Полный текст (243 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وله:
رقَّ النَّسيمُ وراق الرّوضُ بالزَّهَرِ ... فَنِّبه الكأسَ والإبريق بالوتَرِ
ما العيشُ إلا اصطباحُ الرّاحِ أو شَنبٍ ... يُغني عن الرّاحِ من سَلسالِ ذي أشُر
قُل للكواكب غُضّي للكَرى مُقلا ... فأعين الزُّهر أولى منك بالسَّهر
وللصَّباحِ ألا فانشُر رداَء سناً ... هذا الدُّجى قد طَوتْه راحةُ السَّحر
وقام بالقهوة الصهباءِ ذو هَيَفٍ ... يكادُ مِعْطَفُه يَنقدّ بالنَّظر
تطفُو عليها إذا ما شَجَّها دُررٌ ... تخالُها اختُلِستْ من ثغرهِ الخَصِر
والكأسُ في كفّه بالرّاح مُترعةٌ ... كهالة أحدقَت في الأفْق بالقَمر
وله في صفة فرس أغر:
وأغرَّ مَصقوِل الأديم تخالُه ... برقاً إذا جَمع العِتَاقَ رِهانُ
يطأ الثّرى متبختراً فكأَنَّه ... من لَحْظ من في مَتْنه نَشوان
فكأنَّ بدر التِّمِّ فوق سَراته ... حُسناً وبين جُفونه كِيوان
стр. 107
وله:
يا ضياَء الصُّبح تحت الغَبَش ... أطرازٌ فوق خدَّيك وُشىِ
أم رياضٌ دبَّجتها مُزنةٌ ... وبدا الصُّدْغ بها كالحَنَش
لستُ أدري أسهامُ اللّحظ مَا ... أتَّقِى أم لدغُ ذاك الأرقش
بأبي منك قِسِيٌّ لم تَزَل ... رامياتٍ أسْمهمًا لم تَطِشِ
رشَقَتْ قلباً خَفوقاً يلتِظى ... كَضِرامٍ بيدَيْ مُرْتَعِش
رُبَّ ليل بِتُّه ذا أرَقٍ ... ليس إلا من قَتَادٍ فُرُشي
سابحًا في لُجج الدَّمع ول ... كنَّني أشكُو غَليل العطَش
وبُروقُ اللّيل في أسْدافه ... كسُيوفٍ بأكفّ الحَبَش
وسماءُ الله تُبدِي قَمرا ... واضحَ الغُرة كابن القُرشي
ليس فرقٌ في السَّنا بينهما ... والبَها إن طلَعا في غَبش
غير أنّ الأفْقَ مغمورٌ بذا ... وبذا حومةُ باب الحنش
стр. 108
وهو أحد أبواب بلنسية، وهي مطيب الأندلس، وفيها يقول:
بلنسيةٌ إذا فكّرتَ فيها ... وفي آياتها أسنَى البلادِ
وأعظمُ شاهدي منها عليها ... بأنَّ جَمَالَها للعَين بادي
كساها ربُّنا ديباجَ حُسن ... له عَلَمان من بحر وواد
وأنشدني سلطانها - كان - أبو عبد الملك مروان بن عبد الله بن عبد العزيز:
كأن بلنسيةُ كاعبٌ ... وملبسُها السّندس الأخضرُ
إذا جئتَها سَترت نفسها ... بأكمامها فهي لا تَظْهَر
وهذه تورية مليحة، فإن الأكمام ها هنا أكمام الأزهار والأشجار.
ولأبي الحسن بن الزقاق أيضا، وهو في الرقة يمتزج بالنسيم، ويعد في أنواع البديع من نوع مليح التقسيم:
تضوعن أنفاساً وأشرقْن أوجهاً ... فهّن منيراتُ الصِفاحَ بَواسمُ
لئن كُنّ زُهْراً فالجوانح أبرُجٌ ... وإن كنّ زهَراً فالقُلوب كمائم
стр. 109
وأنشدني جماعة من شيوخي، منهم سيدي أبي الفقيه الفضل أبو علي حسن ابن علي، وشاعر المغرب الأقصى ومفخرة في صناعة المحاكاة والتخييل أبو عبد الله محمد بن حسين بن حبوس، قالا: أنشدنا الوزير أبو عامر بن الحمارة:
لله يومٌ كان فيه مُنادِمي ... وجهُ الحبيب وزهرةُ البستانِ
صرعتنَي الّلّذاتُ فيه مَصارعاً ... ما شئتَ من رَوح ومن رَيحان
يا صاحبيَّ تَمتَّعا من ساعة ... شُغِل الزَّمان بها عن الحدَثَان
وله:
لو كنتُ آملُ أن ألقاك في الحُلمُ ... لما قَرعتُ عليك السِّنَّ من نَدمِ
يَحمي وصالكَ أعداءُ لهم رَصَدٌ ... ويصرفُ الطَّيفَ أنِّي بتُّ لم أنَم
يا مُرسلاً سَهْمَ عينيه ليقتُلنَي ... من ذا أباحَ لذاك اللحظِ سفكَ دمي
وله وقد أهدت إليه امرأة موصوفة بالجمال مسكاً:
أتانا فَتِيتُ المسك يَعْبَق عَرْفُه ... ويُثنى على ذاك النَّدى والتَّكَرُّمِ
فأشعَرني رَيَّا حَبيبٍ أعيرُه ... على رِقْبةٍ لَحظَ المَشوق المتيَّم
فو الله لولا أن تقول لِي المُنَى ... وراءكَ لا تَقْدَم على غير مَقْدَم
لحدَّثْت نفسي عند ذلك أنني ... أشَمُّ الذي ما بين عينيك والفم
стр. 110
وأهدت إِليه أخرى تُفّاحة فقال:
بعثتْ إِلىّ كخدّها تُفّاحةً ... وكطَعمِ ريقتها رَحيقاً سَلْسلاَ
فصرفتُ وجهي عنهُما ولقد أَرى ... مُترشَّفاً عَذْبَ الجَنى ومُقبَّلا
كي لا يَغَار على الحبيب حبيبهُ ... فيقولَ بات بغيرنا متَعِلِّلاَ
وله:
لم أَعشق الشَّمس سماويّةً ... بعيدةً عن مركز العالَمِ
إلاّ لأُضحِى في غَرامي بها ... أُعجوبةً بَين بني آدم
أنشدني الشيخ الفقيهُ الأديبُ القاضي بمدينة فاس أبو محمدٍ عبدُ الله بنُ محمد ابن عيسى التَّادَلُّي ﵀، قال: أنشدني الوزير الأديبُ الشاعرُ المصيب أبو القاسم المَنيشِي لنفسه في زُرزور:
أمِنبرٌ ذاك أم قضيبُ ... يَفْرعه مِصقعٌ خَطيبُ
يختالُ في بُردتَي شَباب ... لم يتوضَّح بها مَشيب
أخرسُ لكنّه فصيحٌ ... أبْلَه لكنّه لَبيب
стр. 111
ومن فحول شعراء الأندلس؛ مالكُ أزمّة القريض، وماسك راية التَّصريح فيه والتَّعريض؛ شعرهُ أرقّ من النّسيم، وآنقُ من المُحيَّا الوسيم، الوزير:
أبو إسحاق الخفاجي
إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله الخفاجي
من أعيان مدينة شقر، وهي جزيرة قد أحدق النهر بها؛ كما أحدق بحدقة شفر؛ وحسبك من ماء سائح، وطائر صادح؛ وبطاح عرضة، ورياض أريضة؛ فلا ترى إلا انسجام الغمام، ولا تسمع إلا ترنم البلبل والحمام. فمن قوله:
ومُهفهفٍ طاوِي الحَشَا ... خَنِث المَعاطف والنَّظَر
بهر العيونَ بصورة ... تُلِيتُ محاسنُها سُوَر
وإذا رَنا وإذا شَدا ... وإذا سَعى وإذا سَفَر
فَضَح المُدامةَ والحَما ... مة والغَمامة والقَمر
قول الخفاجي: وإذا رنا فضح المدامة مأخوذ كم قول القائل:
وعَيْنَانِ قال الله كُونا فكانتا ... فَعُولان بالألباب ما تفعل الخَمرُ
стр. 112
ووصفه لها بالغمامة مأخوذ من قول الأعشى:
كأنَّ مِشيتها من بيت جَارِتها ... مرُّ السَّحابة لا ريثٌ ولا عجلُ
قال الوزير أبو إسحاق: سبب هذه القطعة أنى ذهبت يوماً أريد باب السمارين بشاطبة، ابتغاء الفرجة على جرية ذلك الماء بتلك الساقية، وذلك سنة ثمانين وأربعمائة، وإذا الفقيه أبو عمران بن أبي تليد ﵀ قد سبقني إلى ذلك، فألفيته جالسا على مصطبة كانت هنالك مبنية لهذا الشأن، فسلمت عليه، وجلست إليه متأنسا به وبتلك الحال، فأنشد أثناء ما تناشدناه قول ابن رشيق ﵀:
يا من يُّمر ولا تَمرُّ به القُلوب من الفَرَقْ
بعِمَامةٍ من خدّه ... أو خَدُّه منها استَرَق
فكأَنَّه وكأَنها ... قَمَرٌ تَعمَّم بالشَّفق
فإذَا بدا وإذا مشى ... وإذا رَنا وإذا نَطَق
شَغَل الجوانَح والجوا ... رحَ والخواطرَ والحدَق
стр. 113
فقال، وقد اعجب بها جدا: احسن ما في القطعة حسن سياقة الإعداد. فقلت له: هي حسنة، ولكنها دون موقعها منك. وإلا الست تراه قد استرسل فلم يقابل بين ألفاظ البيت الأخير والبيت الذي قبله، فينزل بإزاء كل واحد منها ما يلائمها. وهل يحسن أن ينزل بإزاء قوله: وإذا نطق: قوله: شغل الحدق. وكأنه نازعني القول في هذا. فقلت هذه القطعة المتقدمة انسج على ذلك المنوال. قال: فاستحسنها ابن أبي تليد.
قلت: هذا تعسف. ولم يرد ابن رشيق مقابلة الأعداد بعضها ببعض، وإنما أراد أن
جملة محاسن هذا النير الزاهر، شغلت جملة هذا المتأمل الناظر. وقد عارضه الخفاجي في هذا الروي:
يا شَفَقًا ساطعاً على فَلَقْ ... يا ذَهباً سائلاً على وَرِقْ
ما الحُسن إلا مُعصفَرُ شَرِق ... فاض على جسمٍ أبيضِ يَقَقْ
قد نَصب الحُسنُ وجْهَه غَرضاً ... تَرشُقُه اسهٌم من الحَدَقْ
أبْيَضَّ واخضرَّ شطُر عارِضه ... فاقترن النَّوْر منه بالوَرَق
стр. 114
أنشدني الفقيه الأجل القاضي بمدينة شقر أبو يوسف يعقوب بن محمد بن خلف ابن يونس بن طلحة للخفاجي:
كتبتُ وقلبي في يديك أسيرُ ... يُقيم كما شَاء الهوَى وأسيرُ
ولي كَّل حينٍ من هواكِ وأدمعي ... بكل مكانٍ روضةٌ وغدير
وله:
كتاُبنَا ولدينا البدرُ نَدْمانُ ... وعندنا لكُئوس الرَّاح شُهْبانُ
والقُضْبُ مائسةٌ والطير ساجعة ... والأرض كاسِية والجوُّ عُريان
وله:
رب طِرْفٍ كالطَّرْفِ سُرعَة عَدْوٍ ... لَيس يَسري سُراهُ طيفُ الخَيَالِ
إن سَرى في الدُّجى فبعضُ الدَّراري ... أو سَعى في الفَلا فإحدى السَّعالي
لستُ ادري إن قِيد ليلة أسْرِى ... أو تَمطَّيته غداةَ قِتال
أجَنُوبٌ مَقُودةٌ من جَنِيب ... أو شَمَال موضوعةٌ في شمالي
جَال في أنْجُم من الحَلْيِ بِيضٍ ... وقَميِص من الصَّباح مُذال
أشهبُ اللّون أثقلتْه حُلِيٌّ ... خَبَّ فيهنّ وهو مُلْقى الجِلاَل
فبدَا الصُّبحُ مُلجَماً بالثُّرياّ ... وجَرى البرقُ مُسْرَجاً بالهلال
стр. 115
قال ذو النسبين، ﵁: وقد اخذ هذا المعنى بعض أهل عصره، يقال:
هو أبو الصلت، فقال وزاد فيه معنى من معنى البديع، وهو التشكيل، فقال:
وأشهبٍ كالشهابِ وافَي ... يَجُول في مُذَهب الجِلاَ
قال حَسُودي وقد رآه ... يُجْنَب خَلْفي إلى القِتَال
من ألْجَمَ الصُّبْح بالثريا ... وأسْرَج البرق بالهلال
وقال الوزير أبو إسحاق بن خفاجة في قوس:
عَوْجاءُ تُعطَف ثم تُرسَل تارةً ... فكأنما هي حَيّةٌ تَنسابُ
وإذا أنْحَنَتْ والسَّهْمُ منها خارجٌ ... فَهْيَ الهِلاُل انقضَّ منه شهاب
وله:
وعسَى الليالِي أن تَمُنَّ بنَظْمنا ... عِقْداً كما كنا عليه وأفْضَلا
فلربمّا نُثِرَ الجُمَانُ تعمُّداً ... ليُعادَ أحسنَ في النِّظام وأجملاَ
стр. 116
وهذا مأخوذ من قول مهيار:
عسى الله يجعلُها فُرْقَةً ... تعودُ بأكرم مُستجَمعِ
وله:
حيَّا بِها ونَسيمُها كَنسيمِه ... فشَرِبْتُها من كفّه في وُدِه
مُنساغَةً فكأَنها من رِيقه ... مُحمرَّة فكأَنها من خَدِّه
وأنشدني الفقيه القاضي الفاضل أبو يوسف يعقوب بن محمد بن طلحة قال: أنشدني الوزير أبو إسحاق الخفاجي لنفسه في النيلوفر:
ونِيلُوفَرٍ لم يَدْرِ ما مَسُّ حُرْقةٍ ... بُحبٍّ ولا مَا لوعةٌ وغرامُ
يَهُبّ مع الإصباحِ من سِنةِ الكَرَى ... ويُطْبِق ليلاً جَفنَه فَيَنامُ
وأنشدني له أيضا، يحمل على طلب العلم والتحلي به:
عشْ طالباً أو عَليماً ... فالجهلُ عينُ المَحَّطهْ
ولا يَصُدُّك يأسٌ ... عن نَيْلِ أشرِف خُطَّه
فمبدأُ النار سِقْطٌ ... وأولُ الخطِّ نُقطة
стр. 117
ولما بلغ سن الكهولة، وأدرك من أقطار الشبيبة مأموله؛ نام فرأى أنه مستيقظ يفكر فيما سلف من بطالته، ويتحسر على ما فرط من تجريه على معصية الله واستطالته؛ ويتذكر ما مضى من شبابه، ومن انقضى منى أحبابه؛ ودمعه يباري صوب المزن في انصبابه، ويحكيه في انسجامه وانسكابه؛ فانتبه وهو منتبه لرشاده، مقبل على التزود لمعاده، منشد ما تنزعج القلوب من إنشاده:
ألاَ سأجلْ دُموعيَ يا غَمامُ ... وطارِحْني بشَجْوك يا حَمَامُ
فقد وفّيتُها ستّين حَوْلاً ... ونادتْني ورائيَ هل أمام
وكنت ومِن لُباناتِي لُبَيْنَي ... هناك ومن مَراضِعِيَ المُدام
يطالعُنا الصّباحُ ببطن حُزْوى ... فيُنكرنا ويَعرفُنا الظلاَّم
وكان به البشَامُ مراحَ أُنسى ... فماذا بعدنا فَعل البَشَام
فيا شرْخَ الشباب ألاَ لِقَاءٌ ... يُبَلُّ به على بَرْحٍ أوَام ُ
ويا ظِلّ الشَّبابِ وكنتَ تَنْدَى ... على أفياءِ سَرْحَتِك السّلامُ
стр. 118
ومن شعراء جزيرة الأندلس وفحولها، البريء مطروق الأشعار ومنحولها، ذو الآداب والفنون:
أبو محمد عبد الجليل بن وهبون
دخل على السلطان أبي القاسم محمد بن عباد يوماً، وهو ينشد قول المتنبي:
إذا ظفرت منك العيونُ بنظرةٍ ... أثاب بها مُعْيي المطيِّ ورَازِمُهْ
وجعل يردده استحساناً له. فقال عبد الجليل بديهاً:
لئن جاد شعرُ ابن الحُسين فإنما ... تُجيد العطايا واللُّهي تفتح اللَّهَا
تَنَّبأ عُجباً بالقريض ولو دَرَى ... بأنّك تَرويه إذا لتألَّها
فأمر له بمائتي دينار، وهو مثل قديم.
قال أبو سعيد القصار في جعفر بن يحيى:
لابن يَحيى مآثٌر ... بلغتْ بي إلى السُّهَا
جادَ شِعْري بجُوده ... واللُّهي تَفتح اللَّها
اللهي، بالضم: العطايا؛ واحدها: لهوة ولهية. واصلها: القبضة من الطعام تلقى في الرحى لتطحن، فجعلت الدفعة من المال المعطى لهوة. وأما اللها، بالفتح فجمع لهاة: الحلق.
стр. 119
ولما جاز السلطان ابن عباد البحر المسمى بالمحيط إلى مدينة سبتة، قاصداً لأمير المسلمين، وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين للاستنجاد به على الروم، وقد راموا الوثوب على الأندلس، بعد أخذ طليطلة، وهجموا على بلادها أقبح هجوم قال:
أحاط جودُك بالدُّنيا فليس له ... إلا المُحيطُ مثالٌ حين يُعتَبرُ
وما حسبتُ بأن الكلَّ يحمُله ... بعضٌ ولا كاملاً يَحويه مُختصَر
لم تَثْنِ عنك يداً أرجاءُ ضفَّته ... إلا ومَّدت يداً أرجاؤُه الأَخر
كأنّما البحرُ عينٌ أنت ناظرُها ... وكل شَطٍّ بأشخاص الوَرى شُفُر
تأتي البلادَ فتَنْدَى منك أوجهُها ... حتى يقول ثَراها هل هَمَي المطر
ما القَفْر إلا مكانٌ لا تَحُلُّ به ... وحيثُما سرْتَ سار البدوُ والحَضَر
الأرضُ داركُ فاسْلُك حيثُ شئتَ بها ... هو المُقام وإن قالوا هو السّفَر
وله قصيدة يمدح ابن عباد، ويذكر ثباته يوم الوقعة بين جيوش المسلمين والورم بالموضع المعروف بالزلاقة من عمل بطليوس، وكانت الزلاقة يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة، قتل
стр. 120
فيها من شجعان النصارى ثلاثون ألف فارس. ذكره النسابة أبو محمد الرشاطي في كتاب: اقتباس النور ومن الرجالة ما لا يحصى، وطعن فرس ابن عباد تحته، فكبا به، فسقط
عنه. فقدم إليه بعض من ثبت من جنده معه فرساً، فركبه وأبلى بلاء حسناً وقاتل قتالا شديدا - منها:
ولم يَثْبت من الأشياعِ إلا ... شقيقُك وهو صارمُك الحُسَامُ
يَمانٍ في يدَيْ ماضٍ يَمَانٍ ... فلا نابِي الغِرَارِ ولا كَهَام
ولم يحمْلك طِرفْك بل فؤادٌ ... تعَّود أن يُخاض به الحِمَام
ثَبتّ به ثَباتَ القُطْب لمّا ... أدَار رَحاه خَطْبٌ لا يُرام
ومنها:
مضَوْا في أمرِهم سَحَراً ودارتْ ... بما عَقدُوا من الحَلفِ المُدامُ
فردّوها عَلَى الشَّفرات بيضاً ... وجدَّدَ في تعاطيها النِّدام
وما أخذتهمُ الأسياف لكن ... صواعقُ لا يبوخُ لها ضِرام
باخ الحر، إذا سكن، يبوخ بالخاء المعجمة. وباخت النار والحرب، إذا سكنتا.
إذا ما برقةٌ برقَت عليهم ... فإنّ القَطْر أعضادٌ وهاُم
стр. 121
ومنها يصف انهزام أذفونش تحت الظلام بجيشه منهم، وإلقاء الدروع عنه وعنهم:
ستسألك النّساءُ ولا رجالٌ ... فحدِّث ما وراَءكَ يا عصامُ
وراقبها بأرِضك طالعاتٍ ... كما تُهدِي صَواعقَها الغمامُ
ومنها:
فإن شئتَ اللُّجينَ فَّثم ساُم ... وإن شئت النظار فثَّم حاُم
ومنها:
نضَا أدراعَه واجْتَابَ ليلاً ... يودّ لو انه في الطُّول عاُم
وله يتشوق إلى ابن عباد، وقد حضر بالمرية في بعض الأعياد، والشعراء
ينشدون المعتصم بالله أبا يحيى محمد بن معن بن صمادح سلطان تلك البلاد:
دنا العيد لو تَدْنو به كعبةُ المُنى ... ورُكْنُ المَعالي من ذُؤابة يَعُرب
فيا ويلتَا للشعر تُرمي جماره ... ويا بُعد ما بيني وبين المُحصَّبِ
стр. 122
وكان عبد الجليل منطقاً بما يقول، يجري على لسانه المقول. حدثنا غير واحد من شيوخنا ﵏، منهم سلطان بلنسية أبو عبد الملك بن عبد العزيز، والوزير الكاتب أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، والفقيه القاضي بجزيرة شقر أبو يوسف يعقوب بن طلحة، قالوا: حدثنا الوزير أبو إسحاق إبراهيم بن خفاجة قال:
لقيت الشاعر أبا محمد عبد الجليل بين لورقة والمرية، فبتنا نتناشد الأشعار، ونتذاكر الآداب والأخبار؛ فلما انفجر عمود الصباح، وحيعل داعي الفلاح؛ وكان العدو على مقربة من البلاد، والناس في ضروب من الخوف والأنكاد؛ سرنا وفؤاد عبد الجليل يطير فرقاً، وفرائصه ترعد قلقاً؛ فأخذت أسكن روعه بأناشيد من القريض، وهو لما داخله من الوجل كالمدنف المريض؛ لا يبدي ولا يعيد، إلى أن اطلعت لنا اليد؛ مشهدين وعليهما رأسان يخاطبان، من الحال بأفصح لسان؛ فقلت مرتجلا، والركب يجد السير من الفزع عجلا:
ألا رُبَّ رأسٍ لا تَزاورَ بينه ... وبين أخيه والمَزارُ قَريبُ
أنافَ به صَلْدُ الصَّفا فهو مِنْبٌر ... وقام على أعلاه وهو خَطيب ُ
стр. 123
فثاب لعبد الجليل عقله، وآب إليه ذكاؤه ونبله، فقال:
يقول حِذاراً لا اغتراراً فطالما ... أناخَ قتيلٌ بي ومرَّ سَليبُ
ويُنشدنا: إنَّا غريبان هَاهنا ... وكلُّ غَريبٍ للغريب نسيبُ
فإنْ لم يَزْره صاحبٌ أو خَليلُه ... فقد زاره نَسْرٌ هناك وذِيب
فها هو: أمَّا منظرا فهو ضاحك ... إليك وأما نَصْبةً فكَئِيب
يريد بقوله أما منظرا فهو ضاحك أن ذلك الرأس قد ذهبت عنه جلدته بطول بلاه، فهو بحسب مرآه كأنه ضاحك، وبحسب معناه كأنه كئيب. ولم يذكر الفتح منها في
قلائده لعبد الجليل سوى بيت، هو قوله:
يقول حِذَاراً لا اغتراراً فطالَما ... أناخ قتيلُ بي ومَرّ سَلِيبُ
وانه قتل من ساعته كما ذكرناه، والله الموفق لا رب سواه؛ فما أتم قوله إلا وعجاجة قد ارتفعت، وكتيبة قد طلعت؛ فما انجلت إلا وعبد الجليل قتيل وأنا سليب، وهذا فأل عجيب، وافقه قدر مصيب.
стр. 124
قال ذو النسبين، رضى الله عنه:
ومن شعراء الأندلس الذين أنجدت بأقوالهم الحداة واتهمت، واعرقت بها الرواة وأشأمت، الأديب:
أبو جعفر أحمد بن محمد البتي
إلا انه كان خبيث اللسان، ما كف هجوه عن إنسان، ما برح مدة حياته منتزحا عن الأوطان، خائفاً مترقباً من السلطان؛ لما شهد به الناس عليه، ونسبوه إليه؛ من الزندقة والإلحاد، وإنكار حشر الأجساد؛ وانكبابه على الاشتغال بكتب ابن سينا وانكفافه، وميله عن الكتاب والسنة وانحرافه؛ وقد وجد هالكا في حفرة تتمزق فيها اللحام والجلود، وتنهشها الحشرات العابثة والدود، ويتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيتوب ولا مرجع إلى الدنيا ولا مردود.
فمن مليح ما حدثنا عنه، وسمعه أشياخنا منه؛ أنه ساقته يوماً سوائق الأقدار، في بعض الأسفار؛ وقد ولى شباب النهار؛ إلى خان بمغيلة من أنظار فاس، تأوي إليه الغرباء من الناس؛ فتبوأ من بيوته أحرجها، وأهجنها وأسمجها. وكان من معاصريه الأستاذ
стр. 125
أبو بكر اليكي وكان مثله في أخذ الأعراض والهجاء، والتقدم بين فرسان تلك الهيجاء؛ وكل واحد منهما على لقاء صاحبه حريص، بيد أن ماله عن ملازمة مركزه محيص. فبينما ابن البتي جالس بذلك البيت وقد انسدلت ستور الظلام، وهمعت دموع الغمام؛ إذ هجم عليه لتوقي المطر رجل فسلم وجلس،
وأذكى الخاني القبس، فقال أبو بكر اليكي:
وقِنديلٍ كأنّ الضوَء منه ... مُحيَّا من أحِبُّ إذا تَجلَّى
فأجابه أبو جعفر بن البتي بقوله:
أشار إلى الدُّجى بلسان أفعى ... فشَمَّر ذَيلَه فَرَقاً ووَلَّى
فقال: أنت البتي! فقال: أنت اليكي! فتعانقا وباتا يقتطفان ثمر السمر، إلى أن غارت النجوم وغاب وجه القمر.
стр. 126
ومن شعراء المعتصم بالله أبي يحيى محمد بن معن بن أبي يحيى محمد بن صمادح التجيبي، صاحب مدينة المرية وأعمالها السنية: الأديب
أبو القاسم الأسعد بن إبراهيم
فمن شعره:
سَكران لا أدري وقد وافَى الكَرى ... أمن المَلاحة أم من الجِرْيان
تَتنفّسُ الصهباء في لَهَواته ... كتنفُّس الرَّيحان في الآصال
وكأنما الخِيلانُ في وَجَنَاته ... ساعاتُ هَجر في زَمان وصَال
وله أيضا:
لبسوا من الزَّرَد المُضاعَف نَسْجُه ... ماءً طفت للبيض فيه حَبابُ
صَفٌّ كحاشية الرِّداء يَؤُمّه ... صَفُّ القَنَا فكأنه هُدَّابُ
وهذا من قول عبد الجليل بن وهبون في ابن عباد، وقد تقدم:
كأنّما البحر عينٌ أنتَ ناظرُها ... وكلُّ شط بأشخاص الورى شُفُرُ
وقال أبو إسحاق الخفاجي:
وغَدَت تَحُفُّ به الغُصُون كأنّها ... هُدْبٌ تَحُفُّ بمُقْلةٍ زَرْقاءِ
стр. 127
ومن شعراء الأندلس، وأصحاب ممالكها الدرس، الأديب الكاتب:
أبو حفص ابن برد
أحمد بنُ محمدِ بنِ أحمد بنِ بُرد
مولى أبي عامر بن شهيد المبدع في التشبيه والتمثيل، والبارع في المحاكاة والتخييل، من أهل بيت جليل.
له رسالة في السيف والقلم والمفاخرة بينهما، وهو أول من سبق إلى القول في ذلك بالأندلس.
وله في النرجس، وأهل الأندلس يسمونه البهار، واسمه في اللغة العبهر:
تنبَّه فقد شقَّ البَهارُ مغلِّسا ... كمائمَه عن نُوره الخَضِل النِّدي
مَداهنُ تِبْرٍ في أنامل فضّة ... على أذْرُع مَخْروطةٍ من زَبَرْجد
وهذا من مليح التشبيهات في النرجس، وبديعها وغريبها وصنيعها. واكثر ما تواردت خواطر الشعراء على تشبيهه بالعيون المراض، كقول أبي عبد الله محمد بن الحسن الكاتب من شعراء جزيرة صقلية، أعادها الله بعزته على الإسلام:
بخدّك آسٌ وتفّاحةٌ ... وعَينك نَرْجسةٌ ذابِلَهْ
وريقُك من طِيبه قَهوةٌ ... فوجُهك لي دَعْوة كامله
стр. 128
وقال آخر من أهل العصر:
غَزالٌ له في كُلّ عضو محاسنٌ ... يقومُ لخَلاّع العِذار به العُذْرُ
فوجنتُه وردٌ وعيناه نرجسٌ ... ومَبْسِمه كأسٌ وريقُته خمرُ
وهو تشبيه غير أنيق، إذا حك بمحك التحقيق؛ لان بين نرجس الحدائق والأحداق، الموصوفة بالدعج وتكحيل الآماق؛ من التباين ما بين الأضداد، وليس يحسن أن تحل الصفرة في موضع السواد؛ فتشبيهه بعيون الهرر أولى من تشبيهه بعيون الناس، في حكم القياس. وإنما حسن تشببهه بذلك لموضع إحاطة البياض بالصفرة، كإحاطة بياض العين بسوادها فقط. وليس تشبيههم الخدود بالورد من
هذا النمط؛ فإنها تشبهها في تضرجها بالحمرة ونعومتها، ونداها ونضرتها. وكذلك الأقاح بالثغور. والأقاح: جمع الأقحوان؛ لان له ورقا ابيض يشبه الثغر به. وقد لاحظنا في هذا المعنى ما لم نعلم أحداً ممن عنى بنقد الشعر قبلنا لاحظه، ولا كشف قناع معناه.
ولأبى نواس مقاطيع في تفضيل النرجس على الورد، منها المقطوع الذي أوله:
أين الخدودُ من العيون نفاسَةً ... ورياسةً لولا القياسُ الفاسدُ
стр. 129
اللغة: يقال: أخضلت الشيء: إذا بللته، وخضل، أي رطب - ولابن برد هذا:
لما بدا في الَّلازَوَرْ ... ديِّ الحرير وقد بَهْر
كبَّرتُ من فرط الجما ... ل وقلت ما هذا بَشَر
فأجابني لا تُنكِرَنْ ... ثوبَ السماء على القمر
وأنشدني الوزير الكاتب الناظم، الناثر أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن مغاور بمنزله بمدينة شاطبة قال: أنشدنا الفقيه الأجل، العالم الأكمل، الزاهد الأفضل قاضي القضاة، وعلم الرواة، أبو علي محمد بن حسين الصدفي، يعرف بابن سكرة، قال: أنشدنا الفقيه الأجل أبو زيد عبد الرحمن بن شاطر السرقسطي لنفسه، وكان نسيج وحده، وشاعر بلده:
ولائمةٍ لي إذ رأتْني مُشمِّراً ... أهَرْولُ في سُبْلِ الصبا خالِعَ العُذْرِ
تقول تنبّه ويكَ من رَقدة الصِّبا ... فقد دَبّ صبُح الشَّيب في غَسَق الشَّعْرِ
فقلت لها كُفّى عن العَتْب واعلمي ... بأنّ ألذَّ النّوم إغفاءةُ الفَجْر
стр. 130
وتنسك هذا الرجل في آخر عمره، وراجع بصيرته في مستأنف أمره.
وأنشدني غير واحد من شيوخي ﵏ للأديب العالم أبي علي إدريس ابن اليمان من أهل جزيرة يابسة، وقد رأيت هذه الجزيرة، وهي ضد اسمها، لكثرة شجرها وخصبها.
وقد أجاز لنا الثقة أبو الفتح محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان، نسيب ابن البطي، وابن ينيمان الهمداني، قالا: أنبأنا الإمام العالم أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، قال: أنشدني عنه أبو عثمان خلف بن هرون القطيني من قصيدة طويلة يمدح بها إقبال الدولة على بن مجاهد العامري:
ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فُرغَّاً ... حتى إذا ملئت بصرف الرّاحِ
خفت فكادَت تستطير بما حَوَت ... وكذا الجسوم تَخفُّ بالأرواحِ
قال الحميدي: ومما يستحسن له في صفة الدرق:
إلى مُوشَّجة الأبشار من دَرَق ... يكاد منها صَفَا الفُولاذ يَنفطرُ
مؤنّثات ولكن كلّما قُرعت ... تأنّث الرُّمح والصَّمصامة الذكر
стр. 131
وأنشدنا الفقيه الأستاذ المحرز لقصب السبق في كل خير، أبو بكر محمد بن خير، قال: أنشدنا غير واحد، قالوا: أنشدنا الوزير أبو الحسين سراج بن عبد الملك ابن سراج، كبير دار الخلافة، المنفرد بالشرف والإنافة؛ يخاطب الملك الراضي ابن المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد.
قال ذو النسبين ﵁: وقد أدركت جماعة من أصحاب أبي الحسين ابن سراج، ورحلت إلى قرطبة أم بلاد الأندلس، فأنشدني الشيخ الفقيه المحدث المؤرخ القاضي بأركش أبو القاسم بن بشكوال، قال: أنشدنا أبو القاسم خلف بن عمر صاحبنا، قال: أنشدنا أبو الحسين بن سراج لنفسه:
بُثَّ الصّنائعَ لا تَحفل بموقِعها ... من آمل شَكَر الإحسان أو كَفراَ
فالغيثُ ليس يبالي أينما انسكَبتْ ... منه الغمائِمُ تُرباً كان أو حَجراَ
قيدنا بث الصنائع بفتح الثاء، إذ الفتحة أخف الحركات والعرب تؤثرها. ويجوز كسر الثاء لالتقاء الساكنين، كما روى النحويون بيت الحرير:
فغُضّ الطّرف إنّك من نُمَير ... فلا كَعْباً بلغَت ولا كِلاَبَا
فجوزوا كسر الضاد من غض لالتقاء الساكنين، وفتحها لخفة الفتحة، وضمها على اتباع الضمة قبلها وهو أضعفها. وله نظائر في النحو كثيرة.
стр. 132
وأنشدونا له أيضا:
قالوا به صُفرةٌ عابت محاسَنه ... فقلتُ ما ذاك من داء به نَزلاَ
عَيناه تُطلب من ثأرٍ بما قَتلت ... فليس تَلقاه إلا خائفا وجِلا
وأنشدونا للفقيه الأجل المؤرخ صاحب الرحلة المذكورة، والتصانيف المشهورة، أبي الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف بن نصر الأزدي، المعروف بابن الفرضي، القاضي بمدينة بلنسية:
إنّ الذي أصبحتُ طَوْعَ يَمينه ... إنْ لم يكن قمراً فليس بدُونِهِ
ذُلّي له في الحُبّ من سُلطانه ... وسَقَام جِسْمي من سَقام جفُونه
وممن اشتهر عندنا بالشعر والأدب، ونظم منه مثل. الدرر وصاغ سبيه الذهب، إلا أنه أفرط في الإقذاع في الهجو فهجر لهذا السبب:
أبو بكرٍ يحيى بن سهل اليكّي
ويكة بياء مثناة باثنتين من أسفل: حصن في جوف مدينة مرسية، على خمسة وأربعين ميلا منها، وتشتبه ببكة، بالباء بواحدة من أسفل. وهي على مقربة من جزيرة طريف على ساحل البحر الملح، رأيتها غير مرة.
стр. 133
فمن قوله في الغزل مما أنشدنيه جماعة من أصحابه:
وقائلٍ فيم لم تَهْجَع فقلت له ... كيف الهجُوع بَطْرف نافرِ الوَسَنِ
لم يَدْرِ أنّ الكَرى الممنوعَ عن بَصَرِي ... تلك السِّناتُ الّتي في مُقْلَتَيْ حَسَنِ
وله:
يُوسفُ يا بُغْيَتِي وأنْسِي ... صَيَّرني مُغْرماً هَواكَا
ملكتَ قلبي وأنتَ فيه ... كيف حَوَيتَ الذّي حوَاكا
ومن قدماء شعراء صاحب الأندلس، أبي المطرف عبد الرحمن بن الحكم ابن هشام بن عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان:
يَحيى بنُ حَكَم الغَزَال
القاعد على كيوان، شاعر ذلك الأوان؛ وقد اثبت له من قوله ما يشهد بإبداعه، وحسن تصرفه في المعاني واختراعه، وطول يده في الأدب وامتداد باعه. فمن قوله فيما ذكره تمام بن علقمة في تاريخه:
بعَضَ تَصابيكَ على زَينب ... لا خَيَرَ في الصَّبوة للأشْيَب
стр. 134
أبعد خمسينَ تقضَّيتَها ... وافيةً تَصْبو إلى الرَّبربِ
كلّ رَدَاح الرِّدْف خُمْصانٍة ... كالمُهرةِ الضَّامرِ لم تُركَب
وفيه تشبيب حسن كثير اختصرناه لطوله، وقال في المديح منه:
مَن مُبلغٌ عنِّي إمامَ الهُدى ... الوارثَ المَجد أباً عن أبِ
أنّىِ إذا أطْنَبَ مُدَّاحُه ... قصدتُ في القول فلم أطْنِبِ
لا فَكَّ عنَّي الله إن لم تكن ... أذكرتَنَا من عُمَرَ الطَيِّب
وأصبح المشْرِقُ من شوقه ... إليك قد حنَّ إلى المغرب
منبرهُ يَهتفُ من وَجْده ... إليك بالسَّهل وبالمَرْحبِ
أطرَبَه الوقتُ الذي قد دنا ... وكان من قبلك لم يَطربِ
هَفَا به الوجدُ فلو مِنبرٌ ... طَارَ لَوافَي خَطفَةَ الكوكَب
إلى جميلِ الوجه ذِي هَيبةٍ ... ليست لحامِي الغابةِ المُغضَب
لا يُمكنُ النّاظرَ من رؤية ... إلا التماحَ الخائِف المُذنِب
كنا نعجب بقول البحتري ونستغربه في قوله لجعفر المتوكل:
فلو أنّ مشتاقا تَكلّف غيرَ مَا ... في وُسعه لسعَى إليك المنبرُ
стр. 135
حتى إذا رأينا قول الغزال، وعلمنا انه سبق إليه بزمانه، على أن البحتري استحقه
أيضا بإحسانه، لأنه أتى بالمعنى في بيت واحد، واختصره اختصارا حسنا. كما أن قول الغزال:
لا يُمكن النّاظَر من رُؤيةٍ ... إلا التماحَ الخائفِ المُذنبِ
حسن جدا في معنى الهيبة، وقد أخذه منهم محمد بن أبي الحسن، فقال
ووأحسن، وزاد في المعنى وبين:
كأنا من الإجلالِ تحت غَمامةٍ ... نُطَأطي لها بالرُّعب كلَّ الأحاين
كأناّ قُرِفنا باجْترامٍ ومالنا ... لساٌن يُقوينا بِعُذْر مُباين
ولبعض أهل البلاد من قصيد يمدح به أمير المسلمين علياً:
أراكَ ملأت الخافِقَين مهابةً ... لهَا مَا تُلِيح الشّهبُ في الخَفَقانِ
وتُغضى العيونُ عن سنَاك كأنّها ... تُقابِلُ منك الشّمس في اللَّمعان
ولو سقنا جميع ما لأهل قطرنا في مثل هذا لخرجنا عن غرضنا. فلنرجع إلى شعر الغزال فإنه قال في آخره:
إن تُرد المَاَل فإني امرؤٌ ... لم اجَمع المالَ ولم اكْسِبِ
إذا أخذتَ الحقَّ مِنِّي فلا ... تَلتَمِس الرّبح ولا تَرغَب
قَد أحسنَ الله إلينَا معا ... إن كان رأس المال لم يذهب
стр. 136
والسبب في نظم هذا الشعر أن أبا المطرف عبد الرحمن المذكور كان ولاه قبض الأعشار ببلاط مروان واختزانها في الأهراء. وكان توسل إليه بمديح مدحه به، فنفق الطعام في ذلك العام، وسما السعر بالقحط سموا كثيرا، فوضع يده في البيع حتى أتى على ما كان عنده في الأهراء. ثم إنه نزل الغيث ورخص الطعام، فأعلم السلطان بما صنع الغزال من البيع، فأنكره وقال: إنما تعد الأعشار لنفقات الجند والحاجة إليها في الجهد، فماذا صنع الخبيث! خذوه بأداء ما باع من أثمانها واشتروا به طعاما، واصرفوه في الأهراء إلى وقت الحاجة إليه. فلما طلب منه
ثمن ما باع أبى من ذلك وقال: إنما أشتري لكم من الطعام عدد ما بعت من الإمداد، وبين العددين بون كثير نحو من ثلاثين ألفا. فأعلم السلطان بامتناعه من الأداء، وبما ذهب إليه من شراء مثل ما باع. فأمر بسجنه وحمله إليه في الكبل، فسيق منها إلى قرطبة، وسجن بها فصنع هذا القصيد، ورفعه إليه. فلما قرئ شعره أعجب به، واعجب به الحاضرون، وقال له بعضهم: لقد أنصفك الغزال في قوله:
قد أحسنَ الله إلينا معاً ... إن كان رأسُ المال لم يذهبِ
فإنه لو ذهب أيها الإمام، أي ذمة كانت تفي به للغزال، مع ما هو عليه من الانهماك في الشهوات وقلة المال! فضحك الإمام وأمر بإطلاقه.
стр. 137
وكان عبد الرحمن من أهل العلم، متسما بالكرم والحلم، قديرا على النثر والنظم. له غلام جميل كان له، اسمه بدر:
أنظُر إلى بدرٍ وكي ... ف بدَا بصفحته العِذَارْ
فكأنَّه بدرُ التّما ... م بَدا بِه طرَف السّرِار
وقال ذو النسبين ﵁: وأنشدني الوزير الكاتب أبو عبد الله محمد ابن أبي القاسم بن عميرة، قال: أنشدني ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج اللورقي في ذم العذار:
أبَا جعفر مات فيك الجما ... لُ فأظهرَ خدك لبُسَ الحِدَادِ
وقد كانَ ينُبت نَور الرَّبي ... ع فأصبحَ ينبُت شَوك القَتَاد
أبِن لي مَتَى كان بدرُ السَّما ... ء يُدرَك بالكون أو بالفَساد
وهل كنتَ في المُلْك من عبد شم ... سٍ فأخْشى عليك لباسَ السّواد
стр. 138
وفي ضدّه قولُ الأستاذ أبي محمد بن سَارة في مدحه:
ومُعذَّرٍ رقَّت حواشي حُسْنه ... فقلوبُنَا وَجْداً عليه رِقَاقُ
لم يُكْسَ عارضُه السّوادَ وإِنّما ... نَفَضت عليه صباغَها الأحداقُ
وهذا أيضا من الغَريب العجيب.
ومن احسن ما رأيتُ فيه مما انفردَ قائلُه بمعناه، ولم يَشْرَكه فيه أحد سواه، قولُ أبي مروان عبِد الله بن سُريَّة البَلَنْسى:
دبّ العِذَارُ بخدّه ثم انْثَنى ... لما دَنا من لَثم فيه الأَشنبِ
لا غَرْوَ إِن خُشِى الرَّدى في لَثْمه ... فالرِّيق سُمٌّ قاتِلٌ للعَقرب
وما أوردناه في العِذار من النظم، هو من المعاني العُقم، وإنما اجْتُلِبتْ هذه الأبيات صلةً لأبيات السلطان عبد الرحمن والشّيُء يذكر بمثله، تغمّدنا الله بفضله.
ولما وفَد على السّلطان عبد الرحمن رُسلُ مَلكِ المحبوس تطلبُ الصلح بعد خروجهم من إشبيلية، وإيِقاعِهم بجبهاتها ثم هزيمَتِهم بها، وقَتْل قائد الأسطول
стр. 139
فيها، رأى أن يراجعهم بقبول ذلك، فأمر الغَزَال أن يمشي في رسالته مع رسُل ملكهم، لما كان الغزال عليه من حدة الخاطر، وبديهة الرأي، وحسن الجواب والنجدة والإقدام والدخول والخروج من كل باب، وصحبته يحيى ابن حبيب، فنهض إلى مدينة شلب، وقد أنشئ لهما مركب حسن كامل الآلة، وروجع ملك المحبوس على رسالته وكوفئ على هديته، ومشى رسول ملكهم في مركبهم الذي جاءوا فيه مع مركب الغزال، فلما حاذوا الطرف الأعظم الداخل في البحر الذي هو حد الأندلس في آخر الغرب، وهو الجبل المعروف بألوية هاج عليهم البحر، وعصفت بهم ريح شديدة وحصلوا في الحد الذي وصف الغزال في قوله:
قال لي يحيَى وصِرْ ... نا بَين موجٍ كالجبالِ
وتولَّتنا رياحٌ ... من دَبُور وشَمالِ
شَقَّت القِلْعَين وأن ... بَتَّتْ عُرا تِلك الحِبال
وتَمطَّى ملَكُ المو ... ت إلينا عن حِيَال
فرأينا الموت رأىَ العين حالاً بعد حالِ
لم يكن للقومِ فينا ... يا رفِيقِي رأسُ مال
стр. 140
وهذا القصيد يجول عليه رونق الانطباع، وهو القريب غير المستطاع؛ ورأيت له في الغزل من هذا القصيد معنى انفرد باختراعه، وأبدع ما شاء في إبداعه، وهو قوله:
وسُليمَى ذاتُ زُهدٍ ... في زَهيدٍ من وِصَالِ
كلَّما قُلت صِلينِي ... حَاسَبْتنِي بالخَيال
وهذا اختراع عجيب، ومعنى غريب. وزاد فيه بعد ذلك، فقال:
والكَرى قد مُنِعَتْهُ ... مُقلًتِي أخْرى اللَّيالي
وهي أدرى فَلِمَاذا ... دَافعَتْنِي بمُحَال
أتُراني أقتضيها ... بعدُ شيئاً من نَوال
ثم أن الغزال سلم من هول تلك البحار، وركوب الأخطار؛ ووصل أول بلاد المجوس إلى جزيرة من جزائرها فأقاموا فيها أياماً واصلحوا مراكبهم، وأجموا أنفسهم. وتقدم مركب المجوس إلى ملكهم، فأعلمه بلحاق الرسل معهم، فسر بذلك ووجه فيهم، فمشوا إليه إلى مستقر ملكه، وهي جزيرة عظيمة في البحر المحيط، فيها مياه مطردة وجنات، وبينها وبين البر ثلاث مجار، وهي ثلاثمائة ميل، وفيها من المجوس ما لا يحصى عددهم. وتقرب من تلك الجزيرة جزائر كثيرة. منها صغار وكبار، أهلها كلهم مجوس، وما يليهم من البر أيضا لهم مسيرة أيام، وهم مجوس، وهم اليوم على دين النصرانية وقد تركوا عبادة النار، ودينهم الذي كانوا عليه، ورجعوا نصارى إلا أهل جزائر منقطعة لهم في البحر هم على دينهم
стр. 141
الأول من عبادة النار، ونكاح الأم والأخت وغير ذلك من أصناف الشنار. وهؤلاء يقاتلونهم ويسبونهم. فأمر لهم الملك بمنزل حسن من منازلهم، واخرج إليهم من
يلقاهم، واحتفل المجوس لرؤيتهم. فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم. ثم إنهم انزلوا في كرامة، وأقاموا يومهم ذلك، واستدعاهم بعد يومين إلى رؤيته، فاشترط الغزال عليه ألا يسجد له ولا يخرجهما عن شيء من سنتهما، فأجبهما إلى ذلك. فلما مشيا إليه قعد لهما في أحسن هيئة، وأمر بالمدخل الذي يفضي إليه، فضيق حتى لا يدخل عليه أحد إلا راكعاً، فلما وصل إليه جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفة، فلما جاز الباب استوى واقفاً. والملك قد أعد له وأحفل في السلاح والزينة الكاملة. فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلاً بين يديه، فقال: السلام عليك أيها الملك وعلى من ضمه مشهدك، والتحية الكريمة لك، ولازلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة، المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم، الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه المرجع. ففسر له الترجمان ما قاله، فأعظم الكلام، وقال: هذا حكيم من حكماء القوم، وداهية من دهاتهم، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول، وقال: أردنا أن نذله، فقابل وجوهنا بنعليه! ولولا انه رسول لأنكرنا ذلك عليه. ثم دفع إليه كتاب السلطان عبد الرحمن وقرئ عليه الكتاب، وفسر له. فأستحسنه وأخذه في يده، فرفعه ثم وضعه في حجره، وأمر بالهدية ففتحت عيابها، ووقف على جميع ما اشتملت عليه من الثياب والأواني! فأعجب بها، وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم ووسع الجراية عليهم.
стр. 142
وللغزال معهم مجالس مذكورة، ومقاوم مشهورة؛ في بعضها جادل علماءهم فبكتهم، وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم.
ولما سمعت امرأة ملك المجوس بذكر الغزال وجهت فيه لتراه، فلما دخل عليها سلم، ثم شخص فيها طويلاً ينظرها نظر المتعجب. فقالت لترجمانها: سله عن إدمان نظره لماذا هو؟ ألفرط استحسان أم لضد ذلك؟ فقال: ما هو أني لم أتوهم
أن في العالم منظراً مثل هذا، وقد رأيت عند ملكنا نساء انتخبن له من جميع الأمم فلم أر فيهن حسناً يشبه هذا. فقالت لترجمانها: سله أمجد هو أم هازل؟ فقال: لا، بل مجد. فقالت له: فليس في بلدهم إذا جمال! فقال الغزال: فاعرضوا علي من نسائكم حتى أقيسها بها. فوجهت الملكة في نساء معلومات بالجمال فحضرن، فصعد فيهن وصوب ثم قال: فيهن جمال وليس كجمال الملكة، لأن الحسن الذي لها والصفات المناسبة ليس يميزه كل أحد، وإنما يعني به الشعراء، وإن أحبت الملكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر يروي في جميع بلادنا فعلت ذلك. فسرت بذلك سروراً عظيماً وزهيت، وأمرت له بصلة، فامتنع من أخذها الغزال، وقال: لا أفعل. فقالت للترجمان: سله، لم لا يقبل صلتي؟ ألأنه حقرها أم لأنه حقرني؟ فسأله، فقال الغزال: إن صلتها لجزيلة، وإن الأخذ منها لتشرف لأنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علي، فحسبي ذلك صلة. وإنما أريد أن تصلني بالوصول إليها أبداً. فلما فسر لها الترجمان كلامه زادت منه سرورا وعجبا، وقالت: تحمل صلته إليه، ومتى أحب أن يأتيني زائرا فعلا
стр. 143
يحجب، وله عندي من الكرامة والرحب والسعة. فشكرها الغزال، ودعا لها وأنصرف.
قال تمام بن علقمة: سمعت الغزال يحدث بهذا الحديث، فقلت له: وكان لها من الجمال في نفسها بعض هذه المنزلة التي صورت؟ فقال: وأبيك، لقد كانت فيها حلاوة، ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها، ونلت منها فوق ما أردت.
قال تمام بن علقمة: وأخبرني أحد أصحابه، قال: أولعت زوجة ملك المجوس بالغزال فكانت لا تصبر عنه يوما حتى توجه فيه، ويقيم عندها يحدثها بسير المسلمين وأخبارهم وبلادهم، وبمن يجاورهم وبلادهم، وبمن يجاورهم من الأمم. فقلما انصرف يوما قط من عندها إلا اتبعته هدية، تلطفه بها من ثياب أو طعام أو
طيب، حتى شاع خبرها معه، وأنكره أصحابه، وحذر منه الغزال، فحذر وأغب زيارتها. فباحثته عن ذلك، فقال لها ما حذر منه. فضحكت، وقالت له: ليس في ديننا نحن هذا، ولا عندنا غيرة، ولا نساؤنا مع رجالنا إلا باختيارهن، تقيم المرآة معه ما أحبت، وتفارقه إذا كرهت. وأما عادة المجوس قبل أن يصل إليهم دين رومة، فألا يمتنع أحد من النساء على أحد من الرجال، إلا أن يصحب الشريفة الوضيع، فتعير بذلك، ويحجره عليها أهلها فلما سمع ذلك الغزال من قولها أنس إليه وعاد إلى استرساله.
قال تمام: كان الغزال في اكتهاله ويسما، وكان في صباه جميلا، ولذلك سمي بالغزال. ومشى إلى بلاد المجوس وهو قد شارف الخمسين وقد وخطه الشيب، ولكنه
стр. 144
كان مجتمع الأشد، ضرب الجسم، حسن الصورة. فسألته يوما زوجة الملك - واسهما نود - عن سنة، فقال مداعبا لها: عشرون سنة. فقالت للترجمان: ومن هو من عشرين سنة يكون بها هذا الشيب؟ فقال للترجمان: وما تنكر من هذا؟ ألم تر قط مهراً ينتج وهو أشهب؟ فضحكت نود، وأعجبت بقوله. فقال في ذلك الغزال بديها:
كُلّفتَ يا قلبِي هوىً مُتْعبا ... غالبتَ منه الضَّيغَم الأغْلبَا
إنّي تعلّقتُ مجُوسيَّةً ... تأبَى لِشمس الحُسن أن تَغْرُبا
أقصى بلاد الله لي حيثُ لا ... يَلقى إليها ذاهبٌ مذهبا
يا نُود يا رُودَ الشَّباب التي ... تُطِلعُ من أزْرارها الكَوكبا
يا بابي الشخصُ الذي لا أرى ... أحْلى على قلبي ولا أعْذَبا
إن قلتُ يوما إنّ عيني رأت ... مُشبهَه لم أعْدُ أن أكذبا
قالت أرَى فَوْدَيْة قد نَوّرا ... دُعابةً تُوجب أن أدْعيا
قلت لها يا بأبى إنَّه ... قد يُنَتجُ المهر كَذَا أشْهَبا
فاستضحكَت عُجْباً بقولي لها ... وإنَّما قُلت لكي تّعْجبا
قوله يا رؤد الشباب الرأدة والرؤدة والرؤد: الجارية الناعمة الجسم. وقد رؤد شبابها. والغصن الرؤد: الرطب، والشعراء يسهلون الهمزية يستهلون الهمزة منه تخفيفا فلا يكادون ينطقون بها.
стр. 145
وقوله: فودية قد نورا، فالفودان: ما يلي الأذنين من الشعر.
وقوله: أن أدعبا فإنه يقال من الدعابة: دَعِب، بكسر العين في الماضي، يدعب، بفتح العين في المضارع، دعباً، بفتح الدال والعين في المصدر.
وهذا الشعر لو روى لعمر بن أبي ربيعة، أو لبشار بن برد، أو لعباس بن الأحنف، ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لاستغرب له. وإنما أوجب أن يكون ذكره منسياً، أن كان أندلسياً؛ وإلا فما له أخمل، وما حق مثله أن يهمل. وهل رأيت أحسن من قوله: تأبى لشمس الحسن أن تغربا، أو كالبيت الأول من هذه القطعة، أو كصفته لما جرى من الدعابة؟ هل وصفته إلا الدر لمنتظم، وهل إلا نظلم في حقنا ونهتضم! يالله لأهل المشرق! قوله غاص بها شرق. ألا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، وأقصروا عن استهجان الكريم الهجان عن استهجان الكريم الهجان؛ ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان؛ لئن أرهفت بصائرهم البصرة وأرقتها الرقتان؛ فقد درجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، فإن منهما مخرج اللؤلؤ والمرجان. وينشد ما قاله بعض شعرائنا:
نَراحُ لفضل أن يكون لَديكُم ... فما لكُم تأبَون أن كان عندناَ
فلا تَحسدونا أن تَلُوح بأفقكم ... لنا طالعاتٌ مِن هناكَ ومن هنا
وإن كنتُم في العدّ أكثَر مفخراً ... فلا تَظلموناَ في القليل الذي لنا
следующие страницы →