومسند، قدم المسند، للخلاف في المرسل. وقال قوم: يقدم المرسل، قالوا: لأن العدل لا يسقط إلا من يجزم بعدالته، بخلاف من يذكره، فإنه يحيل الأمر فيه على غيره.

стр. 323

وهذا هو المراد بقوله ﵀ : لكن رجحا إلخ. والنقل للحديث بالمعنى منع … ومالك عنه الجواز قد سمع اختلف في جواز رواية الحديث بالمعنى، فذهب الأكثر، ومنهم الإمام مالك ﵀ ، في إحدى الروايتين عنه ـ والأئمة الثلاثة، إلى جوازه، لأن المقصود المعنى، لنا: القطع بأنهم نقلوا عنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - أحاديث في وقائع متحدة، بألفاظ مختلفة، شائعة ذائعة، ولم ينكره أحد اهـ وأنا نعلم بالضرورة ـ كما قال الإمام ﵀ أن الصحابة الذين رووا هذه الأخبار عن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، ولا يكررون عليها فيه، بل كما سمعوها تركوها، وما رووها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك يحصل القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ اهـ وذهب جماعة من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، إلى المنع من ذلك مطلقا، مخافة التغيير. وقال الماوردي ﵀ : يجوز إن نسي اللفظ لا إن ذكره. وقيل: يجوز بلفظ مرادف، مع بقاء التركيب. وقال ابن العربي ﵀ : يجوز للصحابة دون غيرهم، لما عندهم من الفصاحة والبلاغة جبلة، ومشاهدتهم أقوال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأفعاله، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصود كله اهـ قال: ولو جوزنا لكل أحد، لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث. وفيه أن جوازه ليس مطلقا، فلا خلاف في المنع لمن ليس عارفا بمدلولات الألفاظ، لا تخفى عليه مقادير التفاوت بينها. كما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: لعارف بفهم معناه جزم … وغالب الظن لدى البعض انحتم والمعنى أن الخلاف في جواز الرواية بالمعنى، محله العارف بمدلولات الألفاظ، البصير بموجبات اختلاف مضامينها.

стр. 324

وأما غير العارف بذلك، فلا يجوز له قولا واحدا، ويشترط جزمه بأنه قد فهم معنى الحديث، وأن عبارته دالة على ذلك المعنى، واكتفى بعضهم بغلبة الظن كما في النشر. والاستوا في الخفاء والجلا … لدى المجوزين حتما نقلا أشار به إلى الشرط الثالث، وهو أن يكون اللفظ الذي يؤدي به مساويا للأصل في الجلاء والخفاء، فيبدل اللفظ بمثله في الاحتمال وعدمه، ولا يبدل الأجلى بالجلي، وعكسه، ولا العام بالخاص، ولا المطلق بالمقيد، ولا الأمر بالخبر، ولا العكس، لأن الخطاب تارة يقع بالمحكم، وتارة يقع بالمتشابه، لحكم وأسرار لا يعلمها إلا الله ورسوله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلا يجوز تغييرها عن موضوعها. ويشترط كذلك أن لا يكون الحديث متعبدا بلفظه، كالأدعية والأذكار. وأن لا يكون من باب المتشابه، كأحاديث الصفات، للابتلاء بالكف عن طلب المعنى فيه، فكيف يتصور نقله بالمعنى. وأن لا يكون من جوامع الكلم، نحو: " الخراج بالضمان " (١) و " العجماء جبار" (٢). وبعضهم منع في القصار … دون التي تطول لاضطرار معناه أن منهم من جوز الرواية بالمعنى في الأحاديث الطويلة خاصة، كحديث الإسراء، دون القصيرة. قال في النشر: المراد بالبعض هنا القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله ووجه الفرق الضرورة مع الطول، كما أشار إليه ﵀ بقوله: لاضطرار. وبالمرادف يجوز قطعا … وبعضهم يحكون فيه المنعا معناه أن منهم من ذكر الاتفاق على الجواز في الأداء بمرادف، كإبدال القعود بالجلوس، والنطق بالتكلم، وهو الإبياري ﵀ فقد جعل - في شرح البرهان - المسألة على ثلاثة أوجه:

стр. 325

أحدها: أن يبدل اللفظ بمرادفه، وجعل ذلك جائزا بلا خلاف. الثاني: أن يظن دلالته على مثل ما دل عليه الأول، من غير أن يقطع بذلك، وجعل هذا ممتنعا بلا خلاف أيضا. الثالث: أن يقطع بفهم المعنى، ويعبر عما فهم، بعبارة يقطع بأنها تدل على ذلك المعنى الذي فهمه، من غير أن تكون الألفاظ مترادفة، وجعل هذا موضع الخلاف. قال: الأكثرون على أنه متى حصل القطع بفهم المعنى مستندا إلى اللفظ، إما بمجرده، أو به مع القرائن، التحق بالمرادف، نقله الزركشي ﵀ في البحر. قال: وكلام أبي نصر القشيري ﵀ يدل لما ذكره في الحالتين الأوليين، على الاتفاق على الجواز في الأولى، وعلى المنع في الثانية اهـ وجوزنْ وفقا بلفظ عجمي … ونحوه الإبدال للمترجم معناه أن ترجمة الحديث بلغات العجم، للإفتاء والتعليم، جائزة، وقد حكى على ذلك الرهوني ﵀ وغيره الإجماع، كما في النشر. كيفية رواية الصحابي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المراد بالكيفية: الالفاظ والعبارات التي يؤدي بها الصحابي روايته، فهي متفاوتة في الرجحان، بحسب بعد احتمال عدم الاتصال ونحوه، فكلما ضعف احتمال الواسطة، كان أرجح، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: أرفعها الصريح في السماع … من الرسول المجتبى المطاع منه سمعت منه ذا، وأخبرا … شافهني حدثنيه صيِّرا معناه أن أقوى طرق أداء الصحابي، ما كان صريحا في السماع منه - صلى الله تعالى عليه وسلم - كقوله: سمعت رسول الله - صلي الله تعالى عليه وسلم - يقول كذا، أو شافهني، أو أخبرني، أو حدثني، أو خاطبني. وكذلك ما يدل على معاينة الفعل، نحو: رأيته - صلى الله تعالى عليه وسلم - فعل كذا، أو عاينته، أو شاهدته، أو حضرته، وذلك لعدم احتمال الواسطة التي يمكن دخول

стр. 326

الخلل من جهتها. فقال، عن، ثم نُهي أوُ اُمِرا … إن لم يكن خير الورى قد ذكرا معناه أن المرتبة الثانية أن يقول: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لظهور ذلك في سماعه منه - صلى الله تعالى عليه وسلم -، فهو متصل عند الأكثرين، وهو حجة حتى على احتمال الواسطة، على ما هو المعول ومذهب الجمهور في مراسيل الصحابة. ومثل ذلك أن يقول: حدثنا، أو أخبرنا، كما نقله في النشر عن الفهري ـ رحمهما الله . واختلف في قوله: عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - هل هو في قوة قال، أو دونها، مع مساواته لها في أصل الظهور في السماع، وهو الذي شرح به في النشر. المرتبة الرابعة في النظم أن يقول: نهينا عن كذا، أو أمرنا بكذا، أو كنا نؤمر بكذا، أو ننهى عن كذا، أو أُوجب علينا، أو حُرم علينا، أو رُخص لنا، أو أُرخص لنا، لظهوره في أنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو الآمر والناهي، وإنما كان بعد " قال " و" عن " لزيادته على احتمال الواسطة، احتمال كون الآمر أو الناهي - مثلا - غير النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأن يكون الأمر أو النهي من أحد الخلفاء، أو استنباطا من الصحابي. وقيل: إنما يكون له حكم الرفع إذا كان قائل ذلك أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ. وقيل: إن كان القائل أحد أكابر الصحابة - رضوان الله سبحانه وتعالي عنهم أجمعين - فإن أسند ذلك إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فهو مقدم على المبني للمفعول، إلا أنه متأخر أيضا عن قال، لاحتماله - زيادة على احتمال الواسطة - الخطأ في الفهم، لأنه رواية بالمعنى. قال الزركشي ﵀ : فهذا يتطرق إليه احتمال الواسطة، مع احتمال ظنه ما ليس بأمر أمرا اهـ لا سيما إذا كان المعنى ذا دلالات متشعبة، وكأن هذا هو مراد شهاب الدين القرافي ﵀ بكلامه الذي نوقش في هذا الموضع، فهذه الأمور تزيد من

стр. 327

احتمال عدم صدور مضمون الخبر من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وذلك المعنى هو مبنى هذا الباب ـ في ما يظهر ـ فعدم الاتصال إنما تحفظ منه، من جهة خوف عدم صدور الخبر من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم، والله أعلم. قال التاج ﵀ في الإبهاج: الثالثة أن يقول: أمر النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ بكذا، ونهى عن كذا، فهذا يتطرق إليه هذا الاحتمال ـ يعني الواسطة ـ مع احتمال آخر، وهو احتمال ظنه ما ليس بأمر أمرا، وأيضا فليس فيه أنه أمر الكل أو البعض، ولا أن الأمر به يدوم، أو لا، فربما اعتقد شيئا لا يوافق اجتهادنا اهـ وما ذكره في النشر من عدم احتمال الواسطة، ليس ببين، بل احتمال الواسطة فيه قائم، كما سبق، وقد نبه على ذلك في نثر الورود، وما استظهره ـ أعني صاحب نثر الورود ـ من أنها في قوة " قال " غير بين، لأنها رواية بالمعنى ـ كما تبين ـ. وقوله: وما ادعوه من الاحتمالات في الأمر هل للكل أو البعض؟ أو دائم أو غير دائم؟ يظهر ضعفه إلخ، فيه أنهم لم يدعوا قوته، وإنما ذكروا احتماله بمرجوحية، وأن احتماله يوجب راجحية غير المحتمل له عليه، والله أعلم. كذا من السنة يروى والتحق … كنا به إذا بعهده التحق يعني أن مما له حكم الرفع، قول الصحابي: من السنة كذا، كقول أنس - رضي الله عنه -: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب، أقام عندها سبعا، وقسم (١). وقول علي - رضي الله عنه -: من السنة أن تخرج إلى العيد ماشيا، وأن تأكل شيئا قبل أن تخرج (٢). وهو في الترتيب بعد ما تقدم.

стр. 328

وقيل: ليس له حكم الرفع، لاحتمال إرادة سنة البلد، أو السلطان، أو نحو ذلك، زيادة على الاحتمالات المتقدمة. ومما له حكم الرفع أيضا أن يقول: كنا نفعل على عهد النبي ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ كقول ابن عمر - رضي الله عنهما -: كنا نأكل على عهد رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام (١). وقيل: ليس لذلك حكم الرفع حتى يعلم أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يعلم ذلك منهم، كحديث أنس - رضي الله عنه -: كنا نصلي على عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، قيل له: أكان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - صلاهما؟ قال: كان يرانا نصليهما، فلم يأمرنا، ولم ينهنا (٢). ويلي ذلك أن يقول: كانوا يفعلون، أو كنا نفعل - مثلا - من غير أن يذكر عهد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لاحتمال كون ذلك كان بعد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كقول أم عطية - رضي الله عنها -: كنا لا نعتد بالكدرة والصفرة بعد الغسل شيئا (٣). قال في النشر: فلظهوره في جميع الناس، فهو إجماع، وقيل: لا، لجواز إرادة أناس مخصوصين. كيفية رواية غير الصحابي عن شيخه للعرض والسماع والإذن استوا … متى على النوال ذا الإذن احتوى العرض هو: قراءتك على الشيخ، أو قراءة غيرك عليه وأنت تسمع، سواء كانت القراءة من كتاب، أو من حفظ، سواء كان الشيخ يحفظ ما قرئ أو لا، إذا أمسك أصله هو أو ثقة غيره، أو كان بعض الحاضرين يحفظ ذلك.

стр. 329

وشرط الإمام أحمد ﵀ في القارئ أن يكون ممن يعرف ويفهم، وشرط إمام الحرمين ﵀ في الشيخ أن يكون بحيث لو وقع من القارئ تصحيف أو تحريف رده. والسماع المراد به: سماع لفظ الشيخ. والإذن المراد به: الإجازة. والنوال كصواب: المناولة، وهي أن يعطيه الشيخ أصل سماعه، أو فرعا مقابلا عليه. والمعنى أن العرض، والسماع، والمناولة المصطحبة بالإجازة، بأن يناوله سماعه، ويقول: أجزت لك روايته عني، متساوية في القوة عند الإمام مالك ﵀ . قال في النشر: وكون الإجازة المقرونة بالمناولة، تساوي السماع، هو ما ذهب إليه ابن شهاب، وربيعة ـ رحمهما الله وخلق كثير، والسماع أقوى منها عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد ﵏ وصححه النووي ﵀ ولا يعمل بالمناولة المجردة عن الإجازة اهـ واعمل بما عن الإجازة رُوِي … إن صح سمعه بظن قد قوِي معناه أن الإجازة المجردة عن المناولة، سواء كانت مشافهة، أو بالكتابة، تجوز الرواية والعمل بها على المشهور عندنا، وهو مذهب جمهور السلف والخلف، وكلام المانعين محمول على الكراهة. قال الخطيب ﵀ : وقد ثبت عن الإمام مالك ﵀ الحكم بصحة الرواية بأحاديث الإجازة، فدل على أن منعه إنما هو على وجه الكراهة أن يجيز العلم لمن ليس أهله ولا خدمه، ولا عانى التعب، ولهذا قال: إنما يريد أحدكم أن يقيم المقام اليسير، ويحمل العلم الكثير اهـ قال: وكذلك المنقول عن الإمام الشافعي ﵀ كراهة الاتكال على الإجازة، بدلا عن السماع، وقد قال الكرابيسي: لما كان قَدْمة الشافعي ﵀ الثانية إلى بغداد، أتيته، فقلت له: أتأذن لي أن أقرأ عليك الكتب، قال: خذ كتب الزعفراني، فانسخها، فقد أجزتها لك، فأخذتها إجازة اهـ

стр. 330

ونقل عن الإمام مالك ﵀ اشتراط علم المجيز والمستجيز ما في الكتاب من الأحاديث. وقوله ﵀ : إن صح سمعه إلخ، يعني أنه لا يروي بها عنه إلا ما استيقن، أو غلب على ظنه، أنه سماعه حيث كانت الإجازة عامة، كأن يقول: أجزت لك أن تروي عني ما صح عندي. لشبهها الوقف تجي لمن عُدم … وعدم التفصيل فيه منحتم معناه أن إجازة المعدوم جائزة، قال في النشر: قال عياض - رحمهما الله : أجازها معظم الشيوخ المتأخرين، قال - يعني عياضا -: وبها استمر عملهم شرقا وغربا اهـ سواء كان المعدوم تبعا لموجود، نحو: أجزت لك، ولمن سيولد لك، أو لم يكن تبعا لموجود، نحو: أجزت لمن سيولد لك، قياسا على الحبس. وذلك هو قوله ﵀ : وعدم التفصيل فيه منحتم، فالضمير فيه: للمعدوم، أي: لا فرق بين أن يكون المعدوم تبعا لموجود أو لا. خلافا لمن منع إجازة المعدوم مطلقا، لأن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز، فكما لا يصح الإخبار للمعدوم، لا تصح الإجازة له. وخلافا لمن منع إجازة المعدوم إلا تبعا لموجود، وهو منسوب للإمام الشافعي ﵀ . قال في النشر: والإجماع على منع الإجازة لكل من يوجد مطلقا، أي: من غير تقييد بالنسل. والكتب دون الإذن بالذي سمع … إن عرف الخط وإلا يمتنع الكتب، معطوف على الإجازة في قوله: واعمل بما عن الإجازة. والمعنى أنه يجوز للمجتهد العمل دون الرواية بما كتب إليه الراوي أنه سماعه، من غير أن يأذن له في روايته عنه، وإلا كان إجازة. وهذا إن كان يعرف خطه، أو ثبت عنده بالبينة أنه خطه، فإن كان لا يعرف خطه،

стр. 331

أو كان يعرفه وشك فيه، ولم تشهد بينة أنه خطه، امتنع العمل به أيضا، لعدم ثبوته عنه. والخلف في إعلامه المجرد … وأعملنْ منه صحيح السند معناه أنه اختلف في إعلام الشيخ بأن الحديث كذا سماعه، من غير أن يجيز روايته عنه، هل تجوز به الرواية، وإليه ذهب كثير من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، وذهب إليه ابن حبيب ﵀ وصححه عياض ﵀ كما في النشر، أو لا يجوز، إذ لعله يعلم فيه خللا، كالشاهد يذكر شهادته بغير مجلس الحكم، وقطع به الغزالي ﵀ . وأما العمل به فواجب إذا صح سنده، كما جزم به ابن الصلاح ﵀ ونسبه القاضي ﵀ لمحققي الأصوليين، وحكى عياض ﵀ الاتفاق عليه. وذلك هو المراد بقوله ﵀ : وأعملن منه صحيح السند. والاخذ عن وجادة مما انحظل … وفقا، وجل الناس يمنع العمل الوجادة - بكسر الواو -: مصدر ولَّده أهل الفن لما يوجد بخط شيخ معروف من غير سماع منه، ولا إجازة، ولا مناولة. وذكر الشيخ ﵀ في البيت، أن الرواية بها ممنوعة، قال في النشر: عند معظم المحدثين، والفقهاء المالكية وغيرهم، وقد حكى عياض ﵀ الاتفاق على منع الرواية بالوجادة. ونقل عن الإمام الشافعي ﵀ ونظار أصحابه جوازها، ونقل عن بعض محققي الشافعية أنه قطع بوجوب العمل بها عند حصول الثقة بها، ثم ذكر عن النووي ﵀ أن المتحمل بالوجادة منقطع، فيه شائبة اتصال. وما به يذكر لفظ الخبر … فذاك مسطور بعلم الأثر معناه أن الألفاظ التي تؤدى بها الرواية، مذكورة في كتب مصطلح الحديث، فتركها الشيخ ﵀ لقوله في صدر الكتاب: منتبذا عن مقصدي ما ذكرا … لدى الفنون غيره محررا

стр. 332

قال التاج السبكي ﵀ في جمع الجوامع: وألفاظ الرواية من صناعة المحدثين اهـ كتاب الإجماع الإجماع لغة يطلق في معنيين: أحدهما العزم والتصميم، ومنه قوله جل من قائل: (فأجمعوا أمركم وشركاءكم) وحديث " من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له " (١) ويتعدى بنفسه كما في الآية الكريمة، وبعلى، فقد حكى ابن فارس في المقاييس: أجمعت على الأمر إجماعا، وأجمعته، وتعديته بنفسه أفصح. والثاني الاتفاق، ومنه أجمع القوم، إذا صاروا ذوي جمع، قال الفارسي: كما يقال: ألبن وأتمر إذا صار ذا لبن وتمر. قال القاضي ﵀ : العزم يرجع إلى الاتفاق، لأن من اتفق (٢) على شيء، فقد عزم عليه. وقال ابن برهان وابن السمعاني ـ رحمهما الله : الأول أشبه باللغة، والثاني أشبه بالشرع، قاله في البحر. وأشار الشيخ ﵀ إلى معناه في الاصطلاح بقوله: وهو الاتفاق من مجتهدي … الامة، من بعد وفاة أحمد وأطلقنْ في العصر، والمتفَق … عليه ................ والمعنى أن الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد ـ صلى الله تعالى عليه وسلم ـ بعد وفاته - صلى الله تعالى عليه وسلم - في عصر من العصور، على أمر من الأمور. والمراد بالاتفاق: الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو في الفعل المشترك بين الثلاثة، أو اثنين منها، أو بين القول - مثلا - والسكوت. قال ابن عاشور ﵀ : مثال القول: أن يقولوا بتوريث الجدة،

стр. 333

ولو لم تحدث الحادثة، ومثال الفعل: قضاؤهم بذلك وقت نزول الحادثة، وإجماعهم على كيفية الصلاة والحج، ومثال الاعتقاد: إجماهم على عصمة الأنبياء اهـ بخ. وقال القرافي ﵀ في شرح التنقيح: وقال أبو الحسين في المعتمد: وقد يجمعون على ترك القول، وترك الفعل، فيدل على أنه غير واحب، ويجوز أن يكون ما تركوه مندوبا إليه، لأن تركه غير محظور. وقوله: مجتهدي الظاهر ـ والله أعلم ـ تعين كتابته بالياء، لأن آحاد العام هنا لا يمكن أن تكون أفرادا، لأن الاتفاق لا يتأتى من الواحد، فما اختير فيه من الإفراد غير بين. بل الأبين أن ذلك التركيب ـ وإن اختاره التاج السبكي ﵀ لا يستقيم ـ أصلا ـ كما لا يستقيم أن تقول: إذا تنازع رجل، فأصلحوا بينه ـ فضلا عن أن يكون أولى كما في بعض شروح المراقي ـ (١) والله أعلم. فهو من السبكي ﵀ – ذهول عن اقتضاء المضاف المفاعلة، المقتضي امتناع إضافته إلى المفرد ـ عاما كان أو لا ـ وارتفاع دلالة اللفظ على أصل المعنى الموضوع له، لا يمكن مع بقائه دالا على ما عرضت دلالته عليه بالعموم، كما هو مقتضى كلامهم في تخصيص الجمع إلى واحد. مع أن إفراد لفظ: مجتهد أيضا، يوهم واحدية المجتهد. ولا يعترض ببطلان الجمع في العموم، لأن ذلك إنما هو عند عدم انتصاب القرينة على خلاف ذلك، كما تقدم التصريح به للشربيني ﵀ – وغيره في أكثر من موضع، وهو في غاية الظهور. ويجاب عما يورد على الجمع من مسألة أنه إذا لم يكن في عصر إلا مجتهدان كان اتفاقهما حجة، على أن ذلك إجماع، ببناء التعريف على القول بأن أقل الجمع اثنان، والله

стр. 334

سبحانه وتعالى أعلم. ولا يراد بالاجتهاد هنا، خصوص الاجتهاد الفقهي، بل في كل شيء ما يناسبه كما قال الإمام ﵀ في المحصول. ولعل هذا يقتضي اختصاص تقييد الأمة بأمة الإجابة، بالإجماع في الشرعيات. وبهذا القيد يخرج اتفاق غير المجتهدين، فليس بإجماع، ولا حجة. وخرج بإضافة المجتهدين إلى الأمة، اتفاق مجتهدي الأمم السابقة. قال القرافي ﵀ في شرح التنقيح: قال الشيخ أبو إسحاق ﵀ في اللمع: الأكثرون على أن إجماع غير هذه الأمة ليس بحجة، واختار الشيخ أبو إسحاق الإسفرائيني ﵀ أنه حجة اهـ والظاهر اختصاص التقييد به، بالإجماع في الشرعيات أيضا، والله أعلم. وقولنا: بعد وفاة النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - للاحتراز عن الاتفاق في حياته - صلى الله تعالى عليه وسلم - فالعبرة في حياته صلى الله تعالى عليه وسلم إنما هي في قوله، وفعله، وتقريره. وقولنا: في عصر من العصور، لبيان عدم اختصاصه بعصر الصحابة - رضوان الله سبحانه وتعالي عليهم أجمعين -. وقولنا: على أمر من الأمور، يعني نفيا كان أو إثباتا، شرعيا، أو عقليا، أو لغويا، ككون الفاء للتعقيب، أو دنيويا، كأمور الحرب. وذهب إمام الحرمين ﵀ إلى أنه لا أثر للإجماع إلا في السمعيات، ونصه: فأما ما ينعقد الإجماع فيه حجة ودلالة، فالسمعيات، ولا أثر للوفاق في المعقولات، فإن المتبع في العقليات الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يعارضها شقاق، ولم يعضدها وفاق. وقال في تيسير التحرير: أي فائدة في الإجماع في العقليات، مع أنه لا يجوز التقليد فيها. وذكر قولين في الأمور الدنيوية، قال: قال البرماوي - رحمهما الله :

стр. 335

فيه مذهبان مشهوران، المرجح منهما وجوب العمل فيه بالإجماع، وهو ظاهر كلام القاضي، وأبي الخطاب، وابن عقيل ﵏ وغيرهم في حد الإجماع، واختاره ابن حمدان، والآمدي، وأتباعه ﵏ وهو أظهر، لأن الدليل السمعي دل على التمسك به مطلقا من غير تقييد، فوجب المصير إليه، لأن الأصل عدم التقييد. قال ابن قاضي الجبل: هذا قول الجمهور، وللقاضي عبد الجبار المعتزلي فيه قولان: أحدهما المنع، ووجهه اختلاف المصالح بحسب الأحوال، فلو كان حجة لزم ترك المصلحة، وإثبات المفسدة، وقطع به الغزالي، وصححه السمعاني، وهو ظاهر كلام الموفق في الروضة في حد الإجماع، والطوفي في مختصره، وابن حمدان في مقنعه، وغيرهم. قال الكوراني: لا معنى للإجماع في ذلك، إلى أن قال: والمجمع عليه لا يجوز خلافه، وما ذكروه من أمور الحرب ونحوها، إن أثم مخالف ذلك فلكونه شرعيا، وإلا فلا معنى لوجوب اتباعه اهـ ونقل عن البرماوي ﵀ الاتفاق في الأمور اللغوية، ونقل عن القرطبي ﵀ قولا باختصاص الاعتداد به فيها، بالمتعلقة بالدين خاصة. وكأن وجه القول باختصاص الإجماع بالمسائل الشرعية، أن الحديث إنما دل على أن الأمة لا تجتمع على ضلالة، والمتبادر من الضلالة المخالفة في الشرعيات خاصة، وفي الحديث " كل ضلالة في النار " (١) والله أعلم. ولا ينافي ذلك تعين اتباع الإجماع في بعض الأمور الدنيوية، كما سبق من أمر الحرب، وكما في المسائل الطبية ونحوها، فوجوب العمل به في ذلك ليس لعصمته، بل لوجوب العمل بما يظهر أنه المصلحة، وقد علم اليوم بطلان مسائل كثيرة من الأمور التي كانت متفقا عليها بين أهل التجربة، والله أعلم. فالإلغا لمن عم انتقي

стр. 336

وقيل: لا، وقيل: في الجلي … مثل الزنى، والحج، لا الخفي وقيل: لا في كل ما التكليف … بعلمه قد عمم اللطيف وذا للاحتجاج أو أن يطلقا … عليه الاجماع، وكل ينتقى مذهب الإمام مالك ﵀ – والمحققين، أنه لا عبرة بموافقة العوام في الإجماع، لجهلهم، وإنما العبرة باتفاق المجتهدين خاصة. قال أبو الوليد الباجي ﵀ في كتاب الإشارة: والدليل على ما نقوله، أن العامة يلزمهم اتباع العلماء في ما ذهبوا إليه، ولا يجوز لهم مخالفتهم، فهم في ذلك بمنزلة أهل العصر الثاني مع من تقدمهم، بل حال أهل العصر الثاني أفضل، لأنهم من أهل العلم والاجتهاد، ثم ثبت أنه لا اعتبار بأقوال أهل العصر الثاني مع اتفاق أقوال أهل العصر الأول، فبأن لا يعتبر بأقوال العامة مع اتفاق أقوال العلماء أولى وأحرى اهـ وقيل: تشترط موافقتهم مطلقا، لأنهم بعض الأمة. وقيل: تشترط موافقتهم في المشهور دون الخفي، كدقائق الفقه. وقيل: تشترط موافقتهم في ما كلفت العامة والخاصة بمعرفته، نقله في النشر عن أبي الوليد الباجي - رحمهما الله قال: وما كلفت الخاصة فقط بمعرفته كالبيوع، وغيرها، لم يعتبر فيه العوام. قال: وبهذا قال عامة الفقهاء، واعتبر بعضهم الأصولي في الفروع. ونقل في النشر عن القاضي عبد الوهاب - رحمهما الله أنه ذكر قولين في اعتبار من لا يقول بالقياس. قال: واختار الإبياري ﵀ أن الظاهرية لا يعتد بخلافهم في المسائل، لأن المقايسة من شرط الاجتهاد، فمن لم يعتبرها لم يصلح للاجتهاد. قال القاضي عبد الوهاب ﵀ : وهذا غير صحيح، فإنه لو لم يعتبر من لا يعتبر بعض المدارك، لألغينا من لا يعتبر المراسيل، والأمر للوجوب، أو العموم، أو غير ذلك، وما من طائفة إلا وقد خالفت في نوع من الأدلة اهـ وقد اختلف في مراد القائل باعتبار العوام، هل مراده توقف حجية اتفاق المجتهدين على

стр. 337

موافقتهم، وهو ظاهر الإبياري، والفهري، والآمدي ﵏ . وعليه فالخلاف معنوي. أو مراده توقف التسمية بالإجماع، دون الحجية، فلا يقال: أجمعت الأمة، في ما لم يوافق فيه العوام، وإنما يقال: أجمع العلماء، وبه جزم التاج السبكي ﵀ في الجمع، وعليه فالخلاف في اللفظ لا في المعنى. وفي حاشية البناني ﵀ أن المراد بالعوام: من عدا المجتهدين. وأن المراد بالأصولي: العارف بدلائل الفقه الإجمالية، وبطرق استفادة ومستفيد جزئياتها. وكل من ببدعة يكفر … منَ اَهل الاهواء فلا يعتبر معناه أنه لا عبرة بمخالفة أهل الأهواء الذين يكفرون ببدعهم، كالمجسمة، لعدم دخوله في الأمة المشهود لها بالعصمة. وأما المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، فقيل: يعتبر، وقيل: لا يعتبر. والكل واجب، وقيل لا يضر … الاثنان دون من عليهما كثر معناه أنه لا بد في الإجماع من اتفاق جميع المجتهدين، عند أصحاب الإمام مالك ﵀ والجمهور، فلو خالف واحد منهم لم يكن إجماعا، لأن الأدلة إنما شهدت لعصمة المجموع، ولا تحقق له إلا باتفاق جميع الأفراد. وقيل: تغتفر مخالفة الواحد، دون ما زاد عليه. وقيل: تغتفر مخالفة الاثنين، دون ما زاد عليهما، وهو لابن خويز منداد ﵀ . وقيل: يغتفر ما دون عدد التواتر، دون ما بلغ عدد التواتر. وقيل غير ذلك. واحتج بعض من اغتفر مخالفة اليسير بما جاء من الحض على لزوم الجماعة، وبأن اسم الأمة لا ينخرم به، وأنه إذا كان الإجماع حجة، وجب أن يكون معه من يجب عليه الانقياد إليه. وأجيب عن الأول بأنه يقتضي غلبة الظن أن الحق مع الأكثر، والمراد هنا القطع.

стр. 338

وعن الثاني بأن اسم الأمة لا يصدق بالبعض إلا مجازا. وعن الثالث بأن المنقاد لإجماعهم من بعدهم، ومن عاصرهم ممن ليس له أهلية النظر، والنزاع هنا في من له أهلية، قاله في النشر. واعتبرنْ مع الصحابي من تبع … إن كان موجودا وإلا فامتنع معناه أن إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - تعتبر فيه موافقة الموجود من التابعين وقته متصفا بصفات الاجتهاد، فلا ينعقد دونه، وأما من لم يكن موجودا حينه، أو كان موجودا، ولم يكن متصفا بصفات المجتهدين، فلا تشترط موافقته بناء على مذهب الأكثرين من عدم اشتراط انقراض العصر، وهو ما أشار إليه ﵀ بقوله: ثم انقراض العصر والتواتر … لغو على ما ينتحيه الاكثر والمعنى أن الأكثرين على أنه لا يشترط في انعقاد الإجماع انقراض عصر المجمعين بموت من يعتبر فيه، لأن دليل الإجماع ليس مقيِّدا بالانقراض، فانعقاده لحظة كاف في حصول القطع بالحكم، لصدق اسم الإجماع عليه، فيتناوله دليل عصمة الإجماع، ولا يجوز لأحد منهم الرجوع عن رأيه، لحصول العلم بالحكم، وهذا مذهب الأئمة الثلاثة ﵏ والجمهور. وجاء عن الإمام أحمد وابن فورك ـ رحمهما الله اشتراط الانقراض، وقيل: يشترط في السكوتي، دون النطقي، واختاره السيف الآمدي ﵀ في الإحكام. وذكر سليم الرازي ﵀ أن محل الاختلاف النطقي خاصة، وجعل اشتراطه في السكوتي محل اتفاق. وقيل: يشترط أن لا يبقى منهم عدد التواتر. وقيل: يشترط في إجماع الصحابة خاصة، وهو ظاهر كلام الطبري ﵀ . والخلاف في اشتراط ذلك لاستمرار الحجية، فمشترط الانقراض، يقول: نحتج به، لكن

стр. 339

لو رجع راجع قدح، فلا تستمر حجيته إلا بموت من يعتبر فيه. وذهب الأكثرون أيضا في ما ذكره ابن برهان ﵀ إلى أنه لا يشترط في الإجماع، بلوغ المجمعين عدد التواتر، لعدم تقييد الدليل على عصمة الإجماع بذلك، فلو لم يكن إلا اثنان، كان اتفاقهما حجة. وقيل: لا بد من ثلاثة، لأنه مشتق من الجماعة، وأقلها ثلاثة. والمعول هو أول الأقوال، بل لو لم يكن إلا واحد، كان قوله حجة، لانحصار الاجتهاد فيه، فلو لم يكن قوله حقا، لزم خلوهم عنه. وقيل: ليس قوله حجة، لأن المعصوم الاجتماع، وهو غير موجود. وهو حجة ولكن يحظل … في ما به كالعلم دور يحصل معناه أن الإجماع حجة على من انعقد قبله، لحديث الترمذي " إن الله سبحانه وتعالي لا يجمع أمتي - أو قال أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم - على ضلالة " (١) ولظواهر أخرى من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، كقوله جل من قائل: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) وقوله جل من قائل: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا) وقوله: صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " (٢) الحديث، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس " (٣) والأحاديث التي تحض على لزوم الجماعة. وحجية الإجماع إنما تكون في ما لا تتوقف صحته - أعني الإجماع ـ عليه كرؤية الباري وجواز البيع، والإجارة، ونحو ذلك، بخلاف وجود الله ونبوة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - للزوم الدور، وكذلك الأدلة السمعية كلها،

стр. 340

فحجيتها متوقفة على ثبوت وجوده ، وثبوت رسالة محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلو ثبتا أيضا بالنقل، حصل دور، لثبوتهما بما يتوقف ثبوته وحجيته على ثبوتهما، وهذا هو المراد بقوله ﵀ : ولكن يحظل في ما به كالعلم دور يحصل. والمراد بالعلم: العلم الذي هو صفة من صفات الله وذلك أن الشرع كله متوقف على العلم، فلا يمكن إثبات العلم به. وما إلى الكوفة منه ينتمي … والخلفاء الراشدين فاعلم معناه أن إجماع أهل الكوفة، ليس بحجة، لأنهم بعض الأمة، وكذلك إجماع أهل الكوفة والبصرة معا، خلافا لمن قال بحجيتهما، ولمن قال بحجة الثاني فقط، لكثرة من سكنهما من أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -. وكذلك القول في إجماع الخلفاء الأربعة، والشيخين: أبي بكر وعمر - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - خلافا لمن قال بالحجية في ذلك. وأوجبنْ حجية للمدني … في ما على التوقيف أمره بني وقيل: مطلقا ....... ............................ معناه أن إجماع أهل المدينة المنورة بأنواره صلى الله تعالى عليه وسلم من الصحابة والتابعين حجة عندنا في ما طريقه النقل، وقد حكى عياض ﵀ اتفاق المحققين من المذاهب الأخرى عليه، لأنه من باب الأخبار المتواترة، فهو في معنى النص القطعي المتن والدلالة، ولذلك طرحت له أخبار الآحاد، والأقيسة، وذلك كالصاع والمد، وكالأذان، والإقامة، وترك الجهر بالبسملة، والتسليمة الواحدة، وترك زكاة الخضروات. واختلف في ما طريقه الاجتهاد، وقد نص غير واحد من أئمة المذهب على عدم حجيته، وذهب أكثر المغاربة إلى أنه حجة، وهو الذي يدل له كلام الإمام ﵀ في الموطإ في غير موضع. واختلف على القول بحجيته إذا عارضته أخبار الآحاد أو القياس، كما تقدم ذلك. وما قدَ اَجمعا … عليه أهل البيت مما منعا

стр. 341

معناه أن إجماع أهل البيت ليس بحجة، لأنهم بعض الأمة، خلافا لمن قال بحجيته، محتجا بقوله جل من قائل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) والخطأ رجس، وأجيب بمنع ذلك. وما عرى منه على السني … من الأمارة أو القطعي معناه أنه لا بد في حجية الإجماع من استناده إلى دليل قطعي أو ظني، وهو المراد بالأمارة. فالإجماع المنعقد عن غير مستند ليس بحجة، ويجوز استناده إلى القياس عند الإمام مالك ﵀ والجمهور، كإجماعهم على إمامة أبي بكر - رضي الله عنه - قياسا على إمامته في الصلاة، وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه. وقيل: لا بد في مستند الإجماع من القطع، ولا يكفي الظن. وقيل: لا يشترط فيه الاستناد إلى دليل، لأن الدليل على عصمة إجماعهم بلا قيد، فيجوز أن يلهموا الحكم دون استناد إلى دليل. ورد بأن حكمهم من غير رجوع إلى دليل، اتباع للهوى، وهو ضلال، وقد عصموا من الاجتماع على الضلال، وقد أشار إلى القول بجواز انعقاده دون مستند، بمفهوم قوله ﵀ : على السني. وخرقه، فامنع لقول زائد … إذ لم يكن ذاك سوى معاند وقيل: إن خرق ........ ............................ خرقه بالرفع، معطوف على نائب الفاعل في قوله: مما منعا. والمعنى أن خرق الإجماع، لا يجوز، لأنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، ومخالفة لقاطع الدليل، فقد دلت ظواهر كثيرة لا يتطرق الشك إلى مجموعها، على استحالة الاجتماع على الخطإ، قال التاج ﵀ في الإبهاج: الذي يظهر لي - وهو معتمدي في ما بيني وبين الله أن الظنون الناشئة عن الأمارات المزدحمة، إذا تعاضدت مع كثرتها، تؤدي إلى القطع، وأن على الإجماع آيات كثيرة من الكتاب العزيز، وأحاديث

стр. 342

عديدة من السنة، وأمارات قوية من المعقول، أنتج المجموع من ذلك، أن الأمة لا تجتمع على خطإ، وحصل القطع به من المجموع، لا واحد بعينه اهـ وقد بين ذلك الشاطبي ﵀ في موافقاته بما لا مزيد عليه. وقيل: لا تمتنع مخالفة إجماع المجمعين لمن بعدهم، إذا كان إجماعهم عن اجتهاد. ومما ينبني على وجوب اتباع الإجماع، وامتناع الخروج عنه، أنه إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين، لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، في ما ذهب إليه الجمهور. قال في النشر: وعزاه في البرهان لمعظم المحققين، واختاره الإبياري ﵀ منا، وقال: القائل بالحلية، قد نفى الحرمة وبقية الأحكام، والقائل بالحرمة، قد نفى الحلية وبقية الأحكام، فالفريقان متفقان على نفي ما سوى الحل والحرمة، فانتفاء ما سواهما مجمع عليه، فعندهم لا يكون إحداث الثالث إلا خارقا اهـ وذهبت طائفة من الحنفية، والشيعة، وأهل الظاهر، إلى جواز إحداث قول زائد مطلقا، وقيل: إن لزم من القول المحدث رفع ما أجمعوا عليه امتنع، وإلا جاز، وهو الحق عند المتأخرين. ومثال ذلك: اختلاف الأمة في النية في الطهارة على قولين: وجوبها في الجميع، ووجوبها في البعض، فقد اتفق القولان على وجوبها في البعض، فإحداث قول بسقوطها في الجميع، خارق للإجماع على وجوبها في البعض. بخلاف ما لو اختلف الأولون في وجوبها مطلقا، وعدمه مطلقا، فإحداث قول بإيجابها في بعض، ليس بخارق، لأنه موافق في النفي لبعض، وفي الإثبات لبعض. والشأن لا يعترض المثال … إذ قد كفى الفرض والاحتمال ومما ينبني عليه كذلك: امتناع الفرق بين مسألتين لم يفصل بينهما أهل عصر، لأنه خلاف ما أجمعوا عليه. وقيل بالتفصيل بين ما إذا أجمعوا على عدم الفرق بينهما، فيكون إحداث تفصيل خرقا فيمنع، وما إذا لم يجمعوا على ذلك، فلا يمنع. وإجماعهم على عدم الفرق بينهما، على وجهين:

стр. 343

أحدهما: النص على عدم الفرق بينهما. والثاني: النص على اتحاد الجامع بينهما، كتوريث العمة والخالة، فالعلماء بين مورث لهما ومانع، والجامع بينهما عند الطائفتين كونهما من ذوي الأرحام، فلا يجوز منع واحدة، وتوريث أخرى، لأن ذلك خرق لما أجمعوا عليه من اتحاد العلة. وهذا هو الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، فالخرق هنا في الحكم والعلة معا. ولذلك لو لم يتفقوا على العلة، لم يكن توريث إحداهما دون الأخرى خارقا، إذ هما حكمان، تجوز موافقة فريق في أحدهما، وموافقة الآخر في الأخرى، فالإجماع على اتحاد العلة في المسألتين يصيرهما في معنى المسألة الواحدة، فيكون التفصيل فيها إحداث قول. وردة الأمة لا الجهل لما … عدم تكليف به قد علما قوله: وردة الأمة، معناه أن ارتداد جميع الأمة عن الإسلام - وإن جاز عقلا - لا يجوز شرعا، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " قال في رفع الحاجب: فإنه نص في أن هذه الأمة لا تخلو عن قائم بالحق، ويستحيل معه ردة الكل. قوله: لا الجهل البيت، معناه أن اشتراكهم في الجهل في ما لم يكلفوا بعلمه، جائز، بل واقع، كترتيب الأنبياء في الزمن، خلافا لمن قال بمنع ذلك، معللا بأنه لو جاز، لكان الجهل لها سبيلا، وأجيب بمنع ذلك. ولا يعارض له دليل ......................... معناه أن الإجماع القطعي لا يعارضه دليل، لامتناع تعارض قطعيين، وطرح الظني بالقطعي. ويظهر الدليل والتأويل معناه أنه يجوز إظهار دليل، أو تأويل للدليل، ليوافق غيره، أو علة غير ما ذكروه، إذا لم يكن ذلك خارقا للإجماع، بأن لم ينصوا على أنه لا علة غير ما ذكروه، أو لا تأويل غير ما ذكروه، أو لا دليل غير ما ذكروه. فإن نصوا على ذلك، امتنع الإظهار، لأنه خرق لإجماعهم.

стр. 344

وقيل: يمتنع مطلقا، لأنه من غير سبيل المؤمنين المتوعد على اتباعه. وأجيب بأن المتوعد عليه ما خالف سبيلهم، لا ما لم يتعرضوا له. قال في نثر الورود: مثال إظهار الدليل والتأويل: أن المجتهدين المجمعين على منع وطء الأخت من الرضاع بملك اليمين، لم يتعرضوا أصلا للنص الذي هو مستند الإجماع، ولم يتعرضوا لتأويل النص المقتضي بظاهره مخالفة هذا الإجماع، فلمن بعدهم أن يظهر دليل الإجماع، بأن يقول: دليل هذا الإجماع قوله جل من قائل: (وأخواتكم من الرضاعة). وله أيضا أن يؤول النص المخالف بظاهره لهذا الإجماع، وهو قوله جل من قائل: (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) المقتضي للإباحة الشامل عمومه الأخت من الرضاع، بأن يقول: هذا العموم مؤول، أي: محمول على غير ما لم يخرجه دليل، أما ما أخرجه الدليل كالأخت من الرضاع، وموطوأة الاب، فليس بمراد، وقس على ذلك. وقدمنَّه على ما خالفا … إن كان بالقطع يرى متصفا ليس في هذا زيادة على قوله قبل: ولا يعارض له دليل، وكأنه أعاده ليرتب عليه قوله: وهْو المشاهَد أو المنقول … بعدد التواتر المقول والمعنى أن الإجماع القطعي، هو الثابت بالمشاهدة، كما لو فرض اجتماع مجتهدي عصر في مكان، وأنت شاهد، وأجمعوا على حكم في مسألة نطقا. أو المنقول بعدد التواتر، إذا كان نطقيا أيضا. فالسكوتي ظني مطلقا، كالمنقول آحادا، ولا بد من حصول التواتر في سائر الطبقات عند التعدد، كما تقدم في الكلام على الخبر المتواتر. وإذا علمت أن الإجماع السكوتي كله ظني، علمت أن الإجماع القطعي عزيز الوجود. وفي انقسامها لقسمين وكل … في قوله مخط، تردد نقل معناه أنه اختلف في جواز انقسام الأمة في مسألتين متشابهتين إلى قولين مع خطإ كل من الطائفتين، في ما ذهبت إليه، وعدم جوازه. والأول هو المعول، لأنهما هما حكمان منفصلان، لا تلازم بينهما في المعنى.

стр. 345

ومثال ذلك: اتفاق فرقة على وجوب الترتيب في الوضوء، وعدم وجوبه في قضاء الفوائت، واتفاق الطائفة الأخرى على وجوبه في قضاء الفوائت، وعدم وجوبه في الوضوء، إذا كان الصواب وجوبه فيهما معا، أو عدم وجوبه فيهما معا. فمن نظر إلى أصل الترتيب، منع، ومن نظر إلى اختلاف متعلقه جوز، وهو الصواب. … وأما خطأ الجميع في مسألتين متباينتين، فجائز بلا خلاف. كخطإ طائفة في مسألة في الوضوء، وخطإ الطائفة الأخرى في مسألة في البيع. وأما خطؤهم في مسألة واحدة من وجه واحد فلا يجوز قطعا، لما تقدم. وجعْل من سكت مثل من أقر … فيه خلاف بينهم قد اشتهر فالاحتجاج بالسكوتي نمى … تفريعه عليه من تقدما وهْو بفقد السخط والضد حري … معَ مضي مهلة للنظر قوله ﵀ : وجعل من سكت مثل من أقر البيت، معناه أنه اختلف في الساكت هل له حكم المقر، وبنوا على ذلك الاختلاف في الإجماع السكوتي. فإذا قال بعض المجتهدين قولا في مسألة تكليفية اجتهادية، وعرف الباقون قوله، وسكتوا، فهل يكون ذلك إجماعا على قوله، أو لا؟ ذهب جماعة إلى أنه ليس بإجماع ولا حجة، وهو قول الغزالي والإمام وأتباعه، وهو اختيار القاضي أبي بكر، ونقل عن الإمام الشافعي ﵏ أجمعين - لأن السكوت لا يتعين أن يكون عن موافقة. وذهب الإمام أحمد ﵀ وأبو علي الجبائي إلى أنه إجماع وحجة بعد انقراض العصر، وهو أحد الوجهين عند الشافعية، وذلك لظهور سكوتهم في الموافقة. وذهب أبو علي بن أبي هريرة إلى التفصيل بين قول الحاكم وغيره، فإذا كان القائل حاكما لم يكن إجماعا ولا حجة، وإلا كان إجماعا، لأن الاعتراض على الحاكم ليس من الأدب. وذهب أبو هاشم بن أبي علي إلى أنه حجة، وليس بإجماع، لحصول الظن به، وهو المشهور عند الشافعية.

стр. 346

والذي لابن الحاجب ﵀ في المختصر أنه إجماع، أو حجة، ونصه: إذا أفتى واحد وعرفوا به، ولم ينكر أحد قبل استقرار المذاهب، فإجماع أو حجة، إلى أن قال: لنا سكوتهم ظاهر في موافقتهم، فكان كقولهم الظاهر، فينتهض دليل السمع. ونسب أبو الوليد الباجي ﵀ في كتاب الإشارة لجمهور أصحابنا وجمهور أصحاب الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي ـ رحمهما الله أنه إجماع وحجة قاطعة. قال: ولو لم يصح إجماع ولا تثبت به حجة إلا بعد أن يروى الاتفاق على حكم الحادثة عن كل أحد من أهل العلم في عصر الإجماع، لبطل الإجماع، وبطل الاحتجاج به، لاستحالة وجود ذلك في مسألة من مسائل الأصول أو الفروع، كما لا نعلم اليوم اتفاق علماء عصرنا في جميع الآفاق على حكم حادثة من الحوادث، بل أكثر العلماء لا نعلم بوجودهم في العالم اهـ قوله: وهو بفقد السخط البيت، معناه أن محل الاختلاف في اعتبار سكوت الساكتين موافقة، ما لم يظهر منهم ما يقتضي الرضى بالقول المذكور، ولا ما يقتضي الإنكار، مع مضي مهلة كافية للنظر والاجتهاد في المسألة. فإن ظهر منهم ما يقتضي الرضى كان ذلك إجماعا بلا خلاف. وإن ظهر منهم ما يقتضي الإنكار لم يكن إجماعا بلا خلاف، على ما فهمه جماعة، وهو الأشبه عند التاج السبكي ﵀ ومقتضى كلام الإمام ﵀ جريان الخلاف فيه أيضا، كما في الإبهاج. كما أنه لا خلاف في عدم اعتباره قبل مضي زمن كاف للنظر في المسألة، ولا بد أيضا من بلوغ قول المتكلم في المسألة لجميعهم، ويشعر بذلك التعبير بالسكوت. ويشترط كذلك أن تكون المسألة تكليفية، كما تقدم، بخلاف ما ليس تكليفيا كالتفضيل بين الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -. ولا يكفَّر الذي قد اتبع … إنكار الاجماع وبيس ما ابتدع معناه أن معتقد عدم حجية الإجماع، لا يكفر بذلك، لعدم ثبوت الأدلة المقتضية

стр. 347

له عنده، وليس في ذلك تكذيب للشرع، ومقتضى التاج السبكي ﵀ أن في تكفيره خلافا. قال في رفع الحاجب: لا ريب أنا لا نكفر من أنكر الإجماع السكوتي، والإجماع الذي لم ينقرض أهل عصره، ونحو ذلك من الإجماعات التي اختلف العلماء المعتبرون في انتهاضها حجة، إنما الخلاف في من أنكر أصل الإجماع، وهدم قاعدته، وزعم أن الله لم يشرع الاحتجاج به لخلقه، ولا شك في بدعة هذا، والقول في تكفيره، كالقول في تكفير أهل البدع والأهواء اهـ وأما إنكار الحكم الثابت بالإجماع، فإن كان من المعلوم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة، والصوم، وحرمة الخمر، والربا، والزنا، وجواز البيع، والنكاح، فإنكاره كفر، ما لم يكن حديث عهد بالإسلام. والضروري هو ما تستوي الخاصة والعامة في معرفته من غير قبول للتشكيك. وذلك لأن إنكاره يتضمن تكذيب الشرع، لأن علمه على ذلك الوجه، في معنى سماعه من النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - شفاها، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وكفروا الجاحد ما قدُ اُجمعا … عليه، مما علمه قد وقعا عن الضروري من الديني ........................ وأما غير الديني كوجود القيروان، فلا يكفر بجحده. وأما غير الضروري، فإن كان مشهورا بين الناس، وكان منصوصا عليه، كالقصر في السفر، فقد جعل التاج السبكي ﵀ في الجمع الأصح كفره. وقال البناني- ﵀ إن المعتمد في الفروع النفي، وقال في الأول: اعترض بأنهم اعتبروا العلم من الدين بالضرورة في مفهوم الإيمان، حيث عرفوه بأنه: التصديق بما علم ضرورة أنه من دين محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولا واسطة بين الإيمان والكفر اهـ وإلى هذا الخلاف أشار الشيخ ﵀ بقوله:

стр. 348

.................. … ومثله المشهور في القوي إن كان منصوصا ........ .......................... واختلف كذلك في إنكار المجمع عليه المشهور الذي ليس بمنصوص، ومثله في نثر الورود بإباحة القراض، والقول بالتكفير بإنكاره ضعيف، كما قال البناني ﵀ وإلى الخلاف فيه أشار الناظم ﵀ بقوله: وفي الغير اختلَف … إن قدُم العهد بالاسلام السلف وقوله ﵀ : إن قدم العهد بالإسلام، أشار به إلى أن التكفير بالإنكار في المواضع الثلاثة، إنما هو في حق من قدم عهده بالإسلام، فإن كان حديث العهد به، لم يكفر بذلك. قال الشربيني ﵀ : ولا بد أن يشتهر في محل من جحد، بحيث ينسب في جهله به إلى تقصير اهـ وهذا ظاهر، فضرورية الحكم تختلف، فعدم قضاء الصوم من الحيض ضروري في حق النساء، وقد لا يكون ضروريا عند بعض الرجال. وجواز التسري قد كان ضروريا في العهود الأولى، ولا يبعد جهله في هذه العصور - مثلا - هذا الذي يظهر، والله أعلم. قول الناظم ﵀ : السلف، هو فاعل قوله: اختلف. وعلم من هذا، أن غير المشهور من الأحكام المجمع عليها، لا يكفر جاحده، سواء كان منصوصا عليه، كإرث بنت الإبن مع بنت الصلب السدس، فقد قضى به النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كما رواه البخاري ﵀ أو لا، كفساد الحج بالجماع. كتاب القياس القياس في اللغة: تقدير شيء على مثال آخر، وتسويته به، ولذلك سمي المكيال مقياسا، وما يقدر به النعال مقياسا. ويقال: فلان لا يقاس بفلان، أي: لا يساويه.

стр. 349

وقيل: هو مصدر قست الشيء - إذا اعتبرته - أَقِيسه قَيسا وقياسا، ومنه قيس الرأي، وسمي امرؤا القيس، لاعتبار الأمور برأيه. وذكر صاحب الصحاح، وابن أبي البقاء فيه لغة بضم القاف، يقال: قُسته أقوسه قوسا. هو على اللغة الأولى من ذوات الياء، وعلى اللغة الثانية من ذوات الواو، قاله في الإرشاد. وقال ابن عاشور ﵀ – فيه: أصل من حجج الدين، لأن ديننا عام، ودائم، أما عمومه، فبنص قوله جل من قائل: (وما أرسلناك إلا كافة للناس). وأما دوامه، فبنص قوله جل من قائل: (ولكن رسول الله وخاتم النبيئين). والعموم والدوام، يقتضيان تجدد الأحكام على اختلاف أحوال الأقوام، وتعاقب العصور والأيام، وإذا اقتصرنا على النص، وجدناه متناهيا، ووجدنا الحوادث غير متناهية، فلو لم يكن القياس، لتعطلت أحكام كثيرة، لأشياء كثيرة، أو وُكل الناس إلى شهواتهم، أو احتيج إلى تجديد رسالة، وكل ذلك مناف لكل من الدوام والعموم، فتعين أن لا طريق لتحكيم الشرع في ما لم ينص عليه، إلا بإثبات حكم ما نص عليه، لأشبه الأشياء به في علة الحكم التي شرع لأجلها، لاتفاق الفقهاء الذي حكاه عنهم الشاطبي ﵀ في كتاب المقاصد، على أن كل حكم شرعي له حكمة هي الباعث عليه، ومرجع ذلك للمصلحة والمفسدة، ورجحانهما، وتأكدهما، أو ضعفهما، تفضلا من الله ورفقا بعباده، كما صوبه الآمدي، وابن عرفة، والتلمساني، والإبياري، والشاطبي ﵏ أجمعين – اهـ بتصرف. بحمل معلوم على ما قد علم … للاستوا في علة الحكم وسم والمعنى أن القياس هو: حمل معلوم على معلوم، لمساواته له في علة الحكم. ومعنى حمله عليه: إلحاقه به في الحكم، بأن يعمم دليل الأصل في الفرع، وذلك ببيان أن المعنى الذي لأجله كان الحكم في المحمول عليه، موجود بتمامه في المحمول، فوجب

стр. 350

استواؤهما في الحكم، وإلا لم يكن ذلك المعنى سببا للحكم. وعبروا بالمعلوم دون الشيء، ليشمل المعدوم، قال في النشر: والمراد بالعلم مطلق الإدراك، وإن كان ظنا اهـ وذلك كقياس الأرز على البر في حرمة الربا، بجامع الاقتيات والادخار - مثلا -. فالأرز هو المعلوم المحمول، والبر هو المعلوم المحمول عليه، والحكم المحمول فيه حرمة الربا، والعلة: الاقتيات والادخار، فهي موجودة بتمامها في الأرز، وذلك هو المراد بالمساوات في علة الحكم. وإذا أريد شمول الحد للقياس الفاسد، زيد فيه: عند الحامل. فيشمل ما كانت المساواة فيه غير واقعة في نفس الأمر، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله: وإن ترد شموله لما فسد … فزد لدى الحامل، والزيد أسد وذلك لانصراف المساواة عند الإطلاق، للمساواة في نفس الأمر، على ما قيل. وأشار بقوله ﵀ : والزيد أسد، إلى أن زيادة تلك العبارة أولى، أما على مذهب المصوِّبة، فظاهر، لأن الفاسد في نفس الأمر صحيح عندهم قبل الاطلاع على فساده. وأما على مذهب المخطِّئَة، فزيادتها أولى أيضا، ليشمل الحد فاسد الماهية، لأن الاسم يصدق بفاسد مسماه. وقيل بالعكس، والابين الاستغناء عن الزيادة على كلا المذهبين، كما استغني عنها في غير القياس، فقد يعتقد المجتهد ما ليس بإجماع، إجماعا، وقد يعتقد ما ليس بسنة، سنة، وهكذا، فالمتجه بناء التعاريف على ما هو الظاهر، فالكل متفق على اعتبار الفاسد قبل الظهور على فساده، كما يعتبر الصحيح في نفس الأمر، وعلى لغوه بعد الظهور على فساده، والله أعلم بالصواب. وهذا التعريف الذي ذكر الشيخ ﵀ هو الذي اختاره التاج السبكي ﵀ وأصله للقاضي أبي بكر ﵀ سبحانه وتعالى

стр. 351

- وقد أوردت عليه اعتراضات يطول التعرض لها، مع قلة جدواها، وقد قال إلكيا ﵀ عن هذا التعريف: إنه أسد ما قيل على صناعة المتكلمين، وقد حد بحدود أخرى كثيرة، أوردت عليها أيضا إيرادات كثيرة. وقد ذهبت طائفة إلى تعذر حده أصلا، كإمام الحرمين ﵀ . والحامل المطلق والمقيد ..................... معناه أن الذي يجوز له القياس المعبر عنه في الحد بالحمل، هو المجتهد، سواء كان مجتهدا مطلقا، أو مجتهد مذهب، وسيأتي الكلام عليهما - إن شاء الله في كتاب الاجتهاد. وهو قبل ما رواه الواحد اختلف في القياس إذا عارضته أخبار الآحاد، على أقوال: فقيل: يقدم خبر الواحد، وهو رواية المدنيين عن الإمام مالك ﵀ ونسبه القاضي عبد الوهاب ﵀ في الملخص للمتقدمين من المالكية، كما في رفع الحاجب، وجعله القاضي عياض ﵀ مشهور مذهبه. قال في نثر الورود: ومسائل مذهبه تدل على ذلك، كمسألة المصراة، ومسألة النضح، ومسألة غسل اليدين لمن أحدث في أثناء الوضوء، وما زعمه بعضهم من أنه قدم القياس على النص في مسألة ولوغ الكلب، غير صحيح، لأنه لم يترك فيها الخبر للقياس، وإنما حمل الأمر على الندب للجمع بين الأدلة، لأن الله قال ـ جل من قائل ـ: (فكلوا مما أمسكن عليكم) ولم يأمر بغسل ما مسه لعاب الكلب، فدل على أنه غير نجس اهـ وقال في تفسيره: ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها في ذلك: أنه ﵀ يقول: إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة، ثلاثين من الإبل، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل، ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب ـ رحمهما الله : حين عظم جرحها

стр. 352

واشتدت مصيبتها نقص عقلها، والإمام مالك ﵀ خالف القياس في هذا، لقول سعيد بن المسيب ـ رضي الله عنهما ـ: إنه السنة اهـ بتصرف وقيل: يقدم القياس وهو رواية البغداديين عن الإمام مالك ﵀ وقال صاحب بداية المجتهد: وذلك مذهب مهجور عند المالكية اهـ وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ . وقيل: إن عرفت العلة في الأصل، بنص راجح في الدلالة على الخبر المعارض للقياس، وقطع بوجودها في الفرع، قدم القياس، وإن كان وجودها في الفرع مظنونا فالوقف، وإن لم تعرف العلة بنص راجح، قدم الخبر. واختاره ابن الحاجب ﵀ . وقبله القطعي من نص ومن … إجماعهم عند جميع من فطن معناه أن القياس الظني تقدم عليه الأدلة القطعية ـ نصا أو إجماعا ـ ككل دليل ظني، وأما القياس القطعي فلا يمكن تعارضه مع قطعي، إذ لا تعارض بين قطعيين. وما رُوِي من ذمه فقد عُنِي … به الذي على الفساد قد بُنِي معناه أن ما يؤثر عن السلف - رضي الله عنهم - في ذم القياس والرأي، محمول على الحكم استنادا إلى العقل، دون بحث عن النص، والقياس في موضع النص، ونحو ذلك، وإلا فالقياس الصحيح، قد دلت عليه ظواهر النصوص، كقوله جل من قائل: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم). وكقوله جل من قائل: (فاعتبروا يا أولي الأبصار). وكحديث " أرأيت لو كان على أمك دين " (١). وحديث " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر " (٢). وحديث " أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم " (٣).

стр. 353

وكحديث " هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: " ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: " هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: " فأنى ذلك؟ " قال: لعله نزعه عرق، قال: " فلعلك ابنك هذا نزعه " (١) وكحديث " أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء " (٢). وكحديث " أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم " (٣). وقال عمر - رضي الله عنه -: أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة، رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة، رعيتها بقدر الله ؟ (٤) وجاء أنه قضى بالعول قياسا على الدين. وجاء عن أبي بكر - رضي الله عنه - حين جاءته جدتان: أم أم، وأم أب، فأعطى السدس للتي من قبل الأم، فقيل له: أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها، فأشركهما فيه، (٥) وغير ذلك كثير. قال أبو الوليد الباجي ﵀ في كتاب الإشارة: وما أعلم أن مسألة يدعى الإجماع فيها، أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة اهـ والحد والكفارة التقدير … جوازه فيها هو المشهور معناه أن جريان القياس في الحدود، والكفارات، والتقادير، هو المشهور من المذهب، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ . ومثال القياس في الحدود: قياس النباش على السارق، بجامع أخذ مال الغير من حرز

стр. 354

مثله خفية. وانظره مع ما يأتي من امتناع القياس في الأسباب. ومثال القياس في الكفارات: قياس رقبة الظهار، على رقبة القتل، في شرط الإيمان، بجامع أن كلا منهما كفارة. ومثاله في التقدير: قياس إطعام المسكين في كفارة الظهار، على إطعامه في فدية الأذى، في أن قدره مدان. وعلل المانع من جريان القياس في هذه الأمور، بعدم إدراك المعنى فيها. وأجيب بمنع اطراد ذلك، فهي كغيرها تكون معقولة المعنى، وغير معقولته، فيقاس عليها عند عقل المعنى. وانظر ما المراد بمقاديرالتقديرات في قول صاحب الحلي هنا: المراد بقولهم: يجري القياس في الحدود والكفارات والتقديرات، المراد فيه نفسها، أما مقاديرها فلا يجري فيها القياس اهـ ورخصة بعكسها والسبب ........................... معناه أن الرخصة والسبب، لا يجوز فيهما القياس، على المشهور عندنا، ومثل السبب الشرط والمانع، والمراد بالقياس في الرخصة، القياس في تفاصيل الرخصة الواحدة، لا القياس في أصول الرخص (١) فليس بجائز قطعا. والخلاف في القياس في الرخصة ليس على إطلاقه، بل خاص بالقياس المساوي. وأما عند أبلغية المعنى فيجوز اتفاقا على ما ذكره الشيخ ﵀ وهو عائد إلى ما يعرف بالقياس في الأسباب. ووجه منع جريان القياس في الأسباب، تعذره رأسا، فالقياس عليها مفض إلى عدم سببيتها، وعدم سببية ما ألحق بها أيضا، وعدم القياس أصلا، إذ لا أصل ولا فرع، فمطلق الإيلاج - مثلا - في قياس اللواط على الزنى، إذا ثبت أنه مناط الحد، صادق بالزنا واللواط على وجه سواء، وكذلك القول في الشروط، والموانع.

стр. 355

ولذلك اختار ابن المنير ﵀ أن القياس في الأسباب من قبيل تنقيح المناط، وأنه لا ينبغي أن يقع في الجواز خلاف من حيث المعنى، ونصه: وإذا فرضنا القياس في الأسباب، فلا بد أن نفرض فيها جهة عامة، كالإيلاج، وجهة خاصةككونه فرجا لآدمية، وهو الذي يسمى بلفظ السبب، ويتناول أمرين أعم وأخص، ولا ينتظم القياس إلا بحذف الأخص عن درجة الاعتبار، ليتغير الأعم، إذ لو كان الأخص باقيا على تقييده، لاستحال القياس، وإذا حذف الأخص عن كونه مراد اللفظ، بقي الأعم، وهو مراد النص، وحينئذ يكون القياس في الأسباب تنقيح مناط، وتنقيح المناط حاصله تأويل ظاهر، وهو يتوقف على دليل، فينبغي أن يقع الاتفاق على قبول المسلك الذي سماه من سماه قياسا في الأسباب، لاتفاقنا على قبول تأويل الظاهر بالدليل، فلا حجر في التسمية، ولا منع من تسميته قياسا، لأن فيه صورة النطق في موضع، والسكوت في موضع، ووجود قدر مشترك بين الموضعين، وهو سبب الاشتراك في الحكم، غير أن امتياز المحلين نطقا وسكوتا، إنما كان مبنيا على الظاهر الذي قام الدليل على أنه غير مراد، فلهذا تكدرت التسمية، والخطب يسير اهـ من البحر المحيط بتصرف. وامتناع القياس في الأسباب، منسوب أيضا لأصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ وجماعة من الشافعية، وكثير من أهل الأصول، كما في الإرشاد. وجوازه منسوب لأكثر الشافعية. ومثال القياس في السبب: ما تقدم من إلحاق النباش بالسارق. ومثال القياس في الشروط: قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب، على الرؤية. ومثال القياس في الموانع: قياس فقر مالك نصاب العين، أو كونه ذا عيال، على كونه مدينا. وغيره للاتفاق ينسب معناه أن غير ما ذكر من الرخص، والأسباب، والشروط، والموانع، يجوز فيه القياس باتفاق، دينيا كان أو دنيويا. والذي تقتضيه تفاريع المذهب أن المدار على معقولية المعنى، فمتى عقل وتعدى،
следующие страницы →