فتح الباقي على منظومة المراقي
تأليف: محمد بن محمد محمود بن محمد المصطفى بن ديَّ اليعقوبي الأعمامي
стр. 2
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فقد طلب مني نفر من طلبة العلم، أن أشرح لهم منظومة جدنا السيد، البركة، الإمام، الحجة، شيخ الشيوخ، وعمدة ذوي الرسوخ، شمس الدين، مولاي سيدي: عبد الله بن الحاج إبراهيم بن الإمام العلوي ﵏ أجمعين ـ فأردت أن أجيبهم إلى ذلك، رغم ما أعلمه من قصر الباع، ودواعي الامتناع، مستعينا بالله لا رب سواه، ولا فاعل غيره.
وقد رجعت في هذا الشرح الوجيز، والتعليق المقتضب، إلى شرح الشيخ الناظم ﵀ فهو علق نفيس، جمع فيه ما تدعو الحاجة إليه في تعلم هذا الفن، مع زيادة فوائد حسنة جدا، وكأنما عناه بقوله في النظم:
أنهيت ما جمعه اجتهادي … وضربي الاغوار مع الأنجاد
مما أفادنيه درس البرره … مما انطوت عليه كتْب المهره
كالشرح للتنقيح والتنقيح … والجمع والآيات والتلويح
مطالعا لابن حلولو اللامعا … مع حواش تعجب المطالعا
وهو حري أن ينشد فيه قول ابن بري ـ رحمهما الله :
أوردت ما أمكنني من الحُجج … مما يقام في طلابه حِجج
وإلى شرح الشيخ آب ﵀ فهو أحسن الشروح اختصارا للأصل، وأبينها عبارة، وأنفعها للمبتدئين.
وإلى شرح الشيخ اباه ـ حفظه الله فقد تضمن نقولا مفيدة حسنة، لا غنى عنها، تفرد بها عن سائر الشروح، كما اعتنى بالتصحيح والمقابلة بين النسخ، وتوثيق المادة، وذلك مقصد عظيم الأهمية، وكما يعتبر شرحه شرحا للمراقي، يعتبر أيضا حاشية على شرح المؤلف.
стр. 3
ورجعت كذلك إلى تنقيح الفصول في اختصار المحصول، وشرحه لمؤلفه، شهاب الدين أحمد ابن إدريس القرافي ﵀ لكونه من أهم مدارك الشيخ، في المراقي والنشر معا.
وإلى كتاب الإشارة للقاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي ﵀ .
وإلى حاشية الشيخ الطاهر بن عاشور ﵀ على التنقيح، فقد تضمنت تحريرات حسنة، في مواضع كثيرة.
وإلى إرشاد الفحول للشوكاني ﵀ فهو من أكثر الكتب المختصرة في هذا الفن استيعابا للأقوال.
وربما رجعت لمقتض إلى غير هذه الكتب، كإبهاج التاج على المنهاج، ورفع الحاجب له على مختصر ابن الحاجب، والبحر المحيط، وغيرها.
وقد سميت هذا التقييد الميمون، بفتح الباقي، على منظومة المراقي.
وسأشرحه ـ إن شاء الله إذا تفرغت بأوفى من هذا.
والله وحده المستعان، وعليه وحده التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله تعالى وسلم وبارك على سيدنا، وشفيعنا، وحبيبنا، وقرة أعيننا، محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
محمد بن محمد محمود بن محمد المصطفى بن دي.
محروسة كيف غرة شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين.
стр. 4
قال الناظم ﵀ :
يقول عبد الله وهو ارتسما … سُمى له والعلوي المنتمى
الحمد لله على ما فاضا … من الجدا الذي دهورا غاضا
وجعل الفروع والأصولا … لمن يروم نيلها محصولا
وشاد ذا الدينَ بمن ساد الورى … فهْو المجلِّي والورى إلى ورا
محمد منوِّر القلوب … وكاشف الكرب لدى الكروب
صلى عليه ربنا وسلما … وآله ومن لشرعه انتمى
هذا وحين قد رأيت المذهبا … رجحانُه له الكثير ذهبا
وما سواه مثل عَنْقا مُغْرِب … في كل قُطر من نواحي المغرب
أردت أن أجمع من أصوله … ما فيه بُغية لذي فصوله
منتبذا عن مقصدي ما ذُكرا … لدى الفنون غيره محررا
سميته مراقي السعود … لمبتغي الرقي والصعود
أستوهب الله الكريم المددا … ونفعه للقارئين أبدا
قوله: ارتسمى معناه: ثبت، وسمى: مثلث السين لغة في الاسم، والاسم يطلق في مقابلة الفعل والحرف، فيتناول الأسماء كلها، ويطلق في مقابلة الكنية واللقب، ويراد به ما وضع علما للشيء وضعا أوليا، وما وضع له بعد ذلك، ينظر فإن دل على ذم أو مدح، فهو اللقب، وإن تصدر بابن، أو أب، أو بنت، أو أخ، أو نحو ذلك، فهو كنية.
وقوله: وهو ارتسما سما له، معناه أن عبد الله اسم علم له، كما أنه صفة له كغيره، دفع بهذا توهم عدم الاسمية، وأنه إنما أراد الوصف.
قوله والعلوي: نسبة إلى علي بن أبي طالب أو علي آخر من ذريته، كما قال الناظم ـ رحمه الله تعالى ـ.
والحمد: المدح والثناء، وفاض فَيضا وفُيوضا وفَيَضانا: جرى وتدفق، وفي نسخة: أفاض، بهمزة التعدية.
والجدا ـ بفتح الجيم مع القصر والمد ـ: النفع والعطاء، من جداه جَدْوا، والجداء بضم
стр. 5
الجيم: نتيجة الضرب، يقال: ثلاثة في أربعة، جداؤها: اثنا عشر.
والدهور: جمع دهر، ويجمع في القلة على أدهر، يطلق على الزمان قصر أو طال، وعلى الزمان الطويل خاصة، وهو المراد هنا، ويطلق على الدنيا كلها، ويطلق على النازلة.
وغاض غَيْضا ومَغاضا ومَغيضا: نقص، والفروع: جمع فرع، والأصول: جمع أصل، والفرع لغة: أعلى الشيء، والأصل خلافه، ومنه قوله جل من قائل: (أصلها ثابت وفرعها في السماء) والفرع في المسائل ما بني على غيره، بأن كان مقيسا عليه ـ مثلا ـ أو مدلولا له، والأصل خلافه أيضا.
ويروم: مضارع رام الشيء روْما ومراما: قصده وطلبه، ويأتي بمعنى زال، رَيْما ورَيَمانا، يقال: لم يرم يفعل كذا.
والنيل بفتح النون: مصدر نال مطلوبه إذا أصابه، ومحصولا معناه حاصلا، يقال: محصول كذا أي: حاصله.
وشاد: من شاد البناء شَيدا إذا رفعه، والدين: الملة، وساد: فعل من السيادة، وهي الشرف والرفعة، والورى: الخلق، والمجلي: السابق في الميدان، ووراء بمعنى خلف، ويستعمل أيضا بمعنى أمام.
والمحمد في الأصل: الذي كثرت محامده، قال:
إليك أبيت اللعن أعملتُ ناقتي … إلى الماجد القرم الكريم المحمد
والمنور: اسم فاعل من نور تنويرا إذا أضاء، والكروب جمع كرب: الحزن والغم يأخذ بالنفس.
والصلاة من الله على رسوله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ قيل: زيادة تشريفه ورفع درجته، وقيل: ثناؤه عليه بالملإ الاعلى.
والرب: المالك، والسلام: التحية والأمن، وآل النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ هنا: قرابته، بقرينة قوله: ومن لشرعه انتمى، والشرع: الدين.
وهذا: كلمة ينتقل بها من مقام إلى مقام، والمذهب: الطريق، وأل فيه للعهد، أي: مذهب الإمام مالك ﵀ .
والرجحان: مصدر رجح، كالرجوح، والمراد قوته، وظهور مداركه، وعنقا مغرب: طائر
стр. 6
وهمي، يقال في الإخبار على عدم الشيء يقال: حلقت به في الجو عنقاء مغرب، والبغية: الحاجة المطلوبة.
والمراد بذي الفصول: الفروعي، ومنتبذا: اسم فاعل من انتبذ، يقصد تاركا. والمقصد: مصدر ميمي، ومحررا: اسم فاعل من حرره تحريرا إذا ضبطه وهذبه، وهو حال من فاعل أجمع في قوله: أن أجمع من أصوله.
والمعنى أنه ترك ـ عن قصد ـ الكلام على الفصول التي جرت عادة بعض أهل الفن بذكرها، مع أنها من علوم أخرى، كمعاني الحروف، وأنواع الدلالة.
والمراقي: جمع مرقاة، وهي الآلة التي يصعد بها، والسعود: جمع سعد، وهو اليمن والبركة، نقيض النحس.
وأستوهب: فعل مضارع من استوهب الشيء استيهابا، إذا طلب أن يوهب له. والمدد: العون، والمراد بالقارءين: الدارسون، والأبد: الزمن الذي ليس بمحدود، وفي المثل طال الأبد على لُبَد، يضرب لكل ما تقادم عهده، ومرت عليه أزمنة كثيرة.
ترجمة الناظم
هذا وقد كنت ذكرت في مصعد الراقي ترجمة مختصرة للشيخ الناظم ﵀ وسأنقلها هنا ـ مع تصرف ـ تبركا بها وتيمنا، فأقول:
ولد الشيخ ﵀ عام ١١٥٢ هـ كما في حوليات تججكه (١).
وأخذ عن طائفة من أهل العلم ببلاده، منهم سيدي مولاي المختار بن بونا الجكني ﵀ (٢) ومولاي سيدي عبد الله (٣) بن الفاضل اليعقوبي ﵀ سبحانه
стр. 7
وتعالى ـ.
ورحل إلى المغرب، وعمره نحو الثلاثين.
وذكر في الدر الخالد أنه مكث فيه سبع سنين، وقال: الغالب عليه الفاسان: الجديد، والبالي، ومراكُش، وهي التي أخذ فيها عن بناني اهـ
وممن تتلمذ عليهم من أهل العلم بالمغرب، سيدي محمد التاودي بن سودة ـ رحمهما الله .
стр. 8
وسيدي عمر الفاسي ﵀ ذكره في نشر البنود مستهل مسألة القوادح.
والشريف الحسيني: سيدي عبد الله بن مولاي إدريس ـ رحمهما الله ذكره في نيل النجاح.
كان من خاصة السلطان سيدي محمد الثالث بن عبد الله بن إسماعيل ـ رحمهما الله .
رحل إلى الحج من هناك مع ابن الأمير: مولاي اليزيد ـ رحمهما الله ودخل في رحلته الأزهر الشريف، كما في شرحه لرشد الغافل.
ومر في رجوعه بتلمسان، كما في شرحه لنظم الأربعين سادة.
كان رجوعه إلى بلاد شنقيط عام ١١٩٠ هـ كما في حوليات تججكه، وعمره يومئذ ثمانية وثلاثون سنة، وعاش بعد ذلك نحو اثنين وأربعين عاما، تخرج به فيها خلائق لا يحصون من أهل العلم والصلاح الظاهر، ورفعت إليه النوازل من البلاد البعيدة، وأذعن لإمامته في العلم، والتربية، والفتوى عامة أهل قطره، برهم وفاجرهم، وقصته مع جدنا مولاي الولي الشهير، والعالم الكبير، ذي البركات الظاهرة، والخوارق الباهرة، مولاي الشريف: سيدي أحمد الولي (١) بن مولاي إدريس العلَمي ـ رحمهما الله قصة عجيبة،
стр. 9
دالة على أنه من كبار المكاشفين.
ألف ﵀ تآليفه التي تلقاها الناس بالقبول، في علوم شتى.
ومن أولها: نَوْر الآقاح، أتمه بتججكه أواخر جمادى الأخيرة عام ١١٩١ هـ
ثم طرد الضوال والهمل الذي أتمه أواخر جمادى الأخيرة من العام الموالي.
ثم فيض الفتاح على نَوْر الآقاح، الذي شرع فيه في صفر الخير، عام ١١٩٤ ه
стр. 10
وأتمه في رجب عام ١١٩٨ هـ بتججكه.
ثم روضة النسرين في الصلاة على النبي الأمين ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ.
ثم شرحه: يسر الناظرين، وقد أتمه عام ١٢٠١ هـ
ثم شرع في هدي الأبرار في تلك السنة، منتصف شعبان، وأتمه عام ١٢٠٥ هـ
ولم أقف على تاريخ نظمه لطلعة الأنوار.
وقد اشتغل بنيل النجاح عام ١٢٠٣ هـ أثناء اشتغاله بهدي الأبرار.
ولم أقف على تاريخ نظمه لنيل النجاح.
واشتغل قبل إتمامه لنيل النجاح بمراقي السعود، حيث أتم نظمه ١٢٠٦ هـ
وبشرحه نشر البنود الذي ابتدأه عام ١٢٠٧ هـ ولم يكمله إلا عام ١٢١٤ هـ
ثم أتم نيل النجاح عام ١٢٢٣ هـ
ثم أتم شرحه لرشد الغافل عام ١٢٢٤ هـ
ولم أقف على تاريخ نظمه لرشد الغافل.
ومن مؤلفاته كذلك شرح لأسماء الله تعالى الحسنى، وقد نظمه شيخ شيوخنا الصالح الشهير والفقيه الحجة لمرابط السالم (١) بن إسلمو الأبياري ﵀ .
ومن مؤلفاته نظم في القراآت الثلاث.
ومن مؤلفاته رسالة في نسب قبيلتي إيدوعلي والأقلال، ولم أتمكن من الوقوف عليها.
وقد جمعت فتاويه، فجاءت في جزء غزير العلم، عظيم الفائدة، تلقاه أهل العلم
стр. 11
بالقبول، وتعاطوه بالنظم، والشرح.
ولا أعرف تاريخ جمعها، ويظهر من تتبعها أن جمعها تم في مراحل، ولا أستبعد أن يكون البعض منها جمع في حياة الشيخ ﵀ لتكرر العزو إليها في نوازل القصري ـ رحمهما الله المتوفى عام ١٢٣٥ هـ
توفي الشيخ ﵀ عام ١٢٣٣ هـ كما قال الفقيه الأديب باب ابن أحمد بيب العلوي ﵀ :
عام ثلاث وثلاثين سنه … القبة الزهراء صارت مدفنه
وذكر في الدر الخالد أن ذلك وقت المغرب ليلة الجمعة الثامن والعشرين من ربيع الثاني.
المقدمة:
بفتح الدال من قدم الشيء: ضد أخره، وبكسرها من قدم بين يديه بمعنى: تقدم.
وهي نوعان:
مقدمة كتاب، وهي ما يذكر أوله غالبا، لبيان مصطلحه ـ مثلا ـ كمقدمة خليل ﵀ في مختصره.
ومقدمة علم، وهي: ما يذكر فيه حده ـ مثلا ـ ونحوه من المبادئ، كهذه المقدمة.
أول من ألفه في الكتب … محمد بن شافع المطلبي
وغيره كان له سَلِيقه … مثل الذي للعُرْب من خَليقه
قوله: أول من ألفه البيت، معناه أن أول من ألف في علم الأصول، هو الإمام الشافعي ﵀ وهو محمد بن إدريس، بن عباس، بن عثمان، بن شافع.
وذلك في كتاب الرسالة الذي وضعه لما بعث إليه عبد الرحمن بن مهدي ﵀ يسأله أن يضع له كتابا يذكر فيه معاني القرآن، وشروط الأخبار، وأشياء
стр. 12
من هذا القبيل.
وكان قبل ذلك سليقة للناس، كالنحو والبلاغة وغيرهما، كما أشار إليه ﵀ بقوله: وغيره كان له سليقة البيت.
والسليقة والخليقة مترادفان، معناهما: الطبيعة، وهي الأمر المركوز في الإنسان.
وذلك أن أكثر هذا العلم ـ أو كثير منه ـ عائد إلى مسائل اللسان، كمباحث الألفاظ، وقد كانت قواعد اللسان مركوزة في طبائعهم، ككل لسان للمولود بين أهله، ولم تدون قواعده حتى دخل العجم في الإسلام، فدخل على الناشئة من العرب اللحن من قبلهم، وما سوى ذلك من قواعده ما بين عقلي، وشرعي، قريب من البدهي عند الممارسين، كشروط الأخبار.
الاحكام والأدلة الموضوعُ … وكونه هذي فقط مسموع
معناه أن موضوع علم أصول الفقه، هو أدلة الأحكام، التي هي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، لأنه يبحث فيه، عن العوارض اللاحقة لها، من كونها عامة أو خاصة، أو مطلقة، أو مقيدة، أو ناسخة أو منسوخة، أو محكمة، أو مجملة، أو ظاهرة، أو نصا، ونحو ذلك، وهذه الأشياء هي مسائل الفن.
وموضوع الفن: هو ما يبحث فيه عن أعراضه الذاتية، كبدن الإنسان بالنسبة لعلم الطب، والمراد حملها على نوع من أنواعه، كقولنا: الإجماع القطعي حجة قطعية، أو على أعراضه، كقولنا: الأمر للوجوب، فالأمر من عوارض النص الذي هو نوع من أنواع الأدلة، أو على أنواع أعراضه، كقولنا: الأمر المقيد ليس أمرا بتحصيل ما قيد به، فالأمر المقيد نوع من أنواع الأمر.
وقيل: موضوعه الأدلة والأحكام معا، إذ يبحث فيه أيضا عن أعراض الحكم، كانقسام الأمر إلى عيني وكفائي، ونحو ذلك، والأول رأي الأكثرين.
أصوله دلائل الإجمال … وطُرُق الترجيح قَيْد تال
وما للاجتهاد من شرط وَضَح … ويطلق الأصل على ما قد رجح
قوله: أصوله دلائل الإجمال، معناه أن أصول الفقه هي أدلته الإجمالية، أي: مسائل
стр. 13
أدلته الإجمالية، وطرق الترجيح، وشروط المجتهد.
والدليل سيأتي أنه: ما يتوصل بصحيح النظر فيه، إلى مطلوب خبري.
والإجمالية: خلاف التفصيلية، من أجمل الشيء إذا جمعه.
قال في الإبهاج: والمراد بالإجمالية: كليات الأدلة، فإن (أقيموا الصلاة) و (لا تقربوا الزنا) (اقتلوا المشركين) ونهيه صلى الله تعالى عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، (١) وإطلاق الرقبة في موضع، وتقييدها بالإيمان في موضع، وصلاته صلى الله تعالى عليه وسلم في الكعبة، (٢) وإجمال الصلاة في الآية المذكورة، وبيان جبريل ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ لها، (٣) ونسخ التوجه إلى بيت المقدس، والإجماع على أن بنت الإبن لها السدس، وخبر ابن مسعود ـ رضي الله في ذلك، (٤) وقياس الأرز على البر، ومرسل سعيد بن المسيب ـ رضي الله عنهما ـ في النهي عن بيع اللحم بالحيوان، (٥) وقول عثمان ـ رضي الله عنه ـ في بيع الفراء، والمصلحة المرسلة في التترس، والأخذ بالأخف في دية اليهودي، والاستحسان في التحليف على المصحف، ونحو ذلك كلها أدلة معينة، وجزئيات مشخصة، والعلم بها ليس من أصول الفقه في شيء، وإنما هي وظيفة الفقه، ولهذه الأدلة وأمثالها كليات، وهي مطلق الأمر، والنهي، والعموم، والخصوص، والإطلاق، والتقييد، والفعل، والإجمال، والتبيين، والنسخ، والإجماع، وخبر الواحد، والقياس، والمرسل، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والأخذ بالأخف، والاستحسان عند من يقول به.
وهذه الكليات داخلة في الجزئيات، فإن الكلي الطبيعي موجود في الخارج، وفي الذهن، في ضمن مشخصاته، ففي الأدلة اعتباران:
стр. 14
أحدهما من حيث كونها معينة، وهذه وظيفة الفقيه، وهي الموصلة القريبة إلى الفقه، والفقيه قد يعرفها بأدلتها إذا كان أصوليا، وقد يعرفها بالتقليد.
والاعتبار الثاني من حيث كونها كلية، أعني يعرف ذلك الكلي المندرج فيها، وإن لم يعرف شيئا من أعيانها، وهذه وظيفة الأصولي.
فمعلوم الأصولي الكلي، ولا معرفة له بالجزئي من حيث كونه أصوليا.
ومعلوم الفقيه الجزئي، ولا معرفة له بالكلي من حيث كونه فقيها، ولا معرفة له بالكلي إلا لكونه مندرجا في الجزئي المعلوم، وأما من حيث كونه كليا فلا.
فالأدلة الإجمالية هي الكلية، سميت بذلك لأنها تعلم من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل، وهي توصله بالذات إلى حكم الإجمالي، مثل كون كل ما يؤمر به واجبا، وكل منهي عنه حراما، ونحو ذلك، وهذا لا يسمى فقها في الاصطلاح، ولا توصل إلى الفقه بالتفصيلي، وهو معرفة سنية الوتر، أو وجوبه، وبطلان بيع الغائب أو صحته ـ مثلا ـ إلا بواسطة.
ثم معرفة الأدلة من حيث كونها أدلة، لا بد معه من كيفية الاستدلال، (١) ومعظمها يذكر في باب التعارض والترجيح، فجعلت جزءا آخر من أصول الفقه، لتوقف الفقه عليها.
وليس كل أحد يتمكن من الاستدلال، ولا يحصل له الفقه بمجرد علم تلك الأدلة وكيفية الاستدلال، لأنها أدلة ظنية، ليس بينها وبين مدلولاتها ربط عقلي، فلا بد من اجتهاد يحصل به ظن الحكم، فالفقه موقوف على الاجتهاد، والاجتهاد له شروط يحتاج إلى بيانها، فجعلت جزءا ثالثا من أصول الفقه، لتوقف الفقه عليها اهـ بخ
وعرفه ابن الحاجب ﵀ بأنه العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية اهـ
وقد اعترض الإضمار في قول بعض المؤلفين: أصوله، لأن أصول الفقه ـ علما ـ مفرد،
стр. 15
والمفرد لا معنى لبعضه حتى يضاف، فأصول من قولنا: أصول الفقه ـ علما ـ كالباء من بكر، كما هو قول الأخضري:
مستعمل الألفاظ حيث يوجد … إما مركب وإما مفرد
فأول ما دل جزؤه على … جُزُء معناه بعكس ما تلا
قوله: ويطلق الأصل على ما قد رجح، هو من تتمة الكلام على كلمة أصول، فكلمة أصول الفقه لها تفسيران: تفسيره مركبا إضافيا، وتفسيره علما للفن.
أما معناه في العلمية، فهو المشار إليه بقوله: أصوله دلائل إلخ.
وأما معناه قبل العلمية، فهو مركب من كلمتين: أصول، وفقه.
أما الأصول فجمع أصل، وهو كما أسلفنا أساس الشيء، ومبناه، وأول أمره، وذكر بعضهم أن معناه في الاصطلاح الأمر الراجح، وهو ما أراد المؤلف ﵀ هنا، ومثلوا لهذا بقولهم: الأصل براءة الذمة، وعدم المجاز عند الإطلاق، وإبقاء ما كان على ما كان، وطهارة الأعيان.
وليس ببين عندي تعين الراجحية في معنى الأصل في هذه المواضع، فما المانع من القول بأن الأصل في هذه المواضع، بمعنى أول أمر الشيء، والسابق منه، في الوضع أو الحكم؟
والفرع حكم الشرع قد تعلقا … بصفة الفعل كندب مطلقا
لما تكلم على الأصل، ناسب أن يتكلم على الفرع، فقال: والفرع البيت.
والأوضح ـ إن شاء الله أن الفرع واحد الفروع، وأن الفروع هي الفقه، فيغني عن الكلام عليه، الكلام على الفقه، الذي هو علم، ويعرف من تعريف الفقه الذي هو صفة للمجتهد، المذكور في قول المؤلف ﵀ : والفقه هو العلم إلخ.
وكأنهم لم يتكلموا على الفرع في الاصطلاح، لأنه معلوم من قولنا أصول الفقه، وذلك هو قول سيدي خليل ﵀ : لعدم اطلاعي في الفرع على أرجحية منصوصة.
وقد عقد الشيخ بهذا البيت كلاما للإمام اللقاني ـ رحمهما الله عند
стр. 16
النص المذكور.
قال العدوي ﵀ : الفرع هو الحكم الشرعي المتعلق بكيفية عمل، قلبي كالنية، أو غير قلبي كالوضوء، كما قال الناصر اللقاني ﵀ .
وأراد بالحكم: النسبة التامة، وهي الوقوع، واللاوقوع، أعني وقوع ثبوت المحمول ـ الذي هو كيفية العمل ـ للموضوع، كقولك: النية واجبة، فالحكم هو وقوع ثبوت الوجوب، الذي هو كيفية النية، التي هي العمل.
وقولنا: النية في الأذان غير واجبة، الحكم فيه هو انتفاء ثبوت الوجوب، الذي هو كيفية عن النية، فمعنى تعلق الحكم الذي هو وقوع النسبة التامة أنه وقع ثبوت تلك الكيفية لذلك العمل أو لم يقع، وهذا ما أفاده بعضهم.
ويصح أن تقول: الحكم هو ثبوت الوجوب الذي هو كيفية العمل اهـ
وهذا تعريف الحكم على اصطلاح الفقهاء، كما سياتي قريبا ـ إن شاء الله في الكلام على معنى الحكم، لأن الحكم بالمعنى الآخر إنشاء.
وأيضا الفرعية لا يليق وصف الخطاب بها.
وقول البيضاوي ﵀ في المنهاج: والحكم متعلق بفعل العبد، لا صفته كالقول المتعلق بالمعدومات اهـ
لفظ " صفته " فيه، مرفوع بالعطف على متعلق، وليس معطوفا على " فعل " (١).
ومراده أن الحكم قول متعلق بفعل العبد، وليس صفة له، ومراده: الرد على المعتزلة في اعتراضهم بأن خطاب الله قديم عندنا، والحكم يكون صفة لفعل العبد، حيث يقال: هذا الفعل حلال.
قال التاج السبكي ﵀ سيحانه وتعالى ـ في شرحه: هذا جواب عن قوله: ويكون صفة لفعل العبد، فأجاب بأن الحكم قول متعلق بالفعل، لا صفة للفعل، لأن معنى الإحلال قول الله : رفعت الحرج عن فاعله، وهذا القول صفة لله ـ سبحانه
стр. 17
وتعالى ـ قائم بذاته، متعلق بغيره، لا صفة، كالقول المتعلق بالمعدومات إذا أخبرت عنها ـ مثلا ـ فليس القول صفة لها، وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم، وأما كون القديم متعلقا بالحادث فلا يمتنع اهـ
والفقه هو العلم بالأحكام … للشرع والفعل نماها النامي
أدلة التفصيل منها مكتسب … والعلم بالصلاح في ما قد ذهب
فالكل من أهل المناحي الاربعه … يقول: لا أدري، فكن متبعه
الفقه: العلم، أو جودته، وفقه ـ بالكسر ـ فَقَها ـ بفتحتين ـ وفقها ـ بالسكون ـ فهو فقِه ـ كفرح ـ: فهِم بعد جهل.
وفقَه صاحبَه ـ بالفتح ـ فَقْها ـ بالسكون ـ فهو فاقه: غلبه في العلم، وسبقه إلى الفهم. … وفقُه ـ بالضم ـ فقاهة ـ بالفتح ـ فهو فقيه: صار الفقه له سجية، والفقُه ـ كندُس ـ: الذي أصل أمره جودة الفهم، جمعه فِقاه بالكسر.
والحكم في العرف العام: إثبات أمر لآخر، أو نفيه عنه، ويختلف تعريفه في ما بعد ذلك باختلاف الاصطلاحات، ومن معانيه عند الفقهاء الفرع كما تقدم، ويطلق عندهم أيضا على قضاء القاضي.
وأشار بالبيتين إلى معنى الفقه اصطلاحا، الذي هو الجزء الثاني من المركب الإضافي، فذكر أنه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية.
وأرورد على التعبير بالعلم، أن أكثر الفقه ظنون، فالأولى أن يقال: العلم أو الظن.
وأجاب عن ذلك، إمام الحرمين ﵀ وغيره بأن العلم واقع في كل حكم بالعلم بوجوب العمل به.
قال في رفع الحاجب: وأشهر ما اعترض به على الحد: أن الفقه من باب الظنون، فكيف قيل فيه: العلم؟
وهو مشكل، أورده شيخ الجماعة، ومقدم الأشاعرة: القاضي أبو بكر ﵀ والتزم لأجله جماعة العناية بالحد، فقالوا: المراد بالعلم: الإدراك.
وقيل: الصواب أن يقال: العلم أو الظن.
стр. 18
والجواب عن السؤال: ما ذكره الإمام ﵀ في المحصول، من أن المجتهد إذا غلب على ظنه مشاركة صورة لصورة في مناط الحكم، قطع بوجوب العمل، فالحكم معلوم، والظن وقع في طريقه.
وسنوضح ذلك بترتيب خاص، فإن أصحاب الإمام لم يقنعوا منه بهذا الجواب، وزعموا السؤال باقيا.
فنقول: إذا ظننا شتاء، لظننا أيام الشتاء نزول المطر ـ إذا رأينا الغيم المطبق الرطب قد أرخى أهدابه ـ فنزول المطر غالب على عدم نزوله، وهذا ظن، ثم نحن واجدون من أنفسنا أنا عالمون بظننا، وهذا علم وجداني بالظن، والمطر يجوز أن ينزل، وأن لا ينزل حال ظننا، وأما نحن فلا يجوز أن نظن حال ظننا.
وكذا إذا قال لزوجته: متى ظننت أني طلقتك طلقة، فأنت طالق ثلاثا، فظنت أنه طلقها طلقة، طلقت ثلاثا قطعا.
فهذا حكم معلوم قطعا، والظن وقع في طريقه.
وكذلك المجتهد إذا ظن حكما من الأحكام العملية، وجب عليه العمل بمقتضى ظنه قطعا، علم ذلك بالضرورة من استقراء الشرع، والظن واقع في طريقه كما ذكرنا في المرأة.
وعند هذا نقول: إذا ظن الإمام الشافعي ﵀ حل لعب الشطرنج، فإن حله في حقه معلوم قطعا، لأنه مظنون الحل عنده ـ وذلك وجداني ـ وكل ما ظن حله، فهو حلال في حقه قطعا، والظن لم يكن في هذا الدليل مقدمة من المقدمتين، وإنما وقع في طريق الدليل، حيث كان معلوما بالوجدان.
والذين ردوا الجواب، ظنوا الظن أحد المقدمتين، وهو غلط.
فإن الظن لم يكن مقدمة، بل كان متعلق الوجدان.
وظنوا أن مستند المقدمة الثانية الإجماع، فأوردوا على الإمام أن الإجماع عنده ظني.
والإمام لم يذكر أن مستنده الإجماع، وإنما مستنده الاستقراء، قاله الشيخ صدر الدين ابن المرحل ﵀ .
وذكر أن شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقي الدين بن دقيق العيد ﵀ سبحانه
стр. 19
وتعالى ـ كان ممن يظن بطلان الجواب، ويقول: متعلق الظن مظنون قطعا، كما أن متعلق العلم معلوم قطعا، فيستحيل أن يكون معلوما مظنونا.
قال: وجوابه: أن نتيجة الأدلة الأصولية هو الظن، ففي ذلك الوقت ـ وهو الوقت الأول ـ هو مظنون، ثم إذا صار مظنونا، وجب العمل به، ووجوب العمل به معلوم في الوقت الثاني، وهما غيران: الأول منهما مظنون، والثاني معلوم.
إلى أن قال: وجواب الإمام الرازي ﵀ مسبوق إليه، فإن إمام الحرمين ﵀ ذكره، حيث قال:
جواب السؤال: ليست الظنون فقها، إنما الفقه العلم بوجوب العمل عند قيام الظنون، فأخذه الإمام الرازي وبسطه اهـ بخ …
وقال في الإبهاج: مضمون هذا الجواب أن الفقه كله قطعي، لا ظني، وهذه المقالة تنسب إلى أكثر الأصوليين، وحاصل كلامهم ومداره ما قاله المصنف ﵀ .
وتقريره بالمثال أن نقول في الوتر ـ مثلا ـ: الوتر يصلى على الراحلة، فهو سنة، فالوتر سنة، والمقدمة الأولى ثابتة بخبر الواحد، والثانية بالاستقراء، وهما لا تفيدان إلا الظن، فالنتيجة ظنية، لتوقفها على الظن، وهذا الظن الذي أراده المصنف بقوله: والظن في طريقه. وأكثر الناس إذا وصلوا إلى هذه النتيجة، وقفوا عندها، واعتقدوا أنها الفقه، وهو الظاهر من اصطلاح الفقهاء، وعليه بنى السائل سؤاله، والأصوليون لم يقفوا عند ذلك، لأن الظن لا يجوز اعتماده حتى يدل عليه دليل، فنظروا وراء ذلك، وقالوا: لما حصلت هذه النتيجة ـ وهي اعتقاد كون الوتر سنة ظنا ـ ركبنا قياسا آخر من مقدمتين هكذا: الوتر مظنون سنيته، وكل مظنون سنيته، فهو سنة في حق من ظنه.
إلى أن قال: وهذا التقرير على حسنه، إنما يفيدنا القطع بوجوب العمل، فلذلك اختار جماعة أن الفقه هو العلم أو الظن، والإنصاف أنهما مقامان:
اعتقاد كون الحكم عند الله كذا لا يمكن دعوى القطع فيه.
واعتقاد وجوب العمل بما ظنه من ذلك، دعوى القطع فيه ممكنة، والفقهاء نظروا للأول،
стр. 20
والأصوليون نظروا للثاني، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولم يتوارد اختلافهما على شيء واحد.
على أني أقول: قولهم: حكم الله في حق كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده، سبيله أنه يجب عليه اتباعه، ودعواهم الإجماع بهذا التفسير صحيح، وبغير هذا التفسير ممنوع، فإذا قلنا: المصيب واحد، والمخطئ معفو عنه، لا يستمر هذا الإطلاق، وإن كان بعضهم قال: إنه يتعين التكليف، ولكن يجب حمله على أنه يأثم بترك ما ظنه واجبا، وبفعل ما ظنه حراما، لجراءته على ربه، بحسب اعتقاده، وأما أن ذلك يصير في حقه كالواجب والحرام في نفس الأمر، فلا يمكن، وإذا ظن زوجه أجنبية، فوطئها يأثم، ولكن أيميز إثمه، أو يساوي إثم الزاني اهـ
ولعل في اندفاع الاشكال بما ذكر، مع قيد الاكتساب من الدليل التفصيلي، نظرا.
وقولهم: بالأحكام، يحترز به كما قالوا عن الذوات، فالتصورات كلها غير فقه.
وقولهم: الشرعية، احتراز من العقلية، كالعلم بامتناع اجتماع النقيضين، والحسية كالعلم بأن النار حارة، والاصطلاحية كالعلم بأن الفاعل مرفوع، فليس شيء من ذلك بفقه. … وخرج بالعملية: العلم بالأحكام الشرعية العلمية، كمسائل الاعتقاد.
وأورد عليه أن من عمل القلب ما هو فقه، كمنع حسد، وعجب، ونحو ذلك.
وعبر الآمدي ﵀ سيحانه وتعالى ـ بدل العملية بالفرعية.
وقولهم: المكتسب، يحترز به عن وجوب الصلاة، والصوم، ونحو ذلك مما هو معلوم من الدين بالضرورة، لأن لفظ الفقه يشعر بالعلم بما فيه دقة، وقيل إن ذلك فقه أيضا.
وقولهم: من الأدلة التفصيلية، يحترز به عن معرفة المقلد بالحكم، سواء كانت علما أو ظنا، فهي مكتسبة من دليل إجمالي، هو أن ما يفتيه به المجتهد، هو حكم الله في حقه.
قوله: والعلم بالصلاح في ما قد ذهب، أشار به إلى أن المراد بالعلم في تعريف الفقه المذكور: الملكة التي يقتدر بها على استنباط الأحكام.
وأشار بهذا لرد ما أورد على التعبير بالأحكام، من أنه إن أريد البعض، أشكل عليه حصول ذلك للمقلد، وإن أريد الجميع، أشكل عليه أن المجمع على فقههم كانوا يجيبون
стр. 21
كثيرا في ما يسألون عنه بلا أدري.
وقال في الإبهاج: الألف واللام في الأحكام للجنس، هذا هو الذي نختاره، والألف واللام الجنسية إذا دخلت على جمع، قيل تدل على مسمى الجمع، ويصلح للاستغراق، ولا يقتصر به على الواحد والاثنين، محافظة على الجمع، والمختار أنه متى قصد الجنس، يجوز أن يراد به بعضه إلى الواحد، ولا يتعين الجمع، كما لو دخلت على المفرد، نعم قد تقوم قرينة تدل على مراعاة الجمع مع الجنس، فيقارب بذلك المفرد على ما قلناه، ويصدق على العلم بحكم مسألة واحدة من الفقه، أنها فقه، ولا يلزم أن يسمى العالم به فقيها، لأن فعيلا صفة مبالغة مأخوذة من فقُه ـ بضم القاف ـ إذا صار له الفقه سجية.
وقال بعضهم إنها للعموم، والمراد: التمكن، أي: يكون له قوة قريبة من الفعل، يصدق عليه بها العلم بجميع الأحكام إذا نظر، كما هي وظيفة المجتهد.
وهذا أحسن في اسم فقيه: اسم الفاعل المقصود به المبالغة، لا في اسم الفقه: المصدر.
وقال بعضهم: إنها للعهد، والمراد جملة غالبة يحكم أهل العرف عندها بصدق الاسم، وهذا ليس بشيء اهـ
وقوله: فالكل من البيت، هو مفرع على ما ذكر قبله، من أن المراد بالعلم في تعريف الفقه: الملكة.
والمناحي: جمع منحاة، تقال على المسيل الملتوي، وعلى طريق السانية.
كلام ربي إن تعلق بما … يصح فعلا للمكلف اعلما
من حيث إنه به مكلف … فذاك بالحكم لديهم يعرف
أشار بهذا إلى تعريف الحكم.
والحكم لغة: المنع والصرف، ومنه الحَكَمَة للحديدة التي في اللجام.
وفي الاصطلاح ذكر الشيخ ﵀ أنه: كلام الله المتعلق بما يصح أن يكون فعلا للمكلف، من حيث إنه مكلف به.
وعدل بقوله: كلام ربي، عما عبر به غير واحد من الخطاب، لما وقع من الخلاف في تسمية كلام الله في الأزل خطابا، فعدل عما اختلف فيه، إلى ما اتفق
стр. 22
عليه.
والتعريف بالخطاب، ذكر في التوضيح أنه منقول عن الإمام أبي الحسن الأشعري ـ رحمهما الله
قال: والفقهاء يطلقونه على ما ثبت بالخطاب، كالوجوب والحرمة مجازا، بطريق إطلاق اسم المصدر على المفعول، كالخلق على المخلوق، لكن لما شاع فيه صار منقولا اصطلاحيا اهـ
واعترض على التعريف المذكور، بأن الحكم المصلح بين الفقهاء، هو ما ثبت بالخطاب، لا نفس الخطاب.
قال: فلا يكون ما ذكر تعريفا للحكم المصطلح بين الفقهاء، وهو المقصود بالتعريف هنا اهـ
وعرفه الزركشي ﵀ في البحر بقوله: خطاب الشرع المتعلق بفعل المكلف بالاقتضاء أو التخيير اهـ
وقوله: إن تعلق بما يصح فعلا للمكلف، احتراز من المتعلق بالذوات، والمتعلق بفعل غير المكلف، والمتعلق بفعل المكلف لا على جهة التكليف به، كالإخبار عن كونه مخلوقا لله في قوله جل من قائل: (والله خلقكم وما تعملون).
وعبر بقوله: بما يصح أن يكون فعلا للمكلف، بدلا من قول بعضهم: بفعل المكلف، لأن التكليف لا يتعلق إلا بمعدوم يمكن تحصيله، والمعدوم ليس بفعل حقيقة.
وهذا التعريف لا يتناول خطاب الوضع، فهو جار على اختصاص الحكم المتعارف بخطاب التكليف.
ومن جعل خطاب الوضع من الحكم المتعارف، زاد في الحد ما يدخل به في المعرف، كابن الحاجب ﵀ حيث عرفه بأنه: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع اهـ
وأورد عليه نحو دلوك الشمس.
وجعل الإمام ﵀ خطاب الوضع راجعا إلى خطاب التكليف،
стр. 23
فيتناوله التعريف الأول، ونصه في المحصول: المراد من كون الدلوك سببا، أنا متى شاهدنا الدلوك، علمنا أن الله أمرنا بالصلاة، فلا معنى لهذه السببية إلا الإيجاب.
وإذا قلنا: هذا العقد صحيح، لم نعن به إلا أن الشرع أذن له في الانتفاع به، ولا معنى لذلك إلا الإباحة اهـ
وأجيب بمنع اطراد هذا كما في صحة صلاة الصبي، وندبها، وكما في إسلامه، وبمنع اقتضاء التلازم الاتحاد.
وسيأتي ـ إن شاء الله أن الإباحة ليست تكليفا عند غير الأستاذ أبي إسحاق ﵀ وعليه (١) تكون خارجة عن الحكم، وليس كذلك قطعا، فالأولى ـ كما عبر به بعضهم ـ أن يقال: المتعلق بفعل المكلف بالطلب أو الإذن، والله أعلم.
قد كلف الصبي على الذي اعتمي … بغير ما وجب والمحرم
معناه أن الصبي مكلف عندنا بغير الواجب والمحرم، وهو الندب والكراهة.
أما الندب فلحديث التي أخذت بضبعي صبي لها، وقالت: ألهذا حج يا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ؟ فقال: " نعم، ولك أجر " (٢) ومعلوم أن غير المطلوب لا يقع قربة، فاقتضى ذلك استحبابه في حقه، للإجماع على عدم الوجوب، وحديث رفع القلم عنه حتى يكبر (٣).
وأما الكراهة فلما سيأتي في مباحث الأمر ـ إن شاء الله من أن الأمر بالشيء، نهي عن ضده الوجودي، على الخلاف في ذلك.
وأما الإباحة، فلما لم يكن مأمورا ولا منهيا في بعض أفعاله، مع توجه الخطاب إليه في الجملة أشبه أن يقال إنه جائز في حقه، والله أعلم.
وهو إلزام الذي يشق … أو طلب فاه بكل خلق
стр. 24
لكنه ليس يفيد فرعا … فلا تضق لفقد فرع ذرعا
قوله: وهو إلزام البيت، أشار به إلى تعريف التكليف، وهو لغة: من الكلفة: بمعنى المشقة، واصطلاحا معناه عند القاضي على ما نسبه له إمام الحرمين ـ رحمهما الله : الأمر بما فيه كلفة، أو النهي عما في الامتناع عنه كلفة، وقال إمام الحرمين ﵀ : هو إلزام ما فيه كلفة، ونحوه للقاضي أيضا في التقريب ـ كما في البحرـ قال: والحاصل أنه يتناول الحظر والوجوب قطعا، ولا يتناول الإباحة قطعا إلا عند الأستاذ أبي إسحاق ﵀ وفي تناوله الندب والكراهة خلاف اهـ
والوجه أن إمام الحرمين ﵀ نظر إلى اشتقاقه من الكلفة، ورأى أنه لا مشقة مع الإذن في الترك، قال: فالندب والكراهة لا كلفة فيهما لأنها تنافي التخيير اهـ واكتفى صاحب القول الثاني بحصول الكلفة في المأمور به، ولم يشترط الجزم في الخطاب، وهو أبين.
وهذا أمر أغلبي، كما هو ظاهر، وفي الحديث: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قال: " فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر " (١) قوله: لكنه ليس يفيد فرعا، معناه أن الخلاف المذكور لا ينبني عليه حكم أصلا، فهو خلاف لفظي محض، حاصله هل يسمى الخطاب غير الجازم تكليفا أو لا.
قوله: فلا تضق لفقد فرع ذرعا، معناه لا تضجر من عدم انبناء حكم على هذا الخلاف، يقال: ضاق ذرعه، وذراعه بالأمر: إذا ضجر منه، أو لم يطقه، ولم يتحمله، ويقال: فلان واسع الذراع، وأرحب القوم ذراعا، إذا كان ذا طاقة وتحمل.
والحكم ما به يجيء الشرع … وأصل كل ما يضر المنع
قوله: والحكم ما به يجيء الشرع، يعني به أنه لا حكم قبل ورود الشرع، وقد قال جل من قائل: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وذهبت المعتزلة إلى
стр. 25
إمكان إدراك الحكم بالعقل، بناء على مذهبهم في التحسين والتقبيح الآتي إن شاء الله .
قوله: وأصل كل ما يضر المنع، معناه أن الأصل في الأشياء الضارة بعد ورود الشرع التحريم، للنصوص الكثيرة في ذلك، كحديث (لا ضرر ولا ضرار) سواء اشتملت على منفعة أو لا، حيث كانت المفسدة ملازمة، ولم تكن مرجوحة، بأن كانت راجحة أو مساوية، كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في المسالك في الكلام على المناسبة، وفي كتاب الاستدلال في الكلام على سد الذرائع.
ومقتضى دليل الخطاب في كلامه: أن الأصل في الأشياء النافعة عدم المنع، وهو كذلك على أحد أقوال.
ولا فرق بين أن يكون الضرر مقطوعا به، أو غالبا، وأما الشك فلم أقف على نص فيه، وقد نسب الشيخ آد ﵀ التحريم فيه لعبد الباقي الزرقاني ـ وذلك حيث يقول:
وانظر إذا ما اعتدلا أو جهلا … وعابد الباقي بشك حظلا
إلا أنهم اختلفوا في النهي عن ما لا يؤمن إسكاره، هل هو نهي تحريم أو نهي كراهة.
وسيأتي الكلام على المشتبهات ـ إن شاء الله وأن حكمها عند أهل المذهب الكراهة.
ولو قيل إن في قوله جل من قائل: (قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) إيماءً لسببية المنفعة للحلية لم يكن بعيدا، والله أعلم.
ذو فترة بالفرع لا يُراع … وفي الأصول بينهم نزاع
الفترة بالفتح: المدة بين زمنين، أو نبيين، ومنه قوله جل من قائل: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل).
ويراع: من أراعه إذا أفزعه.
وأهل الفترة: من كانوا بين رسولين، لم يرسل إليهم الأول، ولم يدركوا الثاني.
والمعنى أن أهل الفترة لا يعذبون على ترك الفروع كالصلاة والزكاة، بل سيأتي ذكر
стр. 26
الاختلاف في تعذيب غيرهم من الكفار بالفروع، وإن كان المعول منه أنهم يعذبون عليها، واختلف في تعذيب أهل الفترة على الأصول ـ يعني العقائد ـ فقيل: يعذبون على ذلك، لما جاء في بعض الأحاديث، وقيل: لا يعذبون عليها، وكأن القائل به نظر إلى ظاهر بعض الآيات بالعذر بعدم البعثة، كالآية الكريمة السالفة: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وكقوله جل من قائل: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) وكقوله جل من قائل: (ليلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) الآية، وغير ذلك من الآيات الكريمة، وقيل: يرسل إليهم يوم القيامة، فيؤمن من علم الله إيمانه في سابق أزله، ويكفر من علم كفره، والله أعلم.
ثم الخطاب المقتضي للفعل … جزما فإيجاب لدى ذي النقل
وغيره الندب، وما التركَ طلب … جزما، فتحريم له الإثم انتسب
أو لا، مع الخصوص أو لا، فع ذا … خلافَ الاولى، وكراهةً خذا
لذاك، والإباحة الخطاب … فيه استوى الفعل والاجتناب
الاقتضاء: الطلب والاستدعاء، يقال: اقتضاه دينه إذا طلبه، وأخذه منه، واقتضى الحال كذا: استوجبه، واستدعاه.
وجزم عليه الأمر: أوجبه عليه، وجزم الأمر: قطع فيه قطعا لا عودة فيه.
والإيجاب: مصدر أوجب الشيء إذا صيره واجبا، والواجب: اللازم.
والندب: مصدر ندبه للأمر، إذا دعاه إليه.
والتحريم: مصدر حرم الأمر إذا جعله حراما، والحرام: نقيض الحلال.
ومعنى الأبيات أن الخطاب الذي يقتضي من المكلف فعل أمر على وجه جازم، هو الإيجاب، ويسمى متعلقه كالصلوات الخمس واجبا.
فإن كان الاقتضاء غير جازم، بأن لم يأثم بالترك، فهو ندب، ويسمى متعلقه مندوبا، كصلاة الضحى.
والخطاب المقتضي للترك، إن اقتضاه جزما تحريم، ويسمى متعلقه حراما كأكل الربا، وإن
стр. 27
اقتضاه من غير جزم، بحيث لا يأثم بالإقدام، فهو كراهة، ويسمى متعلقه مكروها.
ومنهم من فرق، فسمى متعلقه مكروها في ما كان النهي فيه منصوصا، وخلاف الاولى إذا كان النهي عنه مستفادا من الأمر بضده.
فخلاف الأولى عند من يصطلح عليه، وصف لمتعلق الخطاب، كما هو بين، والتعبير بما يوهم خلاف ذلك سهو، كما نقل العطار في حاشيته التنبيه عليه.
ولم أر نقلا في التفريق في المندوب بين المامور به نصا، وما فهم الأمر به من النهي عن ضده، وكذلك في الواجب والمحرم.
وأما ما دل الخطاب على استواء فعله وتركه، بأن لم يترتب على أحدهما ثواب ولا عقاب، فهو الإباحة، ويسمى متعلقه مباحا، وينقلب بنية الخير به، من تقو على طاعة، أو ترفق، أو كف شهوة، أو نحو ذلك، مأمورا، كما في حديث الصحيح المتقدم: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر (١).
ويستعمل السلف لفظ: الكراهة، كثيرا في الحرمة، إذا لم يكن دليل التحريم قطعيا.
وقد يستعملون في ذلك لفظ: لا يعجبني، ولا أحبه، ولا خير فيه.
ونقل سيدي زروق ﵀ عن الطراز، أنه قال في قول المدونة: ومن صلى محتزما، أو جمع شعره بوقاية، أو شمر كميه، فإن كان ذلك لباسه، أو كان في عمل حتى حضرت الصلاة، فلا بأس به، وإن تعمد بذلك إكفات ثوبه، أو شعره، فلا خير فيه انتهى ما نصه: كل موضع في المدونة من قوله " لا خير فيه "على المنع إلا هذا.
وانظر هذا، مع قول القاضي أبي الوليد ابن رشد ﵀ في البيان والتحصيل، في الكلام على مسألة شراء العظام التي بها تصوير (٢): قوله: لا خير في الصور، ولا هذا من تجارة الناس … يدل على أنه كره ذلك، ولم يحرمه، لأن ما هو حرام لا يحل،
стр. 28
فلا يعبر عنه بأنه لا خير فيه، لأن ما لا خير فيه، فتركه خير من فعله، وهذا هو حد المكروه (١) اهـ
ويستعمل لفظ: لا بأس، في كلامهم أحيانا في الجائز المستوي الطرفين، وقد يستعمل مع راجحية أحد الطرفين.
وينقسم المكروه إلى مكروه بالنص، سواء كان النهي عنه منصوصا، أو كان مستفادا من الأمر بضده، ومكروه بالاجتهاد، وهو ما ترجح عند المجتهد فيه الجواز، مع احتمال الحرمة، فكرهه لذلك، وهو أشد مما قبله، للجزم بعدم إثم المقْدم في الأول، دون الثاني، وهو المشتبه في حديث " الحلال بين " (٢) كما سيأتي إن شاء الله .
والحرام بعضه أشد حرمة من بعض، كما ترتب عليه لعن، ونقيضه يصدق بالحرام الذي ليس بتلك المثابة، فإذا قلنا ـ مثلا ـ: مستأصلة الحاجبين ملعونة، لم يقتض ذلك أن الأخذ منهما مأذون فيه، بل مقتضاه أنه ليس فيه نهي بتلك المثابة، وذلك أعم من الإذن.
وسيأتي أن المندوب مراتب ذات أسماء مختلفة.
ويلزم انقسام المكروه في شدة الكراهة، ضرورة تقابله مع الندب، فالمندوب المؤكد كالوتر ونحوه، نقيضه أشد كراهة، من نقيض المندوب الذي ليس بمؤكد، كالضحى، وقد جاء تجريح تارك الوتر، واستحباب قطع الصبح له.
وما من البراءة الأصليه … قدُ اُخذتْ فليست الشرعيه
معناه أن الإباحة المأخوذة من البراءة الأصلية، التي هي استصحاب عدم الحكم، حتى يرد الدليل به، ليست إباحة شرعية، وإنما هي إباحة عقلية، ولذلك لم يكن رفعها نسخا، خلافا للمعتزلة، حيث جعلوا الإباحة الشرعية شاملة للنوعين.
وهي والجواز قد ترادفا … في مطلق الإذن لدى من سلفا
стр. 29
معناه أن الإباحة والجواز يستعملان أيضا في ما يقابل التحريم، وهو الإذن في الفعل، سواء كان مع استواء الترك والفعل، الذي هو المباح في الاصطلاح السابق، أو مع راجحية الفعل، الذي هو الواجب والندب في ما سبق، أو مع راجحية الترك، الذي هو المكروه في ما سبق، وهذا هو اصطلاح المتقدمين.
والعلم والوسع على المعروف … شرط يعم كل ذي تكليف
معناه أن الخطاب التكليفي يشترط في توجهه إلى المكلف، العلم والقدرة، وهي المراد بالوسع في البيت، قال جل من قائل: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وفي الحديث " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (١) وسيأتي الكلام ـ إن شاء الله في مباحث الأمر على تفاصيل التكليف بالمحال.
وأما خطاب الوضع، فما كان منه مرتبا على خطاب التكليف، اشترط ذلك فيه أيضا، كأسباب الحدود، فهي مرتبة على انتهاك الحرمة، والحرمة مشروطة بالعلم والوسع، والخلاف في حد المكره على الزنى، عائد إلى الخلاف في تصور الجماع كرها، إذ لا يكون دون انتشار، والانتشار يستلزم عند قوم الاختيار.
وأما ما ليس منه مرتبا على خطاب التكليف، كضمان المتلفات، فلا يتوقف على ذلك، والله أعلم.
ثم خطاب الوضع هو الوارد … بأن هذا مانع أو فاسد
أو ضده أوَ اَنه قدَ اَوجبا … شرطا يكون أو يكون سببا
معناه أن خطاب الوضع، هو الخطاب الوارد بأن الشيء كذا سبب للشيء كذا، أو شرط له، أو مانع منه، أو بأن العقد كذا، أو العمل كذا، صحيح، أو فاسد، وسيأتي بيان هذه المعاني الخمسة، قريبا إن شاء الله .
واختار ابن الحاجب ﵀ أن الصحة والفساد حكمان عقليان،
стр. 30
وهو الأوجه، فالعقل قاض بأن الفعل المستجمع للشروط موافق للإذن، أو مسقط للطلب ـ مثلا ـ وذلك هو الصحة، وغيره غير موافق للإذن، ولا مسقط للطلب، وذلك هو الفساد.
وزاد القرافي ﵀ في خطاب الوضع التقادير الشرعية، وهو غير بين، فالتقادير ـ عند التأمل ـ لا تخرج عن الشروط، والأسباب، والموانع.
وزاد الآمدي ﵀ الرخصة والعزيمة أيضا، وهو غير بين أيضا (١)، فمبنى الحكم كالسفر سبب، والحكم كاستنان القصر، خطاب تكليف، وقد كنت بينت ذلك في البيان والتوجيه، والحمد لله رب العالمين.
فالمتجه انحصار خطاب التكليف، في الشروط والأسباب والموانع، والله أعلم.
وهو من ذاك أعم مطلقا .........................
الضمير عائد إلى خطاب الوضع، والإشارة عائدة إلى خطاب التكليف.
والمعنى أن خطاب الوضع، أعم من خطاب التكليف عموما مطلقا، كما ذكره القرافي ﵀ في التنقيح، فكل ما تعلق به خطاب تكليف، تعلق به خطاب وضع، دون العكس.
وذكر في الفروق أن النسبة بينهما العموم والخصوص من وجه، وصوبه في نشر البنود، وهو أبين، وصوب في نثر الورود الأول.
ومثال انفراد خطاب التكليف: التسبيح، والتحميد، والتكبير، والذكر كله، وقراءة القرآن، والصدقة.
ومثال انفراد خطاب الوضع: مواقيت الصلاة.
ومثال اجتماعهما: السرقة والزنا.
стр. 31
........................ … والفرض والواجب قد توافقا
كالحتم واللازم مكتوب وما … فيه اشتباه للكراهة انتمى
معناه أن الفرض، والواجب، والمحتم، واللازم، والمكتوب مترادفة، للمأمور بفعله أمرا جازما.
وفرق أبو حنيفة ﵀ بين الفرض والواجب، فالفرض عنده ما ثبت فيه الطلب الجازم بدليل قطعي، والواجب ما ثبت ذلك فيه بدليل ظني.
ويقع في كلام كثير من أصحابنا إطلاق الواجب على المسنون المؤكد، فيقولون في غسل الجمعة، وصلاة العيد ـ مثلا ـ إن ذلك واجب.
ويستعمل البغداديون من أصحابنا في المأمور به أمرا جازما كلمة: مستحق، فيقولون الأمر كذا واجب مستحق، ويستعملون المستحب في المسنون، ويقع ذلك كثيرا في كتاب التفريع لابن الجلاب ﵀ .
ويتميز مختصر ابن الجلاب ﵀ بأن كل ما فيه من المسائل للإمام مالك ﵀ إلا أن يعزوه لغيره (١).
قوله: وما فيه اشتباه للكراهة انتمى، معناه أن المشتبهات المذكورة في حديث الصحيحين " الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات " الحديث، حكمها عند أهل المذهب الكراهة، وهي الأمور المختلف في تحريمها بين أهل العلم، إذا ترجح فيها دليل الإباحة، مع احتمال التحريم.
وأما ما كان مدرك التحريم فيه ضعيفا جدا، فالظاهر أنه من قبيل الحلال البين.
وهذا الحديث يقتضي أن الإجماع حجة، إذ مقتضاه أن ما لم يختلف فيه، حلال بين، أو حرام بين، وقد كنت ذكرت ذلك في مصعد الراقي والله أعلم.
وليس في الواجب من نَوال … عند انتفاء قصد الامتثال
في ما له النية لا تشترط … وغير ما ذكرته فغلط
стр. 32
ومثله الترك لما يحرم … من غير قصد ذا، نعم مسلم
النوال ـ بفتح النون ـ: العطاء.
والمعنى أن الواجب الذي لا يتوقف الاعتداد به على النية، كقضاء الديون، ورد الودائع، وأداء الديات، وأروش الجنايات، وغرم المتلفات، لا يثاب فاعله عليه، إلا إذا فعله بنية الامتثال.
وأما الواجب الذي لا يعتد بفعله دون نية، كالوضوء، والصلاة، فيثاب عليه وإن لم يتعرض في نيته للامتثال.
وليس معنى هذا أن شيئا من الأعمال يثاب عليه دون نية الامتثال، كما توهم، بل لا ثواب إلا مع قصد الامتثال " وإنما لامرئ ما نوى " (١) لكن نية العبادة تستلزم الامتثال، لأن الامتثال هو الإتيان بالفعل لأجل أمر الشرع به، وهذا المعنى لا تتعقل القربة دونه، فالفعل الذي لم يبعث عليه أمر الشرع به، لا يصح أن يكون قربة، بالأولى مما وقع فيه شرك.
وقد نقل ابن عرفة ﵀ في مختصره في الكلام على نيات الوضوء عن أبي عبد الله المازري ﵀ أنه قال: والثلاثة (٢) متلازمة، ولذا لو أثبت أحدها نافيا الآخر، فسدت انتهى
ولهذا استدل الأئمة كابن يونس ﵀ في جامعه لوجوب نية رفع الحدث، ونية الصلاة المعينة، بقوله جل من قائل: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وقد بينت هذا المعنى في عون المتين، على نظم رسالة القرويين، في الكلام على النية، فى الوضوء، وفي الصلاة.
قوله: ومثله الترك لما يحرم البيت، معناه أن اجتناب المنهيات مطلقا، لا ثواب فيه إلا إذا كان بنية الامتثال، وهو المشار إليه في قوله: من غير قصد ذا.
وقوله: نعم مسلم، أشار به إلى أن السلامة من الإثم في ترك المنهي عنه، لا تتوقف على
стр. 33
الامتثال، وإنما يتوقف عليه الأجر.
وقوله: وغير ما ذكرته فغلط، أشار به إلى رد ما ذكره بعضهم من اشتراط نية الامتثال في الأجر على القربة.
ولا يختص ما ذكره من التفصيل في الأمر بالواجب، فالمندوب يفصل فيه أيضا بين ما يتوقف على النية كالضحى، وغيره كالصدقة، فلو قال: وليس في المطلوب من نوال لكان أشمل.
ومثل المحرم أيضا المكروه، فلا ثواب في تركه، إلا إذا كان بنية امتثال.
وإذا كان أصل القصد لله لم يضر ما يعرض من الخواطر، وقد يكون ذلك من الشيطان، ليصده عن العمل، فليجدد النية، ولا يقطعه ذلك عن العمل، كما قال الإمام مالك ﵀ .
فضيلة والندب والذي استحب … ترادفت، ثم التطوع انتخب
قوله: فضيلة والندب والذي استحب ترادفت، معناه أن الفضيلة، والمندوب، والمستحب ألفاظ مترادفة، لما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه.
وقوله: ثم التطوع انتخب، أشار به إلى أن التطوع في اصطلاح بعض المتأخرين، هو ما يختاره الإنسان لنفسه من الأوراد مثلا.
رغيبة ما فيه رغَّب النبي … بذكر ما فيه من الأجر جُبي
أو دام فعله بوصف النفل … والنفلَ من تلك القيود أَخْلِ
والامرِ، بل أعلم بالثواب … فيه نبي الرشد والصواب
وسنة ما أحمد قد واظبا … عليه، والظهور فيه وجبا
أشار بهذا إلى تعريف الرغيبة، والنافلة، والسنة، في اصطلاح المالكية.
والسنة آكدها، وهي ما أدامه النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ وأظهره في جماعة.
وذلك هو قوله: وسنة ما أحمد قد واظبا البيت.
والرغيبة هي ما رغب صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في فعله، بذكر ما فيه من
стр. 34
الأجر، بأن قال: من فعل كذا، فله كذا، أو أدامه مخفيا له.
وذلك هو قوله: رغيبة ما فيه رغب النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ بذكر ما فيه من الأجر جبي، أو دام فعله بوصف النفل، والمراد بوصف النفل: الإخفاء.
والنفل: هو ما أعلم صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالثواب على فعله، من غير أن يحد فيه ثوابا، أو يداوم عليه، أو يأمر به.
وهذا اصطلاح خاص بالمالكية، والاستقراء يقتضي اختصاص هذا التفريق عندهم بالعبادات.
وليس لغير الندب والاستحباب، من هذه الألفاظ، ذكر في المعاملات.
وربما يكتفون في الطعام، والشراب، واللباس، والدخول، والخروج ونحوها بالأدب. … واستقراء كلام أهل المذهب، دال على اتحاد رتبة النفل، والمستحب، والفضيلة، وأن لفظ النفل، والفضيلة، خاص بالعبادات.
ويدل كذلك، على أن السنة هي أعلى مراتب الندب، وأنها خاصة بالعبادات، وأن الرغيبة دونها، وهي أيضا خاصة بالعبادة، ونقل في المذهب قول بكونها آكد من السنة.
وبعضهم سمى الذي قدُ اُكدا … منها بواجب، فخذ ما قُيِّدا
أشار بهذا إلى ما تقدم، من أن من أهل المذهب من يستعمل لفظ الواجب في المسنون المؤكد، كالإمام الشيخ أبي محمد ﵀ في كتاب الرسالة.
والنفل ليس بالشروع يجب … في غير ما نظمه مقرِّب
قف واستمع مسائلا قد حكموا … بأنها بالابتداء تلزم
صلاتنا وصومنا وحجنا … وعمرة لنا كذا اعتكافنا
طوافنا مع ائتمام المقتدي … فيلزم القضا بقطع عامد
قوله: والنفل ليس بالشروع يجب، المراد بالنفل فيه: ما ليس بواجب.
والمعنى أن غير الواجب، لا يتعين بالشروع فيه، إلا في هذه المسائل المذكورة، فيتعين عندنا على من شرع في نافلة من صلاة، أو صوم، أو حج، أو عمرة، أو طواف، أو اعتكاف، أن يتمها.
стр. 35
وكذلك يجب على المؤتم أن يتم صلاته مأموما، ولا يجوز له أن يتم فذا.
ونقل في مواهب الجليل في كتاب الصلاة، قبل قول سيدي خليل ـ رحمهما الله : وإلا أتم النافلة أو فريضة غيرها، عن سيدي زروق ﵀ أن أصل المذهب، أن كل عبادة توقف أولها على آخرها، يجب إتمامها (١).
أصله الحج، فيجب إتمامه، والعمرة، والصلاة، والصوم، والاعتكاف، والطواف، بخلاف الوضوء، والقراءة، والذكر، ونحوها اهـ
ونقل عن القرافي ـ رحمهما الله أنه قال في كتاب الصوم من الذخيرة حين تكلم على ما يجب بالشروع: بخلاف الوضوء، والصدقة، والوقف، (٢) والسفر للجهاد، وغير ذلك، قاله الشيخ عياض، ﵏ في التنبيهات.
قال الشيخ خليل ﵀ : فعلى هذا، إذا سافر للجهاد، فهل له أن يرجع عن ذلك؟ وكذلك الصدقة بشيء.
واختلف إذا خرج بكسرة خبز للسائل، فلم يجده، هل له أكلها أم لا؟
قيل: يجوز له أكلها، وقيل: إن كان معينا أكلها، وإن كان غير معين لم يأكلها اهـ
وانظر التمثيل بالوضوء، فإنه عبادة يتوقف أولها على آخرها.
وانظر التمثيل بالقراءة، ما المراد به، هل أن الكلمة لا يجب إتمامها على من شرع فيها، أو أن الآية لا يجب إتمامها على من شرع فيها، أو السورة، أو غير ذلك، وفي كل ذلك إشكال (٣).
стр. 36
وانظر كلام سيدي خليل ﵀ الذي نقل عنه في السفر للجهاد، فالجهاد إذا أريد به الجهاد الواجب كفاية، فمسألته ليست مما نحن فيه، وسيأتي الكلام عليها في الواجب الكفائي ـ إن شاء الله إلا أن يقال إن المسأله مفروضة في غير ما يجب عينا.
وإن أريد الجهاد المستحب، كان ظاهره أن الجهاد المستحب يجب بالشروع فيه مطلقا، وإن لم يترتب على الكف عنه ممنوع، كهزيمة، ونحو ذلك، وهو خلاف إطلاقهم هنا.
وقد يفهم من هذا الكلام أيضا أن السفر للحج، أو العمرة، يجب إتمامه، وأن من خرج للمسجد لصلاة أو اعتكاف، يلزمه التمادي، وليس كذلك، فلا يجب شيء من ذلك إلا بالشروع، وهو الإحرام في الصلاة، والحج، والعمرة، والدخول في المعتكف، في الاعتكاف.
وأما مسألة الكسرة يخرج بها لسائل، فقد ذكر ابن رشد ﵀ في نوازله، في جواب مسألة سأله عنها عياض ـ رحمهما الله أنه لم يقع فيها إعطاء أصلا.
وقد نقل ذلك سيدي الحطاب ﵀ في مواهبه، في الهبة في الكلام على الحيازة، وذكروا في الصدقة المبتلة وجوب الإمضاء.
هذا واعلم أن في قضاء هذه المستثنيات المذكورة في الأبيات تفصيلا:
أما الصلاة فإنما يجب قضاؤها إذا أفسدها عامدا مختارا، فإن فسدت سهوا أو غلبة، فلا قضاء عليه.
وأما الصوم فيجب قضاؤه كذلك في الفساد عمدا اختيارا، وأما السهو فلا يفسده، وأما الغلبة فلا يجب القضاء معها.
وأما الحج والعمرة فيجب قضاؤهما على أي وجه كان فسادهما، ويتميزان بوجوب إتمام الفاسد منهما.
وأما الاعتكاف فيلزم قضاؤه أيضا على أي وجه كان فساده.
وأما الطواف فهو عندهم على حكم الصلاة.
وأما الائتمام فإذا قطع الصلاة بأي وجه بطلت، وتجب عليه إعادتها مطلقا إذا كانت
стр. 37
واجبة، لكن يجوز أن يعيدها فذا، كما نص عليه في المواهب، والله أعلم.
والمراد بالمقرب: الحطاب ﵀ فالأبيات الثلاثة له، وقد ذكرها في مواهبه في الموضع الذي أشرت إليه آنفا، والله أعلم.
ما من وجوده يجيء العدَمُ … ولا لزوم في انعدام يُعلم
بمانع، يمنع للدوام … والابتدا، أو آخر الأقسام
أوَ اَول فقط، على نزاع … كالطول، الاستبراء، والرضاع
قوله: ما من وجوده، إلى قوله: بمانع، أشار به إلى ما عرف به القرافي ـ رحمهما الله المانع.
فذكر أنه ما يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، وذلك كالحيض، فإنه يلزم من وجوده، عدم وجوب الصلاة ـ مثلا ـ ولا يلزم من انتفائه وجوبها ولا عدمه.
فخرج بقوله: يلزم من وجوده عدم الحكم، السبب، لأنه يلزم من وجوده وجود الحكم. … وخرج بقوله: ولا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم، الشرط، فإنه يلزم من عدمه، عدم الحكم. واحترز بقوله: لذاته، من لزوم الوجود في الانتفاء، لوجود السبب.
وهذا مانع الحكم، وأما مانع العلة، فهو ما أبطل معناها، وسيشير إليه الشيخ ﵀ في كتاب القياس ـ إن شاء الله بقوله:
وامنع لعلة بما قد اَذهبا
ومثاله الدين المسقط للزكاة، فعلة وجوب الزكاة، الاستغناء بملك النصاب، والدين ينافي ذلك.
وقوله: يمنع للدوام إلخ، معناه أن المانع ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
مانع الابتداء والدوام معا، وذلك كالرضاع، فالعقد على مَحْرم الرضاع، ممنوع، وإذا عقد على أجنبية فأرضعتها من تحرم عليه بناتها، انفسخ العقد.
ومانع الابتداء فقط دون الدوام، وذلك كالاستبراء، فالعقد على المستبرأة غير جائز، وطرو الاستبراء على النكاح، لا يفسده.
стр. 38
ومانع اختلف فيه، هل يمنع الابتداء فقط، أو يمنع الابتداء والدوام معا؟
وذلك كالطول بالنسبة لنكاح الإماء، فهو مانع من ابتداء النكاح، مختلف إذا طرأ عليه هل يفسده.
وقد عقد المصنف بهذا قول القرافي ـ رحمهما الله في التنقيح: الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام:
منها ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره.
ومنها ما يمنع ابتداءه فقط.
ومنها ما اختلف فيه، هل يلحق بالأول أو بالثاني؟
ومثل بالأمثلة المذكورة، مع أمثلة أخرى. (١) وسيأتي له ـ إن شاء الله في كتاب القياس في بحث العلة منه، تقسيمه إلى مانع دوام وابتداء معا، ومانع ابتداء فقط، ومثالهما ما ذكر من الرضاع والاستبراء، ومانع دوام فقط، ومثاله الطلاق البائن القاصر عن الغاية، فهو مانع من استمرار الزوجية، دون ابتدائها، وذلك حيث يقول:
للدفع والرفع أو الأمرين … واجبة الظهور دون مين
стр. 39
وقد ظن بعض الشروح أنه أراد هنا هذا التقسيم، فأشكل عندهم كلامه.
ويروى البيت بلفظ: أو يمنع الدوام عن نزاع.
وقد وقفت على ذلك في نسختين: إحداهما نسخة جدنا لمرابط محمد المصطفى بن ديَّ ـ رحمهما الله من نشر البنود، وذلك الموضع منها بخط تلميذه سيدي لمرابط: محمد محمود بن داهي ﵀ سبحامه وتعالى ـ.
وفي هذه النسخة إضافة إلى خط الجد، وخط لمرابط محمد محمود، خطوط جماعة من أهل العلم والفضل، من بينهم سيدي لمرابط الحاج ﵀ .
وكان ختمها على يد صداف بن محمد البشير.
والنسخة الثانية: نسخة عتيقة، أوقفت عليها من قبل الشيخ اباه بن عبد الله ـ حفظه الله تعالى ـ من شرح محمد يحيى بن سليمة اليونسي الولاتي، على مراقي السعود.
وظاهر بعض الشروح أن هذه الرواية دالة على التقسيم الآخر، ولم يظهر لي فرق بينها وبين الرواية الأخرى.
فقوله: في النسخة المتداولة على نزاع، عائد إلى مفهوم قوله: فقط، أي: أو يمنع الابتداء، ولا يمنع الدوام على خلاف في الثاني.
وهذا هو معنى الرواية الأخرى، فقوله فيها: عن نزاع، عائد إلى حصر المنع في الابتداء، لا إلى منع الابتداء، فالمعنى واحد.
والحاصل أن عبارة الناظم وافية بالتقسيم الذي أراد، على كلا الرواية بوضوح، وليس فيها إشكال، والله أعلم.
ولازم من انتفاء الشرط … عدم مشروط لدى ذي الضبط
كسبب، وذا الوجود لازم … منه، وما في ذاك شيء قائم
واجتمع الجميع في النكاح … وما هو الجالب للنجاح
أشار بهذا إلى تعريف الشرط والسبب.
فذكر أن الشرط هو ما يلزم من انتفائه العدم، ولا يلزم من وجوده، وجود ولا عدم لذاته.
стр. 40
فأول الأبيات أشار به إلى لزوم انتفاء الحكم من انتفائه.
وأشار إلى عدم لزوم شيء من وجوده بقوله: وما في ذاك شيء قائم.
وقولنا: لذاته، يحترز به عن مقارنة وجوده، لوجود السبب، نحو ما تقدم في انتفاء المانع. ومثال الشرط: الطهارة من الحيض ـ مثلا ـ بالنسبة للصلاة، والصوم، فانتفاؤها يلزم منه عدم وجوبهما، ولا يلزم من وجودها، وجود الوجوب.
وأما السبب فهو ما يلزم من وجوده، وجود الحكم، ويلزم من انتفائه، انتفاؤه لذاته. وأشار إلى لزوم انتفاء الحكم من انتفائه، بقوله: كسبب.
وأشار إلى لزوم وجوده من وجوده، بقوله: وذا الوجود لازم منه.
وقولنا: لذاته، يحترز به عن مقارنة وجوده، لوجود مانع، أو فقد شرط، فإن الحكم منتف حينئذ، لأجل ما ذكر، ومن إخلافه بسبب آخر، فالحكم لازم لوجود ذلك السبب.
ومثال السبب: الذكاة في حلية الشاة.
فتحصل أن المانع، لا يؤثر إلا بوجوده، وأن الشرط، لا يؤثر إلا بانتفائه، وأن السبب يؤثر بكل منهما.
وقوله: واجتمع الجميع البيت، أشار به إلى أن أنواع خطاب الوضع الثلاثة مجتمعة في النكاح.
فهو سبب من أسباب الإرث ـ مثلا ـ.
شرط في لحوق الطلاق ـ مثلا ـ.
مانع من التزوج بأم الزوجة، وابنتها، وأبي الزوج، وابنه، ونحو ذلك.
وقوله: وما هو الجالب للنجاح، يعني به الإسلام، فهو سبب في عصمة الدم والمال. شرط في الإرث من المسلم.
مانع من القصاص في ما إذا كان القتيل كافرا ـ مثلا ـ ولم يكن القتل حرابة.
وانظر قول شروح النظم هنا: إن الإيمان سبب للثواب، مع كلام القرافي ﵀ في الفروق الذي سبق لهم نقله في الكلام على النسبة بين خطابي التكليف والوضع، ونصه: ونحن لا نعني بكون الشيء سببا، إلا كونه وضع سببا لفعل من قبل