← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 9403

العناية شرح الهداية - بهامش فتح القدير ط الحلبي

البابرتي

Полный текст (5 149 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

(وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَرُبَّمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ فَيَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ كَيْ لَا يَنْقَطِعَ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ وَالْمُخْتَارُ أَنْ يَقْعُدَ كَمَا يَقْعُدُ فِي حَالَةِ التَّشَهُّدِ لِأَنَّهُ عُهِدَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ. رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ثُمَّ الْفَرْضَ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ ثُمَّ الْفَرْضَ بَعْدَهُ فَيَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُؤَوَّلَ عَلَى وَجْهٍ مُسْتَقِيمٍ وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِهِ الزَّجْرُ عَنْ تَكْرَارِ الْجَمَاعَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى الشَّافِعِيِّ، وَاسْتُشْكِلَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فَيَكُونُ بَيَانُ فَرْضِيَّةِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ كُلِّهَا بِأَنَّهُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فَكَيْفَ يُفِيدُ الْفَرْضِيَّةَ، وَلَئِنْ كَانَ مَشْهُورًا فَهُوَ مُؤَوَّلٌ كَمَا ذَكَرْنَا، وَلَئِنْ قِيلَ إنَّهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ فَصَارَ كَخَبَرِ الْمَسْحِ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ نَصَّ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ بِمُجْمَلٍ، إذْ لَوْ كَانَ مُجْمَلًا كَانَ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فَرْضًا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ قَالَ بَيَانُ الْفَرْضِيَّةِ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْفَرْضِيَّةُ ثَابِتَةً بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَالْحَدِيثُ لِبَيَانِ أَنَّهَا فَرْضٌ فِي التَّطَوُّعِ رَكْعَةً فَرَكْعَةً. قَالَ (وَيُصَلِّي النَّافِلَةَ قَاعِدًا) يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ أَنْ يُصَلِّيَ النَّافِلَةَ قَاعِدًا (لِقَوْلِهِ ﵊ «صَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ» سَمَّاهُ صَلَاةً، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَا كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصَلَاةُ الْقَائِمِ سِيَّانِ فِي الثَّوَابِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَا الْفَرْضَ أَوْ التَّطَوُّعَ لَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ بِالْإِجْمَاعِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي (وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ مَوْضُوعٌ) أَيْ مَشْرُوعٌ لَك الْخَيْرُ لَا يَكُونُ خَيْرًا، وَمَرْفُوعٌ عَنْك لِكَوْنِهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مَا قَدْ يُفْضِي إلَى تَرْكِهِ؛ لِأَنَّ مَا يُفْضِي إلَى تَرْكِ الْخَيْرِ لَا يَكُونُ خَيْرًا، وَالْقِيَامُ قَدْ يُفْضِي إلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَشُقُّ عَلَى الْمُصَلِّي فَلَا يُشْتَرَطُ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِ، أَيْ بِسَبَبِهِ عَنْ الْخَيْرِ. (وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الْقُعُودِ) رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ

стр. 457

(وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجْزِيهِ، وَهُوَ قِيَاسٌ لِأَنَّ الشُّرُوعَ مُعْتَبَرٌ بِالنَّذْرِ. لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ الْقِيَامَ فِيمَا بَقِيَ وَلَمَّا بَاشَرَ صَحَّ بِدُونِهِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ نَصًّا حَتَّى لَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْقِيَامِ لَا يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ﵏ يَقْعُدُ كَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ لَهُ تَرْكُ أَصْلِ الْقِيَامِ فَتَرْكُ صِفَةِ الْقُعُودِ أَوْلَى. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَحْتَبِي؛ لِأَنَّ عَامَّةَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ عُمْرِهِ كَانَ مُحْتَبِيًا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَتَرَبَّعُ؛ لِأَنَّهُ أَعْدَلُ. وَعَنْ زُفَرَ أَنَّهُ يَقْعُدُ كَمَا يَقْعُدُ فِي حَالَةِ التَّشَهُّدِ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَالْمُصَنِّفُ؛ لِأَنَّهُ عُهِدَ مَشْرُوعًا فِي الصَّلَاةِ. (وَإِنْ افْتَتَحَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ اسْتِحْسَانٌ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ قِيَاسٌ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ عِنْدَنَا مُعْتَبَرٌ بِالنَّذْرِ) فِي الْإِلْزَامِ، وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا، فَكَذَا إذَا شَرَعَ قَائِمًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشُّرُوعَ يُلْزِمُ مَا شَرَعَ فِيهِ، وَمَا لَا صِحَّةَ لِمَا شَرَعَ فِيهِ إلَّا بِهِ كَالرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، وَهَاهُنَا لِمَا شَرَعَ فِيهِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الْأُولَى قَائِمًا صَحَّتْ بِدُونِ الْقِيَامِ فِي الثَّانِيَةِ بِدَلِيلِ حَالَةِ الْعُذْرِ، فَلَا يَكُونُ الشُّرُوعُ فِي الْأُولَى قَائِمًا مُوجِبًا لِلْقِيَامِ فِي الثَّانِيَةِ، بِخِلَافِ النَّذْرِ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ الْقِيَامَ نَصًّا بِتَسْمِيَتِهِ فَيَلْزَمُهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْقِيَامِ فِي نَذْرِهِ يَلْزَمُهُ الْقِيَامُ عِنْدَ بَعْضِ الْمَشَايِخِ. قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ: لَا رِوَايَةَ فِيمَا إذَا نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةً وَلَمْ يَقُلْ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا مَاذَا يَجِبُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا. ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ، قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ؛ لِأَنَّهُ فِي النَّفْلِ وَصْفٌ زَائِدٌ فَلَا يَلْزَمُ إلَّا بِالشَّرْطِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَلْزَمُهُ قَائِمًا؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعَبْدِ مُعْتَبَرٌ بِإِيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَيْنَمَا أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَهَا قَائِمًا. وَفِي قَوْلِهِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَنُصَّ إلَخْ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَخْذًا بِقَوْلِ بَعْضِ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ بِأَزْمِنَةٍ كَثِيرَةٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ الدَّلِيلَ الْمَذْكُورَ فِي الْكِتَابِ يُفِيدُ أَنَّهُ

стр. 458

(وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ يَتَنَفَّلُ عَلَى دَابَّتِهِ إلَى أَيِّ جِهَةٍ تَوَجَّهَتْ يُومِئُ إيمَاءً) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى خَيْبَرَ يُومِئُ إيمَاءً» لَوْ قَعَدَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ افْتِتَاحِهَا قَائِمًا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الشُّرُوعَ يُلْزِمُ مَا بَاشَرَهُ وَمَا بَاشَرَهُ إلَّا قَائِمًا، وَذَكَرَ فِي الْفَوَائِدِ الظَّهِيرِيَّةَ مَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ حَيْثُ قَالَ: الْمُتَطَوِّعُ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَتْ لَهُ الْخِيَرَةُ بَيْنَ الِافْتِتَاحِ قَائِمًا وَبَيْنَ الِافْتِتَاحِ قَاعِدًا، فَكَذَلِكَ فِي الِانْتِهَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الِاسْتِدَامَةِ أَخَفُّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَجُوزُ لَهُ إنْشَاءُ الْجُمُعَةِ بِلَا جَمْعٍ وَيَجُوزُ الْبِنَاءُ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْبَقَاءِ أَسْهَلَ مِنْ الِابْتِدَاءِ مِنْ الْمُسَلَّمَاتِ لَا نِزَاعَ فِيهِ، لَكِنْ عَارَضَهُ أَصْلٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الشُّرُوعَ فِيمَا بَاشَرَهُ يَلْزَمُهُ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ كَانَ خَارِجَ الْمِصْرِ يَتَنَفَّلُ عَلَى دَابَّتِهِ) يَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، تَوَجَّهَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ أَوْ لَمْ يَتَوَجَّهْ لِإِطْلَاقِ الْمَرْوِيِّ، وَكَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى دَابَّتِهِ فِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ أَوْ فِي رِكَابِهِ نَجَاسَةٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ إذَا سَقَطَا مَعَ كَوْنِهِمَا رُكْنَيْنِ فَلَأَنْ يَسْقُطَ طَهَارَةُ الْمَكَانِ وَهُوَ شَرْطٌ أَوْلَى، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ جَوَازَهُ بِلَا وُضُوءٍ وَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سُقُوطِ الشَّيْءِ إلَى خَلَفٍ سُقُوطُ مَا لَا خَلَفَ لَهُ، فَكَانَ مَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ وَأَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ: إذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَوْضِعِ الْجُلُوسِ أَوْ الرِّكَابَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ اعْتِبَارًا لِلصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْأَرْضِ،

стр. 459

وَلِأَنَّ النَّوَافِلَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِوَقْتٍ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهُ النُّزُولَ وَالِاسْتِقْبَالَ تَنْقَطِعُ عَنْهُ النَّافِلَةُ أَوْ يَنْقَطِعُ هُوَ عَنْ الْقَافِلَةِ، أَمَّا الْفَرَائِضُ فَمُخْتَصَّةٌ بِوَقْتٍ، وَالسُّنَنُ الرَّوَاتِبُ نَوَافِلُ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ لِأَنَّهَا آكَدُ مِنْ سَائِرِهَا، وَالتَّقْيِيدُ بِخَارِجِ الْمِصْرِ يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ وَالْجَوَازِ فِي الْمِصْرِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْمِصْرِ وَإِنْ كَانَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى الْجَوَازِ لِلضَّرُورَةِ، وَمَا فِي الْكِتَابِ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (أَمَّا الْفَرَائِضُ فَمُخْتَصَّةٌ بِوَقْتٍ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْفَرِيضَةَ لَا تَجُوزُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يُصَلِّي الْمُسَافِرُ الْمَكْتُوبَةَ عَلَى الدَّابَّةِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ كَخَوْفِ اللِّصِّ وَالسَّبُعِ وَطِينِ الْمَكَانِ وَكَوْنِ الدَّابَّةِ جَمُوحًا وَكَوْنِ الْمُسَافِرِ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَجِدُ مَنْ يُرْكِبُهُ. وَقَوْلُهُ: (يَنْزِلُ لِسُنَّةِ الْفَجْرِ) قَالَ ابْنُ شُجَاعٍ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا لِبَيَانِ الْأَوْلَى. يَعْنِي أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَنْزِلَ لِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ. وَقَوْلُهُ: (يَنْفِي اشْتِرَاطَ السَّفَرِ) إشَارَةٌ إلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ أَنَّ جَوَازَ التَّطَوُّعِ عَلَى الدَّابَّةِ لِلْمُسَافِرِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ بِالْإِيمَاءِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْحَضَرِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُسَافِرَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ خَارِجَ الْمِصْرِ. وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ الْبُعْدِ عَنْ الْمِصْرِ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْأَصْلِ مِقْدَارُ الْفَرْسَخَيْنِ، وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمِيلِ، وَمَنَعَ مِنْ الْجَوَازِ فِي أَقَلَّ مِنْهُ. وَقَوْلُهُ: (وَالْجَوَازَ) بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ اشْتِرَاطَ. فَإِنْ قِيلَ: التَّخْصِيصُ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ قُلْنَا: ذَلِكَ فِي النُّصُوصِ دُونَ الرِّوَايَاتِ، وَذَكَرَ فِي الْهَارُونِيَّاتِ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ عَلَى الدَّابَّةِ فِي الْمِصْرِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ الْمِصْرِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَالْمِصْرُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ السَّيْرَ عَلَى الدَّابَّةِ فِيهِ لَا يَكُونُ مَدِيدَ إعَادَةٍ فَرَجَعْنَا فِيهِ إلَى الْقِيَاسِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَا بَأْسَ بِهِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ الْحِمَارَ فِي الْمَدِينَةِ يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَيْهِ»، وَحُكِيَ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ احْتَجَّ بِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ قِيلَ إنَّمَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ رُجُوعًا مِنْهُ إلَى الْحَدِيثِ، وَقِيلَ بَلْ هَذَا حَدِيثٌ شَاذٌّ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى فَلَا يَكُونُ

стр. 460

أَيْضًا. وَوَجْهُ الظَّاهِرِ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ خَارِجَ الْمِصْرِ وَالْحَاجَةُ إلَى الرُّكُوبِ فِيهِ أَغْلَبُ. (فَإِنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي، وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ اسْتَقْبَلَ) لِأَنَّ إحْرَامَ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّزُولِ، فَإِنْ أَتَى بِهِمَا صَحَّ، وَإِحْرَامُ النَّازِلِ انْعَقَدَ لِوُجُوبِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَرْكِ مَا لَزِمَهُ مِنْ حُجَّةً، وَمُحَمَّدٌ جَوَّزَهُ بِالْحَدِيثِ لَكِنَّهُ كَرِهَ؛ لِأَنَّ اللَّغَطَ يَكْثُرُ فِي الْمِصْرِ فَلَا يُؤْمَنُ مِنْ الْغَلَطِ فِي الْقِرَاءَةِ. (وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ رَاكِبًا ثُمَّ نَزَلَ يَبْنِي وَإِنْ صَلَّى رَكْعَةً نَازِلًا ثُمَّ رَكِبَ اسْتَقْبَلَ) وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ صَلَّى رَكْعَةً بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَةً فَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَتَقْرِيرُ دَلِيلِهِ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِ مُقَدِّمَةٍ فِي أَنَّ بِنَاءَ بَعْضِ الصَّلَاةَ عَلَى بَعْضٍ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَا مُتَنَاوِلَ تَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُونَا كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ، وَإِذَا ظَهَرَ هَذَا فَإِحْرَامُ الرَّاكِبِ انْعَقَدَ مُجَوِّزًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى النُّزُولِ بِلَا مُبْطِلٍ، فَكَانَ مَا صَلَّى بِإِيمَاءٍ وَهُوَ رَاكِبٌ وَمَا يُصَلِّي بَعْدَ النُّزُولِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مُوجِبَيْ تَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَجَازَ بِنَاءُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ، فَإِذَا أَتَى بِهِمَا: أَيْ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ صَحَّ، وَإِحْرَامُ النَّازِلِ لَمْ يَنْعَقِدْ لَا مُوجِبًا لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّكُوبِ بِلَا مُبْطِلٍ لِكَوْنِهِ عَمَلًا كَثِيرًا فَلَا يَكُونُ

стр. 461

غَيْرِ عُذْرِهِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ إذَا نَزَلَ أَيْضًا، مَا صَلَّى نَازِلًا بِرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَمَا صَلَّى بَعْدَ الرُّكُوبِ بِإِيمَاءٍ مُوجِبَيْ تَحْرِيمَةٍ وَاحِدَةٍ فَلَا يَجُوزُ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ. لَا يُقَالُ: الْقُدْرَةُ عَلَى الرُّكُوبِ بَعْدَ الِافْتِتَاحِ مِنْ غَيْرِ مُبْطِلٍ يُمْكِنُ بِأَنْ يَرْفَعَهُ شَخْصٌ وَيَضَعُهُ فِي السَّرْجِ وَضْعًا؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَارَ عَلَى الشَّيْءِ فِي التَّكْلِيفِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِقُدْرَةِ الْمُكَلَّفِ لَا بِقُدْرَةِ غَيْرِهِ (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَسْتَقْبِلُ إذَا نَزَلَ أَيْضًا)؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ كَالْمَرِيضِ إذَا قَدَرَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ

стр. 462

وَكَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ إذَا نَزَلَ بَعْدَ مَا صَلَّى رَكْعَةً، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ وَهُوَ الظَّاهِرُ. فَصْلٌ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ (يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ فَيُصَلِّيَ بِهِمْ إمَامُهُمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ، كُلُّ تَرْوِيحَةٍ يَسْتَقْبِلُ لِئَلَّا يَلْزَمَ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ. وَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُقَدِّمَةِ، فَإِنَّ إحْرَامَ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا فَصَارَ كَإِحْرَامِ النَّازِلِ، فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ مَا لَمْ يَتَنَاوَلْهُ إحْرَامُهُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ، بِخِلَافِ الرَّاكِبِ إذَا نَزَلَ فَكَانَ هَذَا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعِلَلِ، فَمَنْ جَوَّزَهُ فَلَا كَلَامَ، وَمَنْ لَمْ يُجَوِّزْهُ يَلْتَجِئُ إلَى الْمُخَلِّصِ الْمَعْلُومِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ إذَا نَزَلَ بَعْدَمَا صَلَّى رَكْعَةً يَسْتَقْبِلُ)؛ لِأَنَّهُ صَارَ صَلَاةً فَلَا يَنْبَنِي فِيهَا الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُصَلِّهَا فَهُوَ مُجَرَّدُ تَحْرِيمَةٍ وَهِيَ شَرْطٌ، وَالشَّرْطُ الْمُنْعَقِدُ لِلضَّعِيفِ شَرْطٌ لِلْقَوِيِّ أَيْضًا كَالطَّهَارَةِ لِلنَّافِلَةِ طَهَارَةٌ لِلْفَرِيضَةِ فَلَيْسَ فِيهَا بِنَاءُ قَوِيٍّ عَلَى ضَعِيفِ الْأَوَّلِ. (وَالْأَصَحُّ وَهُوَ الظَّاهِرُ) وَهُوَ أَنَّ الرَّاكِبَ إذَا نَزَلَ بَنَى، وَالنَّازِلُ إذَا رَكِبَ اسْتَقْبَلَ لِمَا ذَكَرْنَا. (فَصْلٌ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ) ذَكَرَ التَّرَاوِيحَ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ لِاخْتِصَاصِهَا بِمَا لَيْسَ لِمُطْلَقِ النَّوَافِلِ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَتَقْدِيرِ الرَّكَعَاتِ وَسُنَّةِ الْخَتْمِ، وَتَرْجَمَ بِقِيَامِ رَمَضَانَ اتِّبَاعًا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ، قَالَ ﷺ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ وَسَنَنْتُ لَكُمْ قِيَامَهُ» وَالتَّرْوِيحَةُ اسْمٌ لِكُلِّ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، فَإِنَّهَا فِي الْأَصْلِ إيصَالُ الرَّاحَةِ وَهِيَ الْجِلْسَةُ، ثُمَّ سُمِّيَتْ

стр. 463

بِتَسْلِيمَتَيْنِ، وَيَجْلِسَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارَ تَرْوِيحَةٍ، ثُمَّ يُوتِرَ بِهِمْ) ذَكَرَ لَفْظَ الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا سُنَّةٌ، كَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالنَّبِيُّ ﵊ بَيَّنَ الْعُذْرَ فِي تَرْكِهِ الْمُوَاظَبَةَ وَهُوَ خَشْيَةَ أَنْ تَكْتُبَ عَلَيْنَا (وَالسُّنَّةُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ) لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ، حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ لِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي آخِرِهَا التَّرْوِيحَةُ. قَوْلُهُ: (ذَكَرَ لَفْظَ الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا سُنَّةٌ) يَعْنِي فِي حَقِّ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْتَمِعَ النَّاسُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اجْتِمَاعَ النَّاسِ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ التَّرَاوِيحَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ: التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ وَالِاجْتِمَاعُ مُسْتَحَبٌّ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ) إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى سُنِّيَّتِهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» فَإِنْ قِيلَ: لَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَوَاظَبَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يُوَاظِبْ. وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ بَيَّنَ ﵊ الْعُذْرَ فِي تَرْكِهِ الْمُوَاظَبَةَ، وَهُوَ خَشْيَةَ أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْنَا. رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ لَيَالِي

стр. 464

أَهْلُ الْمَسْجِدِ عَنْ إقَامَتِهَا كَانُوا مُسِيئِينَ، وَلَوْ أَقَامَهَا الْبَعْضُ فَالْمُتَخَلِّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ تَارِكٌ لِلْفَضِيلَةِ لِأَنَّ أَفْرَادَ الصَّحَابَةِ ﵃ رُوِيَ عَنْهُمْ التَّخَلُّفُ وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ التَّرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارُ التَّرْوِيحَةِ، وَكَذَا بَيْنَ الْخَامِسَةِ وَبَيْنَ الْوِتْرِ لِعَادَةِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ، رَمَضَانَ وَصَلَّى عِشْرِينَ رَكْعَةً، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ اجْتَمَعَ النَّاسُ فَخَرَجَ وَصَلَّى بِهِمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً، فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ كَثُرَ النَّاسُ فَلَمْ يَخْرُجْ ﵊ وَقَالَ: عَرَفْت اجْتِمَاعَكُمْ لَكِنِّي خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْكُمْ» فَكَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَهَا فُرَادَى إلَى زَمَنِ عُمَرَ ﵁، فَقَالَ عُمَرُ: إنِّي أَرَى أَنْ أَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَلَّى بِهِمْ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ عِشْرِينَ رَكْعَةً. وَقَوْلُهُ: (وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ التَّرْوِيحَتَيْنِ مِقْدَارُ التَّرْوِيحَةِ) كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يَقُولَ: وَالْمُسْتَحَبُّ فِي الِانْتِظَارِ بَيْنَ التَّرْوِيحَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِعَادَةِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَهْلُ الْحَرَمَيْنِ لَا يَجْلِسُونَ، فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ أُسْبُوعًا، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ يُصَلُّونَ بَدَلَ ذَلِكَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَأَهْلُ كُلِّ بَلْدَةٍ بِالْخِيَارِ يُسَبِّحُونَ أَوْ يُهَلِّلُونَ أَوْ يَنْتَظِرُونَ سُكُوتًا، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الِانْتِظَارُ

стр. 465

وَاسْتَحْسَنَ الْبَعْضُ الِاسْتِرَاحَةَ عَلَى خَمْسِ تَسْلِيمَاتٍ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَقَوْلُهُ ثُمَّ يُوتِرُ بِهِمْ يُشِيرُ إلَى أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ قَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّهَا نَوَافِلُ سُنَّتْ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَدْرَ الْقِرَاءَةِ فِيهَا، وَأَكْثَرُ الْمَشَايِخِ ﵏ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا الْخَتْمُ مَرَّةً فَلَا يُتْرَكُ لِكَسَلِ الْقَوْمِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ مِنْ الدَّعَوَاتِ حَيْثُ يَتْرُكُهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِسُنَّةٍ (وَلَا يُصَلَّى الْوِتْرُ بِجَمَاعَةٍ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ؛ لِأَنَّ التَّرَاوِيحَ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّاحَةِ فَيُفْعَلُ مَا قُلْنَا تَحْقِيقًا لِلْمُسَمَّى (وَاسْتَحْسَنَ الْبَعْضُ الِاسْتِرَاحَةَ عَلَى خَمْسِ تَسْلِيمَاتٍ وَهُوَ نِصْفُ التَّرَاوِيحِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ) أَيْ مُسْتَحَبٍّ. وَقَوْلُهُ: (وَبِهِ) أَيْ وَبِأَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ (قَالَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ: فَإِنْ صَلَّاهَا قَبْلَ الْعِشَاءِ أَوْ بَعْدَ الْوِتْرِ لَا تَكُونُ تَرَاوِيحَ)؛ لِأَنَّهَا عُرِفَتْ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ فَكَانَ وَقْتُهَا مَا صَلَّوْا فِيهَا وَهُمْ صَلَّوْا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ، وَذَهَبَ مُتَأَخِّرُو مَشَايِخِ بَلْخِي إلَى أَنَّ جَمِيعَ اللَّيْلِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَبَعْدَهُ وَقْتُهَا؛ لِأَنَّهَا سُمِّيَتْ قِيَامَ اللَّيْلِ فَكَانَ وَقْتُهَا اللَّيْلَ. (وَالْأَصَحُّ أَنَّ وَقْتَهَا بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ الْوِتْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّهَا نَوَافِلُ سُنَّتْ بَعْدَ الْعِشَاءِ) وَلَوْ صَلَّى قَبْلَ الْعِشَاءِ لَا تَكُونُ تَرَاوِيحَ، وَلَوْ صَلَّى بَعْدَ الْوِتْرِ جَازَ. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يُذْكَرْ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ) ظَاهِرٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْرَأُ فِي كُلِّ شَفْعٍ مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ أَخَفُّ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ فَيُعْتَبَرُ بِأَخَفِّ الْمَكْتُوبَاتِ قِرَاءَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْرَأُ مِقْدَارَ مَا يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لَهَا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرَ آيَاتٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَى النَّاسِ وَتَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ؛ لِأَنَّ عَدَدَ الرَّكَعَاتِ فِي ثَلَاثِينَ لَيْلَةً سِتُّمِائَةٍ وَآيَاتُ الْقُرْآنِ سِتَّةُ آلَافٍ وَشَيْءٌ، وَإِذَا قَرَأَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَشْرُ آيَاتٍ يَحْصُلُ بِهِ الْخَتْمُ. وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ مَا بَعْدَ التَّشَهُّدِ مِنْ الدَّعَوَاتِ) يَعْنِي إذَا عَلِمَ أَنَّ قِرَاءَتَهَا تَثْقُلُ عَلَى الْقَوْمِ يَتْرُكُهَا، وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِالصَّلَوَاتِ لِكَوْنِهَا فَرْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَيُحْتَاطُ فِي الْإِتْيَانِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا يُصَلَّى الْوِتْرُ بِجَمَاعَةٍ) ظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْوِتْرُ بِجَمَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ يَؤُمُّهُمْ فِي الْوِتْرِ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ النَّسَفِيُّ أَنَّ عُلَمَاءَنَا اخْتَارُوا أَنْ يُوتِرَ

стр. 466

فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ) عَلَيْهِ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (بَابُ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ) (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ أُقِيمَتْ يُصَلِّي أُخْرَى) صِيَانَةً لِلْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ (ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ) إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فِي رَمَضَانَ فِي مَنْزِلِهِ وَلَا يُوتِرَ بِجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَى الْوِتْرِ بِجَمَاعَةٍ فِي رَمَضَانَ كَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى التَّرَاوِيحِ، فَإِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ مَا كَانَ يَؤُمُّهُمْ فِيهَا. وَتَصِحُّ التَّرَاوِيحُ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَنِيَّةُ التَّرَاوِيحِ أَوْ سُنَّةُ الْوَقْتِ أَفْضَلُ. (بَابُ إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَالنَّوَافِلِ عَلَى التَّرْتِيبِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَدَاءِ الْكَامِلِ وَهُوَ الْأَدَاءُ بِالْجَمَاعَةِ (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ الظُّهْرِ ثُمَّ أُقِيمَتْ) أَيْ شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ (يُصَلِّي أُخْرَى صِيَانَةً لِلْمُؤَدَّى عَنْ الْبُطْلَانِ)؛ لِأَنَّ الْبُتَيْرَاءَ مُنْهًى عَنْهَا (ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ) كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الظُّهْرِ ثُمَّ أُقِيمَتْ

стр. 467

(وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ الْأُولَى بِالسَّجْدَةِ يَقْطَعُ وَيَشْرَعُ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّهُ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ، وَهَذَا الْقَطْعُ لِلْإِكْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي النَّفْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِكْمَالِ، الْجُمُعَةُ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ إبْطَالُ صِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ؟ أُجِيبَ بِأَنَّ النَّقْضَ لَيْسَ لِإِقَامَةِ السُّنَّةِ بَلْ لِإِقَامَةِ الْفَرْضِ عَلَى وَجْهٍ أَكْمَلَ، فَإِنَّ النَّقْضَ لِلْإِكْمَالِ إكْمَالٌ كَهَدْمِ الْمَسْجِدِ لِلْبِنَاءِ، وَلِلصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ فَضْلٌ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً فَيَجُوزُ النَّقْضُ لِإِدْرَاكِ ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا عَلَى مَذْهَبِ مُحَمَّدٍ، فَإِنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ أَنَّ صِفَةَ الْفَرْضِ إذَا بَطَلَتْ بَطَلَ أَصْلُ الصَّلَاةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فَلَا يَكُونُ الْمُؤَدَّى مَصُونًا عَنْ الْبُطْلَانِ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِ نَفْسِهِ عَنْ عُهْدَةِ مَا عَلَيْهِ بِالْمُضِيِّ فِيهَا، كَمَا إذَا قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ، وَهُوَ لَمْ يَقْعُدْ فِي الرَّابِعَةِ وَهَاهُنَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ. وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إبْطَالَ صِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ لِإِحْرَازِ الْجَمَاعَةِ بِإِطْلَاقٍ مِنْ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ جَازَ قَطْعُهَا لِحُطَامِ الدُّنْيَا، حَتَّى قِيلَ لِأَجْلِ دِرْهَمٍ فَلَأَنْ يَجُوزَ لِإِحْرَازِ الْفَضِيلَةِ أَوْلَى، بِخِلَافِ إبْطَالِهَا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِطْلَاقٍ مِنْ الشَّرْعِ (وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْ الْأُولَى بِالسَّجْدَةِ يَقْطَعُ وَيَشْرَعُ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ الصَّحِيحُ) وَإِلَيْهِ مَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ (؛ لِأَنَّهُ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ) يَعْنِي لَهُ وِلَايَةُ الرَّفْضِ فِي الْجُمْلَةِ مَا لَمْ يُقَيِّدْ بِالسَّجْدَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ وَلَمْ يَقْعُدْ عَلَى الرَّابِعَةِ يَرْفُضُ الْخَامِسَةَ مَا لَمْ يُقَيِّدْهَا بِالسَّجْدَةِ (وَالْقَطْعُ لِلْإِكْمَالِ) وَهُوَ إكْمَالٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقْطَعُ، وَإِلَيْهِ مَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَاةً فَهُوَ قُرْبَةً سُلِّمَتْ

стр. 468

وَلَوْ كَانَ فِي السُّنَّةِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ فَأُقِيمَ أَوْ خَطَبَ يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقَدْ قِيلَ يُتِمُّهَا (وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا مِنْ الظُّهْرِ يُتِمُّهَا) لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ فَلَا يُحْتَمَلُ النَّقْضُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ بَعْدُ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالسَّجْدَةِ حَيْثُ يَقْطَعُهَا لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرَّفْضِ وَيَتَخَيَّرُ، إنْ شَاءَ عَادَ وَقَعَدَ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ كَبَّرَ قَائِمًا يَنْوِي الدُّخُولَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ (وَإِذَا أَتَمَّهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُهَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ ثُمَّ أُقِيمَتْ الظُّهْرُ لَمْ يَقْطَعْ التَّطَوُّعَ فَالْفَرْضُ أَوْلَى. وَالْجَوَابُ أَنَّ الْقَطْعَ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ لِلْإِكْمَالِ دُونَ مَا ذَكَرْتُمْ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: وَالْقَطْعُ لِلْإِكْمَالِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي النَّفْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِكْمَالِ. (وَلَوْ كَانَ فِي السُّنَّةِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَوْ السُّنَّةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَأُقِيمَ لِلظُّهْرِ أَوْ خَطَبَ) الْإِمَامُ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُسْتَقِيمٌ (يَقْطَعُ عَلَى رَأْسِ الرَّكْعَتَيْنِ) إحْرَازًا لِفَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ (يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ) وَرَوَى فِي الْجُمُعَةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّوَادِرِ (وَقِيلَ يُتِمُّهَا)؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى ثَلَاثًا مِنْ الظُّهْرِ يُتِمُّهَا؛ لِأَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ) فَيَثْبُتُ بِهِ شُبْهَةُ الْفَرَاغِ، وَلَوْ ثَبَتَ حَقِيقَتُهُ لَمْ يَحْتَمِلْ النَّقْضَ، فَكَذَا إذَا ثَبَتَ شُبْهَتُهُ (بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُقَيِّدْ الثَّالِثَةَ بِالسَّجْدَةِ)؛ لِأَنَّهُ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ كَمَا مَرَّ فَيَقْطَعُهَا، وَإِذَا أَرَادَ الْقَطْعَ (فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ عَادَ وَقَعَدَ وَسَلَّمَ) لِيَكُونَ خَتَمَ صَلَاتَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ يَتَشَهَّدُ ثَانِيًا أَوْ لَا، فَقِيلَ يَتَشَهَّدُ؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْأُولَى لَمْ تَكُنْ قَعْدَةَ خَتْمٍ وَقَدْ صَارَتْ فَيَتَشَهَّدُ، وَقِيلَ يَكْفِيهِ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ بِالْعَوْدِ إلَى الْقَعْدَةِ ارْتَفَضَ الْقِيَامُ وَجُعِلَ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ أَصْلًا فَكَانَتْ هَذِهِ الْقَعْدَةُ قَعْدَةَ خَتْمٍ وَقَدْ تَشَهَّدَ فِيهَا وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَتَيْنِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْهُودُ فِي التَّحَلُّلِ، وَقِيلَ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ بِالتَّحَلُّلِ، وَهَذَا قَطْعٌ مِنْ وَجْهٍ (وَإِنْ شَاءَ كَبَّرَ قَائِمًا يَنْوِي الدُّخُولَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ)؛ لِأَنَّهُ مُسَارَعَةٌ إلَى إدْرَاكِ الْفَرِيضَةِ. وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: لَوْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْقَعْدَةِ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي النَّوَادِرِ، وَاخْتَارَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ؛ لِأَنَّ الْقَعْدَةَ الْمُؤَدَّاةَ لَمْ تَقَعْ فَرْضًا وَرَكْعَتَاهُ لَمَّا انْقَلَبَتَا نَفْلًا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا بُدٌّ مِنْ الْقَعْدَةِ الْمَفْرُوضَةِ. وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ يُكَبِّرُ قَائِمًا؛ لِأَنَّهُ يَخْتِمُ صَلَاتَهُ، فَإِذَا كَبَّرَ قَائِمًا يَنْوِي الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ تَنْقَطِعُ الْأُولَى فِي ضِمْنِ شُرُوعِهِ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ، ثُمَّ هُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَرْفَعْ. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا أَتَمَّهَا) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ يُتِمُّهَا.

стр. 469

يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ وَاَلَّذِي يُصَلِّي مَعَهُمْ نَافِلَةً) لِأَنَّ الْفَرْضَ لَا يَتَكَرَّرُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ صَلَّى مِنْ الْفَجْرِ رَكْعَةً ثُمَّ أُقِيمَتْ يَقْطَعُ وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ) لِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ إلَيْهَا أُخْرَى تَفُوتُهُ الْجَمَاعَةُ، وَكَذَا إذَا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ قَبْلَ أَنْ يُقَيِّدَهَا بِالسَّجْدَةِ، وَبَعْدَ الْإِتْمَامِ لَا يَشْرَعُ فِي صَلَاةِ الْإِمَامِ لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَكَذَا بَعْدَ الْعَصْرِ لِمَا قُلْنَا، وَكَذَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ بِالثَّلَاثِ مَكْرُوهٌ، وَفِي جَعْلِهَا أَرْبَعًا مُخَالَفَةٌ لِإِمَامِهِ. وَقَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ) الدُّخُولُ لَيْسَ بِحَتْمٍ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُصَلِّي مَعَهُمْ نَافِلَةً وَلَا إلْزَامَ فِيهَا، وَالْأَفْضَلُ الدُّخُولُ؛ لِأَنَّهُ فِي وَقْتٍ مَشْرُوعٍ وَيَنْدَفِعُ عَنْهُ تُهْمَةُ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَرَى الْجَمَاعَةَ. فَإِنْ قِيلَ: يَلْزَمُ أَدَاءُ النَّفْلِ مَعَ الْجَمَاعَةِ خَارِجَ رَمَضَانَ وَهُوَ مَكْرُوهٌ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إذَا كَانَ الْإِمَامُ وَالْقَوْمُ مُتَنَفِّلِينَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُفْتَرِضًا فَلَا كَرَاهَةَ رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَغَ مِنْ الظُّهْرِ فَرَأَى رَجُلَيْنِ فِي أُخْرَيَاتِ الصُّفُوفِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمَا فَأُتِيَ بِهِمَا وَفَرَائِصُهُمَا تَرْتَعِدُ، فَقَالَ: عَلَى رِسْلِكُمَا فَإِنِّي ابْنُ امْرَأَةٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكُمَا لَمْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ فَقَالَا: كُنَّا صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ ﵊: إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا صَلَاةَ قَوْمٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ وَاجْعَلَا صَلَاتَكُمَا مَعَهُمْ سُبْحَةً» أَيْ نَافِلَةً. قَالَ (فَإِنْ صَلَّى مِنْ الْفَجْرِ رَكْعَةً) كَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) احْتِرَازٌ عَمَّا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُصَلِّي أَرْبَعًا: ثَلَاثًا مَعَ الْإِمَامِ وَرَكْعَةً بَعْدَ مَا يَفْرُغُ الْإِمَامُ؛ لِأَنَّ مُخَالَفَةَ

стр. 470

(وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ أُذِنَّ فِيهِ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يُصَلِّيَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَخْرُجُ مِنْ الْمَسْجِدِ بَعْدَ النِّدَاءِ إلَّا مُنَافِقٌ أَوْ رَجُلٌ يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ يُرِيدُ الرُّجُوعَ» قَالَ (إلَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ يَنْتَظِمُ بِهِ أَمْرُ جَمَاعَةٍ) لِأَنَّهُ تَرْكُ صُورَةِ تَكْمِيلِ مَعْنًى (وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَتْ الظُّهْرُ أَوْ الْعِشَاءُ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَخْرُجَ) لِأَنَّهُ أَجَابَ دَاعِيَ اللَّهِ مَرَّةً (إلَّا إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ) لِأَنَّهُ يُتَّهَمُ بِمُخَالَفَةِ الْجَمَاعَةِ عِيَانًا (وَإِنْ كَانَتْ الْعَصْرَ أَوْ الْمَغْرِبَ أَوْ الْفَجْرَ خَرَجَ وَإِنْ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِيهَا) لِكَرَاهَةِ التَّنَفُّلِ بَعْدَهَا. (وَمَنْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: الْإِمَامِ بَعْدَ فَرَاغِهِ لَا تَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، كَالْمُقِيمِ إذَا اقْتَدَى بِالْمُسَافِرِ وَكَالْمَسْبُوقِ فَإِنَّهُمَا يَقُومَانِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ. وَالْجَوَابُ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّهُمَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ لِأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمَا، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ يَفْعَلُهُ لِمَا لَهُ، وَالْأَوَّلُ أَقْوَى، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِ الْمُخَالَفَةِ لِأَمْرٍ قَوِيٍّ جَوَازُهَا لِأَمْرٍ ضَعِيفٍ. قَوْلُهُ: (وَمَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ) فِيهِ تَفْصِيلٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ أُذِّنَ فِيهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَسْجِدَ حَيِّهِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَاهُ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ بِالدُّخُولِ فِيهِ مِنْ أَهْلِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِيهِ وَهُوَ يَخْرُجُ لَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ (وَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى وَكَانَتْ الظُّهْرَ أَوْ الْعِشَاءَ فَلَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ) إلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.

стр. 471

إنْ خَشَى أَنْ تَفُوتَهُ رَكْعَةٌ وَيُدْرِكَ الْأُخْرَى يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَدْخُلُ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ (وَإِنْ خَشَى فَوْتَهُمَا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ) لِأَنَّ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ، وَقَوْلُهُ: (يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ) أَمَّا إنَّهُ يُصَلِّي وَإِنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ قَامَتْ؛ لِأَنَّ سُنَّةَ الْفَجْرِ مِنْ أَقْوَى السُّنَنِ وَأَفْضَلِهَا، قَالَ ﵊ «صَلُّوهُمَا وَإِنْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» وَقَالَ ﵊ «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَإِدْرَاكُ رَكْعَةٍ مِنْ الْفَجْرِ كَإِدْرَاكِ الْكُلِّ، قَالَ ﵊ «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» فَكَانَ جَمْعًا بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ. وَأَمَّا أَنَّهُ يُصَلِّي عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَلِأَنَّهُ لَوْ صَلَّاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ كَانَ مُتَنَفِّلًا فِيهِ عِنْدَ اشْتِغَالِ الْإِمَامِ بِالْفَرِيضَةِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ مَوْضِعٌ لِلصَّلَاةِ يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ خَلْفَ سَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ، وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً أَنْ يُصَلِّيَهُمَا مُخَالِطًا لِلصَّفِّ وَمُخَالِفًا لِلْإِمَامِ وَالْجَمَاعَةِ، وَاَلَّذِي يَلِي ذَلِكَ خَلْفَ الصَّفِّ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّفِّ. وَالْوَقْتُ الْمُسْتَحَبُّ لَهَا قِيلَ كَمَا طَلَعَ الْفَجْرُ لِوُجُودِ السَّبَبِ، وَقِيلَ بِقُرْبٍ مِنْ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ خُشِيَ فَوْتُهُمَا) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ إنْ كَانَ يَرْجُو إدْرَاكَ الْقَعْدَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ. وَحُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ أَنَّهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ إدْرَاكَ التَّشَهُّدِ عِنْدَهُمَا كَإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَصْلُهُ مَسْأَلَةُ الْجُمُعَةِ، وَالْفَقِيهُ إسْمَاعِيلُ الزَّاهِدُ كَانَ يَقُولُ: يَشْرَعُ فِي السُّنَّةِ فَيَقْطَعُهَا وَيَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ حَتَّى تَلْزَمَهُ بِالشُّرُوعِ فَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْقَضَاءِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَزَيَّفَهُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ بِأَنَّ مَا وَجَبَ بِهِ الشُّرُوعُ لَيْسَ بِأَقْوَى مِمَّا وَجَبَ بِالنَّذْرِ، وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ أَنَّ الْمَنْذُورَ لَا يُؤَدَّى بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الطُّلُوعِ، وَبِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ بِالِافْتِتَاحِ عَلَى قَصْدِ أَنْ يَقْطَعَهَا وَهَذَا غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ شَرْعًا. وَأَقُولُ: إنْ أَرَادَ الْفَقِيهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَالتَّزْيِيفُ مُوَجَّهٌ، وَإِنْ أَرَادَ بَعْدَهُ فَلَا، وَالْقَصْدُ لِلْقَطْعِ نَقْضٌ لِلْإِكْمَالِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. قَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ أَعْظَمُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ

стр. 472

وَالْوَعِيدَ بِالتَّرْكِ أَلْزَمُ، بِخِلَافِ سُنَّةِ الظُّهْرِ حَيْثُ يَتْرُكُهَا فِي الْحَالَتَيْنِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاؤُهَا فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الْفَرْضِ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فِي تَقْدِيمِهَا عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ وَتَأْخِيرِهَا عَنْهُمَا، وَلَا كَذَلِكَ سُنَّةُ الْفَجْرِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» قَوْلُهُ: (وَالْوَعِيدُ بِالتَّرْكِ أَلْزَمُ) يُرِيدُ بِهِ مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ وَأَنْظُرَ إلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجَمَاعَةَ فَآمُرُ بَعْضَ فِتْيَانٍ بِأَنْ يُحَرِّقُوا بُيُوتَهُمْ» وَقَوْلُهُ: (فِي الْحَالَتَيْنِ) يُرِيدُ بِهِمَا حَالَةَ خَوْفِ فَوْتِ كُلِّ الْفَرْضِ وَحَالَةَ خَوْفِ فَوْتِ الْبَعْضِ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهُ لَا يَقْضِيهَا، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّهُ ﵊ فَاتَتْهُ الْأَرْبَعُ قَبْلَ الظُّهْرِ فَقَضَاهَا بَعْدَهُ رَوَتْهُ عَائِشَةُ ﵂. وَقَوْلُهُ: (وَلَا كَذَلِكَ سُنَّةُ الْفَجْرِ) يَعْنِي لَا يُمْكِنُ أَدَاؤُهَا بَعْدَ الْفَرْضِ فَحَصَلَ الْفَرْقُ.

стр. 473

وَالتَّقْيِيدُ بِالْأَدَاءِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ. وَالْأَفْضَلُ فِي عَامَّةِ السُّنَنِ وَالنَّوَافِلِ الْمَنْزِلُ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ النَّبِيِّ ﵊. قَالَ (وَإِذَا فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ لَا يَقْضِيهِمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) وَقَوْلُهُ: (هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ) «نَوِّرُوا بُيُوتَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَلَا تَجْعَلُوهَا قُبُورًا» وَمَا رُوِيَ أَنَّ جَمِيعَ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوِتْرَهُ كَانَ فِي بَيْتِهِ. قَالَ (وَمَنْ فَاتَتْهُ رَكْعَتَا الْفَجْرِ لَا يَقْضِيهِمَا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ

стр. 474

لِأَنَّهُ يَبْقَى نَفْلًا مُطْلَقًا وَهُوَ مَكْرُوهٌ بَعْدَ الصُّبْحِ (وَلَا بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهُمَا إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ) لِأَنَّهُ ﵊ قَضَاهُمَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ. وَلَهُمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي السُّنَّةِ أَنْ لَا تُقْضَى لِاخْتِصَاصِ الْقَضَاءِ بِالْوَاجِبِ، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ فَبَقِيَ ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى نَفْلًا مُطْلَقًا) إذْ السُّنَّةُ مَا أَدَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ أَدَّاهُمَا فِي غَيْرِ الْوَقْتِ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَإِنَّمَا قَضَاهُمَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ النَّفَلُ الْمُطْلَقُ (مَكْرُوهٌ بَعْدَ الصُّبْحِ) وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا بَعْدَ ارْتِفَاعِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَهُمَا) قِيلَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ لَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَمُحَمَّدٌ يَقُولُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْضِيَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ الْخِلَافَ وَقَالَ الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ لَوْ قَضَى كَانَ نَفْلًا مُبْتَدَأً أَوْ سُنَّةً. وَقَوْلُهُ: (لِاخْتِصَاصِ الْقَضَاءِ بِالْوَاجِبِ)؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَسْلِيمُ مِثْلِ مَا وَجَبَ بِالْأَمْرِ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ.

стр. 475

مَا رَوَاهُ عَلَى الْأَصْلِ، وَإِنَّمَا تُقْضَى تَبَعًا لَهُ، وَهُوَ يُصَلِّي بِالْجَمَاعَةِ أَوْ وَحْدَهُ إلَى وَقْتِ الزَّوَالِ، وَفِيمَا بَعْدَهُ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ ﵏. وَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ سِوَاهَا فَلَا تُقْضَى بَعْدَ الْوَقْتِ وَحْدَهُ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ الظُّهْرِ رَكْعَةً وَلَمْ يُدْرِكْ الثَّلَاثَ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ بِجَمَاعَةٍ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: قَدْ أَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ) لِأَنَّ مَنْ أَدْرَكَ آخِرَ الشَّيْءِ فَقَدْ أَدْرَكَهُ فَصَارَ مُحْرِزًا ثَوَابَ الْجَمَاعَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يُصَلِّهَا بِالْجَمَاعَةِ حَقِيقَةً وَقَوْلُهُ: (وَفِيمَا بَعْدَهُ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ) أَيْ مَشَايِخِ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِيهِمَا تَبَعًا وَلَا يَقْضِيهِمَا مَقْصُودَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَقْضِيهِمَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ فِي الْوَقْتِ الْمُهْمَلِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ وَقْتُ فَرْضٍ آخَرَ قِيلَ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَوْلُهُ: (وَأَمَّا سَائِرُ السُّنَنِ سِوَاهَا) أَيْ سِوَى سُنَّةِ الْفَجْرِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سِوَاهُمَا: أَيْ سِوَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (فَلَا تُقْضَى بَعْدَ الْوَقْتِ وَحْدَهَا وَفِي قَضَائِهَا تَبَعًا لِلْفَرْضِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ) قَالَ بَعْضُهُمْ: يَقْضِيهَا؛ لِأَنَّهُ كَمْ مِنْ شَيْءٍ ثَبَتَ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ قَصْدًا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يُسَمَّى تَبَعًا لَا ضِمْنًا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَقْضِيهَا لِاخْتِصَاصِ الْقَضَاءِ بِالْوَاجِبِ وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ الظُّهْرِ رَكْعَةً) يَعْنِي مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ وَلَمْ يُدْرِكْ الثَّلَاثَ (لَمْ يُصَلِّ تِلْكَ الصَّلَاةَ بِجَمَاعَةٍ) بِاتِّفَاقٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا (وَأَدْرَكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ)

стр. 476

وَلِهَذَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ لَا يُدْرِكُ الْجَمَاعَةَ، وَلَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ لَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْجَمَاعَةِ (وَمَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صَلَّى فِيهِ فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ مَا بَدَا لَهُ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ) وَمُرَادُهُ إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضِيقٌ تَرَكَهُ. قِيلَ هَذَا فِي غَيْرِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْفَجْرِ لِأَنَّ لَهُمَا زِيَادَةُ مَزِيَّةٍ، قَالَ ﵊ فِي سُنَّةِ الْفَجْرِ «صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» وَقَالَ فِي الْأُخْرَى «مَنْ تَرَكَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» أَيْ صَارَ مُحْرِزًا لِثَوَابِ صَلَاةٍ صُلِّيَتْ بِالْجَمَاعَةِ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا بَيْنَهُمْ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَخْصِيصُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ بِإِدْرَاكِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ غَيْرَ مُفِيدٍ. وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ إنَّمَا خَصَّهُ لِدَفْعِ مَا عَسَى أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجُمُعَةِ إنَّ مُدْرِكَ الْإِمَامِ فِي التَّشَهُّدِ لَيْسَ بِمُدْرِكٍ لِلْجُمُعَةِ فَيُتِمُّهَا أَرْبَعًا أَلَّا يُدْرِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّهُ مُدْرِكٌ لِلْأَقَلِّ فَكَمَا أَنَّ إدْرَاكَ الْأَقَلِّ حَرَمَهُ إدْرَاكَ الْجُمُعَةِ يَحْرِمُهُ إدْرَاكَ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ فَدَفَعَ هَذَا الْوَهْمَ بِتَخْصِيصِهِ بِالذِّكْرِ. (وَقَوْلُهُ: وَلِهَذَا) تَفْرِيعٌ عَلَى ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ فِي الْجَامِعِ: إذَا قَالَ عَبْدُهُ حُرٌّ إنْ صَلَّى الظُّهْرَ بِالْجَمَاعَةِ فَسَبَقَ بِبَعْضِهَا لَمْ يَحْنَثْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الْكُلَّ بِهِمْ لِانْفِرَادِهِ بِالْبَعْضِ. وَلَوْ قَالَ: إنْ أَدْرَكَ الصَّغِيرُ الظُّهْرَ حَنِثَ وَإِنْ أَدْرَكَهُمْ فِي التَّشَهُّدِ؛ لِأَنَّ الْمُدْرِكَ لِآخِرِ الشَّيْءِ مُدْرِكٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَمَّا كَانَ مُدْرِكًا لِلْجَمَاعَةِ بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ كَانَ مُدْرِكًا لِثَوَابِهَا. قَالَ (وَمَنْ أَتَى مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ) إذَا فَاتَتْ الْجَمَاعَةُ رَجُلًا وَدَخَلَ مَسْجِدًا قَدْ صُلِّيَ فِيهِ أَوْ أَرَادَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ (فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ قَبْلَ الْمَكْتُوبَةِ مَا بَدَا لَهُ) مِنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ وَغَيْرِهَا (مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ) أَيْ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ يَبْدَأُ بِالْمَكْتُوبَةِ لِئَلَّا يَفُوتَهُ الْفَرْضُ عَنْ وَقْتِهِ (قِيلَ هَذَا) أَيْ قَوْلُ مُحَمَّدٍ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ، إنَّمَا هُوَ (فِي غَيْرِ سُنَّةِ الظُّهْرِ وَالْفَجْرِ)؛ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ قَبْلَ الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ، وَالنَّاسُ فِي خِيَرَةٍ بَيْنَ إتْيَانِهِ وَتَرْكِهِ فَإِذًا لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ قَبْلَهُمَا. وَأَمَّا التَّطَوُّعُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ فَآكَدُ مِنْ ذَلِكَ (؛ لِأَنَّ لَهُمَا زِيَادَةَ مَزِيَّةٍ، قَالَ ﷺ «صَلُّوهُمَا وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» وَالْأَمْرُ لِلنَّدْبِ بِدَلِيلِ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ «وَإِنْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» (وَقَالَ ﷺ «مَنْ تَرَكَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الظُّهْرِ لَمْ تَنَلْهُ شَفَاعَتِي» وَهُوَ وَعِيدٌ عَظِيمٌ، وَدَلَالَتُهُ عَلَى وَكَادَةِ

стр. 477

وَقِيلَ هَذَا فِي الْجَمِيعِ لِأَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ بِجَمَاعَةٍ، وَلَا سُنَّةَ دُونَ الْمُوَاظَبَةِ، وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَتْرُكَهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِكَوْنِهَا مُكَمِّلَاتٍ لِلْفَرَائِضِ إلَّا إذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ. الْأَرْبَعِ أَقْوَى مِنْ الْأَوَّلِ، وَهَذَا قَوْلُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَصَاحِبِ الْمُحِيطِ وَقَاضِي خَانْ وَالتُّمُرْتَاشِيِّ وَالْحَلْوَانِيِّ (وَقِيلَ هَذَا) أَيْ قَوْلُ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَطَوَّعَ (فِي الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّهُ ﷺ إنَّمَا وَاظَبَ عَلَيْهَا عِنْدَ أَدَاءِ الْمَكْتُوبَاتِ بِجَمَاعَةٍ، وَلَا سُنَّةَ دُونَ الْمُوَاظَبَةِ) فَإِنْ صَلَّى لَا تَكُونُ سُنَّةً وَإِنَّمَا تَكُونُ تَطَوُّعًا، وَهُوَ قَوْلُ صَدْرِ الْإِسْلَامِ، وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَالْكَرْخِيِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَوْلَى أَلَّا يَتْرُكَهَا) أَيْ السُّنَنَ الرَّوَاتِبَ (فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا) يَعْنِي سَوَاءٌ صَلَّى بِالْجَمَاعَةِ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ مُقِيمًا أَوْ مُسَافِرًا، هَكَذَا فَعَلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَكِبَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ وَلِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ أَحْوَجُ إلَيْهَا لِافْتِقَارِهِ إلَى تَكْمِيلِ الثَّوَابِ، وَيُؤَدَّى الْكَامِلُ إلَّا إذَا خَافَ

стр. 478

(وَمَنْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ فِي رُكُوعِهِ فَكَبَّرَ وَوَقَفَ حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ) هُوَ يَقُولُ: أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ الْقِيَامِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ فِي حَقِيقَةِ الْقِيَامِ. وَلَنَا أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْمُشَارَكَةُ فَوْتَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ بِسَبِيلٍ مِنْ تَرْكِهَا. قَوْلُهُ: (وَمَنْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ) إنْ أَدْرَكَهُ (فِي رُكُوعِهِ فَكَبَّرَ) يَعْنِي تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ، وَقَيَّدَ بِالرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَهَى إلَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُكَبِّرُ وَلَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ (حَتَّى رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ) مِنْ الرُّكُوعِ ثُمَّ رَكَعَ أَنَّهُ مُدْرِكٌ لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ بِالْإِجْمَاعِ. أَمَّا إذَا انْتَهَى إلَى الْقَوْمَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا إذَا انْتَهَى إلَيْهِ وَهُوَ رَاكِعٌ فَكَبَّرَ وَلَمْ يَرْكَعْ مَعَهُ سَوَاءٌ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الرُّكُوعِ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَهُوَ مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ (لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لَهَا) عِنْدَ الْعُلَمَاءِ (خِلَافًا لِزُفَرَ) وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، قَالُوا: أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِيمَا لَهُ حُكْمُ الْقِيَامِ؛ لِأَنَّ الرُّكُوعَ يُشْبِهُ الْقِيَامَ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ يُفَارِقُ الْقَاعِدَ فِي انْتِصَابِ الشِّقِّ الْأَسْفَلِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الرُّكُوعِ وَحُكْمًا؛ لِأَنَّهُ يَأْتِي فِيهِ بِتَكْبِيرَاتِ الَّتِي يُؤْتَى بِهَا فِي حَقِيقَةِ الْقِيَامِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ إنَّمَا

стр. 479

فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُوجَدْ لَا فِي الْقِيَامِ وَلَا فِي الرُّكُوعِ (وَلَوْ رَكَعَ الْمُقْتَدِي قَبْلَ إمَامِهِ فَأَدْرَكَهُ الْإِمَامُ فِيهِ جَازَ) وَقَالَ زَفَرُ: لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ هَكَذَا مَا يَبْنِيهِ عَلَيْهِ. يَتِمُّ إذَا ثَبَتَ أَنَّ إدْرَاكَهُ فِيمَا لَهُ حُكْمُ الْقِيَامِ كَإِدْرَاكِهِ فِي حَقِيقَةِ الْقِيَامِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ. وَلَنَا مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاقْتِدَاءَ شَرِكَةٌ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْقِيَامِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَلَا فِي الرُّكُوعِ، وَكَوْنُ الرُّكُوعِ يُشْبِهُ الْقِيَامَ حُكْمًا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ هُنَا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «إذَا أَدْرَكْت الْإِمَامَ رَاكِعًا فَرَكَعْت قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ فَقَدْ أَدْرَكْت تِلْكَ الرَّكْعَةَ، وَإِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ فَاتَتْك تِلْكَ الرَّكْعَةُ» (وَلَوْ رَكَعَ الْمُقْتَدِي قَبْلَ إمَامِهِ فَأَدْرَكَهُ الْإِمَامُ فِيهِ جَازَ) فِعْلُهُ ذَلِكَ وَلَا تَفْسُدُ بِهِ صَلَاتُهُ، وَإِنْ لَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ (وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَجُوزُ) أَيْ الصَّلَاةُ إنْ لَمْ يُعِدْ الرُّكُوعَ (؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ قَبْلَ الْإِمَامِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ) لِكَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، قَالَ ﷺ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (فَكَذَا مَا يَبْنِيهِ عَلَيْهِ)

стр. 480

وَلَنَا أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْمُشَارَكَةُ فِي جُزْءٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ. لِأَنَّ الْبِنَاءَ عَلَى الْفَاسِدِ فَاسِدٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ هَذَا الرُّكُوعِ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ. (وَلَنَا أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ الْمُشَارَكَةُ فِي جُزْءٍ وَاحِدٍ) وَقَدْ وُجِدَ فَيُجْعَلُ مُبْتَدِئًا لَا بَانِيًا عَلَيْهِ فَصَارَ (كَمَا فِي الطَّرَفِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ أَنْ يَرْكَعَ مَعَهُ وَيَرْفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ لِلرُّكُوعِ طَرَفَيْنِ وَالشَّرِكَةُ فِي أَحَدِهِمَا كَافِيَةٌ، بِخِلَافِ مَا لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ هَذَا الرُّكُوعِ قَبْلَ رُكُوعِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ الْمُشَارَكَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ

стр. 481

(بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ) (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ قَضَاهَا إذَا ذَكَرَهَا وَقَدَّمَهَا عَلَى فَرْضِ الْوَقْتِ) وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَفَرْضِ الْوَقْتِ عِنْدَنَا مُسْتَحَقٌّ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُسْتَحَبٌّ، لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ. وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ بَابُ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ الْأَدَاءِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَهُوَ الْأَصْلُ شَرَعَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْقَضَاءِ وَهُوَ الْخَلَفُ عَنْهُ (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ) أَوْ فَوَّتَهَا عَمْدًا (وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إذَا ذَكَرَهَا وَقَدَّمَهَا عَلَى فَرْضِ الْوَقْتِ. وَالْأَصْلُ أَنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَوَائِتِ وَفَرْضِ الْوَقْتِ مُسْتَحَقٌّ عِنْدَنَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ مُسْتَحَبٌّ) فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْفَائِتَةِ عَلَى الْوَقْتِيَّةِ (؛ لِأَنَّ كُلَّ فَرْضٍ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ)؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ تَبَعٌ فَكَانَ بَيْنَ أَصَالَتِهِ وَتَبَعِيَّتِهِ مُنَافَاةٌ. وَنُوقِضَ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ أَصْلُ الْفُرُوضِ وَهُوَ شَرْطٌ لِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ مُسْتَقِلٌّ، وَهُوَ شَرْطٌ لِلِاعْتِكَافِ الْوَاجِبُ بِالِاتِّفَاقِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ لَا يَكُونُ شَرْطًا لِغَيْرِهِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُنَافَاةِ، إلَّا إذَا دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ شَرْطًا لِغَيْرِهِ فَيُجْعَلُ شَرْطًا لَهُ مَعَ بَقَائِهِ مَقْصُودًا، وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فَإِنَّ الْأَحْوَالَ شُرُوطٌ، وَقَالَ ﷺ «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ» فَكَانَا شَرْطَيْنِ بِهَذَيْنِ النَّصَّيْنِ، وَتُدْفَعُ الْمُنَافَاةُ بِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ فَقُلْنَا وَمِنْ ذَلِكَ مَحَلُّ النِّزَاعِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُعِدْ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ» وَدَلَالَتُهُ عَلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ ظَاهِرَةٌ حَيْثُ أُمِرَ بِإِعَادَةِ مَا هُوَ فِيهَا عِنْدَ التَّذَكُّرِ. وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى النَّائِمِ وَالنَّاسِي لَا غَيْرُ، وَالْوُجُوبُ ثَابِتٌ عَلَى مَنْ فَوَّتَ الصَّلَاةَ عَمْدًا أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ، وَمَتْرُوكُ الظَّاهِرِ لَا يَكُونُ حُجَّةً لَا سِيَّمَا فِي إفَادَةِ الْفَرْضِيَّةِ. لَا يُقَالُ: يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ بِدَلَالَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الْمَعْذُورِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ أَنْ لَوْ كَانَ قَضَاءُ الْفَائِتَةِ عُقُوبَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ رَحْمَةٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَعْذُورِ ذَلِكَ اسْتِحْقَاقُ غَيْرِهِ وَهُوَ الْعَاصِي. الثَّانِي أَنَّهُ خَبَرُ وَاحِدٍ لَا يُعَارِضُ الْمَشْهُورَ، فَإِنَّ الْجَوَازَ ثَبَتَ بِهِ كَمَا زَالَتْ الشَّمْسُ مَثَلًا، فَلَوْ كَانَ التَّرْتِيبُ فَرْضًا بِمَا رَوَيْتُمْ بَطَلَ مَا ثَبَتَ بِالْمَشْهُورِ. الثَّالِثُ أَنَّكُمْ عَمِلْتُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ تَعْمَلُوا بِخَبَرِ الْفَاتِحَةِ وَهُمَا خَبَرُ وَاحِدٍ فَكَانَ تَنَاقُضًا. الرَّابِعُ أَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ وَضِيقِ الْوَقْتِ وَكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ، وَشَرَائِطُ الصَّلَاةِ لَا تَسْقُطُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَالطَّهَارَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ.

стр. 482

«مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ لِيُصَلِّ الَّتِي ذَكَرَهَا ثُمَّ لِيُعِدْ الَّتِي صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ» وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ قَضَاءَ الصَّلَاةِ رَحْمَةٌ وَالنَّبِيُّ ﷺ مَوْصُوفٌ بِالرَّأْفَةِ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ رَأْفَتِهِ أَنْ يُوجِبَ عَلَى الْمُفَرِّطِ مَا يَتَدَارَكُ بِهِ تَفْرِيطَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا مَا أَبْطَلْنَا بِهِ الْعَمَلَ بِالْمَشْهُورِ بَلْ أَخَّرْنَاهُ عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ احْتِيَاطًا، وَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ مِنْ إهْمَالِ الْعَمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ أَصْلًا، عَلَى أَنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ لَيْسَ خَبَرَ وَاحِدٍ بَلْ هُوَ مَشْهُورٌ تَلَقَّتْهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ، فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ الثَّابِتِ بِهِ. وَعَنْ الثَّالِثِ

стр. 483

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بِأَنَّ الْعَمَلَ بِخَبَرِ الْفَاتِحَةِ عَلَى وَجْهٍ يَلْزَمُ فَسَادُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا يُوجِبُ نَسْخَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلَافِ صُورَةِ النِّزَاعِ فَإِنَّ فِيهَا الْعَمَلَ بِالْكِتَابِ وَالْخَبَرِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِتَقْدِيمِ الْفَائِتَةِ عَلَيْهِ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ، وَخَبَرُ التَّرْتِيبِ يَدُلُّ عَلَى التَّقْدِيمِ فَعَمِلْنَا بِهِمَا. وَعَنْ الرَّابِعِ بِأَنَّ وَقْتَ النِّسْيَانِ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا وَقْتُ التَّذَكُّرِ وَهُوَ نَاسٍ، وَأَمَّا ضِيقُ الْوَقْتِ فَلَمْ يَكُنْ مُتَنَاوِلَ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ جَعْلَ قَضَاءِ الْفَائِتَةِ شَرْطُ جَوَازِ أَدَاءِ الْوَقْتِيَّةِ إنَّمَا هُوَ

стр. 484

(وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يُقَدِّمُ الْوَقْتِيَّةَ ثُمَّ يَقْضِيهَا) لِأَنَّ التَّرْتِيبَ يَسْقُطُ بِضِيقِ الْوَقْتِ، وَكَذَا بِالنِّسْيَانِ وَكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِيَّةِ، وَلَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ جَازَ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الْوَقْتِ سَعَةٌ وَقَدَّمَ الْوَقْتِيَّةَ حَيْثُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ أَدَّاهَا قَبْلَ وَقْتِهَا الثَّابِتِ بِالْحَدِيثِ لِتَدَارُكِ الْفَائِتَةِ وَلَيْسَ مِنْ الْحِكْمَةِ تَدَارُكُهَا بِتَفْوِيتِ مِثْلِهَا فَلَمْ يَكُنْ شَرْطًا عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ، وَأَمَّا كَثْرَةُ الْفَوَائِتِ فَإِنَّهَا فِي مَعْنَى ضِيقِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهَا مَعَ كَثْرَتِهَا يُفْضِي إلَى تَفْوِيتِ الْوَقْتِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِالْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا. قَوْلُهُ: (وَلَوْ خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ يُقَدِّمُ الْوَقْتِيَّةَ) وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ قَدَّمَ الْفَائِتَةَ جَازَ) أَيْ جَازَ فِعْلُهُ (هَذَا) وَهُوَ تَقْدِيمُ الْفَائِتَةِ (؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَقْدِيمِهَا لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا) أَرَادَ النَّهْيَ الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ الْأَمْرِ، وَأَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْمَبْسُوطِ فَقَالَ: لَوْ بَدَأَ بِالْفَائِتَةِ أَجْزَأَ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّ هُنَاكَ هُوَ مَأْمُورٌ بِالْبُدَاءَةِ بِالْفَائِتَةِ، وَلَوْ بَدَأَ بِفَرْضِ الْوَقْتِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْبُدَاءَةِ بِفَرْضِ الْوَقْتِ هُنَاكَ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهَا، أَلَا تَرَى أَنَّ لَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِالتَّطَوُّعِ لِانْعِدَامِ الْمُوجِبِ لِلنَّهْيِ فَمُنِعَ الْجَوَازُ لِهَذَا، وَهَاهُنَا النَّهْيُ عَنْ الْبُدَاءَةِ بِالْفَائِتَةِ لَيْسَ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهَا بَلْ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ فَرْضِ الْوَقْتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُنْهَى عَنْ الِاشْتِغَالِ بِالتَّطَوُّعِ أَيْضًا لِوُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْمُوجِبِ لِلنَّهْيِ، وَالنَّهْيُ مَتَى مَا لَمْ يَكُنْ

стр. 485

(وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ كَمَا وَجَبَتْ فِي الْأَصْلِ) «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵊ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهُنَّ مُرَتِّبًا، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» لِمَعْنًى فِي عَيْنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَهُ. قَالَ (وَلَوْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لِبَيَانِ أَنَّ التَّرْتِيبَ كَمَا أَنَّهُ فَرْضٌ بَيْنَ الْوَقْتِيَّةِ وَالْفَائِتَةِ فَكَذَا بَيْنَ الْفَوَائِتِ نَفْسِهَا، فَإِذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ كَمَا وَجَبَتْ فِي الْأَصْلِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَيْ يَوْمَ حَفْرِهِ فَقَضَاهُنَّ مُرَتِّبًا ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أَمْرٌ بِالتَّشْبِيهِ مُطْلَقًا، وَالْكَامِلُ مِنْهُ مَا يَقَعُ عَلَى كَمِّهِ وَكَيْفِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَدَاءَ

стр. 486

(إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ) لِأَنَّ الْفَوَائِتَ قَدْ كَثُرَتْ (فَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ فِيمَا بَيْنَ الْفَوَائِتِ) نَفْسِهَا كَمَا سَقَطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْوَقْتِيَّةِ، وَحْدُ الْكَثْرَةِ أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا لِخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ السَّادِسَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْمَذْكُورِ بِوَصْفِ التَّرْتِيبِ شَرْطٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ كَمَا صَلَّيْت لِسِرٍّ. وَقَوْلُهُ: (إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ رَتَّبَهَا فِي الْقَضَاءِ، وَمَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَصِيرَ الْفَوَائِتُ سِتًّا. وَاخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ فِي تَأْوِيلِ كَلَامِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ لَا يُفِيدُ هَذَا الْمَعْنَى لِاسْتِدْعَائِهِ أَنْ تَكُونَ الْفَوَائِتُ سَبْعًا؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْفَوَائِتَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ، وَالزَّائِدُ غَيْرُ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ، وَالْمَزِيدُ عَلَيْهِ سِتٌّ فَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ سَبْعًا. فَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: الْمُرَادُ مِنْ الصَّلَوَاتِ أَوْقَاتُهَا، فَإِنَّ فَوْتَ الصَّلَاةِ السَّابِعَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَزِيدَ الْفَوَائِتُ عَلَى سِتَّةِ أَوْقَاتٍ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِفَوْتِ السَّابِعَةِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ. وَقِيلَ أَرَادَ أَوْقَاتَ الْفَوَائِتِ بِحَذْفِ الْمُضَافِ. وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَسْتَدْعِي زِيَادَةَ الْأَوْقَاتِ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ،

стр. 487

فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ قَوْلُهُ (وَإِنْ فَاتَتْهُ أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَجْزَأَتْهُ الَّتِي بَدَأَ بِهَا) لِأَنَّهُ إذَا زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ تَصِيرُ سِتًّا. وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ اعْتَبَرَ دُخُولَ وَقْتِ السَّادِسَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ وَذَلِكَ فِي الْأَوَّلِ، وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْفَوَائِتُ الْقَدِيمَةُ وَالْحَدِيثَةُ، قِيلَ تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ مَعَ تَذَكُّرِ الْحَدِيثَةِ لِكَثْرَةِ وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِفَوْتِ وَقْتِ السَّابِعَةِ وَلَيْسَ بِمُرَادٍ. وَقِيلَ أَرَادَ بِالْفَوَائِتِ الْأَوْقَاتَ، وَمَعْنَاهُ إلَّا أَنْ تَزِيدَ الْأَوْقَاتُ عَلَى سِتِّ صَلَوَاتٍ. وَرَدَّ بِرَدٍّ يَشْمَلُهُ وَمَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ، وَهُوَ أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ كُلِّهَا كَمَا تَرَى. وَالْحَقُّ أَنْ يُقَدَّرَ مُضَافَانِ وَتَقْدِيرُهُ: إلَّا أَنْ تَزِيدَ أَوْقَاتُ الْفَوَائِتِ عَلَى أَوْقَاتِ سِتِّ صَلَوَاتٍ بِحَسَبِ دُخُولِ الْأَوْقَاتِ دُونَ خُرُوجِهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الْفَوَائِتِ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ لَمَّا أَفَادَتْ سُقُوطَهُ فِي اعْتِبَارِهَا فَلَأَنْ تُفِيدَهُ فِي نَفْسِهَا أَوْلَى، وَقِيلَ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ. قَوْلُهُ: (وَحَدُّ الْكَثْرَةِ) ظَاهِرٌ مِمَّا ذَكَرْنَا إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ (؛ لِأَنَّ الْكَثْرَةَ بِالدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ) فِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ الْكَثْرَةَ أَمْرٌ إضَافِيٌّ جَازَ إطْلَاقُهَا عَلَى مَا هُوَ أَزْيَدُ مِمَّا دُونَهُ، فَمَا وَجْهُ الدُّخُولِ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَصْلُ ذَلِكَ الْقَضَاءُ بِالْإِغْمَاءِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَقَضَى الصَّلَوَاتِ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَقَضَاهُنَّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَلَمْ يَقْضِهِنَّ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْرَارَ مُعْتَبَرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ اجْتَمَعَتْ الْفَوَائِتُ الْقَدِيمَةُ وَالْحَدِيثَةُ) صُورَتُهُ: رَجُلٌ تَرَكَ صَلَاةَ شَهْرٍ سَفَهًا وَمَجَانَةً ثُمَّ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ

стр. 488

الْفَوَائِتِ، وَقِيلَ لَا تَجُوزُ وَيُجْعَلُ الْمَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَاشْتَغَلَ بِأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ فِي مَوَاقِيتِهَا فَقَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ تِلْكَ الْفَوَائِتَ تَرَكَ صَلَوَاتٍ دُونَ سِتٍّ وَصَلَّى صَلَاةً أُخْرَى وَهُوَ ذَاكِرٌ لِهَذِهِ الْمَتْرُوكَةِ الْحَدِيثَةِ. قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ مَشَايِخِنَا: تَجُوزُ هَذِهِ الصَّلَوَاتُ لِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ، وَالِاشْتِغَالُ بِالْحَدِيثِ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ الِاشْتِغَالِ بِتِلْكَ، وَالِاشْتِغَالُ بِالْكُلِّ يُفَوِّتُ الْوَقْتِيَّةَ عَنْ وَقْتِهَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَجُوزُ وَيُجْعَلُ الْمَاضِي كَأَنْ لَمْ يَكُنْ

стр. 489

زَجْرًا لَهُ عَنْ التَّهَاوُنِ. وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ حَتَّى قَلَّ مَا بَقِيَ عَادَ التَّرْتِيبَ عِنْدَ الْبَعْضِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَجَعَلَ يَقْضِي مِنْ الْغَدِ مَعَ كُلِّ وَقْتِيَّةٍ فَائِتَةً فَالْفَوَائِتُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْوَقْتِيَّاتُ فَاسِدَةٌ إنْ قَدَّمَهَا لِدُخُولِ الْفَوَائِتِ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ، زَجْرًا لَهُ عَنْ التَّهَاوُنِ) وَأَنْ لَا تَصِيرَ الْمَعْصِيَةُ وَسِيلَةً إلَى الْيُسْرِ وَالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ قَضَى بَعْضَ الْفَوَائِتِ) صُورَتُهُ أَنْ يَتْرُكَ الرَّجُلُ صَلَاةَ شَهْرٍ ثُمَّ يَقْضِيَهَا إلَّا صَلَاةً أَوْ صَلَاتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى صَلَاةً دَخَلَ وَقْتُهَا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ هَلْ تَجُوزُ الْوَقْتِيَّةُ أَوْ لَمْ تَجُزْ؟ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَمَالَ إلَى عَدَمِ الْجَوَازِ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ وَالْمُصَنِّفُ، وَمَالَ إلَى الْجَوَازِ أَبُو حَفْصٍ الْكَبِيرُ، وَاخْتَارَهُ مِنْ الْمَشَايِخِ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَصَاحِبُ الْمُحِيطِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَوَجْهُهُ أَنَّ التَّرْتِيبَ قَدْ سَقَطَ بِكَثْرَةِ الْفَوَائِتِ وَالسَّاقِطُ لَا يَعُودُ كَمَاءٍ نَجِسٍ قَلِيلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ الْمَاءُ الْجَارِي حَتَّى كَثُرَ وَسَالَ ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِلَّةِ لَا يَصِيرُ نَجِسًا. قَالَ الْمُصَنِّفُ عَنْ الْأَوَّلِ (وَهُوَ الْأَظْهَرُ) يَعْنِي دِرَايَةً وَرِوَايَةً. أَمَّا دِرَايَةً فَلِأَنَّ عِلَّةَ السُّقُوطِ الْكَثْرَةُ الْمُفْضِيَةُ إلَى الْحَرَجِ وَلَمْ يَبْقَ بِالْعَوْدِ إلَى الْقِلَّةِ وَالْحُكْمُ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ عِلَّتِهِ فَكَانَ كَحَقِّ الْحَضَانَةِ إذَا سَقَطَ بِالتَّزَوُّجِ ثُمَّ ارْتَفَعَتْ الزَّوْجِيَّةُ فَإِنَّ الْحَقَّ يَعُودُ، وَأَمَّا رِوَايَةً فَلِمَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ تَرَكَ صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَجَعَلَ: أَيْ شَرَعَ يَقْضِي مِنْ الْغَدِ مَعَ كُلِّ وَقْتِيَّةٍ فَائِتَةً فَالْفَوَائِتُ جَائِزَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ: يَعْنِي سَوَاءٌ قَدَّمَهَا

стр. 490

وَإِنْ أَخَّرَهَا فَكَذَلِكَ إلَّا الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ لِأَنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَائِهَا. عَلَى الْوَقْتِيَّاتِ أَوْ أَخَّرَهَا عَنْهَا. وَالْوَقْتِيَّاتُ فَاسِدَةٌ قَدَّمَهَا لِدُخُولِ الْفَوَائِتِ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى أَدَّى صَلَاةً مِنْ الْوَقْتِيَّاتِ صَارَتْ هِيَ سَادِسَةَ الْمَتْرُوكَاتِ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا قَضَى مَتْرُوكَةً بَعْدَهَا عَادَتْ الْمَتْرُوكَاتُ خَمْسًا، ثُمَّ لَا يَزَالُ هَكَذَا فَلَا يَعُودُ إلَى الْجَوَازِ (وَإِنْ أَخَّرَهَا) أَيْ الْوَقْتِيَّاتِ عَنْ الْفَوَائِتِ (فَكَذَلِكَ) أَيْ لَا تَجُوزُ الْوَقْتِيَّاتُ (إلَّا الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ) أَمَّا فَسَادُ مَا وَرَاءَ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْوَقْتِيَّاتِ فَلِأَنَّهُ كُلَّمَا صَلَّى فَائِتَةً عَادَتْ الْفَوَائِتُ أَرْبَعًا فَفَسَدَتْ الْوَقْتِيَّةُ ضَرُورَةً، وَأَمَّا جَوَازُ الْعِشَاءِ الْأَخِيرَةِ فَلِمَا ذَكَرَ (أَنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَائِهَا) وَالظَّنُّ مَتَى لَاقَى فَصْلًا مُجْتَهَدًا فِيهِ وَقَعَ مُعْتَبَرًا، وَإِنْ كَانَ خَطَأً، وَالتَّرْتِيبُ لَا يُوجِبُهُ الشَّافِعِيُّ فَكَانَ ظَنُّهُ مُوَافِقًا لِرَأْيِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا عَفَا أَحَدُ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ وَظَنَّ صَاحِبُهُ أَنَّ عَفْوَ صَاحِبِهِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي حَقِّهِ فَقَتَلَ ذَلِكَ الْقَاتِلَ لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا قَتْلٌ بِغَيْرِ حَقٍّ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مُتَأَوَّلًا وَمُجْتَهِدًا فِيهِ صَارَ ذَلِكَ الظَّنُّ مَانِعًا وُجُوبَ الْقِصَاصِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَنُوقِضَ بِمَا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ بِغَيْرِ وُضُوءٍ نَاسِيًا ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ عَلَى وُضُوءٍ ذَاكِرًا لِلظُّهْرِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَهُمَا جَمِيعًا، وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ فِي ظَنِّهِ حَالَ أَدَائِهَا كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يَجِبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْعَصْرِ ثَانِيًا لِمَا أَنَّهُ لَمَّا قَضَى الظُّهْرَ قَدْ وَقَعَ فِي ظَنِّهِ أَنَّهُ قَضَى جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْفَائِتَةِ، وَالتَّرْتِيبُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَكَانَ ظَنُّهُ هَاهُنَا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِهِ كَمَا ذَكَرْتُمْ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَسَادَ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الطَّهَارَةِ فَسَادٌ قَوِيٌّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَظَهَرَ أَثَرُهُ فِيمَا يُؤَدَّى بَعْدَهُ، وَأَمَّا فَسَادُهَا بِسَبَبِ تَرْكِ التَّرْتِيبِ فَضَعِيفٌ

стр. 491

(وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فَهِيَ فَاسِدَةٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ (وَإِذَا فَسَدَتْ الْفَرْضِيَّةُ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ)، فَإِذَا بَطَلَتْ الْفَرْضِيَّةُ بَطَلَتْ. وَلَهُمَا أَنَّهَا عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى. قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ) مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ وَلَكِنْ ذَكَرَهَا تَمْهِيدًا لِلِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهَا، وَفِي ضِيقِ الْوَقْتِ كَلَامٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فِيمَا مَضَى فَلْنَتَكَلَّمْ بِهِ هَاهُنَا، وَهُوَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ضِيقِ الْوَقْتِ لِأَصْلِ الْوَقْتِ أَوْ لِلْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ. حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الِاعْتِبَارُ بِأَصْلِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَعَلَى هَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ إنْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَعَلَيْهِ أَدَاءُ الْعَصْرِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِهَا وَتَقَعُ الْعَصْرُ أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ تَغَيُّرِهَا فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَرَاهَةِ يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ كَخَوْفِ فَوْتِ أَصْلِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِهَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ شَيْءٍ مِنْ الظُّهْرِ بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَقْتُ عَصْرِ الْيَوْمِ لَيْسَ إلَّا. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا فَسَدَتْ الْفَرْضِيَّةُ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ) يَعْنِي يَنْقَلِبُ نَفْلًا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ) وَالْفَائِدَةُ أَيْضًا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَهْقَهَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكُلُّ مَا عُقِدَ لِأَجْلِهِ التَّحْرِيمَةُ إذَا بَطَلَ بَطَلَتْ التَّحْرِيمَةُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ وَسِيلَةٌ إلَى تَحْصِيلِهِ، وَإِذَا بَطَلَ الْمَقْصُودُ بَطَلَتْ الْوَسِيلَةُ (وَلَهُمَا أَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْوَصْفَ

стр. 492

(ثُمَّ الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا، حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا يَفْسُدُ فَسَادًا بَاتًّا لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ) وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ. يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَصِّلًا لِأَصْلِهِ فَكَانَ كَالْفَصْلِ الْمُنَوَّعِ فَيَبْطُلُ الْأَصْلُ بِبُطْلَانِهِ. وَالثَّانِي أَنَّ وَصْفَ الْفَرْضِيَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَدْخَلٌ فِيمَا انْعَقَدَتْ التَّحْرِيمَةُ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا؟ لَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ ظَرْفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ بِوَصْفٍ يَحْصُلُ بِهِ تَعَيُّنُ مَا أَحْرَمَ لَهُ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ لَجَازَ الْإِحْرَامُ بِدُونِ التَّعْيِينِ فَلَا يَثْبُتُ تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ فَكَانَ جُزْءًا وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَصَّلًا؛ لِأَنَّ الْمُحَصَّلَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَالْوَصْفُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْصُوفِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ لِلْمَوْصُوفِ مَدْخَلًا لِمَا انْعَقَدَتْ بِهِ التَّحْرِيمَةُ لَا مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُهُ حَتَّى يَكُونَ جُزْءًا بَلْ مِنْ حَيْثُ نَفْيُ غَيْرِهِ مِمَّا يُزَاحِمُهُ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْكُلِّ (ثُمَّ) إذَا فَسَدَ (الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا وَقَالَا فَسَادًا بَاتًّا لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ)؛ لِأَنَّ سُقُوطَ التَّرْتِيبِ حُكْمُ الْكَثْرَةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ حُكْمٌ لِعِلَّةٍ يَتَأَخَّرُ عَنْ عِلَّتِهِ، فَسُقُوطُ التَّرْتِيبِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الْكَثْرَةِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَثْرَةَ عِلَّةٌ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ وَقَدْ حَصَلَتْ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا السُّقُوطُ، وَهِيَ كَمَا جَازَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِمَا سَيَأْتِي مِنْ الصَّلَوَاتِ جَازَ أَنْ تَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ آحَادِهَا. لَا يُقَالُ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ آحَادِهَا جُزْؤُهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْلُولًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا جُزْؤُهَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ، وَذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَبْلَ الْكَثْرَةِ. وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَهُوَ مَعْنًى مَعْقُولٌ. وَثُبُوتُ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَفَسَادِهَا بِطَرِيقِ التَّبْيِينِ غَيْرُ عَزِيزٍ فِي الشَّرْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِعَرَفَاتٍ يَتَوَقَّفُ، فَإِنْ أَفَاضَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ تَنْقَلِبُ صَلَاتُهُ نَفْلًا وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا مَعَ الْعِشَاءِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ، وَإِنْ لَمْ يُفِضْ إلَيْهَا بَلْ تَوَجَّهَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ إلَى مَكَّةَ صَحَّتْ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ سَعَى إلَيْهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ انْقَلَبَتْ الظُّهْرُ نَفْلًا وَإِلَّا بَقِيَتْ فَرْضًا، وَكَذَلِكَ الْمُعْتَادَةُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا دُونَ عَادَتِهَا وَصَلَّتْ ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً، وَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا كَانَتْ صَحِيحَةً. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ) يَعْنِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.

стр. 493

(وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ فَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) خِلَافًا لَهُمَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبَةٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَعَلَى هَذَا إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى السُّنَّةَ وَالْوِتْرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فَعِنْدَهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالسُّنَنَ دُونَ الْوِتْرِ، لِأَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ عَلَى حِدَةٍ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوِتْرَ أَيْضًا لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِلْعِشَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ) يَعْنِي أَنَّ التَّرْتِيبَ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ لَا غَيْرُ. وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (فَعِنْدَهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالسُّنَّةَ دُونَ الْوِتْرِ)؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ إذَا كَانَ وَاجِبًا عِنْدَهُ صَارَ كَأَنَّهُ صَلَّى فَرْضًا بِنِسْيَانِ فَرْضٍ آخَرَ، وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوِتْرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِهِ بَعْدَ أَدَاءِ الْعِشَاءِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَكَانَ مُصَلِّيًا قَبْلَ وَقْتِهِ

стр. 494

بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ (يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ» وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَكُونُ جَابِرًا لِنُقْصَانٍ يَقَعُ فِيهِمَا، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ وَهِيَ الْأَصْلُ فِي الْإِضَافَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَأَقْوَى وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ اخْتِصَاصُ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. قَوْلُهُ: (يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) ظَاهِرٌ.

стр. 495

السَّلَامِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَا فِعْلِهِ فَبَقِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ سَالِمًا وَقَوْلُهُ: (فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَا فِعْلِهِ فَبَقِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ الْحُجَّتَيْنِ الْمَصِيرَ إلَى مَا بَعْدَهُمَا وَهَاهُنَا صَيَّرَ إلَى مَا قَبْلَهُمَا وَهُوَ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ دُونَ الْفِعْلِ. وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا لَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ فَوْقَهُمَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ فَقَدْ يُصَارُ إلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأُصُولِ كُلُّهُمْ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا لَمْ نَجْعَلْ الْقَوْلَ مُرَجِّحًا لِلْفِعْلِ حَتَّى لَزِمَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ بَعْدَ تَعَارُضِ الْفِعْلَيْنِ وَتَهَاتُرِهِمَا وَقَالَ مَالِكٌ: إهْمَالُ الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فَيُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا إذَا كَانَ السَّهْوُ بِنُقْصَانٍ، وَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالزِّيَادَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يُفَصِّلُ. رَوَى ثَوْبَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ». وَقَوْلُهُ:
следующие страницы →