Полный текст (243 стр.). Показаны 211–243 · переход к 216.
стр. 211
أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخمي، ولقي بلوشة الفقيه الإمام أبا الوليد هشام ابن أحمد بن هشام الهلالي، قرأ عليه، وعلق عنه جميع كلامه، على صحيح البخاري، وكان عالماً به واقفا على معانيه. ولقي بإشبيلية القاضي الإمام أبا بكر محمد بن عبد الله العربي المعافري، وكان مختصا به. والفقيه المشاور القاضي أبا مروان الباجي، والمقرئ النحوي القاضي بإشبيلية أبا الحسن شريح بن محمد الرعيني، والفقيه القاضي الإمام أبا القاسم أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى ابن منظور، والوزير أبا بكر محمد بن فندله. والوزير الحسيب أبا عبد الله جعفر بن مكي، وقرأ القرآن العظيم بقرطبة علي ابن ذروة، وعلى الأستاذ عياش بن عبد الملك الأزدي اليابري. ولقي الفقيه المشاور الأستاذ أبا عبد الله محمد بن عيسى المشتهر بالشرقي، ولقي بالمرية الإمام العالم الأوحد أبا القاسم ابن ورد، وقرأ عليه الحديث تفقها، والفقيه الإمام الزاهد الشهيد أبا عبد الله
стр. 212
محمد بن يحيى، يعرف بابن الفراء، وسمع عليه. ولقي ببلده مالقة الفقيه المشاور الفاضل أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن معمر، والفقيه الأستاذ المقرئ أبا علي بن تملا، يعرف بالأحدب، والأستاذ النحوي أبا الحسين بن الطراوة، والفقيه الأستاذ اللغوي أبا عبد الله محمد بن سليمان هو ابن أخت غانم. ولقي من أهل مرباطر بلنسية الإمام العالم أبا بحر سفيان بن العاصي، ولقي الأستاذ المقرئ أبا المطرف عبد الرحمن بن سعيد الفهمي، حدثه عن الفقيه عبد الحق الصقلي إجازة، وعن القاضي الإمام أبي الوليد الباجي سماعاً عليه، وعن الإمام أبي عمر بن عبد البر إجازة، وعن غيرهم.
ولقي في علم الأصول الفقيه المتكلم أبا العباس أحمد بن محمد الجذامي، يعرف
بابن الزنقي، إلى غير ذلك من شيوخه. وقد سمعت عليه وصحبته، وأجاز لي جميع رواياته، ولأخي الحافظ أبي عمرو.
стр. 213
ومن أعظم ما شاهد أهل الأندلس منه أن يده اليمنى بطلت فأطلق الله يده اليسرى، فكتب بها دواوين لا تحصى كثرة، كمسند البزار وغيره، كما كان يكتب بيده اليمنى وأحسن. توفي ﵁ بمالقة وهو يتولى الأحكام، ويدرس العلوم سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وأنشدني قال: أنشدني الإمام العالم أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي لنفسه، يعاتب بعض إخوانه:
وكنتُ أظنُّ أنَّ جبالَ رَضْوَي ... تَزول وأنَّ وُدَّك لا يَزولُ
ولكنَّ القلوبَ لها انقلابٌ ... وأحوال ابنِ آدم تَستحيل
فإن يَكُ بيننا وَصْلٌ جَميل ... وإلا فليكُن هَجرٌ جميل
وقد سمعت هذه الأبيات من الفقيه أبي محمد عبد الحق، ابن قاضي مالقة أبي مروان عبد الملك بن بونة العبدري، قال: أنشدنا الإمام أبو بكر غالب لنفسه أيضا يحذر من خلطة الناس:
جفوتُ أناساً كُنتُ آلفُ وصلَهم ... وما بالجفَا عند الضرورةِ من باَسِ
بلوتُ فلم أحمدَ فأصبحتُ يائساً ... ولا شَيَء أشْفَى للنُّفوس من الياس
فلا تَعْذلوني في انقبِاضي فاِنني ... رأيتُ جميعَ الشَّرِّ في خِلْطة الناس
стр. 214
وأنشدني القاضي الفقيه أبو الحسن صالح المذكور، قال: أنشدنا الفقيه القاضي أبو الحسن بن أضحى:
أزِفَ الفِراقُ وفي الفؤاد كُلُوُم ... ودنا التَّرحُّل والحِمامُ يَحومُ
قُل للأحِبَّة كيفَ أنعُم بعدَكم ... وأنا المُسافر والفؤادُ مُقيم
قالوا الودَاعُ يَهيجُ منكَ صبابةً ... ويُثِيرُ ما هو في الهَوى مَكْتوم
قلتُ اسمحوا لي أنْ أفوزَ بنَظْرة ... ودَعُوا القيامة بعد ذاكَ تَقوم
وحدثني شيخنا المذكور آنفا قال: أخبرنا القاضي أبو بكر بن العربي وأملاه علي، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك التنيسي الصوفي قال: خرجنا مع شيخنا أبي الفضل بن الجوهري بخبب عميرة لتشييع الحاج ووداعه على العادة، فبتنا معهم. وحين أصبحنا وأثيرت الجمال وقوض الناس للرحيل إذا بفتى شاب حسن الوجه عليه شحوب واصفرار، وهو يشيع الهوادج هودجاً هودجا، حتى فنيت الهوادج ومشى الحاج، وهو يقول أثناء تردده عليها، ونظره إليها:
أحُجّاجَ بيت الله في أيّ هودج ... وفي أي خِدر من خُدوركُم قَلبِي
أأبقىَ رهينَ الجسم في أرض غُربةٍ ... وحاديكُم يحدُو بقَلْبي مع الرَّكب
стр. 215
فَوا أسفَا لم أقْض منكم لُبَانتي ... ولم أتمتَّع بالجِوار وبِالقُرب
وفُرِّقَ بيني في الرّحيل وبَينكم ... فهأنذا أقْضي على إثركم نضحبي
فلما أكمل الحاج السير ويئس، ضرب بنفسه إلى الأرض وجعل يقول:
خَلِّ دَمْع العين يَنهملُ ... بانَ من تهواهُ وارتحلُوا
أيُّ دَمْعٍ صانَه كَلِفٌ ... فهو يومَ البَيْن مُبتذَل
ثم مال إلى الأرض، فجئنا إليه فوجدناه ميتا.
أبو الفضل بن الجوهري، هذا مصري؛ كان يسكن القرافة، واسمه عبد الله ابن حسين؛ أسماه الإمام أبو بكر بن عطية. وهو واعظ جليل، وفقيه نبيه ونبيل. روى عنه من العلماء: أبو مروان عبد الملك بن زيادة الله الطيني، وأبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، وغيرهما. وذكره الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتاب الإكمال له وأثنى عليه وقال: روى عنه الحميدي.
стр. 216
وصاحب لواء العربية، وذو النساب السرية:
أبو محمد القاسم بن عبد الرحمن
ابن القاسم بن مسعدة بن عبد الرحمن بن القاسم بن عثمان بن إسماعيل بن عثمان بن مطرف بن دحمان بن الغمر بن مرغم بن ذبيان بن فتوح بن نصر الأوسي، من أهل مدينة مالقة، وأصله من وادي الحجارة، وجده ملكها؛ والدحم، في اللغة: الدفع؛ وبه سمي الرجل دحمان. قاله كراع وغيره.
لقيته بمدينة مالقة فسمعت عليه وأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو بخطه. واخبرني أن مولده سنة خمس وثمانين وأربعمائة ببلنسية، عام حصار القنبيطور لها. وتوفي ﵁ بمالقة وله اثنتان وتسعون سنة، يوم الاثنين بعد صلاة العصر، وهو الثاني من ذي القعدة، وآخر يوم من آذار، سنة خمس وسبعين وخمسمائة. ودفن يوم الثلاثاء بعد صلاة العصر بمقربة من الشريعة بخارج مالقة. وصلى عليه على شفير قبره أخوه الفقيه أبو عبد الله محمد، وكان ﵀ إمام أهل زمانه في الحرف والفعل والاسم، والحد والرسم، والتنكير والتعريف، والصرف والتصريف. ويذهب كل مذهب في التعليل. ويفضل رأي عمر وأبي
стр. 217
بشر، والخليل. وإذا وقع في وادي الشعر والقريض، فذو لسان طويل وباع عريض. ثم رأى أن الحديث والفقه ثمرة المعارف، وعارفة العوارف؛ فأكثر منهما وأفرط، واستقصر نفسه عن اشتغاله بغيرهما وفرط؛ مع أنه لم تعرف له قط في شبيبته صبوة، ولا اتخذ أهلاً ولا سمعت عنه هفوة. وانفرد في آخر عمره لإقراء القرآن والقيام به، واجتهد في العبادة، ليله راكعا وساجدا. وسأل الله الكريم في جنح الظلام متهجدا لا هاجدا؛ إلى أن مات على أحسن أحواله، مقدما لصالح أعماله. وهو شيخ شيخنا الأستاذ النحوي، أبي القاسم السهيلي؛ قرأ كتاب سيبويه قراءة تفقه وإتقان، وبحث وبيان؛ على نحوي أهل زمانه، أبي الحسين بن الطراوة، واختص به. ولقي الخطيب المصقع أبا الفتح سعدون بن مسعود المرادي، فروى عنه جميع رواياته وتواليفه؛ والأستاذ اللغوي النحوي أبا عبد الله
محمد بن سليمان، المشتهر بابن أخت غانم؛ وقرأ القرآن العظيم على الأستاذ أبي علي المغراوي المتصدر بجامع مالقة. روى بها عن أبى معشر الطبري؛ ولقي الفقيه أبا عبد الله أبي الأديب، والقاضي المتقن
стр. 218
أبا محمد التوحيدي. وأجاز له الأئمة العلماء: أبو بحر سفيان بن العاصي، والقاضي الشهيد أبو عبد الله بن الحاج، والفقيه أبو الحسن بن مغيث، والإمام العالم أبو القاسم بن ورد، والعالم أبو جعفر بن باق السرقسطي، نزيل مدينة فاس، والأديب أبو عبد الله جعفر محمد بن مكي، والقاضي الأديب الكاتب الخطيب أبو الفضل جعفر بن محمد بن يوسف حفيد الأعلم النحوي، أبي الحجاج الشنتمري. وأنشدنا قال: أنشدنا الأستاذ اللغوي النحوي، أبو عبد الله محمد بن سليمان النفري، قال: أنشدني خالي اللغوي النحوي العالم الفقيه أبو غانم بن وليد القرشي المخزومي لنفسه:
صَيِّر فؤادك للمَحبوب مَنزلةً ... سَمُّ الخِيَاطِ مَجالٌ للحبَيْبينِ
ولا تُسامحُ بغَيضاً في مُعاشرةٍ ... فقلّما تَسعُ الدُّنيا بَغِيضَين
السم: ثقب الإبرة
стр. 219
والفقيه أبو عبد الله محمد ن سعيد بن أحمد بن سعيد يعرف:
ابن زرقون
بتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة؛ من أهل إشبيلية؛ وقد تكلمنا على نسبه ولقبه في كتابنا المسمى بوهج الجمر في تحريم الخمر.
أجاز له الشيخ الفقيه أبو عبد الله أحمد بن محمد الخولاني برغبة أبيه سنة اثنتين وخمسمائة، وهو العام الذي ولد فيه أبو عبد الله، واستجاز أيضا له ولابنه أبي عبد الله القاضي بإشبيلية العالم أبا عبد الله محمد بن شبرين، والفقيه المفتي أبا محمد بن عتاب. ونقله أبوه إلى حضرة مراكش فلقي بها الفقيه الإمام أبا عمران موسى بن أبي تليد الشاطبي - إذ كان حمل إلى مراكش، وأخرج عن وطنه - فسمع
عليه كتاب التقصي، فأكثر كتاب السنن لأبي داود، وأجاز له جميع ما رواه. ثم تجول بالأندلس ولزم الوزير الفقيه الكاتب أبا محمد بن عبدون وقرأ عليه كثيرا من روايته وتصانيفه ومنظومه ومنثوره، وكان أشعر أهل الأندلس واكتبهم. ولزم الوزير أبا محمد بن القبرطرنه وإخوته. ثم رجع من بطليوس إلى إشبيلية. فقرأ على القاضي الخطيب بجامعها، أستاذ المقرئين أبي الحسن
стр. 220
شريح بن محمد الرعيني، وعلى الفقيه القاضي العالم اللغوي النحوي أبي محمد عبد الله ابن الوحيدي. ثم لزم القاضي أبا الفضل عياض بن موسى مدة مديدة، وأعواماً عديدة، وكان فقيه الدرس والنفس، وإن كان حكى عنه ابن خاقان في قلائده أنه كان يحضر مجالس الأنس. فالتوبة بإجماع محاءة للذنوب، مذهبة للمجون والعيوب. وقد استصلح في كبرته للقضاء وقضى، ولم يقض إلا وهو عدل رضى.
فمما أنشدنيه لنفسه، وكتبته من خطه:
ذَكر العهدَ والدّيارَ غريبُ ... فجرَى دمعُه ولجَّ النَّحيبُ
إذ صفاءُ الوِداد غيرُ مَشُوب ... بتَجنٍّ، وودُّنا مَشْبوب
وإذِ الدهر دّهْرُنا وإذا الدا ... رُ قريب وإذ يقول الرَّقيب
وقِيَان الأوتار تُسدها الأطْ ... يار والروض زاهرٌ مَهضْوُب
ووِشَاحِي مَعاصمٌ لوِت الشَّو ... ق علينا وظاهرتُها القلوب
وفِراشي بَطْنٌ وصَدْر ونَهْدٌ ... وعليها مِنِّي رَفيقٌ طبيب
واللَّما والرُّضابُ كأسي وخَمْري ... حّبَذا الكأسُ حّبَذا المَشْروب
وحِمَى الأزْر لِي مُبَاحٌ وحُكْمِي ... نافِذٌ فيه والفعالُ ضُروب
стр. 221
وإذا ما الحِمَى أغارَ عليه ... حاذقُ الطَّعن فالحِمَى مْنهُوبُ
أسألُ الله عَفْوَهُ فلئن سا ... َء مقالي لقد تَعفُّ الغُيوب
قد ينال الفَتى الصغائر طرفا ... لا سواها وللذُّنُوب ذَنُوب
وأخو الشِّعر لا جُناح عليه ... وسَواءُ صَدُوقه والكَذوب
وأنشدني، وكتبته من خطه، يخاطب امرأة:
يا نُورَ نَفْسِيَ حقُّ الضَّيف مُفترضٌ ... وأنتِ من قَومِ صِدقٍ ظاهِري الكَرِم
مرّتْ ليالٍ علينا في جِواركُم ... ونحن في جَفوةٍ أفضتْ إلى سَقَم
إن قلت تُبتُ، فما كانتْ مُفاحشةٌ ... وإين منك مَقالُ الله في اللَّمَمِ
أو كان نُسكٌ فما ذو النُّسك في سَعةٍ ... أن يَسْتحلَّ - وقاكِ اللهُ - سَفْكَ دَمي
وقد تكلمنا على هذه الأشعار، ومن انتقدها عليه من العلماء الكبار، واعتذرنا عنها أبلغ الاعتذار، وذلك في كتاب وهج الجمر في تحريم الخمر.
وشاهدناه في آخر عمره قد اتخذ المسجد الجامع داراً، والتفت إلى رواياته وتواليفه فروى صغاراً وكبارا. قرأت عليه كثيرا وسمعت، وأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع رواياته ومجموعاته. وتوفي ﵀ على أحسن حالاته ببلدة إشبيلية سنة ست وثمانين وخمسمائة، وله أربع وثمانون سنة. وخلف أموالا عظيمة، ز كتباً في كل فن كريمة؛ وكان له ولد يكنى أبا الحسين، وكان سخنة عين؛ فأساء ذكره، ولم يتبع حسنه، فأمر صاحب المغرب أن يصفد في الحديد، وأن يلقى
стр. 222
في عنقه ما يتصل بحبل الوريد؛ وحمل إلى السجن الذي بباب حميدة، على حالة مذمومة بكل لسان غير حميدة؛ ثم احضر في موطن جرت العادة فيه بضرب رقاب أهل الظلم والعدوان، وهو يحجل في قيوده ويضطرب اضطراب الخيزران؛ ثم أمر بإطلاقه بعد هوان، وخوف غلب على أمان. ثم أمر بإحضار كتبه وهي التي ورثها من أبيه، وكانت تقاوم مالاً جسيما وتساويه، في كل صنف تشتمل عليه من الرأي وفيه؛ فأوردت النار وبئس الورد المورود، فأحرقت فسمع للنار تسعسع ورئي لهما وقود، واحترق الكاغد وانزوت الجلود، وذلك يوم يؤرخ به مشهود.
أنشدني الفقيه أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون، قال: أنشدنا الفقيه المفتي أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد شيخنا لنفسه:
حَالِي مع الدَّهر في تَقلُّبه ... كطائرٍ ضَمَّ رجلهَ شَرَكُ
فهمُّه في فَكاك مُهْجِته ... يَرُوم تَحْليصَها فتَشْتبكُ
وأصل اللمم في اللغة: الهم بالخطيئة من جهة مقاربتها، وحديث النفس بها من غير مواقعتها.
стр. 223
ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة: إن النبي ﷺ قال: كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه.
ولها طرق في الصحيحين، منها: كتب الله على ابن آدم حظه من الزنا، فأخبر ﷺ أن العين نظرها زنا إذا نظرت إلى من لا يحل لها النظر إليه من النساء، وأنها توصل ذلك إلى النفس، فتتمنى النفس وتشتهي ما رأت العين، فيكون داعياً إلى الفرج الذي هو يكذب الفعل أو يصدقه. وقد تكلمنا عليه في المجلدة الخامسة من كتاب العلم المشهور، في فوائد فضل الأيام والشهور.
أنشدني الفقيه المحدث المتقن أبو القاسم أحمد بن يوسف بن عبد العزيز ابن محمد بن رشد القيسي، قال: أنشدنا أبو بحر سفيان بن العاصي الأسدي قال: أنشدنا الإمام العالم الأوحد القاضي أبو الوليد هشام بن أحمد بن هشام بن خالد بن سعيد الكناني يعرف بالوقشي: ووقش: قرية بخارج طليطلة، بينها وبينها اثنا عشر ميلا. وأبو الوليد الوقشي أحد رجال الكمال في وقته، باحتوائه على فنون المعارف، وجمعه لكليات العلوم، وهو من أعلم الناس بالنحو واللغة، ومعاني الأشعار وعلم العروض وصناعة البلاغة. وهو بليغ مجيد شاعر، متقدم حافظ للسنن وأسماء نقلة
الأخبار، بصير بأصول الاعتقادات، وأصول الفقه،
стр. 224
واقف على كثير من فتاوى الأمصار، نافذ في علم الشروط والفرائض، محقق لعلم الحساب والهندسة، مشرف على جميع آراء الحكماء، حسن النقد للمذاهب، ثاقب الذهن في تمييز الصواب، ويجمع إلى ذلك آداب الأخلاق مع حسن المعاشرة، ولين الكنف وصدق اللهجة. وتوفي ﵁ في دار خال أبي الإمام العالم الحسيب أبي بكر عتيق بن محمد بن عبد الحميد بدانية، يوم الاثنين، ودفن يوم الثلاثاء لليلة بقيت لجمادى الآخرة من سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
قال الإمام أبو بحر، وكان مختصا به، ويقدمه على جميع من لقي من شيوخه، أنشدنا لنفسه:
قد بَيَّنتْ فيه الطبيعةُ أنها ... ببدَيع أفعال المُهيمن ماهرَةْ
عُنِيت بمبسَمِه فحطَّت فَوقه ... بالمِسْك خَطاًّ من مُحيط الدَّائرةْ
وهذا شعر وهندسة.
وأنشدنا الفقيه الإمام المحدث الأصولي النحوي اللغوي أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد الحمزي - ينسب إلى حمزة الشرق، على مقربة من أشير، سميت بحمزة بن الحسن بن سليمان بن الحسين بن علي
стр. 225
ابن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵈، وهو الذي أسسها وبناها. وكان للحسن بن سليمان، وهو الذي دخل المغرب، من البنين: حمزة هذا، وعبد الله، وإبراهيم، وأحمد، ومحمد، والقاسم، وكلهم أعقب - مولد شيخنا بمدينة المرية سنة خمس وخمسمائة وتوفي ﵀ بمدينة فاس، يوم الجمعة بعد الصلاة، في أول وقت العصر السادس من شوال سنة تسع وستين وخمسمائة، وهو يتلو سورة الإخلاص، يكررها بسرعة. ثم تشهد ثلاث مرات وسقط على وجهه ساجدا، فرفع ميتا، وذلك بعد خروجه من الحمام وحلق رأسه، واستحداده واستعداده للقاء ربه،
جلت قدرته.
قرأ حديث رسول الله ﷺ وأتقنه على أبي جعفر بن عزلون صاحب القاضي أبي الوليد الباجي، وعلى القاضي الإمام أبي القاسم ابن ورد، وروى صحيح مسلم عن أبي عبد الله بن زغيبة الكلابي يرويه، عن العذري. ورحل إلى شرق الأندلس للقاء الأستاذ العالم إمام النحو والآداب، والشارح للحديث والفقيه والأصول والأنساب، أبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسى، فقرأ عليه كتاب التنبيه على الأسباب الموجبة لاختلاف الأمة، وهو كتاب حسن.
стр. 226
وأنشدنا شيخنا هذا الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن يوسف الحمزي، يعرف بابن قرقول في سفرة صحبته فيها سنة أربع وستين وخمسمائة، وأجاز لي جميع رواياته قال: أنشدنا الأستاذ النحوي أبو محمد بن السيد لنفسه:
أخُو العِلْم حٌي خالدٌ بعد مَوْته ... وأوصالُه تحتَ التُّرابِ رمِيمُ
وذُو الجهل مَيْتٌ وهو ماشٍ على الثَّرى ... يُظنُّ من الأحْياء وهو عَديمُ
وشيوخ شيخنا جملة عديدة، وتصانيفه متقنة مفيدة.
وممن لقيت بحضرة مراكش الوزير الكاتب:
أبو عبد الله الشاطبي
وكان فرداً في الكتابة والشعر والخطابة، فمن شعره:
متى وعدْتُك في تَرْك الصَّبا عِدَةً ... فاشْهدْ على عِدَتي بالزُّور والكَذِبِ
أمَا تَرى اللّيلَ قد ولَّتْ عساكُره ... وأقبلَ الصُّبحُ في جَيْشٍ له لَجِب
وجدَّ في أثَر الجَوْزاءِ يَطْلُبها ... في الجو رَكْضَ هلالٍ دائِم الطَّلب
كصَوْلجانِ لُجين في يَديْ مَلِكٍ ... أدناهُ من كُرةٍ صِيغت من الذّهب
فقُم بنا نَصطبح صَفْراَء صافيةُ ... كالنّار لكنَّها نارٌ بلا لَهب
стр. 227
وله:
انْظر إلى البَدر الذي لاحَ لكْ ... في وسَطِ الُّلجَّة تحت الحَلَكْ
قد جَعلَ البحرَ سماءً له ... واتخذ الفُلكَ مكانَ الفَلكْ
وله أيضا وقد لسبت بعض سادات المغرب عقيرب، فقال وأجاد المقال:
هَجَر الشَّولَةَ قلبُ العقربِ ... وجَفاها بالمَكان الأقرب
ثم قالَت أنُجمُ الأفْق لها ... أنتِ منَّا كالبَعِيرِ الأجرب
لك أختٌ في الثَّرى قد لَسَبَت ... سيّداً من خَير أهل المغرب
فأجابتَهْا وقالت إنما ... غِرت من أخْمَصه إذ مرَّ بي
يَبتغي عند النُّعامَي مَورداً ... قَد دعاهُ منه عَذْبَ المشرب
فتغيّظتُ عليه غَيْرةً ... قلتُ للأخت بها ويكِ اضْربي
يا سَريِّا قد شكا أخْمصَه ... حُمَةً مسَّتْ نفوسَ العَرب
ليتها في مُقْلتي أو كَبدِي ... لَسَبَتْ إبرةُ تلك العقرب
تتمنّى النَّعْلُ لو سِيقت لها ... من قُرَى الطّائف أو من يَثرِب
قال علماء اللغة: لسبته العقرب ولسعته، والاختيار أن يقال لكل ما يضرب بفيه: لدغ؛ ولكل ضارب بمؤخره: لسع، ولكل قابض بأسنانه
: نهش. يقال: نهشته الحية، بالشين؛ ونهسته، بالسين، ونكزته، ونشطته، ولسعته. فالنكز: بأنفها؛ والنشط: بأنيابها.
стр. 228
والرياح أربع من أربع نواحي العالم: الشمال بفتح الشين، وفيها ست لغات. ذكرها الإمام أبو بكر الأنباري في شرح المعلقات له: شمال، بإثبات الألف من غير همزة؛ وشمأل، بإثبات همزة بعد الميم؛ وشأمل، بإثبات همزة قبل الميم؛ وشمل، بفتح الشين والميم من غير إثبات ألف ولا همزة؛ وشمل، بفتح الشين وإسكان الميم، وشمول، بإثبات الواو. وقد احتج ابن الأنباري لها بشواهد كثيرة. وهي التي تجري على يمينك إذا استقبلت قبلة العراق، وهي في الصيف حارة، واسمها
البارح، والجمع البوارح؛ والجنوب تقابلها. والصبا من مطلع الشمس، وهي القبول؛ والدبور تقابلها، وهي التي تهب من دبر الكعبة، وفيها خشونة وشدة، وهي تمحو السحاب وتثير العجاج. ويقال للصبا: أَيْرٌ، وهَيْرٌ، وأَيِّرٌ، وهَيِّرٌ، على مثال فيعل. ويقال للشمال: مَحْوة، غير مصروفة؛ وللجنوب: النُّعَامي والأزيب. شملت الريح، إذا صارت شمالا؛ ودبرت، إذا صادت دبورا؛ وجنبت، إذا صارت جنوبا؛ وصبت، إذا صارت صبا؛ كل ذلك بغير ألف. ويقال: أشمل القوم، وأجنبوا. وأصبوا، إذا دخلوا في الشمال والجنوب والصبا.
فالشمال، هي الريح الشامية. والجنوب، هي الريح اليمانية، وتسمى النعامي والأزيب، كما قدمناه. وهي تهب من ناحية سهيل. والصبا: هي الريح الشرقية. ويقال لها: القبول، تهب من مطلع الشمس. والدبور: هي الريح الغربية، يابسة جافية، ليس فيها ندوة. وأفضل هذه الرياح في جميع الأزمان ريح الصبا،
стр. 229
لها نسيم وروح، وتشويق إلى الأحباب والأوطان، وجلاء للهموم والأحزان، وبها نصر الله العظيم سيد أهل الإيمان. ثبت باتفاق أن رسول الله ﷺ قال: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور. وقال امرؤ القيس:
إذا قَامتَا تَضَوَّع المسكُ منهما ... نَسِيمَ الصَّبا جاَءتْ بريَّا القَرنْفُلِ
تضوع، أي فاح متفرقا. ونسيم الصبا: تنسمها وهبوبها بضعف. وريا القرنفل: رائحته. ونصب نسيم الصبا لأنه قام مقام نعت لمصدر محذوف، والتقدير: إذا قامتا تضوع المسك منهما تضوعاً مثل تَضَوٌّعِ نسيم الصبا. ومنهما يعود على أم الحويرث، وقال الشاعر:
ألا يا صَبَا نَجْدٍ متى هِجْت من نَجد ... فقد زَادَنِي مَسراك وجداً على وجْد
وقال الآخر، وهو المجنون:
أيا جَبلي نَعمان بالله خّلِيَا ... سَبيل الصَّبا يَحْلُص إلىّ نسيمُها
فإن الصّبا ريحٌ إذا ما تنسَّمت ... على نفِس مَحزوِن تجلَّت هُمومها
أجِدْ بَرْدَها أو تَشْف مني حرارةً ... على كَبِد لم يَبْق إلا صَمِيمها
стр. 230
الأستاذ المحدث الفقيه النحوي الأصولي:
أبو القاسم السهيلي
أبو زيد عبد الرحمن بن عبد الله بن احمد بن أبي الحسن، واسمه: أصبغ بن حسين بن سعدون بن رضوان بن فتوح، وهو الداخل للأندلس. هكذا أملي على نسبه، وقال: إنه من ولد أبي رويحة الخثعمي الذي عقد له رسول الله ﷺ لواء عام الفتح، ذكره أهل السير. نشأ بمالقة، وبها تعرف، وفي أكنافها تصرف؛ حتى بزغت في البلاغة شمسه، ونزعت به إلى مطامح الهمم نفسه. أخبرني انه قرأ القرآن العظيم جمعاً وإفراداً على المقرئ الشهير أبي علي الحسين بن منصور بن الأحدب، ﵀، ثم قراه أيضا بالمقرأين: مقرأ نافع، وابن كثير، على الأستاذ المقرئ أبي الحسن علي بن عيسى المروي، نزيل مالقة. وقرأ الكتاب العزيز أيضا بالمقارئ الأربعة، وشيئا من العربية على المقرئ النحوي الزاهد الضرير أبي مروان عبد الملك بن مجير، وسمع على الإمام أبي عبد الله محمد بن معمر. وسمع كتاب الهداية لأبي العباس المهدوي على الشيخ الفقيه الأستاذ النحوي أبي عبد الله محمد بن سليمان، يعرف
стр. 231
بابن أخت غانم. وقرأ الموطأ تفقها وعرضا، ومنتخب الأحكام لابن أبي زمنين على الفقيه المحدث أبي محمد عبد الرشيد المالقي. وسمع الموطأ على خال أبيه الفقيه المحدث الخطيب الظاهري أبي الحسن علي بن عياش. توفي بصحراء قديد راجعاً من زيارة قبر المصطفى ﷺ . وقرأ النحو على الأستاذ أبي الحسين سليمان بن الطراوة الشيباني، فلما مات قرأ على الأستاذ النحوي الفقيه أبي محمد القاسم بن دحمان. ورحل إلى قرطبة، فقرأ القرآن العظيم بالمقارئ السبعة. على المقرئ أبي
داود سليمان بن يحيى بمسجده بباب الجوز، وقال لي عنه: كان يحمل أبي رحمهما الله. ثم قرأ الكتاب العزيز بالمقارئ الثلاثة بجامع قرطبة على المقرئ بها، الخطيب بجامعها؛ أبي القاسم عبد الرحمن ابن رضا، وسمع على الفقيه الحافظ أبي عبد الله محمد بن نجاح الذهبي القرطبي، وعلى الوزير الأديب أبي عبد الله جعفر بن محمد بن مكي. ثم رحل إلى إشبيلية، فلزم القاضي الإمام أبا بكر بن العربي فأخذ عنه كثيرا من الحديث والأصول والتفسير، ثم سمع على المحدث الجليل أبي بكر محمد بن طاهر القيسي
стр. 232
الإشبيلي جملة من الحديث، وسمع على القاضي أبي الحسن شريح بن محمد، ولزم الأستاذ الماهر النحوي أبا القاسم بن الرماك فلقن عنه فوائد في النحو. وكان لقي قبله الأستاذ الإمام النحوي الزاهد، أبا القاسم بن الأبرش، فلقن عنه فوائد في النحو. وأجاز له المحدث الراحل إلى مدينة السلام أبو الحسن عباد بن سرحان والقاضي الإمام العالم الأوحد أبو القاسم بن ورد، إلى جماعة من العلماء والنحاة والأدباء ﵏ جميعهم، وجعل الرحم خدينهم وكميعهم؛ وكان ﵀ أقام للتصريف وعلل النحو برهانا، وتيم ألبابا وأذهانا؛ فترشف من ماء العربية أتى مزنه، وتوطأ من أكنافها كل سهله وحزنه؛ وأفاض على الطلبة من سجله، وجلب على النحاة بخيله ورجله؛ وتلقى الراية باليمين، وحوى الغاية بالهزيل والسمين؛ وكان ببلده يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف؛ إلى أن وصلت إليه، وصحح الروض الأنف بين يديه فطلعت به إلى حضرة مراكش فأوقفت الحضرة عليه؛ فأمروا بوصوله إلى حضرتهم، وبذلوا له من مراكبهم وخيلهم ونعمتهم؛ وقوبل بمكارم الأخلاق، وأزال الله عنه علام الإملاق؛ واستقبل بالجاه الجسيم، والوجه الوسيم؛ وفي كل يوم يجنيهم من حديثه أزهارا، ويقطفهم من ملحه آسا وبهارا؛ حتى حسده الطلبة وجردوا لملامه حساما،
стр. 233
وحددوا للكلام فصولا وأقساما؛ وكان وصوله إلى الحضرة والعمر قد عسا وذبل
عوده. وذهب العيش وأفل سعوده؛ فعندما عاش مات، وهيهات من الانقطاع لغير الله هيهات؛ فتفرد في لحده ومهاده، وتوحد في نجده ووهاده؛ وتوسد التراب والصفيح، وتوهد اليباب والفيح، ولسان حاله ينشد ما أنشدنيه غير واحد، منهم شيخنا الإمام المقرئ النحوي الزاهد: أبو القاسم عبد الرحمن ابن غالب بن الشراط، قالوا: أنشدنا الأستاذ اللغوي النحوي أديب أهل زمانه، أبو طاهر محمد بن يوسف التميمي:
هأنذا في التّراب وَحّدِي ... فلا ظَهِيٌر ولا نَصِيرُ
بالله هَبْ لي دُعاَء صِدْقٍ ... يَسْمُو به باعِيَ القَصيرُ
أسرفتُ يا رَبّ في خطَايَا ... أنتَ بها عالمٌ بَصير
فامنُنْ بعفْوٍ وجُد برُحْمَي ... إليكَ يا ربّيَ المَصِير
وكان مقامه بالحضرة نحواً من ثلاثة أعوام، كلها أضغاث أحلام، سألته عن مولده، فأخبرني انه ولد سنة ثمان وخمسمائة، وتوفي ﵀ بحضرة مراكش يوم الخميس، ودفن ظهره، وهو اليوم السادس والعشرون من شعبان عام أحد وثمانين وخمسمائة. قرأت عليه وسمعت كثيرا من أماليه التي أملاها في معاني الكتاب العزيز وأنواره، ودقائق النحو وأسراره، وغوامض علم الأصول
стр. 234
وأغواره. وأنشدني ﵀، وذكر لي انه ما سأل الله بها حاجة إلا أعطاه إياها، وكذلك من استعمل إنشادها:
يا من يَرى ما في الضمير ويسمَعُ ... أنت المُعّدُّ لكل ما يتُوقَّعُ
يا من يُرجَّى للشدائِد كلَّها ... يا مَن إليه المُشتكَى والمَفزَعُ
يا من خزائنُ رِزْقه في قولِ كُن ... امنُنْ فإن الخيرَ عندك اجمع
ما لي سِوَى فقرِي إليك وسيلةٌ ... فبالافتقارِ إليك فَقْرِي أدفع
ما لي سوى قَرْعِي لبابِك حِيلةٌ ... فلئنْ رَدَدْتَ فأيَّ بابٍ أقرع
ومَن الذي أدعُو وأهْتِف باسمه ... إن كان فَضْلُكَ عن فقيرٍ يُمنع
حاشا لمجِدك أن تُقنَّط عاصياً ... الفَضْلُ أجزلُ والمَواهبُ أوسع
أما رفع أجمع في هذا البيت، فيجوز أن يكون توكيدا لمكان إنّ الابتدائية، إذ موضعها الابتداء، وهي مؤكدة للجملة، لم تغير معناها وإن غيرت لفظها. ألا تراهم قد عطفو على اسمها بالرفع، وهو إذا استوفت خبراها، نحو: إن زيداً قائم وعمرو، وإذا لم تستوف خبرها فلا يجيز البصريون ذلك. وذلك انك إذا قلت: إنك وزيد قائمان، وجب أن يكون زيد مرفوعا بالابتداء، ويكون عاملا في خبر زيد، وإنّ عاملة في خبر الكاف. ولا يجوز اجتماع عاملين على معمول واحد. وأما الكوفيون فاختلفوا، فذهب الكسائي إلى جواز ذلك مطلقا، سواء تبين عمل إنَّ أو لم يتبين، نحو: إن زيداً وعمرو قائمان، وإنه وبكر منطلقان. واستدل بقوله جل وعلا: (إِنَّ الَّذِين آمَنُوا والَّذِينَ هَادُوا والصَّابِئُون) فعطف
стр. 235
ورفع. وذهب الفراء إلى انه لا يجوز العطف إلا على ما لا يبين فيه العمل، نحو: إنك وزيد ذاهبان، لأنه بعدم التأثير ضعفت، فجاز العطف كما لو كان على المبتدأ. وإذا كان كذلك جاز أيضا توكيد الموضع بالرفع، والله اعلم.
وأنشدني أيضا يخاطب شيخنا المحدث الفقيه اللغوي النحوي الأصولي أبا إسحاق إبراهيم بن يوسف، يعرف بابن قرقول، أيام كونه بمدينة سبتة، فلما رحل منها إلى سلا، قال مرتجلا:
ألاَ فسَلاَ عَّمن عَهِدْتُ تَحفّياً ... وهل نافِعي إن قُلت من لوَعة سَلاَ
سَلا عن سَلا إن المَعارف والنُّهي ... بها فَدعا أمَّ الرَّبابِ ومَأسَلاَ
بَكَيتُ أسًى أزمانَ كان بسَبتةٍ ... فكيف التَأسِّي حين منزلُه سَلا
وقال أناسٌ إنّ في البُعد سَلْوةً ... وقد طال هذا البُعدُ والقَلبُ ماسلا
فليتَ أبا إسحاق إذ شَّطتِ النَّوى ... تَحيّتَه الحُسْنى مع الريح أرسلا
فعادت دَبُور الرِّيح عنديَ كالصَّبا ... لَدَى عُمَرٍ إذ أمرُ زَيْدٍ تَبَسَّلا
هذا البيت حكاية لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مع أخيه الشهيد المهاجر، وكان أسن من أخيه وأسلم قبله، وشهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، ثم قتل يوم اليمامة شهيدا.
فقد كان يُهديني الحديثَ مُوصَّلا ... فأصبح مَوْصولُ الأحاديثُ مُرْسَلا
стр. 236
وقد كان يَحْيَا العِلْم إذ كان عندنا ... أوانَ دنَا فالآن بالنأي كَسَّلا
فلله أمٌ بالمريَّة أنجبَتْ ... به وأبٌ ماذا من الخَير أنْسلا
وإني إلى تلك المَوارِد عاطِشٌ ... وإن ألبنَ القلبُ المشَوقُ وأعْسَلا
أقمتُ بَشْرقٍ والأمانِي بمَغِربٍ ... فأصبحتُ في كف الصَّبابة مُنْسِلا
فلو كنتُ من قَيْد الحوادِث مُطْلَقا ... شَدَدْتُ له كُوراً وأنْضيتُ عَنْسلا
وأرقَلتُ نحو المجد فالمجُد عنده ... ولم أكُ في التَّطْلاب مّمن تَرسّلا
العنسل: الناقة السريعة.
وتصانيفه كثيرة، فمذهبتها كتاب الروض الأنف، والمشرع الروي، في تفسير ما اشتمل عليه حديث سيرة رسول الله عليه وسلم واحتوى، سمعته عليه. وأنشدني القصيد الذي صنعه فيه، الذي أوله:
من سرَّه أن يُشِيَم الطّرف من شَرفٍ ... في رَوْضةٍ جّمة الأزهار والطُّرِف
فناظُر القَلْب أولى أن يُنزّهه ... من المَعارف وسط الرّوضة الأنُف
فقد ألاحَتْ لذي لُبّ أزاهرهُا ... وقد دعَتْ لجَنَاها كَفَّ مُقْتطف
الأبيات إلى آخرها.
стр. 237
وأنشدنا ﵀ وقد حضر بين يديه طعام يسمى بالمغرب المُجبَّنات
شَغَفَ الفُؤَادَ نَواعٌم أبكارُ ... بَرَدتْ فؤادَ الصّبِّ وهي حِرارُ
أذْكى من المِسْك الفَتِيق لناشقٍ ... وألذُّ من صَهْباَء حين تُدار
صَفَتِ البواطنُ والظَّواهرُ مثلُها ... لكنْ حكَت ألوانَها الأزهار
فكأنما صافِي اللًّجين قُلوبها ... وكأنما ألوانُهنّ نُضَار
عَجبٌ لَها وهي النَّعيم تَصوغُها ... نارٌ، وأين من النَّعيم النار
وأملى عليّ كتاب التعريف والإعلام، فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام وسمعت عليه مسألة رؤية الله تعالى في المنام، ورؤية النبي عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام، وكلامه في حديث الأمة السوداء، وأين الله؟ قالت: في السماء؛ كيف سألها عن الأينية، ولم يسألها عن إثبات إله، فيقول لها: من الرب؟ وأملى عليّ السر في الأعور الدجال، وتفسير قول النبي ﷺ في: (قل هو الله أحد)، أنها تعدل ثلث القرآن. وكلامه على قول الله تعالى: (وماَ منْ دابَّةٍ في الأرْضِ، ولاَ طَائرٍ يَطيرُ بِجنَاحَيْهِ)، وكلامه على الله جل وعلا (يَتفيَّؤُ ظِللُهُ عَنِ اليمَيِن والشَّمائِلِ)، وكلامه على (سبحان الله) بإعرابها وشرحها. وأملى عليّ ﵀ كتاب نتائج الفكر وهو من عجائب الدهر. إلى غير ذلك من مسائله في فنون العلم والنثر والنظم. وقد أجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع
стр. 238
مروياته، ومسموعاته ومجموعاته، وقال لي يوما: يا عجبا للحريري حيث يقول في بيتيه: قد أمنا أن يعززا بثالث. فقد جاء من عززهما بثالث ورابع وخامس وسادس وسابع وثامن وتاسع وعاشر وحادي عشر وثاني عشر، وأنشد بيتيه:
سِمْ سِمةً تحَسْنُ آثارُها ... واشكرُ لمن أعطَى ولو سِمْسِمَهْ
والمكَر مهما اسَطْعتَ لا تَأتِه ... لِتَقْتَنِي السؤددَ والمَكْرُمَهْ
والزيادة على البيتين:
والمَهرَ مَهْرَ العُرس لا تُغْله ... فإنّه مهما غَلا مَهْرمَهْ
مَن دَمَه صان لحِرْزِ التُّقي ... لم يَخْش من لَوْم ولا مَنْدمه
مَنْ عَمَهُ القَلْب له شِيمةٌ ... لم يَدْر ما بُؤسَي ولا مَنْعمه
أب لُمتى إلى الرِّضا واقتسم ... مالِي معي إنّ شِئْت كالأبْلمه
أب: ارجع. ولمة الجل من على قدر سنه، والأبلمة: الخوصة.
ما الكَمَة المجُتثُّ أعْراقُها ... إلا كأصل المُرتِضى مْلْكمَهْ
الملكمة: مفعلة من الضرب، يقول: لا يرتضيها إلا من لا أصل له، كالكماة. والكمة: الكمأة، سهل همزتها، فنقل حركتها إلى ما قبلها.
ما الحَمَة السّوداء إلا الوَرَى ... فلِمْ ترَى بينهمُ مَلْحمه
стр. 239
الحمة هي الحمأة، مسهل الهمزة.
فالهَينْ مَهلاً لا تلُم هيّنا ... في خَلْقه واحذر من الهينَمَهْ
الهيمنة: الكلام الخفي.
والهذْرَ مَهْ دعه وكُن نَاطقاً ... بالقَصد إن العَاب في الهَذْرمَهْ
هذرم في كلامه: إذا خلط؛ ويقال للتخليط: الهذرمة. والهذرمة، أيضا: السرعة في الكلام والشيء. والعاب: العيب
كْم كَمَهٍ وكم عمًى جَرَّه ... حُبُّ ذواتِ الخمْرُ والكَمْكمه
الكمه: هو الذي يولد أعمى، وقيل: هو الذي لا يبصر في الليل، قاله البخاري في التاريخ، وخالفه الناس، فقالوا: الأعشى، هو الذي لا يبصر بالليل؛ وقيل: الكمه: هو ألاّ يرى شيئا.
وذوات الخمر: النساء. والكمكمة: من زي الحرائر ومن لا يمتهن من النساء. ورأى عمر بن الخطاب ﵁ أَمة مكمكة فضربها بالدرة. وقال: لا تَشبَّهينَ بالحرائر.
وقد وجب أن أجعل لهذا الكتاب نهاية ينتهي إليها، وغاية يقف عندها ولا يزيد عليها؛ فإن شعر من عاصرته من شعراء ذلك العصر، يكاد يخرج عن
стр. 240
حد الحصر؛ كالفقيه الأديب الشاعر المصيب، أبي محمد عبد الله ابن الفقيه الأستاذ
الأديب؛ أبي عبد الله محمد بن الفقيه الأستاذ اللغوي النحوي، أبي محمد قاسم بن شقريق الرعيني؛ أنشدني كثيرا من شعره، واقتصر آخرا على تقريظ سيدنا أبي عبد الله الحسين ﵇ ووصف مآثره، ونظم جواهر مفاخره؛ راغبا في شفاعة جده، سيد ولد آدم صلى الله وعلى آله من بعده،
سمعت الشيخ الفقيه، رأس العدول بسبته، أبا عبد الله، محمد بن الحسن ابن عان، رأيت رسول الله ﷺ ، فقال لي: بشر عبد الله ابن شقريق بالجنة، وأشار بإصبعه المقدسة، إلى وجهه الكريم، فبعد أيام قلائل ظهرت بوجهه بثرة صغيرة جدا، فلم تزل تعظم حتى أتت على جميع وجهه. وتوفي ﵀ منها سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، وهو في عشر الثمانين سنة، وشهدت جنازته.
ولقيت الوزير الأعلى أحمد بن هردوس، موشى حلل الموشحات، وموشع حبر القصائد المستملحات، وهو القائل في السيد أبي سعيد:
يا ليلَة الوَصْل والسُّعود ... بالله عُودِي
وكأبي عبد الله الرصافي، الصافية من الأكدار في نظم الأشعار موارده، وكابن السكن البديعة في الفنون الشعرية مقاصده، وكأبي الوليد يونس
стр. 241
القسطلي الفائقة بقلائد الولائد أراجيوه وقصائده. ومن جرى مجراهم من المجيدين في الجد والهزل، ورقيق النظم الجزل؛ كصاحبنا الوزير أبي القاسم بن البراق، المعدود في الشعراء السباق؛ مررت على بلده ومقره، فخرج إلى متلقياً مع أهل مصره؛ وقد داسته حوادث الأيام دوسا، وغادرت صعدة قوامه قوسا وهو يسلك مسالك أهل الصبا، ويميل به الأدب طوراً إلى الجنوب وآونة مع الصبا؛ فعاتبته على بذل نفسه في طاعة الهوى جهد الاستطاعة، مع ما أعطاه الله من المعرفة والآداب ونفائس البضاعة؛ فقال لي: إنه كان وبرد شبابه قشيب، وغضن اعتداله رطيب؛ بقميص النُّسك متقمص، وبعلم الحديث متخصص؛ واجتاز يوماً وبيده مجلد من
صحيح مسلم، بقصر بعض الملوك الأكابر، وهو من بعض مناظره ناظر، لكل من هو بمدرجة القصر خاطر؛ وحسن المثاني والمثالث لديه عال، ومجلس انسه بخواص ندمائه حال؛ فقال: اطلعوا لنا بهذا الفقيه فلعلنا نضحك منه ونمازحه، ونجاريه في ميدان الأدب إن كان من أهله ونطارحه؛ فلما مثل بين يديه وحيا، أمر الساقي بمناولته كأس الحُميّا؛ فتقبض متأففا، وأبدى تمعراً وتقشفاً؛ والسلطان يستغرب ضحكاً من مستغرب حركاته لما هجم الرجل عليه، ويد الساقي ممدودة إليه؛ واتفق في خلال ذلك أن انشقت من ذاتها صراحية من صافي الزجاج، فسال منها
стр. 242
كالسائل من نجيع الذبيح من الأوداج؛ فأظهر السلطان التطير بذلك وجلا، فصرف ذلك عن خاطره بإنشاده على البديهية مرتجلا:
ومجَلْس بالسّرور مُشتملٍ ... لم يَخْلُ فيه الزّجَاجُ عن أرَبِ
سَرَى بأعْطافه تَرنُّحنا ... فشقَّ أثوابهُ من الطَّرب
فسر السلطان وسرى عنه، واستحسن سماحة خاطره بهذين البيتين البديعين منه؛ وأمر له بجائزة سنية، وخلعة رائعة بهية.
وقد انتهى ما أمللته من كلام مرتجل، وبديه على عجل؛ ولولا الاستنامة إلى الإغضاء، وأن المبادرة إلى امتثال أمر السلطان أقرب إلى الإرضاء؛ لما أرعفت لليراع أنفا، ولا حملت الروية على الكاتب عنفا؛ لبعد المملوك عن بلاده، وكلب العدو في البحر على كتبه وطارفه وتلاده.
فإن وافق اجتهادي أمله، ووقفت على الغرض الذي سأله، فذلك نكتة من فضله عرضت عليه، وبضاعته ردت إليه؛ ضاعف الله له وعنده مواد الإسعاد، وأخدمه النصر في كل مبدأ، وختم له بالظفر في كل معاد، واهلك أعاديه وأبعدهم إبعاد ثمود وعاد. وصلى الله على سيد ولد آدم وأمينه على وحيه الذي بعثه في أشرف زمان، وجعله من عصمته في ذمة وأمان؛ فجد في علو كلمة الله غير مقصر ولا
وان، وعلى آله وأصحابه الذين جاهدوا أهل الزيغ والعدوان:
فهاكَ ما شئتَ من نَظْم له نَسقٌ ... كالدُّر فُصِّل فامتازتْ فرائُدُه
стр. 243
لا حُسْنَ إلا الذي حازت جواهُره ... من البَصِيص وما ضَمَّت قلائُده
أهديتُه لك رَطْباً لا جُمودَ به ... وأينَ منَ رَطْبه في الحُسن جامده
ونَفَّقته العُلا في سُوق مَجْدك إذ ... رأتْه وهو مُضَاعُ النَّيْل كاسِده
وحيثُ أنت فثَّم الفضلُ أجمعه ... عليك ميَسمُه بادٍ وشاهده
فيابْنَ خيرِ مُلوك الأرضِ دعوةُ من ... صِيغتْ من الشَّرف السّامي قواعده
في قَبْضة العُدْمِ لا جِدٌّ يجدّ له ... فيما يَرُوم ولا سَعْدٌ يُساعده
ولا حَميمٌ سِوَى شَجْوٍ يُردِّده ... بين الجَوانح أو هَمِّ يُكابده
لولاك يا كاملَ الأوصاف لانْفصمتْ ... عُرَى أمانِيه وانسدّتْ مَقاصِده
لمّا اشتغلتَ به فِكْراً وكنت له ... سِتْراً وأوْسيتَه إذ قَلَّ فائده
فالله يَجْزيك والمُختارُ من مُضَرٍ ... ثمّ الخليفة ذو السِّبْطين والده