وانظر كلام سيدي خليل ﵀ الذي نقل عنه في السفر للجهاد، فالجهاد إذا أريد به الجهاد الواجب كفاية، فمسألته ليست مما نحن فيه، وسيأتي الكلام عليها في الواجب الكفائي ـ إن شاء الله إلا أن يقال إن المسأله مفروضة في غير ما يجب عينا.
وإن أريد الجهاد المستحب، كان ظاهره أن الجهاد المستحب يجب بالشروع فيه مطلقا، وإن لم يترتب على الكف عنه ممنوع، كهزيمة، ونحو ذلك، وهو خلاف إطلاقهم هنا.
وقد يفهم من هذا الكلام أيضا أن السفر للحج، أو العمرة، يجب إتمامه، وأن من خرج للمسجد لصلاة أو اعتكاف، يلزمه التمادي، وليس كذلك، فلا يجب شيء من ذلك إلا بالشروع، وهو الإحرام في الصلاة، والحج، والعمرة، والدخول في المعتكف، في الاعتكاف.
وأما مسألة الكسرة يخرج بها لسائل، فقد ذكر ابن رشد ﵀ في نوازله، في جواب مسألة سأله عنها عياض ـ رحمهما الله أنه لم يقع فيها إعطاء أصلا.
وقد نقل ذلك سيدي الحطاب ﵀ في مواهبه، في الهبة في الكلام على الحيازة، وذكروا في الصدقة المبتلة وجوب الإمضاء.
هذا واعلم أن في قضاء هذه المستثنيات المذكورة في الأبيات تفصيلا:
أما الصلاة فإنما يجب قضاؤها إذا أفسدها عامدا مختارا، فإن فسدت سهوا أو غلبة، فلا قضاء عليه.
وأما الصوم فيجب قضاؤه كذلك في الفساد عمدا اختيارا، وأما السهو فلا يفسده، وأما الغلبة فلا يجب القضاء معها.
وأما الحج والعمرة فيجب قضاؤهما على أي وجه كان فسادهما، ويتميزان بوجوب إتمام الفاسد منهما.
وأما الاعتكاف فيلزم قضاؤه أيضا على أي وجه كان فساده.
وأما الطواف فهو عندهم على حكم الصلاة.
وأما الائتمام فإذا قطع الصلاة بأي وجه بطلت، وتجب عليه إعادتها مطلقا إذا كانت
стр. 37
واجبة، لكن يجوز أن يعيدها فذا، كما نص عليه في المواهب، والله أعلم.
والمراد بالمقرب: الحطاب ﵀ فالأبيات الثلاثة له، وقد ذكرها في مواهبه في الموضع الذي أشرت إليه آنفا، والله أعلم.
ما من وجوده يجيء العدَمُ … ولا لزوم في انعدام يُعلم
بمانع، يمنع للدوام … والابتدا، أو آخر الأقسام
أوَ اَول فقط، على نزاع … كالطول، الاستبراء، والرضاع
قوله: ما من وجوده، إلى قوله: بمانع، أشار به إلى ما عرف به القرافي ـ رحمهما الله المانع.
فذكر أنه ما يلزم من وجوده عدم الحكم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، وذلك كالحيض، فإنه يلزم من وجوده، عدم وجوب الصلاة ـ مثلا ـ ولا يلزم من انتفائه وجوبها ولا عدمه.
فخرج بقوله: يلزم من وجوده عدم الحكم، السبب، لأنه يلزم من وجوده وجود الحكم. … وخرج بقوله: ولا يلزم من عدمه وجود، ولا عدم، الشرط، فإنه يلزم من عدمه، عدم الحكم. واحترز بقوله: لذاته، من لزوم الوجود في الانتفاء، لوجود السبب.
وهذا مانع الحكم، وأما مانع العلة، فهو ما أبطل معناها، وسيشير إليه الشيخ ﵀ في كتاب القياس ـ إن شاء الله بقوله:
وامنع لعلة بما قد اَذهبا
ومثاله الدين المسقط للزكاة، فعلة وجوب الزكاة، الاستغناء بملك النصاب، والدين ينافي ذلك.
وقوله: يمنع للدوام إلخ، معناه أن المانع ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
مانع الابتداء والدوام معا، وذلك كالرضاع، فالعقد على مَحْرم الرضاع، ممنوع، وإذا عقد على أجنبية فأرضعتها من تحرم عليه بناتها، انفسخ العقد.
ومانع الابتداء فقط دون الدوام، وذلك كالاستبراء، فالعقد على المستبرأة غير جائز، وطرو الاستبراء على النكاح، لا يفسده.
стр. 38
ومانع اختلف فيه، هل يمنع الابتداء فقط، أو يمنع الابتداء والدوام معا؟
وذلك كالطول بالنسبة لنكاح الإماء، فهو مانع من ابتداء النكاح، مختلف إذا طرأ عليه هل يفسده.
وقد عقد المصنف بهذا قول القرافي ـ رحمهما الله في التنقيح: الموانع الشرعية على ثلاثة أقسام:
منها ما يمنع ابتداء الحكم واستمراره.
ومنها ما يمنع ابتداءه فقط.
ومنها ما اختلف فيه، هل يلحق بالأول أو بالثاني؟
ومثل بالأمثلة المذكورة، مع أمثلة أخرى. (١) وسيأتي له ـ إن شاء الله في كتاب القياس في بحث العلة منه، تقسيمه إلى مانع دوام وابتداء معا، ومانع ابتداء فقط، ومثالهما ما ذكر من الرضاع والاستبراء، ومانع دوام فقط، ومثاله الطلاق البائن القاصر عن الغاية، فهو مانع من استمرار الزوجية، دون ابتدائها، وذلك حيث يقول:
للدفع والرفع أو الأمرين … واجبة الظهور دون مين
стр. 39
وقد ظن بعض الشروح أنه أراد هنا هذا التقسيم، فأشكل عندهم كلامه.
ويروى البيت بلفظ: أو يمنع الدوام عن نزاع.
وقد وقفت على ذلك في نسختين: إحداهما نسخة جدنا لمرابط محمد المصطفى بن ديَّ ـ رحمهما الله من نشر البنود، وذلك الموضع منها بخط تلميذه سيدي لمرابط: محمد محمود بن داهي ﵀ سبحامه وتعالى ـ.
وفي هذه النسخة إضافة إلى خط الجد، وخط لمرابط محمد محمود، خطوط جماعة من أهل العلم والفضل، من بينهم سيدي لمرابط الحاج ﵀ .
وكان ختمها على يد صداف بن محمد البشير.
والنسخة الثانية: نسخة عتيقة، أوقفت عليها من قبل الشيخ اباه بن عبد الله ـ حفظه الله تعالى ـ من شرح محمد يحيى بن سليمة اليونسي الولاتي، على مراقي السعود.
وظاهر بعض الشروح أن هذه الرواية دالة على التقسيم الآخر، ولم يظهر لي فرق بينها وبين الرواية الأخرى.
فقوله: في النسخة المتداولة على نزاع، عائد إلى مفهوم قوله: فقط، أي: أو يمنع الابتداء، ولا يمنع الدوام على خلاف في الثاني.
وهذا هو معنى الرواية الأخرى، فقوله فيها: عن نزاع، عائد إلى حصر المنع في الابتداء، لا إلى منع الابتداء، فالمعنى واحد.
والحاصل أن عبارة الناظم وافية بالتقسيم الذي أراد، على كلا الرواية بوضوح، وليس فيها إشكال، والله أعلم.
ولازم من انتفاء الشرط … عدم مشروط لدى ذي الضبط
كسبب، وذا الوجود لازم … منه، وما في ذاك شيء قائم
واجتمع الجميع في النكاح … وما هو الجالب للنجاح
أشار بهذا إلى تعريف الشرط والسبب.
فذكر أن الشرط هو ما يلزم من انتفائه العدم، ولا يلزم من وجوده، وجود ولا عدم لذاته.
стр. 40
فأول الأبيات أشار به إلى لزوم انتفاء الحكم من انتفائه.
وأشار إلى عدم لزوم شيء من وجوده بقوله: وما في ذاك شيء قائم.
وقولنا: لذاته، يحترز به عن مقارنة وجوده، لوجود السبب، نحو ما تقدم في انتفاء المانع. ومثال الشرط: الطهارة من الحيض ـ مثلا ـ بالنسبة للصلاة، والصوم، فانتفاؤها يلزم منه عدم وجوبهما، ولا يلزم من وجودها، وجود الوجوب.
وأما السبب فهو ما يلزم من وجوده، وجود الحكم، ويلزم من انتفائه، انتفاؤه لذاته. وأشار إلى لزوم انتفاء الحكم من انتفائه، بقوله: كسبب.
وأشار إلى لزوم وجوده من وجوده، بقوله: وذا الوجود لازم منه.
وقولنا: لذاته، يحترز به عن مقارنة وجوده، لوجود مانع، أو فقد شرط، فإن الحكم منتف حينئذ، لأجل ما ذكر، ومن إخلافه بسبب آخر، فالحكم لازم لوجود ذلك السبب.
ومثال السبب: الذكاة في حلية الشاة.
فتحصل أن المانع، لا يؤثر إلا بوجوده، وأن الشرط، لا يؤثر إلا بانتفائه، وأن السبب يؤثر بكل منهما.
وقوله: واجتمع الجميع البيت، أشار به إلى أن أنواع خطاب الوضع الثلاثة مجتمعة في النكاح.
فهو سبب من أسباب الإرث ـ مثلا ـ.
شرط في لحوق الطلاق ـ مثلا ـ.
مانع من التزوج بأم الزوجة، وابنتها، وأبي الزوج، وابنه، ونحو ذلك.
وقوله: وما هو الجالب للنجاح، يعني به الإسلام، فهو سبب في عصمة الدم والمال. شرط في الإرث من المسلم.
مانع من القصاص في ما إذا كان القتيل كافرا ـ مثلا ـ ولم يكن القتل حرابة.
وانظر قول شروح النظم هنا: إن الإيمان سبب للثواب، مع كلام القرافي ﵀ في الفروق الذي سبق لهم نقله في الكلام على النسبة بين خطابي التكليف والوضع، ونصه: ونحن لا نعني بكون الشيء سببا، إلا كونه وضع سببا لفعل من قبل
стр. 41
المكلف اهـ
والركن جزء الذات والشرط خرج … وصيغة دليلها في المنتهج
ومع علة ترادف السبب … والفرق بعضهم إليه قد ذهب
أشار بقوله: والركن البيت، إلى جواب سؤال نشأ من تعريف الشرط، وهو أن التعريف المذكور يصدق بالركن، فالركن يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده، وجود ولا عدم لذاته، وليس بشرط.
والجواب هو أن الركن خارج من الحد بما هو معلوم من كونه جزءا من الذات، ومن كون الشرط خارجا عن المشروط.
وقوله: وصيغة دليلها في المنتهج، أشار به إلى رد ما وقع في كلام بعض الفقهاء من عد الصيغة ركنا، فذكر أنها دليل الماهية، ودليل الشيء غيره.
ويقع اللبس أيضا بين الشرط وجزء العلة، فجزء العلة يصدق عليه حد الشرط.
وفرق القرافي ﵀ في التنقيح بينهما، بكون جزء العلة مناسبا للحكم في ذاته، والشرط مناسب في غيره، قال: كجزء النصاب، فإنه مشتمل على بعض الغنى في ذاته، ودوران الحول ليس فيه شيء من الغنى، وإنما هو مكمل للغنى الكائن في النصاب.
وقوله: ومع علة البيت، معناه أن العلة والسبب مترادفان للمعنى الذي سبق بيانه، وفرق بينهما ابن السمعاني ﵀ تبعا لأهل اللسان، بأن السبب هو الموصل إلى الشيء من غير تأثر عنه، مع جواز المفارقة، كالحبل للماء، والعلة: ما يتأثر عنه الشيء دون واسطة، كالإسكار للتحريم، والسفه للحجر.
شرْط الوجوب ما به نكلَّف … وعدم الطلب فيه يعرف
مثل دخول الوقت، والنقاء … وكبلوغ بعث الانبياء
ومعْ تمكنٍ من الفعل الادا … وعدمُ الغفلة والنوم بدا
وشرْط صحةٍ به اعتداد … بالفعل منه الطهر يستفاد
والشرط في الوجوب شرْطٌ في الأدا … وعزْوه للاتفاق وُجدا
стр. 42
المراد بالشرط هنا، ما يلزم وجوده لوجود أمر آخر، سواء كان سببا أو شرطا في التعريف المتقدم.
ومعنى الأبيات، أن الشرط بالمعنى المذكور، ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
شرط وجوب، وهو ما توقف طلب الشيء على حصوله، من غير أن يكون تحصيله مطلوبا منه، سواء كان تحصيله في استطاعته أو لا، وذلك كالنقاء من دمي الحيض والنفاس لطلب الصلاة والصوم - واجبين كانا أو مندوبين - وكبلوغ الدعوة، ودخول الوقت، واستهلال رمضان، والعقل، وملك النصاب، والإقامة.
وشرط أداء، وهو ما يكون به التمكن من الفعل، بعد حصول ما يكون به من أهل التكليف، كعدم الغفلة، وعدم النوم.
وشرط صحة، وهو ما يتوقف عليه الاعتداد بالماهية، كالطهارة للصلاة.
ومنهم من نوَّع الشرط إلى نوعين فقط، وهما النوع الأول، والنوع الأخير، وأرجع شرط الأداء إلى شرط الصحة، وإلى هذا أشار بالأبيات الأربعة الأولى.
وقوله: والشرط في الوجوب، شرط في الأدا البيت، معناه أن كل ما هو شرط في وجوب الماهية، فهو شرط في أدائها، عند من يجعل القسمة ثلاثية، وشرط في صحتها عند من يجعل القسمة ثنائية.
وأشار بقوله: وعزوه للاتفاق وجدا، إلى أن السعد حكى الاتفاق على ذلك.
والظاهر أنه أمر أغلبي، فقد لا يكون شرطا في الصحة، كالإقامة بالنسبة لوجوب الجمعة، والذكورة، والحرية، وكذلك الاستطاعة في وجوب الحج، والحرية والتكليف، والوضوء قبل دخول الوقت، والكفارة قبل الحنث، ونحو ذلك، والله أعلم.
وصحة وفاق ذي الوجهين … للشرع مطلقا بدون مين
الصحة لغة: السلامة، وفي الاصطلاح: موافقة الأمر ذي الوجهين لإذن الشرع، سواء كان عبادة أو معاملة، وذلك هو المراد بالإطلاق في البيت.
ووقوعه موافقا لإذن الشرع: أن يقع على وجه مستجمع لما يشترط في الاعتداد به شرعا.
стр. 43
وقولهم: ذي الوجهين، المراد بالوجهين فيه: كونه يقع موافقا لإذن الشرع، ويقع مخالفا له.
يحترز بذلك عما لا يقع إلا موافقا، كالاستغفار والتسبيح، ونحو ذلك.
كما لا يوصف ما لا يقع إلا مخالفا لإذن الشرع، بالفساد، فلا يقال ربا فاسد، ولا زنى فاسد، ولا سرقة فاسدة، ولا غصب فاسد.
وذلك أن الأصل أن لا يوصف الشيء بالأمر، إلا إذا كان يفارقه، وحينئذ فهذا القيد لا داعي له.
كما أن عبارة موافقة الأمر لا تستعمل إلا مع تأتي مخالفته.
وقد وقع في التنقيح تعريف الصحة بتعريف الصحيح بإسقاط القيد المذكور، فقال في تعريف الصحة: ما وافق الأمر.
وإذا وقعت العبادة موافقة للإذن، كانت صحيحة عند المتكلمين، وإن لم يسقط بذلك قضاؤها، كما لو صلاها ظانا أنه على طهارة، وتبين أنه ليس على طهارة في نفس الأمر، خلافا للفقهاء، وبعض المتكلمين، حيث اشترطوا في تسميتها صحيحة أن تقع على وجه يسقط به قضاؤها، بمعنى أنه إذا تبين تخلف بعض ما يشترط في صحتها مما لا يعذر فيه بسهو، كانت باطلة، غير مخرجة من عهدة الخطاب، وإلى هذا أشار بقوله:
وفي العبادة لدى الجمهور … أن يسقط القضا مدى الدهور
ومبنى الخلاف: الخلاف في القضاء هل هو بأمر جديد، أو بالأمر الأول؟
فعلى أنه بأمر جديد، فالصلاة الواقعة على وجه ظاهره الصحة، صحيحة، لموافقتها للإذن في ظاهر الأمر، وهو المأمور بمراعاته، كما تقدم في مسألة اشتراط العلم والوسع. وعلى أنه بالأمر الأول، فهي غير صحيحة، ولا مخرجة من عهدة الخطاب، وإلى هذا أشار بقوله:
يبنى على القضاء بالجديد … أو أول الأمر لدى المجيد
فصحتها عند المتكلمين، بالنظر إلى الخروج بها من عهدة الخطاب الأول، بدليل أنه لو لم يظهر على منافي الصحة، لم يكن عاصيا للأمر، بل ممتثل مأجور، موافق للإذن، وأن
стр. 44
التكليف مشروط بالعلم والوسع، ولا ينافي ذلك أنهم يوجبون قضاء هذه الصلاة، كما توهمه بعضهم، فإيجابها بخطاب آخر، يستلزمه الشرط مع السهو، فاشتراط الطهارة مع السهو، عائد إلى الأمر بالإعادة بعد التذكر.
وأما استشهاد الزركشي ﵀ بمسألة من صلى بنجس ناسيا، أو إلى غير القبلة خطأ، فغير بين، وذلك أن شرطية بعض الشروط مشروطة بالذكر والقدرة، فعدمه لا يستلزم مخالفة الإذن مطلقا.
هذا وذكر ابن عاشور ﵀ أن تعريف الفقهاء يقتضي اختصاص الصحة بالفرض، وهذا بين، على أن المراد بالقضاء في قولهم: أسقط القضاء، القضاء بالمعنى الآتي، الذي هو فعل العبادة خارج وقتها الذي حدده الشرع لها، لكن هذا يقتضي أيضا عدم دخول وصف الصحة في الحج.
فإن قيل: الحج يصير موقتا بالشروع فيه، قلنا: كذلك نفل الصوم، والصلاة، والعمرة، والاعتكاف.
واستعمال الفقهاء يقتضي أن المراد بالقضاء، الفعل ثانية، أعم من كونه في الوقت أو لا، الذي هو الإعادة كما سيأتي قريبا ـ إن شاء الله وهو مقتضى ما عُلل به كل من القولين، وإن كان كلام القرافي في شرح التنقيح صريحا في مثل ما لابن عاشور ـ رحمهما الله وعليه فالنوافل التي تقدم أنها تتعين بالشروع توصف بالصحة، وإن كان في الصوم والصلاة إنما يؤمر بالقضاء حيث كان وقوع البطل عن عمد اختياري، ووصف تلك القرب بالصحة والبطلان معلوم في كلام الفقهاء، والله أعلم.
وهْي وفاقه لنفس الامر … أو ظن مأمور لدى ذي خُبْر
أشار بهذا إلى ما ذكره تقي الدين السبكي ﵀ من أن صحة العبادة هي موافقتها للإذن، لكن المعتبر عند الفقهاء الموافقة في نفس الأمر، وعند المتكلمين الموافقة في ظاهر الأمر، وليس إسقاط القضاء مشترطا حتى عند الفقهاء، وبنى ذلك على أن الصحة تقع في كلامهم على ما لا يكون مغنيا عن القضاء.
بصحة العقد يكون الأثر … وفي الفساد عكس هذا يظهر
стр. 45
إن لم تكن حوالة أو تلف … تعلق الحق، ونقص يُؤْلَف
قوله: بصحة العقد يكون الأثر، أشار به إلى رد ما قيل في تفسير صحة العقد، من أنها ترتب أثره عليه، بحيث يكون للمشتري التصرف في السلعة، ويكون للبائع التصرف في الثمن، فصحة العقد موافقته للإذن، وهي سبب لانتقال الملك في العوضين، والملك سبب لإطلاق التصرف المشروع في المملوك.
فترتب الأثر ناشئ عن الصحة، لا عينها، بدليل وجودها دونه، كما في بيع الخيار، وبيع الفضولي، وبيع المرتهن، وبيع المولى عليه، ونحو ذلك.
ولا يترتب على العقد الفاسد أثر، لأن المعدوم شرعا معدوم حسا، وسيأتي في مباحث النهي ـ إن شاء الله أن النهي يقتضي الفساد، خلافا للحنفية.
نعم قد يترتب في العقد الفاسد الأثر الذي يترتب على العقد الصحيح، لكن لا لنفس العقد، بل لمعنى آخر، كما في الخلع الفاسد، والكتابة الفاسدة، فترتب الطلاق والعتق فيهما ليس لنفس العقد، بل للتعليق، فالفساد راجع للتعاوض، وأصل العقدين الذي هو الطلاق والعتق، لا يتوقف على العوض.
قوله: وفي الفساد عكس هذا يظهر، أشار به إلى أن العقد الفاسد لا يترتب عليه أثر لما تقدم، وقد قال جل من قائل: (وأحل الله البيع وحرم الربا)
وقوله: إن لم تكن حوالة البيت، ظاهره أن الأثر يترتب في الفاسد إذا لم يطلع عليه إلا بعد الفوات مطلقا، وظاهره أيضا اختصاص ذلك بالبيع، وذلك هو ظاهر كلام القرافي ـ رحمهما الله في شرح التنقيح.
والمعروف أن الفاسد ينقسم إلى فاسد مجمع على فساده، وفاسد مختلف في فساده، أما المختلف في فساده فيفصل على المشهور بين ما إذا لم يطلع على فساده إلا بعد مفوت، وما إذا اطلع عليه قبل ذلك، فإن اطلع عليه قبل الفوات، فسخ، وإلا أقر بالثمن على المشهور، مراعاة للخلاف، وقيل إنه يمضي بمجرد العقد، وقيل بالقبض.
وأما شبهة الملك فهي حاصلة بظن الملك.
والوجه في مراعاة الخلاف بين، وإن أشكل على كثيرين، فمراعاة الخلاف عائدة إلى أن
стр. 46
ما وقع صحيحا على مقتضى اجتهاد معتبر، وحصل فيه مفوت، بحيث يلحق في فسخه ضرر أو نحوه، لا ينبغي أن ينقض لمخالفته لاجتهاد آخر.
والمعول أنه لا يراعى من الخلاف ما كان مدركه ضعيفا.
وهذا كما جاء عن عمر ـ رضي الله عنه ـ في مسألة المشتركة، حين راجعه فيها أحد الإخوة لأم، فعمل بغير اجتهاده فيها قبل ذلك، فقيل له في قضائه الأول، فقال: تلك على ما قضيناه، وهذه على ما قضينا (١).
وأما المجمع على فساده فمفسوخ مطلقا.
وهذا غير خاص بالبيع، بل يجري في ما سواه من العقود كالنكاح، فالنكاح الفاسد المختلف في فساده يمضي بالدخول، والمجمع على فساده يفسخ أبدا، ودخوله وطء شبهة، والله أعلم.
والمراد بالحوالة: حوالة السوق، والسوق: فسره عليش في قول سيدي خليل: بتغير سوق، بالثمن، ووقع مثله في عبارة غيره، ولا أدري هل مرادهم أنه موضوع لذلك أيضا حقيقة، أو هو تفسير باللازم، وهو استعمال معروف في لساننا الشعبي، نقول: كم سوق هذه السلعة.
والمراد بالتلف: تلف العين المعقود عليها.
وبتعلق الحق: تعلق الحق بها لثالث، كرهنها له أو إجارتها.
والمراد بالنقص: حدوث نقص فيها، كعور الشاة، وتخرق الثوب، ونحو ذلك، والله أعلم.
كفاية العبادة الإجزاء … وهي أن يسقط الاقتضاء
أو السقوط للقضا وذا أخص … من صحة إذ بالعبادة يخص
معناه أن إجزاء العبادة هو إيقاعها على وجه يسقط به طلبها، ويُخرج به من عهدة الخطاب بها.
стр. 47
وقيل: إيقاعها على وجه يسقط به قضاؤها، نحو الخلاف المتقدم في صحة العبادة، ولم أقف على عزو طرفي الخلاف هنا، والظاهر أيضا أن المراد بالقضاء هنا المراد به في الصحة، خلاف ما يقتضيه بعضهم، وذلك لما أسلفنا هناك، ولما صرحوا به من ترادف صحة العبادة وإجزائها، كما هو قوله: وذا أخص من صحة إذ بالعبادة يخص.
والمعنى أن الإجزاء أخص من الصحة مطلقا، لعدم جريانه في غير العبادات، فلا يقال بيع مجزئ، ولا نكاح مجزئ.
والصحة القبول فيها يدخل … وبعضهم للاستواء ينقل
أشار به إلى أن الأكثرين على أن الصحة لا تستلزم القبول، وإنما تستلزم الخروج من عهدة الخطاب.
وقيل: هما مترادفان، وهناك نصوص كثيرة ظاهرها إناطة أصل الثواب بالفعل، فضلا من الله وكرما وجودا وإحسانا، دون المضاعفة الزائدة على العشر مثلا، فهي محل التفاوت، والله أعلم.
لكن لا يخفى أن الفعل الذي رتب عليه الثواب، مشروط بالامتثال، والإخلاص، وغير ذلك مما هو معروف، فعدم الجزم بالثواب إنما هو لعدم الجزم بالسلامة مما يمنع ذلك، والله أعلم.
وخصص الإجزاء بالمطلوب … وقيل بل يختص بالمكتوب
وصف الإجزاء تقدم أنه خاص بالعبادة، وذكر هنا أنه اختلف في اختصاصه بالواجب، ودخوله في المندوبات، وهو الأبين، ولعل الأبين لو قال: وعمم الإجزاء في المطلوب، والله أعلم.
وقابل الصحة بالبطلان … وهْو الفساد عند أهل الشان
وخالف النعمان، فالفساد … ما نهيه للوصف يستفاد
معناه أن الصحة يقابلها البطلان، ويتخرج تعريفه على ما سبق في تعريف الصحة، فبطلان المعاملة وقوعها مخالفة لإذن الشرع، وبطلان العبادة كذلك أيضا، إلا أنه يختلف هل المعتبر في ذلك ظاهر الحال، أو ما في نفس الأمر، كما تقدم بيانه.
стр. 48
ويرادف البطلان الفساد عند الجمهور، وفرق الحنفية بينهما، فجعلوا البطلان في ما كان النهي عنه لذاته، والفساد في ما كان النهي عنه لوصفه.
أولهما كبيع الخمر والخنزير.
والثاني كبيع درهم بدرهمين، فمبادلة الدراهم جائزة في الأصل، والنهي في هذا العقد إنما هو لأجل الزيادة، وتحرير هذا يطلب من كتبهم.
فعل العبادة بوقت عُينا … شرعا لها باسم الاداء قُرنا
وكونه بفعل بعض يحصل … لعاضد النص هو المعول
وقيل ما في وقته أداء … وما يكون خارجا قضاء
والوقت: ما قدره من شرعا … من زمن مضيَّقا موسعا
وضده القضا تداركا لما … سبْق الذي أوجبه قد عُلما
أشار بأول الأبيات إلى تعريف الأداء، وهو من الأوصاف المختصة بالعبادة، فذكر أنه فعل العبادة في الوقت المحدد لها شرعا، ويقابله القضاء.
وأشار بالبيتين المواليين، إلى الاختلاف في من أدرك ركعة من الصلاة قبل أن يخرج وقتها، هل تعتبر أداء كلها، وهو المعول، لحديث الصحيحين " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر " (١) أو هي قضاء كلها؟
وقيل: الركعة الواقعة قبل خروج الوقت أداء، والواقعة بعده قضاء.
وأشار بقوله:
والوقت ما قدره من شرعا … من زمن مضيقا موسعا
إلى أن وقت العبادة، هو الزمن الذي عينه الشرع لها، سواء كان مضيقا، بأن كان لا يزيد عليها كرمضان، أو موسعا، كأوقات الصلوات، وسيأتي الكلام على ذلك ـ إن شاء الله
стр. 49
سبحانه وتعالى ـ في مباحث الأمر.
وقوله: وضده القضا البيت، معناه أن القضاء هو فعل العبادة خارج الوقت المحدد لها شرعا، تداركا لما علم تقدم سبب وجوبه.
واحترز الشيخ ﵀ بذكر الإيجاب، عن النوافل، إذ لا يجري فيها قضاء عندنا إلا في ركعتي الفجر على المشهور، وهو أحد أقوال ثلاثة: جريان القضاء فيها مطلقا، وعدم جريانه فيها مطلقا.
وقد يستشكل على قيد كون الفعل فيه خارج الوقت، قضاء تطوع الصوم والحج، والله أعلم بالصواب.
من الاداء واجب وما منع … ومنه ما فيه الجواز قد سمع
واجتمع الأداء والقضاء … وربما ينفرد الأداء
وانتفيا في النفل .......... ..........................
معنى أول الأبيات، أن الأداء قد يوصف بالوجوب، وذلك هو الأصل، وقد يكون جائزا، كصوم المسافر الذي يقوى على الصوم في السفر، وقد يكون ممتنعا، ومثلوا له بصوم الحائض، وهو محل نظر.
وقوله: واجتمع الأداء إلى قوله: في النفل، معناه أن العبادات باعتبار الوصف بالأداء والقضاء، تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
نوع يوصف بهما، كالصلوات الخمس، وصوم رمضان.
ونوع يوصف بالأداء فقط، ومثل له بصلاة الجمعة، والنوافل المؤقتة كالصلوات المسنونة.
ونوع لا يوصف بهما كالنفل المطلق.
والأبين أن لا يوصف بالأداء إلا ما يوصف بالقضاء، وما وجه به القرافي ﵀ ليس ببين.
والعباده … تكريرها لو خارجا إعاده
للعذر .................. ........................
стр. 50
معناه أن الإعادة - وهي أيضا وصف خاص بالعبادة - هي فعل العبادة مرة ثانية في الوقت أوبعده، لسبب يقتضي ذلك، ولا تعاد بعد الوقت إلا لمقتض ذلك وجوبا، وهو المعبر عنه بالإعادة الأبدية.
ومنع بعض الشروح تسمية ذلك إعادة، لأن الأولى كالعدم، وليس هذا ببين جدا، فعدميتها إنما هي في جهة الإجزاء، لا في جهة صدق اسم الصلاة عليها، فهي صلاة مثاب عليها، وإطلاق أهل المذهب الإعادة على هذا معلوم، فيقولون أحيانا: يعيد في الوقت، وأحيانا: يعيد أبدا، واسم الماهية يصدق بفاسدها.
وما ذكره الشيخ ﵀ من عدم اختصاصها بالوقت، هو مذهب الإمام مالك ﵀ كما بينه القرافي ﵀ في شرح التنقيح، وإن كان في التنقيح قيدها بالوقت تبعا للإمام ﵀ في المحصول.
والرخصة حكم غيرا … إلى سهولة لعذر قررا
مع قيام علة الأصلي … وغيرها عزيمة النبي
وتلك في المأذون حتما توجد … وغيره فيه لهم تردد
وربما تجي لما أخرج من … أصل بمطلق امتناعه قمن
قوله: والرخصة إلى قوله الأصلي، أشار به إلى تعريف الرخصة، وهي بسكون الخاء وضمها، مع ضم الراء، وحكى فيها خرصة بتقديم الخاء.
وهي لغة: اليسر والسهولة، وفي الاصطلاح: الحكم الذي تغير من صعوبة إلى سهولة لعذر، مع قيام علة الحكم الأصلي، ولو تغير من استحباب إلى جواز، كما في رد الضعفة من المزدلفة إلى منى.
وخرج بهذا التعريف، ما لم يقع فيه تغير أصلا، بأن بقي على ما وقع عليه شرعه ابتداء، وهو أكثر أحكام الشرع.
وقد يسمى هذا رخصة أيضا، إذا وقع على أخف مما تقتضيه القواعد، للحاجة، وإليه أشار بقوله:
стр. 51
وربما تجي لما أُخرج من … أصل بمطلق امتناعه قمن
وذلك كالمساقاة، فهي من قبيل الإجارة بمجهول، وكذلك القراض.
وكبيع العرية، فهو من قبيل بيع الطعام بالطعام نسيئة.
وكضرب الدية على العاقلة، وغير ذلك.
وخرج ما تغير إلى أصعب، كتعيين صيام رمضان بعد التخيير بينه وبين الافتداء.
وما تغير إلى مساو، كتحويل القبلة.
وما تغير إلى أخف لا لعذر، كسقوط الوضوء مما مست النار.
وما تغير إلى أخف لارتفاع سببه، كادخار لحوم الأضاحي، فالنهي عنه ابتداء إنما كان لأجل الدافَّة.
قوله: وغيرها عزيمة النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ معناه أن غير الرخص من الأحكام هو العزائم.
واعترض صاحب نثر الورود حصر الأحكام في الرخصة والعزيمة، وجعل المنسوخ واسطة، ولم أقف عليه لغيره.
ولم يتبين لي وجه امتناع دخوله عنده في العزيمة.
ولا أستبعد أن يكون قد سرى له ذلك من تعريف القرافي ﵀ في الفروق، والشاطبي ﵀ في الموافقات، حيث عرفاها، بأنها ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء، لكن المراد بكونه ابتداء، أن لا يكون حكما مستثنى من حكم قائم، فالمنسوخ قد ارتفع، بخلاف الرخصة فإن الحكم الأصلي فيها لم يرفع، بل هو قائم، والرخصة استثناء منه، والله أعلم.
وأثبت القرافي ﵀ واسطة بين الرخصة والعزيمة أيضا، وذلك حيث منع دخول وصف العزيمة في الجائز، قال: لأن العزائم مأخوذة من العزم، وهو الطلب المؤكد فيه، وعرف العزيمة بأنها: طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي.
قال: ولم أعين الوجوب، لأن المالكية قالوا إن السجدات المندوب السجود عند تلاوتها، عزائم اهـ
стр. 52
وإذا كان كما ذَكر، خرج من العزيمة أيضا المندوب الذي ليس بمؤكد، فقد نصوا أن السجدات لا تنحصر في العزائم، والله أعلم.
وليس ما قاله ببين أيضا ـ إن شاء الله فالأوجه أنها من عزم الأمر إذا قطعه ولم يبق فيه ترددا، ولا خيارا.
ولو كان الأمر كما قال، لاختصت الرخصة بالجائز، لمقابلتها للعزيمة.
ثم هذا البحث إنما هو على ما ذهب إليه القرافي ﵀ تبعا لغيره من أن الرخصة تتحقق بالوجوب، بل نسبه في البحر لجميع الأصوليين.
أما على ما ذهب إليه غيره كالتاج السبكي ﵀ في الإبهاج، ورفع الحاجب، والشاطبي ﵀ في الموافقات، من أنها الإباحة خاصة، فهو وارد.
وقد احتج الشاطبي ﵀ لما ذهب إليه من اختصاصها بالمباح، بأن النصوص الواردة في الرخص، إنما وردت بألفاظ دالة على رفع الحرج والإثم، ولم ترد بالأمر، كقوله جل من قائل: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه) وكقوله جل من قائل: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) وإنما يستفاد الأمر من دليل آخر، فالآية الكريمة إنما جاءت برفع الحرج عن المضطر، ثم ينظر بعد ذلك، فإن خاف التلف وجب عليه الأكل، من جهة وجوب إحياء النفس، المستفاد من نحو آية (ولا تقتلوا أنفسكم).
ونحوه قول ابن دقيق العيد ﵀ في مثل إساغة اللقمة بالخمر: لا مانع أن يطلق عليه رخصة من وجه، وعزيمة من وجه، فمن حيث قام الدليل المانع، نسميه رخصة، ومن حيث الوجوب نسميه عزيمة، نقله عنه في البحر.
قال: وهذا التردد الذي أشار إليه سبقه إليه إمام الحرمين ﵀ في النهاية، وتردد في أن الواجبات هل يوصف شيء منها بالرخصة اهـ
وأشار ﵀ بقوله:
وتلك في المأذون حتما توجد … وغيره فيه لهم تردد
стр. 53
إلى أن الرخصة تكون في المأذون بأنواعه الثلاثة، التي هي الوجوب، والاستحباب، والجواز، بمعنى أن متعلقها قد يكون واجبا، كنكاح الإماء لمن عدم الطول، وقد يكون مندوبا كالقصر في السفر، وقد يكون جائزا، كالمسح على الخفين، وقد يكون مكروها، كالجمع في السفر عند بعض أصحابنا.
ولا يمكن تحققها في المحرم، لأن التحريم نقيض الإذن، وهذا أمر لا خلاف فيه.
وأما قول الشيخ ﵀ : وغيره فيه لهم تردد، فهو سهو في العبارة، وإنما أراد الإشارة إلى الاختلاف في اشتراط حلية السبب المقتضي للترخيص، وذلك كالسفر، فقد اختلف إذا كان السفر معصية، هل يجوز قصر الصلاة فيه، والفطر في رمضان، أو لا.
وقد تفطن لهذا من شراح النظم مولاي لمرابط: محمد الامين بن أحمد زيدان ﵀ إلا أنه جعل متعلق الرخصة الصلاة، والصلاة المكتوبة لا يمكن وصفها بالرخصة، وإنما الرخصة قصرها، والقصر في سفر المعصية عند من لا يراه سببا للقصر لا يمكن وصفه بالرخصة، لأنه معصية، وهذا بين، والله أعلم.
وما به للخبر الوصول … بنظر صح هو الدليل
الدليل: فعيل من الدلالة، وهي مصدر دله دَلا، ودِلالة، ودِلِّيلى، إذا أرشده، فهو لغة: المرشد.
واصطلاحا: ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري، والمراد بصحيح النظر: أن ينظر فيه من الجهة التي من شأنها أن ينتقل العقل بواسطتها إلى ذلك المطلوب، المعروفة بوجه الدلالة، وجهة الدلالة.
كآية (أقيموا الصلاة) فهي دليل لوجوب الصلاة، لأن النظر فيها من جهة أنها أمر بالصلاة، يتوصل به إلى وجوبها، لأن الأمر بالشيء يقتضي وجوبه، والمراد بالنظر: جولان الفكر في المعقولات، لا النظر بالمعنى الآتي قريبا ـ إن شاء الله .
والمراد بالخبر: التصديق، ويحترز به عن التصور، فالمتوصل به إليه هو القول الشارح. … وينقسم الدليل إلى قطعي وظني، وذلك أن ترتب المطلوب على ذلك الأمر قد يكون على
стр. 54
وجه لا يتخلف بحال، وقد يكون على وجه الغلبة والرجحان، مع إمكان التخلف، والله أعلم.
والدلالة اصطلاحا قيل هي: فهم أمر من أمر، وقيل: هي كون أمر بحيث يفهم منه أمر، فهم أو لم يفهم.
ودلالة اللفظ الوضعية، على ثلاثة أنواع:
دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام.
فالأولى: دلالة اللفظ على مجموع معناه، كدلالة لفظ اثنين على مجموعهما.
والثانية: دلالته على بعض ما وضع له، كدلالة لفظ اثنين على أحدهما.
والثالثة: دلالته على خارج لازم له، كدلالة اللفظ المذكور على الشفع والزوجية.
والمراد باللزوم: اللزوم في الذهن، كالعمى والبصر، لا اللزوم في الخارج فقط، لأن الفهم حينئذ ليس ناشئا من اللفظ، وقد أشار الأخضري ﵀ إلى ذلك في السلم بقوله:
دلالة اللفظ على ما وافقه … يدعونها دلالة المطابقه
وجزئه تضمنا، وما لزم … فهو التزام إن بعقل التزم
وكلامهم في دلالة الاقتضاء، صريح في تساوي اللزوم العقلي واللزوم الشرعي، فلعل التخصيص باللزوم العقلي اصطلاح خاص بالمناطقة، والله أعلم.
ولا بد للطالب من معرفة هذه الأوجه، فإن بعض البحوث التي تدور في كلامهم مبنية على تفاصيلها، وإنما لم يتكلم عليها المؤلف ﵀ لقوله:
منتبذا عن مقصدي ما ذكرا … لدى الفنون غيره محررا
ولا شك أن هذا لا يقل أهمية عن التصور والتصديق.
والنظر الفكر الموصِّل إلى … ظن بحكم، أو لعلم مسجلا
معناه أن النظر في الاصطلاح، هو الفكر الذي يوصل إلى علم أو ظن.
ومقتضى قوله: ظن بحكم: أن التصور لا يكون إلا علما، وهو كذلك في ما ذكروا، والله أعلم.
стр. 55
والفكر هو حركة النفس في المعقولات.
والمراد بالإطلاق في البيت، أنه لا فرق بين أن يكون العلم بذات، أو نسبة.
الادراك من غير قضا تصور … ومعْه تصديق وذا مشتهر
معناه أن التصور هو الإدراك الذي لا حكم معه، فإن كان معه حكم، فهو تصديق، والحكم تقدم أنه إثبات أمر لأمر، أو نفيه عنه.
وقيل: إن التصديق هو الإدراك الرابع من الإدراكات التي يتوقف عليها الحكم، وهي إدراك زيد في قضية: زيد كاتب، وإدراك الكاتب، وإدراك النسبة بين زيد والكاتب، التي هي مورد الإثبات والنفي، من غير حكم، كحال شاك، وكونها واقعة بالفعل، أو منتفية، وهو مذهب قدماء المناطقة، وهو المشار إليه بمفهوم قوله: وذا مشتهر.
وإنما سمي التصور تصورا، لانطباع صورة المدرَك في ذهن مدرِكه، وأما التصديق فسمي تصديقا، أخذا بأشرف الاحتمالين: الصدق والكذب، فالتصديق خبر، والخبر محتمل للصدق والكذب.
والمراد بالتصور ـ في ما قالوا ـ: وصول النفس إلى المعنى بتمامه، وإلا فهو شعور، ومثلوا له بشعورنا بأن الملئكة أجسام لطيفة نورانية لا تعلم حقيقتهم.
وهذا يؤدي إلى سؤال، وهو أنه إذا كان التصديق متوقفا على التصور، وكان التصور خاصا بوصول النفس إلى المعنى بتمامه، فكيف يكون التصديق في الأشياء الغيبية؟ … والجواب: أن التصديق إنما يتوقف على إدراك الشيء إدراكا يرفع أصل الجهالة به، المانع من تمييزه، ومعرفته من الجهة التي يتعلق به فيها ذلك الحكم.
فإن كان هذا هو المراد بوصول النفس إلى المعنى بتمامه، فلا إشكال.
وإن أريد تعقله على وجه تام، كما يقتضيه التمثيل بالملئكة فليس بصحيح، والله أعلم.
جازمه دون تغير علم … علما، وغيره اعتقاد ينقسم
إلى صحيح إن يكن يطابق … أو فاسد إن هو لا يوافق
والوهم والظن وشك ما احتمل … لراجح أو ضده أو ما اعتدل
стр. 56
معناه أن التصديق إما أن يكون جازما أو لا.
والجازم قابل للتغير، وغير قابل له.
فالجازم الذي لا يقبل التغير، كالتصديق بأن الكل أكبر من الجزء، يسمى علما. والجازم الذي يقبل التغير، يسمى اعتقادا، كالعقائد الفاسدة كلها.
وينقسم الاعتقاد إلى صحيح، وهو ما وافق الواقع، وفاسد، وهو غيره.
وغير الجازم إما أن يكون احتمال نقيضه مرجوحا، وهو الظن، أو راجحا، وهو الوهم، أو مساويا، وهو الشك، وإلى هذه الثلاثة أشار ﵀ على سبيل اللف والنشر المرتب بقوله: والوهم والظن البيت.
وقيل: إن الشك والوهم ليسا من التصديق، إذ ليس فيهما إلا التجويز، وقد عدهما السيد وغيره من التصور، وهو أبين.
وأما قول بعض الشروح: إن الواهم حاكم بالطرف المرجوح حكما مرجوحا، وأن الشاك إن كان شكه ناشئا عن تعارض الأدلة فهو حاكم بالتردد، فمشكل.
أما في الشك، فلما ذكروه من أن التصديق الحكم بوقوع النسبة، أو عدم وقوعها، وهذا غير واحد منهما.
وأما الحكم بالتردد، فهذا حكم في نسبة أخرى، وقضية أخرى، وهي تكافؤ أدلة الوقوع، وأدلة اللاوقوع.
وأما في الوهم، فكيف يكون حاكما بعدم وقوع الشيء مثلا، مع حكمه بوقوعه؟ … فالأوجه أن الواقع منه إنما هو تجويز للنقيض.
وأيضا كيف يكون صاحب الوهم حاكما، وصاحب الشك غير حاكم، مع أن الشك أقوى من الوهم، والله أعلم.
هذا والأصل العمل بالظن إلا في مواضع مستثناة، كالمواطن المتعبد فيها بالقطع، كالعقائد. وأما الشك والوهم، فالأصل إلغاؤهما، وقد يراعيان لمعنى عارض، كالاحتياط ونحوه، كلزوم الوضوء بالشك في الحدث، وكلزوم طلب الماء مع ظن عدم وجوده، على خلاف في المسألتين، وكندب التنزه في الرضاع، ويقول الشيخ آد ﵀ :
стр. 57
والشك في الشرط ومانع سبب … لغو، كما الحبر القرافي جلب
وذلك لقاعدة أن اليقين لا يرتفع بالشك، وهي قاعدة متفق عليها، وسيأتي أنها من القواعد الخمس التي ذكر القاضي الحسين ـ رحمه أن الفقه ينبني عليها، وذلك عملا بأصل الاستصحاب، والله أعلم.
والعلم عند الاكثرين يختلف … جزما، وبعضهم بنفيه عُرف
وإنما له لدى المحقق … تفاوت بحسب التعلق
لما له من اتحاد منحتم … مع تعدد لمعلوم علم
يبنى عليه الزيد والنقصان … هل ينتمي إليهما الإيمان
أشار بهذا إلى أنه اختلف في تفاوت العلم في جزئياته، فذهب الأكثرون إلى أنه يتفاوت، فالعلم بأن الكل أكبر من الجزء، أقوى من العلم بمجيء زيد الثابت بالأخبار المتواترة، والعلم الناشئ عن العيان، أقوى من العلم الناشئ عن الأخبار المتواترة.
وتشهد لهذا المذهب ظواهر كثيرة، كقول سيدنا إبراهيم ـ على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ـ: (ولكن ليطمئن قلبي) وكقول الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها المذكور في الآية الكريمة، وكقول الحواريين: (وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا) وكقوله جل من قائل خبرا عن الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) الآية الكريمة، وكقوله جل من قائل: (لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين) والله أعلم.
وذهب قوم إلى أنه لا يتفاوت في نفسه، فلا فرق بين ضروريه ونظريه، وإنما يتفاوت بكثرة المتعلقات، كمثل ما في حديث الصحيحين (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا)
وينبني على هذا الاختلاف: الاختلاف في الإيمان هل يزيد وينقص بحسب الجزم أو لا؟ والله أعلم.
وهذا الخلاف ينبني على خلاف آخر، وهو هل يتعدد العلم بتعدد المعلوم، أو لا؟
стр. 58
وعلى الأول أبو الحسن الأشعري ﵀ وكثير من المعتزلة، وعليه يجري القول بتفاوت العلم في نفسه.
وأما من ذهب إلى أن العلم واحد، ولا يتعدد بتعدد المعلوم، فيرى أن العلم لا يتفاوت في نفسه، وإلى هذا أشار بقوله: لما له من اتحاد منحتم البيت.
والجهل جا في المذهب المحمود … هو انتفاء العلم بالمقصود
معناه أن الجهل هو انتفاء العلم بما من شأنه أن يقصد ليعلم، وذلك صادق بالجهل البسيط، وهو عدم العلم به من دون اعتقاد العلم به، والجهل المركب وهو اعتقاده على هيئة خلاف هيئته.
وقولهم: عما من شأنه أن يقصد ليعلم، احتراز عن نحو جهل ما تحت الأرض ـ مثلا ـ فلا يسمى عدم معرفته جهلا على ما قالوا، والله أعلم.
زوال ما علم قل نسيان … والعلم في السهو له اكتنان
معناه أن النسيان، هو زوال المعلوم عن الحافظة، بحيث يحتاج إلى استئناف تحصيله، والسهو هو الذهول عن الشيء مع بقائه في الحافظة، بحيث يستحضره عند التذكير، وذلك هو المراد بقوله: له اكتنان، أي اختفاء واستتار في الحافظة، من غير أن يكون قد ذهب جملة.
وقيل: هما مترادفان، والظاهر أن المراد ترادفهما لما يعم الأمرين جميعا، والله أعلم.
ما ربنا لم ينه عنه حسن … وغيره القبيح والمستهجن
معناه أن قبح الأشياء وحسنها الشرعيين ـ الذين يترتب عليهما الثواب والعقاب والذم والمدح ـ لا يدركان إلا بالشرع.
فالحسن: ما لم ينه عنه الشرع، بأن أذن فيه، سواء كان واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، والقبيح: ما نهى عنه الشرع، سواء كان النهي نهي تحريم أو نهي كراهة.
وقال إمام الحرمين ﵀ : المكروه واسطة، إذ لا يذم على فعله، ولا يسوغ الثناء عليه.
стр. 59
والصواب أنه من قبيل القبيح، للإثابة على تركه، لكن قبحه دون قبح الحرام، كما أن حسن المندوب دون حسن الواجب، وحسن المباح دون حسن المندوب، فالقبح والحسن معنيان مشككان، وليسا متواطئين.
وذهب المعتزلة إلى أن ما ذكر من الحسن والقبح، يدرك بالعقل، قبل الشرع.
وصرح بعض الشروح بأن المحرم في حق الصبي حسن.
ومقتضاه أن الواجب والمحرم لا يتوجه إلى الصبي فيهما خطاب، عند من يرى توجه الخطاب إليه بالندب والكراهة، فيكون شرب الخليطين في حقه قبيحا، وشرب الخمر وغيره من كبائر الذنوب حسنا، وهو غير بين الوجاهة.
فالأوجه أن المنفي في حق الصبي التحريم والإيجاب، لا الخطاب في المحرم والواجب، فمن ذهب إلى توجه الخطاب إليه بالندب والكراهة، يرى ندب الواجب، وكراهة المحرم في حقه، وهو الذي تقتضيه تفاريع أهل المذهب، وهو مقتضى استدلالهم لاستحباب صلاته، باستحباب حجه، كما سيأتي بيانه ـ إن شاء الله .
ومن لا يرى توجه الخطاب إليه جملة، يرى أفعاله كلها غير موصوفة بحسن ولا قبح، فهي كأفعال المجانين والعجماوات، والله أعلم.
وأما الحسن والقبح بمعنى ملاءمة الطبع ونفوره، ونحو ذلك، فلا خلاف أنه يدرك بالعقل قبل الشرع، والله أعلم.
هل يجب الصوم على ذي العذر … كحائضٍ ومُمْرَض، وسَفْر
وجوبه في غير الاول وضح … وضعفه فيه لديهمُ رجح
وهو في وجوب قصدٍ للأدا … أو ضده لقائل به بدا
اختلف إذا انعقد سبب وجوب الصوم، مع قيام العذر المبيح للفطر، هل يوصف بالوجوب أو لا؟
وذلك كالحائض، والنفساء، والمريض، والمسافر، فقد اختلف في وجوب الصوم عليهم في وقت العذر، وذلك على أقوال: ثالثها وجوبه على المسافر والمريض.
واحتج من قال يجب عليهم بوجوب القضاء بقدر ما فات، قال: فلو لم يكن الفائت
стр. 60
واجبا، لم يكن البدل واجبا.
وأجيب عن هذا، بأن وجوب القضاء قد يوجد دون وجوب الأداء، كما في الناسي والنائم عن الصلاة حتى خرج وقتها.
ومن فصل، نظر إلى إجزائه ممن ذهب إلى وجوبه عليهم، وغير الواجب لا يجزئ عن الواجب، فهو في حقهم عنده من قبيل الواجب المخير.
ومن قال لا يجب عليهم، نظر إلى عدم الإثم بالترك.
والأصح القول بالتفصيل، كما أشار إليه الشيخ ﵀ بقوله: وجوبه في غير الاول رجح البيت.
وفائدة هذا الخلاف هل يقضي من ذكر، بنية الأداء، أو بنية القضاء، عند من يرى وجوب التعرض لذلك في النية.
ونقل بعض الشروح عن الرجراجي ﵀ أنه قال في المرأة تسافر وهي حائض، فتطهر أثناء المسافة: مشهور المذهب أنها تتم الصلاة ولا تقصر، ويتخرج في المذهب قول ثان أنها تقصر.
قال: وينبغي أن ينبني الخلاف فيها، على الخلاف في الحائض، هل هي مخاطبة بالعبادة مع وجود الحيض، أو غير مخاطبة؟
فعلى القول بأنها غير مخاطبة، لا بالأداء ولا بالقضاء في الصلاة، والقضاء في الصيام بالخطاب الجديد، فلا بد من اعتبار بقية المسافة كما هو منصوص.
وعلى القول بأنها مخاطبة بالخطاب الأول، ويسترسل عليها مع وجود الحيض، إلى ارتفاعه، يجب أن تقصر الصلاة إذا طهرت، اعتبارا ببقية المسافة، والله أعلم.
وهذا مشكل جدا، فعدم خطاب الحائض بالصلاة، صرح فيه غير واحد كالمازري ﵀ وغيره بالإجماع.
والخلاف المذكور جار أيضا في المجنون يفيق أثناء المسافة، والقلم مرفوع عنه بإجماع أيضا.
ولا يكلِّف بغير الفعل … باعثُ الانبيا وربُّ الفضل
стр. 61
فكفنا بالنهي مطلوب النبي … والترك فعل في صحيح المذهب
له فروع ذكرت في المنهج … وسردها من بعد ذا البيت يجي
من شرب أو خيط ذكاة فضل ما … وعمد رسم شهادة وما
عطل ناظر وذو الرهن كذا … مفرط في العلْف فادر المأخذا
وكالتي ردت بعيب وعَدِم … وليُّها وشبهها مما علم
قوله: ولا يكلف بغير الفعل البيت، معناه أن التكليف لا يكون إلا بفعل، بناء على امتناع التكليف بالمحال.
والمراد بالفعل: ما يقع باختيار من المكلف، وهذا بين في جهة الأمر، لاقتضائه الفعل غالبا، وأما النهي فالمطلوب فيه هو الكف بمعنى الانتهاء.
وقيل: فعل الضد، وقيل: انتفاء الفعل، وإلى الأول أشار بقوله: فكفنا بالنهي مطلوب النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ.
وأما قوله: والترك فعل في صحيح المذهب إلخ الأبيات، فظاهره أن الخلاف فيه في مطلق الكف هل هو فعل؟
والمتبادر أن المراد بالفعل في القاعدة المشار إليها، أخص من الفعل المراد في ما كنا فيه، فالمراد بالفعل هنا فعل خاص، وهو القيام بالإتلاف ـ مثلا ـ نظير قولهم: هل الساكت كالمقر، لا مطلق الفعل.
وعبارتهم ظاهرة في الاتفاق على أنه غير فاعل، وإنما الخلاف هل يعتبر كالفاعل، فالمثبت لا يخالف في أنه غير فاعل، وإنما يخالف في مخالفته للفاعل في الحكم، مع اتفاقهم على كونه فاعلا بالمعنى الأعم، لاتفاقهم على لومه بتركه، ولفظ الزقاق:
وهل كمن فعل تارك كمن … له بنفع قدرة، لكن كمن
والله أعلم.
وقول صاحب المنهج: من شرب، يشير به إلى الاختلاف في ضمان من منع مضطرا فضل طعام أو شراب، حتى مات.
وأشار بقوله: أو خيط، إلى الاختلاف في ضمان من ترك مواساة من به جائفة بخيط
стр. 62
حرير عنده، حتى مات.
وأشار بقوله: ذكاة، إلى الاختلاف في ضمان من مر بصيد لم تنفذ مقاتله، وكانت تمكنه ذكاته فلم يفعل، حتى مات.
وأشار بقوله: فضل ما، إلى الاختلاف في ضمان من كان له فضل ماء، وكان لجاره زرع، وانهدمت بئره، وأخذ يصلحها، فمنعه فضل مائه حتى تلف زرعه.
وأشار بقوله: وعمد، إلى مسألة: من منع عمده من صاحب جدار يخاف سقوطه، حتى سقط.
وأشار بقوله: رسم، إلى الاختلاف في ضمان من ضيع وثيقة حق.
وأشار بقوله: شهادة، إلى الاختلاف في ضمان من كتم شهادة بحق يتعذر على ربه إثباته إلا بشهادته.
وأشار بقوله: وما عطل ناظر وذو الرهن، إلى الاختلاف في ضمان الناظر على اليتيم ونحوه كراء عقاره إذا عطله، وضمان المرتهن ذلك للراهن أيضا إذا عطل العقار المرتهن عنده. وأشار بقوله: كذا مفرط في العلف، إلى الاختلاف في ضمان من دفعت له دابة مع علفها فترك علفها حتى ماتت.
والعلف ـ بسكون اللام ـ: تقديم العلف ـ بفتحها ـ.
وأشار بقوله: وكالتي ردت بعيب البيت، إلى الاختلاف في ضمان المرأة المعيبة التي زوَّجها وليها القريب الذي لا يخفى عليه عيبها، الصداق، إذا كان الولي معدما.
والامر قبل الوقت قد تعلقا … بالفعل للإعلام قد تحققا
وبعدُ للإلزام يستمرُّ … حال التلبس، وقوم فروا
فليس يُجزي من له يُقَدِّم … ولا عليه دون حظر يُقْدِم
وذا التعبد، وما تمحضا … للفعل فالتقديم فيه مرتضى
وما إلى هذا وهذا ينتسب … ففيه خلف دون نص قد جُلب
وقال إن الامر لا يوجَّه … إلا لدى تلبس منتبه
فاللوم قبله على التلبس … بالكف، وهْي من أدق الاسس
стр. 63
وهي في فرض الكفاية فهل … يسقط الاثم بشروع قد حصل
قوله: والامر قبل الوقت، إلى قوله: للإلزام، معناه أن الأمر يتعلق بالفعل قبل وقته، إعلاما بوجوب فعله إذا دخل وقته، ويتعلق به بعد دخول وقته إلزاما بفعله، وهكذا القول في بقية الأحكام التكليفية.
واختلف هل ينقطع توجهه بالشروع فيه، أو يستمر توجهه حتى يتم الفعل على الوجه المطلوب؟ وهو المعول، وإليه أشار بقوله: يستمر حال التلبس، لأن الخطاب لا يُخرج من عهدته إلا بالامتثال، والامتثال لا يقع إلا بالإتيان بالفعل على الوجه المطلوب، فتعلقه باق، وإلا لأجزأ عنه أدنى شطر منه، وهو باطل.
واستدل من رأى انقطاع الخطاب بالتلبس، بأن توجه الخطاب مع التلبس، طلب تحصيل حاصل، وهذا إنما يتوجه حيث كان المطلوب مجرد التلبس.
وأشار بقوله: فليس يجزي من له يقدم، الأبيات الثلاثة، إلى أنه ينبني على ما تقدم من تأخر التعلق الإلزامي ـ مثلا ـ إلى دخول الوقت، عدم إجزاء الفعل إذا قدم قبل الوقت، لأنه حينئذ غير واجب، وغير الواجب لا يغني عن الواجب، بل فعل العبادة الموقتة قبل وقتها ممنوع، كما أشار إليه بقوله: ولا عليه دون حظر يقدم.
وهذا في ما كان من الأمور تعبديا محضا، كالصلاة والصوم، وأما ما كان متمحضا للمفعولية، بأن كان معقول المعنى، كقضاء الديون، ورد الودائع، فالأصل جواز تقديمه، وإجزاؤه، وقد يمنع لمعنى عارض، وإلى ذلك أشار بقوله: وما تمحضا للفعل فالتقديم فيه مرتضى.
واختلف في ما اشتمل على شائبة التعبد، وشائبة المعقولية، كالزكاة، وإليه أشار بقوله: وما إلى هذا وهذا ينتسب، ففيه خلف.
وقوله: دون نص قد جلب، أشار به إلى أن محل الاختلاف ما لم يرد نص فيه بجواز التقديم، كالوضوء، فإنه يجزئ قبل الوقت اتفاقا.
ولو قيل: إن وجه إجزائه مقدما، عدم اختصاصه بالصلاة المفروضة، فهو عبادة مشروعة لقرب أخرى غير موقتة، كالتلاوة ونحوها، لم يكن بعيدا.
стр. 64
وقوله: وقال إن الامر لا يوجه إلا لدى تلبس منتبه، أشار به إلى أن منهم من ذهب إلى أن التعلق الإلزامي لا يقع إلا عند التلبس بالفعل، لأنه وقتُ القدرة، لأن القدرة عرض، والعرض لا يبقى زمانين.
وهذا معترض، فالقدرة التي هي شرط في التكليف، إنما هي القدرة بمعنى سلامة الأسباب، وانعدام الموانع، وهي المفهومة من القدرة عند الإطلاق، ولو اعتبرت القدرة بمعنى العرض المقارن، لم يتحقق عصيان أصلا، إذ لا يتوجه الخطاب إلا مع القدرة، والتارك غير قادر.
وأما ما أجابوا به من أن العصيان متحقق بالتلبس بالكف، إذ هو منهي عنه، لأن الأمر بالشيء نهي عن تركه، فيرد عليه نفس ما ورد على الترك، إذ العصيان بالكف مشروط أيضا بالقدرة على تركه، وهو وقت التلبس بالكف غير قادر على تركه، فلا يكون ملوما على التلبس به.
مع أن توجه النهي عن الكف، فرع عن توجه الأمر بالفعل، فإذا انتفى الملزوم انتفى اللازم.
وإلى الجواب المذكور الإشارة بقوله: فاللوم قبله على التلبس بالكف.
وقوله: وهي من أدق الاسس، أشار به إلى قول القرافي ﵀ في شرح التنقيح: هذه المسألة لعلها أغمض مسألة في أصول الفقه، والعبارات فيها عسرة التفهم اهـ
وقوله: وهي في فرض الكفاية البيت، أشار به إلى أن الاختلاف في انقطاع توجه الخطاب بالتلبس، ينبني عليه الاختلاف في تعين فرض الكفاية على من شرع فيه، الآتي ذكره ـ إن شاء الله في مبحث الكفائي من مباحث الأمر، وعدم تعينه. وعلى التعين يسقط الإثم عن غيره، بمجرد شروعه، والظاهر أن الاختلاف المذكور لا يختص بالواجب، فهو جار في المطلوب كفاية مطلقا، والله أعلم.
وهذا في ما لا يتعين بالشروع كتجهيز الميت، لا ما يتعين به كالصلاة على الميت.
للامتثال كلف الرقيب … فموجب تمكنا مصيب
стр. 65
أو بينه والابتلا ترددا … شرط تمكن عليه انفقدا
عليه تكليف يجوز، ويقع … معْ علم من أُمِر بالذي امتنع
في علم من أمَر، كالمأمور … في المذهب المحقق المنصور
معناه أنه اختلف في فائدة التكليف، هل هي منحصرة في الامتثال، أو دائرة بينه وبين الابتلاء؟ وينبني على ذلك اشتراط التمكن من الفعل في التكليف، فمن قال هي منحصرة في الامتثال، شرط ذلك، ومن جعلها مترددة بينه وبين الابتلاء، لم يشترط ذلك.
واختلف على هذا، هل يجوز التكليف عقلا، ويقع شرعا، معلوما للمأمور إثر سماعه الأمر الدال عليه، مع علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته؟
فمن لم يشترط التمكن، أجاز ذلك، ومن اشترط ذلك، منعه، وهذا هو المراد بقوله: عليه تكليف يجوز ويقع مع علم من أمر - بالبناء للمفعول - بالذي امتنع في علم من أمر - بالبناء للفاعل ـ.
وقوله: بالذي امتنع في علم من أمر، يتعلق بقوله: تكليف، والضمير في قوله: عليه تكليف، يعود للقول بتردد التكليف بين الامتثال والابتلاء، أي: على قول التردد بين الأمرين، يقع التكليف، ويعلم المكلف أنه مأمور عند سماعه الخطاب، بما علم الآمر انتفاء شرط وقوعه عند وقته، ابتلاء له، هل يعزم، ويأخذ في الاستعداد، فيؤجر، أو لا، فيأثم.
وعلى مقابله لا يقع التكليف في ذلك، ولا يعلم المأمور أنه مكلف، حتى يتمكن من الفعل.
وأشار بقوله: كالمأمور إلخ، إلى جريان ذلك الاختلاف في ما إذا علم كل من الآمر والمأمور انتفاء شرط وقوع الفعل عند وقته، كما لو أخبر المرأةَ نبي ـ صلى الله تعالى وسلم على نبينا وعلى سائر الأنبياء والمرسلين ـ أنها تحيض ظهر اليوم كذا من رمضان ـ مثلا ـ فهل يلزمها صومه وهو المعول، أو لا؟
وحكى الآمدي ﵀ الاتفاق في هذه الصورة على المنع، وإلى رد ذلك أشار الشيخ ﵀ بقوله: في المذهب المحقق المنصور.
وفي النسخة المطبوعة من نثر الورود هنا كلام غير معارض.
стр. 66
كتاب القرآن ومباحث الأقوال
اختلف في لفظ القرآن هل هو مشتق، أو لا؟
فقال قوم: إنه اسم مرتجل، كالتورية والإنجيل.
وقال قوم: هو مشتق.
واختلف القائلون باشتقاقه، فقال قوم: هو مشتق من قَرَأَ بمعنى جمع، وعلى هذا اقتصر جماعة من أئمة اللسان، وذلك لجمعه السور والآيات، وجمْع الأخبار، والأحكام، والوعد، والوعيد، وغير ذلك، ثم نقل من المصدر وجعل علما.
وقيل: هو مشتق من قَرَأَ إذا تلا، فهو من إطلاق المصدر بمعنى اسم المفعول، وذلك أنه مقروء ومتلو.
وقال قوم: هو غير مهموز، واشتقاقه من القرائن، والله أعلم.
والمباحث: جمع مبحث، وهو اسم مكان من البحث، وهو التفتيش والتحقيق.
والمراد أنه سيذكر في هذه الترجمة مسائل الأقوال، والمراد بالأقوال: الأقوال التي يشتمل عليها القرآن، ونظيرها من السنة أيضا، كالأمر، والنهي، والعام، والخاص، والمطلق، والمقيد، والناسخ، والمنسوخ، والمبين، والمجمل، والمحكم، والمتشابه، وغيرها.
لفظ منزَّل على محمد … لأجل الاعجاز وللتعبد
القرآن يطلق بإزاء معان:
فيطلق على اللفظ، كما في قوله جل من قائل: (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)
ويطلق على المكتوب، ومنه قوله جل من قائل: (لا يمسه إلا المطهرون) وحديث نهى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو (١) وما في كتاب عمرو بن حزم " لا يمس القرآن إلا طاهر " (٢).
стр. 67
ويطلق على المقروء، ومنه قوله جل من قائل: (فإذا قرأت القرآن) وقوله جل من قائل: (وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن)
ومن رأى أن لفظ اللافظ، أو ورقة المصحف ـ مثلا ـ هي عين صفة الباري فقد أبعد إبعادا يدركه الذكي والغبي.
ويختلف تعريف القرآن بحسب الجهة التي يتعلق به البحث منها، وهو عند الفقهاء والأصوليين وعلماء اللسان: اللفظ المنزل على محمد ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ لأجل الإعجاز به، والتعبد بتلاوته.
فخرج بوصف التنزيل: الأحاديث النبوية، فإنها لم تنزل عليه ألفاظها، وإنما نزل عليه معناها.
وخرج بقولنا: على محمد ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ما سوى القرآن من الكتب المنزلة.
وخرج بقولنا: لأجل الإعجاز، الأحاديث القدسية، كحديث " أنا أغنى الشركاء عن الشرك " (١).
وخرج بقولنا: والتعبد بتلاوته: المنسوخ، كآية الشيخ والشيخة.
تنبيه
كان يشكل علي كثيرا، ما أسمعه من أن من قرأ حرفا هجائيا من القرآن، يكون له به عشر حسنات، مع أن ظاهر حديث " لا أقول ألم حرف " (٢) يقتضي غير ذلك.
ووقع ببالي مرة، أن المراد حرف الهجاء، لكن العبرة فيه بالرسم، لا باللفظ، ثم نقل لي بعض طلبة العلم كلاما للحافظ أبي عمرو الداني ﵀ في كتاب البيان في عد آي القرآن، صريحا في ذلك، ونصه:
لو كانت الكلمة إنما تعد حروفها على حال استقرارها في اللفظ، دون الرسم، لوجب
стр. 68
أن يكون لقارئ (ألم) تسعون حسنة، إذ هي في اللفظ تسعة أحرف، فلما قال الصحابي ـ وبعضهم يرفعه ـ إنها ثلاثة أحرف، وإن لقارئها ثلاثين حسنة، لكل حرف منها عشر حسنات، ثبت أن حروف الكلم إنما تعد على حال صورهن في الكتابة، دون اللفظ اهـ.
وهذا يقتضي أن الرسم توقيفي، ويحتمل عليه أن يثاب على الأحرف الزوائد، ولم أقف على شيء في ذلك.
ووقفت بعد ذلك أيضا على جواب آخر للإمام الحافظ ابن الجزري ﵀ في ذلك، ونصه:
وقد سألت شيخنا الإمام ابن كثير ﵀ : ما المراد بالحرف في الحديث؟
فقال: الكلمة، لحديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ " من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف "
قال: وهذا الذي ذكره هو الصحيح، إذ لو كان المراد بالحرف حرف الهجاء، لكان ألف بثلاثة أحرف، ولام بثلاثة أحرف، وميم بثلاثة أحرف، وقد تعسر على فهم بعض الناس، فينبغي أن يتفطن له، فكثير من الناس لا يعرفه اهـ.
وهذا الجواب أقرب عندي مما قبله، والله أعلم.
وهو يقتضي أن الحرف يطلق بمقابلة معنيين غير حرف الهجاء: أحدهما الكلمة، والثاني الآية أو الجملة.
فبين الخبر أنه ليس المراد حرف الهجاء، ولا الحرف بمعنى الآية مثلا، وإنما المراد الحرف بمعنى الكلمة، وبهذا يظهر بيان عدم صحة ما يقع في كلام بعضهم من زيادة الأجر في كلمة بقراءة، عليها في قراءة أخرى، لزيادتها فيها بحرف، إلا أن يكون الحرف حرفا دالا على معنى، الذي هو الحرف في اصطلاح النحاة، وذلك أن ظاهر الخبر على هذا المعنى أن المراد الكلمة معنى لا رسما، ويحتمل اختصاص ذلك أيضا بالحرف الذي يستقل بنفسه كعن ومن، دون الحرف الذي لا يستقل بنفسه كالفاء، والباء، والواو، والله أعلم
стр. 69
بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وليس للقرآن تُعزى البسمله … وكونها منه الخلافي نَقَلَه
وبعضهم إلى القراءة نظر … وذاك للوفاق رأي معتبر
ومعناه أنه اختلف في عد البسملة آية من أول كل سورة، غير سورة التوبة، وعدم عدها، فذهب أكثر الأصوليين، والفقهاء، والأئمة الثلاثة، كما في النشر، إلى أنها ليست آية في أول كل سورة، قال:
والصحيح عن الشافعي ﵀ أنها آية في جميع أوائل السور، غير براءة، وروي عنه أنها آية من الفاتحة، وروي عنه أنه قال: لا أدري، هل هي آية من الفاتحة أو لا.
وذهب جماعة من الحفاظ إلى التوفيق بأن الخلاف فيها راجع إلى اختلاف القراءة، فمن قرأ بحرف من يثبتها في أول كل سورة، فهي آية عنده من كل سورة، ومن قرأ بحرف من لا يثبتها، فليست آية عنده من كل سورة.
واستشكل الأمير ذلك في الفاتحة بالنسبة للمصلي، بأمرين:
أحدهما اتفاق القراء على إثباتها عند الافتتاح بكل سورة، والفاتحة في الصلاة لا تكون إلا مفتتحا بها.
وهذا غير بين، فالنظر في إثبات البسملة قبل أول كل سورة، إنما هو لإثباتها على وجه الدوام، لا لإثباتها لعروض وصف الابتداء، فالبسملة في مثل ذلك كالاستعاذة، وقد اتفق على أنها ليست من القرآن، وقد اتفقوا على طلبها عند الابتداء بالقراءة، واستغني عنها في الصلاة بالتكبير، فكذلك البسملة عند من لا يثبتها على كل حال.
وقد جاء عن بعض أهل الأداء الافتتاح بعد الاستعاذة بالبسملة وإن لم يكن الافتتاح بأول سورة.
الثاني الإجماع على عدم تعين قراءة في الصلاة، ولا خارجها، وهذا وجه بين وجيه، إذا كان المراد بناء الاختلاف في بطلان صلاة تاركها.
وأما بناء الاختلاف في إثبات قرآنيتها أول كل سورة عليه، الذي هو مرادهم فلا يظهر
стр. 70
توجهه عليه، والله أعلم.
وليس منه ما بالاحاد رُوي … فللقراءة به نفي قوي
كالاحتجاج، غير ما تحصلا … فيه ثلاثة فجوز مسجلا
صحة الاسناد، ووجه عربي … ووفق خط الام شرط ما أُبي
مثل الثلاثة ............... .............................
قوله: وليس منه ما بالاحاد روي، البيت، معناه أن القرآنية لا تثبت برواية الآحاد، فلا تجوز القراءة بما روي أنه قرآن آحادا، ولا تثبت به الأحكام، على القول القوي، وذلك كقراءة ابن مسعود ـ رضي الله في كفارة اليمين (فصيام ثلاثة أيام متتابعات)
وقيل: تجوز القراءة به، ويحتج به.
وقيل: لا تجوز القراءة به، ولكن يحتج به.
فالمنقول على أنه قرآن، لا تثبت قرآنيته حتى تجتمع فيه ثلاثة أمور:
أولها: صحة إسناده إلى النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ.
الثاني: موافقة وجه عربي، وإن لم يكن الأفصح، أو كان مختلفا فيه، وما في بعض الشروح من اشتراط كونه الجادة، خلاف مذهب المحققين.
قال الإمام الحافظ أبو الخير محمد بن محمد ابن الجزري ﵀ في كتابه النشر: وقولنا في الضابط: ولو بوجه، نريد وجها من وجوه النحو، سواء كان أفصح أم فصيحا، مجمعا عليه أم مختلفا فيه، اختلافا لا يضر مثله، إذا كانت القراءة مما شاع وذاع، وتلقاه الأئمة بالإسنادالصحيح، إذ هو الأصل الأعظم والركن الأقوم، وهذا هو المختار عند المحققين في ركن موافقة العربية، فكم من قراءة أنكرها بعض أهل النحو، أو كثير منهم، ولم يعتبر إنكارهم، بل أجمع الأئمة المقتدى بهم من السلف على قبولها، كإسكان (بارئكم). ثم نقل عن الإمام الحافظ أبي عمرو الداني ـ رحمهما الله أنه قال: وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل.
стр. 71
والرواية إذا ثبتت عنهم، لم يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها اهـ.
الثالث: موافقة رسم أحد المصاحف العثمانية، ولو احتمالا فقط، كما في الألفات المحذوفة.
وإلى هذا أشار ببقية الأبيات.
وهذه الشروط إنما هي في غير المتواتر، وأما المتواتر فلا يشترط فيه شيء.
قال الإمام الحافظ ابن الجزري ﵀ في النشر في الكلام على شرط صحة الإسناد: نعني به أن يروي تلك القراءة، العدل الضابط عن مثله كذلك، حتى تنتهي، وتكون مع ذلك مشهورة عند أئمة هذا الشأن الضابطين، غير معدودة عندهم من الغلط، أو مما شذ بها بعضهم.
وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن، ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجيء الآحاد، لا يثبت به قرآن، وهذا مما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين، من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ وجب قبوله، والقطع بكونه قرآنا، سواء وافق الرسم أم خالفه.
وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف، انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة وغيرهم، ولقد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده، وموافقة أئمة السلف والخلف اهـ.
والذي ظهر لي بعد التأمل، أن مقصود مشترط التواتر، والمكتفي بصحة الإسناد مختلف، فمقصود مشترط التواتر أصول الكلمات، كما هو ظاهر عبارة الصفاقسي، حيث قال ما معناه: لا يمكن أن يكون القرآن كغيره ـ يعني في الثبوت بأخبار الآحاد ـ.
وجواز القراءة بالأوجه الثابتة التي تقرأ عليها الكلمات معلوم عن الجميع، وعدم التواتر في ذلك معلوم أيضا.
ومقصود المكتفي بصحة الإسناد: الوجوه التي تقرأ عليها الكلمة، ولا يخالف في اشتراط
стр. 72
التواتر في أصول الكلمات، إلا أن هذا معلوم من شرط موافقة الخط، وذلك أن موافقة الخط على وجهين:
موافقة على وجه لا احتمال فيه، وموافقة على وجه محتمل، وهذه إنما تعتبر في الأوجه التي تقرأ عليها الكلمة، لا في أصل الكلمة، حتى حروف المعاني، كما صرح به ابن الجزري ﵀ سبخانه وتعالى ـ في النشر.
ولا يخفى أن ثبوت الكلمة بوجه لا احتمال فيه، في إحدى نسخ المصحف العثماني، يستلزم التواتر، والله أعلم.
ورجح النظر … تواترا لها لدى من قد غبر
تواتر السبع عليه أجمعوا ..........................
معناه أن الراجح أن القراآت الثلاث، قراءة خلف، وأبي جعفر، ويعقوب ﵏ متواترة.
وقال التاج السبكي ﵀ في منع الموانع على سؤالات جمع الجوامع: إن القول بأنها غير متواترة في غاية السقوط، ولا يصح القول به عمن يعتبر قوله في الدين.
وقال الإمام الحافظ ابن الجزري ﵀ : وقد جرى بيني وبينه في ذلك كلام كثير، وقلت له: ينبغي أن تقول: والعشر متواترة ولا بد، فقال: أردنا التنبيه على الخلاف، فقلت: وأين الخلاف؟ وأين القائل به؟ ومن قال: إن قراءة أبي جعفر، ويعقوب، وخلف، غير متواترة؟
فقال: يفهم من قول ابن الحاجب: والسبع متواترة، فقلت: أي سبع؟ وعلى تقدير أن يكون هؤلاء السبعة، مع أن كلام ابن الحاجب لا يدل عليه، فقراءة خلف لا تخرج عن قراءة أحد منهم، بل ولا عن قراءة الكوفيين في حرف، فكيف يقول أحد بعدم تواترها مع ادعائه تواتر السبع؟!
وأيضا فلو قلنا إنه يعني هؤلاء السبعة، فمن أي رواية؟ ومن أي طريق؟ ومن أي كتاب؟ إذ التخصيص لم يدعه ابن الحاجب ﵀ ولو ادعاه لما سلم له
стр. 73
بقي الإطلاق، فيكون كلما جاء عن السبعة، فقراءة يعقوب جاءت عن عاصم، وأبي عمرو، وأبو جعفر هو شيخ نافع، ولا يخرج عن السبعة من طرق أخرى.
فقال: فمن أجل هذا قلت: والصحيح أن ما وراء العشرة فهو شاذ، وما يقابل الصحيح إلا فاسد.
وذكر أنه كتب له في جواب سؤال وجهه إليه بذلك، ما نصه:
الحمد لله، القراآت السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر، وقراءة يعقوب، وقراءة خلف، متواترة، معلومة من الدين بالضرورة، وكل حرف انفرد به واحد من العشرة، معلوم من الدين بالضرورة أنه منزل على رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ لا يكابر في شيء من ذلك إلا جاهل، وليس تواتر شيء منها مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله ـ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ـ ولو كان مع ذلك عاميا جلفا، لا يحفظ من القرآن حرفا.
ولهذا تقرير طويل، وبرهان عريض، لا يسع هذه الورقة شرحه، وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله ويجزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر، معلوم باليقين، لا يتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شيء منه، والله أعلم كتبه عبد الوهاب بن السبكي الشافعي.
ولم يكن في الوحي حشو يقع
وما به يُعنى بلا دليل … غير الذي ظهر للعقول
معناه أنه يمتنع أن يقع في القرآن، أو في السنة، لفظ له معنى لا يمكن فهمه، خلافا للحشوية، حيث أجازوا أن يقع فيه ما لا يمكن فهمه، واحتجوا بالحروف المقطعة في أوائل السور.
وأجيب بأن لها معاني، وإن وقع الخلاف في تعيينها، فهي كغيرها مما اختلف في معناه، وهذا أمر مختلف فيه، وأورد على تخصيص الخلاف بهم، مذهب الجمهور في المتشابه.
стр. 74
وقيل: المختلف في جواز وقوعه ما لا معنى له أصلا.
قال البناني ﵀ : والحاصل أنهم اضطريت أقوالهم في محل النزاع في هذه المسألة، وتعارضت، والذي صوبه الأسنوي ما قاله المصنف ـ رحمهما الله من أن محل النزاع ورود ما لا معنى له أصلا اهـ.
وهو ظاهر عبارة البيضاوي ﵀ في المنهاج، حيث قال: لا يخاطب الله بمهمل اهـ
وهو أيضا ظاهر عبارة الشيخ الناظم ﵀ حيث قال: ولم يكن في الوحي حشو، وإن كان قد شرحها بغير ذلك.
وذكر العطار ﵀ أنه لا قائل بذلك، واستدل بمنافاة ذلك للفصاحة، لكن بطلان القول بالنظر، لا يرد روايته، فكم من قول بين البطلان، قد ثبتت نسبته لبعض الأعيان، فكيف بأهل الأهواء، ونقل عن الكوراني والزركشي ﵏ أجمعين ـ أنهما قالا: إن ذلك لم يقل به أحد، فإن ثبت أنهما أرادا الإطلاق، فنقلهما معارض بنقل غيرهما، والأصل أن المثبت مقدم على النافي، وإن أرادا أحدا ممن يعتد به، أو كان ذلك بعبارة محتملة فلا تعارض، والله أعلم.
ومنهم من بحث في منع ذلك في السنة، وهو بحث لين، فقد قال جل من قائل: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) والله أعلم.
ولا يجوز أن يقع فيهما لفظ يراد به غير ظاهره بلا دليل دال على ذلك، سواء بين المراد، أو لم يبينه، كما في حاشية العطار ﵀ .
وجوزت المرجئة وقوع ذلك، وذهبوا إلى أن آيات وأخبار الوعيد التي ظاهرها تعذيب العصاة، إنما يراد بها الترهيب، بناء على مذهبهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما لا تنفع الطاعة مع الكفر.
والنقل بالمنضم قد يفيد … للقطع، والعكس له بعيد
معناه أن الدليل النقلي، قد يكون قطعي الدلالة على المراد منه، فيحصل القطع به بما ينضم إليه من القرائن المانعة لتجويز إرادة غير ذلك المعنى، خلافا لمن قال تفيده مطلقا،
стр. 75
وخلافا لمن قال لا تفيده مطلقا، معللا ذلك بالتوقف على العلم بعدم المعارض.
قال السعد التفتازاني ﵀ في شرح المقاصد: الحق أنها تتوقف على عدم العلم بالمعارض، لا على العلم بعدمه، إذ كثيرا ما يحصل اليقين من الدليل، ولا يخطر المعارض بالبال، إثباتا أو نفيا، فضلا عن العلم بعدمه، فالمراد بقولهم: إن إفادتها اليقين تتوقف على العلم بعدمه، أنها تكون بحيث لو لاحظ العقل المعارض جزم بعدمه، نقله العطار ﵀ .
فصل في المنطوق والمفهوم
معنى له في القصد قل تأصل … وهو الذي اللفظ به يستعمل
أشار بهذا البيت إلى تعريف المنطوق، فذكر أنه المعنى الذي يراد من اللفظ في محل النطق، بحيث لا تتوقف استفادته من اللفظ، إلا على مجرد النطق به، بأن تكون دلالته عليه ناشئة من وضع اللفظ له، ولو وضعا نوعيا، كما في المجاز، حكما كان، أو لا، ذاتا كان، أو معنى.
أولها: كمجيء زيد، في قولك: جاء زيد.
والثاني: كزيد، والثالث: كالمجيء، خلافا لابن الحاجب ﵀ حيث خصه كالمفهوم بالحكم، لأنهما عنده الدلالة لا المدلول.
فقوله: معنى له في القصد قل تأصل، معناه أنه المعنى الذي يفهم من اللفظ ابتداء، بلا واسطة شيء، من لزوم أو غيره، بخلاف المفهوم، فإنه مفهوم بالنظر إلى المعنى، إما من جهة كونه مناط الحكم، كما في مفهوم الموافقة بنوعيه، وبعض مفاهيم المخالفة، وإما من جهة التقييد، كما في كثير من مفاهيم المخالفة، وبخلاف توابع المنطوق، فهي مفهومة من لازم خارج عن مدلول اللفظ، كما في المدلول عليه بالاقتضاء، أو الإشارة، أو من السياق، كما في الإيماء.
فالمنطوق هو المعنى الأصلي الذي يفهم من اللفظ ابتداء، والمعاني الأخرى متفرعة عنه، والله أعلم.
نص إذا أفاد ما لا يحتمل … غيرا، وظاهر إن الغير احتمل