← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 9403

العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي

البابرتي

Полный текст (5 149 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ، يُقَالُ آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ: أَيْ وَقْتِهَا، وَلِأَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ (وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وَضْؤُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى) وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ. مَا ذَكَرْتُمْ؛ وَبِأَنَّ طَهَارَتَهَا بَعْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَةِ إنْ كَانَتْ بَاقِيَةً تَسَاوَتْ الْفَرَائِضُ وَالنَّوَافِلُ فِي جَوَازِ الْأَدَاءِ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تَبْقَ تَسَاوَيَا فِي عَدَمِ جَوَازِهِ بِهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَلَنَا قَوْلُهُ: ﷺ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهُوَ) أَيْ الْوَقْتُ (الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (لِأَنَّ اللَّامَ تُسْتَعَارُ لِلْوَقْتِ يُقَالُ آتِيك لِصَلَاةِ الظُّهْرِ) أَيْ وَقْتِهَا، فَكَانَ مَا رَوَاهُ نَصًّا مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ، وَمَا رَوَيْنَاهُ مُفْسِدٌ لَا يَحْتَمِلُهُ فَيَتَرَجَّحُ عَلَيْهِ كَمَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ عَلَى أَنَّ الْحُفَّاظَ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِ حَدِيثِهِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ. قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ، وَالشَّارِحُونَ قَالُوا مَعْنَاهُ مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ثُمَّ فِي تَقْدِيرِ طَهَارَتِهَا بِالصَّلَاةِ بَعْضُ الْجَهَالَةِ وَالْحَرَجِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ، فَمِنْهُمْ مُطَوِّلٌ لَهَا وَمِنْهُمْ غَيْرُ مُطَوِّلٍ، فَلَمْ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ فَقَدَّرْنَا طَهَارَتَهَا بِالْوَقْتِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا إذَا قَدَّرْنَا طَهَارَةَ كُلِّ شَخْصٍ بِأَدَائِهِ ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ وَالْحَرَجُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ ارْتِفَاعَ الْحَرَجِ مَمْنُوعٌ، فَإِنَّا إذَا قَدَّرْنَا طَهَارَةَ كُلِّ شَخْصٍ بِأَدَائِهِ وَفَرَضْنَا الْفَرَاغَ عَنْهُ وَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ وُضُوءًا آخَرَ لِكُلِّ مَا يُصَلَّى مِنْ قَضَاءٍ أَوْ وَاجِبٍ أَوْ نَذْرٍ فِي وَقْتِهِ أَوْ مَكْتُوبَةٍ أُخْرَى فِي وَقْتٍ آخَرَ تَحَقَّقَ الْحَرَجُ فِي مَوْضِعِ التَّخْفِيفِ، فَإِنَّ اعْتِبَارَ طَهَارَتِهَا لَيْسَ إلَّا رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا وَذَلِكَ خَلَفٌ بَاطِلٌ، وَإِذَا قَامَ الْوَقْتُ مَقَامَ الْأَدَاءِ يُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا قَامَ مَقَامَ شَيْءٍ آخَرَ كَانَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءَ وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ (وَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ) قِيلَ قَوْلُهُ: وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى مُسْتَدْرَكٌ؛ لِأَنَّ بُطْلَانَ الْوُضُوءِ يَسْتَلْزِمُهُ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَدْ لَا يَسْتَلْزِمُهُ كَالْمُتَيَمِّمِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي الْمِصْرِ فَإِنَّهُ إذَا صَلَّى عَلَيْهَا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَبَقِيَتْ فِي حَقِّ جِنَازَةٍ أُخْرَى حَضَرَتْ وَتَفُوتُهُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا إذَا اشْتَغَلَ بِالْوُضُوءِ وَفِيهِ تَحَمُّلٌ كَمَا تَرَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ لِبَيَانِ الْمَذْهَبِ

стр. 177

وَقَالَ زُفَرُ: اسْتَأْنَفُوا إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ (فَإِنْ تَوَضَّئُوا حِينَ تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَزُفَرُ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ تُنْتَقَضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَهُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالثَّانِي لِنَفْيِ قَوْلِ زُفَرَ فَإِنَّهُ يَقُولُ (اسْتَأْنَفُوا إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَالتَّفْسِيرِ لِلْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ رُبَّمَا يَقُولُ مُتَعَنِّتٌ: إنَّ الْوُضُوءَ كَانَ بَاطِلًا بِالْحَدَثِ السَّابِقِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ وُجُوبُ اسْتِئْنَافِ وُضُوءٍ آخَرَ لَا الْبُطْلَانُ الْمَعْهُودُ. قَوْلُهُ: (فَإِنْ تَوَضَّئُوا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ أَجْزَأَهُمْ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ) بَيَانُ مَوْضِعِ الْخِلَافِ، فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا ذُكِرَ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَزُفَرَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَمَّا كَانَ ذِكْرُ أَبِي يُوسُفَ مَعَ زُفَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْمُنَاقِضِ لِمَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ فَإِذَا خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ وُضُوءُهُمْ وَاسْتَأْنَفُوا الْوُضُوءَ لِصَلَاةٍ أُخْرَى عِنْدَ عُلَمَائِنَا الثَّلَاثَةِ احْتَاجَ إلَى بَيَانِ الْأَصْلِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ فَقَالَ (وَحَاصِلُهُ) أَيْ حَاصِلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ (أَنَّ طَهَارَةَ الْمَعْذُورِ تَنْتَقِضُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ: أَيْ عِنْدَ الْخُرُوجِ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَبِدُخُولِهِ فَقَطْ عِنْدَ زُفَرَ، وَبِأَيِّهِمَا كَانَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَإِنَّمَا قَالَ: أَيْ عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْإِنْسَانِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ حَدَثًا فَكَانَ الِانْتِقَاضُ بِالْحَدَثِ السَّابِقِ لَكِنَّ الْوَقْتَ مَانِعٌ، فَإِذَا زَالَ ظَهَرَ أَثَرُ الْحَدَثِ فَكَانَتْ النِّسْبَةُ إلَى الْخُرُوجِ مَجَازًا. وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ الِانْتِقَاضَ لَوْ اسْتَنَدَ إلَى الْحَدَثِ السَّابِقِ لَمَا وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ، ثُمَّ خَرَجَ الْوَقْتُ؛ لِأَنَّهُ ظَهَرَ أَنَّهُ شَرَعَ فِيهَا بِلَا طَهَارَةٍ. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ تَيْسِيرًا فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْحُكْمُ دَائِرًا عَلَيْهِ كَانَ الِانْتِقَاضُ مُقْتَصِرًا مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ فَكَانَ طَهُورًا مِنْ وَجْهٍ وَاقْتِصَارًا مِنْ وَجْهٍ فَعَمِلْنَا بِالْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، فَجَعَلْنَاهُ اقْتِصَارًا فِي الْقَضَاءِ وَظُهُورًا

стр. 178

وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ. فِي حَقِّ الْمَسْحِ حَتَّى إنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تَمْسَحُ عَلَى خُفَّيْهَا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ إذَا كَانَ الدَّمُ سَائِلًا وَقْتَ الْوُضُوءِ وَاللُّبْسِ، أَوْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا إذَا انْتَقَضَتْ اسْتَنَدَ إلَى الْحَدَثِ السَّابِقِ، وَلَمْ يَعْكِسْ الِاقْتِصَارَ وَالظُّهُورَ عَمَلًا بِالِاحْتِيَاطِ فَإِنَّ الِاحْتِيَاطَ فِيهِ دُونَ عَكْسِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ لَا تَظْهَرُ إلَّا فِيمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرْنَا أَوْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) إنَّمَا انْحَصَرَتْ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ فِي الْأُولَى دُخُولًا بِلَا خُرُوجٍ فَلَا تَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَتَنْتَقِضُ عِنْدَهُمَا، وَفِي الثَّانِيَةِ خُرُوجًا بِلَا دُخُولٍ فَيَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَلَا يَنْتَقِضُ عِنْدَ زُفَرَ هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ كَمَا تَرَى وَقَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ طَهَارَتُهَا لَا تَنْتَقِضُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِدُخُولٍ بِلَا خُرُوجٍ وَتَنْتَقِضُ بِخُرُوجٍ بِلَا دُخُولٍ كَمَا هُوَ قَوْلُهُمَا. وَقَالَ فِيمَا إذَا تَوَضَّأَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَدَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ: إنَّمَا تَحْتَاجُ لِلطَّهَارَةِ لِأَجْلِ الظُّهْرِ عِنْدَهُ، لَا لِأَنَّ طَهَارَتَهَا انْتَقَضَتْ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ، بَلْ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا ضَرُورِيَّةٌ وَلَا ضَرُورَةَ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الْوَقْتِ. وَقَالَ فِي طَرَفِ زُفَرَ: الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ: يَعْنِي الْخُرُوجَ وَالدُّخُولَ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَإِنَّمَا لَمْ تَنْتَقِضُ الطَّهَارَةُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ؛ لِأَنَّ قِيَامَ الْوَقْتِ جُعِلَ عُذْرًا، وَقَدْ بَقِيَتْ شُبْهَتُهُ حَتَّى لَوْ قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرِ قَضَاهَا مَعَ سُنَّتِهَا، فَكَانَ كَمَالُ الْخُرُوجِ بِدُخُولِ وَقْتٍ آخَرَ وَلَمْ يُوجَدْ، فَبَقِيَتْ شُبْهَتُهُ فَصَلَحَتْ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْعُذْرِ تَحْقِيقًا: قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يُعْلَمُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ الْأَرْبَعَةَ كُلَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ السَّابِقَ إنَّمَا يَعْمَلُ عِنْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَا غَيْرُ، إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَقْدِيمَ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لِعَدَمِهَا الْحَاجَةَ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ ثَانِيًا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ زُفَرَ لَمْ يُوجَدْ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ مَكْتُوبَةٍ أُخْرَى، فَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ عِنْدَهُ أَيْضًا. وَأَقُولُ: لَمْ يَظْهَرْ لِذَلِكَ فَائِدَةٌ فِي الْمَسَائِلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَظْهَرُ إلَّا فِي الصُّورَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فَإِنْ اعْتَبَرْت مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ صَحَّ، وَإِنْ اعْتَبَرْت مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ صَحَّ فَلَمْ يَكُنْ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي التَّخْرِيجِ وَالتَّعْوِيلِ عَلَى تَصْحِيحِ النَّقْلِ (لِزُفَرَ أَنَّ اعْتِبَارَ الطَّهَارَةِ مَعَ الْمُنَافِي لِلطَّهَارَةِ لِلْحَاجَةِ إلَى الْأَدَاءِ وَلَا حَاجَةَ قَبْلَ الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ) فَإِنْ قِيلَ فَغَيْرُ الْمُعْتَبَرِ كَيْفَ يُوصَفُ بِالِانْتِقَاضِ

стр. 179

وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَلَهُمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الْوَقْتُ، وَخُرُوجُ الْوَقْتِ دَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ، فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ الْمَعْذُورُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الضُّحَى، وَلَوْ تَوَضَّأَ مَرَّةً لِلظُّهْرِ فِي وَقْتِهِ وَأُخْرَى فِيهِ لِلْعَصْرِ فَعِنْدَهُمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهِ لِانْتِقَاضِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْمَفْرُوضَةِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ عَدَمَ الِاعْتِبَارِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوَقْتِيَّةِ لَا مُطْلَقًا فَإِنَّهَا مُعْتَبَرَةٌ فِي حَقِّ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَالنَّوَافِلِ فَكَانَ نَقْضُهَا بِاعْتِبَارِهَا (وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْحَاجَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى الْوَقْتِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْأَدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ (فَلَا تُعْتَبَرُ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوَقْتِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ كَمَا دَخَلَ الْوَقْتُ) وَلَيْسَ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ بَلْ لِلْمُفَاجَأَةِ: أَيْ لِيُفَاجِئَ تَمَكُّنَ الْأَدَاءِ دُخُولُ الْوَقْتِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ قَائِمٌ مَقَامَ الْأَدَاءِ كَمَا مَرَّ، وَتَقْدِيمُهَا عَلَى الْأَدَاءِ وَاجِبٌ، فَكَانَ تَقْدِيمُهَا عَلَى خَلَفِهِ جَائِزًا حَطًّا لِرُتْبَتِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْأَصْلِ. فَإِنْ قُلْت: فَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوُجُوبِ لَا مَحَالَةَ وَلَيْسَ التَّقْدِيمُ وَاجِبًا. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُضَافَ مَحْذُوفٌ: أَيْ لَا بُدَّ مِنْ جَوَازِ تَقْدِيمِ الطَّهَارَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الدُّخُولُ صَالِحًا لِظُهُورِ الْحَدَثِ عِنْدَهُ لِكَوْنِهِ مُحَقِّقًا لِلْحَاجَةِ، وَأَمَّا خُرُوجُ الْوَقْتِ فَدَلِيلُ زَوَالِ الْحَاجَةِ فَظَهَرَ اعْتِبَارُ الْحَدَثِ عِنْدَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَالْمُرَادُ بِالْوَقْتِ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ) أَيْ الْمُرَادُ بِالْوَقْتِ الَّذِي اُعْتُبِرَ دُخُولُهُ وَخُرُوجُهُ وَقْتُ الْمَفْرُوضَةِ. وَقَوْلُهُ: (عِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ وَقْتُ صَلَاةٍ وَاجِبَةٍ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ وَاجِبَةٌ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهَا) يَعْنِي صَلَاةَ الْعِيدِ (بِمَنْزِلَةِ الضُّحَى) مِنْ حَيْثُ إنَّهَا لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ إنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى أُدِّيَتْ بِجَمَاعَةٍ. وَقَوْلُهُ: (فَعِنْدَهُمَا) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَ الْجَمِيعِ كَذَلِكَ لِمَا أَنَّ الشُّبْهَةَ تَأْتِي عَلَى قَوْلِهِمَا؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الطَّهَارَةَ عَلَى الْوَقْتِ وَلَا يَنْتَقِضُ بِالدُّخُولِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ لِمَا أَنَّ هَذَا دُخُولٌ مُشْتَمِلٌ عَلَى خُرُوجٍ، فَهِيَ إنْ لَمْ تَنْتَقِضْ بِالدُّخُولِ تَنْتَقِضُ بِالْخُرُوجِ. قِيلَ وَإِنَّمَا وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الظُّهْرِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ وَقْتِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ، وَمَا رَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ ظِلَّ كُلِّ شَيْءٍ إذَا صَارَ مِثْلَهُ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ.

стр. 180

وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ، قَالَ: (وَالْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَرَّفَهَا بِقَوْلِهِ هِيَ الَّتِي لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ (إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ) قَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ والمرغيناني وَالْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ وَغَيْرُهُمْ إنَّ هَذَا تَعْرِيفُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي حَالَةِ الْبَقَاءِ، وَأَمَّا فِي حَالَةِ الثُّبُوتِ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُ السَّيَلَانِ مِنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَى آخِرِهِ اعْتِبَارًا بِالسُّقُوطِ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ حَتَّى يَنْقَطِعَ فِي الْوَقْتِ كُلِّهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَعْرِيفًا لَهَا فِي الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْحَائِضِ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَمْضِي عَلَيْهَا وَقْتُ صَلَاةٍ إلَّا وَالْحَدَثُ الَّذِي اُبْتُلِيَتْ بِهِ يُوجَدُ فِيهِ، وَبِمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ انْقَطَعَ فَتَوَضَّأَتْ وَدَامَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ صَادِقٌ عَلَيْهَا وَلَيْسَتْ بِمُسْتَحَاضَةٍ بِدَلِيلِ عَدَمِ انْتِقَاضِ طَهَارَتِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَالْمُسْتَحَاضَةُ تَنْتَقِضُ طَهَارَتُهَا بِذَلِكَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِ انْتِقَاضِ طَهَارَتِهَا مَا ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ فَإِنَّهُ قَالَ: إذَا تَوَضَّأَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ وَالدَّمُ مُنْقَطِعٌ وَصَلَّتْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ ثُمَّ سَالَ الدَّمُ فَعَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ وَتَبْنِيَ عَلَى صَلَاتِهَا؛ لِأَنَّ انْتِقَاضَ الطَّهَارَةِ كَانَ بِالْحَدَثِ لَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهَا أَدَاءُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْحَدَثِ فَجَازَ لَهَا أَنْ تَبْنِيَ وَإِنْ كَانَ تَعْرِيفًا فِي الِانْتِهَاءِ فَقَطْ كَمَا قَالُوا فَكَذَلِكَ، وَيَلْزَمُ اخْتِلَافُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَالَتَيْنِ وَالْحَقَائِقُ لَا تَخْتَلِفُ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ أَنْ يُقَالَ فِي تَعْرِيفِهَا: الْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ ثَبَتَ عُذْرُهَا بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ مِنْ فَرْجِهَا وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا لَيْسَ مِنْ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ ثُمَّ لَا تَخْلُو عَنْهُ مُنْذُ تَوَضَّأَتْ فِيهِ إنْ دَامَ، فَقَوْلُهُ: مَنْ ثَبَتَ عُذْرُهَا بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ وَقَوْلُهُ: بِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ احْتِرَازٌ عَمَّنْ هُوَ بِمَعْنَاهَا مِمَّنْ بِهِ انْفِلَاتُ رِيحٍ وَانْطِلَاقُ بَطْنٍ وَغَيْرُهُمَا، وَقَوْلُهُ: مِنْ فَرْجِهَا احْتِرَازٌ كَمَا إذَا ثَبَتَ عُذْرُهَا بِاسْتِمْرَارِ

стр. 181

وَكَذَا كُلُّ مَنْ هُوَ مَعْنَاهَا وَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ وَمَنْ بِهِ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ وَانْفِلَاتُ رِيحٍ الدَّمِ مِنْ أَنْفِهَا أَوْ جُرْحٍ بِهَا فَإِنَّهَا بِمَعْنَاهَا، وَقَوْلُهُ: وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ لِبَيَانِ ثُبُوتِ عُذْرِهَا ابْتِدَاءً، وَقَوْلُهُ: لَيْسَ: أَيْ ذَلِكَ الْوَقْتُ مِنْ أَوْقَاتِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ احْتِرَازٌ عَمَّا وَرَدَ عَلَى التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّقْضِ بِصُورَةِ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ كَالْحَائِضِ فِي الْوُرُودِ، وَقَوْلُهُ: ثُمَّ لَا تَخْلُو: أَيْ الْمُسْتَحَاضَةُ عَنْهُ: أَيْ عَنْ الدَّمِ مُنْذُ تَوَضَّأَتْ فِيهِ: أَيْ فِي الْوَقْتِ لِبَيَانِ أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْبَقَاءِ وَلِإِخْرَاجِ مَا وَرَدَ مِنْ النَّقْضِ بِقَوْلِهِ وَبِمَا إذَا رَأَتْ الدَّمَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ثُمَّ انْقَطَعَ وَإِنَّ الدَّمَ كَانَ فِيهِ قَبْلَ الْوُضُوءِ، وَالْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ أَوْ عِنْدَهُ، وَقَوْلُهُ: إنْ دَامَ: يَعْنِي الْحَدَثَ لِبَيَانِ أَنَّ ثُبُوتَ كَوْنِهَا مُسْتَحَاضَةً لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَوْلِهِ ثُمَّ لَا تَخْلُو عَنْهُ إلَخْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِلْبَقَاءِ وَبِاسْتِمْرَارِ الدَّمِ فِي وَقْتٍ كَامِلٍ يَثْبُتُ ذَلِكَ وَإِنْ انْقَطَعَ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي بِالْكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا كُلُّ مَنْ هُوَ فِي مَعْنَاهَا) أَيْ فِي مَعْنَى الْمُسْتَحَاضَةِ: أَيْ يَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَهَا. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ مَنْ ذَكَرْنَاهُ) يَعْنِي قَوْلَهُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَالرُّعَافُ الدَّائِمُ وَالْجُرْحُ الَّذِي لَا يَرْقَأُ. وَقَوْلَهُ (وَمَنْ بِهِ اسْتِطْلَاقُ بَطْنٍ أَوْ انْفِلَاتُ رِيحٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ، وَاسْتِطْلَاقُ الْبَطْنِ مَشْيُهُ

стр. 182

لِأَنَّ الضَّرُورَةَ بِهَذَا تَتَحَقَّقُ وَهِيَ تَعُمُّ الْكُلَّ فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ (النِّفَاسُ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ) لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَنَفُّسِ الرَّحِمِ بِالدَّمِ أَوْ مِنْ خُرُوجِ النَّفْسِ بِمَعْنَى الْوَلَدِ أَوْ بِمَعْنَى الدَّمِ (وَالدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ ابْتِدَاءً أَوْ حَالَ وِلَادَتِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ) وَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: حَيْضٌ اعْتِبَارًا بِالنِّفَاسِ إذْ هُمَا جَمِيعًا مِنْ الرَّحِمِ. وَالِانْفِلَاتُ خُرُوجُ الشَّيْءِ فَلْتَةً: أَيْ بَغْتَةً (؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ بِهَذَا) أَيْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحْدَاثِ (تَتَحَقَّقُ وَهِيَ) أَيْ الضَّرُورَةُ (تَعُمُّ الْكُلَّ) فَيَكُونُ حُكْمُ الْكُلِّ حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَلَوْ أُرِيدَ تَعْرِيفُ الْمَعْذُورِ، قِيلَ هُوَ مَنْ حَصَلَ بِهِ الْعُذْرُ بِدَوَامِ الْحَدَثِ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا ثُمَّ لَا يَخْلُو عَنْهُ مُنْذُ تَوَضَّأَ فِيهِ إنْ دَامَ وَالْقُيُودُ تُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ. (فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ) الدِّمَاءُ الْمُخْتَصَّةُ بِالْمَرْأَةِ حَيْضٌ وَاسْتِحَاضَةٌ وَنِفَاسٌ وَالنِّفَاسُ آخِرُهَا تَرْتِيبًا لِمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَرْتِيبِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ، وَالنِّفَاسُ مَصْدَرُ نُفِسَتْ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا إذَا وَلَدَتْ فَهِيَ نُفَسَاءُ وَهُنَّ نِفَاسٌ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ (النِّفَاسُ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ) وَقَوْلُهُ: عَقِيبَ الْوِلَادَةِ صِفَةٌ لِلدَّمِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ مُعَيَّنٌ فَهُوَ فِي مَعْنَى النَّكِرَةِ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ) فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مَوْضِعِ التَّعْرِيفِ وَيُتَدَارَكُ بِأَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ التَّسْمِيَةِ كَأَنَّهُ قَالَ: سُمِّيَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ بِالنِّفَاسِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ (مِنْ تَنَفَّسَ الرَّحِمُ بِالدَّمِ أَوْ مِنْ خُرُوجِ النَّفْسِ) بِسُكُونِ الْفَاءِ (بِمَعْنَى الْوَلَدِ أَوْ بِمَعْنَى الدَّمِ) مِنْ قَوْلِهِمْ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ. قَالَ صَاحِبُ الْمُغْرِبِ: وَأَمَّا اشْتِقَاقُهُ مِنْ تَنَفَّسَ الرَّحِمُ أَوْ خُرُوجُ النَّفْسِ بِمَعْنَى الْوَلَدِ فَلَيْسَ بِذَاكَ، وَذَكَرَ فِي الْمُجْتَبَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ تَنَفَّسَ الرَّحِمُ أَوْ النَّفْسِ أَوْ الْوِلَادَةِ عَلَى مَا قَالَ شَاعِرُهُمْ: إذَا نَفِسَ الْمَوْلُودُ مِنْ آلِ خَالِدٍ … بَدَا كَرَمٌ لِلنَّاظِرِينَ قَرِيبُ وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ كُلُّهُ. قَالَ (وَالدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ ابْتِدَاءً) أَيْ حَالَ الْحَبَلِ (أَوْ حَالَ وِلَادَتِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَلَدِ اسْتِحَاضَةٌ وَإِنْ كَانَ مُمْتَدًّا) أَيْ بَالِغًا نِصَابَ الْحَيْضِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ حَيْضٌ اعْتِبَارًا بِالنِّفَاسِ) يَعْنِي إذَا وَلَدَتْ

стр. 183

وَلَنَا أَنَّ بِالْحَبَلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ كَذَا الْعَادَةُ، وَالنِّفَاسُ بَعْدَ انْفِتَاحِهِ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ، وَلِهَذَا كَانَ نِفَاسًا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِأَنَّهُ يَنْفَتِحُ فَيَتَنَفَّسُ بِهِ (وَالسَّقْطُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ وَلَدٌ) حَتَّى تَصِيرَ الْمَرْأَةُ بِهِ نُفَسَاءَ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ وَكَذَا الْعِدَّةُ تَنْقَضِي بِهِ (وَأَقَلُّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ) وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَرَأَتْ الدَّمَ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَلَدِ الثَّانِي فَإِنَّهَا حَامِلٌ فِي حَقِّ الْوَلَدِ الثَّانِي، وَذَلِكَ نِفَاسٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْجَامِعُ كَوْنُهُمَا جَمِيعًا مِنْ الرَّحِمِ. وَلَنَا أَنَّ الْحَيْضَ دَمُ الرَّحِمِ وَدَمُ الرَّحِمِ لَا يُوجَدُ مِنْ الْحَامِلِ؛ لِأَنَّ بِالْحَبَلِ يَنْسَدُّ فَمُ الرَّحِمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَنْزِلَ مَا فِيهِ لِكَوْنِ الثُّقْبِ مِنْ أَسْفَلَ، وَاعْتِبَارُهُ بِالنِّفَاسِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ انْفِتَاحِهِ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ، وَلِهَذَا كَانَ نِفَاسًا بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ فَمَ الرَّحِمِ يَنْفَتِحُ فَيَتَنَفَّسُ بِالدَّمِ، هَذَا إذَا خَرَجَ أَكْثَرُ الْوَلَدِ، فَأَمَّا إذَا خَرَجَ أَقَلُّهُ فَلَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ وَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ مَا يَعْقُبُ الْوَلَدَ وَلَمْ يُوجَدْ الْوَلَدُ لَا حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَقَلِّ حُكْمُ الْكُلِّ. وَإِنَّمَا أَبْهَمَ الْبَعْضَ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ. رَوَى خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي تَرَاهُ الْمَرْأَةُ بَعْدَ خُرُوجِ أَكْثَرِ الْوَلَدِ نِفَاسٌ. وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ بَعْدَ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ بَعْدَ خُرُوجِ الرَّأْسِ وَنِصْفِ الْبَدَنِ أَوْ الرِّجْلَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْبَدَنِ. وَعَنْهُ أَنَّهَا لَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ حَتَّى يَخْرُجَ جَمِيعُ وَلَدِهَا. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي خُرُوجِ الْأَكْثَرِ وَهُوَ مُصَحَّحٌ عَلَى مَا رَوَى خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ، وَأَمَّا مُحَمَّدٌ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَيْسَ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ فَإِنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ النِّفَاسَ إنَّمَا يَثْبُتُ بِوَضْعِ الْحَمْلِ كُلِّهِ فَمَا لَمْ يُوجَدْ وَضْعُ الْحَمْلِ كُلِّهِ لَا يَثْبُتُ النِّفَاسُ فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ اطَّلَعَ عَلَى رِوَايَةٍ فَنَقَلَهَا. وَقَوْلُهُ: (وَالسِّقْطُ الَّذِي اسْتَبَانَ بَعْضُ خَلْقِهِ) كَأُصْبُعٍ مَثَلًا (وَلَدٌ تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ نُفَسَاءَ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ بِهِ) إنْ ادَّعَاهُ الْمَوْلَى (وَالْعِدَّةُ تَنْقَضِي بِهِ) وَاَلَّذِي لَمْ يَسْتَبِنْ مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ فَلَا نِفَاسَ لَهَا، وَلَكِنْ إنْ أَمْكَنَ جَعْلُ الْمَرْئِيِّ مِنْ الدَّمِ حَيْضًا بِأَنْ يَدُومَ إلَى أَقَلِّ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَتَقَدَّمَهُ طُهْرٌ تَامٌّ يُجْعَلُ حَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ كَانَ اسْتِحَاضَةً. قَالَ (وَأَقَلُّ النِّفَاسِ لَا حَدَّ لَهُ) لَا حَدَّ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ أَقَلَّ النِّفَاسِ مَا يُوجَدُ فَإِنَّهَا كَمَا وَلَدَتْ إذَا رَأَتْ الدَّمَ سَاعَةً ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ فَإِنَّهَا تَصُومُ وَتُصَلِّي وَكَانَ مَا رَأَتْ نِفَاسًا لَا خِلَافَ فِي هَذَا بَيْنَ أَصْحَابِنَا إنَّمَا الْخِلَافُ فِيمَا إذَا وَجَبَ اعْتِبَارُ أَقَلِّ النِّفَاسِ فِي انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بِأَنْ قَالَ لَهَا إذَا وَلَدْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ انْقَضَتْ عِدَّتِي أَيُّ مِقْدَارٍ يُعْتَبَرُ لِأَقَلِّ النِّفَاسِ مَعَ ثَلَاثِ حِيَضٍ؟ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ أَقَلُّهُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ

стр. 184

لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْوَلَدِ عُلِمَ الْخُرُوجُ مِنْ الرَّحِمِ فَأَغْنَى عَنْ امْتِدَادٍ جُعِلَ عِلْمًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ (وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ اسْتِحَاضَةً) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ وَقَّتَ لِلنُّفَسَاءِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا»، يَوْمًا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِسَاعَةٍ، وَهَذَا كَمَا تَرَى يَقْتَضِي وُجُودَ الدَّمِ، فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَمْ تَرَ دَمًا فَهِيَ نُفَسَاءُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ وَقَالَ: هِيَ طَاهِرَةٌ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ، فَأَمَّا الْوُضُوءُ فَوَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ أَخَذُوا بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبَعْضُهُمْ أَخَذَ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ الْخَارِجُ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا نِفَاسٌ كَيْفَ تَكُونُ نُفَسَاءَ، وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَحْوَطُ (وَإِنَّمَا لَمْ يُقَدِّرُوا أَقَلَّهُ بِحَدٍّ؛ لِأَنَّ تَقَدُّمَ الْوَلَدِ عُلِمَ الْخُرُوجُ مِنْ الرَّحِمِ فَأَغْنَى عَنْ امْتِدَادٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَيْضِ) فَإِنَّهُ اُشْتُرِطَ فِيهِ امْتِدَادُ الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيُعْلَمَ أَنَّ ذَلِكَ الدَّمَ مِنْ الرَّحِمِ أَوْ لَا إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ الرَّحِمِ، وَفِي النِّفَاسِ قَدْ عُلِمَ ذَلِكَ بِانْفِتَاحِ فَمِ الرَّحِمِ بِخُرُوجِ الْوَلَدِ. وَقَوْلُهُ: (وَأَكْثَرُهُ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) ظَاهِرٌ، وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، وَمِثْلُهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا سَمَاعًا، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْمَعْقُولِ؛ لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعَةُ أَمْثَالِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ،

стр. 185

وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اعْتِبَارِ السِّتِّينَ (وَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْأَرْبَعِينَ وَكَانَتْ وَلَدَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَهَا عَادَةٌ فِي النِّفَاسِ رَدَّتْ إلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا) لِمَا بَيَّنَّا فِي الْحَيْضِ (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهَا عَادَةٌ فَابْتِدَاءُ نِفَاسِهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ جَعْلُهُ نِفَاسًا (فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ فَنِفَاسُهَا مِنْ الْوَلَدِ الْأَوَّلِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: مِنْ الْوَلَدِ الْأَخِيرِ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ ﵀ لِأَنَّهَا حَامِلٌ بَعْدَ وَضْعِ الْأَوَّلِ فَلَا تَصِيرُ نُفَسَاءَ، كَمَا أَنَّهَا لَا تَحِيضُ، وَلِهَذَا تَنْقَضِي الْعِدَّةَ بِالْوَلَدِ الْأَخِيرِ بِالْإِجْمَاعِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْحَامِلَ إنَّمَا لَا تَحِيضُ لِانْسِدَادِ فَمِ الرَّحِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ انْفَتَحَ بِخُرُوجِ الْأَوَّلِ وَتَنَفَّسَ بِالدَّمِ فَكَانَ نِفَاسًا، وَالْعِدَّةُ تَعَلَّقَتْ بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إلَيْهَا فَيَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي بَابِ الْحَيْضِ أَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا فَكَانَ أَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَإِنَّمَا كَانَ أَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعَةَ أَمْثَالِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ؛ لِأَنَّ الرُّوحَ لَا تَدْخُلُ فِي الْوَلَدِ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَتُجْمَعُ الدِّمَاءُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، وَإِذَا دَخَلَتْ الرُّوحُ صَارَ الدَّمُ غِذَاءً لِلْوَلَدِ، فَإِذَا خَرَجَ الْوَلَدُ خَرَجَ مَا كَانَ مُحْتَبِسًا مِنْ الدَّمِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْأَرْبَعِينَ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ) يَعْنِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا أَقَلُّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ فِيمَا إذَا كَانَ بَيْنَ الْوَلَدَيْنِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا أَنَّ النِّفَاسَ فِيهِ يَكُونُ مِنْ الْوَلَدِ الثَّانِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مَا اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَقَدْ مَضَتْ فَلَا يَجِبُ النِّفَاسُ بَعْدَهَا، وَدَلِيلُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (وَالْعِدَّةُ تَعَلَّقَتْ بِوَضْعِ حَمْلٍ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ مُحَمَّدٍ النِّفَاسَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ حَمْلٍ مُضَافٍ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾

стр. 186

بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا (تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. وَالْحَمْلُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا فِي الْبَطْنِ، وَمَا بَقِيَ الْوَلَدُ فِي بَطْنِهَا مَوْجُودًا كَانَتْ حَامِلًا فَلَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ حَتَّى تَضَعَ الْجَمِيعَ بَابُ الْأَنْجَاسِ وَتَطْهِيرِهَا لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَتَطْهِيرِهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَتَطْهِيرِهَا؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَقْوَى لِكَوْنِ قَلِيلِهَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ بِالِاتِّفَاقِ فَكَانَ بِالتَّقَدُّمِ أَوْلَى، وَتَقْدِيرُ كَلَامِهِ بَابُ بَيَانِ الْأَنْجَاسِ. وَالْأَنْجَاسُ جَمْعُ نَجَسٍ بِفَتْحَتَيْنِ: وَهُوَ كُلُّ مُسْتَقْذَرٍ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ اسْمًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وَكَمَا أَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى الْحَقِيقِيِّ يُطْلَقُ عَلَى الْحُكْمِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُ الْحُكْمِيِّ أَمِنَ اللَّبْسَ فَأَطْلَقَهُ. وَقَوْلُهُ: وَتَطْهِيرِهَا: أَيْ تَطْهِيرِ مَحَلِّهَا مِنْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَضَافَهُ إلَى ضَمِيرِ الْأَنْجَاسِ أَنَّثَهُ، وَالْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْبَابِ فِي مَوَاضِعَ فِي الدَّلِيلِ الْمُوجِبِ لِلتَّطْهِيرِ، وَفِي آلَةِ التَّطْهِيرِ، وَفِي بَيَانِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَةِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ التَّطْهِيرِ، وَفِي الْقَدْرِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ الْمَحَلُّ نَجِسًا، وَفِيمَا يَتَعَذَّرُ التَّطْهِيرُ بِهِ. قَوْلُهُ: (تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ) أَيْ تَطْهِيرُ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ بِإِثْبَاتِ الطَّهَارَةِ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَقِيلَ تَطْهِيرُ النَّجَاسَةِ: أَيْ إزَالَتُهَا (وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مُطْلَقًا وَهُوَ لِلْوُجُوبِ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ مَعْنَاهُ

стр. 187

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . فَقَصِّرْ فَلَا يَتِمُّ دَلِيلًا عَلَى إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَجَازٌ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْحَقِيقَةُ، عَلَى أَنَّ تَقْصِيرَ الثِّيَابِ يَسْتَلْزِمُ التَّطْهِيرَ عَادَةً فَيَكُونُ أَمْرًا بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ اقْتِضَاءً، وَإِذَا كَانَ تَطْهِيرُ الثَّوْبِ وَاجِبًا لِتَحْسِينِ حَالِ الْمُنَاجِي رَبَّهُ

стр. 188

وَقَالَ ﵊ «حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» وَإِذَا وَجَبَ التَّطْهِيرُ بِمَا ذَكَرْنَا فِي الثَّوْبِ وَجَبَ فِي الْبَدَنِ وَالْمَكَانِ فَإِنَّ الِاسْتِعْمَالَ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ الْكُلَّ (وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَانِعٍ طَاهِرٍ يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِهِ كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا إذَا عُصِرَ انْعَصَرَ) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ كَانَ تَطْهِيرُ الْمَكَانِ وَالْبَدَنِ كَذَلِكَ لِمُسَاوَاةِ الْأَوَّلِ لِلْمَنْصُوصِ وَأَوْلَوِيَّةِ الثَّانِي. وَقَوْلُهُ: ﷺ «حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ» الْحَتُّ: الْقَشْرُ بِالْيَدِ أَوْ الْعُودِ، وَالْقَرْضُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ. لَا يُقَالُ: الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ سَأَلَتْهُ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُوجِبُ لِوُجُوبِ تَطْهِيرِهِ كَوْنِهِ نَجِسًا وَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِذَلِكَ فَيَلْحَقُ بِهِ كُلُّ مَا كَانَ نَجِسًا، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي طَهَارَةِ الْمَكَانِ مَا تَحْتَ قَدَمِ الْمُصَلِّي فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ فَالصَّلَاةُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ السُّجُودِ فَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ جَائِزَةٌ. وَقَوْلُهُ: (وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (طَاهِرٌ) احْتِرَازٌ عَنْ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ التَّطْهِيرَ لَا يَحْصُلُ بِهِ، وَقِيلَ يَحْصُلُ حَتَّى لَوْ غُسِلَ دَمٌ بِذَلِكَ رَخَّصْنَا فِيهِ مَا لَمْ يَفْحُشْ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَالْأَصَحُّ أَنَّ التَّطْهِيرَ بِالنَّجِسِ لَا يَكُونُ لِتَضَادٍّ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَقَوْلُهُ (يُمْكِنُ إزَالَتُهَا بِهِ) احْتِرَازٌ عَنْ الدُّهْنِ وَالسَّمْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛؛ لِأَنَّ الْإِزَالَةَ إنَّمَا

стр. 189

وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏: لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَاءِ لِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَالنَّجِسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ. تَكُونُ بِإِخْرَاجِ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ مَعَ الْمُزِيلِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَذَلِكَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ، وَإِنَّمَا ذِكْرُهُ الْمَاءَ وَإِنْ كَانَ جَوَازُ التَّطْهِيرِ بِهِ ثَابِتًا بِالْإِجْمَاعِ لِيُعْلِمَ أَنَّ الْإِزَالَةَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ بِهِ بَلْ تَجُوزُ بِهِ وَبِغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ يَنْجَسُ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ) يَعْنِي لِاخْتِلَاطِهِ بِالنَّجَاسَةِ (وَالنَّجَسُ لَا يُفِيدُ الطَّهَارَةَ) ظَاهِرٌ، وَبِهِ يَتَقَوَّى مَا ذَكَرْنَا مِنْ رِوَايَةِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنَّ هَذَا الْقِيَاسَ تُرِكَ فِي الْمَاءِ لِلضَّرُورَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ فَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ

стр. 190

وَلَهُمَا أَنَّ الْمَائِعَ قَالِعٌ، وَالطَّهُورِيَّةَ بِعِلَّةِ الْقَلْعِ وَالْإِزَالَةُ وَالنَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ، فَإِذَا انْتَهَتْ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ يَبْقَى طَاهِرًا، وَجَوَابُ الْكِتَابِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ فِي الْمَاءِ أَيْضًا فَيَلْزَمُهُ شُمُولُ الْجَوَازِ أَوْ عَدَمُهُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَهُمَا أَنَّ الْمَائِعَ قَالِعٌ) ظَاهِرٌ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الْعِلَّةِ يُوجِبُهُ فِي الْمَعْلُولِ وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِعِلَّةِ الْقَلْعِ وَالْإِزَالَةِ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْخَلِّ وَأَشْبَاهِهِ فَتَكُونُ مُطَهِّرَةً كَالْمَاءِ. وَقَوْلُهُ: (وَالنَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلُ الْمُوجِبِ: أَيْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ تَنَجَّسَ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ لَكِنَّ الْمَحَلَّ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا لِعَيْنِهِ بَلْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ لِلْمُجَاوَرَةِ، فَإِذَا انْتَهَتْ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ بِالْعَصْرِ بَقِيَ الْمَحَلُّ طَاهِرًا. لَا يُقَالُ: التَّعْلِيلُ بِالْقَلْعِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّصَّ يَقْتَضِي الْغَسْلَ بِالْمَاءِ قَالَ ﵊ «اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ»؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْغَسْلُ بِالْمَاءِ إمَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِبًا لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَالْأَوَّلُ مَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ إذَا قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ وَصَلَّى بِذَلِكَ الثَّوْبِ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ بِخِلَافٍ، وَالثَّانِي مُسَلَّمٌ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ لِلتَّطْهِيرِ وَهُوَ يَحْصُلُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَائِعِ حُصُولَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ. قَوْلُهُ: (وَجَوَابُ الْكِتَابِ) أَيْ الْقُدُورِيِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ تَطْهِيرُهَا بِالْمَاءِ وَبِكُلِّ مَائِعٍ طَاهِرٍ إلَخْ مُطْلَقٌ عَنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ فِي رِوَايَةِ

стр. 191

أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يُجَوِّزْ فِي الْبَدَنِ بِغَيْرِ الْمَاءِ. (وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ فَجَفَّتْ فَدَلَّكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا يَجُوزُ) وَهُوَ الْقِيَاسُ (إلَّا فِي الْمَنِيِّ خَاصَّةً) لِأَنَّ الْمُتَدَاخِلَ فِي الْخُفِّ لَا يُزِيلُهُ الْجَفَافُ وَالدَّلْكُ، بِخِلَافِ الْمَنِيِّ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» وَلِأَنَّ الْجِلْدَ لِصَلَابَتِهِ لَا تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ إلَّا قَلِيلًا الْحَسَنِ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْهُ (أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا) وَقَالَ (لَا يَجُوزُ فِي الْبَدَنِ إلَّا بِالْمَاءِ)؛ لِأَنَّ غَسْلَ الْبَدَنِ طَرِيقُهُ الْعِبَادَةُ فَاخْتَصَّ بِالْمَاءِ كَالْوُضُوءِ وَغَسْلِ الثَّوْبِ طَرِيقُهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَلَمْ يَخْتَصَّ بِالْمَاءِ كَالْحَتِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا كَانَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ قَائِمَةً بِالْبَدَنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إزَالَتِهَا مِنْهُ وَإِزَالَتِهَا مِنْ الثَّوْبِ. قَالَ (وَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ نَجَاسَةٌ) النَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْخُفَّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ (لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ وَالْعَذِرَةِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ) أَوْ لَا يَكُونُ كَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهِمَا. وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ حَصَلَ لَهُ جَفَافٌ أَوْ لَا، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ جَفَافٌ (فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ جَازَ) أَيْ طَهُرَ فِي حَقِّ جَوَازِ الصَّلَاةِ اسْتِحْسَانًا. وَأَمَّا إذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَعُودُ نَجِسًا كَمَا كَانَ؟ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ (وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجُوزُ) الصَّلَاةُ بِهِ (وَهُوَ الْقِيَاسُ) أَيْ عَلَى الثَّوْبِ وَالْبِسَاطِ بِجَامِعِ أَنَّ النَّجَاسَةَ تَدَاخَلَتْ فِي الْخُفِّ تَدَاخُلَهَا فِيهِمَا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْمُتَدَاخِلَ فِي الْخُفِّ إلَخْ (إلَّا فِي الْمَنِيِّ) فَإِنَّهُ يَطْهُرُ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَقَيَّدَ بِالدَّلْكِ بِالْأَرْضِ رِوَايَةَ الْأَصْلِ، وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ إنْ حَكَّهُ أَوْ حَتَّهُ بَعْدَمَا يَبِسَ طَهُرَ وَهُمَا اسْتَحْسَنَا بِالْأَثَرِ، وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فِي حَدِيثِ خَلْعِ النِّعَالِ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى يَوْمًا فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَخَلَعَ الْقَوْمُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا رَأَيْنَاك خَلَعْت نَعْلَيْك، فَقَالَ ﵊: أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا أَذًى فَخَلَعْتهمَا، ثُمَّ قَالَ: إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيْهِ فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» وَالْأَذَى هُوَ مَا يَسْتَعْذِرُ كَأَنَّهُ يُؤْذِي مَنْ يُقِرُّ بِهِ نُفْرَةً وَكَرَاهَةً جَعَلَ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ طَهُورًا وَهُوَ مُفَسَّرٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. لَا يُقَالُ: الْحَدِيثُ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ؛ لِأَنَّهُ ﵊ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الصَّلَاةَ لِجَوَازِ أَنَّ الْحَظْرَ مَعَ النَّجَاسَةِ نَزَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ. قَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ الْجِلْدَ لِصَلَابَتِهِ)

стр. 192

ثُمَّ يَجْتَذِبُهُ الْجِرْمُ إذَا جَفَّ، فَإِذَا زَالَ زَالَ مَا قَامَ بِهِ (وَفِي الرَّطْبِ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَغْسِلَهُ) لِأَنَّ الْمَسْحَ بِالْأَرْضِ يُكْثِرُهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ إذَا مَسَحَهُ بِالْأَرْضِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ أَثَرُ النَّجَاسَةِ يَطْهُرُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَإِطْلَاقِ مَا يُرْوَى وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا ﵏ (إنْ أَصَابَهُ بَوْلٌ فَيَبِسَ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَغْسِلَهُ) وَكَذَا كُلُّ مَا لَا جِرْمَ لَهُ كَالْخَمْرِ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ تَتَشَرَّبُ فِيهِ وَلَا جَاذِبَ يَجْذِبُهَا. وَقِيلَ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الرَّمْلِ وَالرَّمَادِ جِرْمٌ لَهُ وَالثَّوْبُ لَا يُجْزِي فِيهِ إلَّا الْغَسْلُ وَإِنْ يَبِسَ لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَّا الْغَسْلُ. وَالْمَنِيُّ نَجِسٌ يَجِبُ غَسْلُهُ إنْ كَانَ رَطْبًا (فَإِذَا جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ) لِقَوْلِهِ ﵊ لِعَائِشَةَ «فَاغْسِلِيهِ إنْ كَانَ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ إنْ اسْتِدْلَالٌ بِالْمَعْقُولِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا جَفَافٌ لَا يَطْهُرُ حَتَّى يَغْسِلَهُ لِمَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ (وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا مَشَى عَلَى الرَّوْثِ ثُمَّ مَسَحَ خُفَّهُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ أَثَرُ النَّجَاسَةِ وَلَا رَائِحَتُهَا يَطْهُرُ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَإِطْلَاقِ مَا يُرْوَى) يَعْنِي قَوْلَهُ فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ الْحَدِيثَ، فَإِنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ مَشَايِخِنَا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: وَهُوَ صَحِيحٌ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى لِلضَّرُورَةِ. فَإِنْ قِيلَ: الْحَدِيثُ كَمَا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَا لَهُ جِرْمٌ وَمَا لَيْسَ لَهُ جِرْمٌ فَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي الْحُكْمِ، أُجِيبَ بِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَخْرَجَ الَّتِي لَا جِرْمَ لَهَا بِالتَّعْلِيلِ وَهُوَ «قَوْلُهُ: ﵊ فَإِنَّ الْأَرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ» أَيْ مُزِيلٌ نَجَاسَتَهُمَا، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْخُفَّ إذَا تَشَرَّبَ الْبَوْلَ أَوْ الْخَمْرَ لَا يُزِيلُهُ الْمَسْحُ وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَجْزَاءِ الْجِلْدِ فَكَانَ إطْلَاقُهُ مَصْرُوفًا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَقْبَلُ الْإِزَالَةَ بِالْمَسْحِ وَهُوَ مَا لَهُ جِرْمٌ. وَالثَّانِي: أَعْنِي الَّذِي لَا جِرْمَ لَهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الْأَجْزَاءَ تَتَشَرَّبُ مَا فِيهِ وَلَا جَاذِبَ يَجْذِبُهَا. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الرَّمْلِ وَالرَّمَادِ جِرْمٌ لَهُ، فَإِذَا جَفَّ فَدَلَكَهُ بِالْأَرْضِ طَهُرَ كَاَلَّتِي لَهَا جِرْمٌ، وَإِذَا أَصَابَتْ الثَّوْبَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ الثَّوْبَ لِتَخَلْخُلِهِ: أَيْ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُكْتَنِزٍ يَتَدَاخَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فَلَا يُخْرِجُهَا إلَّا الْغَسْلُ. وَأَمَّا الْمَنِيُّ إذَا أَصَابَ الثَّوْبَ، فَإِنْ

стр. 193

كَانَ يَابِسًا» وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: الْمَنِيُّ طَاهِرٌ، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ. وَقَالَ ﵊ «إنَّمَا كَانَ رَطْبًا فَهُوَ نَجِسٌ وَيَجِبُ غَسْلُهُ، وَإِنْ جَفَّ عَلَى الثَّوْبِ أَجْزَأَ فِيهِ الْفَرْكُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَلَّا يَطْهُرَ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ إلَّا أَنَّهُ نُضْجٌ ثَخِينٌ فَهُوَ كَسَائِرِ أَنْوَاعِ الدَّمِ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ قَوْلُهُ: ﷺ لِعَائِشَةَ «فَاغْسِلِيهِ إنْ كَانَ رَطْبًا وَافْرُكِيهِ إنْ كَانَ يَابِسًا» وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي جَعْلِهِ طَاهِرًا مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «الْمَنِيُّ كَالْمُخَاطِ فَأَمِطْهُ عَنْك وَلَوْ بِإِذْخِرَةٍ» فَإِنْ قِيلَ إذَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثٍ وَنَحْنُ بِحَدِيثٍ فَمَا وَجْهُ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاهُ؟. فَالْجَوَابُ أَنَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَهُ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَالْمُخَاطِ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ فِي اللُّزُوجَةِ وَقِلَّةِ التَّدَاخُلِ وَطَهَارَتِهِ بِالْفَرْكِ، وَالْأَمْرُ بِالْإِمَاطَةِ مَعَ كَوْنِهِ لِلْوُجُوبِ وَيَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ نَجِسًا؛ لِأَنَّ إزَالَةَ مَا لَيْسَ بِنَجِسٍ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ بِهِ الِاحْتِجَاجُ. وَقَوْلُهُ: (وَقَالَ ﵊) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى نَجَاسَتِهِ، رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ مَرَّ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَهُوَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ مِنْ النُّخَامَةِ فَقَالَ: ﵊: مَا نُخَامَتُك وَدُمُوعُ عَيْنَيْك وَالْمَاءُ الَّذِي فِي رَكْوَتِك إلَّا سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ الْبَوْلِ، وَالْغَائِطِ، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ، وَالْقَيْءِ» وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْرَارِ: الْخَمْرُ مَكَانَ الْقَيْءِ. لَا يُقَالُ: الِاسْتِدْلَال بِهِ يَقْتَضِي غَسْلَهُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَلَسْتُمْ قَائِلِينَ بِهِ فَكَانَ مَتْرُوكًا؛ لِأَنَّ

стр. 194

يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَنِيَّ» وَلَوْ أَصَابَ الْبَدَنَ. قَالَ مَشَايِخُنَا ﵏: يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ فَلَا يَعُودُ إلَى الْجِرْمِ وَالْبَدَنُ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ. (وَالنَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْمِرْآةَ أَوْ السَّيْفَ اكْتَفَى بِمَسْحِهِمَا) لِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْمَسْحِ. (وَإِنْ أَصَابَتْ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا جَازَتْ الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا) حَدِيثَ عَائِشَةَ مُفَسَّرٌ فِي جَوَازِ فَرْكِ الْيَابِسِ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّطْبَ فَحُمِلَ عَلَيْهِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا (وَلَوْ أَصَابَ) الْمَنِيُّ (الْبَدَنَ، قَالَ مَشَايِخُنَا) قِيلَ يُرِيدُ مَشَايِخَ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ (يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِيهِ أَشَدُّ) لِانْفِصَالِ الثَّوْبِ عَنْ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَدَنِ (وَ) رُوِيَ (عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ حَرَارَةَ الْبَدَنِ جَاذِبَةٌ فَلَا يَعُودُ) مَا تَشَرَّبَ مِنْهُ الْبَدَنُ (إلَى الْجِرْمِ) وَلَئِنْ عَادَ فَإِنَّمَا يَطْهُرُ بِالْفَرْكِ أَيْضًا وَالْبَدَنُ لَا يُمْكِنُ فَرْكُهُ. قَالَ (وَالنَّجَاسَةُ إذَا أَصَابَتْ الْمِرْآةَ) إذَا أَصَابَتْ النَّجَاسَةُ جِسْمًا مُكْتَنِزَ الْأَجْزَاءِ صَقِيلًا كَالْمِرْآةِ وَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهَا (اُكْتُفِيَ بِمَسْحِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَتَدَاخَلُهُ النَّجَاسَةُ) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْإِخْرَاجِ مِنْ الدَّاخِلِ (وَمَا عَلَى ظَاهِرِهِ يَزُولُ بِالْمَسْحِ) وَلَا فَصْلَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالْعَذِرَةِ وَالْبَوْلِ. وَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ الْبَوْلَ وَالدَّمَ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَالْعَذِرَةُ الرَّطْبَةُ كَذَلِكَ، وَالْيَابِسَةُ تَطْهُرُ بِالْحَتِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا تَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ، وَالْمُصَنِّفُ كَأَنَّهُ اخْتَارَ مَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ خِلَافَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَقْتُلُونَ الْكُفَّارَ بِسُيُوفِهِمْ ثُمَّ يَمْسَحُونَهَا وَيُصَلُّونَ مَعَهَا. (وَإِذَا أَصَابَتْ الْأَرْضَ نَجَاسَةٌ فَجَفَّتْ بِالشَّمْسِ وَذَهَبَ أَثَرُهَا) وَهُوَ اللَّوْنُ وَالرَّائِحَةُ بِالْجَفَافِ جَازَتْ

стр. 195

وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُزِيلُ (وَ) لِهَذَا (لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ) وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا» وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ ثَبَتَتْ شَرْطًا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَلَا تَتَأَدَّى بِمَا ثَبَتَ بِالْحَدِيثِ. الصَّلَاةُ عَلَى مَكَانِهَا. وَقَوْلُهُ: بِالشَّمْسِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي طَهَارَتِهَا وَإِنَّمَا وَقَعَ اتِّفَاقًا، فَإِنَّ الْأَرْضَ فِي الْعَادَةِ تَجِفُّ بِالشَّمْسِ (وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ)؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَصَلَتْ فِي الْمَكَانِ وَالْمُزِيلُ لَمْ يُوجَدْ (وَلِهَذَا لَمْ يَجُزْ التَّيَمُّمُ بِهِ وَلَنَا قَوْلُهُ: ﷺ «ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا») أَيْ طَهَارَتُهَا جَفَافُهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ،؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ وَهِيَ الذَّبْحُ سَبَبُ الطَّهَارَةِ فِي الذَّبِيحَةِ، وَجَعَلَ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ هَذَا الْحَدِيثَ مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا فَقَوْلُهُ: «أَيُّمَا أَرْضٍ جَفَّتْ فَقَدْ ذَكَتْ» وَصَاحِبُ الْمُغْرِبِ جَعَلَهُ قَوْلَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَقْلًا بِالْمَعْنَى فَيَكُونُ مَرْفُوعًا قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ) جَوَابٌ عَنْ قَوْلِهِمَا وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ (؛ لِأَنَّ طَهَارَةَ الصَّعِيدِ شَرْطٌ بِنَصِّ الْكِتَابِ)

стр. 196

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . قَالَ تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَلَا تَأَدِّيَ بِمَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ فَلَا تَكُونُ الطَّهَارَةُ قَطْعِيَّةً بِجَفَافِ الْأَرْضِ وَالْكِتَابُ يَقْتَضِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: أَلَيْسَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ طَهَارَةَ الْمَكَانِ ثَبَتَتْ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَالثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ كَالثَّابِتِ بِالْعِبَارَةِ فِي كَوْنِهِ قَطْعِيًّا حَتَّى ثَبَتَتْ الْحُدُودُ وَالْكَفَّارَاتُ بِدَلَالَةِ النُّصُوصِ فَوَجَبَ أَلَّا تَجُوزَ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا كَمَا لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّ الْآيَةَ هُنَا ظَنِّيَّةٌ؛ لِأَنَّ الْمُفَسِّرِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهَا، فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ تَطْهِيرُ الثَّوْبِ، وَقِيلَ تَقْصِيرُهُ لِلْمَنْعِ عَنْ التَّكَبُّرِ وَالْخُيَلَاءِ. فَإِنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَجُرُّونَ أَذْيَالَهُمْ تَكَبُّرًا، وَقِيلَ الْمُرَادُ تَطْهِيرُ النَّفْسِ عَنْ الْمَعَايِبِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ وَلِهَذَا لَمْ يَكْفُرْ مَنْ

стр. 197

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أَنْكَرَ اشْتِرَاطَ طَهَارَةِ الثَّوْبِ وَهُوَ عَطَاءٌ فَتَكُونُ الدَّلَالَةُ كَذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: فَالطَّيِّبُ أَيْضًا يَحْتَمِلُ الطَّاهِرَ وَالْمُنْبِتَ، وَعَلَى الثَّانِي حَمَلَهُ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَا مُرَادَيْنِ لِعَدَمِ عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ فَيَكُونُ مُؤَوَّلًا وَهُوَ مِنْ الْحُجَجِ الظَّنِّيَّةِ كَالْعَامِّ فَيَجِبُ أَنْ يَجُوزَ التَّيَمُّمُ أُجِيبَ. بِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي الطَّيِّبِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ الطَّاهِرَ مُرَادٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ،

стр. 198

(وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ النَّجِسِ الْمُغَلَّظِ كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَخُرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ الْحِمَارِ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ وَإِنْ زَادَ لَمْ تَجُزْ) وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ لَمْ يُفَصِّلْ. وَلَنَا أَنَّ الْقَلِيلَ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَيُجْعَلُ عَفْوًا، وَقَدَّرْنَاهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ الْإِنْبَاتِ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ قَطْعِيًّا فَلَا يَتَأَدَّى بِطَهَارَةٍ تَثْبُتُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ. قَالَ (وَقَدْرُ الدِّرْهَمِ وَمَا دُونَهُ مِنْ النَّجَاسَةِ الْمُغَلَّظَةِ) النَّجَاسَةُ إمَّا أَنْ تَكُونَ غَلِيظَةً أَوْ خَفِيفَةً، فَإِنْ كَانَتْ غَلِيظَةً وَهِيَ مَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ (كَالدَّمِ وَالْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَخَرْءِ الدَّجَاجِ وَبَوْلِ الْحِمَارِ) إذَا كَانَتْ قَدْرَ الدِّرْهَمِ (جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ) وَقَوْلُهُ: وَمَا دُونَهُ مُسْتَغْنًى عَنْهُ (وَإِنْ زَادَ لَمْ تَجُزْ. وَقَالَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيُّ: قَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ النَّصَّ الْمُوجِبَ لِلتَّطْهِيرِ) وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (لَمْ يَفْصِلْ) بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (وَلَنَا الْقَلِيلُ مِنْهَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ) فَإِنَّ الذِّبَّانَ يَقَعْنَ عَلَى النَّجَسِ ثُمَّ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَكَذَلِكَ دَمُ الْبَرَاغِيثِ غَيْرُ مُمْكِنٍ التَّحَرُّزُ عَنْهُ فَكَانَ فِي الْقَلِيلِ ضَرُورَةً وَمَوَاضِعُ الضَّرُورَةِ مُسْتَثْنَاةٌ فِي دَلَائِلِ الشَّرْعِ (فَيُجْعَلُ عَفْوًا، وَقَدَّرْنَاهُ) أَيْ الْقَلِيلَ (بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ) يَعْنِي ذَلِكَ لَا يُمْنَعُ، فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ مُنِعَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ أَخَذْنَا بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَوْسَعُ، وَكَانَ النَّخَعِيُّ يَقُولُ:

стр. 199

أَخْذًا عَنْ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ. ثُمَّ يُرْوَى اعْتِبَارُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ وَهُوَ قَدْرُ عَرْضِ الْكَفِّ فِي الصَّحِيحِ، وَيُرْوَى مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ وَهُوَ الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ الْمِثْقَالِ وَهُوَ مَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ مِثْقَالًا. وَقِيلَ فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا إنَّ الْأُولَى فِي الرَّقِيقِ وَالثَّانِيَةَ فِي الْكَثِيفِ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجَاسَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مُغَلَّظَةً لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ إذَا بَلَغَتْ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ مَنَعَتْ. وَقَوْلُهُ: (أَخْذًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِنْ قَدَّرْنَاهُ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْأَخْذِ فَالْمُرَادُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ مَوْضِعُ خُرُوجِ الْحَدَثِ قَالَ النَّخَعِيُّ اسْتَقْبَحُوا ذِكْرَ الْمَقَاعِدِ فِي مَجَالِسِهِمْ فَكَنَّوْا عَنْهُ بِالدِّرْهَمِ. وَوَجْهُ الْأَخْذِ مَا قَالَ صَاحِبُ الْأَسْرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» وَالِاسْتِجْمَارُ هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ فَيَثْبُتُ أَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالْحِجَارَةِ وَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهُ سَقَطَ حُكْمُهُ لِقِلَّةِ النَّجَاسَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْقَدْرَ عَفْوٌ، وَمَا ثَبَتَ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَكْتَفُونَ بِالْأَحْجَارِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ وَذَلِكَ لَا يُزِيلُ النَّجَاسَةَ حَتَّى لَوْ جَلَسَ الْمُسْتَنْجِي بِهِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَهُ فَاكْتِفَاؤُهُمْ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ النَّجَاسَةِ عَفْوٌ (ثُمَّ يُرْوَى) عَنْ مُحَمَّدٍ (اعْتِبَارُ الدِّرْهَمِ مِنْ حَيْثُ الْمِسَاحَةُ) حَيْثُ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ هُوَ مَا يَكُونُ مِثْلَ عَرْضِ الْكَفِّ (وَيُرْوَى مِنْ حَيْثُ الْوَزْنُ وَهُوَ الدِّرْهَمُ الْكَبِيرُ الْمِثْقَالُ وَهُوَ مَا يَبْلُغُ وَزْنُهُ مِثْقَالًا) وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: نُوَفِّقُ بَيْنَ أَلْفَاظِ مُحَمَّدٍ فَنَقُولُ: إنَّ الْأُولَى: يَعْنِي رِوَايَةَ الْمِسَاحَةِ فِي الرَّقِيقِ مِنْهَا، وَالثَّانِيَةُ: يَعْنِي رِوَايَةَ الْوَزْنِ فِي الْكَثِيفِ قَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجَاسَةُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ) يَعْنِي الْمَذْكُورَةَ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ مُغَلَّظَةً (لِأَنَّهَا ثَبَتَتْ بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ) قِيلَ بِالْإِجْمَاعِ، وَقِيلَ التَّغْلِيظُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَثْبُتُ بِنَصٍّ لَا مُعَارِضَ لَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَثْبُتُ بِالْإِجْمَاعِ وَفِي الْكِتَابِ

стр. 200

(وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ رُبُعَ الثَّوْبِ) يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ، وَالرُّبُعُ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَعَنْهُ رُبُعُ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ، وَقِيلَ رُبُعُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ كَالذَّيْلِ وَالدِّخْرِيصِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ، إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ أَنْ يَكُونَ سَالِمًا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّخْفِيفِ مِنْ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَتَجَاذُبِ الِاجْتِهَادِ وَالضَّرُورَاتِ الْمُخَفَّفَةِ (وَإِنْ كَانَتْ مُخَفَّفَةً) وَهِيَ مَا تَثْبُتُ بِخَبَرٍ غَيْرِ مَقْطُوعٍ بِهِ (كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ حَتَّى يَبْلُغَ رُبْعَ الثَّوْبِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مُحَمَّدٍ أَيْضًا (؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِ بِالْكَثِيرِ الْفَاحِشِ) وَالْكَثِيرُ الْفَاحِشُ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاسُ وَيَسْتَفْحِشُونَهُ (وَالرُّبْعُ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ) كَمَسْحِ الرَّأْسِ وَانْكِشَافِ الْعَوْرَةِ وَغَيْرِهِمَا فَيَلْحَقُ بِهِ هَاهُنَا وَبِالْكُلِّ يَحْصُلُ الِاسْتِفْحَاشُ فَكَذَا بِمَا قَامَ مَقَامَهُ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الثَّوْبِ فَقِيلَ أَدْنَى ثَوْبٍ تَجُوزُ فِيهِ الصَّلَاةُ كَالْمِئْزَرِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَيَقْرَبُهُ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ يُعْتَبَرُ السَّرَاوِيلُ احْتِيَاطًا؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ الثِّيَابِ (وَقِيلَ رُبْعُ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ) النَّجَاسَةُ (كَالذَّيْلِ) وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ فُلَانٌ شَمَّرَ الذَّيْلَ وَالْكُمَّ (وَالدِّخْرِيصِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ شِبْرٌ فِي شِبْرٍ) أَيْ شِبْرٌ طُولًا وَشِبْرٌ عَرْضًا أَخْذًا مِنْ بَاطِنِ الْخُفَّيْنِ: يَعْنِي مَا يَلِي الْأَرْضَ مِنْ الْخُفِّ، فَإِنَّ بَاطِنَهُمَا يَبْلُغُ شِبْرًا فِي شِبْرٍ

стр. 201

وَإِنَّمَا كَانَتْ مُخَفَّفَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ (وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الرَّوْثِ أَوْ أَخْثَاءِ الْبَقَرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) لِأَنَّ النَّصَّ الْوَارِدَ فِي نَجَاسَتِهِ وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ رَمَى بِالرَّوْثَةِ وَقَالَ: هَذَا رِجْسٌ أَوْ رِكْسٌ» لَمْ يُعَارِضْهُ غَيْرُهُ، وَبِهَذَا يَثْبُتُ التَّغْلِيظُ عِنْدَهُ وَالتَّخْفِيفُ بِالتَّعَارُضِ (وَقَالَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَفْحُشَ) لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا، وَلِهَذَا يَثْبُتُ التَّخْفِيفُ عِنْدَهُمَا، وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لِامْتِلَاءِ الطُّرُقِ بِهَا وَهِيَ مُؤَثِّرَةٌ فَيَجُوزُ تَقْدِيرُ الْكَثِيرِ الْفَاحِشِ بِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَهَا جِرْمٌ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ فِي الْخِفَافِ لِطَهَارَتِهِ بِالْمَسْحِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ: وَبِالْمَسْحِ إنْ زَالَتْ الْعَيْنُ فَلَا يُشَكُّ فِي بَقَاءِ الْأَثَرِ، وَحَيْثُ لَمْ يُعْتَبَرْ ذَلِكَ قُدِّرَ بِهِ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ كَمَا قُدِّرَ الدِّرْهَمُ بِمَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى سَقَطَ اعْتِبَارُ مَا عَلَى السَّبِيلِ مِنْ النَّجَاسَةِ (وَإِنَّمَا كَانَ) يَعْنِي بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (مُخَفَّفًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ فِي نَجَاسَتِهِ) عَلَى أَصْلِ أَبِي يُوسُفَ ﵀، فَإِنَّ تَخْفِيفَهَا عِنْدَهُ إنَّمَا ثَبَتَ مِنْ سَوْغِ الِاجْتِهَادِ. (أَوْ لِتَعَارُضِ النَّصَّيْنِ) عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، فَإِنَّ تَخْفِيفَهَا عِنْدَهُ إنَّمَا يَنْشَأُ مِنْ تَعَارُضِ النَّصَّيْنِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ (عَلَى اخْتِلَافِ الْأَصْلَيْنِ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّمَا أَخَّرَ أَصْلَ أَبِي حَنِيفَةَ رِعَايَةً لِفَوَاصِلِ الْأَلْفَاظِ فَإِنَّهَا مِمَّا يُرَاعَى، وَأَرَى أَنَّ تَقْدِيمَهُ مَا كَانَ يُنَافِي ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي، وَثَمَرَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِي الْأَرْوَاثِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَإِنَّمَا خَصَّ الْأَصْلُ الْأَوَّلَ بِأَبِي يُوسُفَ وَإِنْ كَانَ أَصْلَ مُحَمَّدٍ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَلَيْسَ هُوَ بِنَجِسٍ عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَهُوَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ خَاصَّةً أَصْلُ أَبِي يُوسُفَ وَحْدَهُ فَخَصَّصَهُ وَبِهَذَا سَقَطَ مَا أَوْرَدَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ (وَإِنْ أَصَابَ الثَّوْبَ مِنْ الرَّوْثِ أَوْ أَخْثَاءِ الْبَقَرِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ) لِمَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ مَسَاغًا)؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ: إنَّ الْبَعْرَ وَالرَّوْثَ وَخَثْيَ الْبَقَرِ طَاهِرٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: السِّرْقِينُ لَيْسَ بِشَيْءٍ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ لَا يُمْنَعُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وُقُودُ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا اسْتَعْمَلُوهُ كَالْعَذِرَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً) بَيَانُ أَنَّ التَّخْفِيفَ عِنْدَهُمَا يَثْبُتُ بِشَيْءٍ آخَرَ وَهُوَ الْبَلْوَى وَالضَّرُورَةُ. وَالْجَوَابُ أَنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ لَا يُخْرِجُ

стр. 202

فِي التَّخْفِيفِ، بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ. قُلْنَا: الضَّرُورَةُ فِي النِّعَالِ قَدْ أَثَّرَتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَتَكْفِي مُؤْنَتُهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، وَزُفَرُ ﵀ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ فِي غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَوَافَقَهُمَا فِي الْمَأْكُولِ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الرَّيَّ وَرَأَى الْبَلْوَى أَفْتَى بِأَنَّ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ لَا يَمْنَعُ أَيْضًا وَقَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى، وَعِنْدَ ذَلِكَ رُجُوعُهُ فِي الْخُفِّ يُرْوَى. (وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَرَسِ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَفْحُشَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ) لِأَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ مُخَفَّفٌ نَجَاسَتُهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَلَحْمُهُ مَأْكُولٌ عِنْدَهُمَا، وَأَمَّا النَّجَاسَةَ عَنْ كَوْنِهَا مُغَلَّظَةً؛ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِخِلَافِهِ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ بِنَاءً عَلَى الرَّأْيِ وَهُوَ لَا يُعَارِضُ النَّصَّ، وَكَذَلِكَ الْبَلْوَى لَا تُعْتَبَرُ فِي مَوْضِعِ النَّصِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْبَلْوَى فِي بَوْلِ الْحِمَارِ أَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يَتَرَشَّشُ فَيُصِيبُ الثِّيَابَ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يُعْفَى أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ وَكَذَلِكَ بَوْلُ الْآدَمِيِّ، وَرُدَّ بِأَنَّ الضَّرُورَةَ لَوْ لَمْ تُعْتَبَرْ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ بِالنَّجَاسَةِ لَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِخِفَّةِ نَجَاسَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ بِقَوْلِهِ ﷺ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» الْحَدِيثَ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ لِلضَّرَرِ وَالْبَلْوَى بَلْ لِلتَّعَارُضِ بِحَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ. وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ بَوْلِ الْحِمَارِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ الضَّرُورَةُ فِي بَوْلِ الْحِمَارِ كَالضَّرُورَةِ فِي رَوْثِهِ وَقَدْ قُلْتُمْ بِتَغْلِيظِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ (لِأَنَّ الْأَرْضَ تُنَشِّفُهُ) فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ يُبْتَلَى بِهِ الْمَارُّ بِخِلَافِ الرَّوْثِ. وَالْجَوَابُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الضَّرُورَةَ إنَّمَا هِيَ فِي النِّعَالِ، وَقَدْ أَثَّرَتْ فِي التَّخْفِيفِ مَرَّةً حَتَّى تَطْهُرَ بِالْمَسْحِ فَتَكْفِي مُؤْنَتُهَا بِذَلِكَ التَّخْفِيفِ فَلَا يُخَفَّفُ فِي نَجَاسَتِهَا ثَانِيًا إلْحَاقًا لِلرَّوْثِ بِالْعَذِرَةِ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهَا كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَغَيْرِهِ) عِنْدَ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ (وَزُفَرُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَوَافَقَ أَبَا حَنِيفَةَ فِي غَيْرِ الْمَأْكُولِ وَوَافَقَهُمَا فِي الْمَأْكُولِ) فَإِنَّهُ قَاسَ الْخَارِجَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ بِالْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ الْآخَرِ وَالْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْبَوْلُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ كَوْنِهِ مَأْكُولَ اللَّحْمِ وَغَيْرَهُ فَكَذَا الْخَارِجُ مِنْ هَذَا السَّبِيلِ. وَقَوْلُهُ: (وَعَنْ مُحَمَّدٍ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (قَاسُوا عَلَيْهِ طِينَ بُخَارَى) يَعْنِي قَالَ الْمَشَايِخُ لَا يَكُونُ الْكَثِيرُ الْفَاحِشُ مِنْهُ مَانِعًا وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا بِالْعَذِرَاتِ. (وَعِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الرَّيِّ (رُجُوعُهُ) عَنْ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ (فِي الْخُفِّ) أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدَّلْكِ بِالْأَرْضِ (يُرْوَى). قَالَ (وَإِنْ أَصَابَهُ بَوْلُ الْفَرَسِ لَمْ يُفْسِدْهُ حَتَّى يَفْحُشَ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مَرَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَصْلِهِ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَإِنَّ الْفَرَسَ مَأْكُولٌ عِنْدَهُمَا وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً مُخَفَّفَةً عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَمْنَعُ حَتَّى يَفْحُشَ. (وَ) طَاهِرٌ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يَمْنَعُ وَإِنْ فَحُشَ) وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ حَرَّمَ أَكْلَهُ وَجَعَلَ بَوْلَهُ نَجِسًا مُخَفَّفًا لِتَعَارُضِ الْآثَارِ وَهُوَ حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ وَقَدْ مَرَّ وَقَوْلُهُ: ﵊ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» الْحَدِيثَ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ التَّعَارُضَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا جُهِلَ التَّارِيخُ، وَفِي حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ

стр. 203

عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ التَّخْفِيفُ لِتَعَارُضِ الْآثَارِ. (وَإِنْ أَصَابَهُ خُرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا تَجُوزُ) فَقَدْ قِيلَ إنَّ الِاخْتِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْمِقْدَارِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. دَلَالَةُ التَّقَدُّمِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْمُثْلَةَ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِمَا تَعَارُضًا، وَلَكِنَّهُ فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَالْفَرَسُ غَيْرُ مَأْكُولٍ عِنْدَهُ وَالْكَرَاهَةُ فِيهِ كَرَاهَةُ التَّحْرِيمِ فَيَكُونُ بَوْلُهُ نَجِسًا مُغَلَّظًا. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ الدَّلَالَةَ دُونَ الْعِبَارَةِ، وَفِي عِبَارَتِهِ تَعَارُضٌ فَتَرَجَّحَ جَانِبُ الْعِبَارَةِ وَتَحَقَّقَ التَّعَارُضُ، وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ اشْتِمَالَ الْقِصَّةِ عَلَى الْمُثْلَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَارَةَ مَنْسُوخَةٌ فَلَا تَعَارُضَ، وَبِأَنَّ انْتِسَاخَ الْمُثْلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى انْتِسَاخِ طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّهُمَا حُكْمَانِ مُخْتَلِفَانِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِسَاخِ أَحَدِهِمَا انْتِسَاخُ الْآخَرِ، وَهُوَ أَيْضًا فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ الْعُرَنِيِّينَ الدَّالَّ عَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ انْتَفَى التَّعَارُضُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ لَمْ تَثْبُتْ نَجَاسَةُ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِقَوْلِهِ ﵊ «اسْتَنْزِهُوا الْبَوْلَ» عِنْدَهُ وَالْأَمْرُ بِخِلَافِهِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ حُرْمَةَ لَحْمِ الْفَرَسِ عِنْدَهُ لَمْ تَكُنْ لِنَجَاسَتِهِ بَلْ تَحَرُّزًا عَنْ تَقْلِيلِ مَادَّةِ الِاجْتِهَادِ فَكَانَ لَحْمُهُ طَاهِرًا عِنْدَهُ، وَلِهَذَا قَالَ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ وَهَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِانْقِطَاعُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّ بَوْلَ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ عِنْدَهُ نَجِسٌ غَلِيظٌ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مَا ذُكِرَ قَيَّدَهُ بِكَوْنِ الْحُرْمَةِ النَّجَاسَةَ، وَقَدْ عُرِفَ بُطْلَانُ ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ. وَلِصُعُوبَةِ التَّقَصِّي عَنْ عُهْدَةِ هَذَا الْمَقَامِ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِتَعَارُضِ الْآثَارِ التَّعَارُضُ فِي لَحْمِهِ، فَإِنَّهُ رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ». وَرُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ أَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ» وَهَذَا يُوجِبُ التَّخْفِيفَ فِي بَوْلِهِ؛ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فِي وَجْهٍ فَلَا يَكُونُ كَبَوْلِ الْكَلْبِ وَالْحِمَارِ، الْكَلَامُ فِيهِ كَالْكَلَامِ فِيمَا قَبْلَهُ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ مَنْسُوخٌ كَمَا فِي الْحِمَارِ. (وَإِنْ أَصَابَهُ خَرْءُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ الطُّيُورِ) كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالْحِدَأَةِ (جَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تَجُوزُ فَقَدْ قِيلَ إنَّ الِاخْتِلَافَ فِي النَّجَاسَةِ) يَعْنِي أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَنَجِسٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ كَالنَّجْوِ (وَقَدْ قِيلَ فِي الْمِقْدَارِ) يَعْنِي أَنَّهُ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ، لَكِنَّهُ خَفِيفٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ غَلِيظٌ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ،

стр. 204

هُوَ يَقُولُ إنَّ التَّخْفِيفَ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ لِعَدَمِ الْمُخَالَطَةِ فَلَا يُخَفَّفُ. وَلَهُمَا أَنَّهَا تَذَرَّقَ مِنْ الْهَوَاءِ وَالْتِحَامِي عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ فَتَحَقَّقَتْ الضَّرُورَةُ، وَلَوْ وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ قِيلَ يُفْسِدُهُ، وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْأَوَانِي عَنْهُ (وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ دَمِ السَّمَكِ أَوْ لُعَابِ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرُ الدِّرْهَمِ أَجْزَأَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَمَّا دَمُ السَّمَكِ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ فَلَا يَكُونُ نَجِسًا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ اعْتَبَرَ فِيهِ الْكَثِيرَ الْفَاحِشَ فَاعْتَبَرَهُ نَجِسًا. وَأَمَّا لُعَابُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ فَلِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَتَنَجَّسُ بِهِ الطَّاهِرُ (فَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلَ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ. وَيُفْهَمُ مِنْ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ جَمِيعًا، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا فِي الْمَنْظُومَةِ وَالْمُخْتَلَفِ فَإِنَّ فِيهِمَا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ وَمَعَ مُحَمَّدٍ عَلَى رِوَايَةِ الْهِنْدُوَانِيِّ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ يَقُولُ التَّخْفِيفُ لِلضَّرُورَةِ) عَلَى طَرِيقَةِ الْهِدَايَةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (وَلَوْ وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ قِيلَ يُفْسِدُهُ) لِإِمْكَانِ صَوْنِ الْأَوَانِي عَنْهُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الْأَعْمَشُ (وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِتَعَذُّرِ صَوْنِ الْأَوَانِي عَنْهُ) وَبِهِ أَخَذَ الْكَرْخِيُّ. قَوْلُهُ: (وَإِنْ أَصَابَهُ مِنْ دَمِ السَّمَكِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (لَيْسَ بِدَمٍ عَلَى التَّحْقِيقِ)؛ لِأَنَّ الدَّمَ عَلَى التَّحْقِيقِ يَسْوَدُّ إذَا شُمِّسَ وَدَمُ السَّمَكِ يَبْيَضُّ، وَلِهَذَا يَحِلُّ تَنَاوُلُهُ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ. وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْكَثِيرَ لِلْفَاحِشِ (فَإِنْ انْتَضَحَ عَلَيْهِ الْبَوْلُ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ فَذَلِكَ لَيْسَ بِشَيْءٍ) أَيْ بِشَيْءٍ يُوجِبُ الْغَسْلَ عَلَى الْمُصَلِّي؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَطَاعُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا فِي مَهَبِّ الرِّيحِ. وَقَدْ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:

стр. 205

قَالَ (وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ: مَرْئِيَّةٌ، وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا مَرْئِيًّا فَطَهَارَتُهُ زَوَالُ عَيْنِهَا) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَلَّتْ الْمَحَلَّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَتَزُولُ بِزَوَالِهَا (إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهَا مَا تَشُقُّ إزَالَتُهُ) لِأَنَّ الْحَرَجَ مَدْفُوعٌ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْغَسْلُ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ وَإِنْ زَالَ بِالْغَسْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِيهِ كَلَامٌ (وَمَا لَيْسَ بِمَرْئِيٍّ فَطَهَارَتُهُ أَنْ يُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ) لِأَنَّ التَّكْرَارَ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلِاسْتِخْرَاجِ، وَلَا يُقْطَعُ بِزَوَالِهِ فَاعْتُبِرَ غَالِبُ الظَّنِّ كَمَا فِي أَمْرِ الْقِبْلَةِ وَإِنَّمَا قَدَّرُوا بِالثَّلَاثِ لِأَنَّ غَالِبَ الظَّنِّ يَحْصُلُ عِنْدَهُ، فَأُقِيمَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ مَقَامَهُ تَيْسِيرًا، أَنَا أَرْجُو مِنْ عَفْوِ اللَّهِ أَوْسَعَ مِنْ هَذَا. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ، أَنَّ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مِثْلُ رُءُوسِ الْإِبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَانِبَ الْآخَرَ مِنْ الْإِبَرِ مُعْتَبَرٌ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَشَايِخِ قَالُوا بَلْ لَا يُعْتَبَرُ الْجَانِبَانِ جَمِيعًا لِدَفْعِ الْحَرَجِ. قَالَ (وَالنَّجَاسَةُ ضَرْبَانِ: مَرْئِيَّةٌ، وَغَيْرُ مَرْئِيَّةٍ) الْحَصْرُ ضَرُورِيٌّ لِدَوَرَانِهِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ بَعْدَ الْجَفَافِ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُتَجَسِّدَةً كَالْغَائِطِ وَالدَّمِ أَوْ غَيْرَهُمَا كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ، فَطَهَارَةُ الْأُولَى زَوَالُ عَيْنِهَا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ عَدَدٍ فِيهِ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ حَلَّتْ الْمَحَلَّ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَتَزُولُ بِزَوَالِهَا (وَقَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَبْقَى مِنْ أَثَرِهِ) كَلَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ (مَا تَشُقُّ إزَالَتُهُ) بِالِاحْتِيَاجِ فِي الْإِزَالَةِ إلَى غَيْرِ الْمَاءِ وَالصَّابُونِ وَالْأُشْنَانِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءُ الْعَرْضِ مِنْ الْعَيْنِ وَهُوَ الْعَيْنُ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ إزَالَةَ مِثْلِ ذَلِكَ حَرَجٌ وَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ عَيْنَهَا إذَا زَالَتْ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى غَسْلٍ بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ: (فِيهِ كَلَامٌ) أَيْ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ

стр. 206

وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ الْعَصْرِ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يَقُولُ بَعْدَ زَوَالِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ: تُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ الْتَحَقَ بِغَيْرِ مَرْئِيَّةٍ غُسِلَ مَرَّةً فَيُغْسَلُ مَرَّتَيْنِ، وَطَهَارَةُ الثَّانِيَةِ أَنْ يُغْسَلَ حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّ الْغَاسِلِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ مَنَامِهِ) فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَقَوْلُهُ: (فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ

стр. 207

لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَخْرَجُ. إذَا غَسَلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَعَصَرَ فِي الْمَرَّةِ الثَّالِثَةِ يَطْهُرُ، وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَيْضًا أَنَّهُ يُكْتَفَى بِالْغَسْلِ مَرَّةً، وَهَذَا فِيمَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ، أَمَّا فِي غَيْرِهِ كَالْحَصِيرِ مَثَلًا فَإِنَّ أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ: يُغْسَلُ ثَلَاثًا وَيُجَفَّفُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ فَيَطْهُرُ؛ لِأَنَّ لِلتَّجْفِيفِ أَثَرًا فِي اسْتِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ فَيَقُومُ مَقَامَ الْعَصْرِ إذْ لَا طَرِيقَ سِوَاهُ وَالْحَرَجُ مَوْضُوعٌ وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ: لَا يَطْهُرُ أَبَدًا؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْعَصْرِ وَهُوَ مِمَّا لَا يَنْعَصِرُ.

стр. 208

(فَصْلٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ) (الِاسْتِنْجَاءُ سُنَّةٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهِ فَصْلٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ) قِيلَ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ الِاسْتِنْجَاءَ عِنْدَ ذِكْرِ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْوَى سُنَنِهِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْوُضُوءِ الْوُضُوءَ عَنْ النَّوْمِ لَا عَنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، وَالِاسْتِنْجَاءُ لِهَذَا الْوُضُوءِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَدَأَ بِالْوُضُوءِ عَنْ النَّوْمِ، هَكَذَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ مِنْ مَضَاجِعِكُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَقُولُ إنَّمَا ذَكَرَهُ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ فَذِكْرُهُ هَاهُنَا أَنْسَبُ، وَفِي الْمُغْرِبِ نَجَا وَأَنْجَى إذَا أَحْدَثَ، وَأَصْلُهُ مِنْ النَّجْوِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ بِهَا لِوَقْتِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، ثُمَّ قَالُوا اسْتَنْجَى: إذَا مَسَحَ مَوْضِعَ النَّجْوِ وَهُوَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَطْنِ أَوْ غَسَلَهُ وَهُوَ (سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَاظَبَ عَلَيْهِ)

стр. 209

(وَيَجُوزُ فِيهِ الْحَجَرُ وَمَا قَامَ مَقَامَهُ يَمْسَحُهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الْإِنْقَاءُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ (وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: لَا بُدَّ مِنْ الثَّلَاثِ لِقَوْلِهِ ﵊ " وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ " وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ " مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ " وَالْمُوَاظَبَةُ مَعَ التَّرْكِ دَلِيلُ السُّنِّيَّةِ. (وَيَجُوزُ بِالْحَجَرِ وَمَا يَقُومُ مَقَامَهُ) مِنْ الْمَدَرِ وَاللِّبَدِ وَالْقُطْنِ وَغَيْرِهَا فِي التَّنْقِيَةِ، وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ (يَمْسَحَ الْمَوْضِعَ حَتَّى يُنَقِّيَهُ)؛ لِأَنَّ الْإِنْقَاءَ هُوَ الْمَقْصُودُ فَيُعْتَبَرُ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ (وَلَيْسَ فِيهِ عَدَدٌ مَسْنُونٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ مِنْ التَّثْلِيثِ لِقَوْلِهِ ﵊ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ») أَمْرٌ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ بِكَمِيَّةٍ مَعْلُومَةٍ (وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، فَمَنْ فَعَلَ فَحَسَنٌ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ») وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ وَالْعَدَدِ

стр. 210

وَالْإِيتَارُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ. (وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ كَانُوا يُتْبِعُونَ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، ثُمَّ هُوَ لِأَنَّهُ قَالَ فَلْيُوتِرْ (وَالْإِيتَارُ يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ) وَقَالَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، نَفْيُ الْحَرَجِ عَمَّنْ تَرَكَ الِاسْتِنْجَاءَ أَصْلًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْتَرَضُ (وَمَا رَوَاهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَوْ اسْتَنْجَى بِحَجَرٍ لَهُ ثَلَاثَةُ أَحْرُفٍ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ) فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهِ أَوْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. (وَغَسْلُهُ بِالْمَاءِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ كَانُوا يُتْبِعُونَ الْحِجَارَةَ الْمَاءَ) يَعْنِي أَهْلَ قُبَاءَ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ هُوَ) أَيْ غَسْلُهُ بِالْمَاءِ

стр. 211

أَدَبٌ. وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا، وَيَسْتَعْمِلُ الْمَاءَ إلَى أَنْ يَقَعَ فِي غَالِبِ ظَنِّهِ أَنَّهُ قَدْ طَهُرَ، وَلَا يُقَدَّرُ بِالْمَرَّاتِ إلَّا إذَا كَانَ مُوَسْوِسًا فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي حَقِّهِ، وَقِيلَ بِالسَّبْعِ (وَلَوْ جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا لَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: إلَّا الْمَائِعُ، وَهَذَا يُحَقِّقُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَطْهِيرِ الْعُضْوِ لِغَيْرِ الْمَاءِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَهَذَا لِأَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُزِيلٍ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ، ثُمَّ يُعْتَبَرُ الْمِقْدَارُ الْمَائِعُ وَرَاءَ مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لِسُقُوطِ اعْتِبَارِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ مَعَ مَوْضِعِ أَدَبٌ) «؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ مَرَّةً وَيَتْرُكُهُ أُخْرَى»، وَهَذَا حَدُّ الْأَدَبِ (وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ فِي زَمَانِنَا)؛ لِأَنَّ أَهْلَ الزَّمَانِ الْأَوَّلِ كَانُوا يَبْعَرُونَ بَعْرًا وَأَهْلُ زَمَانِنَا يَثْلِطُونَ ثَلْطًا، هَكَذَا يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا إذَا كَانَ مُوَسْوِسًا) بِالْكَسْرِ، وَالْوَسْوَسَةُ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَإِنَّمَا قِيلَ مُوَسْوِسٌ؛ لِأَنَّهُ يُحَدِّثُ بِمَا فِي ضَمِيرِهِ (فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي حَقِّهِ) كَمَا فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ غَيْرُ مَرْئِيٍّ، وَالْغَائِطُ وَإِنْ كَانَ مَرْئِيًّا لَكِنَّ الْمُسْتَنْجِيَ لَا يَرَاهُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَوْلِ (وَقِيلَ بِالسَّبْعِ) اعْتِبَارًا بِالْحَدِيثِ الَّذِي وَرَدَ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا) قِيلَ بِأَنْ يَتَلَطَّخَ نَفْسُهُ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ مَوْضِعِ الشَّرَجِ (لَمْ يَجُزْ إلَّا الْمَاءُ) وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُخْتَصَرِ: إلَّا الْمَائِعَ. وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا) يَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا الْمَاءَ وَإِلَّا الْمَائِعَ (يُحَقِّقُ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَطْهِيرِ الْعُضْوِ بِغَيْرِ الْمَاءِ) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَهُ إلَّا الْمَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إزَالَةَ النَّجَسِ الْحَقِيقِيِّ عَنْ الْبَدَنِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِالْمَاءِ. وَقَوْلُهُ: إلَّا الْمَائِعَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إزَالَتَهُ تَجُوزُ بِالْمَائِعِ الَّذِي يُمْكِنُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ بِهِ. وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَا بَيَّنَّا) أَيْ فِي أَوَّلِ بَابِ الْأَنْجَاسِ. وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا) أَيْ الَّذِي قُلْنَا مِنْ اشْتِرَاطِ الْمَائِعِ (إذَا جَاوَزَتْ النَّجَاسَةُ مَخْرَجَهَا) لِمَا أَنَّ الْمَسْحَ غَيْرُ مُزِيلٍ إلَّا أَنَّهُ اكْتَفَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ بِالضَّرُورَةِ، وَالثَّابِتُ بِالضَّرُورَةِ يَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا فَلَا يَجُوزُ إلَّا الْمَاءُ أَوْ الْمَائِعُ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ يُعْتَبَرُ الْمِقْدَارُ الْمَانِعُ) ظَاهِرٌ.

стр. 212

الِاسْتِنْجَاءِ اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْمَوَاضِعِ (وَلَا يُسْتَنْجَى بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ذَلِكَ، وَلَوْ فَعَلَ يُجْزِيهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَمَعْنَى النَّهْيِ فِي الرَّوْثِ لِلنَّجَاسَةِ، وَفِي الْعَظْمِ كَوْنُهُ زَادَ الْجِنِّ. (وَلَا) يُسْتَنْجَى (بِطَعَامٍ) لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ وَإِسْرَافٌ. (وَلَا بِيَمِينِهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ. وَقَوْلُهُ: (اعْتِبَارًا بِسَائِرِ الْمَوَاضِعِ) يَعْنِي أَنَّ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ قَدْرَ الدِّرْهَمِ عَفْوٌ، فَإِذَا زَادَ عَلَيْهِ يَكُونُ مَانِعًا فَكَذَا فِي مَوْضِعِ الِاسْتِنْجَاءِ وَالْبَاقِي ظَاهِرٌ إلَخْ كِتَابُ الصَّلَاةِ: قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ وَجْهُ تَقْدِيمِ الصَّلَاةِ عَلَى سَائِرِ الْمَشْرُوعَاتِ بَعْدَ الْإِيمَانِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّعَاءِ، وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ الْأَرْكَانِ الْمَعْهُودَةِ وَالْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ، وَسُمِّيَتْ بِالصَّلَاةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ فَهِيَ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا أَوْقَاتُهَا، وَالْأَمْرُ طَلَبُ أَدَاءِ مَا وَجَبَ فِي الذِّمَّةِ بِسَبَبِ الْوَقْتِ وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ ذَلِكَ فِي التَّقْرِيرِ. وَشَرَائِطُهَا الطَّهَارَةُ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ، وَالْوَقْتُ وَالنِّيَّةُ، وَتَكْبِيرَةُ

стр. 213

كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ الْمَوَاقِيتِ (أَوَّلُ وَقْتِ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ «إمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِنَّهُ أَمَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، الِافْتِتَاحِ. فَإِنْ قُلْت: جَعَلْت الْوَقْتَ سَبَبًا فَكَيْفَ يَكُونُ شَرْطًا؟ قُلْت: هُوَ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَشَرْطٌ لِلْأَدَاءِ. وَأَرْكَانُهَا: الْقِيَامُ، وَالْقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ، وَالْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ. وَحُكْمُهَا سُقُوطُ الْوَاجِبِ عَنْهُ بِالْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا وَنَيْلُ الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ فِي الْآخِرَةِ، وَهِيَ فَرِيضَةٌ قَائِمَةٌ، وَشَرِيعَةٌ ثَابِتَةٌ عُرِفَتْ فَرْضِيَّتُهَا بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقَوْله تَعَالَى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا وَعَلَى كَوْنِهَا خَمْسًا؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِحِفْظِ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَعَطَفَ عَلَيْهَا الصَّلَاةَ الْوُسْطَى، وَأَقَلُّ جَمْعٍ يُتَصَوَّرُ مَعَهُ وُسْطَى هُوَ الْأَرْبَعُ، وَبِالسُّنَّةِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» وَهُوَ مِنْ الْمَشَاهِيرِ، وَبِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا عَلَى فَرْضِيَّتِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ وَلَا رَدِّ رَادٍّ، فَمَنْ أَنْكَرَ شَرْعِيَّتَهَا كَفَرَ بِلَا خِلَافٍ. بَابُ الْمَوَاقِيتِ: الْمَوَاقِيتُ جَمْعُ مِيقَاتٍ، وَالْمِيقَاتُ مَا وُقِّتَ بِهِ: أَيْ حُدِّدَ مِنْ زَمَانٍ كَمَوَاقِيتِ الصَّلَوَاتِ أَوْ مَكَان كَمَوَاقِيتِ الْإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا ابْتَدَأَ بِبَيَانِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ وَشَرْطٌ لِلْأَدَاءِ فَكَانَ لَهُ جِهَتَانِ فِي التَّقْدِيمِ، وَقُدِّمَ مِنْ بَيْنِهَا وَقْتُ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ. وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ أَوَّلُ مَنْ صَلَّاهَا آدَم ﵇ حِينَ أُهْبِطَ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَظْلَمَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَجَنَّ اللَّيْلُ وَلَمْ يَكُنْ يَرَى قَبْلَ ذَلِكَ فَخَافَ خَوْفًا شَدِيدًا، فَلَمَّا انْشَقَّ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى: الرَّكْعَةُ الْأُولَى لِلنَّجَاةِ مِنْ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَالثَّانِيَةُ شُكْرًا لِرُجُوعِ ضَوْءِ النَّهَارِ، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبُ كَوْنِهَا رَكْعَتَيْنِ وَفُرِضَتْ عَلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَتْ أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا الْإِنْسِيُّ قَدَّمَهَا فِي الذِّكْرِ، وَأَوَّلُ وَقْتِهَا إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي: أَيْ الْفَجْرُ الصَّادِقُ وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ، وَاحْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو فِي السَّمَاءِ، وَيَعْقُبُهُ ظَلَامٌ وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ ذَنَبُ السِّرْحَانِ (وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ)

стр. 214

وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ»، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَك قِيلَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ " مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ " يَتَنَاوَلُ مِنْ وَقْتِ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ بَلْ الْمُرَادُ جُزْءٌ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ جَمِيعِ الْوَقْتِ، وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ ﵇ هُوَ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «أَمَّنِي جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَصَارَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَصَلَّى بِي الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِي الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى بِي الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَصَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِي الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ لِوَقْتِهِ بِالْأَمْسِ، وَصَلَّى بِي الْعِشَاءَ حِينَ مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ قَالَ نِصْفُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِي الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ وَأَسْفَرَ وَكَادَتْ الشَّمْسُ أَنْ تَطْلُعَ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُك وَوَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِك، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ» وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَهُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ يَقْتَضِي أَلَّا يَكُونَ الْأَوَّلُ وَالْآخَرُ وَقْتًا وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَطْلُوبِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ اقْتَضَى ذَلِكَ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِيهِمَا وَاقِعَةً فِي غَيْرِ الْوَقْتِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْلِيمًا لِلْوَقْتِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَيْسَ الْوَقْتُ مُنْحَصِرًا فِيهِمَا بَلْ مَا فَعَلْنَاهُ بَيَانٌ لِلْحَاضِرَيْنِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَقْتٌ أَيْضًا فَكَانَ الْفِعْلُ

стр. 215

وَلِأُمَّتِك. وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو طُولًا ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلَامُ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَإِنَّمَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ» أَيْ الْمُنْتَشِرُ فِيهِ. (وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) لِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ (وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ وَقَالَا: إذَا صَارَ الظِّلُّ مِثْلَهُ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَفَيْءُ الزَّوَالِ هُوَ الْفَيْءُ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الزَّوَالِ. لَهُمَا إمَامَةُ جِبْرِيلَ ﵇ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بَيَانًا لِلطَّرَفَيْنِ، وَالْقَوْلُ لِمَا بَيْنَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَجْرِ الْكَاذِبِ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ) قِيلَ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي مَعْرِفَةِ الزَّوَالِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ شُجَاعٍ أَنَّهُ يُغْرَزُ خَشَبَةٌ فِي مَكَان مُسْتَوٍ وَيُجْعَلُ عَلَى مَبْلَغِ الظِّلِّ مِنْهُ عَلَامَةٌ فَمَا دَامَ الظِّلُّ يَنْقُصُ مِنْ الْخَطِّ فَهُوَ قَبْلَ الزَّوَالِ، فَإِذَا وَقَفَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ فَهُوَ سَاعَةُ الزَّوَالِ الَّتِي هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ فَيْءِ الزَّوَالِ، فَإِذَا أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ زَالَتْ: كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَفِي الْمُحِيطِ، وَإِذَا أَخَذَ الظِّلُّ فِي الزِّيَادَةِ فَالشَّمْسُ قَدْ زَالَتْ فَخَطٌّ عَلَى رَأْسِ مَوْضِعِ الزِّيَادَةِ فَيَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ إلَى الْعُودِ فَيْءُ الزَّوَالِ فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْعُودِ مِثْلَيْهِ مِنْ رَأْسِ الْخَطِّ لَا مِنْ الْعُودِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، ثُمَّ هُوَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَوْقَاتِ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ لَا يَبْقَى بِمَكَّةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ظِلٌّ عَلَى الْأَرْضِ، وَكَذَا بِالْمَدِينَةِ تَأْخُذُ الشَّمْسُ الْحِيطَانَ الْأَرْبَعَةَ، وَذَلِكَ الْفَيْءُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فِي التَّقْدِيرِ بِالظِّلِّ بَلْ الْمُعْتَبَرُ مَا سِوَاهُ. وَقَوْلُهُ: (وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ) اعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ اخْتَلَفَتْ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْهُ: إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ خَرَجَ وَقْتُ الطُّهْرِ وَدَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَزُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ ﵏ وَرَوَى أَسَدُ بْنُ عَمْرٍو وَعَلِيُّ بْنُ جَعْدٍ عَنْهُ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ سَوَاءٌ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتٌ مُهْمَلٌ كَمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْفَجْرِ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: وَهَذِهِ أَعْجَبُ الرِّوَايَاتِ إلَيَّ لِمُوَافَقَتِهَا لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ. وَقَوْلُهُ: آخِرُ الْوَقْتِ إذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِيهِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ آخِرَ الشَّيْءِ مِنْهُ، وَإِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عِنْدَهُ، وَكَذَا إذَا صَارَ مِثْلَهُ عِنْدَهُمَا، أَلَا تَرَى إلَى مَا فِي الْمَنْظُومَةِ: فَالْعَصْرُ حِينَ الْمَرْءُ يَلْقَى ظِلَّهُ … قَدْ صَارَ مِثْلَيْهِ وَقَالَا مِثْلَهُ وَتَأْوِيلُهُ آخِرَ الْوَقْتِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُ خُرُوجُ الظُّهْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيمَا بَعْدُ بِخُطُوطٍ: وَآخِرُ وَقْتِ الْمَغْرِبِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ يَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ. وَقَوْلُهُ: (لَهُمَا إمَامَةُ جِبْرِيلَ ﵇) اخْتَلَفَ نُسَخُ
следующие страницы →