Полный текст (243 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
ومُلتقطَاتٍ من حديث كأنما ... نَثرتَ به سِلْكَ الجُمان المنظَّما
دعوتُ إليك القلب بعد نُزوعه ... فأسرع لمَّا لم يجد متَلوَّما
وله:
وبيضاَء ينَبو الحَّظُ عند التقائها ... وهل تَستطيع العينُ تنظرُ في الشّمسِ
وَهَبْتُ لها نفساً علىَّ كريمةٌ ... وقد عَلِمتْ أنَّ الضَّنَانة بالنَّفس
أعالجُ منها السُّخطَ في حالةِ الرّضى ... ولا أعدَم الإيحاش في ساعة الأنس
وله وقد أهدى تفاحا
بعثتُ بها ولا آلُوك حَمْداً ... هديةَ ذِي اصطناع واعْتِلاَقِ
خدودَ أحبْة وافَيْنَ صَبًّا ... وعُدْنَ على ارتماضٍ واحتراقِ
فحمَّر بعضَها خَجَلُ التَّلاقِي ... وصَفَّر بعضَها وَجَلُ الفِرَاق
وله في زرزور:
يا رُبَّ أعجَم صامتٍ لَقَّنْتُه ... طَرَفَ الحديثِ فصَار أفصحَ نَاطِقِ
جَوْنِ الإهابِ أعِيرَ فُوه صُفْرةً ... كاللَّيل طَرَّزه وَميضُ البارق
حِكَمٌ من التَّدبير أعجزَتِ الوَرى ... ورَأى يها المَخلوقُ لُطْفَ الخالق
стр. 177
وكان الوزير ذو الوزارتين أبو الحسن المذكور ذا بضائع من العلوم والآداب كلها جواهر، وجميعها إذا أدجت الأيام زواهر؛ وكان ذكر بني عباد بالكرم بالمغرب. وقد طار وطبق الأقطار، فقصدهم بتلك البضائع التي لا يروج إلا لديهم نفاقها، ولا تقام إلا عندهم أسواقها؛ فأخفق لاشتغالهم عنه - لا لتقلص ظلال كرمهم - مسعاه، وتكدر مورده وصوح مرعاه؛ فأم غير مورد نداهم موردا، وارتحل عنهم منشدا:
تَعزَّ عن الدُّنيا ومَعروِف أهلها ... إذا عُدمٍ المَعروفُ في آلِ عبْادِ
أقمتُ بهم ضَيْفاً ثلاثَةَ أشهرٍ ... بغَيرْ قرِي ثم انصرفتُ بلا زاد
فندموا على تفريطهم فيه وما فرط من إهمالهم، وقد ألبسهم من العار ما عراهم من حلل الأيادي السابقة من نوالهم.
وله إلى الفقيه العالم الأديب الأحسب، قاضي القضاة بشرق الأندلس ونخبة الأملاك من كلب، أبي أمية إبراهيم بن عصام الكلبي:
لي صاحبُ عَمِيَتْ علىّ شُئُونُه ... حركاتُه مَجْهولةٌ وسُكُونُه
يرتابُ بالأمر الجَلِّيِ تَوهُّماً ... وإذا تَيقَّن نَازَعَتْهُ ظُنُونه
ما زلتُ أحفظه على شَرَقِي به ... فالشَّيبُ تكرَهُه وأنتَ تَصُونه
стр. 178
والوزير أبو بكر محمد بن عيسى الداني المعروف:
ابن اللبانة
من شعراء السلطان ابن عباد، وممن وفى له فقصده وهو محبوس بأغمات آخر تلك البلاد. فمن قوله في المدح في المعتمد على الله:
مَلكٌ إذا عَقَدَ المغَافِرَ للوَغَى ... حَلَّ الملوكُ مَعاقِدَ التِّيجانِ
وإذا غَدت راياتُه مَنشورةً ... فالخافِقان لهُنَّ في خَفَقان
وله في ناصر الدولة صاحب جزيرة ميورقة.
وعَمْرتَ بالإحسان أفق مَيورْقَةٍ ... وبَنيتَ فيها ما بنَى الإسكندَرُ
فكأنَّها بَغدادُ أنتَ رَشيدُها ... ووزيرُها - ولهَ السلامةُ - جَعفر
قوله: وله السلامة في باب الحشو أملح وأوضح من قول المتنبي لكافور:
وتَحتقرُ الدّنيا احتقارَ مُجِّرب ... ترى كلَّ ما فيها - وحاشاكَ - فَانِيَا
стр. 179
وله:
كأنّ عُلاكَ أفلاكٌ وفُلْكٌ ... بأرزاقِ البريَّة جارياتُ
كأنَّ هِباتِها من غير وَعْدٍ ... نَتائجُ مالهنَّ مُقَدِّمَات
ومهما اهتزَّ جيشُك نحو جيشٍ ... فأنتَ سِنانُه وهو القَناة
النتيجة عند أهل المنطق لا تكون إلا عن مقدمات، أقلهن اثنتان. والشاعر لا يطالب بحقيقة، ولا يغالب بغير طريقته من طريقه.
وله في غلام جميل:
إن تكُنْ تَبتغي القِتالَ فدَعْنِي ... عنكَ في حَوْمةِ القِتال أحَامِي
خُذ جَنانِي عن جُنّةٍ ولِساني ... عن سِنانٍ وخَاطري عن حُسَام
وقال يهنئ بمولود ولد في شهر رجب:
نَجمٌ تَراَءى في سماءِ الحَسَبْ ... للشُّهْب في إبّانه مُنْتَسَبْ
وأعْرَبت ليلُة ميلاده ... بلَيلةِ القَدْر أتَتْ في رَجَبْ
стр. 180
والوزير الفقيه اللغوي النحوي العالم، ومن له المناقب والأحساب الشهيرة والمكارم؛ بحر العلم الزاخر، وفخر الأوائل والأواخر، الذي يهتدي بنجم فضله المهتدون، أبو محمد عبد المجيد بن عبد الله:
ابن عبدون
وقد ذكرنا قبل قصيدته المحتوية على جميع الفنون، التي أنشدنيها عنه القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد بن زرقون. وأنشدني له أيضا:
وما أنْسَ بين القَصْر والنِّهِر وَقْفَةً ... نَشدتُ بها ما ضَلَّ من شارِدِ الحُبِّ
رَميتُ بعيْني رَمْيةً سَمَحت بها ... فلم أثْنِها إلا ومَجروحُها قَلْبي
وله:
مَررتُ على الأيّاِم من كل جَانبٍ ... اصَعِّدُ فيها تَارة وأصوِّبُ
يُنِير لِيَ الثَغرانِ: صبحٌ وصارم ... ويكتُمني القلبان: لَيلٌ وَغَيْهب
لقَد لَفظَتْني الأرضُ إلاّ تَنُوفَةُ ... يُحدثني عنها العِيانُ فيَكذب
ومما قاله، وجمع فيه حروف الزيادة:
سألتُ الحُروف الرائداتِ عن اسمها ... فقالت ولم تَكْذِب أمانٌ وتَسّهيلُ
стр. 181
قال أبو الفتح بن جني في كتاب التصريف الملوكي له ما هذا نصه:
القول على حروف الزيادة، وهي عشرة أحرف: الألف والياء والواو والهمزة والميم والتاء والنون والهاء والسين واللام، ويجمعها قولك: اليوم تنساه؛ ويقال أيضا: سألتمونيها. ويحكى أن أبا العباس سأل أبا عثمان عن حروف الزيادة، فأنشده أبو عثمان:
هَوِيُت السّمانَ فشَيّبنني ... وما كنتُ قدِمْاً هَوِيتُ السِّماناَ
فقال له أبو العباس: الجواب؟ فقال: قد أجبتك دفعتين. يعني قوله: هويت السمان.
وأبو العباس، الذي ذكره، هو محمد بن يزيد المبرد. وأبو عثمان هو المازني. وإنما ذكرنا هذا بسب بيت الوزير ابن عبدون الذي ذكر فيه حروف الزوائد، وهي قوله: أمان وتسهيل. وهي احسن من جميع الألفاظ التي جمعوا فيها حروف الزوائد، لما فيها من عذوبة اللفظ وسهولة النطق بها وحسن التفاؤل. فحروف الزيادة هي حروف هويت السمان وهي الهاء والواو والياء والتاء والهمزة، في أول السمان دون أن تصلها، واللام والسين والألف الساكنة والنون.
وقرأت بمدينة شريش شذونة على فارس الفقه والنحو والشعر، القاضي العدل أبي الحسن علي بن أحمد بن لبال الأمتي في كتاب المحكم في حروف
стр. 182
المعجم، وذكر حروف الزيادة وذكر ما تقدم من قولهم: اليوم تنساه التي هجاؤها: الهمزة، في الألف الأولى واللام، والياء والواو والميم والتاء والنون والسين والألف الساكنة والهاء.
وسألتمونيها عشرة أيضا: السين والهمزة واللام والتاء والميم والواو والنون والياء والهاء والألف. وزاد في كتابه أسلمنى وتاه وهي أيضا من الألفاظ المستعذبة إلا أنها لا تدخل في الوزن. وتفسيرها: الهمزة الأولى والسين واللام والميم والنون والياء والواو والتاء والألف والهاء. ولشيخنا فيها جمعان ذكرهما في كتاب المحكم له.
وله وقد أنزله المتوكل على الله بدار وكفت عليه، فكتب إليه:
أيا سامياً من جانبيه إلى العُلا ... سُموَّ حَباب الماء حالاً على حال
لِعبدك دارُ حلَّ فيها كأنَّها ... ديارٌ لسَلْمى عافياتٌ بذي الخَال
يقولُ لها لَّما رأى من دُثُورها ... ألا عِمْ صَباحاً أيها الطَّلَلُ البالي
فقالت ولم تَعْبَأ بردّ جوابه ... وهل يَعِمَنَ من كان بالعُصُر الخالي
فَمُرْ صَاحِبَ الأنزالِ فيها بفَاضِل ... فإنَّ الفتى يَهذي وليس بفَعّال
стр. 183
قال اللغويون: الخال يأتي على أثنى عشر معنى: الخال: أخو الأم. والخال: موضع. والخال: من الزمان الماضي. والخال: اللواء. والخال: الخيلاء. والخال: الشامة. والخال: العزب؛ ويقال: المتفرد. والخال: قاطع الخلا. والخال: الجبان. والخال: ضرب من البرود. والخال: السحاب. وسيف خال: أي قاطع. وقد نظم ذلك الفقيه الأستاذ النحوي الكبير، المتقن الخطير، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن هشام اللخمي السبتي، وقد لقيته ولقيت أباه، فإنه مات بعده ﵀، فقال:
أقولُ اخالي وهو يوماً بذي خالِ ... يروحُ ويغدو في بُرود من الخَال
أما ظَفِرَتْ كفّاك في العُصر الخالي ... بربّة خالٍ لا يُزنّ بها الخاليِ
تمرُّ كمرّ الخالِ يرتَج رِدْفُها ... إلى منزلٍ بالخالِ خِلْوٍ من الخَال
أقامتْ لأهل الخَالِ خالاً فكلّهم ... يؤمُّ إِليها من صحِيح ومن خَالِ
قال ذو النسبين، ﵁: وأغفل شيخنا القاضي المؤرخ المحدث الثقة العدل أبو القاسم بن بشكوال في كتاب الصلة له، ذكر أبي الحسن:
стр. 184
علي بن إسماعيل الفهري
من أهل مدينة أشبونة. وكان من الشعراء العلماء، والزهاد الفضلاء. ويلقب بالطيطل وبالقط. وقد ذكره الحميدي في جذوة المقتبس. فمن شعره:
وتحتَ البَراقع مقلوبُها ... تَدبُّ على وَرْد خَدٍّ نَدي
تُسالِمُ مَن وَطِئتْ خَدَّه ... وتَلسَع قلبَ الشَّجِي الأبعد
وقد اخذه ابن جاخ الصباغ وادعاه.
ولبعض أهل العصر في قصيد فريد، يمدح فيها مولانا السلطان الملك الكامل ملك ملوك العصر، أيده الله بالنصر:
وما مِحَنتي في الحُبِّ غيُر غَرِيرةٍ ... هي البدرُ في لَيْلِ الذّوائب طالِعُ
يَقُدّ فُؤادي قَدُّها وهو ذَابلٌ ... على أنهَّ غُصن من البان يانِع
وتَجرح أحشائِي بعينٍ مَريضةٍ ... كَما لان مَتْنُ السّيف والحدُّ قَاطع
خَضعتُ لها في الحُبّ من بعد عزَّتي ... وكلُّ مُحبٍّ للأحبّة خَاضع
وماذا أجنَّت من أزاهر جَنّةٍ ... كَمائُم من رَيْط وهُنَّ البَرَاقع
وفوقَ شَبيهِ الوَرْد يُلحظُ عكسها ... لودِاغُ في قلبي لها ولواذغ
стр. 185
وقالُوا بُدورٌ والشُّعورُ حَنادِس ... وهنّ شُموس في الغُصون طَوالع
دَعتْ وادَّعت ملْكي لَدَى حاكِم الهوَى ... ولِي لِلْهَوى قَلْبٌ مُطِيع وسَامع
ولاحاكٌم أرْضاهُ يبَنْي وبَيْنها ... سِوَى مَلِكٍ دَهري له اليومَ طائِع
يُدافُع عنِّي الضِّيْمَ قائُم سَيْفه ... إذا عَزَّ من للضَّيْم عنِّي يُدافع
هُو الكاملُ الأوصافِ والمَلِكُ الذي ... تُشِير إليه بالكَمال الأصابع
لِبِيضِ أياديه الكَريمِة في الوَرى ... قَلائدُ في الأعْناق هُنّ الصَّنائع
ويوَماه يوَماه اللذان هُما هُما ... إذا جَمعت غُلْبَ الملوكِ المَجامع
فيوم ندًى فوق السَّرير موقَعٌ ... ويومُ ردًى تحت اللواءِ مُواقع
وأنحى ملوِك الأرض في لُغة الوَغى ... وأعْرَبهم بالسّيف حين يُماصع
ومِن نَحْوه يوم الجلادِ عواملٌ ... خَوافضُ للهامَات فيه رَوافع
كتائبهُ مَنْصورةٌ بكتائب ... مِن المَلأ الأعْلى وجِبْريُل وازِع
تَهِيم بِمَغْزَاُه خِلالٌ أبِيَّةٌ ... وتَغْنَى بَمْغناه نُفوسٌ نَوَازِع
فلا يَطْمَعَنْ فيه العِدَا - فُلَّ حَدٌهم - ... ففي غير أمْن الله يَطْمع طامع
والقصيد طويل.
стр. 186
الوزراء الأجلاء الشعراء
أبو محمد وأبو بكر وأبو الحسن بنو القبطرنه بيت الفضل والإحسان، والمعاني الحسان. فمن أحسن أخبارهم، ورقيق أشعارهم أنهم باتوا ليلة في زمن الربيع بالمنية التي أنشأها السلطان المتوكل على الله؛ وسماها بالبديع، يتعاطون كئوس
الراح، ويدور عليهم منها أقداح الأفراح؛ إلى أن غلبهم النوم، وربط على آذانهم فارتفع عنهم اللوم؛ فلما تبلج وجه الصباح، وألبست الشمس معصفر خلعها فجاج البطاح؛ هب كل واحد منهم من نومه منشدا رافعاً عقيرته يالإنشاد مغردا؛ فقال الوزير الأوحد أبو محمد:
يا شَقِيقِي أتَى الصّباحُ بوَجْهٍ ... سَتَر الليلَ ضَوْؤُه وبَهاؤُهُ
فاصْطَبِحُ واغْتَنِمْ مَسَرَّة يَوْمٍ ... لستَ تَدْرِي بما يَجئ مَساؤُه
ثم استيقظ الوزير الخطير أبو بكر فقال:
يا أخي قُمْ تَرَ النَّسيم عَلِيلا ... باكرِ الروَّضَ والمدُامَ شَمُولاَ
لا تَنَمْ واغْتَنِمْ مَسَرَّة يَوْمٍ ... إنّ تَحت التُّراب نَوْماً طَوِيلا
стр. 187
ثم استيقظ أخوهما الوزير الحسن أبو الحسن فقال:
يا صَاحبيّ ذَرَا لَوْمي ومَعتَبتِي ... قُمْ َنْصَطِبح خَمْرًة من خَير ما ذَخرُوا
وبَادِرَا غَفْلَة الأياِم واغتَنمِا ... فاليومَ خمرٌ ويبدُو في غَدٍ خَبَرُ
وذو الوزارتين الناظم الناثر الكثير المعالي والمآثر أكتب أهل زمانه على الإطلاق، وآدب أهل الأندلس بالإجماع والاتفاق؛ مع التقييد للحديث، والاشتغال بعلومه في القديم والحديث:
ابن أبي الخصال
أبو عبد الله محمد بن مسعود
حدثني عنه خمسون شيخاً، منهم قاضي القضاة إمام النحويين، بقية أعلام مشيخة الأندلسيين، أبو جعفر أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن سعد بن مضاء اللخمي رضى الله عنه.
فمما أنشدونا له في مطرب:
وافَي وقد عَظُمتْ علىّ ذُنُوبُه ... في غَيبة قَبُحت بها آثارُهُ
فَمَحَا إساَءته بها إحسانُه ... واستغفرتْ لذُنوبه أوتارُه
стр. 188
وله يعتذر من استبطاء المكاتبة:
ألم تَعْلموا والقلْبُ رَهْنٌ لَديكم ... يُخبِّركم عَنِّي بمُضْمرِه بَعدِي
ولو قَبِلتْنِي الحادثاتُ مكانَكم ... لأنْهبتها وَفْري وأوطأتها خدّي
ألم تعلموا أنّي وأهْلي وواحِدي ... فِداءُ ولا أرْضَى بتَقْدِمتي وحدي
ولابن أبي الخصال تصانيف كثيرة، مستحسنة أثيرة؛ منها: كتاب ظل الغمامة وطوق الحمامة، في مناقب من خصه رسول الله ﷺ من صحابته ﵃ بالكرامة، وأحلهم بشهادته الصادقة دار المقامة. والقصيدة الموسومة بمعراج المناقب، ومنهاج الحسب الثاقب؛ في نسب رسول الله ﷺ . وما انتظم به من مناقب صحابته الأبرار. إلى غير ذلك من ترسله الفائق، وشعره الرائق، وذلك في خمس مجلدات.
وأنشدني الوزير الفقيه المحدث الفاضل الكاتب أبو عبد الله محمد ين أبي القاسم ابن عميرة المروي؛ المنسوب إلى مدينة المرية، على ما تقتضيه صناعة العربية؛ قال: حدثني بجميع تصانيفه الوزير أبو نصر الفتح بن خاقان، سامحه الله بما سلف منه وكان، وكان طبعه في الانقياد له في ميدان البلاغة سلس العنان؛ وقد قدمنا أنه قتل ذبحا، ورأوا له في تشحطه بدمائه سبحا.
فمن شعره يخاطب أبا يحيى محمد بن الحاج، وقد كان وقع بينه وبينه في بعض الأيام تنازع أدى إلى الانفصال، وتعطيل تلك البكر والآصال؛
стр. 189
ثم انقشعت تلك المخيلة، وتحركت فيه المودة الدخيلة؛ وأكدت تجديد ذلك العهد الرائق، وكف أيدي العوائق، فكتب إليه:
أكعبةَ عليَاءٍ وهَضْبة سُؤدَدٍ ... ورَوْضةَ مَجْدٍ بالمفَاخر تُمْطِرُ
هَنيئاً لمُلْكٍ زانَ نُورُك أفْقَه ... وفي صَفْحَتيه من مَضائك أسْطَر
وإني لخفَّاق الجنَاحَين كلمّا ... سَرَى لك ذكرٌ أو نَسيم مُعَطَّر
وقد كان واشٍ هاجَنا لتنافُرٍ ... فَبِتُّ وأحشائي جَوًى تَتفطّر
فهل لك في وُدّ ذَوَي لك ظاهراً ... وباطِنُه يَنْدَى صَفَاءً ويَقْطُر
ولستُ بِعِلْقٍ بِيعَ بَخْساً وإنّني ... لأرْفَعُ أعْلاقِ الزمان وأنْضَر
الأعلاق: جمع علق، وهو الشيء النفيس، فأمر الأمير ذو الوزارتين أبا عبد الله ابن أبي الخصال بمراجعته، فكتب عنه بقطعة منها:
ثَنيتَ أبا نَصْر عِنَاني وربَّما ... ثنَتْ عَزْمةَ السَّهم المُصمم أسُطُر
ونالت هوًى ما لم تكن لَتنالَه ... سُيوفٌ مواضٍ أو قَنًا تَتأطّر
وما أنَا إلا مَن عرفتَ وإنّما ... بَطِرْتَ ودادي والمودّةُ تُبْطِر
نظرتَ بعينٍ لو نظرتَ بغيرها ... أصَبْتَ وجفْنُ الرّأي وسْنَانَ يَسْطر
стр. 190
الوزير الحسيب العالم الأوحد:
ابن الجد
أبو القاسم محمد بن عبد الله
الفهري النسب، المستبحر في الحديث والفقه والمتقدم في الأدب وعلم النسب؛ كاتب الحضرة العليا، المرجو للدين والدنيا. توفي ﵀ سنة خمس عشرة وخمسمائة
حدثني عنه ابن عمه حافظ أهل زمانه، المقدم على أهل عصره بحفظ مذهب إمام دار الهجرة، أبي عبد الله مالك بن أنس وأصحابه، ونصوص أقوالهم، واتفاقهم واختلافهم، مع المعرفة بلسان العرب، والنهاية في الفضل والدين وسمو النسب، والجاه وأعلى الرتب، أبو بكر محمد بن عبد الله بن يحيى بن الجد. توفي رضى الله عنه ليلة الخميس الرابع عشر من شوال سنة ست وثمانين وخمسمائة، ودفن ظهر يوم الخميس بداره بمدينة إشبيلية؛ ولم يتخلف عن شهود جنازته كبير إنسان،
ومشى فيها الملوك والعلماء وجميع الأعيان، حتى أودعوه بطن ضريحه وتركوه في ذمة من الله وضمان. وكان مولده في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وأربعمائة. فكان له من العمر يوم وفاته تسعون سنة وسبعة أشهر.
стр. 191
فمن شعر الوزير أبي لقاسم بن الجد ما أنشدنيه له ابن عمه ﵏:
لئن رَاق مرأى للحسان ومَسمعُ ... فحسناؤُك الغرّاءُ أبْهى وأمتعُ
عَروسٌ جَلاَها مَطْلعُ الشَّمس فانْثنتْ ... إليها النّجومُ الزّاهراتُ تَطلَّع
زَففت بها بِكراً تضوّع طيبُها ... وما طِيُبها إلا الثّناء المُضوّعُ
لها من طِرازِ الحُسن وشْيٌ مُهَلّلٌ ... ومن صِيغَة الإحسان تاجٌ مُرصَّع
وأنشدني له:
أما ونسيِمُ الرّوضِ طَاب له نشرُ ... وهبَّ له من كُلّ زاهرةٍ نَشْرُ
يُحامِي له عن سّره زَهَرُ الرُّبى ... ولم يَدر أن السّرَّ في طَيّه نَشْر
ففي كُلّ سِرّ من أحاديِث طِيبه ... تَمائُم لم يَعْلَق بحامِلها وِزْر
لقد فَغَمتْني من ثَنائك نَفْحةٌ ... يُنافِسني في طِيبِ أنفاسِها العِطْر
تَضَوعَ منها العَنْبر النّدُّ فانْثنت ... وقد أوهَمتْني أنّ منزلها الشّحْر
سِرى الكبرُ في نفسي لهَا ولربمَّا ... تجانف عن مَسرى صَرامتَي الكبُر
وشيَب بها معنًى من الراّح مطربٌ ... فخيّل لي أنّ ارتياحي بها سُكر
أبا عامرٍ أنْصف أخاك فإنّه ... وإيّاكَ في مَحْض الهوى الماءُ والخَمْر
стр. 192
أمثلكُ يَبْغي في سَمَائيَ كوكبا ... وفي جَوّك الشِّمسُ المُنيرةُ والبدرُ
ويلتمسُ الحَصْباء في ثَعْب الحَصَى ... ومن بَحرك الفيّاض يُستخرج الدُّرّ
عجبتُ لمن يَهوى من الصُّفر تُومَةً ... وقد سالَ في أرجاء مَعْدِنه التِّبر
قوله: لقد فغمتني الفغم، بالغين المعجمة يستعمل في ملء الرائحة، أنفاً أو مكاناً
قال الراجز:
نفحة مسك تفغم المزكوما
ومن المتقدمين من شعراء الأندلس والمغرب:
أبو القاسم محمد بن هانئ
الأندلسي الدار، وإن كان قبيح الغلو، شهير الاستهتار، فربما صدرت عنه درر تلحقه بالشعراء الكبار:
فُتِقًتْ لكم ريحُ الجِلاَد بَعْنبَرِ ... وأمدُّكم فَلَق الصَّباحِ المُسْفِرِ
وجَنَيْتُمُ يَمَرَ الوقائع يانِعاً ... بالنَّصْر من وَرَق الحَديد الأخْضَر
стр. 193
قال ذو النسبين، ﵁، هذا بيت بديع زاد فيه على قول البحتري:
حَملتْ خمائلُه القديمة ثِقْلَهُ ... من عَهْد عادٍ غَضّة لم تَذْبل
وضربتُمُ هامَ الكُماةِ ورُعتُم ... بِيضَ الخُدورِ بكُلِّ لَيْث مُخدِرِ
أبنَيِ العَوالِي السَّمهريِةّ والسّيو ... فِ المّشْرفيةِ والعَديدِ الأكثر
مَن منكُم الملكُ المُطاعُ كأنه ... تحت السّوابغ تُبَّعٌ في حِمْيَر
القائد الخيلِ العتاقِ شَوازباً ... خُزْراً إلى لحظ السِّنان الأخْزَر
ومنها يصف الممدوح:
نَحَر القَبُولَ من الدَّبُور وسار في ... جَمْع الهِرَقْلِ وعَزْمةِ الإسْكندرِ
في فتْيةٍ صَدَأ الدّروعِ عَبيرُهُم ... وخَلوقُهم عَلقُ النَّجيعِ الأحْمِر
لا يأكلُ السّرحانُ شِلوَ عَقيرهم ... مما عليه من القَنَا المتكسّر
قوله: لا يأكل السرحان شلو عقيرههم. . . البيت. أي لو يمت لشجاعته حتى تحطم عليه من الرماح ما لا يصل معه الذئب إليه، ولو كان العقير هو الذي عقروه هم لكان البيت هجوا، لأنه كان يصفهم بالتكاثر على واحد.
ومن قوله أيضا يمدح الأمير أبا الفضل جعفر بن علي الأندلسي:
ألَيلتَنَا إذ أرسَلَتْ وارداً وَحْفَا ... وبتْنا نَرى الجوزَاء في أذنها شَنْفَا
وباتَ لنا ساقٍ يَصُول على الدُّجَى ... بشَمْعة صُبح لا تُقَطُّ ولا تُطْفَا
стр. 194
ومن مليحها قوله:
يقولون حقْفٌ فوقه خَيْزُرانةٌ ... أمَا يَعْرفون الخَيزرانَة والحقْفَا
جَعلنا حَشَاياَنا ثِيابَ مُدامِنا ... وقَدَّت لنا الظلماءُ من جِلْدها لُحْفا
فَمن كَبِدٍ تدُنِى إلى كبدٍ هَوىً ... ومن شَفَة تُوحِي إلى شَفَةٍ رَشْفا
وقوله منها يشبه نجوم الليل:
فولّت نُجومٌ للثّريّا كأنهّا ... خَواتيمُ تَبْدُو في بَنان يد تَخْفَى
ومرّ على آثارها دَبَرانُها ... كصاحب رِدْء كُمِّنَتْ خَيلهُ خَلْفا
وأقبلت الشِّعْرى العَبُوُر مُكبَّةً ... بِمْرزَمها اليعبوبِ تجنُبه طِرفاْ
وقد بادرتْها أختُها مِن ورائها ... لِتَخْرق من ثِنْيَيْ مَجرَّتِها سِجْفا
تخَافُ زئيرَ الليثِ يَقْدُم نَثْرًه ... وبَرْبرَ في الظَّلماء ينِسفُها نَسْفا
كأنّ السّماكَين اللذين تظاهرا ... على لِبْدَتيه ضامِنان له حَتْفا
فذا رامٌح يُهْوى إليه سِنِانَه ... وذا أعزلٌ قد عَضَّ أنمُلهَ لَهفا
كأنَّ رقيبَ الليل أجَدُل مَرْقَبٍ ... يُقَلِّبُ تحت اللّيلِ في ريشه طرْفَا
كأن بني نَعْشٍ ونَعْشا مَطافلٌ ... بوَجرة قد أضلَلْن في مَهْمَه خَشْفا
كأنّ سُهيَلاً في مَطالع أفْقه ... مُفارقُ إلفٍ لم يَجِد بعدَه إلفْا
كأن سُهاهَا عاشِقٌ بين عُوَّدٍ ... فآونةُ يَبْدو وآونةُ يَخْفى
كأنّ مُعلَّى قُطْبها فارسُ له ... لِواءان مركُوزان قد كَره الزّحْفا
стр. 195
كأنّ قُدامَي النَّسْر والنَّسْرُ واقعٌ ... قُصصْنَ فلم تَسْمُ الخَوافِي به ضُعْفا
كأنّ أخاهُ حِين دوَّم طائراً ... أتَى دون نِصْف البدرِ فاختطف النِّصفا
كأنّ الهَزِيعَ الآبنُوسي لَوْنُه ... سَرَى بالنَّسيج الخُسْروانّي مُلتفّا
كأنّ ظلامَ اللّيل إذ مال مَيْلَةً ... صَريعُ مُدَام بات يَشْربها صِرْفا
كأنّ عَمُودَ الفَجْر خاقانُ مَعْشر ... من التُّرك نادىَ بالنجاشي فاسْتَخفى
كأنّ لِواء الشّمس غُرّةُ جَعفرٍ ... رأى القِرْن فازدادَت طَلاقَتُه ضِعْفا
وبقية شعر هذا الرجل قعاقع وجعاجع، وثالثة الأثافي والرسوم البلاقع.
والخسرواني: الحرير الرقيق الحسن في الصنعة، منسوب إلى خسرو، أحد ملوك الأكاسرة.
ومنهم الأديب، الشاعر الأريب:
أبو جعفر أحمد بن عبد الولي البتي
وبتة: قرية من قرى مدينة بلنسية. وكان كثير التصرف، مليح التظرف. أنشدني له غير واحد من أهل مدينة بلنسية:
غَصَبْت الثُّريّا في البِعادِ مكانَها ... وأودعت في عينَّي صَادِقَ نَوْئِها
وفي كُل حالٍ لم تزاليٍ بَخيلةً ... فكيفَ أعرتِ الشّمسَ حُلَّة ضوئِها
أحرقه القنبيطور - لعنه الله - في حين تغلبه على بلنسية وذلك في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
стр. 196
والوزير الكاتب:
أبو الفضل بن حسداي
من بيت شرف اليهود بالأندلس، ذكر القاضي بطليطلة الفقيه المؤرخ المتقن أبو القاسم صاعد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن صاعد في كتاب الطبقات له، أن ابن حسداى هذا من ولد موسى صلى الله على نبينا وعليه. جرى في ميدان البلاغة إلى أبعد أمد، وبنى عراصها بالصفاح والعمد؛ وكانت الذمة تقعده عن مراتب أكفائه، وتجد في طموس رسمه وعفائه، حتى ألحقه الله بأقرانه، وأقاله من متعثر خسرانه؛ فتطهر وأسلم، وآمن بمحمد ﷺ .
فمن شعره القطعة التي أطلعها نيرة، وترك الألباب منها متحيرة؛ ذكرها أبو نصر الفتح بن خاقان، في كتاب قلائد العقيان:
تَوْريدُ خدّك للأحداق لذّاتُ ... عليه من عَنْبر الأصْدَاغ لامَاتُ
نِيرانُ هَجْرك للعُشَّاقِ نارُ لظًى ... لَكْن وصالُك عن واصلتَ جنّات
كأنّما الرّاحُ والرّاحاتُ تَحملُها ... بُدورُ تِمِّ وأيدي الشًّرب هالات
حُشاشةٌ ما تَركنا الماَء يَقْتُلها ... إلاّ لتَحْيا بها منّا حُشَاشات
قد كان في كأسِها من قبلها ثِقَلٌ ... فخفَّ إذ مُلِئتْ منها الزُّجاجات
стр. 197
قال ذو النسبين ﵁: أخذ هذا المعنى من قول الشاعر أبي علي إدريس بن اليمان، من أهل جزيرة يابسة، من قصيدة طويلة يمدح بها إقبال الدولة أبا الحسن علي بن أبي الجيش مجاهد بن عبد الله مولى أبي عامر:
ثَقُلتْ زُجاجاتٌ أتَتْنا فُرَّغاً ... حتّى إذا مُلئت بِصرْف الرَّاحِ
خفَّت فكادتْ تَستطيرُ بما حَوتْ ... وكذاَ الجسوم تَخِفُّ بالأرواح
ومنهم الفقيه الأديب الزكي الحسيب:
أبو عبد الله محمد بن الفخار
بيت الفخار، ومنبت الفضل المشرق إشراق النهار؛ يعرف بابن نصف الربض، الراسخ في علم الجوهر والعرض. أنشدني له جماعة من أهل مدينة مالقة، منهم ولده الوزير الأديب، الفقيه الحكيم الأريب: أبو الحسين؛ والخطيب في مجالس الملوك، الناثر من فيه درر السلوك، صديقنا أصبغ بن أبي العباس:
أمُستنكَرٌ شَيبُ المَفارِق في الصِّبا ... وهل يُنْكَر النَّوْرُ المُفتَّح في غُصْنِ
أظُنّ طِلابَ المَجد شَيَّب مَفرقِي ... وإن كنتُ في إحدى وعشرين من سنّي
стр. 198
ومن شعراء الجزيرة صاحب الموشحات الشهيرة:
أبو بكر بن بقي
فمن شعره:
عاطيتُهُ واللّيلُ يَسْحبُ ذَيْلَه ... صَهْباَء كالمسْك الفَتِيِق لناشِقِ
وضَممتُه ضَمَّ الكَمِيِّ لسَيْفه ... وذُؤَابَتاه حمائلٌ في عاتِقي
حتى إذا مالَت به سِنَةُ الكَرَى ... زَحْزحتُه رِفْقاً وكان مُعانِقي
باعَدتُه عن أضْلُع تَشْتَاقه ... كي لا يَنام على وِسَادٍ خَافق
ومنهم الفقيه الأصولي اللغوي النحوي:
العبدري
أبو بكر محمد بن عبد الله بن ميمون بن إدريس بن محمد بن عبد الله، سكن عدوة المغرب، وتصدر بمراكش لإقراء النحو والأدب. لقيته بها سنة
стр. 199
خمس وستين، وقد شرح كتاب الجمل، وانفرد من الفضل بمفصله والجمل. وتوفي ﵀ بحضرة مراكش يوم الثلاثاء الثامن عشر من جمادى الآخرة، ودفن ضحى يوم الأربعاء، سنة سبع ستين وخمسمائة. فمن شعره:
أبا قاسِمٍ والهوى جِنَّةٌ ... وها أنا من مَسّهِا لم أفقْ
تَقَحَّمْتُ جَاحِمَ نَار الضُّلوع ... كما خُضت بَحر دُموع الحَدق
أكنتُ الخليلَ أكنتُ الكليمَ ... أمنتُ الحريقَ أمنت الغَرقَ
ومنهم شاعر المغرب الأقصى، ومفخره في صناعة المحاكاة والتخييل؛ وإن كان له غلو في الأمداح، وإفراط في الاختراع والأقتداح؛ فربما ثنى عنانه إلى مدح اللطيف الخبير، وروى ظمأه ذلك العذب النمير، وهو:
ابن حيوس
أبو عبد الله محمد بن حسين بن عبد الله بن حبوس
بالباء بنقطة واحدة من أسفل، مولى بني أبي العافية، الذين ملكوا المغرب الأقصى، في أيام بني أمية الأندلسيين. وأصلهم من تازا، من أهل تسول، من بني مجدول، منهم. وتسول: كانت حاضرة ملكهم، ومنتظم سلكهم؛ فذهبت أيامهم، وتقلص إنعامهم، وتلك عادة الله، وسنته في الذين خلوا من قبل، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
стр. 200
وقد رفعت ديوان شعره للمقام المولوي السلطاني الملكي الكاملي الناصري، أدام الله إنعامه، ووالي له حسن الصنع وأدامه.
لقيته بحضرة مراكش، سنة أربع وستين وخمسمائة. ثم دخلت عنده في داره بمدينة فاس، بدرب السراجين منها، فأخذت عنه وسمعت منه. وأنشدني شيخي الفقيه الأستاذ اللغوي النحوي أبو العباس أحمد بن علي بن محمد الكناني - يعرف بابن سيد - من أهل إشبيلية؛ تصدر للإقراء بها، فطلع شمساً من جانبها؛ وكان من أهل البلاغة والشعر، والتقدم في النظم والنثر. ختم كتاب سيبويه مرتين على الأستاذ النحوي أبي القاسم بن الرماك بعد قراءته القرآن العظيم على القاضي أبي الحسن شريح بن محمد، والمجود الكبير أبي العباس أحمد بن عيشون، وأجاز له. وكذلك أجاز له جماعة من علماء قرطبة، منهم الفقيه أبو محمد بن عتاب، والعالم أبو بحر سفيان بن العاصي، والوزير أبو الوليد بن طريف وغيرهم، ولزم الوزير الأديب البليغ الأوحد أبا محمد ابن عبد الغفور. فقرأ عليه كثيراً. وأنشدنا له في صاحب إشبيلية وقد خرج إلى غزاة:
стр. 201
سِرْ حَلَّ حيثَ تحلُّه النُّوّار ... وأراد فيك مُرادَك الأقدارُ
وإذَا ارتحلتَ فشَيّعتْك غَمامةٌ ... أنّي حَلَلتْ ودِيمةٌ مِدْرَار
تَنْفِي الهَجِير بظّلِها وتُنِيمُ بالرَّ ... شِّ القَتامَ وكيف شِئْت تُدار
وقَضَى الإلُه بأنْ تَعود مُظفَّرا ... وقَضَيت بسَيْفك نَحْبَها الكُفّارُ
وقد أبدع في هذه الأبيات غاية الإبداع، وهي من ابلغ ما قيل في الوداع.
وأنشدني ﵀ قال: أنشدني الوزير الشريف الحسيب النسيب أبو محمد عبد العزيز بن الحسن بن أبي البسام الحسيني، فريد عصره ووحيد دهره.
قال: نزلت بفندق بمدينة دانية ليلاً، فرأتني امرأة كانت تعرفني في أيام السلطان أبي الطاهر تميم، وهي الحرة الفاضلة مريم بنت إبراهيم؛ والدنيا قد سحبت على من جاهها ووزارتها ذيلا، فقلت مرتجلا:
عَاذِلَتي لا تُفنّدِينِي ... أن صِرْتُ في مَنزلٍ هَجينِ
فليسَ قُبْح المَكان ممّا ... يَقْدَحُ في مَنْصِبي ودِيني
الشمسُ عُلْوِيّةٌ ولكنْ ... تَغْرُبُ في حَمْأَةِ وطِين
وكان شيخا هذا ﵀ يلقب باللص لدياثته وسكونه، وتردده خفية في جميع شؤونه؛ وكان لا ينكر هذا اللقب مع جاهه عند سلطان زمانه،
стр. 202
وقد أنشدني بيتين قالهما في الوزير أبي الحسين بن فندله في إبان شبابه وعنفوانه:
خَلَسْتَ قَلْبي بطَرْفٍ ... أبَا الحُسين خَلُوبِ
فكيفَ أُدعى بلّصٍ ... وانت لصُّ القلوبِ
ولما وصلت المحلات العظيمة، والعساكر العميمة، بجبل الفتح والنصر والهدى، قام منشدا:
غَمِّضْ عن الشَّمسِ واستقصِرْ مَدى زُحَلِ ... وانظُرْ إلى الجَبلِ الرَّاسي على جَبلِ
أنَّي استقلَّ به أنَّي استقَرّ به ... أنَّي رأى شخصه العالِي فلم يَزُل
توفي شيخنا ﵁ ببلدة إشبيلية سنة ست وسبعين وخمسمائة. وأخبرني أن مولده سنة سبع وخمسمائة. سمعت منه كثيرا، وأجاز لي جميع رواياته ولأخي،
نفعنا الله.
стр. 203
الوزير الكبير وزير إشبيلية وعظيمها، وشاعرها المشهور وكريمها:
أبو بكر محمد
ابن الوزير الكبير، الطبيب النحير، أبي مروان عبد الملك؛ ابن وزير ذلك الدهر وعظيمه، فيلسوف ذلك العصر وحكيمه؛ أبي العلاء زهر، ابن الوزير الكبير أبي مروان عبد الملك، الراحل إلى المشرق، وبه تطبب زماناً طويلا وتولى رياسة الطب ببغداد، ثم بمصر ثم بالقيروان، ثم استوطن مدينة دانية، وطار ذكره منها إلى أقطار الأندلس والمغرب، واشتهر بالتقدم في علم الطب حتى بذ أهل زمانه. ومات بدانية. وأبوه الوزير الفقيه العالم أبو بكر محمد بن مروان بن زهر الإيادي النسب العالم بالرأي والحافظ للأدب. وكان حاذقاً في الفتوى، مقدما في الشورى، متفننا في العلوم، وسيماً فاضلا، جمع الرواية والدراية. توفي بطليرة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وهو ابن ست وثمانين سنة. حدث عنه جماعة من علماء الأندلس، ووصفوه بالدين والفضل، والجود والبذل.
حدثني شيخنا المبدأ بذكره، وهو الوزير أبو بكر، عن جده الوزير أبي العلاء بجميع تواليفه وشعره. وتوفي الوزير أبو العلاء بمدينة قرطبة، ممتحناً من نغلة. بين كتفيه سنة خمس وعشرين وخمسمائة.
стр. 204
والذي انفرد شيخنا به وانقادت لتخيله طباعه، وأصارت النبهاء خوله وأتباعه: الموشحات، وهي زبدة الشعر وخلاصة جوهره وصفوته. وهي من الفنون التي أغربت بها أهل المغرب على أهل المشرق. وظهروا فيها كالشمس الطالعة والضياء المشرق، فمن ذلك قوله:
سَدلْنَ ظَلامَ الشُّعورْ ... على أَوْجهٍ كالبُدورْ
سَفَرَن فلاح الصباحْ
هَزَزن قُدودُ الرِّماحْ
ضِحِكن ابِتَسامَ الأقاحْ
كأّنَّ الذي في النُّحور ... تخَّيرنَ منه الثُّغورْ
سَلُوا مُقلَتَيْ ساحرْ
عن السّحر والسّاحِر
وعن نَظرٍ حائر
يَريشُ سهامَ الفُتورْ ... ويَرمي خَبايَا الصُّدورْ
لقد هِمْتَ ويَحِي بِهَا
وذُلّل قَلْبي لها
أمَا والهوىَ إنَّها
стр. 205
لَظَبْيُ كِناسٍ نَفُورْ ... تَغارُ عليه الخُدورْ
حُرِمتُ لذيذَ الكَرَى
سَهِرْتُ ونام الوَرى
تُرَى ليت شِعْري تُرَى
أساعدتُ لَيْلي شُهورْ ... أمِ اللّيلُ حولي يَدُورْ
ظَفرتْ بصَبٍّ كَئِيب
فنكّد وعذِّبْ وجُورْ ... أسرفْ غُلامك صَبُورْ
وقوله:
أيّها السّاقي إليك المُشتكَى ... قد دعونَاك وإن لم تَسْمَع
ونَديمٍ هِمتُ في غُرَّتِهِ
وسَقَاني الرّاح من راحتِه
كلما استيقَظَ من سَكْرته
جذب الزِّقّ إليه واتّكَا ... وسقَاني أربعاً في أربعِ
ليس لي صبرٌ ولا لي جَلَدُ
ما لِقومي عذَلُوا واجتهدوا
أنكُروا شَكْواي ممّا أجد
стр. 206
مثلُ حالي حقُّها أن تُشتكَي ... كَمَدُ اليأس وذلُّ الطَّمَع
غُصنُ بانٍ مال من حيثُ استوى
بات من يهواهُ من فرط الجوى
خافقَ الأحشاء موهُون القُوى
كلما فكَّر في البين بكَى ... ماله يبكي لما لم يَقع
ما لعيني شُغِفت بالنَّظر
أنكرتْ بعدك ضوءَ القَمر
فإذا ما شِئْتَ فاسْمع خَبَري
عَشِيتْ عَيناي من طُول البُكَا ... وبكَى بَعْضي على بَعضِي مَعِي
الشغاف: حجاب القلب؛ وقيل: سويداؤه؛ وهو الشغف أيضا، بالعين المهملة.
قال الله العظيم: (قد شغفها حباً). وشغفة القلب: أعلاه، وهو معلق النياط. قال أبو عبيد: المشغوف: الذي بلغ حبه شغاف قلبه؛ وبالعين المهملة: الذي خلص الحب إلى قلبه فأحرقه.
وكان شيخنا الوزير أبو بكر ﵀ بمكان من اللغة مكين، ومورد من الطلب عذب معين. كان يحفظ شعر ذي الرمة، وهو ثلث لغة العرب، مع الإشراف على جميع أقوال أهل الطب، والمنزلة العليا عند أصحاب المغرب مع سمو النسب، وكثرة الأموال والنشب
стр. 207
صحبته زمانا طويلا، واستفدت منه أدبا جليلا. واستجزته في جميع تصانيف
أسلافه وتصانيفه، وجميع شعره ونثره وتواليفه.
ومن شعره:
وموسدين على الأكفّ خُدودَهم ... قد غالَهم نومُ الصَّباح وغَالَنِي
ما زِلُت أسقيهمْ وأشربُ فَضْلَهم ... حتى سكرتُ ونالَهم ما نالني
والخَمر تعلم كيف تَطلبُ ثأرَها ... إني أملْتُ إناءها فأمَالنَي
ومن شعره:
رمتْ كبدي أختُ السِّماك فَأقصدتْ ... ألاَ بأبي رَامٍ يُصيب ولا يُخطشي
قريبةُ ما بين الخَلاخِل إن مَشَتْ ... بعيدةُ ما بين القِلادة والقُرْط
نعمت بها حتى أتيحت لنا النوى ... كذا شيم الأيام تأخذ ما تعطي
سألته ﵀ عن مولده فقال: ولدت سنة سبع وخمسمائة. وبلغتني وفاته آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة
стр. 208
وأنشدني الوزير الكاتب أبو الحكم علي، ابن الوزير الأعلى أبي بكر محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن محمد بن الحسين بن كميل بن عبد العزيز بن هارون اللخمي قال: أنشدني أبي لنفسه:
قد هَززتاك في المكَارم غُصْنَا ... واستَلَمنَاك في النَّوائب رُكنَا
ووجدنا الزمَّان قد لاَنَ عِطْفاً ... وتأتىَّ فِعلاً وأشْرَق حُسنا
فإنها ما سألتَه كان سَمْحاً ... وإذا ما هززتَه كان لَدْنا
مؤِثراً أحسنَ الخلائِقِ لا يع ... رف ضَناًّ ولا يُكذِّب ظَنّا
أنتَ ماءُ السماء اخصَبَ وَاد ... يه ورفَّت رياضُه فانْتَجعنا
نَزَعتْ بي إلى ودادِك نَفْسٌ ... قلَّما استمتعتْ بذي الفَضْلِ خِدْنا
وأنشدني له وقد ودع. . . . . .
في ذمَّة المَجْد والعَلْياءِ مُرتَحِلٌ ... فارقتُ صَبْرِيَ مذ فارقتُ موضِعَهُ
ضاءتْ به برهةً أرجاءُ قُرْطبة ... ثم استقلَّ فَسَرَّ البَيْنُ مَطْلَعه
والوزير أبو الحكم هذا يعرف أبوه بابن المرخي. وصوابه عند أهل النحو:
المرخي، بفتح الخاء. وهو من أهل قرطبة، وأصلهم من شرانة، قرية من قرى
стр. 209
شريش شذونة. وكان أبوه بذ أهل وقته في الكتابة والأدب، واللغة وأنساب العرب؛ وكان وزيرا جليلاً بوزارة السلاطين بقرطبة، وكان ينتفع به الناس لحسن وساطته، ومبادرته إلى قضاء حوائج الناس ومشاركته.
أخذت عن ولده الوزير: أبي الحكم جميع ما رواه عن أبيه وعن غيره من أشياخ قرطبة، منهم ابن عمه الوزير الكبير أبو جعفر بن عبد العزيز. وأخذت عنه استدراكه على الوزير أبي عبيد البكري في معجم ما استعجم، وذلك نحو من أربعمائة موضع. وسمعت من لفظه أوهام ابن قتيبة في المعارف. وصحبته كثيرا، وأخذت عنه فضلاً غزيرا، واستجزته في جميع ما رواه، وألفه، فأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو. وسألته عن مولده، فقال: ولدت آخر سنة تسع عشرة وخمسمائة. وتوفي ﵀ بحضرة مراكش سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وشهدت جنازته.
стр. 210
وصاحب أحكام القضاء بمدينة مالقة، الفقيه العالم:
أبو الحسن صالح بن عبد الملك.
ابن سعيد الأوسي
يعرف بالقنترال، بالقاف، والنون والتاء المثناة باثنتين من فوقها والراء المهملة.
وكان شيخاً جليلا، محدثا، فقيها، فاضلاً، أصيلاً. لقي قاضي الجماعة، أبا الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد المالكي مؤلف كتاب المقدمات لأوائل كتب المدونة، وكتاب البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل، واختصار المبسوطة، واختصار مشكل الآثار للطحاوى - والإمام العالم قاضي
الجماعة أبا عبد الله، محمد بن الحاج الشهيد، فسمع عليه صحيح مسلم. ولقي الإمام العالم أبا بكر غالب بن عطية المحاربي، والفقيه المشاور القاضي أبا الحسن علي بن أضحى الهمداني، والمحدث الجليل أبا جعفر
стр. 211
أحمد بن محمد بن عبد العزيز اللخمي، ولقي بلوشة الفقيه الإمام أبا الوليد هشام ابن أحمد بن هشام الهلالي، قرأ عليه، وعلق عنه جميع كلامه، على صحيح البخاري، وكان عالماً به واقفا على معانيه. ولقي بإشبيلية القاضي الإمام أبا بكر محمد بن عبد الله العربي المعافري، وكان مختصا به. والفقيه المشاور القاضي أبا مروان الباجي، والمقرئ النحوي القاضي بإشبيلية أبا الحسن شريح بن محمد الرعيني، والفقيه القاضي الإمام أبا القاسم أحمد بن محمد بن أحمد بن عيسى ابن منظور، والوزير أبا بكر محمد بن فندله. والوزير الحسيب أبا عبد الله جعفر بن مكي، وقرأ القرآن العظيم بقرطبة علي ابن ذروة، وعلى الأستاذ عياش بن عبد الملك الأزدي اليابري. ولقي الفقيه المشاور الأستاذ أبا عبد الله محمد بن عيسى المشتهر بالشرقي، ولقي بالمرية الإمام العالم الأوحد أبا القاسم ابن ورد، وقرأ عليه الحديث تفقها، والفقيه الإمام الزاهد الشهيد أبا عبد الله
стр. 212
محمد بن يحيى، يعرف بابن الفراء، وسمع عليه. ولقي ببلده مالقة الفقيه المشاور الفاضل أبا عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن معمر، والفقيه الأستاذ المقرئ أبا علي بن تملا، يعرف بالأحدب، والأستاذ النحوي أبا الحسين بن الطراوة، والفقيه الأستاذ اللغوي أبا عبد الله محمد بن سليمان هو ابن أخت غانم. ولقي من أهل مرباطر بلنسية الإمام العالم أبا بحر سفيان بن العاصي، ولقي الأستاذ المقرئ أبا المطرف عبد الرحمن بن سعيد الفهمي، حدثه عن الفقيه عبد الحق الصقلي إجازة، وعن القاضي الإمام أبي الوليد الباجي سماعاً عليه، وعن الإمام أبي عمر بن عبد البر إجازة، وعن غيرهم.
ولقي في علم الأصول الفقيه المتكلم أبا العباس أحمد بن محمد الجذامي، يعرف
بابن الزنقي، إلى غير ذلك من شيوخه. وقد سمعت عليه وصحبته، وأجاز لي جميع رواياته، ولأخي الحافظ أبي عمرو.
стр. 213
ومن أعظم ما شاهد أهل الأندلس منه أن يده اليمنى بطلت فأطلق الله يده اليسرى، فكتب بها دواوين لا تحصى كثرة، كمسند البزار وغيره، كما كان يكتب بيده اليمنى وأحسن. توفي ﵁ بمالقة وهو يتولى الأحكام، ويدرس العلوم سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
وأنشدني قال: أنشدني الإمام العالم أبو بكر غالب بن عبد الرحمن بن غالب بن عطية المحاربي لنفسه، يعاتب بعض إخوانه:
وكنتُ أظنُّ أنَّ جبالَ رَضْوَي ... تَزول وأنَّ وُدَّك لا يَزولُ
ولكنَّ القلوبَ لها انقلابٌ ... وأحوال ابنِ آدم تَستحيل
فإن يَكُ بيننا وَصْلٌ جَميل ... وإلا فليكُن هَجرٌ جميل
وقد سمعت هذه الأبيات من الفقيه أبي محمد عبد الحق، ابن قاضي مالقة أبي مروان عبد الملك بن بونة العبدري، قال: أنشدنا الإمام أبو بكر غالب لنفسه أيضا يحذر من خلطة الناس:
جفوتُ أناساً كُنتُ آلفُ وصلَهم ... وما بالجفَا عند الضرورةِ من باَسِ
بلوتُ فلم أحمدَ فأصبحتُ يائساً ... ولا شَيَء أشْفَى للنُّفوس من الياس
فلا تَعْذلوني في انقبِاضي فاِنني ... رأيتُ جميعَ الشَّرِّ في خِلْطة الناس
стр. 214
وأنشدني القاضي الفقيه أبو الحسن صالح المذكور، قال: أنشدنا الفقيه القاضي أبو الحسن بن أضحى:
أزِفَ الفِراقُ وفي الفؤاد كُلُوُم ... ودنا التَّرحُّل والحِمامُ يَحومُ
قُل للأحِبَّة كيفَ أنعُم بعدَكم ... وأنا المُسافر والفؤادُ مُقيم
قالوا الودَاعُ يَهيجُ منكَ صبابةً ... ويُثِيرُ ما هو في الهَوى مَكْتوم
قلتُ اسمحوا لي أنْ أفوزَ بنَظْرة ... ودَعُوا القيامة بعد ذاكَ تَقوم
وحدثني شيخنا المذكور آنفا قال: أخبرنا القاضي أبو بكر بن العربي وأملاه علي، قال: حدثنا محمد بن عبد الملك التنيسي الصوفي قال: خرجنا مع شيخنا أبي الفضل بن الجوهري بخبب عميرة لتشييع الحاج ووداعه على العادة، فبتنا معهم. وحين أصبحنا وأثيرت الجمال وقوض الناس للرحيل إذا بفتى شاب حسن الوجه عليه شحوب واصفرار، وهو يشيع الهوادج هودجاً هودجا، حتى فنيت الهوادج ومشى الحاج، وهو يقول أثناء تردده عليها، ونظره إليها:
أحُجّاجَ بيت الله في أيّ هودج ... وفي أي خِدر من خُدوركُم قَلبِي
أأبقىَ رهينَ الجسم في أرض غُربةٍ ... وحاديكُم يحدُو بقَلْبي مع الرَّكب
стр. 215
فَوا أسفَا لم أقْض منكم لُبَانتي ... ولم أتمتَّع بالجِوار وبِالقُرب
وفُرِّقَ بيني في الرّحيل وبَينكم ... فهأنذا أقْضي على إثركم نضحبي
فلما أكمل الحاج السير ويئس، ضرب بنفسه إلى الأرض وجعل يقول:
خَلِّ دَمْع العين يَنهملُ ... بانَ من تهواهُ وارتحلُوا
أيُّ دَمْعٍ صانَه كَلِفٌ ... فهو يومَ البَيْن مُبتذَل
ثم مال إلى الأرض، فجئنا إليه فوجدناه ميتا.
أبو الفضل بن الجوهري، هذا مصري؛ كان يسكن القرافة، واسمه عبد الله ابن حسين؛ أسماه الإمام أبو بكر بن عطية. وهو واعظ جليل، وفقيه نبيه ونبيل. روى عنه من العلماء: أبو مروان عبد الملك بن زيادة الله الطيني، وأبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، وغيرهما. وذكره الأمير أبو نصر بن ماكولا في كتاب الإكمال له وأثنى عليه وقال: روى عنه الحميدي.
следующие страницы →