- وقد أوردت عليه اعتراضات يطول التعرض لها، مع قلة جدواها، وقد قال إلكيا ﵀ عن هذا التعريف: إنه أسد ما قيل على صناعة المتكلمين، وقد حد بحدود أخرى كثيرة، أوردت عليها أيضا إيرادات كثيرة.
وقد ذهبت طائفة إلى تعذر حده أصلا، كإمام الحرمين ﵀ .
والحامل المطلق والمقيد .....................
معناه أن الذي يجوز له القياس المعبر عنه في الحد بالحمل، هو المجتهد، سواء كان مجتهدا مطلقا، أو مجتهد مذهب، وسيأتي الكلام عليهما - إن شاء الله في كتاب الاجتهاد.
وهو قبل ما رواه الواحد
اختلف في القياس إذا عارضته أخبار الآحاد، على أقوال:
فقيل: يقدم خبر الواحد، وهو رواية المدنيين عن الإمام مالك ﵀ ونسبه القاضي عبد الوهاب ﵀ في الملخص للمتقدمين من المالكية، كما في رفع الحاجب، وجعله القاضي عياض ﵀ مشهور مذهبه.
قال في نثر الورود: ومسائل مذهبه تدل على ذلك، كمسألة المصراة، ومسألة النضح، ومسألة غسل اليدين لمن أحدث في أثناء الوضوء، وما زعمه بعضهم من أنه قدم القياس على النص في مسألة ولوغ الكلب، غير صحيح، لأنه لم يترك فيها الخبر للقياس، وإنما حمل الأمر على الندب للجمع بين الأدلة، لأن الله قال ـ جل من قائل ـ: (فكلوا مما أمسكن عليكم) ولم يأمر بغسل ما مسه لعاب الكلب، فدل على أنه غير نجس اهـ
وقال في تفسيره: ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها في ذلك: أنه ﵀ يقول: إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة، ثلاثين من الإبل، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل، ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا، كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب ـ رحمهما الله : حين عظم جرحها
стр. 352
واشتدت مصيبتها نقص عقلها، والإمام مالك ﵀ خالف القياس في هذا، لقول سعيد بن المسيب ـ رضي الله عنهما ـ: إنه السنة اهـ بتصرف
وقيل: يقدم القياس وهو رواية البغداديين عن الإمام مالك ﵀ وقال صاحب بداية المجتهد: وذلك مذهب مهجور عند المالكية اهـ
وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ .
وقيل: إن عرفت العلة في الأصل، بنص راجح في الدلالة على الخبر المعارض للقياس، وقطع بوجودها في الفرع، قدم القياس، وإن كان وجودها في الفرع مظنونا فالوقف، وإن لم تعرف العلة بنص راجح، قدم الخبر.
واختاره ابن الحاجب ﵀ .
وقبله القطعي من نص ومن … إجماعهم عند جميع من فطن
معناه أن القياس الظني تقدم عليه الأدلة القطعية ـ نصا أو إجماعا ـ ككل دليل ظني، وأما القياس القطعي فلا يمكن تعارضه مع قطعي، إذ لا تعارض بين قطعيين.
وما رُوِي من ذمه فقد عُنِي … به الذي على الفساد قد بُنِي
معناه أن ما يؤثر عن السلف - رضي الله عنهم - في ذم القياس والرأي، محمول على الحكم استنادا إلى العقل، دون بحث عن النص، والقياس في موضع النص، ونحو ذلك، وإلا فالقياس الصحيح، قد دلت عليه ظواهر النصوص، كقوله جل من قائل: (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم).
وكقوله جل من قائل: (فاعتبروا يا أولي الأبصار).
وكحديث " أرأيت لو كان على أمك دين " (١).
وحديث " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر " (٢).
وحديث " أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم " (٣).
стр. 353
وكحديث " هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: " ما ألوانها؟ " قال: حمر، قال: " هل فيها من أورق؟ " قال: نعم، قال: " فأنى ذلك؟ " قال: لعله نزعه عرق، قال: " فلعلك ابنك هذا نزعه " (١) وكحديث " أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء " (٢).
وكحديث " أتحبه لأمك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم " (٣).
وقال عمر - رضي الله عنه -: أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة، رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة، رعيتها بقدر الله ؟ (٤) وجاء أنه قضى بالعول قياسا على الدين.
وجاء عن أبي بكر - رضي الله عنه - حين جاءته جدتان: أم أم، وأم أب، فأعطى السدس للتي من قبل الأم، فقيل له: أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها، فأشركهما فيه، (٥) وغير ذلك كثير.
قال أبو الوليد الباجي ﵀ في كتاب الإشارة: وما أعلم أن مسألة يدعى الإجماع فيها، أثبت في حكم الإجماع من هذه المسألة اهـ
والحد والكفارة التقدير … جوازه فيها هو المشهور
معناه أن جريان القياس في الحدود، والكفارات، والتقادير، هو المشهور من المذهب، ومنع ذلك الإمام أبو حنيفة ﵀ .
ومثال القياس في الحدود: قياس النباش على السارق، بجامع أخذ مال الغير من حرز
стр. 354
مثله خفية.
وانظره مع ما يأتي من امتناع القياس في الأسباب.
ومثال القياس في الكفارات: قياس رقبة الظهار، على رقبة القتل، في شرط الإيمان، بجامع أن كلا منهما كفارة.
ومثاله في التقدير: قياس إطعام المسكين في كفارة الظهار، على إطعامه في فدية الأذى، في أن قدره مدان.
وعلل المانع من جريان القياس في هذه الأمور، بعدم إدراك المعنى فيها.
وأجيب بمنع اطراد ذلك، فهي كغيرها تكون معقولة المعنى، وغير معقولته، فيقاس عليها عند عقل المعنى.
وانظر ما المراد بمقاديرالتقديرات في قول صاحب الحلي هنا: المراد بقولهم: يجري القياس في الحدود والكفارات والتقديرات، المراد فيه نفسها، أما مقاديرها فلا يجري فيها القياس اهـ
ورخصة بعكسها والسبب ...........................
معناه أن الرخصة والسبب، لا يجوز فيهما القياس، على المشهور عندنا، ومثل السبب الشرط والمانع، والمراد بالقياس في الرخصة، القياس في تفاصيل الرخصة الواحدة، لا القياس في أصول الرخص (١) فليس بجائز قطعا.
والخلاف في القياس في الرخصة ليس على إطلاقه، بل خاص بالقياس المساوي.
وأما عند أبلغية المعنى فيجوز اتفاقا على ما ذكره الشيخ ﵀ وهو عائد إلى ما يعرف بالقياس في الأسباب.
ووجه منع جريان القياس في الأسباب، تعذره رأسا، فالقياس عليها مفض إلى عدم سببيتها، وعدم سببية ما ألحق بها أيضا، وعدم القياس أصلا، إذ لا أصل ولا فرع، فمطلق الإيلاج - مثلا - في قياس اللواط على الزنى، إذا ثبت أنه مناط الحد، صادق بالزنا واللواط على وجه سواء، وكذلك القول في الشروط، والموانع.
стр. 355
ولذلك اختار ابن المنير ﵀ أن القياس في الأسباب من قبيل تنقيح المناط، وأنه لا ينبغي أن يقع في الجواز خلاف من حيث المعنى، ونصه:
وإذا فرضنا القياس في الأسباب، فلا بد أن نفرض فيها جهة عامة، كالإيلاج، وجهة خاصةككونه فرجا لآدمية، وهو الذي يسمى بلفظ السبب، ويتناول أمرين أعم وأخص، ولا ينتظم القياس إلا بحذف الأخص عن درجة الاعتبار، ليتغير الأعم، إذ لو كان الأخص باقيا على تقييده، لاستحال القياس، وإذا حذف الأخص عن كونه مراد اللفظ، بقي الأعم، وهو مراد النص، وحينئذ يكون القياس في الأسباب تنقيح مناط، وتنقيح المناط حاصله تأويل ظاهر، وهو يتوقف على دليل، فينبغي أن يقع الاتفاق على قبول المسلك الذي سماه من سماه قياسا في الأسباب، لاتفاقنا على قبول تأويل الظاهر بالدليل، فلا حجر في التسمية، ولا منع من تسميته قياسا، لأن فيه صورة النطق في موضع، والسكوت في موضع، ووجود قدر مشترك بين الموضعين، وهو سبب الاشتراك في الحكم، غير أن امتياز المحلين نطقا وسكوتا، إنما كان مبنيا على الظاهر الذي قام الدليل على أنه غير مراد، فلهذا تكدرت التسمية، والخطب يسير اهـ من البحر المحيط بتصرف.
وامتناع القياس في الأسباب، منسوب أيضا لأصحاب الإمام أبي حنيفة ﵀ وجماعة من الشافعية، وكثير من أهل الأصول، كما في الإرشاد.
وجوازه منسوب لأكثر الشافعية.
ومثال القياس في السبب: ما تقدم من إلحاق النباش بالسارق.
ومثال القياس في الشروط: قياس استقصاء الأوصاف في بيع الغائب، على الرؤية.
ومثال القياس في الموانع: قياس فقر مالك نصاب العين، أو كونه ذا عيال، على كونه مدينا.
وغيره للاتفاق ينسب
معناه أن غير ما ذكر من الرخص، والأسباب، والشروط، والموانع، يجوز فيه القياس باتفاق، دينيا كان أو دنيويا.
والذي تقتضيه تفاريع المذهب أن المدار على معقولية المعنى، فمتى عقل وتعدى،
стр. 356
صحت تعدية الحكم، وإلا فلا.
وذلك هو ما قرره التاج السبكي ﵀ في رفع الحاجب ونصه: نحن وإن جوزنا القياس في الحدود، والكفارات، والرخص، والتقديرات على الجملة، فلا ننكر وجدان ما لا يعلل، ويلتحق بمحض التعبد، وعلى هذا فلا بد من أمارة يعرف بها القسم الذي يجري فيه التعليل، من غيره.
وجماع القول عندنا، أن كل حكم يجوز أن يستنبط منه معنى مخيل، من كتاب، أو نص سنة، أو إجماع، فإنه يعلل، وما لا يصح فيه هذا، فلا يعلل، سواء أكان من الحدود والكفارات، أم غيرها.
فإن قلت: هل يصح إثبات حد مبتدإ، أو كفارة مبتدأة بالقياس؟
قلت: لا يصح، ولكن ليس لما يتوهمون من نفي القياس في الحدود، والكفارات، بل لأنه لا طريق توصل هنا إلى فهم العلة.
ولو صح لنا معنى في ذلك، لما تحاشينا من التعلق به، فافهم هذا، واجمع به بينه وبين قول المصنف في ما سبق: إن من شرط الأصل ألا يكون معدولا به عن سنن القياس، كمقادير الحدود والكفارات.
واعلم أن نفس مقادير الحدود والكفارات لا يفهم فيها معنى، فكيف يصح القياس فيها؟
وهذا بخلاف أصل الحدود، فنحن إنما نمنع القياس حيث لا يعقل المعنى، وذلك في مقادير الحدود، والكفارات، لا أصلها.
وإذا عرف هذا فاعلم أن أئمتنا قالوا:
من الأحكام ما يعلل جملة وتفصيلا، وهو كل ما يمكن إبداء معنى في أصله وفرعه.
وما يعلل جملة، دون تفاصيله، لعدم اطراد التعليل في التفاصيل.
وما يعلل تفاصيله، دون جملته، كالكتابة، والإجارة، وفروع تحمل العاقلة.
فلا يظن الظان أن إلحاقنا الكتابة الفاسدة - مثلا - بالصحيحة، حيد عن سنن الصواب، متعلقا بأن الكتابة غير معقولة المعنى، فكيف يقاس عليها؟
стр. 357
فإنا إنما قسنا على تفاصيلها المعقولة دون جملتها.
وتحقيق هذا يظهر في موضعه من الخلافيات، وله في شرحنا الكبير بسط تام.
وما لا يجري التعليل في جملته، ولا تفاصيله، كالصلاة، وما تشتمل عليه من قيام، وسجود، وركوع، وقعود، وربما يدخل في هذا القسم الزكوات، ومقادير الأنصبة، والأوقاص.
وكذلك قيل: لا مجال للقياس في الأحداث، وتفاصيلها، والوضوء، وتفاصيله.
وقيل: بل الوضوء معقول المعنى.
ولسنا هنا لتحقيق ذلك، وغرضنا أن هذه الأقسام الأربعة واقعة في الشريعة، و انفصال ما يعلل مما لا يعلل تفصيلا، عسر جدا، وفيه تلاطم أمواج الآراء، وافتراق أنظار العلماء اهـ
وإن نُمي للعرف ما كالطهر … أو المحيض فهْو فيه يجري
معناه أن الأمور العادية إذا كانت عليها أمارة، جاز دخول القياس فيها، كالحيض، كما قال أبو الوليد الباجي ﵀ كما في النشر.
وقيل: لا يجوز دخول القياس في ذلك، وعليه درج القرافي ﵀ في التنقيح، وعبر عن هذا بالخلقة.
قال الشوشاوي ﵀ : واعترض هذا الذي قاله المؤلف بقياس المبتدأة على أيام لداتها، لأن ذلك روي عن الإمام مالك ﵀ .
أركانه
أي: أركان القياس، وأركان الشيء: أجزاؤه الداخلة فيه، التي تتركب منها حقيقته، وتوجد بها هويته (١).
والجواب عما قيل من أن الموجود في الخارج هو الحمل، وليس مركبا من هذه الأشياء: أن الحمل المذكور متوقف على وجود هذه الأمور، وذلك هو المراد بتحقيقها لهويته.
الاصل، وحكمه، وما قد شُبِّها … وعلة رابعها فانتبها
معناه أن أركان القياس أربعة: الأصل، وحكمه، والفرع، والمعنى المشترك بين الأصل
стр. 358
والفرع، وبدأ الشيخ ﵀ بالكلام على الأصل فقال:
والحكم، أو محله، أو ما يدل … تأصيل كل واحد مما نقل
اختلف في الأصل فقيل: هو حكم المحمول عليه، وهو مذهب الإمام فخر الدين ﵀ وهو حرمة الخمر - مثلا - في قياس النبيذ عليه.
وقيل: هو المحمول عليه بعينه، وهو الخمر في المثال المذكور، وهذا القول قول الفقهاء، وبعض المتكلمين، وهو أقرب الأقوال، لأن القياس وقع بين الذاتين، وإن كان المقصود بيان الحكم، وعلى هذا القول عرف أهل الفن في خطابهم.
وقيل: هو دليل حكم المحمول عليه، وهو قوله جل من قائل: (فاجتنبوه) الآية الكريمة، والوجه في الكل ظاهر.
وقس عليه دون شرط نص … يجيزه بالنوع أو بالشخص
معناه أنه لا يشترط في الأصل الذي يقاس عليه، قيام دليل خاص على جواز القياس عليه، لا بالنوع، ولا بالشخص.
بل كل حكم انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه، جاز أن يقاس عليه. … فيجوز القياس على مسألة ـ مثلا ـ من مسائل الطلاق، وإن لم يدل دليل خاص على جواز القياس في الطلاق، أو على تلك المسألة بخصوصها، خلافا لعثمان البتي حيث اشترط في الأصل انتصاب الدليل على جواز القياس عليه، بالنوع بأن يثبت القياس في الطلاق، أو بشخصه.
ومثله في نثر الورود بقياس أنت خلية، على أنت طالق، فقد قاس الإمام مالك ﵀ على أنت طالق، أنت حرام، فثبت بذلك عنه جواز القياس على أنت طالق.
وعلة وجودها الوفاق … عليه يأبى شرطه الحذاق
معناه أنه لا يشترط كذلك الاتفاق على وجود العلة في الأصل، خلافا لبشر المريسي، حيث اشترط الاتفاق على كون حكم الاصل معللا، وعلى وجود العلة في الأصل، إذ لا دليل على ما ادعاه.
стр. 359
الركن الثاني وهو حكم الأصل
وحكم الاصل قد يكون ملحقا … لما من اعتبار الادنى حققا
هذا شروع في الكلام على الركن الثاني، وهو حكم الأصل.
ومعنى البيت أن حكم الأصل قد يكون مستخرجا بالقياس، وإنما قيس على الفرع في القياس الأول، ولم يقس على الأصل، لكون الفرع في القياس الثاني، أقرب إلى الفرع منه إلى الأصل في القياس الأول، وذلك هو ما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: لما من اعتبار الادنى حققا.
وهذا يقتضي أن الإلحاق بنفس العلة، ومثال ذلك قياس الوصايا المتزاحمة على الثلث، على العول، مع أن العول مقيس على حصاص الديون.
وقيل: لا يجوز ذلك، لأن الوصف الجامع في القياس الثاني، إن كان مساويا للوصف الجامع في القياس الأول، فلا حاجة إلى القياس على غير الأصل الأول، وإن اختلف الوصفان، لزم التعليل بعلتين.
وقد جعل صاحب اللمع والماوردي هذا النوع جائزا بلا خلاف.
وجعلا محل الخلاف: أن يستنبط من الفرع معنى يقاس به عليه، كأن يقاس الأرز على البر في الربا، بجامع الطعم، ثم يقاس على الأرز طعام آخر، بمعنى آخر يقتضي الربا يختص به - أعني الأرز - عن البر.
وهو على الخلاف في جواز التعليل بعلتين، وكلام أبي الوليد الباجي ﵀ في إحكام الفصول، صريح في جواز هذا النوع.
ومقتضى التعليل بالتطويل، أن الخلاف جار في أول النوعين أيضا كما في البحر، قال: وينبغي أن يكون محل هذا الشرط ما إذا لم يظهر للوسط فائدة، فإن ظهر فلا يمتنع قياس الفرع على الفرع.
وقال أيضا: إذا منعنا أن يكون حكم الأصل قياسا، يستثنى منه صورتان:
إحداهما القياس الذي قاسه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا جوزنا له الاجتهاد
стр. 360
والثانية التي أجمعت الأمة على إلحاقه بالأصل اهـ
مستلحِق الشرعي هو الشرعيُّ … وغيره لغيره مرعي
معناه أن حكم الأصل في القياس الشرعي يجب أن يكون شرعيا، ويكون في القياسات الأخرى على حسبها، ففي القياس اللغوي على القول به، يكون لغويا، وفي القياس العقلي على القول به، يكون عقليا.
وقوله ﵀ : مستلحق، هو بكسر الحاء، أي الأصل في القياس الشرعي، لا بد أن يكون شرعيا.
وما بقطع فيه قد تَعبدا … ربي، فملحَق كذاك عُهدا
معناه أن ما تعبدنا الله فيه بالعلم خاصة، لا يجوز فيه من القياس إلا ما كان قطعيا، ومنع الغزالي ﵀ إثبات ما تعبد فيه باليقين بالقياس، لأن القياس لا يفيد اليقين، لأن تحصيل العلم بكون حكم الأصل معللا، ووجود علته بتمامها في الفرع، وأن خصوصية الأصل ليست شرطا، وخصوصية الفرع ليست مانعا، متعذر أو متعسر جدا.
وليس حكم الاصل بالأساس … متى يحد عن سنن القياس
لكونه معناه ليس يعقل … أو التعدي فيه ليس يحصل
معناه أنه يشترط في حكم الأصل، أن يكون جاريا على طريق القياس، بأن يعقل المعنى الذي رتب عليه، ويكون غير مختص بمحل النص، كتحريم الربا في البر - مثلا - فالمعنى الذي حرم فيه الربا بسببه معقول، وهو الاقتيات والادخار عندنا، وليس مختصا به، بل هو موجود في الأرز مثلا.
بخلاف ما لا يعقل معناه، وهو على وجهين:
أحدهما: ما كان مستثنى، بأن دل الدليل على اختصاصه بالحكم، نصا كان كقوله جل من قائل: (خالصة لك من دون المؤمنين)
وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بردة - رضي الله عنه -: " ولن
стр. 361
يجزئ عن أحد بعدك " (١) وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " أحلت لي ساعة من نهار " (٢) وكرضاع سالم - رضي الله عنه - فإن أزواج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - كن يرين ذلك أمرا خاصا بسهلة بنت سهيل ـ رضي الله عنهن ـ (٣).
وكشهادة خزيمة - رضي الله عنه – حيث جعلت كشهادة رجلين (٤).
أو إجماعا، كالإجماع على اختصاص القصر في الصلاة بالمسافر، وإن كان المريض يساويه في الفطر.
والثاني: ما ليس كذلك كمقادير النصب، وأعداد الركعات، ومقادير الحدود، والكفارات.
وبخلاف ما عقل معناه ولم يكن له نظير، كالقسامة، واللعان، والدية، والشفعة في العقار، والغرة في الجنين.
وامتناع القياس في هذا النوعين الأخيرين، إنما هو بالنسبة لأصولها لا تفاصيلها، كما تقدم.
وحيث ما يندرج الحكمان … في النص فالأمران قل سيان
معناه يشترط كذلك أن لا يكون دليل حكم الأصل متناولا للفرع، لأن الدليل إذا كان عاما فيهما، فذلك مغن عن القياس، مع أنه ليس أحدهما أولى بأن يكون أصلا يلحق به من الآخر.
قال في النشر: كما لو استدل على ربوية البر، بحديث مسلم: " الطعام بالطعام مثلا بمثل " فيمتنع قياس الذرة عليه بجامع الطعم، لأن لفظ الطعام ـ الذي هو لفظ الدليل ـ يشمل الذرة كالبر.
стр. 362
والوفق في الحكم لدى الخصمين … شرط جواز القيس دون مين
معناه أنه يشترط عند الجمهور في المناظرة بين الخصمين، أن يكون حكم الأصل متفقا عليه بينهما، ليتأتى إلزام الخصم بمذهبه.
بخلاف ما إذا لم يكن متفقا عليه، فإنه يحتاج عند توجه المنع عليه إلى إثباته، فينتقل إلى مسألة أخرى، فينتشر الكلام، ولا يشترط اتفاق الأمة عليه، خلافا لمن قال به، حتى لا يتأتى المنع بوجه.
ولا يشترط اختلافهما فيه، خلافا لمن قال به، حتى يتأتى للخصم منعه.
ومحل اشتراط اتفاق الخصمين، ما لم يسق المستدل حكم الأصل مقترنا بدليله، من نص أو إجماع ابتداء، وإلا كفى ذلك.
وإذا اتفق الخصمان على حكم الأصل، نظر، فإن اختلفا في العلة، فإن نازع السائل في علية وصف المستدل للحكم، فهو مركب الأصل، (١) لتركب أصله، بمعنى انبنائه على علتين، وذلك كقياس حلي البالغة، على حلي الصبية في سقوط الزكاة، فسقوط الزكاة في حلي الصبية متفق عليه بيننا وبين الحنفية، لكن سقوطها عندنا فيه، لكونه حليا مباحا، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀ لكونه مال صبية.
وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله:
وإن يكن لعلتين اختلفا … تركب الأصل لدى لدى من سلفا
وإن نازع السائل في وجود علة المستدل في الأصل، فهذا هو المعروف بمركب الوصف، وسمي مركب الوصف، لتركيب المستدل فيه الحكم على وصف يمنع السائل وجوده.
ومثاله قياس الشافعية: إن تزوجت فلانة فهي طالق، على فلانة التي أتزوجها طالق، بجامع أن كلا تعليق طلاق أجنبية.
فالمالكية والحنفية يوافقون على عدم الطلاق في الأصل، الذي هو فلانة التي أتزوجها طالق، لكنهم يرونه تنجيزا لا تعليقا، وإلى هذا أشار الشيخ ﵀
стр. 363
بقوله:
مركب الوصف إذا الخصم منع … وجود ذا الوصف في الأصل المتبع
ومذهب الجمهور أن المركب بنوعيه غير مقبول، بمعنى أنه لا ينهض حجة على الخصم، وأما ثبوت الحكم به في حق المستدل ومن يقلده فظاهر، إذ لا توقف لذلك على موافقة غيره له في ما يرى من ذلك.
ونسب لبعض الجدليين قيام الحجة به على الخصم، للاتفاق على الحكم.
وإلى مذهب الجمهور أشار الشيخ ﵀ بقوله:
ورده انتقي وقيل: يقبل .........................
وأشار ﵀ بقوله:
وفي التقدم خلاف ينقل
إلى أن القائلين بقبول المركب، اختلفوا إذا عارضه قياس غير مركب، فقيل: يقدم المركب، تضييقا على الخصم، وقيل: بالعكس، ووجهه ظاهر، وقيل: هما سواء.
الركن الثالث وهو الفرع
ألحكم في رأي وما تُشُبِّها … من المحل عند جل النبها
معناه أن الفرع اختلف فيه، فقيل هو حكم الفرع، وذلك بناء على أن الأصل هو حكم المحل المقيس عليه، أو دليل الحكم.
وقيل: هو المعلوم المحمول ـ وهو محل الحكم الثابت بالقياس ـ بناء على أن الأصل هو المعلوم المحمول عليه، وهو مذهب الفقهاء ورأي الاكثرين، وعليه جرى أهل الفن في خطاباتهم.
فالفرع على أول القولين في قياس النبيذ على الخمر: هو حرمة النبيذ، وعلى الثاني هو النبيذ.
وجود جامع به متمما … شرط وفي القطع إلى القطع انتمى
معناه أنه يشترط في الفرع ـ على أنه المحل ـ وجود الوصف الذي هو علة حكم الأصل
стр. 364
بتمامه، فإذا كانت العلة مركبة من أوصاف، لم يكف وجود أغلبها مثلا في الفرع.
ومثال العلة المركبة: القتل العمد العدوان.
قوله: وفي القطع إلى القطع انتمى، معناه أن علية الوصف إذا كانت مقطوعا بها، فالقياس حينئذ قطعي، وذلك كالإسكار في النبيذ، فعلية الإسكار لحرمة الخمر قطعية، ووجوده في النبيذ قطعي، فإن كان حكم الأصل قطعيا، كان حكم الفرع قطعيا، وإن كان حكم الأصل ظنيا، كان حكم الأصل ظنيا أيضا، فقطعية القياس، لا تستلزم قطعية حكم الفرع، وإنما تستلزم قطعية مساواته للأصل.
وأما القطع بوجود الوصف في الفرع فلا بد منه، سواء كانت عليته قطعية أو لا على طريقة التاج السبكي ﵀ في الجمع، ولذلك قصر التقسيم على قطعية علية الوصف وعدمها، ولم يذكر مثل ذلك في وجوده في الفرع، كما بينه الشربيني ﵀ وهو ظاهر قوله ﵀ :
وجود جامع به متمما … شرط ..............
فالقياس الظني، ويعرف بقياس الأدون، على هذه الطريق هو ما كانت علية الوصف فيه ظنية.
سواء كان الوصف المظنون العلية، موجودا في الفرع والأصل على وجه سواء، كإلحاق التفاح بالبر في الربا بجامع الطعم، لجواز أن تكون العلة غير الطعم مما ليس في التفاح، كالادخار.
أو كان أبلغ في الفرع منه في الأصل، إذ المراد الأدونية في الثبوت، لا في ملاءمة المعنى، كإلحاق العمياء بالعوراء في الإجزاء في الضحية، فالعمى أبلغ من العور في التعيب، لكن يحتمل أن مانعية العور من الإجزاء، من جهة كونه مظنة الهزال، لأنها توكل إلى نفسها في الرعي، وهي ناقصة البصر، بخلاف العمياء فإنها تعلف.
والأبلغية في المعنى، لا تقتضي الأولوية بالحكم، إلا إذا كانت علية المعنى قطعية، والله أعلم.
وأما من يجيز ظنية وجود الوصف في الفرع، فالأدون عنده على ثلاثة أوجه:
стр. 365
ظن علية الوصف مع ظنية وجوده في الفرع.
وظنية أحدهما فقط.
والفرع للأصل بباعث وفي … ألحكم نوعا وبجنس يقتفي
معناه أنه لا بد من مساوات الفرع للأصل في ما يقصد من نوع العلة أو جنسها، وكذلك في ما يقصد من نوع الحكم أو جنسه.
فلا بد من اتفاقهما في العلة والحكم، نوعا أو جنسا.
مثال المساواة في نوع الوصف: قياس الأرز على البر بجامع الاقتيات والادخار، فوصف الاقتيات والادخار الموجب لتحريم الربا في البر، موجود بعينه ـ نوعا ـ في الأرز.
ومثال المساواة في جنسه: قياس أقل الصداق على أقل ما يقطع فيه، بجامع أن كلا استباحة عضو، فاستباحة العضو جنس لاستباحته بالاستماع، واستباحته بالقطع.
ومثال المساواة في نوع الحكم: ما ذكر من قياس الأرز على البر، فحرمة الربا فيهما شيء واحد.
ومثال المساواة في جنس الحكم: ما تقدم من أقل الصداق، وأقل ما يقطع فيه، فالأقلية جنس للأقلية في كل منهما.
ونص على هذا، ليبين أن ما تقدم من اشتراط التساوي في حد القياس، لا يختص بالنوع.
ومقتضي الضد أو النقيض … للحكم في الفرع كوقع البيض
بعكس ما خلاف حكم يقتضي .............................
معناه أن معارضة القياس، بقياس يوجب للفرع نقيض الحكم المستفاد من قياس المستدل، أو ضده، مبطلة له، لامتناع اجتماع الضدين، بخلاف معارضته بما يقتضي خلاف الحكم المستفاد من قياس المستدل، فلا تضر.
مثال معارضته بما يقتضي نقيض ما يوجبه قياس المستدل: قول المستدل في مسح الرأس: المسح ركن في الوضوء، فيسن تثليثه كالوجه، فيقول المعترض: مسح في الوضوء، فلا يسن تثليثه كالخف، فاستنان التثليث، وعدم استنانه نقيضان.
стр. 366
ومثال ما يقتضي ضد حكم المستدل: قول الحنفي: الوتر واجب قياسا على التشهد، بجامع مواظبته صلى الله تعالى عليه وسلم عليهما.
فيقول السائل: الوتر مستحب، قياسا على ركعتي الفجر، بجامع أن كلا موقت بأوقات الصلوات المكتوبة، فالوجوب والاستحباب ضدان، لاجتماعهما ارتفاعا.
ومثال ما يقتضي حكما خلاف حكم المستدل: قول المستدل: الوتر سنة، قياسا على ركعتي الفجر، بجامع أن كلا موقت بأوقات الصلوات المكتوبة.
فيقول السائل: الوتر لا يقضى، قياسا على العيد، بجامع أن كلا صلاة غير واجبة، لأن عدم القضاء، لا ينافي الاستحباب.
وقيل: لا يقبل الاعتراض بالأولين أيضا، خوف انقلاب منصب المناظرة، فيصير المعترض مستدلا، والمستدل معترضا.
وأجيب بأن قصد المعترض إبطال مذهب المستدل، لا الاستدلال.
وعلى المعول من قبول الاعتراض بذلك، يقبل جوابه ببيان أرجحية الوصف الذي اعتمد المستدل، بكونه قطعيا، أو بكون ظن عليته، أقوى من ظن علية الآخر، أو مسلك العلية فيه أقوى، من مسلكها في الآخر.
وإليه أشار ﵀ بقوله:
وادفع بترجيح لذا المعترض
وقيل: لا يقبل الترجيح، لكفاية أصل الظن في المعارضة.
وأجيب بأن ذلك لا يمنع من الترجيح.
وعدم النص والاجماع على … وفاقه، أوجبه من أصَّلا
منْعَ الدليلين ............ ........................
معناه أنه يشترط في الفرع أيضا ـ عند من لا يجيز توارد دليلين على حكم واحد ـ أن لا يوجد دليل من نص أو إجماع دال على الحكم المستنبط بالقياس، لأن العمل بالقياس عند فقد النص للضرورة، ولا ضرورة مع وجود النص.
وهذا في النص الخاص به، دون الأصل، وأما نص يعمهما، فهو قوله السابق:
стр. 367
وحيث ما يندرج الحكمان ..................... ألبيت
وأما من يجيز توارد دليلين على حكم واحد، وهم الأكثر، فلا يمنع ذلك لتقوية الظن، إلا الغزالي والآمدي - رحمهما الله .
وحكم الفرع … ظهوره قبلُ يرى ذا منْع
معناه أنه يشترط في الفرع كذلك، أن لا يكون شرعه سابقا على شرع الأصل، فلا يجوز قياس الوضوء - مثلا - على التيمم في وجوب النية، إذ التعبد بالتيمم إنما كان سنة ست، والتعبد بالوضوء كان في مكة المكرمة، فيلزم ثبوت وجوب النية في الوضوء قبل التعبد بالتيمم بلا دليل، ضرورة أن دليله إنما هو القياس على التيمم، فيلزم التكليف بغير معلوم.
نعم إن ذكر ذلك إلزاما للخصم، لا استدلالا على الحكم، جاز.
قال العطار ﵀ : هذا المثال - يعني قياس الوضوء على التيمم في وجوب النية - إنما يتم إذا ثبت أن النية في الوضوء تعبد بها قبل التعبد بالنية في التيمم، وإلا فيجوز أن يكون مع التعبد بالوضوء قبل التعبد بالتيمم، قد تعبد بالنية في التيمم، قبل التعبد بالنية في الوضوء فيصح القياس، فتأمل.
الركن الرابع وهو العلة
العلة مشتقة من علة المريض، لأن تأثيرها في الحكم، كأثر العلة في ذات المريض.
وقيل: مشتقة من العَلَل بعد النهل، وهو معاودة الماء للشرب مرة بعد مرة، لأن المجتهد يعاود في استخراجها النظر المرة بعد المرة، وقد يعبر بها عن موجب الفعل، فيقال: فعل كذا، لعلة كذا.
وأما معناها في الاصطلاح ففيه أقوال، أشار الناظم ﵀ إلى أحدها بقوله:
معرف الحكم بوضع الشارع ..........................
ومعناه أن العلة هي الوصف الذي جعله الشرع علامة على الحكم، إن وجد وجد الحكم.
стр. 368
قال في النشر: قال في المقدمات: مثال ذلك أن السكر كان موجودا في الخمر، ولم يدل على تحريمها، حتى جعله صاحب الشرع علة في تحريمها، فليست علة على الحقيقة، وإنما هي أمارة على الحكم وعلامة اهـ
والحكم ثابت بها فاتبع
معناه أن حكم الأصل من حيث إنه أصل، ثابت بالعلة، لا بالنص خلافا للحنفية، فالثابت بالنص هو حكم الأصل وحده، وأما أن محله أصل يقاس عليه، فهذا إنما يستفاد من العلة، فبمعرفتها يعرف تعليق الحكم عليها، بحيث إذا وجدت في محل ثبت له الحكم، بخلاف معرفة الحكم مجردا، فمعرفة حرمة الخمر، لا تستلزم معرفة حرمة النبيذ، بخلاف معرفة أن علة حرمة الخمر الإسكار، فإنها تستلزم معرفة حرمة كل مسكر، وإن لم يكن خمرا.
ووصفها بالبعث ما استبينا … منه سوى بعث المكلفينا
الغرض مستحيل في حق الله لأنه يقتضي رجحان ذلك الفعل بالنسبة لصاحب الغرض، وحاجته إليه، وكل ذلك مستحيل في حق الله .
وأشار الناظم ﵀ إلى ما أجاب به تقي الدين السبكي ﵀ عن تسمية الفقهاء للعلة باعثا، وذلك في مكتوب له سماه ورد العلل، في فهم العلل، بين فيه أن العلة باعثة على فعل المكلف، ومثال ذلك: حفظ النفوس، فإنه علة باعثة على القصاص، الذي هو المكلف المحكوم به من جهة الشرع، فحكم الشرع لا علة له، ولا باعث عليه، لأنه قادر أن يحفظ النفوس بدون ذلك، وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس، وهو مقصود في نفسه، وبالقصاص لكونه وسيلة إليه، فكلا المقصد والوسيلة مقصود للشارع، وأجرى الله العادة أن القصاص سبب للحفظ، فإذا فعل المكلف من السلطان، والقاضي، وولي الدم، القصاص، وانقاد إليه القاتل، امتثالا لأمر الله ووسيلة إلى حفظ النفوس، كان لهم أجران، أجر على القصاص، وأجر على حفظ النفوس، وكلاهما مأمور به من جهة الله أحدهما بقوله جل من قائل: (كتب عليكم القصاص) والثاني
стр. 369
إما بالاستنباط، وإما بالإيماء، في قوله جل من قائل: (ولكم في القصاص حياة)
وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة.
ومن هنا يتبين أن كل حكم معقول المعنى، فللشارع فيه مقصودان:
أحدهما ذلك المعنى.
الثاني: الفعل الذي هو طريق إليه، وأمر المكلف أن يفعل ذلك الفعل، قاصدا به ذلك المعنى.
فالمعنى باعث له، لا للشارع.
ومن هنا يعلم أن الحكم المعقول المعنى أكثر أجرا من الحكم التعبدي فيه معنى آخر، وهو أن النفس لا حظ لها فيه، فقد يكون أجر الواحد يعدل الأجرين الذين في الحكم غير التعبدي.
ويعرف أيضا أن العلة القاصرة ـ سواء كانت منصوصة أو مستنبطة ـ فيه فائدة، وقد ذكر الناس لها فوائد، وما ذكرناه فائدة زائدة، وهي قصد المكلف فعله لأجلها، فيزداد أجره، فانظر هذه الفائدة الجليلة، واستعمل في كل مسألة ترد عليك هذه الطريق، وميز بين المراتب الثلاث، وهي حكم الله بالقصاص، ونفس القصاص، وحفظ النفوس، وهو باعث على الثاني، لا على الأول، وكذا حفظ المال بالقطع في السرقة، وحفظ العقل باجتناب المسكر، فشد يديك بهذا الجواب نقله في الإبهاج.
للدفع والرفع أو الأمرين .........................
معناه أن العلة المعلل بها، قد تكون دافعة لحكم، أو رافعة له، أو دافعة ورافعة معا، وقد تقدم تقسيم المانع إلى هذا في الكلام على خطاب الوضع، وهي في ذلك علة لعدم الحكم، فهي مانع للحكم الوجودي، سبب للحكم العدمي، الذي هو عدم حل النكاح ـ مثلا ـ وهذا هو وجه ذكر هذه المسألة هنا على ما قاله الشربيني ﵀ .
واجبة الظهور دون مين
стр. 370
معناه أن الوصف المعلل به، يجب أن يكون أمرا ظاهرا، فلا يجوز التعليل بالأوصاف الخفية، لأن الخفي لا يعرف الخفي، ولذلك عللت العدة بالخلوة، لكونها أمرا ظاهرا، دون الوطء، إذ شأنه الخفاء.
ومن شروط الوصف الانضباط … إلا فحكمة بها يناط
وهْي التي من اَجلها الوصف جرى … علة حكم، عند كل من درى
يشترط في الوصف أيضا، أن يكون منضبطا، كالإسكار في الخمر، والاقتيات والادخار في البر - مثلا -.
ولذلك عدل عن تعليل القصر بالمشقة، لعدم انضباطها، إلى السفر، لانضباطه.
وعن تعليل العدة بالوطء، لأن شأنه الخفاء، إلى التعليل بالخلوة، لأنها ظاهرة، وهي مظنة له.
ومن شروطه كذلك أن يكون ضابطا لحكمة، أي: مشتملا عليها، بمعنى أن في ترتب الحكم عليه مصلحة، كالإسكار، ففي ترتيب التحريم عليه، مصلحة حفظ العقول. … والظاهر أن الشيخ ﵀ – أراد أول المعنيين، وأنه عقد بهذين البيتين، والشطر الذي قبلهما، قول التاج السبكي ﵀ في الجمع في ذكر شروط العلة: " وصفا ظاهرا منضبطا " مع قول القرافي ﵀ في التنقيح: الوصف إن لم يكن منضبطا جاز التعليل بالحكمة، وفيه خلاف اهـ
وهو غير بين، فإن شأن المظنة الظهور والانضباط، بخلاف الحكمة.
والتعليل بالحكمة حكوا فيه ثلاثة أقوال، وهي:
المنع مطلقا، وهو مذهب الأكثرين، لعدم الاطراد.
والجواز مطلقا، لأنها المقصود، ورجحه الرازي والبيضاوي ـ رحمهما الله والجواز إن كانت ظاهرة منضبطة بنفسها، وإلا فلا، وهو مختار الآمدي ﵀ .
والظاهر أن هذا - أعني التعليل بالحكمة إذا انضبطت - هو ما أراد القرافي ﵀ – فسبق قلمه إلى أن الوصف إذا لم ينضبط، يعلل بالحكمة، وإنما أراد أن
стр. 371
الحكمة إذا انضبطت يعلل بها، والله أعلم.
وقد نبه على عدم استقامة كلامه في ذلك في الحلي.
والمراد بالحكمة التي اختلف في التعليل: بها المعنى الذي لأجله ناسب شرع الحكم، كذهاب العقل في تحريم المسكر، والمشقة في السفر، الذي يترتب على مراعاته جلب المصلحة، أو درء المفسدة، لا عين جلب المصلحة، أودرء المفسدة، الذي هو الحكمة المشترط اشتمال الوصف عليها، بمعنى أنها فوائد بناء الحكم على المعنى المظنون في الوصف، كما بينه الشربيني ﵀ .
ولذلك قال القرافي ﵀ : والحكمة هي التي لأجلها صار الوصف علة، كذهاب العقل، الموجب لجعل الإسكار علة، قاله في التنقيح.
قال في شرحه: ومن الحكمة اختلاط الأنساب، فإنه سبب جعل وصف الزنا سبب وجوب الحد، وكضياع المال، الموجب لجعل وصف السرقة سبب القطع اهـ
وهذا هو المراد بقوله ﵀ : وهي التي من أجلها الوصف البيت.
وقد وقع في حواشي الجمع خلط بين معنيي الحكمة، كما بينه الشربيني ﵀ .
وهو للغة والحقيقه … والشرع والعرف نمى الخليقه
معناه أن الوصف المعلل به، يكون حقيقيا، وهو ما يتعقل في نفسه من غير توقف على عرف أو غيره.
ويكون لغويا، كتعليل حرمة النبيذ بأنه يسمى خمرا، كالمشتد من ماء العنب، على ما تقدم في ثبوت اللغة بالقياس.
ويكون شرعيا، كتعليل منع بيع الخمر بحرمة شربه.
ويكون عرفيا مطردا، لا يختلف باختلاف الأوقات، كالشرف والخسة في الكفاءة.
وقيل لا يجوز أن يكون حكما شرعيا، وليس بشيء، وفي اللغوي ما تقدم.
وقد يعلل بما تركبا … وامنع لعلة بما قد أذهبا
стр. 372
معناه أن العلة يجوز أن تكون مركبة من أوصاف متعددة، كما تقدم، كالاقتيات، والادخار، وغلبة العيش.
وقيل: لا يجوز التعليل بمركب، لأنه يؤدي إلى محال، وذلك أنه بانتفاء جزء، تنتفي عليته، فإذا انتفى جزء آخر، لزم تحصيل الحاصل، لأن انتفاء الجزء، علة لعدم العلية.
وأجيب بأنا لا نسلم أنه من قبيل علة عدم العلية، بل من قبيل عدم الشرط، فعدم العلية لانتفاء شرط وجودها، لا وجود علته - أعني علة عدمها - فلا يلزم تحصيل الحاصل، لأنه إذا كان عدم الشيء لانعدام شرط وجوده، لم يلزم من عدمه ذلك قاله الشربيني ﵀ .
قوله: وامنع لعلة بما قد أذهبا، أشار ﵀ به إلى مانع العلة، وذلك أن من شروط الوصف المعلل به، اشتماله على حكمة تبعث المكلف على الامتثال، وتصلح شاهدا لإناطة الحكم به، كحفظ النفوس، فإنه حكمة ترتب وجوب القصاص على وصف القتل العمد العدوان، فكان وجود ما يخل بهذه الحكمة مانعا من عليتها.
وذلك كالدين، بالنسبة لمالك نصاب العين، فملك النصاب علة لوجوب الزكاة، والحكمة الاستغناء بذلك، والدين مخل به، فلا استغناء معه، للحاجة إلى ما يقضى به، فكان مانعا من علية ملك النصاب لوجوب الزكاة.
والخلف في التعليل للذي عُدم … لما ثبوتيا، كنسبي علم
معناه أنه اختلف في جواز تعليل الأمر الثبوتي، بالعدمي، فذهب الأكثرون من المتقدمين ـ منهم القاضي أبو بكر الطيب الطبري، والشيخ أبو إسحاق، وأبو الوليد الباجي ﵏ أجمعين ـ إلى جوازه، لصحة أن يقال: ضرب فلان عبده لعدم امتثال أمره.
وذلك كتعليل حرمة متروك التسمية، بعدم ذكر اسم الله عليه.
واختار الآمدي وابن الحاجب وصاحب التنقيح والتاج السبكي ﵏ – المنع.
واختاره الإمام ﵀ في المعالم، واختار في المحصول الجواز.
стр. 373
وأما تعليل العدمي، بالعدمي، كتعليل عدم نفاذ التصرف، بعدم العقل، وتعليل العدمي بالثبوتي، كتعليل عدم نفوذ التصرف بالسفه، فحكي في جوازهما الاتفاق.
وقال ابن المنير ﵀ : المختار أن النفي لا يقع علة للحكم الثبوتي، ولا للنفي، لأن النفي المفروض علته، لا يجوز أن يكون النفي المطلق باتفاق، فتعين أن يكون نفيا مضافا إلى أمر، وذلك الأمر إن كان منشأ مصلحة، استحال أن يعلل بنفيه حكم ثبوتي، إذ عدم المصلحة لا يكون علة في الحكم، وإن كان منشأ مفسدة، فهو مانع، ونفي المانع لا يكون علة، نقله عنه في البحر.
وقوله ﵀ : كنسبي، أشار به إلى الاختلاف في التعليل بالأمور النسبية، ويقال لها الإضافية، كالأبوة، والبنوة، والأخوة، ونحو ذلك.
ومنشأ الاختلاف: الاختلاف في كونها وجودية أو عدمية.
فإن قلنا: وجودية، جاز التعليل بها مطلقا، وإن قلنا: عدمية، جرى فيها التفصيل المتقدم.
وكذلك القول في الوصف التقديري، كتعليل ثبوت الولاء للمعتق عنه، بتقدير ثبوت الملك له، وتعليل توريث الدية، بتقدير ثبوت الملك للمقتول قبل موته، إذ لا يستحقها وهو حي، وما لا يملك لا يورث عنه، ولا ملك بعد الموت.
والخلاف في المقدر أضعف من الخلاف في العدمي.
لم تلف في المعللات عله … خالية عن حكمة في الجمله
وربما يعوزنا اطلاع … لكنه ليس به امتناع
معناه أن الأحكام الشرعية المعللة، لا تخلو علة من عللها عن حكمة، لكن في الجملة، فلا يشترط ظهور تلك الحكمة في كل محل من محال المظنة المعلل بها، وعدم ظهورنا على تلك الحكمة، في بعض العلل، لا يقتضي انتفاءها، والوقوف على الحكمة في الآلاف المؤلفة من الأحكام، يحصل غلبة الظن القريبة من القطع، بأن العدد اليسير الذي لم نظهر على الحكمة فيه، على نحو ذلك العدد الذي لا يمكن أن يدخل تحت الحصر.
خاصة وأن شأن بعض المعاني الخفاء، فيجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته، حيث
стр. 374
دلت القرينة على عليته، كما في تعليل الربويات بالطعم، فما سبق من اشتراط اشتمال الوصف على حكمة تبعث المكلف على الامتثال، إنما هو في الجملة.
وأما التعبدات فيجوز خلوها عن درء المفاسد وجلب المصالح، فجلب مصلحة الثواب - مثلا ـ كاف في ذلك.
والاستقراء دال على أن أكثرها يتضمن حكما أخرى غير الجزاء كثيرة، فهي إذا كغيرها.
واختلف في المظنة إذا قطع في بعض محالها بانتفاء الحكمة، هل يثبت الحكم، لأن الشرع جعل المظنة علامة له، أو لا يثبت، إذ لا عبرة بالمظنة مع تحقق انتفاء المئنة.
مثاله: من مسكنه على البحر، ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة من غير مشقة، يجوز له القصر في سفره، واستبراء الصغيرة، التي لا تحمل عادة، وإلى هذا أشار الشيخ ﵀ بقوله:
وفي ثبوت الحكم عند الانتفا … للظن، والنفي خلاف عرفا
وقوله: للظن، يعني به للمظنة، وهو تعليل لقوله: ثبوت الحكم.
وقوله: عند الانتفاء، يعني انتفاء الحكمة قطعا.
وقوله: والنفي، معطوف على ثبوت.
والمعنى أنه اختلف في ثبوت الحكم وانتفائه، عند القطع بعدم الحكمة.
ولا يبعد أن يقيد بما إذا لم يكن الخالي من الحكمة ذريعة للمشتمل عليها، كما في حديث " ما أسكر كثيره فقليله حرام " (١) والله أعلم.
وعللوا بما خلت من تعديه … ليعلم امتناعه والتقويه
معناه أن التعليل بالعلة القاصرة، جائز اتفاقا في المنصوصة، والمجمع عليها، وعند جميع المالكية كما قال القاضي عبد الوهاب ﵀ والأكثرين في المستنبطة، خلافا للإمام أبي حنيفة ﵀ وأصحابه وهو وجه للشافعية.
وحكى القاضي عبد الوهاب ﵀ في الملخص قولا بالمنع
стр. 375
مطلقا عن أكثر فقهاء العراق.
قال التاج السبكي ﵀ : ولم أر هذا القول في شيء مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا.
وحجة الحنفية عدم الفائدة في التعليل بها.
وأجيب بأن لها فوائد:
منها: معرفة منع الإلحاق، فهي مؤثرة في النفي، كما أثرت المتعدية في الإثبات.
ومنها: أن العلة إذا طابقت النص، زاده ذلك قوة، ويتعاضدان.
وإلى هاتين الفائدتين أشار الشيخ ﵀ بقوله: ليعلم امتناعه والتقويه.
ومن فوائدها: معرفة الباعث المناسب للحكم، فيكون أدعى للقبول.
ومنها: أن المكلف يقصد الفعل لأجلها، فيحصل له أجران:
أجر قصد الفعل للامتثال.
وأجر قصد الفعل لأجلها.
فيفعل المأمور به، لكونه أمرا، وللعلة، كما قال تقي الدين السبكي ﵀ .
منها محل الحكم أو جزء ورد … وصفا إذا كان لزوميا يرد
معناه أن من العلة القاصرة، التعليل بالمحل.
والمحل: ما وضع له اللفظ، كتعليل الربا في النقدين بجوهريتهما.
ومنها: جزء المحل الخاص به، كتعليل نقض الوضوء في الخارج من السبيلين، بالخروج منهما، فالخروج جزء معنى الخارج، فمعناه ذات متصفة بالخروج، كما تقدم.
ومنها: الوصف اللازم الذي لا يتصف به غير المحل، كلطافة الماء.
وجاز بالمشتق نحو ضارب … لا نحو أبيض ولا باللقب
أشار بهذا إلى ثلاث مسائل:
الأولى: أن الوصف المشتق من الفعل، الذي هو الحدث الصادر باختيار فاعله، يجوز
стр. 376
التعليل به، وقد حكى التاج السبكي ﵀ الاتفاق فيه، وهو المتجه، ومنهم من حكى فيه خلافا، وهو غريب فإن التعليل كما بينه في القواطع بموضع الاشتقاق، كالقتل، لا بنفس الاسم كالقاتل.
وهذا هو المراد بالشطر الأول.
الثانية: أن الوصف المشتق من صفة كالبياض، والسواد، لا يعلل به، وفيه اختلاف من جهة الاختلاف في التعلق بمعناه الذي هو الأشباه الصورية، وسيأتي الكلام عليها.
وهذا هو المراد بقوله ﵀ سبحانه -: لا نحو أبيض.
الثالثة: أن اللقب لا يعلل به، وقد حكى الفخر الرازي الاتفاق على ذلك، وهو نوعان: ما لا يشتمل على معنى يناسب، كزيد وعمرو، فهذا لا يختلف في عدم التعليل به.
وقسم يشتمل مسماه على معنى يصلح للتعليل به، وهذا موضع خلاف، وقد جاء عن الإمام الشافعي والإمام أحمد - رحمهما الله أنهما عللا بالبول، (١) والماء، وقد يؤخذ من عبارة الفخر أن ما يحكى من الخلاف لفظي، فالمعلل يقصد وصف المسمى، وهو صفة، والمانع يمنع التعلق باللفظ.
وهذا هو الحال ـ أيضا ـ في المشتق من الحدث الاختياري، كما تقدم عن ابن السمعاني ﵀ .
والحاصل أن اللقب، إما أن يراد به اللفظ أو المعنى.
فإن كان المراد: اللفظ، فلا وجه لتفسيره بالجامد، والمقابلة بينه وبين المشتق، فكل ذلك لقب، ولا مزية لبعضه على بعض.
وإن كان المراد: معناه، كما هو ظاهر الاكثرين توجه الفرق بين ما يتضمن معنى يصلح للتعليل به كضارب، وما لا.
وقد يختلف الحكم على اللقب الواحد، بحسب الأحكام الواردة عليه، فيصلح
стр. 377
للتعليل في بعض المواطن، دون بعض، كالصورة، والله أعلم.
وما أورده صاحب نثر الورود من الإشكال هنا متجه على الاحتمال الثاني الذي هو ظاهر الأكثرين، وجوابه بالتفصيل المذكور آنفا في اللقب، والله أعلم.
وعلة منصوصة تعدد … في ذات الاستنباط خلف يعهد
اختلف في تعليل حكم واحد بالشخص بعلتين فأكثر، فأجازه الأكثرون، قال القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀ : وبهذا نقول، بناء على أن العلل علامات وأمارات على الأحكام، لا موجبة لها، فلا يستحيل ذلك اهـ
وهو الذي استقر عليه رأي إمام الحرمين ﵀ .
وقيل: لا يجوز مطلقا، وبه جزم الصيرفي، ونسبه القاضي عبد الوهاب ﵀ لمتقدمي أصحابنا، واختاره الآمدي ﵀ .
وقيل: يجوز في المنصوصة دون المستنبطة، وهو اختيار الأستاذ أبي بكر بن فورك، والإمام الرازي - رحمهما الله .
وقيل: يجوز في المستنبطة دون المنصوصة، حكاه ابن الحاجب وابن المنير في شرحه للبرهان.
وعلى القول بالجواز، فمذهب الجمهور الوقوع، وقال إمام الحرمين ﵀ : إنه لم يقع.
ومقتضى ابن الحاجب ﵀ أن هذه المذاهب، جارية في التعليل بعلتين، سواء كانتا متعاقبتين أم معا، ومقتضى غيره أنه مختص بالمعية.
واحتج ابن الحاجب ﵀ للجواز بالوقوع، وكل الأمثلة التي يمثلون بها للوقوع يدعي فيها المانع فيها تعدد الحكم.
قال في رفع الحاجب: وقال - يعني إمام الحرمين رحمهما الله : وقال من يخالف هؤلاء: إنما يناط بالعلل تحريمات، ولكن لا يظهر أثر تعدده، وقد يتكلف المتكلف، فيجد بين كل تحريمين تفاوتا، وهذا بين في القتل، فإن من استحق قصاصا وقتلا، فالمستحق قتلان، ولكن المحل يضيق عن اجتماعهما، ولو فرض سقوط أحدهما لبقي الثاني،
стр. 378
فلا يكاد يصفو تحقيق تعليل حكم واحد بعلتين تصويرا اهـ
قال التاج السبكي ﵀ : وما ذكره حق، فما من مكان إلا والخصم بسبيل من أن يدعي فيه تعدد الأحكام، وإتيانه بوجه واضح يدل له، وربما لاح في بعضها، وظهر ظهورا بينا.
ومن أماكن ظهوره كفلق الصبح: حدث البول والغائط الذين ادعى المصنف اتحادهما، وجعل ذلك كالأصل الممهد، ليقيس عليه - كما عرفت - وبينهما اختلاف يظهر أثره في ما إذا نوى رفع أحدهما، ففي المسألة أوجه اهـ
وحجة المنع لزوم المحال، فإن الشيء باستناده إلى كل واحد من علتين، يستغني عن الأخرى، فيلزم أن يكون مستغنيا عن كل منهما، وغير مستغن عنه، وذلك جمع بين النقيضين.
ويلزم أيضا تحصيل الحاصل في التعاقب، حيث يوجد بالثانية - مثلا - نفس الموجود بالأولى، قاله المحلي ﵀ .
وهذا بناء على أن العلة بمعنى الباعث أي: المتصف بالبعث بالفعل، لا أنه يكون باعثا إذا انفرد.
والموضوع الحكم الواحد بالشخص - كما تقدم -.
وأما الواحد بالنوع، فيجوز تعدد علله بحسب تعدد أشخاصه بلا خلاف.
كتعليل إباحة قتل زيد بالردة، وعمرو بالقصاص، وبكر بالزنى، وخالد بترك الصلاة قاله في النشر.
وبما تقدم عن التاج السبكي ﵀ تعلم عدم ظهور ما ذكره ابن عاشور ﵀ في نواقض الوضوء، من أنه من باب تعدد محل العلة الواحدة.
وهي المسألة التي أشار إليها سيدي خليل ﵀ بقوله: أو نسي حدثا لا أخرجه، والله أعلم.
وذاك في الحكم الكثير أطلقه … كالقطع معْ غرم نصاب السرقه
стр. 379
هذه المسألة، مقابلة للمسألة السابقة، وهي أن تتحد العلة، ويتعدد المعلول، فيكون أحكاما مختلفة، وفيها خلاف على أن العلة بمعنى الباعث، والأكثرون على الجواز، وأما على أنها بمعنى الأمارة، فيجوز اتفاقا.
قال ابن الحاجب ﵀ : والمختار جواز تعليل حكمين بعلة، بمعنى الباعث، وأما الأمارة فاتفاق اهـ
ومثال ذلك في الإثبات: طلوع فجر رمضان، فهو أمارة لوجوب الإمساك، والصلاة، ومثاله في النفي: الحيض، فهو أمارة لمنع الصلاة، والصوم، والطواف، ومس المصحف، والوطء، والطلاق.
وقيل: لا يجوز ذلك مطلقا، بناء على اشتراط المناسبة فيها، لأن مناسبتها لحكم تحصل المقصود منها بترتيب الحكم عليها، فلو ناسبت آخر لزم تحصيل الحاصل.
وأجيب بمنع ذلك، لجواز تعدد المقصود، كما في السرقة، المترتب عليها القطع، زجرا عنها، والغرم جبرا لما تلف من المال.
وقيل: يجوز إن لم يكن بينهما تضاد، لأن الشيء الواحد لا يناسب المتضادين. وأجيب بمنع ذلك، لجواز تعدد الجهات فيهما، فعلية الوصف الواحد لحكمين، إنما يجوز بشرطين متضادين، كالجسم يكون علة للسكون، بشرط البقاء في الحيز، وعلة للحركة بشرط الانتقال عنه.
وقد تخصص وقد تعمم … لأصلها لكنها لا تخرم
من شروط العلة أن لا تعود على أصلها بالإبطال، لأنه منشؤها، فإبطالها له، إبطال لها، فلو صححناها لزم اجتماع النقيضين.
ومثلوا لذلك بتعليل الحنفية، وجوب الشاة في الزكاة، بدفع حاجة الفقير، المقتضي جواز إخراج قيمتها، المفضي إلى عدم وجوبها على التعيين.
وهذا هو المراد بقوله ﵀ : لكنها لا تخرم.
واختلف في عودها عليه بالتخصيص هل يجوز أو لا على قولين؟
стр. 380
ومثال ذلك: حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان، (١) فالحيوان شامل للمأكول وغيره، والعلة فيه - وهي معنى الربا - تقتضي تخصيصه بالمأكول.
وهذا هو المراد بقوله ﵀ : وقد تخصص.
وأما عودها على أصلها بالتعميم فلا خلاف فيه.
ومثاله: النهي عن الصلاة وهو يدافعه الأخبثان، (٢) إذا قيل: العلة التشويش، عم كل مشوش، وباب القياس كله تعميم للنص بالعلة.
وشرطها التعيين ......... .........................
معناه أنه يشترط عند الجمهور في الإلحاق بالعلة أن تتعين، خلافا لمن جوز التعليل بمبهم من أمور مشتركة بين المقيس والمقيس عليه، تعلقا بقول عمر - رضي الله عنه -: اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك.
وذلك كأن يقال: يحرم الربا في البر للاقتيات أو الادخار، وكل منهما حاصل في الأرز، فهو ربوي.
قال الهندي ﵀ : لكن أطبق الجماهير على فساده، لأنه يفضي إلى أن العامي والمجتهد سواء في إثبات الأحكام الشرعية في الحوادث، إذ ما من عامي جاهل، إلا وعنده معرفة بأن هذا النوع أصل من الأصول في أحكام كثيرة.
والتقدير … لها جوازه هو التحرير
معناه أن التعليل بالوصف المقدر، جائز على ما هو التحرير، والمقدر هو الفرضي الذي لا حقيقة له في الخارج، خلافا للفخر الرازي ﵀ حيث منع تصور التقدير في الشرع، فضلا عن التعليل به، فهو يمنع كون الملك - مثلا - وصفا مقدرا.
قال العطار ﵀ : فهو عنده وصف محقق، وليس من لوازم المحقق أن يحس، فإن المتكلمين يجعلون الصفات كالعلم ونحوه، من الأمور المحققة، وليست
стр. 381
محسوسة.
وقال شيخ الإسلام ﵀ : إن جعل المقدر محققا، لا يخرجه عن كونه مقدرا، كيف وكلام الفقهاء طافح بالتعليل بالمقدر، كقولهم: الحدث: وصف مقدر قائم بالأعضاء اهـ
ومقتضِي الحكم وجوده وجب … متى يكن وجود مانع سبب
كذا إذا انتفاء شرط كانا … وفخرهم خلاف ذا أبانا
تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي يسمى تعليلا بالمانع، وقد شرط فيه الجمهور ـ ومنهم الآمدي ـ وجود المقتضي.
قال الآمدي ﵀ : وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمصالح الخلق، فما لا فائدة في إثباته، فلا يشرع، فانتفاؤه يكون لانتفاء فائدته، وسواء وجدت ثم حكمة تقتضي نفيه أو لم توجد، وفرق بين انتفاء الحكم، لانتفاء فائدته، وبين انتفائه لوجود فائدة نافية له، وإذا كان كذلك فما لم يوجد المقتضي للإثبات، كان نفي الحكم للمانع، أو لفوات الشرط ممتنعا اهـ
وذهب قوم منهم الرازي وابن الحاجب - رحمهما الله إلى عدم اشتراط ذلك.
وقالوا: إذا استقل المانع، وعدم الشرط، مع وجود معارضه المقتضي، فمع عدمه أولى.
قال في البحر: ثم قال الإمام، وتبعه الهندي ﵏ أجمعين -: هذا الخلاف مفرع على جواز تخصيص العلة، لإمكان اجتماع العلة، مع المانع في أصل المسألة.
فإن منعناه فلا يتصور هذا الخلاف، لأن التعليل بالمانع حينئذ لا يتصور، فضلا عن أن يكون مشروطا ببيان المقتضي أم لا.
وكذلك الخلاف في ما لو علل عدم الحكم بفوات شرط، ومنع صاحب التلخيص التفريع على القول بتخصيص العلة، وقال بمجيء الخلاف وإن لم يجوز تخصيص العلة. وكأن وجهه أن المانع من التخصيص يقول: ما يسمونه بالمانع، مقتض عندي للحكم بالعدم،
стр. 382
فقتل المكافئ في غير الأب هو العلة في إيجاب القصاص، وقتل الأب بخصوصه، هو المقتضي لعدم الإيجاب، ويعود حينئذ الخلاف لفظيا اهـ
والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسالك العلة
المسالك: جمع مسلك، وهو اسم مكان من السلوك، وهو المرور.
والعلة تقدم الكلام عليها.
فمسالك العلة هي: الطرق التي يعرف بها كون الوصف علة، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله:
ومسلك العلة ما دل على … علية الشيء متى ما حصلا
وقوله: متى ما حصلا، يصح عوده إلى الشيء، وإلى مسلك.
مسلك الإجماع
ومسالك العلة ثلاثة أنواع: الإجماع، والنص، والاستنباط.
ومثال الإجماع: إجماعهم على أن الغصب علة للضمان، والصغر علة للحجر، وعلى أن علة النهي في حديث " لا يحكمن أحد بين اثنين وهو غضبان " (١) التشويش.
مسلك النص
ويلي الإجماع النص، وينقسم إلى صريح وظاهر، وإلى هذا أشار ﵀ بقوله:
الاجماع، فالنص الصريح مثْلُ … لعلة، فسبب، فيتلو
منَ اَجل ذا، فنحو كي، إذاً، فما … ظهر: لام، ثمت البا علما
فالفاء للشارع فالفقيه … فغيره، يتْبع بالشبيه
والمراد بالنص: ما دل من الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، على العلية، سواء كانت دلالته عليها بوجه صريح، أو لا.
стр. 383
وهو على مراتب، لأنه إما صريح، أو غيره.
والصريح قال في رفع الحاجب: هو ما وضع دالا على العلية، ثم إن هذا الوضع إما أن يكون بحيث لا يحتمل غير العلية، أو بحيث يحتمل غيرها احتمالا مرجوحا، وذلك ممكن، بأن يضعه الواضع كذلك، أو يضعه للأول، ثم يستعمل في معنى آخر استعمالا قليلا، فإذا ورد بعد ذلك كان صريحا في الأول، مع احتماله في الثاني اهـ
وقال الإبياري ﵀ كما في البحر: ليس المراد بالصريح المعنى الذي لا يقبل التاويل، بل المنطوق بالتعليل فيه ـ على حسب دلالة اللفظ الظاهر ـ على المعنى اهـ
ونقل عن صاحب التنقيح: أن الصريح هو ما يدل عليه اللفظ، سواء كان موضوعا له أو لمعنى يتضمنه، فدخل الحروف المتصلة بغيرها اهـ
ومن أقوى الصريح: لعلة كذا، أو لسبب كذا.
وجعل الشيخ ﵀ " لعلة كذا " أقوى من " لسبب كذا " وهو ظاهر التاج السبكي ﵀ في الجمع، ومقتضى غير واحد استواؤهما، كالآمدي في الإحكام، والتاج في رفع الحاجب، والزركشي في البحر ﵏ أجمعين -.
قال في النشر: وبعض الأصوليين أسقط هذين اللفظين لعزة وجودهما في الكتاب والسنة اهـ
وفي معناهما لموجب كذا.
ويلي ذلك: من أجل كذا، كقوله جل من قائل: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسراءيل) الآية الكريمة.
أو لأجل كذا، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي لأجل الدافة " (١).
стр. 384
والوجه في تأخر هذا عما قبله، أن لفظ العلة، تعلم به العلية من غير واسطة، بخلاف لأجل، أو من أجل، فإنه يفيد معرفتها بواسطة معرفة أن العلة ما لأجلها الحكم، والدال بلا واسطة أقوى، نقله في البحر.
ومقتضى الرازي ﵀ أن هذه الألفاظ الأربعة في رتبة واحدة. … ويلي ذلك " كي " ـ سواء كانت مع اللام، أو دونها ـ كقوله جل من قائل: (لكيلا تأسوا) الآية.
وكقوله جل من قائل: (كي لا يكون دولة).
وقوله : (كي تقر عينها)
والمصدرية لا تخرجها عن العلية.
وإذا، كقوله جل من قائل: (إذا لأمسكتم خشية الإنفاق).
وظاهر الشيخ ﵀ استواء كي وإذا، وهو ظاهر التاج ﵀ في الجمع.
وجعل في البحر كي سابقة على إذا، وذكر أن إمام الحرمين والرازي ﵏ جعلا إذا من الظاهر.
وعد في البحر من الصريح المفعول لأجله، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " خشية الصدقة " (١) وبعد الصريح الظاهر، وهو مراتب:
أولها: اللام سواء كانت مذكورة أو مقدرة، الأولى: كقوله جل من قائل: (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به).
والثانية: كقوله جل من قائل: (أن كان ذا مال وبنين).
وظاهر الشيخ ﵀ استواء الموضعين، وظاهر الجمع والبحر أن الظاهرة مقدمة على المقدرة.
ولم يجزم بذلك في رفع الحاجب، ونصه: ويشبه أن تكون - يعني المقدرة - دون الظاهرة
стр. 385
اهـ
ويلي ذلك الباء، قال ابن مالك ﵀ : وضابطه أن يصلح غالبا في موضعها اللام، نقله في البحر، نحو قوله جل من قائل: (فبظلم من الذين هادوا).
ووجه تأخر الباء عن اللام، أن محامل اللام أقل من محامل الباء، قاله الأصفهاني ﵀ .
قال: واللام وإن جاءت للاختصاص، فالتعليل لا يخلو عن الاختصاص، فكانت دلالة اللام أخص بالعلة نقله في البحر.
ويلي ذلك الفاء إذا علق بها الحكم على الوصف، ولا بد فيها من تأخرها، وهي نوعان:
أحدهما: أن تدخل على السبب والعلة، ويكون الحكم متقدما، كقوله ﵊ في المحرم الذي وقصته ناقته: " لا تخمروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " (١).
الثاني: أن تدخل على الحكم، وتكون العلة متقدمة، كقوله جل من قائل: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا) فالفاء للجزاء، والجزاء مستحق بالمذكور السابق، وهو السرقة - مثلا - لأن التقدير: إن سرق فاقطعوه.
ومن هذا القبيل قوله جل من قائل: (أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل)
وتقدم الفاء الواقعة في كلام الشرع كتابا أوسنة، على الواقعة في كلام الراوي، كقول عمران بن حصين - رضي الله عنه - سهى فسجد. (٢) وتقدم الواقعة في كلام الراوي الفقيه، على الواقعة في كلام الراوي الذي ليس بفقيه،
стр. 386
وقيل هما سواء.
قال في البحر: قيل: والفاء إذا امتنع كونها للعطف، تعين للسبب، والمانع للعطف أنها متى قدرت له الواو اختل الكلام، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " من أحيا أرضا ميتة فهي له " (١) لأنها لو كانت عاطفة بمعنى الواو، لتضمنت الجملة معنى الشرط بلا جواب.
وهذا مبني على حصر الفاء في التعليل والعطف، وهو ممنوع، بل هي في هذه المواضع جواب، أي: رابطة بين الشرط وجوابه، ولا يلزم من كون الأول شرطا كونه علة اهـ
وقوله: يتبع بالشبيه، معناه أنه يلحق بذلك ما يشبهه في الظهور في العلية.
وذلك كإن ـ بالكسر والتشديد ـ كقوله جل من قائل: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس" (٢).
ومنهم من عدها من الإيماء، قال في التلويح: وأما كلمة إن بدون الفاء، مثل " إنها من الطوافبن " (٣) فالمذكور في أكثر الكتب، أنها من قبيل الصريح، لما ذكره الشيخ عبد القاهر ﵀ أنها في مثل هذه المواقع تقع موقع الفاء، وتغني غناءها، وجعلها بعضهم من قبيل الإيماء، نظرا إلى أنها لم توضع للتعليل، وإنما وقعت في هذه المواقع، لتقوية الجملة التي يطلبها المخاطب، ويتردد فيها، ويسأل عنها، ودلالة الجواب على العلية إيماء لا صريح، وبالجملة كلمة إن مع الفاء، أو بدونها، قد تورد في أمثلة الصريح، وقد تورد في أمثلة الإيماء، ويعتذر عنه بأنه صريح باعتبار أن والفاء، وإيماء باعتبار ترتب الحكم على الوصف اهـ
ومراده بالصريح الظاهر.
ومن الظاهر أيضا إذ، كقوله جل من قائل: (وإذ لم يهتدوا به
стр. 387
فسيقولون هذا إفك قديم).
وكقوله جل من قائل: (اذكروا نعمت الله عليكم إذ جعل فيكم أنبئاء وجعلكم ملوكا).
وكقوله جل من قائل: (اذكروا نعمت الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها).
مسلك الإيماء
والثالث الإيما اقتران الوصف … بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير … قرانه لغيرها يضير
المسلك الثالث من مسالك العلة: مسلك الإيماء، وهو اقتران الوصف، أو نظيره بالحكم، اقترانا يستبعد كونه لغير علية الوصف للحكم، أو نظيره، في نظير الحكم.
مثال أولهما: قوله جل من قائل: (فاقتلوا المشركين) فترتيب القتل على وصف الشرك، مقتض عليته له.
ومثال الثاني: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للتي قالت إن أمها ماتت وعليها نذر حج، أفأحج عنها؟: " أرأيت إن كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ " قالت: نعم، قال: " فحجي عن أمك، فالله أحق بالقضاء " (١).
فقد سألت عن دين الله على الميت، وجواز قضائه عنه، فذكر لها دين الآدمي على الميت، وقررها على جواز قضائه، فلو لم يكن جواز القضاء فيهما، لكون الدين علة له، لكان بعيدا.
ولا فرق في ذلك بين أن يكونا ملفوظين، أو مقدرين، أو يكون أحدهما ملفوظا، والآخر مقدرا.
مثال ذكرهما: ما تقدم.
ومثال تقديرهما: قوله جل من قائل: (ولا تقربوهن حتى يطهرن) أي:
стр. 388
فإذا طهرن فلا جناح عليكم في قربانهن.
ومثال النطق بالوصف، وتقدير الحكم: قوله جل من قائل: (إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) أي: فلا شيء لهن في الأولى، وفي الثانية عند الإمام مالك ﵀ ولهن الصداق كاملا في الثانية عند الإمام الشافعي ﵀ .
ومثال عكسه: قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للأعرابي: " أعتق رقبة " (١) قال ابن الحاجب ﵀ : كأنه قال: إذا واقعت فكفر.
وقوله: ﵀ : ملفوظين، يحترز به من المستنبطين، وذلك على ثلاثة أوجه، لأنهما إما أن يستنبطا معا، أو يذكر أحدهما ويستنبط الآخر.
فإن كانا مستنبطين معا، فليس بإيماء اتفاقا.
وإن استنبط أحدهما ونص الآخر، فإن كان المنصوص الوصفَ، وكان الحكم مستنبطا، كاستنباط صحة البيع من حليته في قوله جل من قائل: (وأحل الله البيع) فقد اختلف في كون ذلك إيماء، ورجح الهندي ﵀ أنه إيماء، لأن الصحة لازمة للحل، إذ لولا الصحة لم يكن للإحلال فائدة.
وظاهر التاج ﵀ تضعيفه.
وإن كان المنصوص الحكمَ، وكان الوصف مستنبطا، كاستنباط علية الاقتيات والادخار في تحريم الربا المنصوص، فليس بإيماء، قيل: اتفاقا، وقيل على الخلاف الآنف الذكر في عكسه، واستبعده الهندي ﵀ واستبعاده إياه وجيه.
وقوله ﵀ : دون خلف، يعني في كونه إيماء.
كذا إذا سمع وصفا فحكم .........................
معناه أن من صور الإيماء أيضا، أن يحكم صلى الله تعالى عليه وسلم بحكم عند سماع وصف، كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم - بعد قول الأعرابي: واقعت أهلي في نهار رمضان -: " أعتق رقبة ".
стр. 389
قال في رفع الحاجب: فإن قلت: يحتمل أن يكون ابتداء كلام، أو جواب سؤال، أو زجرا للسائل عن الكلام، كقول السيد لعبده - إذا سأله عن شيء -: اشتغل بشأنك.
قلت: غلبة الظن بالتعليل قائمة، من غير التفات إلى هذه الاحتمالات، وأيضا فكان يلزم خلو السؤال عن الجواب، وتأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن الغالب أن السائل إنما سأل عن حاجته اهـ
وذكره في الحكم وصفا قدَ اَلم
إن لم يكن علته لم يفد .............................
معناه أن من الإيماء أيضا: أن يذكر الشارع في الحكم وصفا، لو لم يكن لكونه علة في الحكم، لكان ذكره لغوا، كحديث النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين، (١) فذكر مدافعة الأخبثين، لو قدر أن المدافعة غير علة للنهي عن ملابسة الصلاة، غير مفيد.
ومنه سؤاله عن وصف للمستفتى عنه، فإذا أخبر عنه، حكم بحكم، كسؤالهم عن شراء الرطب بالتمر، فقال: " أينقص الرطب إذا جف؟ " قالوا: نعم، فنهى عنه، (٢) فكأنه قال: لا يجوز، لأنه ينقص إذا جف.
ومنه أن يسأل عن حكم، فيتعرض لنظيره، وينبه على وجه الشبه بينه، وبين المسؤول عنه، فيفيد أن وجه الشبه هو العلة، كحديث الخثعمية - رضي الله عنها -.
ومنعَه مما يفيت ...........
معناه أن من الإيماء أيضا: منع المكلف من الاشتغال بفعل، يفيت عليه أمرا تقدم وجوبه، فهو إيماء إلى أن علة ذلك النهي، كونه مانعا من الإتيان بذلك الواجب، كقوله جل من قائل: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع).
استفد
стр. 390
ترتيبه الحكم عليه ......... ..........................
معناه أن من صور الإيماء أيضا: ترتيب الحكم على الوصف، نحو: " القاتل لا يرث " (١).
واتضح … تفريق حكمين بوصف المصطلح
أو غاية، شرط، أو استثناء ................................
معناه أن من الإيماء أيضا: التفريق بين حكمين بوصف، أو غاية، أو شرط، أو استثناء.
مثال الوصف: التفريق بين المحصنات وغير المحصنات في الحد، فهو يقتضي علية عدم الحرية في التشطر، ولولا ذلك لم يكن لذكر الوصف فائدة.
وكذا التفريق بين الرجل والمرأة في الشهادة.
والتفريق بين الحر والعبد في الإرث.
ومثال التفريق بالغاية: قوله جل من قائل: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) إلى قوله جل من قائل: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فتفريقه بين وجوب قتالهم، والكف عنه، بإعطاء الجزية، لو لم يكن لعلية بذل الجزية للكف، لكان بعيدا.
ومثال التفريق بالشرط: حديث مسلم " فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد " فالتفريق في منع الفضل بين اختلاف الأجناس واتحادها، لو لم يكن لعلية الاختلاف للجواز، لكان بعيدا.
ومثال الاستثناء: قوله جل من قائل: (ولا تقولن لشايء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله) فالتفريق بين الإذن في قوله: فاعل ذلك غدا، والنهي عنه، بالتقييد بالمشيئة، لو لم يكن لعلية التقييد بالمشيئة للجواز، لكان بعيدا.
وصور الإيماء لا تدخل تحت الحصر.
تناسب الوصف على البناء