Полный текст (243 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
الأول من عبادة النار، ونكاح الأم والأخت وغير ذلك من أصناف الشنار. وهؤلاء يقاتلونهم ويسبونهم. فأمر لهم الملك بمنزل حسن من منازلهم، واخرج إليهم من
يلقاهم، واحتفل المجوس لرؤيتهم. فرأوا العجب العجيب من أشكالهم وأزيائهم. ثم إنهم انزلوا في كرامة، وأقاموا يومهم ذلك، واستدعاهم بعد يومين إلى رؤيته، فاشترط الغزال عليه ألا يسجد له ولا يخرجهما عن شيء من سنتهما، فأجبهما إلى ذلك. فلما مشيا إليه قعد لهما في أحسن هيئة، وأمر بالمدخل الذي يفضي إليه، فضيق حتى لا يدخل عليه أحد إلا راكعاً، فلما وصل إليه جلس إلى الأرض وقدم رجليه وزحف على أليته زحفة، فلما جاز الباب استوى واقفاً. والملك قد أعد له وأحفل في السلاح والزينة الكاملة. فما هاله ذلك ولا ذعره، بل قام ماثلاً بين يديه، فقال: السلام عليك أيها الملك وعلى من ضمه مشهدك، والتحية الكريمة لك، ولازلت تمتع بالعز والبقاء والكرامة الماضية بك إلى شرف الدنيا والآخرة، المتصلة بالدوام في جوار الحي القيوم، الذي كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه المرجع. ففسر له الترجمان ما قاله، فأعظم الكلام، وقال: هذا حكيم من حكماء القوم، وداهية من دهاتهم، وعجب من جلوسه إلى الأرض وتقديمه رجليه في الدخول، وقال: أردنا أن نذله، فقابل وجوهنا بنعليه! ولولا انه رسول لأنكرنا ذلك عليه. ثم دفع إليه كتاب السلطان عبد الرحمن وقرئ عليه الكتاب، وفسر له. فأستحسنه وأخذه في يده، فرفعه ثم وضعه في حجره، وأمر بالهدية ففتحت عيابها، ووقف على جميع ما اشتملت عليه من الثياب والأواني! فأعجب بها، وأمر بهم فانصرفوا إلى منزلهم ووسع الجراية عليهم.
стр. 142
وللغزال معهم مجالس مذكورة، ومقاوم مشهورة؛ في بعضها جادل علماءهم فبكتهم، وفي بعضها ناضل شجعانهم فأثبتهم.
ولما سمعت امرأة ملك المجوس بذكر الغزال وجهت فيه لتراه، فلما دخل عليها سلم، ثم شخص فيها طويلاً ينظرها نظر المتعجب. فقالت لترجمانها: سله عن إدمان نظره لماذا هو؟ ألفرط استحسان أم لضد ذلك؟ فقال: ما هو أني لم أتوهم
أن في العالم منظراً مثل هذا، وقد رأيت عند ملكنا نساء انتخبن له من جميع الأمم فلم أر فيهن حسناً يشبه هذا. فقالت لترجمانها: سله أمجد هو أم هازل؟ فقال: لا، بل مجد. فقالت له: فليس في بلدهم إذا جمال! فقال الغزال: فاعرضوا علي من نسائكم حتى أقيسها بها. فوجهت الملكة في نساء معلومات بالجمال فحضرن، فصعد فيهن وصوب ثم قال: فيهن جمال وليس كجمال الملكة، لأن الحسن الذي لها والصفات المناسبة ليس يميزه كل أحد، وإنما يعني به الشعراء، وإن أحبت الملكة أن أصف حسنها وحسبها وعقلها في شعر يروي في جميع بلادنا فعلت ذلك. فسرت بذلك سروراً عظيماً وزهيت، وأمرت له بصلة، فامتنع من أخذها الغزال، وقال: لا أفعل. فقالت للترجمان: سله، لم لا يقبل صلتي؟ ألأنه حقرها أم لأنه حقرني؟ فسأله، فقال الغزال: إن صلتها لجزيلة، وإن الأخذ منها لتشرف لأنها ملكة بنت ملك، ولكن كفاني من الصلة نظري إليها وإقبالها علي، فحسبي ذلك صلة. وإنما أريد أن تصلني بالوصول إليها أبداً. فلما فسر لها الترجمان كلامه زادت منه سرورا وعجبا، وقالت: تحمل صلته إليه، ومتى أحب أن يأتيني زائرا فعلا
стр. 143
يحجب، وله عندي من الكرامة والرحب والسعة. فشكرها الغزال، ودعا لها وأنصرف.
قال تمام بن علقمة: سمعت الغزال يحدث بهذا الحديث، فقلت له: وكان لها من الجمال في نفسها بعض هذه المنزلة التي صورت؟ فقال: وأبيك، لقد كانت فيها حلاوة، ولكني اجتلبت بهذا القول محبتها، ونلت منها فوق ما أردت.
قال تمام بن علقمة: وأخبرني أحد أصحابه، قال: أولعت زوجة ملك المجوس بالغزال فكانت لا تصبر عنه يوما حتى توجه فيه، ويقيم عندها يحدثها بسير المسلمين وأخبارهم وبلادهم، وبمن يجاورهم وبلادهم، وبمن يجاورهم من الأمم. فقلما انصرف يوما قط من عندها إلا اتبعته هدية، تلطفه بها من ثياب أو طعام أو
طيب، حتى شاع خبرها معه، وأنكره أصحابه، وحذر منه الغزال، فحذر وأغب زيارتها. فباحثته عن ذلك، فقال لها ما حذر منه. فضحكت، وقالت له: ليس في ديننا نحن هذا، ولا عندنا غيرة، ولا نساؤنا مع رجالنا إلا باختيارهن، تقيم المرآة معه ما أحبت، وتفارقه إذا كرهت. وأما عادة المجوس قبل أن يصل إليهم دين رومة، فألا يمتنع أحد من النساء على أحد من الرجال، إلا أن يصحب الشريفة الوضيع، فتعير بذلك، ويحجره عليها أهلها فلما سمع ذلك الغزال من قولها أنس إليه وعاد إلى استرساله.
قال تمام: كان الغزال في اكتهاله ويسما، وكان في صباه جميلا، ولذلك سمي بالغزال. ومشى إلى بلاد المجوس وهو قد شارف الخمسين وقد وخطه الشيب، ولكنه
стр. 144
كان مجتمع الأشد، ضرب الجسم، حسن الصورة. فسألته يوما زوجة الملك - واسهما نود - عن سنة، فقال مداعبا لها: عشرون سنة. فقالت للترجمان: ومن هو من عشرين سنة يكون بها هذا الشيب؟ فقال للترجمان: وما تنكر من هذا؟ ألم تر قط مهراً ينتج وهو أشهب؟ فضحكت نود، وأعجبت بقوله. فقال في ذلك الغزال بديها:
كُلّفتَ يا قلبِي هوىً مُتْعبا ... غالبتَ منه الضَّيغَم الأغْلبَا
إنّي تعلّقتُ مجُوسيَّةً ... تأبَى لِشمس الحُسن أن تَغْرُبا
أقصى بلاد الله لي حيثُ لا ... يَلقى إليها ذاهبٌ مذهبا
يا نُود يا رُودَ الشَّباب التي ... تُطِلعُ من أزْرارها الكَوكبا
يا بابي الشخصُ الذي لا أرى ... أحْلى على قلبي ولا أعْذَبا
إن قلتُ يوما إنّ عيني رأت ... مُشبهَه لم أعْدُ أن أكذبا
قالت أرَى فَوْدَيْة قد نَوّرا ... دُعابةً تُوجب أن أدْعيا
قلت لها يا بأبى إنَّه ... قد يُنَتجُ المهر كَذَا أشْهَبا
فاستضحكَت عُجْباً بقولي لها ... وإنَّما قُلت لكي تّعْجبا
قوله يا رؤد الشباب الرأدة والرؤدة والرؤد: الجارية الناعمة الجسم. وقد رؤد شبابها. والغصن الرؤد: الرطب، والشعراء يسهلون الهمزية يستهلون الهمزة منه تخفيفا فلا يكادون ينطقون بها.
стр. 145
وقوله: فودية قد نورا، فالفودان: ما يلي الأذنين من الشعر.
وقوله: أن أدعبا فإنه يقال من الدعابة: دَعِب، بكسر العين في الماضي، يدعب، بفتح العين في المضارع، دعباً، بفتح الدال والعين في المصدر.
وهذا الشعر لو روى لعمر بن أبي ربيعة، أو لبشار بن برد، أو لعباس بن الأحنف، ومن سلك هذا المسلك من الشعراء المحسنين لاستغرب له. وإنما أوجب أن يكون ذكره منسياً، أن كان أندلسياً؛ وإلا فما له أخمل، وما حق مثله أن يهمل. وهل رأيت أحسن من قوله: تأبى لشمس الحسن أن تغربا، أو كالبيت الأول من هذه القطعة، أو كصفته لما جرى من الدعابة؟ هل وصفته إلا الدر لمنتظم، وهل إلا نظلم في حقنا ونهتضم! يالله لأهل المشرق! قوله غاص بها شرق. ألا نظروا إلى الإحسان بعين الاستحسان، وأقصروا عن استهجان الكريم الهجان عن استهجان الكريم الهجان؛ ولم يخرجهم الإزراء بالمكان عن حد الإمكان؛ لئن أرهفت بصائرهم البصرة وأرقتها الرقتان؛ فقد درجنا نحن بحيث مرج البحرين يلتقيان، فإن منهما مخرج اللؤلؤ والمرجان. وينشد ما قاله بعض شعرائنا:
نَراحُ لفضل أن يكون لَديكُم ... فما لكُم تأبَون أن كان عندناَ
فلا تَحسدونا أن تَلُوح بأفقكم ... لنا طالعاتٌ مِن هناكَ ومن هنا
وإن كنتُم في العدّ أكثَر مفخراً ... فلا تَظلموناَ في القليل الذي لنا
стр. 146
ولنرجع إلى ذكر الغزال، فإنه لما أنشد نود الشعر وفسره الترجمان لها، ضحكت منه وأمرته بالخضاب. ففعل ذلك الغزال، وغدا عليها يوماً ثانيا. وقد اختضب؛
فمدحت خضابه وحسنته عنده، ففي ذلك يقول الغزال:
بكَرتَ تُحًسِّنُ لي سَوادَ خِضَابي ... فكأنّ ذاك أعادني لشَبابِي
ما الشَّيبُ عندِي والخضابُ لواصفٍ ... إلاّ كَشَمس جُلِّلت بضَباب
تَخْفَى قليلاً ثم يَقْشَعها الصَّبا ... فيصيرُ ما سُتِرت به لذَهاب
لا تُنكري وضَح المَشيب فإنّما ... هو زَهْرَةُ الإفهام والألبْاب
فلديّ ما تَهويْن من شأن الصّبا ... وطلاوة الأخلاق والآداب
ثم انفصل الغزال عنهم، وصحبه الرسل إلى شنت يعقوب بكتاب ملك المجوس إلى صاحبها. فأقام عنده مكرما شهرين، حتى انقضى حجهم، فصدر إلى قشتالة مع الصادرين، ومنها خرج إلى طليطلة حتى لحق بحضرة السلطان عبد الرحمن بعد انقضاء عشرين شهرا
ومن قوله أيضا المتفق عليه في جميع الروايات:
يَا راجياً وُدَّ الغَواني ضِلَّةً ... ففؤادُه كَلَفاً بهنَّ مُوَكّلُ
لا تَكلَفنّ بوصْلِهنَّ فإنما ال ... كَلِفُ المحبُّ لَهن من لا يَعقل
إنّ النساَء لكالسُّروجِ حقيقةً ... فالسّرجُ سرجُك ريثما لا تنزل
стр. 147
فإذا نَزلتَ فإنّ غَيرك نازلٌ ... ذاكَ المكانَ وفاعلٌ ما تَفعلُ
أو منزِلِ المُجتازِ أصبح غادِياً ... عنه وينزلُ بعده من ينزل
أو كالثمِّارِ مُباحةً أغصانُها ... تدنُو لأوَّل من يمرُّ فتُؤكل
أعطِ الشبيبة - لا أبَالَك - حقَّها ... منها فإن نعيمَها متحوِّل
وإذا سُلبت ثِيابَها لم تَنتفع ... عندَ النّساء بكل ما يثستبذَل
ثم إن الغزال هجا أبا الحسن علي بن نافع، الملقب بزرياب، بهجو مقذع، تحرجت من إيداعه في هذا الكتاب.
وزرياب هذا مولى الخليفة المهدي، ابن الخليفة أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور
عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب. قدم الأندلس مهاجراً إلى عبد الرحمن بن الحكم، فتلقاه بأعلى المحل، وفوض إليه أكثر أموره في العقد والحل؛ وذلك لهجرته إليه وحسن غنائه، وتناهيه في الإطراب وغنائه. وهو أول من سن في الأندلس أكل الهليون والنقاوى وقلى الفول واستعمال الأنطاع للنوم، والتحلي بالحرير والخز والمروية. وسن لباس البياض من المهرجان إلى نصف أكتوبر، وإن كان مطرا. وعلمهم الغناء واخترع النقر بالريش، وتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائتين
стр. 148
فشكا للسلطان الغزال وعرض هجوه عليه، وما قذفه به ونسبه من الفحش إليه. فأمر السلطان بنفيه عن الأندلس. فكلمه فيه أكابر أهل دولته فتركه. ثم إن الغزال لم يطب نفساً بالمقام في الأندلس فرحل إلى العراق، وذلك بعد موت الحسن بن هانئ بمدة يسيرة، فوجدهم يلهجون بذكره ولا يساوون شعر أحد بشعره. فجلس يوماً مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس، واستهجنوا أشعارهم؛ فتركهم حتى وقعوا في ذكر الحسن، فقال لهم: من يحفظ منكم قوله:
ولمّا رأيتُ الشَّرب أكْدتْ سماؤْهم ... تأبّطتُ زِقِّي واحتسبْتُ عَنَائِي
فلمّا أتيتُ الخَان ناديتُ ربَّه ... فهبَّ خَفيفَ الرّوح نَحْو نِدائي
قليلَ هُجوعِ العَينِ. إلاّ تَعِلَّةً ... على وجَلٍ منِّي ومن نُظَرائي
فقلتُ أذِقْنيها فلمّا أذاقني ... طَرحْتُ إليه رَيْطتي ورِدائي
وقلت أعِرنْي بِذْلَةً أستَتِرْ بها ... بذَلْتُ له فيها طلاقَ نِسائي
فو الله ما برَّت. يَمينِي ولا وفَتْ ... له غَير أنِّي ضامِنٌ بوفائي
وأبتُ إلى صَحْبي ولم أكُ آئباً ... فكُلٌّ يُفدّيني وحَقّ فِدائي
فأعجبوا بالشعر وذهبوا في مدحهم له كل مذهب. فلما أفرطوا قال لهم: خفضوا عليكم فإنه لي. فأنكروا ذلك. فأنشدهم قصيده الذي أوله:
تداركُت في شُرب النبيّذ خَطائي ... وفارقت فيه شِميتي وحَيائِي
стр. 149
فلما أتم القصيد بالإنشاد خجلوا وافترقوا عنه.
وأقام الغزال في رحلته تلك مدة يتجول في ديار المشرق، وما انفك في كل قطر منه من غريبة يطلعها، وطريقة يبدعها؛ ثم إنه رجع إلى نفسه، وحن إلى مسقط رأسه؛ وانصرف إلى الأندلس وهو قد ترك شرب الخمر وتزهد في الشعر وشارف الستين، وركب النهج المبين؛ ولم ينسك نسكا أعجمياً، بل ظرف ظرفا أديبا، وسلك مسلكا من البر مرضيا وقال في جارية اشتراها واسمها لعوب، وقد أراد منها أمراً فعجز عنه اليعبوب:
لم أنْسَ إذ برزتْ إلىّ لَعوبُ ... طَرَباً وحيثُ قميصُها مَقْلوبُ
وكأَنَّها في الدَّار حين تعرَّضتْ ... ظَبْيٌ تَدلَّه بالفَلا مَرْعوب
تَفتَرُّ عن دُرّ تَناسقَ نَظْمُه ... فيه لَثَاةٌ عَذْبةٌ وغُرُوب
حاولتُ منها رَشفْةً فكأنها ... عَسَلٌ بماءِ سَحابةٍ مَقْطوب
ودَعْتك داعيةُ الصِّبا فتطرَّبتْ ... نَفسٌ إلى داعِي الضَّلال طَرُوب
وظننتَ عهدَك عهدَها في الدَّهر إذ ... فَيْنانُ غُصنك بالشَّباب رَطيب
فجريتَ في سَنَن الصِّبا شأواً وقد ... وزَعْتك عنه كَبْرةٌ ومَشِيب
وحسبتَ صاحبَك الذي هو ذاك إذ ... تدعُوه مَهما شِئْتَه فَيُجيب
قد كان لا يَنْبو إذا جَرَّبتَه ... فالآنَ أحداثُ الزّمان تَنُوب
لمّا رأتْ ذاك الذي تَنْحُو له ... سَمَحتْ فمالَ على الكَثِيب قَضِيب
وتأوَّدتْ خُمصانةٌ بَهنانَةٌ ... كالفَجْر يعلوه دُجًى غرْبيب
стр. 150
فقبضتُ مِلْء يدي على مُسْتَهدِف ... رابِي المَجسَّة لونُه حُلْبوب
بِيَدي الشِّمال وللشِّمال لطافَةً ... ليستْ لأْخرى والأدِيب أريب
فَتَقاعَس المَلْعونُ عنه وإنّني ... لأكادُ من فَرْط الحَياء أذُوب
وأبَي كعَيْر السَّوْء إلاّ وَقْفةً ... أخْزَي بها والوِرْدُ منه قَرِيب
فكأنّه ممّا تَشنَّج جِلْدُه ... كِيرٌ تَقادم عَهْدُه مَثْقوب
هذا شعر حسن في الهزل جزل في معانيه، دون فحش فيه. والبهانة: الطيبة الريح؛ وقد قيل: هي الرخيمة المنطق؛ وقيل فيها: الضحوك المداعبة. وكل هذا مما يليق بوصفها في تلك الحالة. وقوله لونه حلبوب. يقال للأخضر إذا اشتدت خضرته فضرب إلى السواد: حلبوب.
وقد أتينا من ذكر الغزال بفنون، والحديث ذو شجون.
ومن الحق أن نختم ذكره بما قال في الزهد؛ فإنه - عفا الله عنا وعنه - عمر حتى قارب مائة عام، أربى عليها، وهو القائل:
ألستَ تَرى أنّ الزمانَ طَواني ... وبَدَّل خَلْقي كُلَّه وبَرَانِي
تَحيَّفَنى عُضْواً فَعثضْواً فلم يَدعْ ... سِوى اسمي صَحيحاً وحدَه ولِساني
ولو كانت الأسماءُ يَدْخلها البِلَى ... لقد بلَىِ اسمي لامتدادِ زَماني
وما لِيَ لا أبلَى لِتسعين حِجّةً ... وسَبِعٍ أتتْ مِن بعدها سَنَتان
إذا عنَّ لي شخصٌ تخيَّلَ دونه ... شَبيه ضَبابٍ أو شَبيهُ دُخان
فيا راغباً في العَيش إن كنتَ عاقلاً ... فلا وَعْظ إلاّ دُون لَحْظِ عِيان
стр. 151
ومن قول الغزال في الزهد:
النَّاس خَلقٌ واحدٌ مُتشابه ... لكنَّما تَتخالف الأعمالُ
ويقالُ حقٌّ في الرجال وباطلٌ ... أيُّ امرئ إلاّ وفيه مَقَال
ولكل إنسانٍ بما في نَفسه ... مِن عَيبهِ عن غيره أشغال
يستثقل الَّلَمَم الخفيفَ لِغيره ... وعليه من أمثال ذاك جِبال
ويَنام عن دُنياه نومةَ قَانع ... بنَعيمِ دُنياه وذاك خَيال
ورأيتُ ألْسنة الرِّجال أفاعياً ... طَوْراً تَثُور وتارة تَغتال
فإذا سلمتَ من المقَالة غير ما ... تَجنى فأنت الأسعدُ المفضال
ومن مفاخر الأندلس وشعرائها، وعلمائها المتقنين وكبرائها:
أبو عمر ابن عبد ربه
أحمد بن محمد بن عبد ربه
صاحب كتاب العقد الذي انجد وغار، وملأ بذكره الآفاق والأقطار. وذكر العالم المؤرخ الثقة أبو بكر الحسن بن محمد بن مفرج المعافري القرطبي - يعرف بالقبشي - لسكناه بها، في كتابه الذي سماه بكتاب الاحتفال في تاريخ أعلام الرجال، الذي
стр. 152
حدثنا به المحدث العدل أبو القاسم بن بشكوال، عن الحافظ الثقة أبي محمد بن يربوع عن الثقة أبي محمد بن خزرج عنه، قصة جرت لابن عبد ربه، مع الكاتب أبي حفص عمر بن قلهيل في التسمع على جاريته مصابيح. واتفق أن اجتاز أحمد بن محمد بن عبد ربه بدار أبي حفص عشية فقرع سمعه من طيب الغناء ما استوقفه، وأراد الدنو من الباب. وقيل، إنه صب عليه من العلية ماء بل ثيابه، فلم يردعه ذلك عن طلب الازدياد في السماع. فعدل إلى مسجد بقرب الدار، وسأل المعلم فيه أن يأتيه بدواة وبياض يكتب فيه، فجاءه بهما فكتب، إلى قلهيل رقعة فيها:
بسم الله الرّحمن الّرحيم. طاولتَك النِّعم وطالت بك. إنا لَمسنا سماءَ لَهوك، (فَوَجَدْنَهَا مُلِئَت حَرَساً شَديداً وشُهُباً. وأنَّا كُنَّا نَقعُدُ منهَا مَقَعِدَ للَّسمع، فَمَن يَستَمعِ الآنَ). . . إلى آخر الآية. وفي ذلك أقول:
يا مَن يضَنّ بصوت الطائر الغَرِد ... ما كنتُ أحسَبُ هذا الضَّنّ في أحَدِ
لو أنّ أسماعَ أهلِ الأرض قاطبةً ... أصغتْ إلى الصّوت لم ينقُص ولم يَزد
لولا اتقائي شِهاباً منك يُحْرقني ... بنَاره لاستَرقتُ السّمع من بُعُد
لو كان زريابُ حياًّ ثم أسمَعه ... لماتَ من حَسد أو ذَاب من كَمَد
стр. 153
فلا تَضَنَّ على أذنْي تُقَرِّطها ... صوتًا يَجُول مجالَ الرُّوح في الجَسَدِ
أمّا الشّراب فإني لست أقرَبه ... ولستُ آتيك إلا كِسْرتي بيدي
وسأل البواب فأوصل الرقعة إليه، فلما قرأها وعرف موضعه جاء حافياً إليه، وسأله الحضور ففعل. ثم قال ممازحاً: هات الكسرة التي زعمت أنك ترفع عنا مئونتها. فقال: أنصرف فآتيك بها. فأقام أحمد عنده أياماً. وقد ذكر هذه الحكاية الحميدي في جذوة المقتبس له مبتورة مصحفة.
وزرياب عندهم كان يجري مجرى الموصلي في الغناء، وله طرائق أخذت عنه، وأصوات أستفيدت منه. وقدمناه ذكره عند ذكر الغزال، وسقنا خبره.
ومن شعر ابن عبد ربه:
الجسمُ في بلد والرّوحُ في بلدِ ... يا وَحْشةَ الرُّوح بل يا غُرْبة الجَسَدِ
إن تَبْك عيناكَ لي مَن كَلفْتُ به ... مِن رحمةٍ فهُما سَهمَاك في كَبِدي
قال الحميدي: ومما أنشدنيه من شعره أبو محمد علي بن أحمد، واخبرني أن بعض من كان يألفه أزمع على الرحيل في غداة ذكرها، فأتت السماء في تلك الغداة بمطر جود حال بينه وبين الرحيل، فكتب إليه أبو عمر:
هلاّ ادَّكرت لبَيْن أنت مبتكُر ... هيهات يأبَى عليك اللهُ والقدرُ
стр. 154
ما زلتُ أبكي حِذَار البَيْن مُرْتَهنا ... حتى رثَى لَي فيك الريحُ والمطرُ
يا بَردةً من حَياَ مُزْنٍ على كَبدٍ ... نيرانُها بِغَليل الشَّوق تَسْتعر
آليتُ ألاّ أرى شمساً ولا قَمراً ... حتى أراك فأنت الشمس والقمرُ
ولأبي عمر بن عبد ربه هذا مدائح كثيرة ومجموعات كبيرة في مدح مواليه بني أمية. آخرها ما جمع للمستنصر بالله الحكم بن عبد الرحمن الناصر لدين الله، ثم كفر عن جميع ما قال واحسن المقال وسماها بالممحصات، والله يقبل التوبة ويعفو
عن السيئات. فمن ذلك قطعة محص بها القطعة المذكورة آنفا:
يا عاجزاً ليس يعفُو حيث يَقتدرُ ... ولا يُقَضَّي له من عَيشه وطَرُ
عَاين بقلبك إنّ العين غَافلةٌ ... عن الحقيقة واعلم أنها سَقَر
سوداءُ تَزْفِرُ عن غيظٍ إذا سُعرت ... للظَّالمين فلا تُبقى ولا تَذَر
إنّ الذين اشْتروا دُنيا بآخرة ... وشِقْوةً بنعيمٍ ساَء ما تَجَروا
يا من تلهَّى وشيبُ الرأس يندُبه ... ماذا الذي بعد شيبِ الرّأسِ تنتظر
لو لم يكن لك غيرُ الموت موعظةً ... لكان فيه عن اللذَّات مُزدَجَر
أنت المقولُ له ما قلُت مبتدئاً ... هلا ادكرت لبين أنت مبتكر
قال ذو النسبين، ﵁: وحدثنا الفقيه الأجل أبو الحسن على بن الحسين بلفظه بمدينة فاس سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وفيها مات رحمه
стр. 155
الله، قال: حدثنا الفقيه الحافظ أبو الحجاج يوسف بن عبد العزيز بن عبد الرحمن ابن عديس الأنصاري بجامع القرويين بمدينة فاس سنة خمس وخمسمائة، وفيها مات. قال: سمعت الإمام أبا عمر بن عبد البر يقول: سمعت الإمام الحافظ أبا الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف الأزدي، المعروف بابن الفرضي يقول: أنشدنا الإمام أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ، قال: أنشدني أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه شاعر الأندلس لنفسه:
ألاّ إنّما الدُّنيا غضَارةُ أيكةٍ ... إذا أخضرَّ منها جانبٌ جفَّ جانبُ
هي الدَّار ما الآمال إلا فجائعٌ ... عليَها ولا اللذَّاتُ إلاّ مَصائب
وكم سَخِنَت بالأمس عَينٌ قَريرةٌ ... وقرَّت عُيونٌ دمعُها اليوم ساكب
فلا تَكتحل عيناك فيها بَعْبرٍة ... على ذاهب منها فإنك ذاهب
وآخر شعر قاله قبل موته بأحد عشر يوما:
كِلاَنِى لمَا بي عاذلّي كفَاني ... طويتُ زَماني بُرهةً وطَوانِي
بَلِيتُ وأبلَتْني اللّيالِي وكَرُّها ... وصَرْفان للأّيام مُعَتوِران
وما لَيِ لا أبْلى لِسَبعين حِجّةً ... وعَشْرٍ أتتْ من بعدها سَنَتان
стр. 156
فلا تسألانِي عن تَباريح عِلَّتي ... ودونكُما منِّي الذي تَريان
وأنى بِحمد الله راج لِفَضله ... ولي من ضَمان الله خيرُ ضَمانِ
ولستُ أبالي عن تَباريح عِلَّتي ... إذا كان عَقْلي باقياً ولِساني
هُما ما هُما في كُل حالٍ تُلمّ بي ... فذا صارمي فيها وذاك سنانيِ
والوزير الكاتب، كاتب الملك المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر:
ابن دراج القسطلي
أبو عمر أحمد بن محمد بن دراج المعروف
بالقسطلي
نسب إلى بلد هناك تعرف بقسطلة دراج، معدود في الأندلس في جملة العلماء، والمتقدمين من الشعراء، والمذكورين من البلغاء، وشعره وترسيله في عدة أجزاء. فمن مستحسن قوله ما قاله في ملك سرقسطة، المنذر بن يحيى التجيبي:
يا عاكفينَ على المُدام تَنَّبهوا ... وسلُوا لِسَاني عن مكارِم مُنذِرِ
مِلكٌ لو استوهبتَ حبَّةَ قَلبْه ... كرَماً لجادَ بها ولم يَتَعذَّر
стр. 157
قال الحميدي: سمعت أبا محمد علي بن أحمد، وكان عالماً بنقد الشعر يقول: لو لم يكن لنا من فحول الشعراء إلا أحمد بن دراج لما تأخر عن شأو حبيب والمتنبي مات أبو عمر قريباً من العشرين وأربعمائة
الأديب الحسيب:
أبو عمر أحمد بن هشام
ابن عبد العزيز بن محمد بن سعيد الخير
أورد له الوزير أبو الوليد بن عامر في الورد والنرجس:
انظر إلى الرَّوض في جَوانِبه ... أحمرُه ضاحكٌ وأصفرُه
إذا هفَت فوقه الرّياحُ سَرىَ ... بِهفْوِها مِسْكُه وعَنْبرُه
نَرجسُه تَستجدُّ صُفرته ... حتى كأنْ الحَبْيبَ يهجره
والورد يَختالُ في مَنابته ... تَطويهِ أكمامُه وتَنشره
стр. 158
والوزير الخطير، الفاضل النحرير:
ابن شهيد
أبو عامر أحمد بن السادة الوزراء:
أبي مروان عبد الملك بن مروان بن ذي الوزارتين الأعلى أحمد بن عبد الملك ابن عمر بن محمد بن عيسى بن شهيد أشجعي النسب، من ولد الوضاح بن رزاح الذي كان مع الضحاك بن قيس الفهري يوم مرج راهط.
وأبو عامر هذا أرسخ أهل الأندلس قاطبة بالأدب، ينسل إليه من كل حدب؛ ولم ير لنفسه في البلاغة أحداً يجاريه، ويساجله في جميع العلوم ويباريه، وأما الكرم فلا يقاربه فيه أحد من أهل بلده ولا يدانيه.
ومن أخباره العظيمة، ومناقبه الكريمة، ما حدثني به الفقيه العالم المحدث النحوي القاضي بمدينة غرناطة وأعمالها، أبو محمد عبد المنعم بن محمد بن عبد الرحيم الخزرجي، ﵀، قال: حدثنا الوزير أبو عامر محمد بن أحمد بن عمر السالمي، قال: حدثنا الشيخ أبو عبد الله بن الصفار قال:
كان رجل من أهل طليطلة ذا محل شريف، ومكان عال منيف؛ فنبا به الوطن، وخانه على معهوده الزمن؛ فأتى إلى قرطبة رث الحال، منبت الحبال؛ لا يملك
فتيلا، ولا يدرك كثيرا ولا قليلا؛ فأنزل عياله في أحد الفنادق
стр. 159
وخرج يلتمس حراً يستجديه، وفاضلا يستهديه. فأرشد إلى أبي عامر بن شهيد، فكتب إليه كتابا يعرب عن فضل أدب، وكريم نسب. فقال للرافع له: ما زي هذا الرجل ولبسه؟ وكيف همته ونفسه؟. فأعلمه بما بدا من حاله؛ وظهر من اختلاله، فأمر بدخوله. فلما أدناه أبو عامر وقربه، ورتب له من البر والإكرام ما رتبه؛ ثم إنه أسر إلى وكيله بكلام لم يدره الرجل، إذ كان حائرا قد اكتنفه الخجل. ثم أمر أن يدخل في الحمام، ويحتفل في البر به والإكرام. فلما خرج منه ألفى سبنية بثياب أعدت له فلبسها، وأعيد إلى دار ابن شهيد، ووافق ذلك اليوم دعوة له لبعض القوم، فمكث الرجل وهو معلق البال، بمن تركه هنالك من العيال؛ فلما انتظم الأصحاب، وقدم الطعام والشراب، دخل الرجل مدخلهم في ذلك المأنس، وأخذ مكانه من المجلس؛ وأبو عامر بن شهيد يؤثر مكانه، ويدعو إلى بره إخوانه. فمكث الرجل بين فرح وترح، طورا ممتد الأنس، وتارة مكدر النفس. فلما كان عشي اليوم الثاني خرج الرجل وقد قُدم له مركب سار عليه، وغلام بشمعة بين يديه؛ إلى أن أدى به إلى هذه الدار، وهي مشهورة بقرطبة إلى الآن بين جميع الديار. فقال: أنزل يا مولاي. قال الرجل: ليست هذه داري، وإنما نزلت في الفندق الفلاني. فقال الغلام: بل هي دارك، أعطاكها سيدي، وأنا والدابة لك فأخرس الرجل ودخل الدار، فوجدها قد ملئت نعماً كثيرة، وفرشا وثيرة؛ وعياله في منضد تلك المجالس، قد أفرغت عليهن أفخر الملابس؛ وقد ملئت خزائنها بما يملأ العيون قرة، والقلوب مسرة.
стр. 160
ولهذا الوزير كتب كثيرة الهزل والجد، بعيدة عن الحصر والعد. منها كتاب التوابع والزوابع، وكتاب حانوت العطار، وكتاب كشف الدك وإيضاح الشك وقال حافظ أهل زمانه الفقيه أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، في رسالته
في فضل الأندلس، مفتخراً به: ولنا من البلغاء أحمد ابن عبد الملك بن شهيد، صديقنا وصاحبنا، وهو حي لم يبلغ بعد سن الاكتهال. وله من التصرف في وجوه البلاغة وشعابها مقدار يكاد ينطق فيه بلسان مركب من لساني عمرو وسهل وتوفي ﵀ ضحى يوم الجمعة آخر يوم من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وأربعمائة بقرطبة؛ ودفن يوم السبت ثاني يوم وفاته في مقبرة أم سلمة؛ وصلى عليه رئيس قرطبة أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور الكلبي. ومولده سنة اثنتين وثمانين وثلثمائة، ولم يعقب. وانقرض عقب الوزير أبيه بموته. وكان جواداً لا يليق شيئا، ولا يأسى على فائت، عزيز النفس. ومن شعره الدال على كرمه وفخره:
ألِمْتُ بالحُبّ حتى لو دَنَا أجَلِي ... لَمَا وجدتُ لطعم الموتِ من ألمَ
وزادني كرِمَي عمَّن ولِهْتُ به ... ويْليِ من الحبِّ أو ويْليِ من الكرم
стр. 161
وقال:
كتبتُ لَها أنَّني عاشقٌ ... على مُهْرَقِ الكَتْم بالناظر
فردّتْ علىّ جوابَ الهَوى ... بأحورَ في مائه حائر
منعَّمةٌ نَطقتْ بالجُفون ... فدلَّت على دقَّة الخاطر
كانّ فؤاديَ إذ أعرضتْ ... تَعلَّق في مِخْلَبَيْ طائر
وقوله:
وتَدرِي سِباعُ الطَّير أنًّ كُماتَه ... إذا لَقيتْ صِيدَ الكُماةِ سِباعُ
تَطير جِياعاً فوقَه وتَرُّدها ... ظُباهُ إلى الأوكارِ وهي شِباع
قال ذو النسبين، ﵁: هذا المعنى قد سبقه إليه مروان بن أبي الجنوب فقال: يمدح المعتصم:
لا تَشبع الطّيرُ إلاّ في وقَائعه ... فأينما سَارَ سارت خلفه زُمرَا
عوارفاً أنه في كُلّ مُعتركٍ ... لا يُغمد السَّيفَ حتّى يُكثِرَ الجَزَرا
الجزر، بفتح الجيم والزاي: الشاء المذبح؛ والواحدة: جزرة. قاله أبو علي في البارع: وأراد به الشاعر ها هنا كثرة القتلى. وهذا مأخوذ من قول أبي نواس:
تتأيَّا الطَّيرُ غُدوتَه ... ثِقةً بالشِّبع من جَزَره
стр. 162
وأخذه مسلم بن الوليد فقال:
قد عَوَّد الطيرَ عاداتٍ وَثِقْنَ بها ... فهنّ يَتْبَعْنَه في كُل مُرْتَحِل
وأخذه أبو تمام فقال:
وقد ظُلّلت عِقْبانُ أعلامه ضُحًى ... بعِقْبان طَيْرٍ في الدّماءِ نَواهلِ
أقامتْ مع الرّاياتِ حتى كأنَّها ... من الجَيْش إلاَّ أنَّها لم تُقَاتل
وكلهم قصر عن النابغة الذبياني في قوله:
إذا ما غَزَوا بالجَيْش حَلَّق فوقهم ... عَصائبُ طَيْرٍ تَهتدي بعَصائب
جَوانحَ قد أيقنَّ أنَّ قَبِيلَه ... إذا ما التَقى الجْمَعان أولُ غالب
لهنَّ عليه عادةٌ قد عَرَفْنها ... إذا عُرِّضَ الخَطُّىُّ فوق الكَواثب
وإنما قلنا إنهم قصروا عن النابغة لأنه زاد في المعنى واحسن التركيب. ودل على أن الطير إنما أكلت أعداء الممدوح. وكلامهم كلهم مشترك محتمل ضد ما نواه الشاعر. وإن كان أبو تمام قد زاده في المعنى على أن الطير إذا شبعت ما تسأل أي القبيلين الغالب. وقد أحسن أبو الطيب المتنبي في قوله:
له عَسْكرَا خَيْلٍ وطَيرٍ إذَا رمَى ... بها عسكراً لم يَبق إلا جَمَاجِمُه
стр. 163
ويتوجه عليه أن هذه الطير لأي معنى عافت الجماجم، دون عظام السوق والأذرع وغيرها من الأعضاء. وقد اخذ منهم بكر بن النطاح فقال:
وتَرى السباعَ معَ الجوَا ... رحِ فوق عَسْكرنا جَوانحْ
ثقةً بأنَّا لا نَزا ... لُ نُمِير ساغَبِها الذبائح
ساغبها: جائعها، والسغب: الجوع.
ولو تتبعنا جميع ما نظمه الشعراء في هذا الباب، لأتى على اكثر الكتاب.
وقال أبو عامر بن شهيد:
ولمّا تَملاَّ مِن سُكْره ... فَنَام ونَامت عُيون العَسَسْ
دنوتُ إليه على بُعده ... دُنُوَّ رفيق دَرى ما التَمس
أدبُّ إليه دبيبَ الكَرى ... وأسمو إليه سُمَّو النَّفس
وبتذُ به ليلتي ناعماً ... إلى أن تَبسَّم ثغرُ الغلس
أقبّل منه بَياض الطُّلا ... وأرشفُ منه سَوادَ الَّلعَس
стр. 164
ومنهم شاعر قرطبة وزعيمها، ونخبة بني مخزوم وضميمها، ذو الوزارتين:
أبو الوليد بن زيدون المخزومي
أحمد بن عبد الله بن أحمد
فمن قصائده التي ضربت في الإبداع بسهم، وطلعت في كل خاطر ووهم، ونزعت منزعاً قصر عنه حبيب وابن الجهم:
أضحى التنائي بَديلاً من تَدانينا ... وناب عن طِيب لُقْيانا تَجافينَا
بِتْمُ وبِنِّا فما ابتلَّت جوانحُنا ... شَوْقاُ إليكم ولا جَفَّت مآقينا
تكاد حين تُناجيكم ضمائُرنا ... يَقْضي علينا الأسَى لولا تأسِّينا
حالتْ لفقدكُمُ أيّامُنا فغَدتْ ... سُوداً وكانتْ بكُم بيضاً لَيالينا
إذ جانبُ العَيْشِ طَلْقٌ من تألِّفنا ... ومَوْرد اللَّهو صافٍ من تَصافِينا
وإذ هَصَرنا غُصون الأنس دانيةً ... قُطوفُها فجنينَا منه ماشِينَا
لِيُسق عهدُكُم عهدُ السرور فما ... كُنتم لأرواحِنا إلاّ رياحِينا
مَن مُبْلغُ المُلبِثينَ بانتزاحِهمُ ... حُزناً مع الدّهرِ لا يَبلى ويُبْلينا
أنّ الزّمان الذي ما زال يُضحكنا ... أنساً بقُربهمُ قد عادَ يُبكينا
غيظَ العِدَا من تَساقينا الهوَى فدعَوْا ... بأنْ نَغَصَّ فقالَ الدهرُ آمينا
стр. 165
وبات ليلة بإحدى جنات إشبيلية فقال:
وليلٍ أدمْنا فيه شُربَ مُدامةٍ ... إلى أنْ بدَا للِصُّبح في اللَّيل تأشيرُ
وجاَءت نُجومُ اللَّيل تَضربُ في الدُّجى ... فولّت نُجومُ اللّيلِ واللّيلُ مَقْهور
فَجُزْنَا من اللَّذات أطْيبَ طِيبها ... ولم يْعرُنَا هَمٌ ولا عاق تَكْدير
خَلا أنّه لو طالَ دامتْ مَسرَّتي ... ولكنْ ليالي الدّهِر فيهنَّ تقصير
ومن قوله:
بيني وبينَك ما لو شئتَ لم يَضِعِ ... سِرٌّ إذَا ذَاعت الأسرار لم يَذعِ
يا بائعا حظَّه منّي ولو بُذلت ... لِيَ الحياةُ بحظي منك لم أبعِ
حَسْبي بأنّك إنْ حَمَّلت قلبيَ ما ... لا تَستطيع قُلوبُ الناس يَستطِع
تِهْ احتمِلْ، واستَطل أصْبرْ، وعِزَّأهُنْ ... وَوَلِ أقبِلْ، وقُل أسمِعْ، ومُرْ أطع
هذا أحسن ما قيل في هذا الباب، لما فيه من ذكر الجواب لكل حرف من حروف الأمر، وخلو بيت أبي الطيب المتنبي:
أقِل أنِل اقْطع احْمِل عَلِّ سَلِّ أعِدْ ... زِدْ هَشَّ بَشَّ تَفضَّلْ ادْنُ سُرَّصيل
стр. 166
ولبعض أهل ذلك العصر، وهو أقل تكلفا وأيسر تعسفا:
فَدُم وابِقَ واسلَم واستطلْ عزَّةً وصِلِ ... وسُدْ وارْقَ واغْنَم واستزِدْ رفعةً واسْمُ
فلن يَتنافَى اثنانِ رأيُك والنُّهي ... ولن يتَلاقى اثنان فعلُك والذَّمُ
ولأبي الفرج الأصبهاني مؤلف كتاب الأغاني:
يا فرحةَ الهِّم بعد اليأسِ من فرجٍ ... يا فرحةَ الأمن بعد الرَّوع والوهَلَ
اسلَم ودُمْ وابقَ واملك وانمُ واسمُ وزِد ... وأعْطِ وامْنَع وضُر وانْفَع وصِل وَصُلِ
وكان الأصل في ذلك قول أبي العميثل في عبد الله بن طاهر، ذي اليمينين:
يا من يُحاول أن تكونَ صِفاتُه ... كخِصال عبد الله أنْصِتْ واسمعِ
أصدُق وعِفَّ وَجُد وأنصفْ واحْتَمِل ... واصفَح وكافِ ودَارِ واحلُم واشْجُع
وكان مجلس ذي الوزارتين أبي الوليد بن زيدون منحطاً عن مجلس السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد، ابن السلطان أبي عمرو عباد، في القعود لإنقاذ أوامر أبيه، إذ كان لما هاجر إليه من قرطبة تلقاه بأعلى المحل، وعول عليه في العقد والحل، فكتب إليه المعتمد:
أيُّها المنحُّط عني مجلساً ... ولَه في النَّفسِ أعلى مَجْلسِ
بِفؤداي لك حبٌ يقتضي ... أن تُرى تُحملُ فوق الأرؤُسِ
стр. 167
فراجعه ابن زيدون:
أسقيطُ الطلِّ فوق النَّرجِس ... أم نَسيمُ الرَّوض تحت الجِنْدسِ
أم قريضٌ جاءني عن ملك ... مالك بالبِّر رِقَّ الأنفس
يا جمالَ الموكب الغادِي إذا ... سارَ فيه يا بهاَء المجلسِ
شرُفَتْ بِكْرُ المعالي خِطبةً ... بكَ فانْعم بسرُور المَغْرس
وارتشفْ مَعْسُول ثغرٍ أشتنبٍ ... تَجتنيه من مُجَاج اللُّعس
واغتبق بالسَّعد في دَسْت المُنَى ... يصبحُ الصّنعِ دهاق الأكؤُسِ
فاعتراضُ الدّهر فيما شِئتَه ... مرتَقًى في صَدره لم يَهْجس
وكان ابن زيدون زعيم الوزراء القرطبية، ونشأة دولتها السنية؛ حتى صار ملهج لسانها، وحل من عينها مكان إنسانها. وكان بينه وبين رئيسها الحسيب أبي الحزم ابن جهور ائتلاف الفرقدين، واتصال الأذن بالعين؛ فلما صار تدبير ملك قرطبة إليه، ومدار أمرها عليه؛ طلب ابن زيدون طلباً أصاره إلى الاعتقال؛ وقصره عن
стр. 168
الوخد والإرقال؛ وكان له فيه أمداح بهرت بنظامها، وظهرت كالبدور عند تمامها. فكتب إليه:
بَني جَهورٍ انتُمْ سماءُ رياسةٍ ... مَنَاقبكم في أفْقها انجمٌ زُهْرُ
طريقتكُم مُثْلَى وهديُكُم رِضاً ... ومَذهبُكم قَصْدٌ ونالمكم غَمْر
عطاءٌ ولا مَنٌ وحُكْمٌ ولا هَوىً ... وحِلْم ولا عَجز وعزّ ولا كبْرُ
وقال في أبي الحزم بن جهور حين حبسه:
بني جَهورٍ أحرقُتُم بجفائكم ... ضمِيري فما بالُ المَدائح تَعْبَقُ
تعدّونني كالعَنْبِر الوَرْد إنما ... تَطيب لكم أنفاسُه حين يُحْرَق
ثم كتب إليه:
قُل للوزير وقد قَطعتُ بمَدْحه ... عُمري فكان السِّجن منه ثَوابي
لم تَعْدُ في أمري الصّوابَ مُوفَّقاً ... هذا جزاء الشَّاعِر الكذَّابِ
ثم إنه أعمل لنفسه في الخلاص من سجنه حيلا، واتخذ الليل للهرب جملا. فقطع في ليلة واحدة ما بين قرطبة وإشبيلية من المفاوز والمراحل، ومسافتها ثلاثة أيام لو أخذت الرواحل. ولما اتصل خبر وصوله بأبي عمرو عباد، وهو يومئذ سلطان تلك البلاد؛ تلقاه في جماعة من جماهير الكماة، ومشاهير العلماء والقضاة؛ فألقى مقاليد وزارته وجميع أمور دولته إليه، وأفاض الحلع والسوابغ عليه.
стр. 169
ذو الوزارتين أبو بكر محمد بن عمار
هو وابن زيدون فرسا رهان، ورضيعا لبان، في التصرف في فنون البيان؛ وهما كانا شاعري ذلك الزمان. وكانت ملوك الأندلس تخافه لبذاءة لسانه، وبراعة إحسانه؛ لا سيما حين اشتمل عليه السلطان المعتمد على الله وأنهضه جليساً وسميراً؛ وقدمه وزيراً ومشيراً، ثم خلع عليه خاتم الملك ووجهه أميراً، وقد كان أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً؛ فتبعته المواكب والمضارب، والنجائب والجنائب؛ وانقادت له العساكر والكتائب والجنود، وضربت خلفه الطبول ونشرت على رأسه الرايات والبنود؛ فملك مدينة تدمير، وأصبح راقي منبر وسرير؛ مع ما كان فيه من عدم السياسة وسوء التدبير. ثم انتزى على مالك
رقه، ومستوجب شكره ومستحقه. فبادر إلى عقوقه وبخس حقه؛ فتحيل المعتمد عليه، وسدد سهام المكايد إليه؛ حتى حصل في قبضته قنيصا، وأصبح لا يجد له محيصا، إلى أن قتله المعتمد في قصره ليلاً بيده، وأمر من أنزله في ملحده؛ وذلك سنة سبع وسبعين وأربعمائة.
فمن قوله الرائق، ولفظه الفائق، يمدح السلطان المعتضد بالله أبا عمرو عباد بن محمد:
أدِرِ الزُّجاجَةَ فالنّسيم قد انبرَى ... والنجمُ قد صَرف العنَان عن السُّرَى
والصبحُ قد أهدَى لنا كافورَه ... لما استردَّ الليلُ منا العَنبرَا
стр. 170
والرَّوْضُ كالحَسْنَا كَساهُ زَهْرُه ... وَشياً وقلّده نَداهُ جَوهَرا
أو كالغَلاِم زَها بوَرْد رياضِه ... خَجَلاَ وتاهَ بآسهِن مُعذَّرا
روضٌ كأنّ النَّهر فيه مِعصمٌ ... صَافٍ أطلَّ على رِدَاءِ أخضَرا
وتكلَّلت بالزَّهر صُلع هِضَابِه ... حتى حَسبْنا كُلّ هَضْب قَيْصرا
وتَهزُّه ريح الصَّبا فتخالُه ... سيفَ ابن عبّاد يُفرّق عَسْكرا
عَبَّادٌ المُخضَرُّ نائلُ كَفِّه ... والجوُّ قد لَبِس الرّداَء الأغبَرا
عَلِق الزمانُ الأخطرَ المُهْدى لنَا ... مِن ماله العلْقَ النَّفيسَ الأخطَرا
ملكٌ إذا ازدحمَ المُلوك بمَوْردِ ... ونَحاهُ لا يَرِدُون حتى يَصْدُرا
أندى على الأكبادِ من قَطْر النَّدى ... وألذُّ في الأجفانِ من سِنَةِ الكَرى
قَدّاح زَنِدْ المَجْد لا يَنْفَكّ عن ... نارِ الوَغَى إلا إلى نارِ القِرىَ
يختار أنْ يَهَب الخَريدةَ كاعِباً ... والطَّرْفَ اجردَ والحُسامَ مُجوهَرا
أيقنتُ أنّى من ذُراه بجَنَّة ... لمّا سَقَاني من نَداهُ الكوثرا
وعلمتُ حقًّا أن رَبْعَي مُخْصِبٌ ... لمّا سألتُ به الغَمامَ المُمْطرَا
من لا تُوازِنُه الجبالُ إذا احتبَى ... مَن لا تُسابِقُه الرّياحُ إذا جَرى
قَاد المواكبَ كالكواكبِ فوقَها ... مِن لامه مِثلُ السحاب كَنَهْوَرا
стр. 171
من كّلِ أبيضَ قد تَقلدّ أبيضاً ... عَضْباً واسمرَ قد تقلدّ أسْمرا
مَلِكٌ يروقُك خَلْقُه أو خُلْقه ... كالرَّوض يُحْسن مَنْظراً أو مَخْبرا
وسَمعتُ باسم القَطْرِ حتى شِمْتهُ ... فرأيتُه في بُرْدَتَيْه مُصورَّا
وجهِلتُ مَعنى الجُود حتى زُرْته ... فقرأتُه في راحَتَيْه مُفَسَّرا
فاحَ النّدَى مُتعِّطرا بثَنائه ... حتّى حَسِبْنا كلَّ تُرْب عَنْبرا
حَسبي على الصُّنع الذي أولاهُ أن ... أسْعَى بشُكْرٍ أو أموتَ فأعْذَرا
عَبّادُ المَلك الذي وَصَل المُنَى ... منه بَوجْهٍ مثلِ حَمْدِيَ أزْهرا
ماضٍ وصدْرُ الرُّمح يَكْهَم والظُّبا ... تَنْبُو وأيدي الخَيل تَعْثُر في البَرَى
لا شَيء أقرأ من شِفَار حُسَامه ... إنْ كنتَ شَبَّهتَ المواكب أسْطُرا
السيفُ أفصحُ من زيادٍ خُطبةً ... في الحَرْب إن كانت يَمينُك مِنْبرا
ما زِلْتَ تُغْنِى من عَنَا لك راجياً ... فَضْلاً وتُفْنِى مَن طَغَى وتَجبَّرا
حتّى حَلْلتَ من الرّياسة مَحْجرا ... رَحْباً وضَمَّت منك طَرْفاً أحورا
شَقِيَتْ بسيفك أمّةٌ لم تَعْتمد ... إلا اليهود وإن تَسمّت بَرْبَرَا
أثمرْتَ رُمْحك من رؤس كُماتِهم ... لمّا رأيتَ الغُصْنَ يُعْشَقُ مثُمِرا
وصَبغتَ دِرْعك من دماء كُلُومهم ... لما رأيتَ الحُسن يُلْبَسُ أحمرا
وإليكَها كالرَّوض زارتهْ الصَّبا ... وحَنا عليه الطَّلُّ حتّى نَوَّرا
نمّقتُها وَشْياً بذِكْرك مُذهَباً ... وفَتَقْتُها مِسْكاُ بحَمْدك أذْفَرا
стр. 172
مَن ذا يُتافحني وذِكُرك مَنْدلٌ ... أورَدتُه مِن نار فِكْريَ مِجْمرا
فلئن وجدتَ نسيم حَمْديَ عاطراً ... فلقد وجدتُ نسِيمَ بِرِكّ أعْطَرا
قال ذو النسبين ﵁: وهذه القصيدة من غرر القصائد، ودرر القلائد؛ وكل بيت منها بيت قصيد، وواسطة سلك فريد.
وله يتغزل في مملوك رومي للمؤتمن، قد لبس درعا:
وأغيدَ مِن ظِباء الرُّومِ عاطٍ ... بِسالِفتَيْه من دَمْعي فريدُ
قَسَا قلْباً وشَنّ عليه دِرعاً ... فظاهرُه وباطنُه حديد
بكيتُ وقد دَنَا ونأى رِضاه ... وقد يَبْكي من الطّربِ الجَليد
وإنّ فَتًى تَملَّكه بنَقْدٍ ... وأحْرزَ رِقَّهُ لَفتىً سَعِيد
يقال: سَننت الماء بالسيّن، المهملة، وشَننته، بالشين المعجمة، فالسنّ والشّنّ: الصبّ.
وقال ابن الأنباري: سن الدرع عليه، بالسين غير معجمة: صبها.
وأهدى الناس في يوم عيد إلى السلطان المعتمد على الله أبي القاسم محمد بن عباد، مما يهدى للملوك في الأعياد، فاقتصر على ثوب صوف بحري أصفر، وكتب معه:
لما رأيتُ النّاسَ يْحتفلون في ... إهداءِ يومك جِئتُه من بابِهِ
فبعثتُ نحوَ الشّمس شِبهْ إهابها ... وكسوتُ مَتْن البحر بعضَ ثيابه
стр. 173
وله يعتذر من وداعه للسلطان أبي يحيى محمد بن معن بن صمادح.
أمُعتصماً بالله والحربُ ترتَمي ... بأبطالها والخيلُ بالخيل تَلْتَقي
دَعتْني المطَايا للترحيل وإنّني ... لأفْرَقَ من ذكر النَّوى والتّفرُّق
وإنّي إذا غرَّبتُ عنك فإنما ... جَبينُك شَمسِي والمَرِيّةُ مَشْرقي
وكتب إليه المعتصم بالله ثلاثة أبيات في العتاب:
وزهَّدنِي في النّاس مَعْرفتِي بهم ... وطُولُ اختبارِي صاحباً بعد صاحب
فلم تُرِني الأيام خِلاً تَسُّرني ... بواديه إلا ساءني في العَواقب
ولا صِرْتُ أرجوهُ لدَفْع مُلمَّةٍ ... من الدّهر إلا كان إحدى النّوائب
فأجابه ابن عمار:
فديتُك لا تَزْهدْ فثَمَّ بقيةٌ ... ستَرْغب فيها عند وَقْع التجاربِ
وأبقِ على الخُلْصَان إنّ لديهمُ ... على البَدْءِ كَرَّاتٍ بحُسن العَواقب
تكنَّفْتَني بالنّظم والنثّر جاهداً ... وسُقتَ علىّ القَولَ من كلّ جانب
وقد كان لي - لو شئتُ - ردٌّ وإنَّما ... أجرَّ لِساني بعضُ تلك المواهب
ولابدّ من شَكْوَى ولو بتنفُّسٍ ... يُخفّف من حرّ الحَشَا والتّرائب
كتبتَ على رَسمْي وبعد نَسيئة ... قرأتُ جوابي من سطور المواكب
ثلاثة أبيات - وهيهاتَ - إنَّما ... بعثتَ إلى حَربي ثلاثَ كتائب
стр. 174
وكيف يَلذُّ العيش في عَتْب سيِّدٍ ... وما لذَّ لي يوماً على عَتْبِ صاحبِ
وقبلُ جَرَتْ عن بعض كُتْبَي جَفوةٌ ... ألحتَّ على وجهْي بغَمْز الحواجب
وما كنتُ مُرتاداً ولكن لنُفْحة ... تعَّودتُ من رَيحان تلك الضَّرائب
سلكتُ سَبِيلي للزّيارة إثرها ... فقابلتُ دَفْعاً في صُدور الرّكائب
ولو لمعتْ لي من سمائك بضرْقةٌ ... ركبتُ إلى مَغْناكَ هُوجَ السّحائِب
فقبَّلتُ من يُمناك أعذبَ مَشْرَعٍ ... وقضَّيتُ من رُؤياك أوْكد واجب
وأبْتث خفيفَ الظَّهر إلا من النَّدى ... وخلفَّتَ للعَافي ثِقَالَ الحَقائب
سِواكَ يَعِي قولَ الوُشاة من العدَا ... وغيرُك يَقْضي بالظُّنون الكَواذب
واجتاز على أكرم أهل زمانه، واعلم وقته وأوانه؛ الوزير الكاتب السمي المراتب، أبي محمد بن القاسم الفهري؛ فما عرج عليه، فعاتبه الوزير أبو محمد على إساءته في ذلك غليه، فكتب إليه أبياتا أمر بعض خواصه أن ينثرها بين يديه:
لم يَثْنِ عنك عِنَاني سَلوْةٌ خَطَرت ... على فُؤادي ولا سَمْعي ولا بَصْرِي
وقَصْرُك البيتُ لو أنّي قَضيتُ به ... حَجِّي وكفُّك منهُ موضعُ الحجر
لكنْ عدتْنَي عنكُم خَجلةٌ سلَفَت ... كَفانِيَ القولُ فيها قولُ مُعتذِر:
لو اختصرتُم من الإحسانُ زُرْتكُم ... والعذْبُ يُهجر للأفْراط في الخَصَر
وشعره مدون كثير، وقد ذكرنا منه ما اقتضاه التخيير.
стр. 175
ذو الوزارتين ابن الحاج
أبو الحسن جعفر بن إبراهيم بن الحاج
عين مدينة لورقة وإنسانها، ومدرهها ولسانها؛ وكان أكرم من غمام، وأرسى حلماً من شمام؛ وله شعر أعذب من الجريال في صحن الخد، وأطيب من الوصال بعد الصد.
أنشدني الوزير الفقيه المحدث الكاتب، أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن عميرة، قراءة مني عليه سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، ﵀، قال:
أنشدنا ذو الوزارتين أبو محمد قال: أنشدني أبي ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور:
أزورَك مُشتاقاً وأرجع مُغرماً ... وأفتح باباً للصَّبابَة مُبْهَما
أمدَّعِيَ السُّقم الذي آد حَمْلُه ... عَزيزٌ علينا أن نَصحّ وتَسْقما
مَنَعْت مُحِباً منك أيسرَ لَحظة ... تَبْلُّ غَليلَ الشَّوق أو تَنقُع الظَّما
وما رَدَّ ذاك السِّجفُ حين رميتَه ... من القَلب سَهماً من هواك مُصمِّما
هَوًى لم تُمِنْ عينٌ عليه بنَظرةٍ ... ولم يكُ إلا سَمْعةً وتَوهُّما
стр. 176
ومُلتقطَاتٍ من حديث كأنما ... نَثرتَ به سِلْكَ الجُمان المنظَّما
دعوتُ إليك القلب بعد نُزوعه ... فأسرع لمَّا لم يجد متَلوَّما
وله:
وبيضاَء ينَبو الحَّظُ عند التقائها ... وهل تَستطيع العينُ تنظرُ في الشّمسِ
وَهَبْتُ لها نفساً علىَّ كريمةٌ ... وقد عَلِمتْ أنَّ الضَّنَانة بالنَّفس
أعالجُ منها السُّخطَ في حالةِ الرّضى ... ولا أعدَم الإيحاش في ساعة الأنس
وله وقد أهدى تفاحا
بعثتُ بها ولا آلُوك حَمْداً ... هديةَ ذِي اصطناع واعْتِلاَقِ
خدودَ أحبْة وافَيْنَ صَبًّا ... وعُدْنَ على ارتماضٍ واحتراقِ
فحمَّر بعضَها خَجَلُ التَّلاقِي ... وصَفَّر بعضَها وَجَلُ الفِرَاق
وله في زرزور:
يا رُبَّ أعجَم صامتٍ لَقَّنْتُه ... طَرَفَ الحديثِ فصَار أفصحَ نَاطِقِ
جَوْنِ الإهابِ أعِيرَ فُوه صُفْرةً ... كاللَّيل طَرَّزه وَميضُ البارق
حِكَمٌ من التَّدبير أعجزَتِ الوَرى ... ورَأى يها المَخلوقُ لُطْفَ الخالق
стр. 177
وكان الوزير ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور ذا بضائع من العلوم والآداب كلها جواهر، وجميعها إذا أدجت الأيام زواهر؛ وكان ذكر بني عباد بالكرم بالمغرب. وقد طار وطبق الأقطار، فقصدهم بتلك البضائع التي لا يروج إلا لديهم نفاقها، ولا تقام إلا عندهم أسواقها؛ فأخفق لاشتغالهم عنه - لا لتقلص ظلال كرمهم - مسعاه، وتكدر مورده وصوح مرعاه؛ فأم غير مورد نداهم موردا، وارتحل عنهم منشدا:
تَعزَّ عن الدُّنيا ومَعروِف أهلها ... إذا عُدمٍ المَعروفُ في آلِ عبْادِ
أقمتُ بهم ضَيْفاً ثلاثَةَ أشهرٍ ... بغَيرْ قرِي ثم انصرفتُ بلا زاد
فندموا على تفريطهم فيه وما فرط من إهمالهم، وقد ألبسهم من العار ما عراهم من حلل الأيادي السابقة من نوالهم.
وله إلى الفقيه العالم الأديب الأحسب، قاضي القضاة بشرق الأندلس ونخبة الأملاك من كلب، أبي أمية إبراهيم بن عصام الكلبي:
لي صاحبُ عَمِيَتْ علىّ شُئُونُه ... حركاتُه مَجْهولةٌ وسُكُونُه
يرتابُ بالأمر الجَلِّيِ تَوهُّماً ... وإذا تَيقَّن نَازَعَتْهُ ظُنُونه
ما زلتُ أحفظه على شَرَقِي به ... فالشَّيبُ تكرَهُه وأنتَ تَصُونه
стр. 178
والوزير أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف:
ابن اللبانة
من شعراء السلطان ابن عباد، وممن وفى له فقصده وهو محبوس بأغمات آخر تلك البلاد. فمن قوله في المدح في المعتمد على الله:
مَلكٌ إذا عَقَدَ المغَافِرَ للوَغَى ... حَلَّ الملوكُ مَعاقِدَ التِّيجانِ
وإذا غَدت راياتُه مَنشورةً ... فالخافِقان لهُنَّ في خَفَقان
وله في ناصر الدولة صاحب جزيرة ميورقة.
وعَمْرتَ بالإحسان أفق مَيورْقَةٍ ... وبَنيتَ فيها ما بنَى الإسكندَرُ
فكأنَّها بَغدادُ أنتَ رَشيدُها ... ووزيرُها - ولهَ السلامةُ - جَعفر
قوله: وله السلامة في باب الحشو أملح وأوضح من قول المتنبي لكافور:
وتَحتقرُ الدّنيا احتقارَ مُجِّرب ... ترى كلَّ ما فيها - وحاشاكَ - فَانِيَا
стр. 179
وله:
كأنّ عُلاكَ أفلاكٌ وفُلْكٌ ... بأرزاقِ البريَّة جارياتُ
كأنَّ هِباتِها من غير وَعْدٍ ... نَتائجُ مالهنَّ مُقَدِّمَات
ومهما اهتزَّ جيشُك نحو جيشٍ ... فأنتَ سِنانُه وهو القَناة
النتيجة عند أهل المنطق لا تكون إلا عن مقدمات، أقلهن اثنتان. والشاعر لا يطالب بحقيقة، ولا يغالب بغير طريقته من طريقه.
وله في غلام جميل:
إن تكُنْ تَبتغي القِتالَ فدَعْنِي ... عنكَ في حَوْمةِ القِتال أحَامِي
خُذ جَنانِي عن جُنّةٍ ولِساني ... عن سِنانٍ وخَاطري عن حُسَام
وقال يهنئ بمولود ولد في شهر رجب:
نَجمٌ تَراَءى في سماءِ الحَسَبْ ... للشُّهْب في إبّانه مُنْتَسَبْ
وأعْرَبت ليلُة ميلاده ... بلَيلةِ القَدْر أتَتْ في رَجَبْ
стр. 180
والوزير الفقيه اللغوي النحوي العالم، ومن له المناقب والأحساب الشهيرة والمكارم؛ بحر العلم الزاخر، وفخر الأوائل والأواخر، الذي يهتدي بنجم فضله المهتدون، أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله:
ابن عبدون
وقد ذكرنا قبل قصيدته المحتوية على جميع الفنون، التي أنشدنيها عنه القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون. وأنشدني له أيضا:
وما أنْسَ بين القَصْر والنِّهِر وَقْفَةً ... نَشدتُ بها ما ضَلَّ من شارِدِ الحُبِّ
رَميتُ بعيْني رَمْيةً سَمَحت بها ... فلم أثْنِها إلا ومَجروحُها قَلْبي
وله:
مَررتُ على الأيّاِم من كل جَانبٍ ... اصَعِّدُ فيها تَارة وأصوِّبُ
يُنِير لِيَ الثَغرانِ: صبحٌ وصارم ... ويكتُمني القلبان: لَيلٌ وَغَيْهب
لقَد لَفظَتْني الأرضُ إلاّ تَنُوفَةُ ... يُحدثني عنها العِيانُ فيَكذب
ومما قاله، وجمع فيه حروف الزيادة:
سألتُ الحُروف الرائداتِ عن اسمها ... فقالت ولم تَكْذِب أمانٌ وتَسّهيلُ
следующие страницы →