Полный текст (5 149 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ) خَصَّهُ بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ لِأَنَّهُ لَا مَسْح مِنْ الْجَنَابَةِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ لِأَنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا، وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحَدَثٍ سَابِقٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ إذَا لَبِسَتْ عَلَى السَّيَلَانِ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ
كَانَ مَأْجُورًا أَتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ خُوَاهَرْ زَادَهْ فِي مَبْسُوطِهِ فَتَابَعَهُ الْمُصَنِّفُ وَنِعْمَ الْمَتْبُوعُ. فَإِنْ قُلْت: ذَكَرَ فِي الذَّخِيرَةِ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ الرُّسْتُغْفَنِيَّ سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَرَى الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاطُ وَيَنْزِعُ خُفَّيْهِ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، إمَّا لِنَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الرَّوَافِضِ، وَإِمَّا؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ قُرِئَ بِالْخَفْضِ وَالنَّصْبِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُغْسَلَ حَالَ عَدَمِ اللُّبْسِ وَيُمْسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَالَ اللُّبْسِ لِيَصِيرَ عَامِلًا بِالْقِرَاءَتَيْنِ، فَمَنْ الْمُحِقُّ مِنْهُمَا؟ قُلْت: إنْ حَمَلْت قَوْلَ أَبِي الْحَسَنِ عَلَى أَنْ يَمْسَحَ أَحْيَانًا وَلَا يَتْرُكُهُ بِالْكُلِّيَّةِ تَوَافُقًا. فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنْ لَا يَمْسَحَ آخِذًا بِالْعَزِيمَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَنَفْيُ التُّهْمَةِ يَحْصُلُ بِالْمَسْحِ أَحْيَانًا فَيُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ دَفْعًا لِلتَّدَافُعِ.
قَالَ: وَيَجُوزُ الْمَسْحُ (مِنْ كُلِّ حَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ) خَصَّ الْقُدُورِيُّ الْمَسْحَ بِحَدَثٍ مُوجِبٍ لِلْوُضُوءِ احْتِرَازًا عَنْ الْجَنَابَةِ عَلَى مَا سَيَجِيءُ وَجَعَلَ الْحَدَثَ مُوجِبًا مَجَازًا فَإِنَّهُ نَاقِضٌ لِلْوُضُوءِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لَكِنَّهُ شَرْطٌ لِوُجُوبِهِ فَجَازَ أَنْ يُضَافَ الْإِيجَابُ إلَيْهِ كَمَا فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ. (قَوْلُهُ: وَبِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ) أَيْ وَخَصَّهُ بِحَدَثٍ مُتَأَخِّرٍ عَنْ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ عُهِدَ مَانِعًا لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ لَا رَافِعًا لِلْحَدَثِ؛؛ لِأَنَّ الرَّافِعَ هُوَ الْمُطَهِّرُ وَالْخُفُّ لَيْسَ كَذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَلَوْ جَوَّزْنَاهُ بِحَدَثٍ سَابِقٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ إذَا لَبِسَتْ وَالدَّمُ يَسِيلُ ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ) وَتَوَضَّأَتْ فَإِنَّهَا لَا تَمْسَحُ؛ لِأَنَّ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ ظَهَرَ الْحَدَثُ السَّابِقُ، وَكَذَلِكَ الْمُتَيَمِّمُ إذَا لَبِسَ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ وَتَوَضَّأَ لَا يَمْسَحُ؛ لِأَنَّ بِرُؤْيَةِ الْمَاءِ ظَهَرَ حُكْمُ الْحَدَثِ السَّابِقِ، فَلَوْ جَوَّزْنَا الْمَسْحَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ لَهَا أَنْ تَمْسَحَ مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَلَيْسَ هَذَا الْحُكْمُ مُنْحَصِرًا فِيمَا ذَكَرَهُ وَهُوَ اللُّبْسُ عَلَى السَّيَلَانِ، بَلْ لَوْ كَانَ الدَّمُ سَائِلًا عِنْدَ الْوُضُوءِ دُونَ اللُّبْسِ أَوْ عِنْدَهُمَا جَمِيعًا فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا إذَا كَانَ مُنْقَطِعًا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ جَمِيعًا فَإِنَّهَا وَالصَّحِيحَةَ سَوَاءٌ. وَقَوْلُ الْقُدُورِيِّ: إذَا لَبِسَهُمَا
стр. 142
وَالْمُتَيَمِّمُ إذَا لَبِسَ ثُمَّ رَأَى الْمَاءَ كَانَ رَافِعًا. وَقَوْلُهُ إذَا لَبِسَهُمَا عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْكَمَالِ وَقْتَ اللِّبْسِ بَلْ وَقْتَ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا، حَتَّى لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ أَكْمَلَ الطَّهَارَةَ ثُمَّ أَحْدَثَ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ، وَهَذَا لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ
عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ كَمَالِهَا وَقْتَ اللُّبْسِ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا خِلَافُ ذَلِكَ وَهُوَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ وَقْتَ الْحَدَثِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ مِنْ قَوْلِهِ لَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ الْكَمَالِ إنْ كَانَ هَذَا التَّقْدِيرَ فَفِي كَلَامِ الْقُدُورِيِّ تَسَامُحٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَيَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقُدُورِيِّ يُفِيدُ ذَلِكَ فَتَأَمَّلْ. وَقَوْلُهُ: (حَتَّى لَوْ غَسَلَ رَجُلَيْهِ) قِيلَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَتِيجَةِ مَا ذَكَرَ مِنْ اشْتِرَاطِ اللُّبْسِ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، فَإِنَّ عَدَمَ جَوَازِ الْمَسْحِ هُنَا بِاعْتِبَارِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ لَا بِاعْتِبَارِ اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ وَقْتَ اللُّبْسِ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ وَهُوَ مَا قَالَ وَلَوْ تَوَضَّأَ وَغَسَلَ إحْدَى رِجْلَيْهِ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ غَسَلَ الرِّجْلَ الْأُخْرَى وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ لَمْ يَنْزِعْ الْخُفَّ الْأَوَّلَ لَا يَجُوزُ لَهُ الْمَسْحُ، فَإِنْ نَزَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَنْ يَكُونَ لُبْسُهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَمَّا أَثْبَتَ الْمُصَنِّفُ بِالدَّلِيلِ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي الْوُضُوءِ لَيْسَ بِشَرْطٍ صَحَّ أَنْ يَبْنِيَ هَذَا الْفَرْعَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعُ حُلُولِ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِمَّا مَرَّ، وَكُلُّ مَا هُوَ مَانِعٌ حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمِ يُرَاعَى كَمَالُ الطَّهَارَةِ فِيهِ وَقْتَ الْمَنْعِ عَنْ حُلُولِ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا حَدَثًا كَانَ
стр. 143
فَيُرَاعَى كَمَالُ الطَّهَارَةِ وَقْتَ الْمَنْعِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ نَاقِصَةً عِنْدَ ذَلِكَ كَانَ الْخُفُّ رَافِعًا (وَيَجُوزُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا) لِقَوْلِهِ ﵊ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» قَالَ (وَابْتِدَاؤُهَا عَقِيبَ الْحَدَثِ) لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعٌ سِرَايَةَ الْحَدَثِ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ وَقْتِ الْمَنْعِ.
بِالرِّجْلَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ وَهُوَ شُرِعَ مَانِعًا لَا رَافِعًا. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا بَلْ يَكُونُ مَانِعًا حُلُولَ الْحَدَثِ بِالْقَدَمَيْنِ الطَّاهِرَتَيْنِ بِالْغَسْلِ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ غَسْلُ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ بِمَجْمُوعِ الْغُسْلَيْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَكَانَ مَانِعًا لَا رَافِعًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّا قَدْ اتَّفَقْنَا أَنَّ الْمَسْحَ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَإِنْ اخْتَلَفْنَا فِي وَقْتِهَا، فَلَوْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ نَاقِصَةً عِنْدَ حُلُولِ الْحَدَثِ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْخُفُّ رَافِعًا لِلْحَدَثِ الْحُكْمِيِّ الْحَالِّ بِالْقَدَمِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ زَالَ بِالْمَاءِ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ بَاقٍ حُكْمًا لِعَدَمِ التَّجَزُّؤِ، وَعَنْ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ أَيْضًا لِيَرِدَ الْمَسْحُ عَلَى طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ وَكَانَ رَافِعًا لَا مَانِعًا وَلَزِمَ الْخَلَفُ، فَإِنْ قُلْت: هَذَا يَقْتَضِي وُجُودَ الطَّهَارَةِ الْكَامِلَةِ وَقْتَ الْحَدَثِ وَنَحْنُ لَا نَمْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَقُولُ إنَّهَا لَا تَكْفِي بَلْ يَحْتَاجُ إلَى وُجُودِهَا وَقْتَ اللُّبْسِ أَيْضًا وَمَا ذَكَرْتُمْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ. قُلْت: هَذَا نَاهِضٌ وَلَا دَافِعَ لَهُ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَدَافِعُهُ أَنَّ وُجُودَهَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ عِنْدَ طَرَيَانِ مُزِيلِهَا وَهُوَ الْحَدَثُ تَحْقِيقًا لِلْإِزَالَةِ. وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ مُسْتَغْنًى عَنْهَا فَلَا فَائِدَةَ فِي اشْتِرَاطِهَا.
قَالَ (وَيَجُوزُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً) يَجُوزُ الْمَسْحُ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً (وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيُهَا) وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: الْمُقِيمُ لَا يَمْسَحُ أَصْلًا وَالْمُسَافِرُ مَسْحُهُ مُؤَبَّدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، إنَّ الْمُقِيمَ كَالْمُسَافِرِ. وَاحْتَجَّ لِلْأُولَى فِي الْمُقِيمِ بِأَنَّ الْمَسْحَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْمُقِيمِ، وَفِي الْمُسَافِرِ بِحَدِيثِ «عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَأَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ يَوْمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْت يَوْمَيْنِ؟ فَقَالَ نَعَمْ حَتَّى انْتَهَيْت إلَى سَبْعَةِ أَيَّامٍ، فَقَالَ ﵊: إذَا كُنْت فِي سَفَرٍ فَامْسَحْ مَا بَدَا لَك» وَلِلثَّانِيَةِ بِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ رَوَوْا الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ. ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ.
وَلَنَا الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﷺ «يَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا» رَوَاهُ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَجَابِرٌ وَخُزَيْمَةَ وَصَفْوَانُ وَعَوْفُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَالْمَشْهُورُ لَا يُتْرَكُ بِالشَّاذِّ. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵀: رِجَالُهُ لَا يُعْرَفُونَ. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: قَدْ اُخْتُلِفَ فِي إسْنَادِهِ، وَلَيْسَ بِقَوِيٍّ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: إسْنَادُهُ لَا يَثْبُتُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إسْنَادُهُ مُضْطَرِبٌ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدِيثٌ مَجْهُولٌ، عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّ مُرَادَهُ ﷺ بَيَانُ أَنَّ الْمَسْحَ مُؤَبَّدٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ لَا أَلَّا يَنْزِعَ خُفَّيْهِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَعَدَمُ الضَّرُورَةِ فِي الْمُقِيمِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ يَلْبَسُ الْخُفَّ حِينَ يُصْبِحُ وَيَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ النَّزْعُ قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إلَى بَيْتِهِ لَيْلًا (وَابْتِدَاؤُهَا) أَيْ ابْتِدَاءُ مُدَّةِ الْمَسْحِ (عَقِيبَ الْحَدَثِ) لَا مِنْ وَقْتِ اللُّبْسِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيِّ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ جَوَازَهُ بِسَبَبِهِ فَتُعْتَبَرُ مِنْ
стр. 144
(وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ، يَبْدَأُ مِنْ قِبَلِ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَمَدَّهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى أَعْلَاهُمَا مَسْحَةً وَاحِدَةً، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْمَسْحِ عَلَى خُفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ»
وَقْتِهِ وَلَا مِنْ حِينِ الْمَسْحِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ لِأَجَلِهِ فَيُعْتَبَرُ مِنْ وَقْتِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَنْ تَوَضَّأَ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَحْدَثَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بَعْدَ الزَّوَالِ فَعَلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ يَمْسَحُ الْمُقِيمُ إلَى وَقْتِ الْحَدَثِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَهُوَ مَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي إلَى وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي، وَهُوَ وَقْتُ اللُّبْسِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ إلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَهُوَ وَقْتُ الْمَسْحِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْعَامَّةِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ مَانِعُ سِرَايَةِ الْحَدَثِ: أَيْ وُصُولِهِ إلَى الرِّجْلِ وَالْمَانِعُ عَنْ الشَّيْءِ إنَّمَا يَكُونُ مَانِعًا حَقِيقَةً عِنْدَ طَرَيَانِ الْمَمْنُوعِ وَالْحَقِيقَةُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ فَتُعْتَبَرُ الْمُدَّةُ مِنْ عِنْدِهِ.
(وَالْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: السُّنَّةُ مَسْحُ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ».
وَقَوْلُهُ: خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ بِمَعْنَى مُخَطَّطٍ احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ عَطَاءٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِتَثْلِيثِ الْمَسْحِ اعْتِبَارًا بِالْغَسْلِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُطُوطَ إنَّمَا تَبْقَى إذَا مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يَبْدَأَ فَيَضَعَ أَصَابِعَ يَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَأَصَابِعِ يَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى مُقَدَّمِ خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، وَيَمُدُّهُمَا إلَى السَّاقِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ، وَيُفَرِّجُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَلَوْ وَضَعَ الْكَفَّ مَعَ الْأَصَابِعِ قِيلَ كَانَ أَحْسَنَ؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى الْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا وَهُوَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خُفَّيْهِ وَمَدَّهُمَا مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى أَعْلَاهُمَا»، الْحَدِيثُ يُشِيرُ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَضَعَ يَدَهُ وَلَمْ يَقُلْ وَضَعَ أَصَابِعَهُ وَمَا رُوِيَ مِنْ «أَنَّهُ ﵊ مَسَحَ عَلَى أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» فَقَدْ طَعَنَ فِيهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ مِثْلُ أَبِي دَاوُد
стр. 145
ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتْمٌ حَتَّى لَا يَجُوزَ عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَعَقِبِهِ وَسَاقِهِ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ فَيُرَاعَى فِيهِ جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَالْبُدَاءَةُ مِنْ الْأَصَابِعِ اسْتِحْبَابٌ اعْتِبَارًا بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ (وَفَرْضُ ذَلِكَ مِقْدَارُ ثَلَاثِ أَصَابِعِ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ) وَقَالَ الْكَرْخِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ.
وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَإِنْ صَحَّ فَمَعْنَاهُ مَا يَلِي السَّاقَ وَمَا يَلِي الْأَصَابِعَ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ (ثُمَّ الْمَسْحُ عَلَى الظَّاهِرِ حَتْمٌ) أَيْ وَاجِبٌ (حَتَّى لَا يَجُوزَ لَهُ عَلَى بَاطِنِ الْخُفِّ وَعَقِبِهِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ. وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ) إذْ الْقِيَاسُ أَلَّا يَقُومَ الْمَسْحُ الَّذِي لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ مَقَامَ الْغَسْلِ الَّذِي يُزِيلُهَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ بَاطِنُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ ظَاهِرِهِ، وَلَكِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ الْخُفَّيْنِ دُونَ بَاطِنِهِمَا.
وَإِنَّمَا كَانَ الرَّأْيُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ يُلَاقِي الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ طِينٍ وَتُرَابٍ وَقَذَرٍ بِبَاطِنِهِ لَا بِظَاهِرِهِ، وَإِذَا كَانَ مَعْدُولًا بِهِ عَنْ الْقِيَاسِ يُرَاعَى جَمِيعُ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ (وَالْبُدَاءَةُ مِنْ الْأَصَابِعِ اسْتِحْبَابٌ) حَتَّى لَوْ بَدَأَ مِنْ السَّاقِ جَازَ أَيْضًا.
وَوَجْهُ الِاسْتِحْبَابِ الِاعْتِبَارُ بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَعْبَ غَايَةً. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الشَّرْعُ وَرَدَ بِمَدِّ الْيَدَيْنِ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى أَعْلَاهُمَا فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ تَكُونَ الْبُدَاءَةُ بِالْأَصَابِعِ حَتْمًا لَا مُسْتَحَبًّا كَالْمَسْحِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا، فَالِاعْتِبَارُ بِالْأَصْلِ تَرْكٌ لِمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ، وَكَذَلِكَ التَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ تَرْكٌ لَهُ «فَإِنَّهُ ﵊ مَدَّ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى السَّاقِ». وَالْجَوَابُ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَدَّ إلَى السَّاقِ فَجُعِلَ الْمَفْرُوضُ فِي أَصْلِ الْمَسْحِ مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَصَابِعَ
стр. 146
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ يُبَيِّنُ مِنْهُ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ جَازَ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَجُوزُ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ الْبَادِي وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي. وَلَنَا أَنَّ الْخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ قَلِيلِ خَرْقٍ عَادَةً فَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النَّزْعِ وَتَخْلُو عَنْ الْكَبِيرِ فَلَا حَرَجَ، وَالْكَبِيرُ أَنْ يَنْكَشِفَ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَصَابِعِ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ أَصْغَرُهَا
وَالْبُدَاءَةُ سُنَّةٌ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ فَبِإِشَارَةِ قَوْلِهِ ﵊ (خُطُوطًا بِالْأَصَابِعِ)، فَإِنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ. وَاخْتُلِفَ فِي الْأَصَابِعِ فَذَهَبَ عَامَّةُ عُلَمَائِنَا إلَى أَنَّهَا أَصَابِعُ الْيَدِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: أَصَابِعُ الرِّجْلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ يَقَعُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَكْثَرُ الْمَمْسُوحِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْكُلِّ كَمَا فِي الْخِرَقِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ اعْتِبَارًا لِآلَةِ الْمَسْحِ فَإِنَّ الْمَسْحَ فِعْلٌ يُضَافُ إلَى الْفَاعِلِ لَا إلَى الْمَحَلِّ فَتُعْتَبَرُ الْآلَةُ كَمَا فِي الرَّأْسِ. وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ وَضْعًا أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ الْقُدُورِيُّ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِأَصَابِعِ الْيَدِ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي التُّحْفَةِ: سَوَاءٌ كَانَ الْمَسْحُ طُولًا أَوْ عَرْضًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَوْ وَضَعَ ثَلَاثَةَ أَصَابِعَ وَضْعًا لَا يُقَيَّدُ بِشَيْءٍ مِنْ الطُّولِ وَالْعَرْضِ.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ فِيهِ خَرْقٌ كَبِيرٌ) رُوِيَ كَثِيرٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ مِنْ فَوْقُ وَكَبِيرٌ بِالْبَاءِ الْمَنْقُوطَةِ مِنْ تَحْتُ، وَالْأَوَّلُ يُقَابِلُهُ الْقَلِيلُ وَالثَّانِي يُقَابِلُهُ الصَّغِيرُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدُ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يُرَجَّحُ الْأَوَّلُ، وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ شُمُولُ الْمَنْعِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهُوَ مَذْهَبُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي شُمُولُ الْجَوَازِ فِيهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ. وَالثَّالِثُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهُوَ قَوْلُ عُلَمَائِنَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ. وَالرَّابِعُ الْقَوْلُ بِغَسْلِ مَا ظَهَرَ مِنْ الْقَدَمِ وَمَسْحُ مَا لَمْ يَظْهَرْ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ. وَجْهُ الْأَوَّلِ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ لَمَّا كَانَ مَانِعًا كَانَ الْيَسِيرُ كَذَلِكَ كَالْحَدَثِ.
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْخُفَّ يَمْنَعُ سِرَايَةَ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ، فَمَا دَامَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْخُفِّ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَوَجْهُ قَوْلِنَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ أَنَّ الْخِفَافَ لَا تَخْلُو عَنْ الْخَرْقِ الْقَلِيلِ عَادَةً،
стр. 147
هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْقَدَمِ هُوَ الْأَصَابِعُ وَالثَّلَاثُ أَكْثَرُهَا فَيُقَامُ مَقَامَ الْكُلِّ، وَاعْتِبَارُ الْأَصْغَرِ لِلِاحْتِيَاطِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِدُخُولِ الْأَنَامِلِ إذَا كَانَ لَا يَنْفَرِجُ عِنْدَ الْمَشْيِ، وَيُعْتَبَرُ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَةٍ فَيُجْمَعُ الْخَرْقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلَا يُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ لِأَنَّ الْخَرْقَ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِالْآخِرِ، بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلْكُلِّ وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ نَظِيرُ النَّجَاسَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ)
فَإِنَّ الْخُفَّ وَإِنْ كَانَ جَدِيدًا فَآثَارُ الدُّرُوزِ وَالْأَشَافِي خَرْقٌ فِيهِ وَلِهَذَا يَدْخُلُهُ التُّرَابُ فَيَلْحَقُهُمْ الْحَرَجُ فِي النَّزْعِ فَجُعِلَ عَفْوًا وَتَخْلُو عَنْ الْكَثِيرِ فَلَا حَرَجَ، وَمَا ذَكَرَهُ عَنْ اعْتِبَارِ أَصَابِعِ الرِّجْلِ هُوَ رِوَايَةُ الزِّيَادَاتِ؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ إذَا كَانَ مِقْدَارَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ مَنَعَ قَطْعَ السَّفَرِ، وَقَطْعُ السَّفَرِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالرِّجْلِ فَيُعْتَبَرُ أَصَابِعُهَا.
وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ شَيْئَيْنِ عَنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ ثَلَاثُ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ؛ لِأَنَّهُ آلَةُ الْمَسْحِ، وَعَمَّا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْخَرْقِ أَكْبَرُ الْأَصَابِعِ إنْ كَانَ الْخَرْقُ عِنْدَ أَكْبَرِهَا، وَأَصْغَرُهَا إنْ كَانَ عِنْدَ أَصْغَرِهَا. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْأَصْلَ) دَلِيلٌ عَلَى الْمِقْدَارِ وَالصِّغَرِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا مُعْتَبَرَ بِدُخُولِ الْأَنَامِلِ) ظَاهِرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ إذَا كَانَ يَبْدُو قَدْرُ ثَلَاثِ أَنَامِلَ مِنْ أَصَابِعِ الرِّجْلِ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: يُمْنَعُ الْمَسْحُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُمْنَعُ. وَالشَّرْطُ أَنْ يَبْدُوَ قَدْرُ ثَلَاثِ أَصَابِعَ بِكَمَالِهَا، وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَوْلُهُ: (وَيُعْتَبَرُ هَذَا الْمِقْدَارُ فِي كُلِّ خُفٍّ عَلَى حِدَةٍ فَيُجْمَعُ الْخَرْقُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ)؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِهِ (وَلَا يُجْمَعُ فِي خُفَّيْنِ؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ فِي أَحَدِهِمَا لَا يَمْنَعُ قَطْعَ السَّفَرِ بِالْآخَرِ) وَاضِحٌ. قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْمَعَ فِي الْخُفَّيْنِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الرِّجْلَيْنِ صَارَتَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ لِدُخُولِهِمَا تَحْتَ خِطَابٍ وَاحِدٍ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمَا صَارَتَا كَعُضْوِ وَاحِدٍ فِي حَقِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَالْخَرْقُ أَمْرٌ حِسِّيٌّ فَلَا يَكُونَانِ فِيهِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ، وَلِهَذَا لَوْ مَدَّ الْمَاءَ مِنْ الْأَصَابِعِ إلَى الْعَقِبِ جَازَ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ مَدَّ الْمَاءَ مِنْ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ إلَى الْأُخْرَى لَمْ يَجُزْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلرِّجْلَيْنِ شَبَهًا بِعُضْوٍ وَاحِدٍ مِنْ حَيْثُ دُخُولُهُمَا تَحْتَ خِطَابٍ وَاحِدٍ، وَبِعُضْوَيْنِ مِنْ حَيْثُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ فَعَمِلْنَا بِالشَّبَهَيْنِ، وَقُلْنَا بِعَدَمِ الْجَمْعِ نَظَرًا إلَى الشَّبَهِ الثَّانِي، وَبِعَدَمِ غَسْلِ مَا فِيهِ الْخَرْقُ دُونَ الْآخَرِ نَظَرًا إلَى الشَّبَهِ الْأَوَّلِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِيمَا هُوَ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ النَّجَاسَةِ) يَعْنِي إذَا كَانَ فِي أَحَدِ الْخُفَّيْنِ نَجَاسَةٌ قَلِيلَةٌ وَفِي الْآخَرِ كَذَلِكَ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَانْكِشَافُ الْعَوْرَةِ نَظِيرُ النَّجَاسَةِ فِي أَنَّ الْمَانِعَ انْكِشَافُ عَيْنِ الْعَوْرَةِ وَقَدْ وُجِدَ كَمَا أَنَّ الْمَانِعَ حَمْلُ النَّجَاسَةِ وَقَدْ وُجِدَ، وَوَجْهُ الرَّابِعِ وَاضِحٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ) قِيلَ صُورَتُهُ رَجُلٌ تَوَضَّأَ وَلَبِسَ الْخُفَّ ثُمَّ أَجْنَبَ ثُمَّ وَجَدَ
стр. 148
لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا إذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا إلَّا عَنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ نَوْمٍ» وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ لَا تُكَرَّرُ عَادَةً فَلَا حَرَجَ فِي النَّزْعِ، بِخِلَافِ الْحَدَثِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ.
(وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) لِأَنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ (وَيَنْقُضُهُ أَيْضًا نَزْعُ الْخُفِّ) لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى الْقَدَمِ حَيْثُ زَالَ الْمَانِعُ، وَكَذَا نَزْعُ أَحَدِهِمَا لِتَعْذِرْ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ
مَاءً يَكْفِي لِلْوُضُوءِ وَلَا يَكْفِي لِلِاغْتِسَالِ فَإِنَّهُ يَتَوَضَّأُ وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ وَلَا يَمْسَحُ وَيَتَيَمَّمُ لِلْجَنَابَةِ.
وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: الْجَنَابَةُ أَلْزَمَتْهُ غَسْلَ جَمِيعِ الْبَدَنِ، وَمَعَ الْخُفِّ لَا يَتَأَتَّى، بِخِلَافِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ غَسْلَ أَعْضَاءٍ يُمْكِنُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ. وَعَسَّالٌ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ: بَيَّاعُ الْعَسَلِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ ظَاهِرٌ لَكِنْ يَقْتَضِي التَّصْوِيرَ، فَإِنَّ السَّلْبَ يَقْتَضِي تَصَوُّرَ الْإِيجَابِ. وَقَالَ مَوْلَانَا حُمَيْدُ الدِّينِ: الْمَوْضِعُ مَوْضِعُ النَّفْيِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّصَوُّرِ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْجَنَابَةَ) يُشِيرُ إلَى أَنَّ شَرْعِيَّةَ الْمَسْحِ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَالْحَرَجُ فِيمَا يَتَكَرَّرُ وَهُوَ الْحَدَثُ دُونَ الْجَنَابَةِ.
قَالَ (وَيَنْقُضُ الْمَسْحَ كُلُّ شَيْءٍ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ) كُلُّ مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ يَنْقُضُ الْمَسْحَ؛ لِأَنَّهُ بَعْضُ الْوُضُوءِ، فَلَوْ لَمْ يَنْتَقِضْ بِهِ لَكَانَ مَا فَرَضْنَاهُ نَاقِضًا لِلْوُضُوءِ لَمْ يَكُنْ نَاقِضًا لَهُ بَلْ نَاقِضًا لِبَعْضِهِ هَذَا خَلَفٌ، وَكَذَا يَنْقُضُهُ نَزْعُ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ بِخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ بَدَنِ الْإِنْسَانِ كَانَ مُمْتَنِعَ الْعَمَلِ بِوُجُودِ الْمَانِعِ وَهُوَ الْخُفُّ، وَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ سَرَى الْحَدَثُ إلَى الْقَدَمِ وَعَمِلَ عَمَلَهُ، وَهَذَا كَمَا تَرَى عَلَى طَرِيقَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ وَالْمُخَلِّصُ مَعْلُومٌ، وَكَذَا نَزْعُ أَحَدِهِمَا يَنْقُضُ الْمَسْحَ يُوجِبُ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ فِي وَظِيفَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ،
стр. 149
(وَكَذَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ) لِمَا رَوَيْنَا (وَإِذَا تَمُتْ الْمُدَّةُ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ وَصَلَّى وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ) وَكَذَا إذَا نَزَعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ لِأَنَّ عِنْدَ النَّزْعِ يَسْرِي الْحَدَثُ السَّابِقُ إلَى الْقَدَمَيْنِ كَأَنَّهُ لَمْ يَغْسِلْهُمَا، وَحُكْمُ النَّزْعِ يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ لِأَنَّهُ
وَقَيَّدَ بِالْوَاحِدَةِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي غَيْرِهَا يَجْتَمِعَانِ كَغَسْلِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ وَالرِّجْلَيْنِ (وَكَذَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ لِمَا رَوَيْنَا) مِنْ رِوَايَةِ صَفْوَانَ: أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَوْ غَسَلَ قَدَمَيْهِ وَلَبِسَ خُفَّيْهِ ثُمَّ نَزَعَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ فَكَذَا هَذَا.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْغَسْلِ شَرْعًا فِي وَقْتٍ مُقَدَّرٍ، فَإِذَا مَضَى لَا يَقُومُ مَقَامَهُ كَطَهَارَةِ الْمُتَيَمِّمِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا تَمَّتْ الْمُدَّةُ) قِيلَ هُوَ تَكْرَارٌ؛ لِأَنَّهُ عُلِمَ حُكْمُهُ مِنْ قَوْلِهِ وَكَذَا مُضِيُّ الْمُدَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ ذَكَرَهُ تَمْهِيدًا لِمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ نَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إلَى آخِرِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الرِّجْلَيْنِ قَدْ انْتَقَضَتْ بِمُضِيِّ مُدَّةِ الْمَسْحِ وَانْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ مِمَّا لَا يَتَجَزَّأُ فَصَارَ كَالْمُنْتَقِضِ بِالْحَدَثِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدَثَ اسْمٌ لِخَارِجٍ نَجِسٍ وَالْمُضِيُّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا سَرَى حَدَثٌ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ لِلرِّجْلَيْنِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ غَسْلَ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ قَدْ وُجِدَ عَنْ ذَلِكَ سِوَاهُمَا فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُمَا ثَانِيًا مَا لَمْ يُوجَدْ الْحَدَثُ فِي حَقِّهِمَا، فَكَانَ هَذَا كَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَغْسِلْ رِجْلَيْهِ يَجِبُ غَسْلُهُمَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ فِي غَزْوَةٍ فَنَزَعَ خُفَّيْهِ وَغَسَلَ قَدَمَيْهِ وَلَمْ يُعِدْ الْوُضُوءَ. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا إذَا نَزَعَ قَبْلَ الْمُدَّةِ) مَعْنَاهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إعَادَةُ بَقِيَّةِ الْوُضُوءِ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ عِنْدَ النَّزْعِ) دَلِيلُ مُضِيِّ الْمُدَّةِ وَالنَّزْعُ قَبْلَ الْمُدَّةِ وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ آنِفًا فِي نَزْعِ الْخُفِّ، وَجَوَابُ الشَّافِعِيِّ، وَطُولِبَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا مَسَحَ الرَّأْسَ ثُمَّ حَلَقَ الشَّعْرَ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْمَسْحِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْ الرَّأْسِ خِلْقَةٌ فَمَسْحُهُ مَسْحُ الرَّأْسِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ مَانِعُ سِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَى مَا تَحْتَهُ شَرْعًا، فَإِذَا زَالَ سَرَى الْحَدَثُ إلَيْهِ (وَحُكْمُ النَّزْعِ) وَهُوَ النَّقْضُ (يَثْبُتُ بِخُرُوجِ الْقَدَمِ إلَى السَّاقِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الشَّأْنَ أَوْ السَّاقَ
стр. 150
لَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْحِ، وَكَذَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ هُوَ الصَّحِيحُ.
(وَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ قَبْلَ تَمَامِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ
عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ (لَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّ الْمَسْحِ)؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لَهُ، وَمَا لَا مُعْتَبَرَ بِهِ فِي حَقِّهِ فَالْخُرُوجُ إلَيْهِ نَاقِضٌ كَخُرُوجِهَا مِنْ الْخُفِّ.
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا بِأَكْثَرِ الْقَدَمِ) أَيْ يَثْبُتُ حُكْمُ النَّزْعِ بِخُرُوجِ أَكْثَرِ الْقَدَمِ إلَى سَاقِ الْخُفِّ (هُوَ الصَّحِيحُ) هَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ خُرُوجِ الْقَلِيلِ مُتَعَذِّرٌ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَحْصُلُ دُونَ الْقَصْدِ كَمَا إذَا كَانَ الْخُفُّ وَاسِعًا إذَا رَفَعَ الْقَدَمَ يَخْرُجُ الْعَقِبُ، وَإِذَا وَضَعَهَا عَادَتْ الْعَقِبُ إلَى مَكَانِهَا، فَلَوْ قُلْنَا بِنَقْضِ الْمَسْحِ فِي مِثْلِهِ وَقَعَ النَّاسُ فِي الْحَرَجِ، بِخِلَافِ الْكَثِيرِ فَإِنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْهُ لَيْسَ بِمُتَعَذِّرٍ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا خَرَجَ أَكْثَرُ الْعَقِبِ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى السَّاقِ بَطَلَ مَسْحُهُ: يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ إذَا بَدَا لَهُ نَزْعُ الْخُفِّ فَحَرَّكَهُ لِلنَّزْعِ حَتَّى زَالَ عَقِبُهُ. وَأَمَّا إذَا زَالَ بِاعْتِبَارِ سَعَةِ الْخُفِّ لَمْ يَبْطُلْ إجْمَاعًا دَفْعًا لِلْحَرَجِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِهِ أَنَّ الْمَسْحَ إنَّمَا يَبْقَى بِبَقَاءِ مَحَلِّ الْغَسْلِ فِي الْخُفِّ وَلَمْ يَبْقَ بِزَوَالِ الْعَقِبِ أَوْ أَكْثَرِهَا إلَى السَّاقِ فَلَا يَبْقَى الْمَسْحُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ بَقِيَ فِي الْخُفِّ مِنْ الْقَدَمِ قَدْرُ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ جَازَ وَإِلَّا فَلَا: يَعْنِي إذَا قَصَدَ النَّزْعَ كَمَا ذَكَرْنَا اُعْتُبِرَ فِي ذَلِكَ بَقَاءُ مِقْدَارِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ مَا سِوَاهُ كَلَا خُرُوجٍ.
قَالَ (وَمَنْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ وَهُوَ مُقِيمٌ فَسَافَرَ) هَذِهِ عَلَى أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ: فِي وَجْهٍ تَتَحَوَّلُ مُدَّتُهُ إلَى مُدَّةِ السَّفَرِ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا سَافَرَ قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِضَ الطَّهَارَةُ الَّتِي لَبِسَ عَلَيْهَا الْخُفَّيْنِ وَانْتَقَضَتْ الطَّهَارَةُ وَهُوَ مُسَافِرٌ فَإِنَّهُ تَتَحَوَّلُ مُدَّتُهُ إلَى مُدَّةِ السَّفَرِ بِالِاتِّفَاقِ.
وَفِي وَجْهٍ لَا تَتَحَوَّلُ مُدَّتُهُ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا سَافَرَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ وَبَعْدَمَا اسْتَكْمَلَ مُدَّةَ الْمُقِيمِ. وَفِي وَجْهٍ وَهُوَ مَا إذَا سَافَرَ
стр. 151
مَسَحَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهَا) عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ آخِرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَكْمَلَ الْمُدَّةَ لِلْإِقَامَةِ ثُمَّ سَافَرَ لِأَنَّ الْحَدَثَ قَدْ سَرَى إلَى الْقَدَمِ وَالْخُفُّ لَيْسَ بِرَافِعٍ (وَلَوْ أَقَامَ وَهُوَ مُسَافِرٌ إنْ اسْتَكْمَلَ مُدَّةَ الْإِقَامَةِ نَزَعَ) لِأَنَّ رُخْصَةَ السَّفَرِ لَا تَبْقَى بِدُونِهِ (وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ أَتَمَّهَا) لِأَنَّ هَذِهِ مُدَّةُ الْإِقَامَةِ وَهُوَ مُقِيمٌ.
قَالَ (وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ فَوْقَ الْخُفِّ مَسَحَ عَلَيْهِ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ.
بَعْدَمَا أَحْدَثَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ مُدَّةِ الْمُقِيمِ تَتَحَوَّلُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ: الْمَسْحُ عِبَادَةٌ شَرَعَ فِيهَا عَلَى حُكْمِ الْإِقَامَةِ، وَكُلُّ عِبَادَةٍ شَرَعَ فِيهَا عَلَى حُكْمِ الْإِقَامَةِ لَا تَتَغَيَّرُ بِالسَّفَرِ كَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ، وَكَمَا إذَا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ فِي سَفِينَةٍ فِي الْمِصْرِ ثُمَّ تَسِيرُ السَّفِينَةُ فَلَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهَا لَا تَتَغَيَّرُ؛ لِأَنَّ حَالَ الْإِقَامَةِ حَالُ الْعَزِيمَةِ وَحَالُ السَّفَرِ حَالُ رُخْصَةٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي عِبَادَةٍ غَلَبَتْ الْعَزِيمَةُ عَلَى الرُّخْصَةِ. وَلَنَا إطْلَاقُ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مُسَافِرٍ وَمُسَافِرٍ فَيَمْسَحُ كَسَائِرِ الْمُسَافِرِينَ؛ وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ يُعْتَبَرُ فِيهِ آخِرُ الْوَقْتِ كَالْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ فِيهِ تَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ.
وَالطَّاهِرَةُ إذَا حَاضَتْ فِيهِ سَقَطَتْ عَنْهَا، وَالْمُسَافِرُ إذَا أَقَامَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَتَمَّ، وَالْمُقِيمُ إذَا سَافَرَ فِيهِ قَصَرَ وَلَيْسَ كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَا يَتَجَزَّآنِ، فَبِاعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ فِي أَوَّلِ الصَّوْمِ لَا يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ، وَبِاعْتِبَارِ السَّفَرِ فِي آخِرِهِ يُبَاحُ فَيَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْحُرْمَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ يَتَرَجَّحُ جَانِبُ الْإِقَامَةِ لِلِاحْتِيَاطِ. وَأَمَّا الْوَقْتُ فَمَا يَتَجَزَّأُ فَلَمْ يَجْتَمِعْ الْإِقَامَةُ وَالسَّفَرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ لِلْمَوْجُودِ وَهُوَ السَّفَرُ. وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا إذَا اسْتَكْمَلَ إلَخْ) ظَاهِرٌ.
قَالَ (وَمَنْ لَبِسَ الْجُرْمُوقَ) يَعْنِي قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ (مَسَحَ عَلَيْهِ) وَالْجُرْمُوقُ: مَا يُلْبَسُ فَوْقَ الْخُفِّ وَسَاقُهُ أَقْصَرُ مِنْ الْخُفِّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ لَا يُمْسَحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ بَدَلُ الرِّجْلِ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ: يَعْنِي بِالرَّأْيِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلَيْنِ لَا غَيْرُ، فَتَجْوِيزُ الْمَسْحِ عَلَى
стр. 152
وَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ» وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالًا وَغَرَضًا فَصَارَا كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الْخُفِّ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَبِسَ الْجُرْمُوقَ بَعْدَمَا أَحْدَثَ لِأَنَّ الْحَدَثَ حَلَّ بِالْخُفِّ فَلَا يَتَحَوَّلُ إلَى غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسَ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ إلَّا أَنْ تَنْفُذَ الْبَلَّةُ إلَى الْخُفِّ.
(وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إلَّا أَنْ يَكُونَا مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعَّلَيْنِ،
الْجُرْمُوقِ إقَامَةُ بَدَلٍ عَنْهُ بِالرَّأْيِ وَهُوَ لَا يَجُوزُ.
وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ «عُمَرَ قَالَ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ» وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ عَلَى الْجُرْمُوقَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلْخُفِّ اسْتِعْمَالًا وَغَرَضًا، أَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَإِنَّهُ يَدُورُ مَعَ الْخُفِّ مَشْيًا وَقِيَامًا وَقُعُودًا وَارْتِفَاعًا وَانْخِفَاضًا، وَأَمَّا الْغَرَضُ فَإِنَّهُ وِقَايَةٌ لِلْخُفِّ كَمَا أَنَّ الْخُفَّ وِقَايَةٌ لِلرِّجْلِ فَصَارَ كَخُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ. قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَّا وَجَبَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عِنْدَ نَزْعِ الْجُرْمُوقَيْنِ كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ ذِي طَاقَيْنِ ثُمَّ نَزَعَ أَحَدَ طَاقَيْهِ أَوْ كَانَ الْخُفُّ مُشْعِرًا فَمَسَحَ عَلَيْهِ ثُمَّ حَلَقَ الشَّعْرَ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ الْمَسْحِ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْجُرْمُوقِ لَيْسَ بِتَبَعٍ مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَبِسَهُ مُنْفَرِدًا جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ وَتَبِعَ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِعْمَالُ وَالْغَرَضُ كَمَا ذَكَرْنَا فَإِذَا لَبِسَهُ عَلَى الْخُفِّ صَارَ تَابِعًا وَكَانَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ، وَإِذَا زَالَ بِالنَّزْعِ زَالَتْ التَّبَعِيَّةُ وَحَلَّ الْحَدَثُ مَا تَحْتَهُ فَيَجِبُ إعَادَةُ الْمَسْحِ. وَأَمَّا طَاقَاتُ الْخُفِّ فَلِشِدَّةِ اتِّصَالِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ كَانَا كَالشَّعْرِ مَعَ الْبَشَرَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَى الرَّأْسِ ثُمَّ حَلَقَهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ.
وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ لَا عَنْ الْخُفِّ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ الْخَصْمِ الْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بَدَلُ الْخُفِّ وَإِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْ الرِّجْلِ كَالْخُفِّ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ لَمْ يَنْعَقِدْ فِيهِ حُكْمُ الْمَسْحِ بَعْدُ، قِيلَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ عِنْدَ نَزْعِهِمَا كَمَا فِي نَزْعِ الْخُفَّيْنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَكَانَ بَدَلَ الْخُفِّ وَلَزِمَ بَدَلُ الْبَدَلِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ بَدَلُ الرِّجْلِ مَا لَمْ يَحِلَّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ، فَإِذَا نُزِعَ زَالَتْ الْبَدَلِيَّةُ مِنْهُ وَحَلَّ الْحَدَثُ بِالْخُفِّ فَكَانَ الْخُفُّ بَدَلًا عَنْ الرِّجْلِ إذْ ذَاكَ وَلَزِمَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ الْجُرْمُوقُ مِنْ كِرْبَاسَ) ظَاهِرٌ.
قَالَ (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) الْمَسْحُ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ مُنَعَّلَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ وَهُوَ أَلَّا يَكُونَا ثَخِينَيْنِ وَلَا مُنَعَّلَيْنِ، وَفِي وَجْهٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لِصَاحِبَيْهِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَا ثَخِينَيْنِ غَيْرَ مُنَعَّلَيْنِ.
стр. 153
وَقَالَا: يَجُوزُ إذَا كَانَا ثَخِينَيْنِ لَا يَشِفَّانِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ»، وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ إذَا كَانَ ثَخِينًا، وَهُوَ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْبَطَ بِشَيْءٍ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ. وَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْخُفِّ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ إلَّا إذَا كَانَ مُنَعَّلًا وَهُوَ مَحْمَلُ الْحَدِيثِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ رَجَعَ إلَى قَوْلِهِمَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ وَالْبُرْقُعِ وَالْقُفَّازَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالرُّخْصَةُ لَدَفْعِ الْحَرَجِ.
(وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ
يُقَالُ جَوْرَبٌ مُنَعَّلٌ وَمُنْعَلٌ إذَا وُضِعَ عَلَى أَسْفَلِهِ جِلْدَةٌ كَالنَّعْلِ لِلْقَدَمِ وَالْمُجَلَّدُ هُوَ الَّذِي وُضِعَ الْجِلْدُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ.
وَقَوْلُهُ: (لَا يَشِفَّانِ) تَأْكِيدٌ لِلثَّخَانَةِ، مِنْ شَفَّ الثَّوْبُ: إذَا رَقَّ حَتَّى رَأَيْت مَا وَرَاءَهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ. لَهُمَا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ»؛ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ فِيهِ إذَا كَانَ ثَخِينًا بِحَيْثُ يَسْتَمْسِكُ عَلَى السَّاقِ مِنْ غَيْرِ الرَّبْطِ فَأَشْبَهَ الْخُفَّ فَيَلْحَقُ بِهِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِلْحَاقَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ يُمْكِنُ مُوَاظَبَةُ الْمَشْيِ فِيهِ دُونَ الْجَوْرَبِ إلَّا إذَا كَانَ مُنَعَّلًا وَهُوَ مَحْمَلُ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى، عَلَى أَنَّ أَبَا دَاوُد طَعَنَ فِيهِ وَقَالَ: لَيْسَ بِالْمُتَّصِلِ وَلَا بِالْقَوِيِّ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى جَوْرَبَيْهِ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ قَالَ لِعُوَّادِهِ: فَعَلْت مَا كُنْت أَمْنَعُ النَّاسَ عَنْهُ. فَاسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى رُجُوعِهِ إلَى قَوْلِهِمَا، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. قَوْلُهُ: (وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ إلَخْ) فِيهِ نَفْيُ قَوْلِ مَنْ يُجَوِّزُ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَأَهْلِ الظَّاهِرِ قَالُوا صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ. وَقُلْنَا الْمَسْحُ عَلَى الْخُفِّ ثَبَتَ رُخْصَةً لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَلَا حَرَجَ فِي نَزْعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَالتَّمَسُّكُ بِالْحَدِيثِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ يَقْتَضِي عَدَمَ جَوَازِ مَسْحِ غَيْرِ الرَّأْسِ، وَالْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ يَكُونُ زِيَادَةً عَلَيْهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَهُوَ نَسْخٌ فَلَا يَجُوزُ أَوْ هُوَ مَنْسُوخٌ.
قَالَ مُحَمَّدٌ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، قَالَ حَدَّثَنَا نَافِعٌ، قَالَ رَأَيْت صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ تَتَوَضَّأُ وَتَنْزِعُ خِمَارَهَا ثُمَّ تَمْسَحُ بِرَأْسِهَا، قَالَ نَافِعٌ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ صَغِيرٌ، قَالَ مُحَمَّدٌ: بِهَذَا نَأْخُذُ لَا نَمْسَحُ عَلَى خِمَارٍ وَلَا عَلَى عِمَامَةٍ، بَلَغَنَا أَنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْعِمَامَةِ كَانَ فَتُرِكَ. وَالْقُفَّازُ بِالضَّمِّ وَالتَّشْدِيدِ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ يُحْشَى بِالْقُطْنِ وَيَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تَزِرُّ عَلَى السَّاعِدَيْنِ مِنْ الْبَرْدِ تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدَيْهَا، كَذَا فِي الصِّحَاحِ.
وَقَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ) قَالَ قَاضِي خَانْ: هَذَا إذَا كَانَ يَضُرُّهُ الْمَسْحُ عَلَى الْجِرَاحَةِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَضُرَّهُ فَلَا يَمْسَحُ عَلَى الْجَبَائِرِ،
стр. 154
وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ) لِأَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا بِهِ، وَلِأَنَّ الْحَرَجَ فِيهِ فَوْقَ الْحَرَجِ فِي نَزْعِ الْخُفِّ فَكَانَ أَوْلَى بِشَرْعِ الْمَسْحِ، وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا ذَكَرَهُ الْحَسَنُ ﵁،
وَالْجَبَائِرُ جَمْعُ جَبِيرَةٍ وَهِيَ الْعِيدَانُ الَّتِي تُجْبَرُ بِهَا الْعِظَامُ، وَإِنَّمَا قَالَ (وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ)؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تُرْبَطُ حَالَةَ الضَّرُورَةِ، وَاشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا قَالَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ وَأَمَرَ عَلِيًّا بِهِ حِينَ كُسِرَ زَنْدُهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَقِيلَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَإِنَّهُ كَانَ حَامِلَ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكُسِرَ زَنْدُهُ وَسَقَطَ اللِّوَاءُ مِنْ يَدِهِ، فَقَالَ ﵊ اجْعَلُوهَا فِي يَسَارِهِ فَإِنَّهُ صَاحِبُ لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَقَالَ مَا أَصْنَعُ بِالْجَبَائِرِ فَقَالَ ﵊: امْسَحْ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْغَاسِلِ وَغَيْرِهِ».
وَ (قَوْلُهُ: وَلِأَنَّ الْحَرَجَ فِيهِ ظَاهِرٌ) وَأَرَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ وَيَجُوزُ الْمَسْحُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَسْحَ الْجَبَائِرِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَلَا وَاجِبٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ اخْتَلَفَتْ. فَقَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالتَّجْرِيدِ: الْمَسْحُ عَلَى الْجَبَائِرِ لَيْسَ بِفَرْضٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَفِي الْمُحِيطِ وَاجِبٌ عِنْدَهُ وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ خِلَافًا لَهُمَا، قَالَا أَمَرَ عَلِيًّا بِهِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَقَالَ: الْمَسْحُ يَقُومُ مَقَامَ غَسْلِ مَا تَحْتَهَا وَغَسْلُ مَا تَحْتَهَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، فَكَذَا الْمَسْحُ، وَهَذَا يُرْشِدُ إلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ.
وَقَوْلُهُ: (وَيَكْتَفِي بِالْمَسْحِ عَلَى أَكْثَرِهَا) لَمْ يَذْكُرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَى بَعْضِ الْجَبَائِرِ دُونَ بَعْضٍ هَلْ يُجْزِيهِ أَوْ لَا. وَذَكَرَ فِي أَمَالِي الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ إذَا مَسَحَ عَلَى الْأَكْثَرِ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ مَسَحَ عَلَى النِّصْفِ لَا يُجْزِيهِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مِسْحِ الرَّأْسِ وَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ حَيْثُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِمَا الْأَكْثَرُ أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ شُرِعَ بِالْكِتَابِ وَالْبَاءُ دَخَلَتْ الْمَحَلَّ فَأَوْجَبَتْ تَبْعِيضَهُ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَالْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ إنْ كَانَ بِالْكِتَابِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ بِالسُّنَّةِ فَهِيَ أَوْجَبَتْ مَسْحَ الْبَعْضِ، فَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى
стр. 155
وَلَا يَتَوَقَّتُ لِعَدَمِ التَّوْقِيتِ بِالتَّوْقِيتِ (وَإِنْ سَقَطَتْ الْجَبِيرَةُ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَا يَبْطُلُ الْمَسْحُ) لِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا (وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْجَبَائِرِ فَإِنَّمَا ثَبَتَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُنْبِئُ عَنْ الْبَعْضِ، إلَّا أَنَّ الْقَلِيلَ سَقَطَ اعْتِبَارُهُ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَأُقِيمَ الْأَكْثَرُ مَقَامَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَتَوَقَّتُ) بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ مَسْحِ الْخُفِّ وَمَسْحِ الْجَبِيرَةِ وَذَلِكَ بِأُمُورٍ: مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَإِنْ شَدَّهَا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَإِنَّ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفِّ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّتُ بِوَقْتٍ مُقَدَّرٍ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ بِالتَّوْقِيتِ حَيْثُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ أَثَرٌ وَلَا خَبَرٌ، وَالْمَقَادِيرُ لَا تُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا فَيُمْسَحُ إلَى وَقْتِ الْبُرْءِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْجَبِيرَةَ إنْ سَقَطَتْ عَنْ غَيْرِ بُرْءٍ لَمْ يَبْطُلُ الْمَسْحُ، بِخِلَافِ الْخُفِّ فَإِنَّهُ إذَا نُزِعَ بَطَلَ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الْعُذْرَ قَائِمٌ وَالْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْغَسْلِ لِمَا تَحْتَهَا مَا دَامَ الْعُذْرُ بَاقِيًا حَتَّى لَوْ مَسَحَ عَلَى جَبِيرَةِ إحْدَى الرِّجْلَيْنِ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى خُفِّ الرِّجْلِ الْأُخْرَى لِئَلَّا يَكُونَ جَامِعًا بَيْنَ الْغَسْلِ حُكْمًا وَبَيْنَ الْمَسْحِ، وَإِنْ سَقَطَتْ عَنْ بُرْءٍ بَطَلَ لِزَوَالِ الْعُذْرِ، وَإِنْ كَانَ سُقُوطُهَا فِي الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ؛ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ قَبْلَ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِالْبَدَلِ فَصَارَ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ
стр. 156
بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ
(أَقَلُّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ)
فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُهَا كَذَلِكَ.
قِيلَ يُشْكِلُ عَلَى هَذَا مَا إذَا صَلَّى رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّحَرِّي ثُمَّ تَبَيَّنَتْ جِهَةُ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ يَبْنِي وَلَا يَسْتَقْبِلُ مَعَ أَنَّ جِهَةَ التَّحَرِّي بَدَلٌ عَنْ جِهَةِ الْكَعْبَةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النَّسْخِ لِمَا قَبْلَهُ لِمَا أَنَّ أَصْلَهُ كَانَ بِطَرِيقِ النَّسْخِ فَيَبْقَى فِي حَقِّ الْمُتَحَرِّي كَذَلِكَ وَالنَّسْخُ يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَائِمِ لَا فِي حَقِّ الْفَائِتِ فَلِذَلِكَ يَبْنِي وَلَا يَسْتَقْبِلُ
(بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ)
اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي التَّعْبِيرِ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ بِأَنَّهُمَا مِنْ الْأَحْدَاثِ أَوْ الْأَنْجَاسِ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الثَّانِي، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ الْأَنْسَبُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَقُولُ بَعْدَ هَذَا بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا. وَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْأَحْدَاثِ الَّتِي يَكْثُرُ وُقُوعُهَا ذَكَرَ مَا هُوَ أَقَلُّ وُقُوعًا مِنْهُ وَلَقَّبَ الْبَابَ بِالْحَيْضِ دُونَ النِّفَاسِ لِكَثْرَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ حَالَةً مَعْهُودَةً فِي بَنَاتِ آدَمَ دُونَ النِّفَاسِ. وَالْحَيْضُ لُغَةً، هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ، وَمِنْهُ حَاضَتْ الْأَرْنَبُ، وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: هُوَ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ الْمَرْأَةِ السَّلِيمَةِ عَنْ الدَّاءِ وَالصِّغَرِ. قَوْلُهُ: السَّلِيمَةُ عَنْ الدَّاءِ احْتِرَازٌ عَنْ النِّفَاسِ، وَقَوْلُهُ: وَالصِّغَرِ احْتِرَازٌ عَمَّا تَرَاهُ الصَّغِيرَةُ، وَشَرْطُهُ تَقَدُّمُ نِصَابِ الطُّهْرِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا وَفَرَاغُ الرَّحِمِ عَنْ الْحَبَلِ (أَقَلُّ الْحَيْضِ) أَيْ أَقَلُّ مُدَّتِهِ (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَمَا نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ) عِنْدَنَا، وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَوْمَانِ وَأَكْثَرُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَقَالَ مَالِكٌ: مَا يُوجَدُ وَلَوْ بِسَاعَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ. وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ
стр. 157
لِقَوْلِهِ ﵊ «أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَوْمَانِ وَالْأَكْثَرُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ إقَامَةٌ لِلْأَكْثَرِ مَقَامَ الْكُلِّ. قُلْنَا هَذَا نَقْصٌ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَالزَّائِدُ اسْتِحَاضَةٌ) لِمَا رَوَيْنَا،
وَعَائِشَةُ وَوَائِلَةُ وَأَنَسٌ وَابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «أَقَلُّ الْحَيْضِ لِلْجَارِيَةِ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ» وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالْمَرْوِيُّ عَنْهُمْ كَالْمَرْوِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ قِيَاسًا. وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الدَّمَ لَا يَسِيلُ عَلَى الدَّوَامِ بَلْ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى فَيُقَامُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ وَهُوَ سَبْعٌ وَسِتُّونَ سَاعَةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي النَّوَادِرِ مَقَامَ الْكَمَالِ. وَلِمَالِكٍ أَنَّ هَذَا نَوْعُ حَدَثٍ فَلَا يُقَدَّرُ أَقَلُّهُ شَيْءٌ كَسَائِرِ الْأَحْدَاثِ. وَلِلشَّافِعِيِّ أَنَّ السَّيَلَانَ لَمَّا اسْتَوْعَبَ جَمِيعَ السَّاعَاتِ عَرَفْنَا أَنَّ الدَّمَ مِنْ الرَّحِمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الِاسْتِظْهَارِ بِشَيْءٍ آخَرَ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ نَقَصَ عَنْ تَقْدِيرِ الشَّرْعِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ (وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا، وَالزَّائِدُ عَلَيْهَا اسْتِحَاضَةٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي نُقْصَانِ دِينِ الْمَرْأَةِ «تَقْعُدُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمُرِهَا لَا تَصُومُ وَلَا تُصَلِّي» وَالْمُرَادُ بِهِ زَمَنُ الْحَيْضِ، وَالشَّطْرُ هُوَ النِّصْفُ. وَلَنَا مَا رَوَيْنَا مِنْ قَوْلِهِ ﵊ «وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةُ
стр. 158
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي التَّقْدِيرِ بِخَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا ثُمَّ الزَّائِدُ وَالنَّاقِصُ اسْتِحَاضَةٌ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ
(وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ) حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ خَالِصًا
أَيَّامٍ» وَلِأَنَّ تَقْدِيرَ الشَّرْعِ يَمْنَعُ إلْحَاقَ غَيْرِهِ بِهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالشَّطْرِ حَقِيقَتَهُ؛ لِأَنَّ فِي عُمُرِهَا زَمَانَ الصِّغَرِ وَمُدَّةَ الْحَبَلِ وَزَمَانَ الْإِيَاسِ وَهِيَ لَا تَحِيضُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُقَارِبُ الشَّطْرَ حَيْضًا، وَإِذَا قَدَّرْنَا بِالْعَشَرَةِ بِهَذِهِ الْآثَارِ كَانَ مُقَارِبًا بِالشَّطْرِ وَحَصَلَ التَّوْفِيقُ. وَمِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ الْتَزَمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّطْرِ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ النِّصْفُ وَقَالَ هُوَ حَاصِلٌ فِيمَا قُلْنَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا بَلَغَتْ لِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ حَاضَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ مَاتَتْ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً كَانَتْ تَارِكَةً لِلصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ شَطْرَ عُمُرِهَا.
(قَوْلُهُ: وَمَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ) بَيَانُ أَلْوَانِهِ وَهِيَ سِتَّةٌ: السَّوَادُ وَالْحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ وَالْخُضْرَةُ وَالتُّرْبِيَّةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ السَّوَادَ؛ لِأَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِي كَوْنِهِ حَيْضًا لِقَوْلِهِ ﷺ «دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ عَبِيطٌ مُحْتَدِمٌ» أَيْ طَرِيٌّ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ يَضْرِبُ إلَى السَّوَادِ، وَأَمَّا الْحُمْرَةُ فَهِيَ اللَّوْنُ الْأَصْلِيُّ لِلدَّمِ، إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ غَلَبَةِ السَّوْدَاءِ يَضْرِبُ إلَى السَّوَادِ، وَعِنْدَ غَلَبَةِ الصَّفْرَاءِ يَرِقُّ فَيَضْرِبُ لِلصُّفْرَةِ، وَيَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لِمَنْ افْتَصَدَ، فَالصُّفْرَةُ أَيْضًا مِنْ أَلْوَانِ الدَّمِ إذَا رَقَّ، وَقِيلَ هِيَ كَصُفْرَةِ التِّبْنِ أَوْ كَصُفْرَةِ الْقَزِّ.
وَأَمَّا الْكُدْرَةُ فَلَوْنُهَا
стр. 159
(وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: لَا تَكُونُ الْكُدْرَةُ حَيْضًا إلَّا بَعْدَ الدَّمِ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الرَّحِمِ لَتَأَخَّرَ خُرُوجُ الْكَدِرِ عَنْ الصَّافِي. وَلَهُمَا مَا رَوَى أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ مَا سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ حَيْضًا وَهَذَا لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا
كَلَوْنِ الْمَاءِ الْمُكَدَّرِ وَهِيَ حَيْضٌ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ حَتَّى تَرَى الْبَيَاضَ خَالِصًا سَوَاءٌ رَأَتْ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْحَيْضِ أَوْ فِي آخِرِهَا (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تَكُونُ الْكُدْرَةُ حَيْضًا إلَّا بَعْدَ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ الرَّحِمِ لَتَأَخَّرَ خُرُوجُ الْكَدِرِ عَنْ الصَّافِي)؛ لِأَنَّ الْكُدْرَةَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ تَتَّبِعُ صَافِيَهُ فَلَوْ جَعَلْنَاهَا حَيْضًا وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهَا دَمٌ كَانَتْ مَقْصُودَهُ لَا تَبَعًا.
(وَلَهُمَا مَا رُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ جَعَلَتْ مَا سِوَى الْبَيَاضِ الْخَالِصِ حَيْضًا) حَدَّثَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَى عَائِشَةَ بِالدَّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ يَسْأَلْنَهَا عَنْ الصَّلَاةِ فَتَقُولُ لَهُنَّ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ. وَالْقَصَّةَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ: شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنْ أَقْبَالِ النِّسَاءِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ شِبْهَ الْخَيْطِ الْأَبْيَضِ، وَقِيلَ هِيَ الْجِصُّ شُبِّهَتْ الرُّطُوبَةُ الصَّافِيَةُ بَعْدَ الْحَيْضِ بِالْجِصِّ: يَعْنِي تَخْرُجُ الْخِرْقَةُ الَّتِي تَحْشِي بِهَا كَالْجِصِّ الْأَبْيَضِ، قِيلَ وَيُعْتَبَرُ اللَّوْنُ حِينَ تَرْفَعُ الْخِرْقَةَ وَهِيَ طَرِيَّةٌ لَا بَعْدَ الْجَفَافِ؛ لِأَنَّ اللَّوْنَ يَتَغَيَّرُ بِالْأَسْبَابِ، وَهَذَا يَعْنِي مَا فَعَلَتْ عَائِشَةُ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ: ﷺ «دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ عَبِيطٌ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِحَيْضٍ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ فِعْلِ عَائِشَةَ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِهِ.
أُجِيبَ بِأَنَّهُ مِنْ
стр. 160
وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ فَيَخْرُجُ الْكَدْرُ أَوَّلًا كَالْجَرَّةِ إذَا ثُقِبَ أَسْفَلُهَا، وَأَمَّا الْخُضْرَةُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ تَكُونُ حَيْضًا وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْغِذَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً لَا تَرَى غَيْرَ الْخُضْرَةِ تُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْمَنْبَتِ فَلَا تَكُونُ حَيْضًا
(وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ عَنْ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهَا الصَّوْمَ وَتَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ)
بَابِ تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ. وَقَوْلُهُ: (وَفَمُ الرَّحِمِ مَنْكُوسٌ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِتَأَخُّرِ خُرُوجِ الْكَدِرِ عَنْ الصَّافِي وَكَأَنَّهُ قَوْلٌ بِالْمُوجِبِ: أَيْ نَعَمْ هُوَ كَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَخْرَجُ مِنْ أَسْفَلَ. أَمَّا إذَا كَانَ كَالْجَرَّةِ ثُقِبَ أَسْفَلُهَا فَإِنَّ الْكُدْرَةَ تَخْرُجُ أَوَّلًا، وَأَمَّا الْخُضْرَةُ فَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا وُجُودَهَا. وَقَالَ مُسْتَبْعِدًا كَأَنَّهَا أَكَلَتْ فَصِيلًا. وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ أَنَّ الْخُضْرَةَ نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ كَانَتْ حَيْضًا، وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْغِذَاءِ كَأَنَّهَا أَكَلَتْ غِذَاءً فَاسِدًا) أَفْسَدَ صُورَةَ دَمِهَا (وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً) أَيْ آيِسَةً وَهِيَ أَنْ تَكُونَ فِي خَمْسٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَقِيلَ فِي خَمْسِينَ، وَقِيلَ فِي سَبْعِينَ لَا يَكُونُ حَيْضًا وَيُحْمَلُ عَلَى فَسَادِ الْمَنْبَتِ فَإِنَّ الدَّمَ فِي الْأَصْلِ لَا يَكُونُ أَخْضَرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ التُّرْبِيَّةَ وَهِيَ مَا يَكُونُ لَوْنُهُ كَلَوْنِ التُّرَابِ وَهِيَ نِسْبَةٌ إلَى التُّرَابِ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْكُدْرَةِ فَهِيَ عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ.
وَرُوِيَ التَّبْرِئَةُ بِوَزْنِ التَّرْبِعَةِ وَالتُّرْبِيَّةُ بِوَزْنِ التَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ لَوْنٌ خَفِيٌّ يَسِيرٌ أَقَلُّ مِنْ صُفْرَةٍ وَكُدْرَةٍ، وَقِيلَ هِيَ مِنْ التُّرْبَةِ؛ لِأَنَّهَا عَلَى لَوْنِهَا، وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَانَ الْحَيْضِ. وَاخْتَلَفُوا فِي أَدْنَى مُدَّةٍ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِيهَا. قَالَ أَبُو نَصْرٍ بْنُ سَلَّامٍ: بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ إذَا رَأَتْ الدَّمَ وَتَمَادَى بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرَهُ بِسَبْعِ سِنِينَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَدَّرَهُ بِتِسْعِ سِنِينَ، وَأَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ قَدَّرَهُ بِثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ عَلَى مَا قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ.
قَالَ (وَالْحَيْضُ يُسْقِطُ عَنْ الْحَائِضِ الصَّلَاةَ) هَذَا بَيَانُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا: إنَّهَا اثْنَا عَشَرَ: ثَمَانِيَةٌ يَشْتَرِكُ فِيهَا الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ وَأَرْبَعَةٌ مُخْتَصَّةٌ بِالْحَيْضِ دُونَ النِّفَاسِ، فَأَمَّا الثَّمَانِيَةُ: فَتَرْكُ الصَّلَاةِ لَا إلَى قَضَاءٍ، وَتَرْكُ الصَّوْمِ إلَى قَضَاءٍ، وَحُرْمَةُ الدُّخُولِ فِي الْمَسْجِدِ، وَحُرْمَةُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَحُرْمَةُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَحُرْمَةُ مَسِّ الْمُصْحَفِ بِدُونِ الْغِلَافِ، وَحُرْمَةُ جِمَاعِهَا، وَالثَّامِنُ وُجُوبُ الْغُسْلِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ.
وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ: الْمَخْصُوصَةُ بِالْحَيْضِ، فَانْقِضَاءُ الْعِدَّةِ، وَالِاسْتِبْرَاءُ، وَالْحُكْمُ بِبُلُوغِهَا، وَالْفَصْلُ بَيْنَ طَلَاقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ. فَالسَّبْعَةُ الْأُولَى تَتَعَلَّقُ بِبُرُوزِ الدَّمِ عِنْدَهُمَا بِمُجَاوَزَتِهِ مَوْضِعَ الْبَكَارَةِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِالْإِحْسَاسِ بِالْبُرُوزِ، فَلَوْ تَوَضَّأَتْ وَوَضَعَتْ الْكُرْسُفَ ثُمَّ أَحَسَّتْ بِنُزُولِ الدَّمِ مِنْ الرَّحِمِ إلَى الْكُرْسُفِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ رَفَعَتْ الْكُرْسُفَ بَعْدَ غُرُوبِهَا فَالصَّوْمُ تَامٌّ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا تَقْضِيهِ.
وَالثَّامِنُ يَتَعَلَّقُ بِنِصَابِ الْحَيْضِ وَيَسْتَنِدُ إلَى ابْتِدَائِهِ، وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ تَتَعَلَّقُ بِانْقِضَائِهِ. قَوْلُهُ: (يَسْقُطُ) عَلَى مَذْهَبِ الْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لِأَنَّ
стр. 161
لِقَوْلِ «عَائِشَةَ ﵂: كَانَتْ إحْدَانَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ»، وَلِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا لِتَضَاعُفِهَا وَلَا حَرَجَ فِي قَضَاءِ الصَّوْمِ
(وَلَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ) وَكَذَا الْجُنُبُ لِقَوْلِهِ ﵊ «فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي إبَاحَةِ الدُّخُولِ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَالْمُرُورِ
عِنْدَهُ نَفْسَ الْوُجُوبِ ثَابِتٌ عَلَيْهَا كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِقِيَامِ الذِّمَّةِ الصَّالِحَةِ لِلْإِيجَابِ لَكِنْ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ يَسْقُطُ مَجَازًا لِلْمَنْعِ، وَإِنَّمَا قَالَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الصَّوْمُ وَلَمْ يَقُلْ يَسْقُطُ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يُقْضَى، قِيلَ الْمُبْتَدِئَةُ إذَا رَأَتْ دَمًا تَرَكَتْ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ عِنْدَ أَكْثَرِ مَشَايِخِ بُخَارَى، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لَا تَتْرُكُ حَتَّى يَسْتَمِرَّ الدَّمُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَتَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ لِقَوْلِ عَائِشَةَ فِيمَا رُوِيَ «أَنَّ امْرَأَةً سَأَلْت قَالَتْ: مَا بَالُ إحْدَانَا تَقْضِي صِيَامَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ كَانَتْ إحْدَانَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا طَهُرَتْ تَقْضِي الصِّيَامَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ». فَإِنْ قِيلَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ يَبْتَنِي عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْأَحْكَامِ فَكَيْفَ تَخَلَّفَ هَذَا الْحُكْمُ هَاهُنَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ ذَلِكَ لَكِنَّ هَذَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ فِي قَضَاءِ الصَّلَاةِ حَرَجًا) ظَاهِرٌ، وَعَدَمُ وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إلَى دَلِيلٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا الْمُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ قَضَاءُ الصِّيَامِ، وَقَدْ انْضَافَ إلَى النَّصِّ عَدَمُ اشْتِمَالِهِ عَلَى الْحَرَجِ فَوَجَبَ.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَكَذَا الْجُنُبُ) لِمَا ذُكِرَ فِي السُّنَنِ مُسْنَدًا إلَى عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «وُجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» (وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي إبَاحَتِهِ الدُّخُولَ عَلَى وَجْهِ الْعُبُورِ وَالْمُرُورِ) فَإِنَّهُ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الدُّخُولِ لِلْمُرُورِ وَبَيْنَهُ لِلْمُقَامِ فِيهِ وَلَا تَمَسُّكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى
стр. 162
(وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ
(وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
﴿وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ لِأَنَّ أَهْلَ التَّفْسِيرِ قَالُوا إلَّا هَاهُنَا بِمَعْنَى وَلَا أَوْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ حَقِيقَتُهَا إذْ الْكَلَامُ لِلْحَقِيقَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ أَيْ إلَّا مُسَافِرِينَ، وَالْمُسَافِرُ يُسَمَّى عَابِرًا فَيَكُونُ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا مُسَافِرِينَ فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُمْ الصَّلَاةُ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ بِالتَّيَمُّمِ، وَصُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ: مُسَافِرٌ مَرَّ بِمَسْجِدٍ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ لِدُخُولِ الْمَسْجِدِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: جَازَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ مُجْتَازًا.
قَوْلُهُ: (وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ)؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ قِيلَ فَإِذَا كَانَ الطَّوَافُ فِي الْمَسْجِدِ كَانَ الْحُكْمُ مَعْلُومًا مِنْ قَوْلِهِ: وَلَا تَدْخُلُ الْمَسْجِدَ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدُّخُولَ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الطَّهَارَةِ فَيُوهَمُ جَوَازَ الطَّوَافِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حَتَّى لَوْ طَافَتْ خَارِجَ الْمَسْجِدِ لَمْ يَجُزْ وَجَازَ لِلطَّاهِرَةِ، وَلَوْ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ كَانَ أَشْمَلَ لِتَنَاوُلِهِ حِينَئِذٍ الطَّوَافَ فِي الْمَسْجِدِ وَخَارِجَهُ وَأَدْفَعَ لِلسُّؤَالِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا) أَيْ لَا يَطَؤُهَا ظَاهِرٌ.
قَالَ
стр. 163
(وَلَيْسَ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَالنُّفَسَاءِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي الْحَائِضِ، وَهُوَ بِإِطْلَاقِهِ يَتَنَاوَلُ مَا دُونَ الْآيَةِ
وَلَيْسَ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ الْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ) فَإِنَّهُ يُجَوِّزُهَا لِلْحَائِضِ لِكَوْنِهَا مَعْذُورَةً مُحْتَاجَةً إلَى الْقِرَاءَةِ عَاجِزَةً عَنْ تَحْصِيلِ الطَّهَارَةِ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ بِالْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ (وَهُوَ) أَيْ الْحَدِيثُ (بِإِطْلَاقِهِ) أَيْ بِعُمُومِهِ؛ لِأَنَّ شَيْئًا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ (يَتَنَاوَلُ مَا دُونَ الْآيَةِ) فَتُمْنَعُ عَنْ قِرَاءَتِهِ كَالْآيَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الطَّحَاوِيِّ فِي إبَاحَةِ قِرَاءَةِ مَا دُونَ الْآيَةِ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ الْمُتَعَلِّقَ بِالْقُرْآنِ حُكْمَانِ: جَوَازُ الصَّلَاةِ، وَمَنْعُ الْحَائِضِ عَنْ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ فِي أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ يُفْصَلُ بَيْنَ الْآيَةِ وَمَا دُونَهَا فَكَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ الْآخَرِ.
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: يَمْنَعُ عَنْ قِرَاءَةِ مَا دُونَ الْآيَةِ أَيْضًا عَلَى قَصْدِ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، كَمَا يَمْنَعُ عَنْ قِرَاءَةِ الْآيَةِ التَّامَّةِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ قُرْآنٌ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الْقِرَاءَةَ نَحْوُ أَنْ يَقْرَأَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
стр. 164
فَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الطَّحَاوِيِّ فِي إبَاحَتِهِ
(وَلَيْسَ لَهُمْ مَسُّ الْمُصْحَفِ إلَّا بِغِلَافِهِ، وَلَا أَخْذُ دِرْهَمٍ فِيهِ سُورَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا بِصُرَّتِهِ وَكَذَا الْمُحْدِثُ لَا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إلَّا بِغِلَافِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» ثُمَّ الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ حَلَّا الْيَدَ فَيَسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ الْمَسِّ وَالْجَنَابَةُ حَلَّتْ الْفَمُ دُونَ الْحَدَثِ فَيَفْتَرِقَانِ فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ
شُكْرًا لِلنِّعْمَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ لِلْجُنُبِ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ عَلَى وَجْهِ الدُّعَاءِ. قَالَ الْهِنْدُوَانِيُّ: لَا أُفْتِي بِهَذَا وَإِنْ رُوِيَ عَنْهُ، وَقِيلَ الْمُخْتَارُ الْجَوَازُ.
(وَلَيْسَ لَهُمْ) أَيْ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ (مَسُّ الْمُصْحَفِ إلَخْ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (لِقَوْلِهِ ﵊) رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ. فَإِنْ قُلْت: مَا بَالُ الْمُصَنِّفِ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي النَّهْيِ عَنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ لِغَيْرِ الطَّاهِرِ. قُلْت: لِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ حَمَلَهُ عَلَى الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ فَكَانَ مُحْتَمِلًا فَتُرِكَ الِاسْتِدْلَال بِهِ.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ الْحَدَثُ وَالْجَنَابَةُ حَلَّا الْيَدَ إلَخْ) لِبَيَانِ مُشَارَكَتِهِمَا فِي حُرْمَةِ الْمَسِّ وَافْتِرَاقِهِمَا فِي حُكْمِ الْقِرَاءَةِ. وَتَقْرِيرُهُ لَمَّا ثَبَتَ حُكْمُ الْحَدَثَيْنِ فِي الْيَدِ لَمْ يَجُزْ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِالْيَدِ لَهُمَا جَمِيعًا، وَلَمَّا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْحَدَثِ فِي الْفَمِ حَيْثُ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ وَثَبَتَ حُكْمُ الْجَنَابَةِ فِيهِ حَيْثُ وَجَبَ غَسْلُهُ جَازَتْ قِرَاءَةُ الْمُحْدِثِ دُونَ الْجُنُبِ.
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: فَإِنْ غَسَلَ الْجُنُبُ فَمَه لِيَقْرَأَ أَوْ يَدَهُ لِيَمَسَّ أَوْ غَسَلَ الْمُحْدِثُ يَدَهُ لِيَمَسَّ لَمْ يُطْلَقْ
стр. 165
وَغِلَافُهُ مَا يَكُونُ مُتَجَافِيًا عَنْهُ دُونَ مَا هُوَ مُتَّصِلٌ بِهِ كَالْجِلْدِ الْمُشْرَزِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَيُكْرَهُ مَسُّهُ بِالْكُمِّ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لَهُ بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ لِأَهْلِهَا حَيْثُ يُرَخَّصُ فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةٌ، وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ إلَى الصِّبْيَانِ لِأَنَّ فِي الْمَنْعِ تَضْيِيعَ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ حَرَجًا بِهِمْ
الْقِرَاءَةُ وَلَا الْمَسُّ لِلْجُنُبِ، وَلَا الْمَسُّ لِلْمُحْدِثِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَجَزَّأُ وُجُودًا وَلَا زَوَالًا (وَغِلَافُهُ مَا كَانَ مُتَجَافِيًا عَنْهُ) أَيْ مُتَبَاعِدًا بِأَنْ يَكُونَ شَيْئًا ثَالِثًا بَيْنَ الْمَاسِّ وَالْمَمْسُوسِ، وَلَا يَكُونُ مُتَّصِلًا بِهِ كَالْجِلْدِ الْمُشْرِزِ فَيَنْبَغِي أَلَّا يَكُونَ تَابِعًا لِلْمَاسِّ كَالْكُمِّ وَلَا لِلْمَمْسُوسِ كَالْجِلْدِ الْمُشْرِزِ. قَالَ صَاحِبُ التُّحْفَةِ: اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي الْغِلَافِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْجِلْدُ الَّذِي عَلَيْهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْكُمُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْخَرِيطَةُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ تَبَعٌ لِلْمُصْحَفِ وَالْكُمُّ تَبَعٌ لِلْحَامِلِ وَالْخَرِيطَةُ لَيْسَتْ بِتَبَعٍ لِأَحَدِهِمَا، فَقَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ رَدٌّ لِلْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ: هُوَ الصَّحِيحُ الثَّانِي رَدَّ الثَّانِي.
وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ كُتُبِ الشَّرِيعَةِ) يَعْنِي كُتُبَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ (حَيْثُ يُرَخَّصُ لِأَهْلِهَا فِي مَسِّهَا بِالْكُمِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً) وَفِيهِ إشَارَةٌ أَنَّ مَسَّهَا بِلَا طَهَارَةٍ مَكْرُوهٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَا بَأْسَ بِدَفْعِ الْمُصْحَفِ إلَى الصِّبْيَانِ) مَعْنَاهُ: لَا بَأْسَ بِأَنْ يَدْفَعَ الطَّاهِرُونَ الْمُصْحَفَ إلَى الصِّبْيَانِ الْمُحْدِثِينَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يُمْنَعَ عَنْهُمْ الْمُصْحَفُ وَفِيهِ تَضْيِيعُ حِفْظِ الْقُرْآنِ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّطْهِيرِ وَفِيهِ حَرَجٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُكَلَّفُوا بِذَلِكَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَفِي الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ وَفِي أَمْرِ الْأَوْلِيَاءِ بِتَطْهِيرِ الصِّبْيَانِ كَنَهْيِهِمْ عَنْ إلْبَاسِ الذُّكُورِ مِنْهُمْ
стр. 166
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) لِأَنَّ الدَّمَ
الْحَرِيرَ حَرَجٌ بِالْأَوْلِيَاءِ أَوْ الْمُعَلِّمِينَ الدَّافِعِينَ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّ دَفْعَ الْمُصْحَفِ أَوْ اللَّوْحِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ إلَيْهِمْ مَكْرُوهٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّافِعَ مُكَلَّفٌ بِعَدَمِ الدَّفْعِ.
قَالَ (وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ) إذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ لِأَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عِنْدَ تَمَامِ عَادَتِهَا لَمْ يَحِلَّ وَطْؤُهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ
стр. 167
يَدِرُّ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى، فَلَا بُدَّ مِنْ الِاغْتِسَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ (وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَمَضَى عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةُ حَلَّ وَطْؤُهَا) لِأَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا فَطَهُرَتْ حُكْمًا.
(وَلَوْ كَانَ انْقَطَعَ الدَّمُ دُونَ عَادَتِهَا فَوْقَ الثَّلَاثِ لَمْ يَقْرَبْهَا حَتَّى تَمْضِيَ عَادَتُهَا وَإِنْ اغْتَسَلَتْ) لِأَنَّ الْعَوْدَ فِي الْعَادَةِ غَالِبٌ فَكَانَ الِاحْتِيَاطُ فِي الِاجْتِنَابِ (وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ حَلَّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ) لِأَنَّ الْحَيْضَ لَا مَزِيدَ لَهُ عَلَى الْعَشَرَةِ
يَدِرُّ، بِكَسْرِ الدَّالِ وَضَمِّهَا: أَيْ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى فَلَا بُدَّ مِنْ الِاغْتِسَالِ لِيَتَرَجَّحَ جَانِبُ الِانْقِطَاعِ بِوُجُودِ مَا زَادَ عَلَى زَمَنِ عَادَتِهَا مِنْ مُدَّةِ الِاغْتِسَالِ فَيَحِلُّ وَطْؤُهَا لِصَيْرُورَتِهَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ حَقِيقَةً. (وَلَوْ لَمْ تَغْتَسِلْ وَمَضَى عَلَيْهَا أَدْنَى وَقْتِ الصَّلَاةِ بِقَدْرِ أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الِاغْتِسَالِ وَالتَّحْرِيمَةِ حَلَّ وَطْؤُهَا؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ دَيْنًا) عَلَيْهَا فَصَارَتْ مِنْ الطَّاهِرَاتِ حُكْمًا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إذَا حَكَمَ عَلَيْهَا بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَلَا تَصِحُّ حَالَ كَوْنِهَا حَائِضًا دَلَّ أَنَّهُ حُكْمٌ بِطَهَارَتِهَا. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَوْ يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ كَامِلٌ، وَقِيلَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ كَامِلٌ صِفَةً لِلْوَقْتِ كَانَ مَرْفُوعًا وَلَيْسَ بِمَرْوِيٍّ، وَإِنْ كَانَ صِفَةً لِلصَّلَاةِ كَانَ الْوَاجِبُ كَامِلَةً.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ صِفَةٌ لِلْوَقْتِ، وَالْجَرُّ لِلْجِوَارِ كَمَا فِي جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ، وَمَعْنَاهُ الْكَمَالُ فِي السَّبَبِيَّةِ، فَإِنَّهُ إذَا انْقَطَعَ الدَّمُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أَنْ تَغْتَسِلَ وَتَتَحَرَّمَ لِلصَّلَاةِ كَانَ ذَلِكَ الْمِقْدَارُ كَامِلًا فِي إيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، كَمَا أَنَّ مُضِيَّ كَمَالِ الْوَقْتِ عَلَيْهَا وَهِيَ مُنْقَطِعَةُ الْحَيْضِ كَامِلٌ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مُضِيَّ كَمَالِ الْوَقْتِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ انْقَطَعَ دَمُهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَدَامَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى مَضَى الْوَقْتُ شَرْطٌ فِي كَوْنِهَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ فِي حِلِّ الْقُرْبَانِ وَوُجُوبِ الصَّلَاةِ، وَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إلَّا أَنَّ الْأُولَى أَوْضَحُ فِي تَأْدِيَتِهِ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ كَانَ انْقَطَعَ الدَّمُ دُونَ عَادَتِهَا) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (فَوْقَ الثَّلَاثِ) مُسْتَغْنًى عَنْهُ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْغَالِبِ (وَإِنْ انْقَطَعَ الدَّمُ لِعَشَرَةِ أَيَّامٍ حَلَّ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْغُسْلِ) وَحِلُّ
стр. 168
إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ لِلنَّهْيِ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّشْدِيدِ
قَالَ (وَالطُّهْرُ إذَا تَخَلَّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ فَهُوَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي) قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -: وَهَذِهِ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَوَجْهُهُ أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ هُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يُفْصَلُ، وَهُوَ كُلُّهُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي لِأَنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ،
الْوَطْءِ لَيْسَ بِمُتَوَقِّفٍ عَلَى انْقِطَاعِ الدَّمِ لَكِنْ ذَكَرَهُ بِمُقَابَلَةِ قَوْلِهِ أَوَّلًا وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، وَذَلِكَ لِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَا مَزِيدَ لِلْحَيْضِ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَتَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّا تَيَقَّنَّا بِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِ الدَّمِ بِخُرُوجِهَا مِنْ الْحَيْضِ، فَإِذَا أَدْرَكَتْ جُزْءًا مِنْ الْوَقْتِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ أَيَّامُهَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَإِنَّ فِيهِ مُدَّةَ الِاغْتِسَالِ مِنْ جُمْلَةِ حَيْضِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِيهِ وَتَتَحَرَّمَ لِلصَّلَاةِ لِتَصِيرَ مُدْرِكَةً لِجُزْءِ مِنْ الْوَقْتِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ لِيَجِبَ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ.
وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ حَلَّ وَطْؤُهَا: يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ وَطْؤُهَا (قَبْلَ الِاغْتِسَالِ لِلنَّهْيِ فِي الْقِرَاءَةِ بِالتَّشْدِيدِ) فَإِنَّ ظَاهِرَ النَّهْيِ فِيهَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْقُرْبَانِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ فِي الْحَالَيْنِ بِإِطْلَاقِهِ كَمَا قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ.
قَالَ (وَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ) إذَا أَحَاطَ الدَّمُ بِطَرَفَيْ مُدَّةِ الْحَيْضِ كَانَ (كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَوَجْهُهُ (مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ) أَنَّ اسْتِيعَابَ الدَّمِ مُدَّةَ الْحَيْضِ لَيْسَ بِشَرْطٍ (فَيُعْتَبَرُ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ) وَالطُّهْرُ الْمُتَخَلِّلُ بَيْنَهُمَا تَبَعٌ لَهُمَا (كَالنِّصَابِ فِي بَابِ الزَّكَاةِ) فَإِنَّ شَرْطَ وُجُوبِهَا كَمَالُ النِّصَابِ فِي طَرَفَيْ الْحَوْلِ، وَالنُّقْصَانُ فِي خِلَالِهِ لَا يَضُرُّ، مِثَالُهُ: مُبْتَدَأَةٌ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَمَانِيَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْعَشَرَةُ كُلُّهَا كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي لِإِحَاطَةِ الدَّمِ بِطَرَفَيْ الْعَشَرَةِ، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ رِوَايَتُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقِيلَ هُوَ آخِرُ أَقْوَالِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الطُّهْرَ إذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا لَا يُفْصَلُ) بَيْنَ الدَّمَيْنِ (وَهُوَ كُلُّهُ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي؛ لِأَنَّهُ طُهْرٌ فَاسِدٌ)
стр. 169
وَالْأَخْذُ بِهَذَا الْقَوْلِ أَيْسَرُ، وَتَمَامُهُ يُعْرَفُ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ
لَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الطُّهْرِ الصَّحِيحِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَكَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْفَاسِدَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الصَّحِيحِ شَرْعًا فَكَانَ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي.
مِثَالُهُ مُبْتَدَأَةٌ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا، فَالْعَشَرَةُ مِنْ أَوَّلِ مَا رَأَتْ عِنْدَهُ حَيْضٌ يُحْكَمُ بِبُلُوغِهَا بِهِ، وَكَذَلِكَ إذَا رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَتِسْعَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا (قَوْلُهُ: وَالْأَخْذُ بِهَذَا الْقَوْلِ) أَيْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (أَيْسَرُ) يَعْنِي لِلْمُفْتِي وَالْمُسْتَفْتِي؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِ مُحَمَّدٍ تَفَاصِيلُ يَشُقُّ ضَبْطُهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ إحَاطَةَ الدَّمِ لِلطَّرَفَيْنِ شَرْطٌ بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِطَرَفَيْ مُدَّةِ الْحَيْضِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ بُدَاءَةُ الْحَيْضِ وَلَا خَتْمُهُ بِالطُّهْرِ؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ ضِدُّ الْحَيْضِ وَالشَّيْءُ لَا يُبْدَأُ بِضِدِّهِ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ.
وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِطَرَفَيْ الطُّهْرِ الْمُتَخَلِّلِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بُدَاءَةُ الْحَيْضِ بِالطُّهْرِ وَخَتْمُهُ بِهِ أَيْضًا، وَيَجُوزُ بُدَاءَتُهُ بِهِ إذَا كَانَ قَبْلَهُ فَقَطْ وَلَا يُخْتَمُ بِهِ حِينَئِذٍ، وَيَجُوزُ خَتْمُهُ بِهِ إذَا كَانَ بَعْدَهُ دَمٌ لَا قَبْلَهُ، مِثَالُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ مِنْ الْمَسَائِلِ امْرَأَةٌ عَادَتُهَا فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَرَأَتْ قَبْلَ أَيَّامِهَا بِيَوْمٍ يَوْمًا دَمًا ثُمَّ طَهُرَتْ خَمْسَتَهَا ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا فَعِنْدَهُ خَمْسَتُهَا حَيْضٌ إذَا جَاوَزَ الْمَرْئِيَّ عَشَرَةً لِإِحَاطَةِ الدَّمَيْنِ بِزَمَانِ عَادَتِهَا وَإِنْ لَمْ تَرَ فِيهِ شَيْئًا، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُجَاوِزْ فَيَكُونُ جَمِيعُ ذَلِكَ حَيْضًا، وَكَذَلِكَ لَوْ رَأَتْ قَبْلَ خَمْسَتِهَا يَوْمًا دَمًا ثُمَّ طَهُرَتْ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ خَمْسَتِهَا ثُمَّ رَأَتْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ دَمًا ثُمَّ طَهُرَتْ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ خَمْسَتِهَا ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَحَيْضَتُهَا خَمْسَتُهَا عِنْدَهُ وَإِنْ كَانَ ابْتِدَاءُ الْخَمْسَةِ وَخَتْمُهَا بِالطُّهْرِ لِوُجُودِ الدَّمِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ، وَإِنَّ الطُّهْرَ الْمُتَخَلِّلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ إذَا كَانَ الدَّمُ دُونَ الثَّلَاثَةِ لَا يَكُونُ فَاصِلًا بِالِاتِّفَاقِ، وَمَا دُونَ خَمْسَةَ عَشَرَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ كَمَا مَرَّ آنِفًا.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إذَا بَلَغَ ثَلَاثَةً فَصَاعِدًا، فَإِنْ اسْتَوَى الدَّمُ وَالطُّهْرُ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ. أَوْ غَلَبَ الدَّمُ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ غَلَبَ الطُّهْرُ صَارَ فَاصِلًا وَحِينَئِذٍ إنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ حَيْضًا لَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْهُ حَيْضًا، وَإِنْ أَمْكَنَ ذَلِكَ جُعِلَ حَيْضًا سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَقَدِّمَ أَوْ الْمُتَأَخِّرَ، وَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 170
(وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا) هَكَذَا نُقِلَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا تَوْقِيفًا (وَلَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهِ) لِأَنَّهُ يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِتَقْدِيرٍ إلَّا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَاحْتِيجَ إلَى نَصْبِ الْعَادَةِ،
جُعِلَ أَسْرَعُهُمَا إمْكَانًا حَيْضًا فَقَطْ إذْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ تَامٌّ.
مِثَالُهُ: مُبْتَدَأَةٌ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَيَوْمَيْنِ طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ، وَلَوْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا حَيْضًا لِغَلَبَةِ الطُّهْرِ، وَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَثَلَاثَةً طُهْرًا وَيَوْمَيْنِ دَمًا فَالسِّتَّةُ كُلُّهَا حَيْضٌ لِاسْتِوَائِهِمَا فَغَلَبَ الدَّمُ لِمَا أَنَّ اعْتِبَارَ الدَّمِ يُوجِبُ حُرْمَةَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ فَاعْتِبَارُ الطُّهْرِ يُوجِبُ حِلَّ ذَلِكَ، وَإِذَا اسْتَوَى الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ يَغْلِبُ الْحَرَامُ كَمَا فِي التَّحَرِّي فِي الْأَوَانِي، فَإِنَّ الْغَلَبَةَ إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ أَوْ كَانَا سَوَاءً لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي، فَهَذَا مِثْلُهُ، وَإِنْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَيَوْمًا دَمًا فَحَيْضُهَا الثَّلَاثَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الطُّهْرَ غَالِبٌ فَصَارَ فَاصِلًا، وَالْمُتَقَدِّمُ بِانْفِرَادِهِ يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ حَيْضًا فَجَعَلْنَاهُ حَيْضًا، وَإِنْ رَأَتْ يَوْمًا دَمًا وَخَمْسَةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَحَيْضُهَا الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ لِمَا بَيَّنَّا، وَلَوْ رَأَتْ ثَلَاثَةً دَمًا وَسِتَّةً طُهْرًا وَثَلَاثَةً دَمًا فَحَيْضُهَا الثَّلَاثَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ أَسْرَعُهُمَا إمْكَانًا: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ اسْتَوَى الدَّمُ بِالطُّهْرِ فَلِمَ لَمْ يُجْعَلْ كَالدَّمِ الْمُتَوَالِي. أُجِيبَ بِأَنَّ اسْتِوَاءَهُمَا إنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ وَأَكْثَرُ مُدَّةِ الْحَيْضِ عَشَرَةٌ، وَالْمَرْئِيُّ فِي الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةٌ دَمٌ وَسِتَّةٌ طُهْرٌ وَيَوْمٌ دَمٌ، فَكَانَ الطُّهْرُ غَالِبًا فَلِهَذَا صَارَ فَاصِلًا. قَالَ (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) أَقَلُّ الطُّهْرِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (هَكَذَا رَوَى عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْقُولٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ مِقْدَارٌ، وَالْمَقَادِيرُ فِي الشَّرْعِ لَا تُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا.
وَذَكَرَ فِي الْمُحِيطِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَامَ الشَّهْرَ فِي حَقِّ الْآيِسَةِ وَالصَّغِيرَةِ مَقَامَ الطُّهْرِ وَالْحَيْضِ، وَمَا أُضِيفَ إلَى شَيْئَيْنِ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الشَّهْرِ حَيْضًا وَنِصْفُهُ طُهْرًا، إلَّا أَنَّهُ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نُقْصَانِ الْحَيْضِ عَنْ النِّصْفِ فَيَبْقَى الطُّهْرُ عَلَى ظَاهِرِ الْقِسْمَةِ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال مَنْقُولٌ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ إلَّا تَوْقِيفًا، وَكَذَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ مُدَّةَ الطُّهْرِ نَظِيرُ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا تُعِيدُ مَا كَانَ سَقَطَ مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْأَخْبَارِ أَنَّ أَقَلَّ مُدَّةِ الْإِقَامَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَكَذَلِكَ أَقَلُّ مُدَّةِ الطُّهْرِ، وَلِهَذَا قَدَّرْنَا أَقَلَّ مُدَّةِ الْحَيْضِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اعْتِبَارًا بِأَقَلِّ مُدَّةِ السَّفَرِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، لَكِنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى السَّمَاعِ بِجَعْلِ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي مُدَّةِ الْإِقَامَةِ وَارِدَةً فِيهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِيمَا ذَكَرْنَا فَكَانَ مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ وَفِيهِ بُعْدٌ.
قَوْلُهُ: (وَلَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تُصَلِّي وَتَصُومُ مَا دَامَتْ تَرَى الطُّهْرَ وَإِنْ اسْتَغْرَقَ عُمُرَهَا.
وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الطُّهْرَ (يَمْتَدُّ إلَى سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ فَلَا يَتَقَدَّرُ بِتَقْدِيرٍ إلَّا إذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَاحْتِيجَ إلَى نَصْبِ الْعَادَةِ) فَإِنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ لِأَكْثَرِهِ
стр. 171
وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ
غَايَةً عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، خِلَافًا لِأَبِي عِصْمَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَاضِي أَبِي حَازِمٍ فَإِنَّهُ لَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهِ عِنْدَهُمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّ نَصْبَ الْمَقَادِيرِ بِالسَّمَاعِ وَلَا سَمَاعَ هَاهُنَا، وَعَلَى هَذَا إذَا بَلَغَتْ امْرَأَةٌ فَرَأَتْ عَشَرَةً دَمًا وَسَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ طُهْرًا ثُمَّ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ فَعِنْدَهُمَا طُهْرُهَا مَا رَأَتْ وَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ تَدَعُ الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ مِنْ أَوَّلِ زَمَانِ الِاسْتِمْرَارِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَتُصَلِّي سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ سِتِّ سِنِينَ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا.
وَأَمَّا الْعَامَّةُ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي التَّقْدِيرِ، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ: طُهْرُهَا تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةٌ وَالْبَاقِي طُهْرٌ وَتِسْعَةَ عَشَرَ بِيَقِينٍ.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ سَلَمَةَ: طُهْرُهَا سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا فَمَا دُونَهَا حَيْضٌ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَيُرْفَعُ عَنْ كُلِّ شَهْرٍ فَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدَانِيُّ: طُهْرُهَا سِتَّةُ أَشْهُرٌ إلَّا سَاعَةً، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْمُدَّةِ الَّتِي تَرْتَفِعُ الْحَيْضُ فِيهَا سِتَّةَ أَشْهُرٍ، وَهُوَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ، إلَّا أَنَّ مَا عَلَيْهِ الْأَصْلُ أَنَّ مُدَّةَ الطُّهْرِ أَقَلُّ مِنْ مُدَّةِ الْحَبَلِ فَنَقَصْنَا مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا وَهُوَ سَاعَةً فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِتِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا إلَّا ثَلَاثَ سَاعَاتٍ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَيْهَا فِي حَالَةِ الْحَيْضِ فَتَحْتَاجُ إلَى ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ كُلُّ طُهْرٍ سِتَّةُ أَشْهُرٍ إلَّا سَاعَةً وَكُلُّ حَيْضٍ عَشَرَةُ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ: طُهْرُهَا شَهْرَانِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُعَاوَدَةِ وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي الشَّهْرَيْنِ عَادَةً، إذْ الْغَالِبُ أَنَّ النِّسَاءَ يَحِضْنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِذَا طَهُرَتْ شَهْرَيْنِ فَقَدْ طَهُرَتْ فِي أَيَّامِ عَادَتِهَا، وَالْعَادَةُ تَنْتَقِلُ بِمَرَّتَيْنِ فَصَارَ ذَلِكَ الطُّهْرُ عَادَةً لَهَا، فَوَجَبَ التَّقْدِيرُ بِهِ. قِيلَ وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ الْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُفْتِي وَالنِّسَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخْرَى تَرَكْتهَا مَخَافَةَ الْإِطْنَابِ. وَلَمَّا كَانَ فِي الْأَقْوَالِ فِيهِ كَثْرَةٌ أَعْرَضَ الْمُصَنِّفُ عَنْهَا، وَقَالَ (وَيُعْرَفُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحَيْضِ).
стр. 172
(وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ) كَالرُّعَافِ الدَّائِمِ لَا يَمْنَعُ الصَّوْمَ وَلَا الصَّلَاةَ وَلَا الْوَطْءَ لِقَوْلِهِ ﵊ «تَوَضَّئِي وَصَلِّي وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصِيرِ» وَإِذَا عُرِفَ حُكْمُ الصَّلَاةِ ثَبَتَ حُكْمُ الصَّوْمِ وَالْوَطْءُ بِنَتِيجَةِ الْإِجْمَاعِ (وَلَوْ) (زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ) وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ دُونَهَا رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا،
قَالَ (وَدَمُ الِاسْتِحَاضَةِ كَالرُّعَافِ) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (بِنَتِيجَةِ الْإِجْمَاعِ) قِيلَ: أَيْ بِدَلَالَتِهِ، وَتَقْرِيرُهُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَهُوَ يُوجِبُ وُجُوبَ الصَّوْمِ وَحِلَّ الْوَطْءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَعَلَ الدَّمَ عَدَمًا فِي حَقِّ الصَّلَاةِ مَعَ الْمُنَافَاةِ الثَّابِتَةِ بَيْنَهُمَا لِكَوْنِهِ مُنَافِيًا لِشَرْطِهَا فَلَأَنْ يُجْعَلَ عَدَمًا فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَالْوَطْءِ اللَّذَيْنِ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا أَوْلَى. قَالَ فِي الْكَافِي: تَفْسِيرُ نَتِيجَةِ الْإِجْمَاعِ بِدَلَالَتِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، وَالتَّفْسِيرُ بِالْحُكْمِ أَشَدُّ طِبَاقًا.
قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ تُسَمَّى نَتِيجَتُهُ مِنْ حَيْثُ إنَّ دَلَالَةَ النَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ لَا تَكُونُ إلَّا بِهِ وَيَسْتَحِيلُ أَنْ تَثْبُتَ قَبْلَهُ فَكَأَنَّهَا نَتِيجَتُهُ، وَالنَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ أَصْلٌ، وَلَوْ فَسَّرَ بِالْحُكْمِ لَأَوْهَمَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ قَصْدًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَلِذَلِكَ فُسِّرَتْ بِالدَّلَالَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ) تَعَرُّضٌ مِنْهُ لِمَا هُوَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الدَّمَ إذَا زَادَ عَلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَهَا عَادَةٌ مَعْرُوفَةٌ دُونَ الْعَشَرَةِ (رُدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا) بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا.
وَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَى عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ دُونَ الْعَشَرَةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ فَذَهَبَ أَئِمَّةُ بَلْخِي إلَى أَنَّهَا تُؤْمَرُ بِالِاغْتِسَالِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حَالَ الزِّيَادَةِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ إنْ انْقَطَعَ الدَّمُ قَبْلَ الْعَشَرَةِ كَانَ حَيْضًا، وَإِنْ جَاوَزَ الْعَشَرَةَ كَانَ اسْتِحَاضَةً فَلَا تَتْرُكُ الصَّلَاةَ مَعَ التَّرَدُّدِ.
وَقَالَ مَشَايِخُ بُخَارَى: لَا تُؤْمَرُ بِالِاغْتِسَالِ وَالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّا عَرَفْنَاهَا حَائِضًا بِيَقِينٍ،
стр. 173
وَاَلَّذِي زَادَ اسْتِحَاضَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊
وَدَلِيلُ بَقَاءِ الْحَيْضِ هُوَ رُؤْيَةُ الدَّمِ قَائِمٌ وَلَا يَكُونُ اسْتِحَاضَةً حَتَّى تَسْتَمِرَّ فَيُجَاوِزُ الْعَشَرَةَ، وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا تُؤْمَرُ بِالِاغْتِسَالِ وَالصَّلَاةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهَا، فَإِنْ جَاوَزَ الْعَشَرَةَ أُمِرَتْ بِقَضَاءِ مَا تَرَكَتْ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ أَيَّامِ عَادَتِهَا.
قَالَ فِي الْمُجْتَبَى: وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَوْلُهُ: (وَاَلَّذِي زَادَ) يَعْنِي عَلَى الْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ (اسْتِحَاضَةٌ لِقَوْلِهِ
стр. 174
«الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» وَلِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ مَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَيُلْحَقُ بِهِ، وَإِنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً فَحَيْضُهَا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَالْبَاقِي اسْتِحَاضَةٌ لِأَنَّا عَرَفْنَاهُ حَيْضًا فَلَا يَخْرُجُ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
- ﷺ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا» وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ مَنْ زَادَ دَمُهَا عَلَى عَشَرَةٍ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا، وَأَيَّامُ أَقْرَائِهَا أَيَّامُ عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ، فَمَا زَادَ عَلَيْهَا لَا تَدَعُهَا فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ لِلْإِضَافَةِ فَائِدَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الزَّائِدَ) دَلِيلٌ آخَرُ، وَتَقْرِيرُهُ: الزَّائِدُ (عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ) وَكُلُّ مَا يُجَانِسُ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ يَلْحَقُ بِهِ، فَالزَّائِدُ عَلَى الْعَادَةِ يَلْحَقُ بِالزَّائِدِ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَأَمَّا أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ فَمِنْ حَيْثُ النُّدْرَةُ وَكَوْنُهُمَا زَائِدَيْنِ عَلَى الْعَادَةِ الْمَعْرُوفَةِ. وَعُورِضَ بِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْعَادَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِخِلَافِ الزَّائِدِ عَلَى الْعَشَرَةِ فَأَنَّى يَتَجَانَسَانِ؟ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ يُجَانِسُ الْعَادَةَ فِي كَوْنِهِمَا فِي مُدَّةِ الْحَيْضِ فَتَعَارَضَ التَّجَانُسُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُمَا لَوْ اتَّحَدَا فِي إمْكَانِ الْحَيْضِ أَوْ عَدَمِهِ كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ وَلَمْ نَدَعْ ذَلِكَ، وَإِنَّ التَّجَانُسَ بَيْنَ الزَّائِدَيْنِ مِنْ وَجْهَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَبَيْنَ الزَّائِدِ وَالْعَادَةِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ كَمَا ذَكَرْتُمْ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا رَاجِحًا: وَأَمَّا أَنَّ كُلَّ مَا يُجَانِسُ الزَّائِدَ عَلَى الْعَشَرَةِ يَلْحَقُ بِهِ فَلِأَنَّ الْجِنْسِيَّةَ عِلَّةُ الضَّمِّ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ ابْتَدَأَتْ مَعَ الْبُلُوغِ مُسْتَحَاضَةً) رُوِيَ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَمَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَجَعَلَ الْمُسْتَحَاضَةَ مِنْ بَابِ جُنَّ وَأُغْمِيَ؛ لِأَنَّهُ لَا اخْتِيَارَ لَهَا، وَجَعْلُ مُسْتَحَاضَةٍ نَصَبًا عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ حَالَ ابْتِدَاءِ رُؤْيَتِهَا الدَّمَ لَمْ يَثْبُتْ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ أَنَّهَا كَانَتْ مُقَدَّرَةَ الِاسْتِحَاضَةِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ رُؤْيَتِهَا الدَّمَ.
وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّا عَرَّفْنَا حَيْضًا) أَيْ عَرَفْنَا الدَّمَ الْمَرْئِيَّ فِي الْعَشَرَةِ حَيْضًا (فَلَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ حَيْضًا بِالشَّكِّ) وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمَرْئِيَّ فِي الْعَشَرَةِ حَالَ وُجُودِهِ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَلِهَذَا لَوْ انْقَطَعَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ حَكَمْنَا بِكَوْنِهِ كُلِّهِ حَيْضًا، فَإِذَا زَادَ عَلَى الْعَشَرَةِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي كَوْنِ الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثَةِ حَيْضًا أَوْ لَا فَلَا يَزُولُ ذَلِكَ الْيَقِينُ بِهَذَا الشَّكِّ الَّذِي حَدَثَ الْآنَ.
стр. 175
فَصْلٌ فِي الِاسْتِحَاضَة
(وَالْمُسْتَحَاضَةُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: تَتَوَضَّأُ الْمُسْتَحَاضَةُ لِكُلِّ مَكْتُوبَةٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَلِأَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ فَلَا تَبْقَى
فَصْلُ الِاسْتِحَاضَةِ)
لَمَّا كَانَ الْحَيْضُ أَكْثَرَ وُقُوعًا قَدَّمَهُ ثُمَّ أَعْقَبَهُ الِاسْتِحَاضَةَ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ النِّفَاسِ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ أَسْبَابِهَا فَإِنَّهَا تَكُونُ مُسْتَحَاضَةً بِمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ حَالَةَ الْحَبَلِ، أَوْ زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ، أَوْ زَادَ عَلَى مَعْرُوفِهَا وَجَاوَزَ الْعَشَرَةَ أَوْ رَأَتْ مَا دُونَ الثَّلَاثِ، أَوْ رَأَتْ قَبْلَ تَمَامِ الطُّهْرِ، أَوْ رَأَتْ قَبْلَ أَنْ تَبْلُغَ تِسْعَ سِنِينَ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَامَّةُ، بِخِلَافِ النِّفَاسِ فَإِنَّ سَبَبَهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَدَّمَ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِمَعْنَاهَا عَلَى تَعْرِيفِهَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ الْحُكْمِ.
(وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ) وَهُوَ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى إمْسَاكِهِ (وَالرُّعَافُ) الدَّمُ الْخَارِجُ مِنْ الْأَنْفِ (وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ) أَيْ الَّذِي لَا يَسْكُنُ دَمُهُ مِنْ رَقَأَ الدَّمُ سَكَنَ.
وَقَوْلُهُ: (يَتَوَضَّئُونَ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) هُوَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ (فَيُصَلُّونَ بِذَلِكَ الْوُضُوءِ فِي الْوَقْتِ مَا شَاءُوا مِنْ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ) وَالْوَاجِبَاتِ وَالنُّذُورِ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَبِأَنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا ضَرُورَةُ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَا ضَرُورَةَ بَعْدَ أَدَائِهَا فَلَا اعْتِبَارَ بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. فَإِنْ قِيلَ: كُلُّ صَلَاةٍ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مَكْتُوبَةً أَوْ غَيْرَهَا فَالتَّقْيِيدُ بِالْمَكْتُوبَةِ تَحَكُّمٌ، وَكَمَا أَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ بَعْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ لَا ضَرُورَةَ فِي النَّوَافِلِ إذْ لَا حَرَجَ فِي تَرْكِهَا فَاعْتِبَارُ عَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَكْتُوبَةِ دُونَهَا أَيْضًا تَحَكُّمٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ قَوْلَهُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مُطْلَقٌ، وَالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ وَالْكَامِلُ هُوَ الْمَكْتُوبَةُ فَيَنْصَرِفُ إلَيْهَا، وَبِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَيْهَا فِي حَقِّ النَّوَافِلِ لَمْ تَرْتَفِعْ؛ لِأَنَّهَا خَيْرُ مَوْضُوعٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَفِي إلْزَامِ الطَّهَارَةِ حَرَجٌ بَيِّنٌ.
وَرُدَّ بِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الصَّلَاةَ هَاهُنَا مُطْلَقٌ بَلْ عَامٌّ بِدَلِيلِ دُخُولِ كَلِمَةِ كُلٍّ فَلَا يَتَمَشَّى
стр. 176
بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ، يُقَالُ آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ: أَيْ وَقْتِهَا، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ (وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وَضْؤُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ.
مَا ذَكَرْتُمْ؛ وَبِأَنَّ طَهَارَتَهَا بَعْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً تَسَاوَتْ الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ فِي جَوَازِ الْأَدَاءِ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ تَسَاوَيَا فِي عَدَمِ جَوَازِهِ بِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَلَنَا قَوْلُهُ: ﷺ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ) أَيْ الْوَقْتُ (الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ يُقَالُ آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ) أَيْ وَقْتِهَا، فَكَانَ مَا رَوَاهُ نَصًّا مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ، وَمَا رَوَيْنَاهُ مُفْسِدٌ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى أَنَّ الْحُفَّاظَ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.
قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ، وَالشَّارِحُونَ قَالُوا مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي تَقْدِيرِ طَهَارَتِهَا بِالصَّلَاةِ بَعْضُ الْجَهَالَةِ وَالْحَرَجِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ، فَمِنْهُمْ مُطَوِّلٌ لَهَا وَمِنْهُمْ غَيْرُ مُطَوِّلٍ، فَلَمْ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَقَدَّرْنَا طَهَارَتَهَا بِالْوَقْتِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا إذَا قَدَّرْنَا طَهَارَةَ كُلِّ شَخْصٍ بِأَدَائِهِ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ وَالْحَرَجُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَرَجِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّا إذَا قَدَّرْنَا طَهَارَةَ كُلِّ شَخْصٍ بِأَدَائِهِ وَفَرَضْنَا الْفَرَاغَ عَنْهُ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ وُضُوءًا آخَرَ لِكُلِّ مَا يُصَلَّى مِنْ قَضَاءٍ أَوْ وَاجِبٍ أَوْ نَذْرٍ فِي وَقْتِهِ أَوْ مَكْتُوبَةٍ أُخْرَى فِي وَقْتٍ آخَرَ تَحَقَّقَ الْحَرَجُ فِي مَوْضِعِ التَّخْفِيفِ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا لَيْسَ إلَّا رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا وَذَلِكَ خَلَفٌ بَاطِلٌ، وَإِذَا قَامَ الْوَقْتُ مَقَامَ الْأَدَاءِ يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا قَامَ مَقَامَ شَيْءٍ آخَرَ كَانَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ (وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ) قِيلَ قَوْلُهُ: وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوُضُوءِ يَسْتَلْزِمُهُ.
وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ كَالْمُتَيَمِّمِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْمِصْرِ فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَيْهَا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ جِنَازَةٍ أُخْرَى حَضَرَتْ وَتَفُوتُهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا إذَا اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ وَفِيهِ تَحَمُّلٌ كَمَا تَرَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ لِبَيَانِ الْمَذْهَبِ
стр. 177
وَقَالَ زُفَرُ: اسْتَأْنَفُوا إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ (فَإِنْ تَوَضَّئُوا حِينَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ تُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَهُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ
وَالثَّانِي لِنَفْيِ قَوْلِ زُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ (اسْتَأْنَفُوا إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَالتَّفْسِيرِ لِلْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ رُبَّمَا يَقُولُ مُتَعَنِّتٌ: إنَّ الْوُضُوءَ كَانَ بَاطِلًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ وُجُوبُ اسْتِئْنَافِ وُضُوءٍ آخَرَ لَا الْبُطْلَانُ الْمَعْهُودُ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَوَضَّئُوا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) بَيَانُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا ذُكِرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ زُفَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْمُنَاقِضِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ الْأَصْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَالَ (وَحَاصِلُهُ) أَيْ حَاصِلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (أَنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ تَنْتَقِضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَ الْخُرُوجِ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَإِنَّمَا قَالَ: أَيْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَدَثًا فَكَانَ الِانْتِقَاضُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ لَكِنَّ الْوَقْتَ مَانِعٌ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ أَثَرُ الْحَدَثِ فَكَانَتْ النِّسْبَةُ إلَى الْخُرُوجِ مَجَازًا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِانْتِقَاضَ لَوْ اسْتَنَدَ إلَى الْحَدَثِ السَّابِقِ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا بِلَا طَهَارَةٍ.
وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ دَائِرًا عَلَيْهِ كَانَ الِانْتِقَاضُ مُقْتَصِرًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَكَانَ طَهُورًا مِنْ وَجْهٍ وَاقْتِصَارًا مِنْ وَجْهٍ فَعَمِلْنَا بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، فَجَعَلْنَاهُ اقْتِصَارًا فِي الْقَضَاءِ وَظُهُورًا
стр. 178
وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ.
فِي حَقِّ الْمَسْحِ حَتَّى إنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ، أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا إذَا انْتَقَضَتْ اسْتَنَدَ إلَى الْحَدَثِ السَّابِقِ، وَلَمْ يَعْكِسْ الِاقْتِصَارَ وَالظُّهُورَ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ فِيهِ دُونَ عَكْسِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) إنَّمَا انْحَصَرَتْ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ فِي الْأُولَى دُخُولًا بِلَا خُرُوجٍ فَلَا تَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَتَنْتَقِضُ عِنْدَهُمَا، وَفِي الثَّانِيَةِ خُرُوجًا بِلَا دُخُولٍ فَيَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا يَنْتَقِضُ عِنْدَ زُفَرَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَرَى وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ طَهَارَتُهَا لَا تَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِدُخُولٍ بِلَا خُرُوجٍ وَتَنْتَقِضُ بِخُرُوجٍ بِلَا دُخُولٍ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا.
وَقَالَ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَدَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ: إنَّمَا تَحْتَاجُ لِلطَّهَارَةِ لِأَجْلِ الظُّهْرِ عِنْدَهُ، لَا لِأَنَّ طَهَارَتَهَا انْتَقَضَتْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ، بَلْ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا ضَرُورِيَّةٌ وَلَا ضَرُورَةَ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الْوَقْتِ. وَقَالَ فِي طَرَفِ زُفَرَ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: يَعْنِي الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْوَقْتِ جُعِلَ عُذْرًا، وَقَدْ بَقِيَتْ شُبْهَتُهُ حَتَّى لَوْ قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرِ قَضَاهَا مَعَ سُنَّتِهَا، فَكَانَ كَمَالُ الْخُرُوجِ بِدُخُولِ وَقْتٍ آخَرَ وَلَمْ يُوجَدْ، فَبَقِيَتْ شُبْهَتُهُ فَصَلَحَتْ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْعُذْرِ تَحْقِيقًا: قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُعْلَمُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْأَرْبَعَةَ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ إنَّمَا يَعْمَلُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا غَيْرُ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَقْدِيمَ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِعَدَمِهَا الْحَاجَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ ثَانِيًا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَمْ يُوجَدْ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ مَكْتُوبَةٍ أُخْرَى، فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ أَيْضًا.
وَأَقُولُ: لَمْ يَظْهَرْ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ فِي الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ إلَّا فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَإِنْ اعْتَبَرْت مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ صَحَّ، وَإِنْ اعْتَبَرْت مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ صَحَّ فَلَمْ يَكُنْ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي التَّخْرِيجِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ النَّقْلِ (لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلطَّهَارَةِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ) فَإِنْ قِيلَ فَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ كَيْفَ يُوصَفُ بِالِانْتِقَاضِ
стр. 179
وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الْوَقْتُ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ دَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ، فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ الْمَعْذُورُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهِ وَأُخْرَى فِيهِ لِلْعَصْرِ فَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهِ لِانْتِقَاضِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَفْرُوضَةِ
عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَقْتِيَّةِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَالنَّوَافِلِ فَكَانَ نَقْضُهَا بِاعْتِبَارِهَا (وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الْوَقْتُ) وَلَيْسَ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ بَلْ لِلْمُفَاجَأَةِ: أَيْ لِيُفَاجِئَ تَمَكُّنَ الْأَدَاءِ دُخُولُ الْوَقْتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَدَاءِ كَمَا مَرَّ، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْأَدَاءِ وَاجِبٌ، فَكَانَ تَقْدِيمُهَا عَلَى خَلَفِهِ جَائِزًا حَطًّا لِرُتْبَتِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْأَصْلِ.
فَإِنْ قُلْت: فَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُجُوبِ لَا مَحَالَةَ وَلَيْسَ التَّقْدِيمُ وَاجِبًا.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُضَافَ مَحْذُوفٌ: أَيْ لَا بُدَّ مِنْ جَوَازِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الدُّخُولُ صَالِحًا لِظُهُورِ الْحَدَثِ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ مُحَقِّقًا لِلْحَاجَةِ، وَأَمَّا خُرُوجُ الْوَقْتِ فَدَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ) أَيْ الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ الَّذِي اُعْتُبِرَ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ. وَقَوْلُهُ: (عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا) يَعْنِي صَلَاةَ الْعِيدِ (بِمَنْزِلَةِ الضُّحَى) مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى أُدِّيَتْ بِجَمَاعَةٍ. وَقَوْلُهُ: (فَعِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْجَمِيعِ كَذَلِكَ لِمَا أَنَّ الشُّبْهَةَ تَأْتِي عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الطَّهَارَةَ عَلَى الْوَقْتِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِالدُّخُولِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ لِمَا أَنَّ هَذَا دُخُولٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى خُرُوجٍ، فَهِيَ إنْ لَمْ تَنْتَقِضْ بِالدُّخُولِ تَنْتَقِضُ بِالْخُرُوجِ. قِيلَ وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الظُّهْرِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ، وَمَا رَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ إذَا صَارَ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.
стр. 180
وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ،
قَالَ: (وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَرَّفَهَا بِقَوْلِهِ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ (إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ) قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ والمرغيناني وَالْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ وَغَيْرُهُمْ إنَّ هَذَا تَعْرِيفُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الثُّبُوتِ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ السَّيَلَانِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالسُّقُوطِ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ حَتَّى يَنْقَطِعَ فِي الْوَقْتِ كُلِّهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَعْرِيفًا لَهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ، وَبِمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ انْقَطَعَ فَتَوَضَّأَتْ وَدَامَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ صَادِقٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِمُسْتَحَاضَةٍ بِدَلِيلِ عَدَمِ انْتِقَاضِ طَهَارَتِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهَا بِذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ انْتِقَاضِ طَهَارَتِهَا مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا تَوَضَّأَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهَا؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ كَانَ بِالْحَدَثِ لَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَجَازَ لَهَا أَنْ تَبْنِيَ وَإِنْ كَانَ تَعْرِيفًا فِي الِانْتِهَاءِ فَقَطْ كَمَا قَالُوا فَكَذَلِكَ، وَيَلْزَمُ اخْتِلَافُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَالَتَيْنِ وَالْحَقَائِقُ لَا تَخْتَلِفُ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ فِي تَعْرِيفِهَا: الْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ ثَبَتَ عُذْرُهَا بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ مِنْ فَرْجِهَا وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا لَيْسَ مِنْ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ثُمَّ لَا تَخْلُو عَنْهُ مُنْذُ تَوَضَّأَتْ فِيهِ إنْ دَامَ، فَقَوْلُهُ: مَنْ ثَبَتَ عُذْرُهَا بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ وَقَوْلُهُ: بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ احْتِرَازٌ عَمَّنْ هُوَ بِمَعْنَاهَا مِمَّنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ وَانْطِلَاقُ بَطْنٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَوْلُهُ: مِنْ فَرْجِهَا احْتِرَازٌ كَمَا إذَا ثَبَتَ عُذْرُهَا بِاسْتِمْرَارِ
следующие страницы →