Полный текст (5 149 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
(وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ الظُّهْرَ فَهِيَ فَاسِدَةٌ إلَّا إذَا كَانَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ) وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ (وَإِذَا فَسَدَتْ الْفَرْضِيَّةُ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ)، فَإِذَا بَطَلَتْ الْفَرْضِيَّةُ بَطَلَتْ. وَلَهُمَا أَنَّهَا عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ
مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَلَا يَتَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى صَلَاةٍ أُخْرَى.
قَوْلُهُ: (وَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ) مَسْأَلَةُ التَّرْتِيبِ وَلَكِنْ ذَكَرَهَا تَمْهِيدًا لِلِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهَا، وَفِي ضِيقِ الْوَقْتِ كَلَامٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ فِيمَا مَضَى فَلْنَتَكَلَّمْ بِهِ هَاهُنَا، وَهُوَ أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي ضِيقِ الْوَقْتِ لِأَصْلِ الْوَقْتِ أَوْ لِلْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ. حُكِيَ عَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ الِاعْتِبَارُ بِأَصْلِ الْوَقْتِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِالْوَقْتِ الْمُسْتَحَبِّ، وَعَلَى هَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمَسْأَلَةِ إنْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الصَّلَاتَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَعَلَيْهِ أَدَاءُ الْعَصْرِ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِهَا وَتَقَعُ الْعَصْرُ أَوْ بَعْضُهَا بَعْدَ تَغَيُّرِهَا فَعَلَيْهِ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَرَاهَةِ يُسْقِطُ التَّرْتِيبَ كَخَوْفِ فَوْتِ أَصْلِ الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَدَاءُ الظُّهْرِ قَبْلَ تَغَيُّرِهَا يَسْقُطُ التَّرْتِيبُ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ شَيْءٍ مِنْ الظُّهْرِ بَعْدَ تَغَيُّرِ الشَّمْسِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَقْتُ عَصْرِ الْيَوْمِ لَيْسَ إلَّا. وَقَوْلُهُ: (وَإِذَا فَسَدَتْ الْفَرْضِيَّةُ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الصَّلَاةِ) يَعْنِي يَنْقَلِبُ نَفْلًا (عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَبْطُلُ) وَالْفَائِدَةُ أَيْضًا تَظْهَرُ فِيمَا إذَا قَهْقَهَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ طَهَارَتَهُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِلْفَرْضِ وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكُلُّ مَا عُقِدَ لِأَجْلِهِ التَّحْرِيمَةُ إذَا بَطَلَ بَطَلَتْ التَّحْرِيمَةُ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَةَ وَسِيلَةٌ إلَى تَحْصِيلِهِ، وَإِذَا بَطَلَ الْمَقْصُودُ بَطَلَتْ الْوَسِيلَةُ (وَلَهُمَا أَنَّ التَّحْرِيمَةَ عُقِدَتْ لِأَصْلِ الصَّلَاةِ مَوْصُوفًا بِصِفَةِ الْفَرْضِيَّةِ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ بُطْلَانُ الْأَصْلِ) وَفِيهِ بَحْثٌ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْوَصْفَ
стр. 492
(ثُمَّ الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا، حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَعِنْدَهُمَا يَفْسُدُ فَسَادًا بَاتًّا لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ) وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ.
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَصِّلًا لِأَصْلِهِ فَكَانَ كَالْفَصْلِ الْمُنَوَّعِ فَيَبْطُلُ الْأَصْلُ بِبُطْلَانِهِ.
وَالثَّانِي أَنَّ وَصْفَ الْفَرْضِيَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَدْخَلٌ فِيمَا انْعَقَدَتْ التَّحْرِيمَةُ لِأَجْلِهِ أَوْ لَا؟ لَا سَبِيلَ إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ ظَرْفٌ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّمْيِيزِ بِوَصْفٍ يَحْصُلُ بِهِ تَعَيُّنُ مَا أَحْرَمَ لَهُ. فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِي ذَلِكَ لَجَازَ الْإِحْرَامُ بِدُونِ التَّعْيِينِ فَلَا يَثْبُتُ تَفْرِيغُ الذِّمَّةِ فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ فَكَانَ جُزْءًا وَالْكُلُّ يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ جُزْئِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحَصَّلًا؛ لِأَنَّ الْمُحَصَّلَ يَجِبُ تَقْدِيمُهُ وَالْوَصْفُ لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى الْمَوْصُوفِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ لِلْمَوْصُوفِ مَدْخَلًا لِمَا انْعَقَدَتْ بِهِ التَّحْرِيمَةُ لَا مِنْ حَيْثُ تَحْصِيلُهُ حَتَّى يَكُونَ جُزْءًا بَلْ مِنْ حَيْثُ نَفْيُ غَيْرِهِ مِمَّا يُزَاحِمُهُ فِي الْوَقْتِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُزْءًا لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْكُلِّ (ثُمَّ) إذَا فَسَدَ (الْعَصْرُ يَفْسُدُ فَسَادًا مَوْقُوفًا) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (حَتَّى لَوْ صَلَّى سِتَّ صَلَوَاتٍ وَلَمْ يُعِدْ الظُّهْرَ انْقَلَبَ الْكُلُّ جَائِزًا وَقَالَا فَسَادًا بَاتًّا لَا جَوَازَ لَهُ بِحَالٍ)؛ لِأَنَّ سُقُوطَ التَّرْتِيبِ حُكْمُ الْكَثْرَةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ حُكْمٌ لِعِلَّةٍ يَتَأَخَّرُ عَنْ عِلَّتِهِ، فَسُقُوطُ التَّرْتِيبِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَقَعُ مِنْ الصَّلَوَاتِ بَعْدَ الْكَثْرَةِ لَا فِيمَا قَبْلَهَا وَهُوَ الْقِيَاسُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْكَثْرَةَ عِلَّةٌ لِسُقُوطِ التَّرْتِيبِ وَقَدْ حَصَلَتْ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا السُّقُوطُ، وَهِيَ كَمَا جَازَ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً لِمَا سَيَأْتِي مِنْ الصَّلَوَاتِ جَازَ أَنْ تَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ آحَادِهَا. لَا يُقَالُ: كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ آحَادِهَا جُزْؤُهَا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا فَكَيْفَ يَكُونُ مَعْلُولًا لَهَا؛ لِأَنَّهَا جُزْؤُهَا مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ، وَلَا كَلَامَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مِنْ حَيْثُ الْجَوَازُ، وَذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا قَبْلَ الْكَثْرَةِ.
وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَهُوَ مَعْنًى مَعْقُولٌ. وَثُبُوتُ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَفَسَادِهَا بِطَرِيقِ التَّبْيِينِ غَيْرُ عَزِيزٍ فِي الشَّرْعِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِعَرَفَاتٍ يَتَوَقَّفُ، فَإِنْ أَفَاضَ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ تَنْقَلِبُ صَلَاتُهُ نَفْلًا وَيَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا مَعَ الْعِشَاءِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ، وَإِنْ لَمْ يُفِضْ إلَيْهَا بَلْ تَوَجَّهَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ إلَى مَكَّةَ صَحَّتْ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَنْزِلِهِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَإِنْ سَعَى إلَيْهَا قَبْلَ فَرَاغِ الْإِمَامِ انْقَلَبَتْ الظُّهْرُ نَفْلًا وَإِلَّا بَقِيَتْ فَرْضًا، وَكَذَلِكَ الْمُعْتَادَةُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا دُونَ عَادَتِهَا وَصَلَّتْ ثُمَّ عَاوَدَهَا الدَّمُ تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ صَحِيحَةً، وَإِنْ لَمْ يُعَاوِدْهَا كَانَتْ صَحِيحَةً. وَقَوْلُهُ: (وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ) يَعْنِي فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ.
стр. 493
(وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ أَنَّهُ لَمْ يُوتِرْ فَهِيَ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) خِلَافًا لَهُمَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبَةٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا، وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، وَعَلَى هَذَا إذَا صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى السُّنَّةَ وَالْوِتْرَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ فَعِنْدَهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالسُّنَنَ دُونَ الْوِتْرِ، لِأَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ عَلَى حِدَةٍ عِنْدَهُ. وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوِتْرَ أَيْضًا لِكَوْنِهِ تَبَعًا لِلْعِشَاءِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَوْ صَلَّى الْفَجْرَ وَهُوَ ذَاكِرٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا تَرْتِيبَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ) يَعْنِي أَنَّ التَّرْتِيبَ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ مَا يَكُونُ بَيْنَ الْفَرَائِضِ لَا غَيْرُ. وَقَوْلُهُ: (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ عِنْدَهُ سُنَّةٌ عِنْدَهُمَا. وَقَوْلُهُ: (فَعِنْدَهُ يُعِيدُ الْعِشَاءَ وَالسُّنَّةَ دُونَ الْوِتْرِ)؛ لِأَنَّ الْوِتْرَ إذَا كَانَ وَاجِبًا عِنْدَهُ صَارَ كَأَنَّهُ صَلَّى فَرْضًا بِنِسْيَانِ فَرْضٍ آخَرَ، وَعِنْدَهُمَا يُعِيدُ الْوِتْرَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ دُخُولَ وَقْتِهِ بَعْدَ أَدَاءِ الْعِشَاءِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ فَكَانَ مُصَلِّيًا قَبْلَ وَقْتِهِ
стр. 494
بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ
(يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ ثُمَّ يَتَشَهَّدُ ثُمَّ يُسَلِّمُ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ سَجَدَ لِلسَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ» وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ
بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يَكُونُ جَابِرًا لِنُقْصَانٍ يَقَعُ فِيهِمَا، وَهَذِهِ الْإِضَافَةُ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى السَّبَبِ وَهِيَ الْأَصْلُ فِي الْإِضَافَاتِ؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَأَقْوَى وُجُوهِ الِاخْتِصَاصِ اخْتِصَاصُ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ. قَوْلُهُ: (يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) ظَاهِرٌ.
стр. 495
السَّلَامِ» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ «سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ» فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَا فِعْلِهِ فَبَقِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ سَالِمًا
وَقَوْلُهُ: (فَتَعَارَضَتْ رِوَايَتَا فِعْلِهِ فَبَقِيَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ) اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فِي الْمُعَارَضَةِ بَيْنَ الْحُجَّتَيْنِ الْمَصِيرَ إلَى مَا بَعْدَهُمَا وَهَاهُنَا صَيَّرَ إلَى مَا قَبْلَهُمَا وَهُوَ الْقَوْلُ؛ لِأَنَّهُ مُوجِبٌ دُونَ الْفِعْلِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ يَلْزَمُ التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ. وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا لَمْ تَكُنْ حُجَّةٌ فَوْقَهُمَا. وَأَمَّا إذَا كَانَ فَقَدْ يُصَارُ إلَيْهِ وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْأُصُولِ كُلُّهُمْ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّا لَمْ نَجْعَلْ الْقَوْلَ مُرَجِّحًا لِلْفِعْلِ حَتَّى لَزِمَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ بَعْدَ تَعَارُضِ الْفِعْلَيْنِ وَتَهَاتُرِهِمَا وَقَالَ مَالِكٌ: إهْمَالُ الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا لَا يَكَادُ يَصِحُّ فَيُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مَا إذَا كَانَ السَّهْوُ بِنُقْصَانٍ، وَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُنَا عَلَى مَا إذَا كَانَ بِالزِّيَادَةِ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يُفَصِّلُ. رَوَى ثَوْبَانِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ السَّلَامِ».
وَقَوْلُهُ:
стр. 496
وَلِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ فَيُؤَخَّرُ عَنْ السَّلَامِ حَتَّى لَوْ سَهَا عَنْ السَّلَامِ يَنْجَبِرُ بِهِ،
وَلِأَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ مِمَّا لَا يَتَكَرَّرُ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ التَّأْخِيرِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ كَانَ يَنْبَغِي أَلَّا يَتَأَخَّرَ عَنْ زَمَانِ وُجُودِ الْعِلَّةِ وَهِيَ السَّهْوُ إلَّا أَنَّهُ تَأَخَّرَ لِضَرُورَةِ أَلَّا يَتَكَرَّرَ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَجَدَ زَمَانَ سَهْوِهِ وَأَمْكَنَ أَنْ يَسْهُوَ بَعْدَهُ فَإِنْ سَهَا فَإِمَّا أَنْ يَسْجُدَ ثَانِيًا أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ بَقِيَ نَقْصٌ لَازِمٌ لَا جَبْرَ لَهُ، وَإِنْ سَجَدَ تَتَكَرَّرُ السَّجْدَةُ وَهُوَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِالْإِجْمَاعِ فَلَزِمَ التَّأْخِيرُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي اقْتَضَى التَّأْخِيرَ عَنْ زَمَانِ الْعِلَّةِ اقْتَضَى التَّأْخِيرَ عَنْ السَّلَامِ حَتَّى لَوْ سَهَا عَنْ السَّلَامِ بِالْقِيَامِ إلَى الْخَامِسَةِ لَزِمَهُ السَّجْدَةُ لِتَأْخِيرِ السَّلَامِ فَيُؤَخَّرُ عَنْهُ
стр. 497
وَهَذَا خِلَافٌ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، وَيَأْتِي بِتَسْلِيمَتَيْنِ هُوَ الصَّحِيحُ صَرْفًا لِلسَّلَامِ الْمَذْكُورِ إلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ.
وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﵊، وَالدُّعَاءِ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَوْضِعُهُ آخِرُ الصَّلَاةِ.
قَالَ (وَيَلْزَمُهُ السَّهْوُ
لِيَنْجَبِرَ النُّقْصَانَ بِهِ (وَهَذَا الْخِلَافُ) بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ (فِي الْأَوْلَوِيَّةِ) أَمَّا لَوْ أَتَى بِهَا قَبْلَ السَّلَامِ جَازَ عِنْدَنَا أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الْأُصُولِ. وَرُوِيَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ قَبْلَ وَقْتِهِ. وَجْهُ رِوَايَةِ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَوْ لَمْ نُجْزِهِ لَأَمَرْنَا بِالْإِعَادَةِ وَتَكَرَّرَ السُّجُودُ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَلَأَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ عَلَى وَجْهٍ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ وَصَاحِبُ الْإِيضَاحِ، وَهُوَ أَنْ يُسَلِّمَ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيفَ لِمَعْنَى التَّحِيَّةِ لَا التَّحْلِيلِ: يَعْنِي أَنَّ لِلسَّلَامِ حُكْمَيْنِ: التَّحِيَّةَ لِلْقَوْمِ، وَالتَّحْلِيلَ، وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بِمُرَادٍ فِي هَذَا السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ قَاطِعٌ لِلْإِحْرَامِ، وَالتَّحْلِيلُ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرَارِ السَّلَامِ، وَإِذَا بَطَلَ مَعْنَى التَّحِيَّةِ لَا يَنْحَرِفُ. وَجْهُ الصَّحِيحِ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ صَرْفًا لِلسَّلَامِ الْمَذْكُورِ: يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ إلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي الصَّلَاةِ، وَنَسَبَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ قَائِلَ التَّسْلِيمَةِ الْوَاحِدَةِ إلَى الْبِدْعَةِ.
وَقَوْلُهُ: (وَيَأْتِي بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) اخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدَّعَوَاتِ أَنَّهَا فِي قَعْدَةِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ، فَقَالَ الطَّحَاوِيُّ يَأْتِي بِهَا فِيهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ قَعْدَةٍ فِي آخِرِهَا سَلَامٌ فَفِيهَا صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي قَعْدَةِ السَّهْوِ: وَاخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَقَالَ وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ مَوْضِعُهُ آخِرُ الصَّلَاةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ فِي الْأَخِيرَةِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ، وَهُوَ أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ يُخْرِجُهُ مِنْ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا فَكَانَتْ الْقَعْدَةُ الْأُولَى قَعْدَةَ الْخَتْمِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى خِلَافِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَذْكُورَ مُتَقَرِّرٌ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى ذَلِكَ لَكَانَ الصَّحِيحُ مَذْهَبَهُمَا.
قَالَ (وَيَلْزَمُهُ السَّهْوُ) هَذَا بَيَانُ مَا ذَكَرَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ يَسْجُدُ
стр. 498
إذَا زَادَ فِي صَلَاتِهِ فِعْلًا مِنْ جِنْسِهَا لَيْسَ مِنْهَا) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ وَاجِبَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّهَا تَجِبُ لِجَبْرِ نَقْصٍ تَمَكَّنَ فِي الْعِبَادَةِ فَتَكُونُ وَاجِبَةً كَالدِّمَاءِ فِي الْحَجِّ، وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ إلَّا بِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ تَأْخِيرِهِ أَوْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ سَاهِيًا هَذَا هُوَ الْأَصْلُ، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا لَا تَعْرَى عَنْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ.
قَالَ (وَيَلْزَمُهُ إذَا تَرَكَ فِعْلًا مَسْنُونًا) كَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ فِعْلًا وَاجِبًا إلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِتَسْمِيَتِهِ سُنَّةً أَنَّ وُجُوبَهَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ. قَالَ (أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ
لِلسَّهْوِ وَلِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَيُّ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ يُوجِبُهُ فَفَسَّرَ هَاهُنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ زِيَادَةُ فِعْلٍ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ لَيْسَ مِنْهَا كَمَا إذَا أَتَى بِرُكُوعَيْنِ أَوْ بِثَلَاثِ سَجَدَاتٍ (وَهَذَا) أَيْ قَوْلُهُ: يَلْزَمُهُ السَّهْوُ (يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ وَاجِبَةٌ) وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّهُ سُنَّةٌ (وَقَوْلُهُ: لِأَنَّهَا تَجِبُ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالزِّيَادَةِ) جَوَابٌ عَمَّا يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ وَإِذَا كَانَ وَاجِبًا لَا يَجِبُ إلَّا بِتَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ تَأْخِيرِهِ، فَإِنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يَجِبُ بِالزِّيَادَةِ أَيْضًا وَلَا تَرْكَ هُنَا وَلَا تَأْخِيرَ، فَقَالَ: الزِّيَادَةُ لَا تَعْرَى عَنْ تَأْخِيرِ رُكْنٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ.
وَقَوْلُهُ: (وَيَلْزَمُهُ إذَا تَرَكَ فِعْلًا مَسْنُونًا) بَيَانٌ لِلنُّقْصَانِ الْمُوجِبِ لِلسَّجْدَةِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الْمُضَافَةِ إلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ كَالتَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى. وَقَوْلُهُ (أَوْ تَرَكَ قِرَاءَةَ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ) بَيَانُ أَنَّهَا كَمَا تَجِبُ لِتَرْكِ الْأَفْعَالِ تَجِبُ لِتَرْكِ الْأَذْكَارِ.
اعْلَمْ أَنَّ سَجْدَةَ السَّهْوِ عُرِفَتْ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَمَا نُقِلَ ذَلِكَ
стр. 499
(أَوْ الْقُنُوتَ أَوْ التَّشَهُّدَ
عَنْهُ إلَّا فِي الْأَفْعَالِ فَكَانَ الْقِيَاسُ أَلَّا تَجِبَ فِي الْأَذْكَارِ، لَكِنَّهُمْ اسْتَحْسَنُوا فِيهَا؛ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ، وَيَثْبُتُ النُّقْصَانُ بِتَرْكِهَا أَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْجَبْرِ مِنْ السَّجْدَةِ، وَعَلَى هَذَا إذَا تَرَكَ الْفَاتِحَةَ (أَوْ الْقُنُوتَ) فِي الْوِتْرِ (أَوْ التَّشَهُّدَ)
стр. 500
أَوْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ) لِأَنَّهَا وَاجِبَاتٌ لِأَنَّهُ ﵊ وَاظَبَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكِهَا مَرَّةً وَهِيَ أَمَارَةُ الْوُجُوبِ وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِهَا وَذَلِكَ بِالْوُجُوبِ ثُمَّ ذِكْرُ التَّشَهُّدِ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَالْقِرَاءَةَ فِيهِمَا وَكُلُّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَفِيهَا سَجْدَةٌ هُوَ الصَّحِيحُ.
(وَلَوْ جَهَرَ الْإِمَامُ فِيمَا يُخَافِتُ أَوْ خَافَتْ فِيمَا يَجْهَرُ تَلْزَمُهُ سَجْدَتَا السَّهْوِ) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ
فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ (أَوْ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) تَجِبُ السَّجْدَةُ (لِأَنَّهَا وَاجِبَاتٌ لِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَرْكٍ وَهِيَ مِنْ أَمَارَاتِ الْوُجُوبِ) وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَجِبُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ (وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إلَى جَمِيعِ الصَّلَاةِ) يُقَالُ: تَكْبِيرَاتُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَقُنُوتُ الْوِتْرِ وَتَشَهُّدُ الصَّلَاةِ (فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِ الصَّلَاةِ)؛ لِأَنَّ الْإِضَافَةَ دَلِيلُ الِاخْتِصَاصِ، وَالِاخْتِصَاصُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ اخْتِصَاصَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ مَعَهُ، وَالْوُجُوبُ طَرِيقٌ لِلْوُجُودِ، وَالْخَصَائِصُ جَمْعُ خِصِّيصَةٍ بِمَعْنَى الْمُخَاصِّ كَالشَّرِيكِ بِمَعْنَى الْمُشَارِكِ. وَقَوْلُهُ: (وَكُلُّ ذَلِكَ) أَيْ كُلُّ الْمَذْكُورِ مِنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا (وَاجِبٌ فِيهَا سَجْدَةٌ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ إطْلَاقَ الْوَاجِبِ عَلَى الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ سَهْوٌ؛ لِأَنَّهَا فَرِيضَةٌ تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتَرْكِهَا تَأْخِيرُهَا بِالْقِيَامِ إلَى الْخَامِسَةِ، فَإِنَّ فِي التَّأْخِيرِ نَوْعَ تَرْكٍ، وَتَأْخِيرُ الرُّكْنِ يُوجِبُ السَّجْدَةَ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَشَّى بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبُ وَبِالتَّرْكِ التَّأْخِيرُ وَالتَّرْكُ، وَفِي ذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي مَوْضِعَيْنِ. وَقِيلَ يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ: تَجُوزُ صَلَاتُهُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السَّجْدَةِ، أَيْ تَتِمُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ. وَقِيلَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ وَاجِبَةٌ بِحَسَبِ الْكَيْفِيَّةِ: أَيْ عَدَمُ تَأْخِيرِهَا وَاجِبٌ، فَإِذَا أُخِّرَتْ فَقَدْ تَرَكَ هَذَا الْوَاجِبَ وَفِيهِ تَمَحُّلٌ كَمَا تَرَى. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قِيلَ قِرَاءَةُ التَّشَهُّدِ فِي الْقَعْدَةِ الْأُولَى سُنَّةٌ وَهُوَ وَجْهُ الْقِيَاسِ، وَوَجْهُ الصِّحَّةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمُوَاظَبَةِ بِلَا تَرْكٍ.
وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي مَوْضِعِهِ وَالْمُخَافَتَةَ فِي مَوْضِعِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ)؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ فِيمَا يُجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ عَلَى الْإِمَامِ وَاجِبٌ لِيَسْتَمِعَ الْقَوْمُ لِقِرَاءَتِهِ لِكَوْنِهَا أُقِيمَتْ مَقَامَ قِرَاءَتِهِمْ لِوُجُودِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ، وَلَمَّا قَامَتْ مَقَامَهَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ فَرْضًا لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ انْحِطَاطِ مَرْتَبَةِ الْفَرْعِ عَنْ مَرْتَبَةِ
стр. 501
وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْمِقْدَارِ، وَالْأَصَحُّ قَدْرُ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، وَعَنْ كَثِيرٍ مُمْكِنٌ، وَمَا يَصِحُّ بِهِ الصَّلَاةُ كَثِيرٌ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ آيَةٌ وَاحِدَةٌ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ. .
الْأَصْلِ فَكَانَ وَاجِبًا: وَالْمُخَافَتَةُ إنَّمَا كَانَتْ صِيَانَةً لِلْقُرْآنِ عَنْ لَغْوِ الْكُفَّارِ وَلَغَطِهِمْ، وَصِيَانَتُهُ عَنْ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ، وَمَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى الْوَاجِبِ إلَّا بِهِ يَكُونُ وَاجِبًا.
فَإِنْ قِيلَ: رَوَى أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَأَنَّهُ يُسْمِعُنَا الْآيَةَ وَالْآيَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِخْفَاءَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِبَيَانِ أَنَّ الْقِرَاءَةَ مَشْرُوعَةٌ فِيهِمَا، وَعِنْدَنَا لَا تَجِبُ السَّجْدَةُ إذَا تَعَمَّدَ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي الْمِقْدَارِ) أَيْ فِي مِقْدَارِ مَا يُوجِبُ جَهْرَهُ وَإِخْفَاءَهُ السَّجْدَةَ، فَفِي الظَّاهِرِ الرِّوَايَةُ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي الْفَصْلَيْنِ سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ السَّجْدَةِ ذَكَرَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ وَقَاضِي خَانْ.
وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إذَا جَهَرَ بِأَكْثَرِ الْفَاتِحَةِ سَجَدَ؛ لِأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ غَيْرُ مُمْكِنِ الِاحْتِرَازِ فَاعْتُبِرَ أَكْثَرُ الْفَاتِحَةِ. ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ: إنْ جَهَرَ مِقْدَارَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ يَجِبُ وَإِلَّا فَلَا. قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْأَصَحُّ قَدْرَ مَا تَجُوزُ بِهِ الصَّلَاةُ فِي الْفَصْلَيْنِ) اخْتِيَارًا لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَوَجْهُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ وَاضِحٌ.
(وَهَذَا) أَيْ وُجُوبُ السَّجْدَةِ فِي الْفَصْلَيْنِ إنَّمَا هُوَ (فِي حَقِّ الْإِمَامِ دُونَ الْمُنْفَرِدِ؛ لِأَنَّ الْجَهْرَ وَالْمُخَافَتَةَ) أَيْ وُجُوبَهُمَا (مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ) قِيلَ أَمَّا أَنَّ وُجُوبَ الْجَهْرِ مِنْ خَصَائِصِ الْجَمَاعَةِ فَمُسَلَّمٌ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ، وَأَمَّا كَوْنُ وُجُوبِ
стр. 502
قَالَ (وَسَهْوُ الْإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ السُّجُودَ) لِتَقَرُّرِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ وَلِهَذَا يَلْزَمُهُ حُكْمُ الْإِقَامَةِ بِنِيَّةِ الْإِمَامِ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُؤْتَمُّ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَمَا الْتَزَمَ الْأَدَاءَ إلَّا مُتَابِعًا.
(فَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَمْ يَلْزَمْ الْإِمَامَ وَلَا الْمُؤْتَمَّ السُّجُودُ)
الْمُخَافَتَةِ مِنْ خَصَائِصِهَا فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْمُخَافَتَةُ فَيَجِبُ السَّهْوُ بِتَرْكِهَا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ وَجْهُ رِوَايَةِ النَّوَادِرِ. رَوَى أَبُو مَالِكٍ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُنْفَرِدِ إذَا جَهَرَ فِيمَا يُخَافَتُ أَنَّ عَلَيْهِ السَّهْوَ لِمَا ذَكَرْنَا، وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُخَافَتَةَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِنَفْيِ الْمُغَالَطَةِ، وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِي صَلَاةٍ تُؤَدِّي إلَى سَبِيلِ الشُّهْرَةِ، وَالْمُنْفَرِدُ لَمْ يُؤَدِّ كَذَلِكَ فَلَمْ تَكُنْ الْمُخَافَتَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ.
قَالَ (وَسَهْوُ الْإِمَامِ يُوجِبُ عَلَى الْمُؤْتَمِّ السُّجُودَ) إذَا سَهَا الْإِمَامُ وَجَبَ السُّجُودُ لِلْمُؤْتَمِّ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ الْمُوجِبَ لِلسُّجُودِ فِي حَقِّ الْأَصْلِ وَهُوَ الْإِمَامُ تَقَرَّرَ فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ أَيْضًا بِالْتِزَامِهِ الْمُتَابَعَةَ، فَإِنَّ الصِّحَّةَ وَالْفَسَادَ وَالْإِقَامَةَ لَمَّا تَعَدَّتْ مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ إلَى صَلَاتِهِ حَتَّى لَوْ نَوَى الْإِمَامُ الْإِقَامَةَ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ صَارَتْ صَلَاتُهُمْ أَرْبَعًا بِالْتِزَامِ الْمُتَابَعَةِ، فَكَذَلِكَ النُّقْصَانُ وَمَا يَجْبُرُهُ (فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُؤْتَمُّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَمَا الْتَزَمَ الْأَدَاءَ إلَّا مُتَابَعًا) وَبَيْنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُتَابَعَةِ مُنَافَاةٌ، فَإِذَا تَحَقَّقَ أَحَدُ الْمُتَنَافِيَيْنِ انْتَفَى الْآخَرُ. وَاعْتُرِضَ عَلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ فِي الْكِتَابِ بِمُخَالَفَاتٍ يَجُوزُ وُقُوعُهَا مِنْ الْمُؤْتَمِّ، كَمَا إذَا لَمْ يَرْفَعْ الْإِمَامُ يَدَهُ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ فَإِنَّ الْقَوْمَ تَرْفَعُ، وَإِذَا لَمْ يُثَنِّ الْإِمَامُ يُثَنِّي الْمَأْمُومُ، وَإِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ وَتَسْبِيحَهُ وَتَسْمِيعَهُ وَتَكْبِيرَةَ الِانْحِطَاطِ وَقِرَاءَةَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمَ وَتَكْبِيرَ التَّشْرِيقِ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ. وَبِأَنَّ الْمُخَالَفَةَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ لَيْسَتْ بِقَادِحَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي مَا فَاتَهُ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ وَالْمُقِيمُ إذَا اقْتَدَى بِالْمُسَافِرِ يُتِمُّ رَكْعَتَيْنِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا لَزِمَ بِشَيْءٍ بَاشَرَهُ الْإِمَامُ وَتَعَدَّى إلَى الْمُؤْتَمِّ، وَمَا ذَكَرْتُمْ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ إنَّهَا ثَبَتَتْ عَلَى الْمُقْتَدِي ابْتِدَاءً كَمَا ثَبَتَتْ عَلَى الْإِمَامِ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ هَذِهِ الْمُخَالَفَةَ جَوَّزَتْ ضَرُورَةَ إتْمَامِ الْفَرْضِ فَلَا تَتَعَدَّى إلَى مَا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ.
(فَإِنْ سَهَا الْمُؤْتَمُّ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا الْمُؤْتَمِّ السُّجُودُ)؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَيْسَتْ بِمَبْنِيَّةٍ عَلَى صَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَسَادًا وَلَا نُقْصَانًا، فَلَا يَجِبُ نُقْصَانُ صَلَاتِهِ بِنُقْصَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ. وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ فَإِمَّا أَنْ يَسْجُدَ وَحْدَهُ وَفِيهِ مُخَالَفَةُ إمَامِهِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ إتْمَامِ الْفَرْضِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، وَإِمَّا أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ إمَامُهُ وَفِيهِ قَلْبُ الْمَوْضِعِ.
فَإِنْ قُلْت:
стр. 503
لِأَنَّهُ لَوْ سَجَدَ وَحْدَهُ كَانَ مُخَالِفًا لِإِمَامِهِ، وَلَوْ تَابَعَهُ الْإِمَامُ يَنْقَلِبُ الْأَصْلُ تَبَعًا.
(وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى ثُمَّ تَذَكَّرَ وَهُوَ إلَى حَالَةِ الْقُعُودِ أَقْرَبُ عَادَ وَقَعَدَ وَتَشَهَّدَ) لِأَنَّ مَا يَقْرُبُ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ، ثُمَّ قِيلَ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ
أَمَّا مَا ذَكَرْت آنِفًا أَنَّ الْمُحَالَفَةَ إنَّمَا لَا تَجُوزُ فِيمَا لَزِمَ بِشَيْءٍ بَاشَرَهُ الْإِمَامُ وَتَعَدَّى إلَى الْمُؤْتَمِّ وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ الْمُخَالَفَةُ إنْ كَانَتْ لِأَمْرٍ بَاشَرَهُ الْمُؤْتَمُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ. فَالْجَوَابُ إنَّا قُلْنَا إنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيمَا لَزِمَ بِشَيْءٍ بَاشَرَهُ الْإِمَامُ لَمْ تَجُزْ، وَلَمْ نَقُلْ إنَّ فِيمَا بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ جَازَتْ الْمُخَالَفَةُ. وَاَلَّذِي يَحْسِمُ هَذِهِ الْمَادَّةَ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ إنْ كَانَتْ لِإِتْمَامِ الْفَرْضِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ جَازَتْ بِالنَّصِّ لِقَوْلِهِ ﵊ «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَقَوْلِهِ ﵊ «أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ» وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ فِيمَا ثَبَتَ ابْتِدَاءً كَالْمَسَائِلِ التِّسْعِ الْمُتَقَدِّمَةِ جَازَتْ؛ لِأَنَّهَا كَلَا مُخَالَفَةَ حَيْثُ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِالِاقْتِدَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ فِيمَا لَزِمَ عَمَّا بَاشَرَهُ أَحَدُهُمَا كَاَلَّتِي نَحْنُ فِيهَا لَمْ تَجُزْ لِأَدَائِهَا إلَى قَطْعِ الشَّرِكَةِ الْمُنَافِي لِوَضْعِ الْإِمَامَةِ.
قَالَ (وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى) أَيْ وَمَنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأُولَى فِي الْفَرَائِضِ الرُّبَاعِيَّةِ أَوْ الثُّلَاثِيَّةِ (ثُمَّ تَذَكَّرَ) فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ إلَى الْقُعُودِ أَقْرَبَ بِأَنْ لَمْ يَرْفَعْ رُكْبَتَيْهِ، أَوْ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ بِأَنْ رَفَعَهُمَا (فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ عَادَ وَقَعَدَ وَتَشَهَّدَ لِأَنَّ مَا يَقْرُبُ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ) كَفِنَاءِ الْمِصْرِ لَهُ حُكْمُ الْمِصْرِ فِي حَقِّ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ.
وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ السَّجْدَةِ، فَقِيلَ يَسْجُدُ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا بِقَدْرِ مَا اشْتَغَلَ بِالْقِيَامِ، وَقِيلَ لَا يَسْجُدُ وَهُوَ الْأَصَحُّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الشَّيْءِ يَأْخُذُ حُكْمَهُ فَصَارَ كَمَا إذَا لَمْ يَقُمْ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي لَمْ يَعُدْ؛ لِأَنَّهُ
стр. 504
لِلتَّأْخِيرِ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ كَمَا إذَا لَمْ يَقُمْ (وَلَوْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ لَمْ يَعُدْ) لِأَنَّهُ كَالْقَائِمِ مَعْنًى (يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ.
(وَإِنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ حَتَّى قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ رَجَعَ إلَى الْقَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ) لِأَنَّ فِيهِ إصْلَاحَ
كَالْقَائِمِ مَعْنًى لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَصْلِ، وَلَوْ قَامَ مَا جَازَ لَهُ الْعَوْدُ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَرْكُ الْفَرْضِ وَهُوَ الْقِيَامُ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْقُعُودُ الْأَوَّلُ. وَلَا يَلْزَمُ سَجْدَتَا التِّلَاوَةِ فَإِنَّهُ يَتْرُكُ الْفَرْضَ لِأَجْلِهَا، وَهُنَّ وَاجِبَةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ثَبَتَ بِالنَّصِّ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ، وَهُوَ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصَّحَابَةَ كَانُوا يَسْجُدُونَ وَيَتْرُكُونَ الْقِيَامَ لِأَجْلِهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ. وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ قَامَ إلَى الثَّالِثَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ فَسَبَّحُوا لَهُ، فَعَادَ الْمَرْوِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ وَسَبَّحَ لَهُمْ فَقَامُوا». وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ أَنَّهُ عَادَ حِينَ لَمْ يَتِمَّ قَائِمًا وَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ مَا تَمَّ قَائِمًا.
(وَإِنْ سَهَا عَنْ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ حَتَّى قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ) فِي الرُّبَاعِيَّةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الثُّلَاثِيَّةِ وَالثَّالِثَةِ فِي الثُّنَائِيَّةِ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مَا قَعَدَ عَلَى الرَّابِعَةِ أَوْ لَا يَكُونُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُقَيِّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي (رَجَعَ إلَى الْقَعْدَةِ)؛ لِأَنَّ إصْلَاحَ الصَّلَاةِ بِهِ مُمْكِنٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ عَمَلُهُ احْتِرَازًا عَنْ الْبُطْلَانِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّهُ
стр. 505
صَلَاتِهِ وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ. قَالَ (وَأَلْغَى الْخَامِسَةَ) لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى شَيْءٍ مَحَلُّهُ قَبْلَهَا فَتَرْتَفِضُ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا.
(وَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِسَجْدَةٍ بَطَلَ فَرْضُهُ) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ شُرُوعَهُ فِي النَّافِلَةِ قَبْلَ إكْمَالِ أَرْكَانِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمِنْ ضَرُورَتِهِ خُرُوجُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَهَذَا لِأَنَّ الرَّكْعَةَ بِسَجْدَةٍ وَاحِدَةٍ صَلَاةٌ حَقِيقَةً حَتَّى يَحْنَثَ بِهَا فِي يَمِينِهِ لَا يُصَلِّي (وَتَحَوَّلَتْ صَلَاتُهُ نَفْلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) خِلَافًا
مُمْكِنٌ (؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ) لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِصَلَاةٍ وَلَا لَهُ حُكْمُهَا، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي لَا يَحْنَثُ بِمَا دُونَ الرَّكْعَةِ (وَأَلْغَى الْخَامِسَةَ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى شَيْءٍ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ مَا فَعَلَ وَهُوَ الْخَامِسَةُ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ قَبْلَهَا وَهُوَ وَاضِحٌ، وَكُلُّ مَنْ رَجَعَ مِنْ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ إلَى شَيْءٍ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ يَرْتَفِضُ ذَلِكَ الْفِعْلُ الْمَرْجُوعُ عَنْهُ كَمَا إذَا قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ تَذَكَّرَ السَّجْدَةَ الصُّلْبِيَّةَ أَوْ التِّلَاوَةَ فَسَجَدَ لَهُمَا ارْتَفَضَتْ الْقَعْدَةُ لِمَا أَنَّ مَحَلَّهَا قَبْلَ الْقَعْدَةِ الْأَخِيرَةِ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ أَخَّرَ وَاجِبًا) وَهُوَ إصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ.
وَقِيلَ وَاجِبًا قَطْعِيًّا وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأَخِيرَةُ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ بَطَلَ فَرْضُهُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ، وَلَا أَنَّهُ أَعَادَ صَلَاتَهُ. وَلَنَا أَنَّهُ اسْتَحْكَمَ شُرُوعَهُ فِي النَّافِلَةِ قَبْلَ إكْمَالِ أَرْكَانِ الْمَكْتُوبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ صَلَاةٌ أُخْرَى حَقِيقَةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْأَرْكَانِ، وَحُكْمًا؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ الشَّرْعُ وُجُودَهَا، وَأَوْجَبَ الْحِنْثَ عَلَى مَنْ حَلَفَ لَا يُصَلِّي فَصَلَّى رَكْعَةً، وَكُلُّ مَنْ اسْتَحْكَمَ شُرُوعَهُ فِي النَّافِلَةِ قَبْلَ إكْمَالِ أَرْكَانِ الْمَكْتُوبَةِ خَرَجَ عَنْ الْفَرْضِ لِلْمُنَافَاةِ بَيْنَ الْفَرْضِ
стр. 506
لِمُحَمَّدٍ عَلَى مَا مَرَّ (فَيَضُمُّ إلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ، ثُمَّ إنَّمَا يَبْطُلُ فَرْضُهُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِرَفْعِهِ لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَلَمْ يَصِحَّ مَعَ الْحَدَثِ
وَالنَّفَلِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ أَحَدُ الْمُتَنَافِيَيْنِ فَيَنْتَفِي الْآخَرُ ضَرُورَةً.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ بِوُجُودِ الرَّكْعَةِ الْوَاحِدَةِ بَعْدَ أَرْبَعٍ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ اسْتَحْكَمَ الشُّرُوعَ فِي النَّفْلِ لِمَ لَا يَمْنَعُ مَا سَبَقَ مِنْ رَكَعَاتِ الْمَكْتُوبَةِ عَنْ الِاسْتِحْكَامِ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ مَا سَبَقَ مِنْ رَكَعَاتِ الْمَكْتُوبَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ أَشَدَّ اسْتِحْكَامًا لِكَوْنِهِ كَثِيرًا وَفَرْضًا فَلَا أَقَلَّ مِنْ الْمُسَاوَاةِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ بُطْلَانُ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ بُطْلَانِ النَّفْلِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ الِاسْتِحْكَامَ إنَّمَا يَكُونُ بِالْوُجُودِ فِي الْخَارِجِ وَقَدْ تَحَقَّقَ وُجُودُهُ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرْتُمْ مَانِعًا لَمَا تَحَقَّقَ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ الْمُرَادَ بِبُطْلَانِ الْفَرْضِ بُطْلَانُ وَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ بُطْلَانَ وَصْفِ الْفَرْضِيَّةِ وَتَحَوُّلَهُ نَفْلًا أَوْلَى مِنْ بُطْلَانِ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَوَصْفِهَا وَفِي إبْطَالِ النَّفْلِ ذَلِكَ فَكَانَ الْأَوَّلُ أَوْلَى. وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ ﵊ كَانَ قَعَدَ قَدْرَ التَّشَهُّدِ فِي الرَّابِعَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِ الرَّاوِي «صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا» وَالظُّهْرُ اسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَمِنْهَا الْقَعْدَةُ، وَإِنَّمَا قَامَ إلَى الْخَامِسَةِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهَا الثَّالِثَةُ حَمْلًا لِفِعْلِهِ ﵊ عَلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ.
وَقَوْلُهُ: (عَلَى مَا مَرَّ) إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرَ فِي بَابِ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَهُمْ. وَقَوْلُهُ: (فَيَضُمُّ إلَيْهَا رَكْعَةً سَادِسَةً) يَعْنِي عِنْدَهُمَا، وَهَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ. وَاخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ بِالْفَسَادِ لَا يُجْبَرُ بِالسَّجْدَةِ (وَلَوْ لَمْ يَضُمَّ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ) وَالْمَظْنُونُ غَيْرُ مَضْمُونٍ (ثُمَّ إنَّمَا يَبْطُلُ فَرْضُهُ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ كَامِلٌ)؛ لِأَنَّ السُّجُودَ حَقِيقَةٌ فِي وَضْعِ الْجَبْهَةِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِرَفْعِهِ؛ لِأَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ بِآخِرِهِ وَهُوَ الرَّفْعُ وَلَمْ يَصِحَّ الرَّفْعُ مَعَ الْحَدَثِ)
стр. 507
وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي السُّجُودِ بَنَى عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
(وَلَوْ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ ثُمَّ قَامَ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَادَ إلَى الْقَعْدَةِ مَا لَمْ يَسْجُدْ لِلْخَامِسَةِ وَسَلَّمَ) لِأَنَّ التَّسْلِيمَ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، وَأَمْكَنَهُ الْإِقَامَةُ عَلَى وَجْهِهِ بِالْقُعُودِ لِأَنَّ مَا دُونَ الرَّكْعَةِ بِمَحَلِّ الرَّفْضِ.
(وَإِنْ قَيَّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ ضَمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَتَمَّ فَرْضُهُ) لِأَنَّ الْبَاقِيَ إصَابَةُ لَفْظَةِ السَّلَامِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنَّمَا يَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى لِتَصِيرَ الرَّكْعَتَانِ نَفْلًا لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ لَا تُجْزِئُهُ «لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ الْبَتْرَاءِ»، ثُمَّ لَا تَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ
فَلَمْ يَتِمَّ السُّجُودُ (وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ فِي هَذَا السُّجُودِ) فَذَهَبَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَقْعُدْ فِي الرَّابِعَةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَوَضَّأُ وَيَعُودُ إلَى الْقَعْدَةِ وَيَبْنِي عَلَى صَلَاتِهِ بِإِتْمَامِهَا بِالتَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَبْنِي؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ فَسَدَتْ بِوَضْعِ الْجَبْهَةِ وَلَا بِنَاءَ عَلَى الْفَاسِدِ.
قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى قَوْلُ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ أَرْفَقُ وَأَقْيَسُ؛ لِأَنَّ السُّجُودَ لَوْ تَمَّ قَبْلَ الرَّفْعِ وَجَعَلَ دَوَامَهُ كَتَكْرَارِهِ لَمْ يَنْقُضْهُ الْحَدَثُ: يَعْنِي بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ الْحَدَثَ يَنْقُضُ كُلَّ رُكْنٍ وُجِدَ هُوَ فِيهِ، حَتَّى لَوْ تَوَضَّأَ وَبَنَى عَلَى صَلَاتِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَةُ ذَلِكَ الرُّكْنِ الَّذِي وُجِدَ فِيهِ الْحَدَثُ، وَلَوْ تَمَّ السُّجُودُ بِالْوَضْعِ لَمَا اُحْتِيجَ إلَى إعَادَتِهِ كَمَا لَوْ وَجَدَ الْحَدَثَ بَعْدَ الرَّفْعِ.
(وَإِنْ كَانَ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ) فَلَا يَخْلُوَ إمَّا أَنْ يُقَيِّدَ الْخَامِسَةَ بِالسَّجْدَةِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَحُكْمُهُ كَحُكْمِهِ فِيمَا إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ ثُمَّ تَذَكَّرَ ضَمَّ إلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَتَمَّ فَرْضُهُ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ إصَابَةُ لَفْظِ السَّلَامِ، وَبِتَرْكِهَا لَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَإِنَّمَا يَضُمُّ إلَيْهَا أُخْرَى) ظَاهِرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ الضَّمَّ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ أَوْ جَائِزٌ، وَلَفْظُ الْأَصْلِ يَدُلُّ عَلَى
стр. 508
الظُّهْرِ هُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ اسْتِحْسَانًا) لِتَمَكُّنِ النُّقْصَانِ فِي الْفَرْضِ بِالْخُرُوجِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ. وَفِي النَّفْلِ بِالدُّخُولِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ، وَلَوْ قَطَعَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ
الْإِيجَابِ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ: عَلَيْهِ أَنْ يُضِيفَ وَكَلِمَةُ عَلَى لِلْإِيجَابِ. وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّهُمَا يَنُوبَانِ عَنْ سُنَّةِ الظُّهْرِ، وَجْهُ الصَّحِيحِ أَنَّ السُّنَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ طَرِيقَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ كَانَ يَتَطَوَّعُ فِي الظُّهْرِ بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ قَصْدًا. وَقَوْلُهُ: (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ اسْتِحْسَانًا) يَعْنِي أَنَّ الْقِيَاسَ أَلَّا يَسْجُدَ؛ لِأَنَّ هَذَا سَهْوٌ وَقَعَ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ انْتَقَلَ مِنْهُ إلَى النَّفْلِ، وَمَنْ سَهَا فِي صَلَاةٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ النُّقْصَانَ قَدْ تَمَكَّنَ فِي الْفَرْضِ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لَا عَلَى وَجْهِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْخُرُوجُ بِإِصَابَةِ لَفْظَةِ السَّلَامِ، وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمَّدٍ، وَفِي النَّفْلِ بِالدُّخُولِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَسْنُونِ وَهُوَ الْمَشْرُوعُ فِيهِ بِتَحْرِيمَةٍ مُبْتَدَأَةٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي يُوسُفَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُوجِبُ السَّجْدَةَ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ قَوْلَ مُحَمَّدٍ؛ لِأَنَّهُ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى؛ لِأَنَّ مَنْ قَامَ مِنْ الْفَرْضِ إلَى النَّفْلِ مِنْ غَيْرِ تَسْلِيمٍ وَلَا تَكْبِيرٍ عَمْدًا لَمْ يُعَدُّ ذَلِكَ نَقْصًا فِي النَّقْلِ؛ لِأَنَّ أَحَدَ وَجْهَيْ الشُّرُوعِ فِي النَّفْلِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَقْصٌ فِي الْفَرْضِ، وَلَمَّا كَانَ النَّفَلُ بِنَاءً عَلَى التَّحْرِيمَةِ الْأُولَى جُعِلَ فِي حَقِّ وُجُوبِ سَجْدَةِ السَّهْوِ كَأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ، كَمَنْ تَنَفَّلَ بِسِتِّ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَسَهَا فِي الْأُولَى فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ كُلُّ شَفْعٍ مِنْهَا صَلَاةً عَلَى حِدَةٍ لَكِنَّ التَّحْرِيمَةَ وَاحِدَةٌ.
(وَلَوْ قَطَعَهَا لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَضَاءُ؛ لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ) خِلَافًا لِزُفَرَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَبْقَى عِنْدَهُ فِي نَفْلٍ لَازِمٍ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ. قُلْنَا: شَرَعَ عَلَى أَنَّهُ مُسْقِطٌ
стр. 509
وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِيهِمَا يُصَلِّي سِتًّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّهُ الْمُؤَدَّى بِهَذِهِ التَّحْرِيمَةِ، وَعِنْدَهُمَا رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ عَنْ الْفَرْضِ وَلَوْ أَفْسَدَهُ الْمُقْتَدِي فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِالْإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ السُّقُوطَ بِعَارِضٍ يَخُصُّ الْإِمَامَ.
قَالَ (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا
لَا مُلْزِمٌ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَسَقَطَ أَصْلًا لِئَلَّا يَلْزَمَ إلْزَامُ مَا لَا يَلْزَمُ. (وَلَوْ اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ فِيهِمَا لَزِمَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ سِتُّ رَكَعَاتٍ) إنْ اقْتَدَى بِهِ فِي الْخَامِسَةِ يَأْتِي بَعْدَ الْإِمَامِ بِأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، وَإِنْ اقْتَدَى بِهِ فِي السَّادِسَةِ يَأْتِي بَعْدَهُ بِخَمْسِ رَكَعَاتٍ، يُصَلِّي رَكْعَةً وَيَقْعُدُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقْعُدُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا شَرَعَ فِي تَحْرِيمَةِ الْإِمَامِ لَزِمَهُ مَا أَدَّى بِهَا الْإِمَامُ وَقَدْ أَدَّى الْإِمَامُ سِتًّا (وَعِنْدَهُمَا لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحْكَمَ خُرُوجُهُ مِنْ الْفَرْضِ) فَلَا يَلْزَمُ غَيْرُ هَذَا الشَّفْعِ (وَلَوْ أَفْسَدَهُ الْمُقْتَدِي لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اعْتِبَارًا بِمَا إذَا أَفْسَدَهُ الْإِمَامُ) فَإِنَّ حَالَ الْمَأْمُومِ لَا يَكُونُ أَقْوَى حَالًا مِنْ الْإِمَامِ وَإِلَّا لَزِمَ زِيَادَةُ الْفَرْعِ عَلَى الْأَصْلِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ بِعَارِضٍ يَخُصُّ الْإِمَامَ) تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ الشُّرُوعُ مِنْ الْمُخَاطَبِ بِالنَّهْيِ عَنْ الْإِبْطَالِ قَامَ فِي حَقِّ الْإِمَامِ، فَكَذَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ لِبِنَاءِ صَلَاتِهِ عَلَى صَلَاةِ الْإِمَامِ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا عَمَلًا بِالْمُقْتَضِي إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ عَنْ الْإِمَامِ بِعَارِضٍ يَخُصُّهُ وَهُوَ شُرُوعُهُ فِي النَّفْلِ لَا عَلَى قَصْدِ النَّفْلِ، وَمَا خُصَّ بِهِ لَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ بِنَاءُ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ أَيْضًا قَوِيٌّ بِالنَّظَرِ إلَى وُجُودِ الْمُقْتَضِي، وَفَرَّقَ أَبُو يُوسُفَ بَيْنَ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا إذَا لَمْ يَقْعُدْ عَلَى الرَّابِعَةِ بِأَنَّ هُنَاكَ بَطَلَ فَرْضُهُ وَكَانَ الْإِحْرَامُ فِي الِابْتِدَاءِ مُنْعَقِدًا لِسِتٍّ، فَإِذَا اقْتَدَى بِهِ إنْسَانٌ لَزِمَهُ مُوجِبُ تِلْكَ التَّحْرِيمَةِ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَقَدْ تَمَّ فَرْضُهُ لِمَا ذَكَرْنَا، وَشَرَعَ فِي النَّفْلِ وَالْمُقْتَدِي اقْتَدَى بِهِ فِي النَّفْلِ فَلَا يَلْزَمُ غَيْرُ رَكْعَتَيْنِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هُنَاكَ صَلَاةً وَاحِدَةً فَيَلْزَمُ الْجَمِيعُ، وَهَاهُنَا صَلَاتَيْنِ فَيَلْزَمُ الْأَخِيرَةُ. قِيلَ كَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ وَبِدَلِيلِ مَا ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِقَاضِي خَانْ، وَعِنْدَهُمَا يَقْضِي رَكْعَتَيْنِ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي النَّوَادِرِ الِاخْتِلَافَ عَلَى مَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ، فَلَعَلَّ الْمُصَنِّفَ وَقَفَ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فَنَقَلَهُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمَا مُتَّفِقِينَ عَلَيْهِمَا فِي مَسْأَلَةِ اتِّفَاقِهِمَا فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى فَإِنَّهُمَا مَسْأَلَتَانِ.
قَالَ (وَمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا) الْأَصْلُ أَنَّ وُقُوعَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَيْنَ شَفْعَيْ الصَّلَاةِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ، ثُمَّ إمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّفْعَانِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوْ
стр. 510
فَسَهَا فِيهِمَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَيَيْنِ لَمْ يَبْنِ) لِأَنَّ السُّجُودَ يَبْطُلُ لِوُقُوعِهِ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ إذَا سَجَدَ السَّهْوَ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ حَيْثُ يَبْنِي لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْنِ يُبْطِلُ جَمِيعَ الصَّلَاةِ، وَمَعَ هَذَا لَوْ أَدَّى صَحَّ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ.
(وَمَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ فَدَخَلَ رَجُلٌ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ سَجَدَ الْإِمَامُ كَانَ دَاخِلًا وَإِلَّا فَلَا) وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: هُوَ دَاخِلٌ سَجَدَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَسْجُدْ، لِأَنَّ عِنْدَهُ سَلَامُ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الصَّلَاةِ أَصْلًا لِأَنَّهَا وَجَبَتْ جَبْرًا لِلنُّقْصَانِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَهُمَا يُخْرِجُهُ عَلَى
الْفَرْضِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ كَمَا إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا (فَسَهَا فِيهِمَا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أُخْرَيَيْنِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أُخْرَاوَيْنِ وَلَيْسَ بِصَوَابٍ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ السَّجْدَةَ بِلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَدَّى صَحَّتْ بِدُونِ مَا يَبْنِي فَلَا ضَرُورَةَ فِي الْبِنَاءِ بَلْ فِيهِ إحْرَازُ فَضِيلَةِ الدَّوَامِ، وَفِيهِ نَقْضُ الْوَاجِبِ وَالِاحْتِرَازُ عَنْ نَقْضِ الْوَاجِبِ أَوْلَى وَمَعَ هَذَا لَوْ بَنَى صَحَّ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَإِنْ بَنَى عَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُعِيدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَنَى حَصَلَتْ السَّجْدَتَانِ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِمَا وَكَانَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي كَمَا إذَا سَجَدَ الْمُسَافِرُ لِلسَّهْوِ ثُمَّ نَوَى الْإِقَامَةَ فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبْنِ وَقَدْ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَفِي الْبِنَاءِ نَقْضُ الْوَاجِبِ وَنَقْضُ الْوَاجِبِ أَدْنَى فَيُحْتَمَلُ دَفْعًا لِلْأَعْلَى.
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ سَلَّمَ وَعَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ) أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَخَوَاتِهَا أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لَا خُرُوجًا مَوْقُوفًا وَلَا بَاتًّا، وَعِنْدَهُمَا يُخْرِجُهُ خُرُوجًا مَوْقُوفًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إنْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ حَكَمْنَا بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ وَإِلَّا فَلَا. لِمُحَمَّدٍ أَنَّ السَّجْدَةَ وَجَبَتْ جَبْرًا لِنُقْصَانٍ تَمَكَّنَ فِي الْمُؤَدَّى بِالِاتِّفَاقِ.
وَالْجَبْرُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ الْمَجْبُورُ قَائِمًا، وَقِيَامُهُ بِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ فَيُحْكَمُ بِبَقَائِهَا تَحْصِيلًا لِلْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ. وَلَهُمَا أَنَّ السَّلَامَ مُحَلِّلٌ فِي نَفْسِهِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْمَلُ ضَرُورَةَ الْحَاجَةِ إلَى أَدَاءِ السَّجْدَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ إذَا لَمْ يَعُدْ فَيَعْمَلُ عَمَلَهُ لِتَحَقُّقِ الْمُقْتَضِي وَزَوَالِ الْمَانِعِ وَهَذَا يَجُرُّ إلَى تَخْلِيصِ الْعِلَّةِ كَمَا تَرَى وَالْمُخَلِّصُ مَعْلُومٌ. لَا يُقَالُ: إذَا كَانَ بَقَاءُ التَّحْرِيمَةِ ضَرُورَةَ أَدَاءِ السَّجْدَةِ يَنْبَغِي أَلَّا يَتَعَدَّى إلَى جَوَازِ الِاقْتِدَاءِ؛ لِأَنَّهُ تَشْكِيكٌ فِي الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مَسْمُوعًا، وَإِذَا عُرِفَ هَذَا الْأَصْلُ تَجْرِي عَلَيْهِ الْفُرُوعُ، مِنْهَا مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ
стр. 511
سَبِيلِ التَّوَقُّفِ لِأَنَّهُ مُحَلِّلٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَا يَعْمَلُ لِحَاجَتِهِ إلَى أَدَاءِ السَّجْدَةِ فَلَا يَظْهَرُ دُونَهَا، وَلَا حَاجَةَ عَلَى اعْتِبَارِ عَدَمِ الْعَوْدِ، وَيَظْهَرُ الِاخْتِلَافُ فِي هَذَا وَفِي انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بِالْقَهْقَهَةِ وَتَغَيُّرِ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ.
فَإِنَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ الِاقْتِدَاءَ صَحِيحٌ عَلَى سَبِيلِ الْبَتَاتِ، وَعِنْدَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ. وَمِنْهَا انْتِقَاضُ الطَّهَارَةِ بِالْقَهْقَهَةِ عِنْدَهُ تَنْتَقِضُ لِبَقَاءِ التَّحْرِيمَةِ خِلَافًا لَهُمَا، وَمِنْهَا تَغَيُّرُ الْفَرْضِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَهُ يَتَغَيَّرُ لِكَوْنِهَا فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ نَوَى قَبْلَ السَّلَامِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَتَغَيَّرُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ. فَإِنْ قِيلَ: إذَا كَانَ الْخُرُوجُ مَوْقُوفًا كَانَ خَارِجًا مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ عِنْدَهُمَا كَحُكْمِهَا عِنْدَهُ احْتِيَاطًا. أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ الْخُرُوجَ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، بَلْ مَعْنَاهُ الْخُرُوجُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لَكِنْ بِعُرْضَةِ الْعَوْدِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ.
стр. 512
وَ (مَنْ سَلَّمَ يُرِيدُ بِهِ قَطْعَ الصَّلَاةِ وَعَلَيْهِ سَهْوٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ) لِأَنَّ السَّلَامَ غَيْرُ قَاطِعٍ وَنِيَّتُهُ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ
وَقَوْلُهُ: (وَمَنْ سَلَّمَ يُرِيدُ بِهِ قَطْعَ الصَّلَاةِ) يَعْنِي فِي عَزْمِهِ أَلَّا يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ (فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ) فِي مَجْلِسِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ أَوْ يَتَكَلَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ أَوْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهَذِهِ تُفِيدُ أَنَّ الِانْحِرَافَ عَنْ الْقِبْلَةِ فِي الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ السُّجُودِ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ هَذَا السَّلَامَ) أَيْ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ (غَيْرُ قَاطِعٌ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ، أَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَلِأَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ مُحَلِّلًا، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ مُحَلِّلًا فَهُوَ مُحَلِّلٌ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْبَتَاتِ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُشْرَعْ قَاطِعًا لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَحْصُلُ بِالسَّلَامِ فَبَقِيَتْ نِيَّتُهُ، وَهِيَ لَا تَصْلُحُ لِلْقَطْعِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ السَّلَامَ غَيْرُ قَاطِعٍ شَرْعًا فَجَعْلُهُ قَاطِعًا بِالنِّيَّةِ تَغْيِيرُ الْمَشْرُوعِ وَهُوَ لَا يَتَغَيَّرُ بِالْقَصْدِ وَالْعَزَائِمِ وَاعْتُرِضَ بِوَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنَّ السَّلَامَ وَحْدَهُ مُخْرِجٌ عَنْ حُرْمَةِ الصَّلَاةِ عِنْدَهُمَا فَكَيْفَ لَا يَكُونُ مُخْرِجًا مَعَ نِيَّةِ
стр. 513
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الْقَطْعِ، وَهَلْ هَذَا إلَّا تَنَاقُضٌ، فَإِنَّ غَايَةَ مَا فِي الْبَابِ أَلَّا تَكُونَ النِّيَّةُ مُعْتَبَرَةً، وَأَمَّا السَّلَامُ وَحْدَهُ فَمَوْجُودٌ فَكَأَنَّهُمَا قَالَا السَّلَامُ مُخْرِجٌ السَّلَامُ غَيْرُ مُخْرِجٍ.
وَالثَّانِي أَنَّ نِيَّةَ الِاشْتِرَاكِ تُغَيِّرُ أَفْضَلَ الْمَشْرُوعَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ إذَا نَوَاهُ غَيَّرَ الْإِيمَانَ فِي الْحَالِ. وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّ سَلَامَ مَنْ عَلَيْهِ السَّهْوُ مُخْرِجٌ عَنْ إحْرَامِ الصَّلَاةِ لَكِنْ عَلَى عَرْضِيَّةِ الْعَوْدِ إلَيْهِ بِالسُّجُودِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ أَنْ يَنْوِيَ الْعَوْدَ أَوْ يَنْوِيَ عَدَمَ الْعَوْدِ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَإِنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ لِنِيَّتِهِ. وَالْمَسْأَلَةُ الْأُولَى كَانَتْ لِبَيَانِ الْإِطْلَاقِ وَهَذِهِ لِبَيَانِ التَّقْيِيدِ وَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ. وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّ كَلَامَنَا أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ سَلَامَ السَّاهِي
стр. 514
فَلَغَتْ.
(وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا وَذَلِكَ أَوَّلُ مَا عَرَضَ لَهُ اسْتَأْنَفَ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْتَقْبِلْ الصَّلَاةَ» (وَإِنْ كَانَ يَعْرِضُ لَهُ كَثِيرًا بَنَى عَلَى أَكْبَرِ رَأْيِهِ) لِقَوْلِهِ
غَيْرَ قَاطِعٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَهُ قَاطِعًا بِقَصْدِهِ وَعَزِيمَتِهِ. وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِلْمَشْرُوعِ، وَلَيْسَ مِنْ قَصْدِ مَنْ يَنْوِي الِاشْتِرَاكَ أَنْ يَجْعَلَ الْإِيمَانَ الْمَشْرُوعَ غَيْرَ مَشْرُوعٍ بِقَصْدِهِ وَعَزِيمَتِهِ فَلَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ فَتَأَمَّلْهُ يُغْنِكَ عَمَّا طُوِّلَ فِي الْكُتُبِ.
قَالَ (وَمَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ) وَمَنْ شَكَّ فِي كَمِّيَّةِ مَا صَلَّى فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَا عَرَضَ الشَّكُّ لَهُ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ. وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ أَوَّلَ مَا عَرَضَ لَهُ، قَالَ صَاحِبُ الْأَجْنَاسِ مَعْنَاهُ أَوَّلُ مَا سَهَا فِي عُمُرِهِ، وَقَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ مَعْنَاهُ: أَنَّ السَّهْوَ لَيْسَ بِعَادَةٍ لَهُ لَا أَنَّهُ لَمْ يَسْهُ قَطُّ، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ: يَعْنِي فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ وَهُمَا قَرِيبَانِ. وَإِنْ كَانَ الثَّانِي، وَهُوَ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ الشَّكُّ كَثِيرًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ رَأْيٌ أَوْ لَا. فَإِنْ كَانَ بَنِي عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ
стр. 515
﵊ «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ» (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَأْيٌ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثَلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ» وَالِاسْتِقْبَالُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى، لِأَنَّهُ عُرِفَ مُحَلِّلًا دُونَ الْكَلَامِ، وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ يَلْغُو، وَعِنْدَ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ يَقْعُدُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَتَوَهَّمُ آخِرَ صَلَاتِهِ كَيْ لَا يَصِيرَ تَارِكًا فَرْضَ الْقِعْدَةِ.
«إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ أَنَّهُ كَمْ صَلَّى فَلْيَسْتَقْبِلْ الصَّلَاةَ» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ» وَرُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَثْلَاثًا صَلَّى أَمْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ» وَمَعْلُومٌ أَنَّ التَّوْفِيقَ لَا بُدَّ مِنْهُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ مَهْمَا أَمْكَنَ، وَقَدْ أَمْكَنَ بِحَمْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى صُورَةٍ مِنْ الصُّوَرِ الْمَذْكُورَةِ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَلَى الصُّورَةِ الْأُولَى؛ لِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ بِالِاسْتِقْبَالِ وَذَلِكَ يُنَاسِبُ الصُّورَةَ الْأُولَى لِعَدَمِ التَّكْرَارِ الْمُفْضِي إلَى الْحَرَجِ بِتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ، وَيُحْمَلُ الثَّانِي عَلَى الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ بِالتَّحَرِّي الَّذِي هُوَ طَلَبُ الْأَحْرَى، وَالْأَحْرَى هُوَ مَا يَكُونُ أَكْثَرُ رَأْيِهِ عَلَيْهِ، وَتَعَيُّنُ الثَّالِثِ لِلثَّالِثَةِ يَقْتَضِي الشَّكَّ وَالْأَمْرَ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ.
وَقَوْلُهُ: (وَالِاسْتِقْبَالُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى) يَتَعَلَّقُ بِأَوْلَى الصُّوَرِ: يَعْنِي إذَا اسْتَأْنَفَ، وَالِاسْتِئْنَافُ بِالسَّلَامِ أَوْلَى لَا بِالْكَلَامِ أَوْ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ السَّلَامَ (عُرِفَ مُحَلِّلًا دُونَ الْكَلَامِ وَمُجَرَّدُ النِّيَّةِ لَغْوٌ) مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِالْعَمَلِ الْقَاطِعِ. وَقَوْلُهُ: (وَعِنْدَ الْبِنَاءِ عَلَى الْأَقَلِّ) يَتَعَلَّقُ بِأُخْرَاهَا، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّكَّ إذَا وَقَعَ فِي ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ أَنَّهَا الْأُولَى أَوْ
стр. 516
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّانِيَةُ عَمِلَ بِالتَّحَرِّي، فَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ بَنَى عَلَى الْأَقَلِّ فَيَجْعَلُهَا أُولَى ثُمَّ يَقْعُدُ لِجَوَازِ أَنَّهَا ثَانِيَتُهَا، وَالْقَعْدَةُ
стр. 517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فِيهَا وَاجِبَةٌ، ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَاهَا فِي الْحُكْمِ ثَانِيَةً، ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى وَيَقْعُدُ
стр. 518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لِجَوَازِ أَنَّهَا رَابِعَتُهَا، ثُمَّ يَقُومُ وَيُصَلِّي رَكْعَةً أُخْرَى وَيَقْعُدُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا رَابِعَتَهَا فِي الْحُكْمِ وَالْقَعْدَةُ فِيهَا فَرْضٌ، وَذَوَاتُ
стр. 519
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الثَّلَاثِ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، وَإِنْ وَقَعَ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّشَهُّدِ أَوْ بَعْدَ السَّلَامِ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ حَمْلًا لِأَمْرِهِ
стр. 520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عَلَى الصَّلَاحِ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ.
стр. 521
بَابُ صَلَاةِ الْمَرِيضِ
(إذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ عَنْ الْقِيَامِ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ) «لِقَوْلِهِ ﵊ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً»؛ وَلِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ.
قَالَ
(بَابُ صَلَاة الْمَرِيض)
ذَكَرَ صَلَاةَ الْمَرِيضِ عَقِبَ سُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّهُمَا مِنْ الْعَوَارِضِ السَّمَاوِيَّةِ، وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ مَوْقِعًا لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ صَلَاةَ الْمَرِيضِ وَالصَّحِيحِ فَكَانَتْ الْحَاجَةُ إلَى بَيَانِهِ أَمَسَّ فَقَدَّمَهُ (إذَا عَجَزَ الْمَرِيضُ) بِأَنْ يُلْحِقَهُ بِالْقِيَامِ ضَرَرٌ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِقَوْلِهِ ﷺ لِعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى الْجَنْبِ تُومِئُ إيمَاءً» وَإِذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى بَعْضِ الْقِيَامِ وَلَوْ قَدْرَ آيَةٍ أَوْ تَكْبِيرَةٍ دُونَ تَمَامِهِ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ: يُؤْمَرُ بِأَنْ يَقُومَ مِقْدَارَ مَا يَقْدِرُ، فَإِذَا عَجَزَ قَعَدَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ خَشِيت أَنْ تَفْسُدَ صَلَاتُهُ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَا يُرْوَى عَنْ أَصْحَابِنَا خِلَافُهُ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ مُتَّكِئًا، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ يُصَلِّي قَائِمًا مُتَّكِئًا، وَلَا يُجْزِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا قَدَرَ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عَصًا أَوْ كَانَ لَهُ خَادِمٌ لَوْ
стр. 522
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) يَعْنِي قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ وُسْعُ مِثْلِهِ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ)؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُمَا فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «إنْ قَدَرْتَ أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ وَإِلَّا فَأَوْمِئْ بِرَأْسِكَ» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَهُوَ يَخْفِضُ رَأْسَهُ أَجْزَأَهُ؛ لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ، فَإِنَّ وَضْعَ ذَلِكَ عَلَى جَبْهَتِهِ لَا يُجْزِئُهُ لِانْعِدَامِهِ
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الْقِبْلَةِ وَأَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى قَفَاهُ يُومِئُ إيمَاءً، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» قَالَ (وَإِنْ اسْتَلْقَى عَلَى جَنْبِهِ وَوَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ فَأَوْمَأَ جَازَ) لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ
اتَّكَأَ عَلَيْهِ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ أَوْمَأَ إيمَاءً) يَعْنِي قَاعِدًا لِأَنَّهُ وَسِعَ مِثْلَهُ (وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِيمَاءَ (قَائِمٌ مَقَامَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) فَأَخَذَ حُكْمَهُمَا (وَلَا يَرْفَعُ إلَى وَجْهِهِ شَيْئًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنْ قَدَرْت أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ، وَإِلَّا فَأُومِ بِرَأْسِك» فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَإِمَّا أَنْ يَخْفِضَ رَأْسَهُ لِلرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ لَا، فَإِنْ خَفَضَ جَازَ لِوُجُودِ الْإِيمَاءِ، وَإِلَّا فَلَا لِعَدَمِهِ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْقُعُودَ اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ وَجَعَلَ وِسَادَةً تَحْتَ رَأْسِهِ) حَتَّى يَكُونَ شِبْهَ الْقَاعِدِ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ الْإِيمَاءِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إذْ حَقِيقَةُ الِاسْتِلْقَاءِ يَمْنَعُ الْأَصِحَّاءَ عَنْ الْإِيمَاءِ. فَكَيْفَ بِالْمَرْضَى لِقَوْلِهِ ﷺ «يُصَلِّي الْمَرِيضُ» الْحَدِيثَ.
وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ «فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِقَبُولِ الْعُذْرِ مِنْهُ» فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِسُقُوطِ الْقَضَاءِ عَنْهُ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِيمَاءِ قَالَ أَحَقُّ بِقَبُولِ عُذْرِ التَّأْخِيرِ دُونَ الْإِسْقَاطِ، وَمَنْ قَالَ بِسُقُوطِهِ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ أَحَقُّ بِقَبُولِ عُذْرِ الْإِسْقَاطِ وَهُوَ الْأَصَحُّ. وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ
стр. 523
إلَّا أَنَّ الْأُولَى هِيَ الْأَوْلَى عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إشَارَةَ الْمُسْتَلْقِي تَقَعُ إلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ، وَإِشَارَةَ الْمُضْطَجِعِ عَلَى جَنْبِهِ إلَى جَانِبِ قَدَمَيْهِ، وَبِهِ تَتَأَدَّى الصَّلَاةُ.
(فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْإِيمَاءَ بِرَأْسِهِ أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ عَنْهُ، وَلَا يُومِئُ بِعَيْنِهِ وَلَا بِقَلْبِهِ وَلَا بِحَاجِبَيْهِ) خِلَافًا لِزُفَرَ لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ، وَلِأَنَّ نَصْبَ الْإِبْدَالِ بِالرَّأْيِ مُمْتَنِعٌ، وَلَا قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ رُكْنُ الصَّلَاةِ دُونَ الْعَيْنِ وَأُخْتَيْهَا. وَقَوْلُهُ أُخِّرَتْ عَنْهُ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَ الْعَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانَ مُفِيقًا هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّهُ يُفْهِمُ مَضْمُونَ الْخِطَابِ بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ.
إلَّا أَنَّ الْأُولَى) أَيْ الرِّوَايَةَ الْأُولَى أَوْ الْهَيْئَةَ أَوْ الْفِعْلَةَ الْأُولَى (هِيَ الْأَوْلَى عِنْدَنَا) لِأَنَّهُ لَمَّا تَعَارَضَ حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْحَالَةُ حَالَةُ عُذْرٍ جَازَ الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا، إلَّا أَنَّ مَا ذَكَرْنَا أَوْلَى (لِأَنَّ) الْمَعْقُولَ مَعَنَا، فَإِنَّ (إشَارَةَ الْمُسْتَلْقِي تَقَعُ إلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ، وَإِشَارَةَ الْمُضْطَجِعِ عَلَى جَنْبِهِ إلَى جَانِبِ قَدَمَيْهِ وَبِهِ) أَيْ بِوُقُوعِ الْإِشَارَةِ إلَى هَوَاءِ الْكَعْبَةِ (تَتَأَدَّى الصَّلَاةُ).
فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ أُخِّرَتْ عَنْهُ وَقَوْلُهُ (لِمَا رَوَيْنَا مِنْ قَبْلُ إشَارَةٌ) إلَى قَوْلِهِ ﷺ «إنْ قَدَرْت أَنْ تَسْجُدَ عَلَى الْأَرْضِ فَاسْجُدْ، وَإِلَّا فَأُومِ بِرَأْسِك» اقْتَصَرَ عَلَى الرَّأْسِ فِي مَوْضِعِ الْبَيَانِ، وَلَوْ جَازَ غَيْرُهُ لَبَيَّنَهُ. وَقَوْلُهُ (وَلَا قِيَاسَ عَلَى الرَّأْسِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ نَصْبِ الْأَبْدَانِ بِالرَّأْيِ بَلْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الرَّأْسِ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ إذَا كَانَ الْعَجْزُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ
стр. 524
قَالَ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقِيَامُ وَيُصَلِّي قَاعِدًا يُومِئُ إيمَاءً)؛ لِأَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى السَّجْدَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ نِهَايَةِ التَّعْظِيمِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ.
(وَإِنْ صَلَّى الصَّحِيحُ بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا ثُمَّ حَدَثَ بِهِ مَرَضٌ يُتِمُّهَا قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَوْ يُومِئُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَوْ مُسْتَلْقِيًا إنْ لَمْ يَقْدِرْ)؛ لِأَنَّهُ بِنَاءُ الْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى فَصَارَ كَالِاقْتِدَاءِ.
(وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ لِمَرَضٍ ثُمَّ صَحَّ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ قَائِمًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: اسْتَقْبَلَ) بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءٍ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ
وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْعَقْلِ لَا يَكْفِي لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ.
قَالَ (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ: إذَا قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ دُونَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْقِيَامُ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فَلَا يَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْ إدْرَاكِ رُكْنٍ آخَرَ. وَلَنَا أَنَّ رُكْنِيَّةَ الْقِيَامِ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلَى السَّجْدَةِ فَإِنَّهُ بِدُونِهَا غَيْرُ مَشْرُوعٍ عِبَادَةً، بِخِلَافِ الْعَكْسِ فَإِذَا كَانَ لَا يَتَعَقَّبُهُ السُّجُودُ لَا يَكُونُ رُكْنًا فَيَتَخَيَّرُ (وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْإِيمَاءُ قَاعِدًا؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالسُّجُودِ) فَإِنَّ عِنْدَ الْإِيمَاءِ قَاعِدًا يَصِيرُ رَأْسُهُ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ الْإِيمَاءِ قَائِمًا. فَإِنْ قِيلَ: هَذَا تَعْلِيلٌ عَلَى مُخَالَفَةِ النَّصِّ لِأَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَصِيرَ إلَى الْقُعُودِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ وَالْمَفْرُوضُ خِلَافُهُ. أُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَالَةَ الْقِيَامِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ الْإِيمَاءَ فِي حَالِ مَا يُصَلِّي عَلَى الْجَنْبِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِحَالَةِ الْقِيَامِ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَرْكَانِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ صَلَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَائِمًا) ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ (بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاقْتِدَاءِ) يَعْنِي أَنَّ كُلَّ فَصْلٍ جُوِّزَ الِاقْتِدَاءُ فِيهِ جُوِّزَ
стр. 525
وَالسُّجُودِ اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا)؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اقْتِدَاءُ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ، فَكَذَا الْبِنَاءُ
(وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَكَّأَ عَلَى عَصًا أَوْ حَائِطٍ أَوْ يَقْعُدَ)؛ لِأَنَّ هَذَا عُذْرٌ، وَإِنْ كَانَ الِاتِّكَاءُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ إسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ. وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ عِنْدَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ يَجُوزُ، فَكَذَا لَا يُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ. وَعِنْدَهُمَا يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقُعُودُ عِنْدَهُمَا فَيُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ (وَإِنْ قَعَدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ) وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ وَلَا تَجُوزُ عِنْدَهُمَا، وَقَدْ مَرَّ فِي بَابِ النَّوَافِلِ
بِنَاءُ آخِرِ الصَّلَاةِ عَلَى أَوَّلِهَا هَاهُنَا وَمَا لَا فَلَا. ثُمَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ: لَا يَقْتَدِي الْقَائِمُ بِالْقَاعِدِ فَكَذَا لَا يَبْنِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَعِنْدَهُمَا الْقَائِمُ يَقْتَدِي بِالْقَاعِدِ فَكَذَا يَبْنِي فِي حَقِّ نَفْسِهِ.
وَنُوقِضَ بِمَا إذَا افْتَتَحَ الصَّحِيحُ التَّطَوُّعَ قَاعِدًا وَأَدَّى بَعْضَ صَلَاتِهِ قَاعِدًا ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَقُومَ فَقَامَ وَصَلَّى الْبَاقِيَ قَائِمًا أَجْزَأَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا الْأَصْلُ الْمَذْكُورُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزُ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ تَحْرِيمَةَ الْمَرِيضِ لَمْ تَنْعَقِدْ لِلْقِيَامِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَقْتَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَبْنِ عَلَى مَا انْعَقَدَتْ لَهُ تَحْرِيمَتُهُ، وَأَمَّا تَحْرِيمَةُ الْمُتَطَوِّعِ فَقَدْ انْعَقَدَتْ لِلْقِيَامِ أَيْضًا لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فَجَازَ بِنَاؤُهُ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِمَا مُتَنَاوِلِي تَحْرِيمَتِهِ وَقَوْلُهُ (اسْتَأْنَفَ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا) يَعْنِي الْعُلَمَاءَ الثَّلَاثَةَ فَإِنَّ لِزُفَرَ فِيهِ خِلَافًا عَلَى مَا مَرَّ مِنْ أَصْلِهِ جَوَازُ اقْتِدَاءِ الرَّاكِعِ بِالْمُومِئِ.
وَقَوْلُهُ (وَمَنْ افْتَتَحَ التَّطَوُّعَ قَائِمًا ثُمَّ أَعْيَا) أَيْ تَعِبَ (لَا بَأْسَ بِأَنْ يَتَوَكَّأَ) أَيْ يَتَّكِئَ: يَعْنِي أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي النَّفْلِ ثُمَّ اتَّكَأَ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ كَالْإِعْيَاءِ لَا بَأْسَ بِهِ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ) فَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ، فَقِيلَ (يُكْرَهُ لِأَنَّهُ إسَاءَةٌ فِي الْأَدَبِ) أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُخَيَّرْ الْمُتَطَوِّعُ فِي الِابْتِدَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِيَامِ كَمَا خُيِّرَ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (وَقِيلَ لَا يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُ لَوْ قَعَدَ جَازَ عِنْدَهُ) وَيُكْرَهُ مَعَ كَوْنِ الْقُعُودِ مُنَافِيًا لِلْقِيَامِ، فَالِاتِّكَاءُ الَّذِي لَا يُنَافِيهِ يَجُوزُ وَلَا يُكْرَهُ (وَيُكْرَهُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّ الْقُعُودَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا) فَيَكُونُ الِاتِّكَاءُ الَّذِي هُوَ فَوْقَهُ جَائِزًا مَكْرُوهًا. وَقَوْلُهُ (وَإِنْ قَعَدَ) بَعْدَمَا افْتَتَحَ قَائِمًا (بِغَيْرِ عُذْرٍ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لَا تَجُوزُ) وَفِي كَلَامِهِ تَسَامُحٌ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ لَا يُوصَفُ بِالْكَرَاهَةِ وَقَدْ قَالَ يُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ.
وَأَجَابَ الْإِمَامُ حُمَيْدُ الدِّينِ الضَّرِيرُ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى رَكْعَةً قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ فِي الثَّانِيَةِ لِيَقْرَأَ لِإِعْيَائِهِ ثُمَّ قَامَ وَأَتَمَّ
стр. 526
(وَمَنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَجْزَأَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ. وَقَالَا: لَا يُجْزِئُهُ إلَّا مِنْ عُذْرٍ)؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ إلَّا لِعِلَّةٍ. وَلَهُ أَنَّ الْغَالِبَ فِيهَا دَوَرَانُ الرَّأْسِ وَهُوَ كَالْمُتَحَقِّقِ، إلَّا أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ، وَالْخُرُوجُ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ؛ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ هُوَ الصَّحِيحُ.
الثَّانِيَةَ قَائِمًا فَإِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ مَعَ صِفَةِ الْكَرَاهَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ قُعُودَهُ إذَا كَانَ لِإِعْيَائِهِ فَذَلِكَ قُعُودٌ بِعُذْرٍ، وَالْكَلَامُ لَيْصَ فِيهِ بَلْ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَكْرُوهًا، وَكَذَا إنْ تَرَكَ ذِكْرَ الْإِعْيَاءِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَثْبُتَ بِالنَّقْلِ أَنَّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ بِالِاتِّفَاقِ، لَا يَجُوزُ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ بِالِاتِّفَاقِ يُخَالِفُ قَوْلَهُ قُبَيْلَ هَذَا لَوْ قَعَدَ يَجُوزُ عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرِ كَرَاهَةٍ، وَكَذَا يُخَالِفُ إطْلَاقَ مَا ذُكِرَ فِي بَابِ النَّوَافِلِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ فِي مَبْسُوطِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَجَامِعِ أَبِي الْمُعِينِ أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ فِي النَّفْلِ لَا يُكْرَهُ عِنْدَهُ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَشْرُوعٌ بِلَا كَرَاهَةٍ، فَالْبَقَاءُ أَوْلَى لِأَنَّ حُكْمَ الْبَقَاءِ أَسْهَلُ مِنْ حُكْمِ الِابْتِدَاءِ. فَقَوْلُهُ فِي الصَّحِيحِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ثَمَّةَ غَيْرَ صَحِيحٍ، فَالْإِطْلَاقُ هَاهُنَا وَفِي بَابِ النَّوَافِلِ يَكُونُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَوْلُهُ وَيُكْرَهُ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى غَيْرِ الصَّحِيحِ، وَلَعَلَّ قَوْلَهُ بِالِاتِّفَاقِ وَقَعَ سَهْوًا مِنْ الْكَاتِبِ.
قَالَ (وَمَنْ صَلَّى فِي السَّفِينَةِ قَاعِدًا) الْمُصَلِّي فِي السَّفِينَةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَاجِزًا عَنْ الْقِيَامِ أَوْ لَا، فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ: فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ السَّفِينَةُ رَأْسِيَّةً أَوْ سَائِرَةً، فَإِنْ كَانَتْ رَأْسِيَّةً لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ قَاعِدًا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ سَائِرَةً جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ (وَالْقِيَامُ أَفْضَلُ، وَقَالَا: لَا يَجُوزُ) وَهُوَ الْقِيَاسُ (لِأَنَّ الْقِيَامَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ) وَالْمَقْدُورُ عَلَيْهِ لَا يُتْرَكُ (وَلَهُ) وَهُوَ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ (أَنَّ الْغَالِبَ) مِنْ حَالِ رَاكِبِ السَّفِينَةِ (دَوَرَانُ الرَّأْسِ) عِنْدَ الْقِيَامِ وَالْغَالِبِ كَالْمُتَحَقِّقِ، أَلَا تَرَى أَنَّ نَوْمَ الْمُضْطَجِعِ جُعِلَ حَدَثًا لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِهِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ شَيْءٌ لِزَوَالِ الِاسْتِمْسَاكِ (إلَّا أَنَّ الْقِيَامَ أَفْضَلُ لِبُعْدِهِ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ كَيْفَمَا دَارَتْ السَّفِينَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ أَوْ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ فَرْضٌ عِنْدَ الْقُدْرَةِ. وَهَذَا قَادِرٌ وَالْخُرُوجُ أَفْضَلُ إنْ أَمْكَنَهُ لِأَنَّهُ أَسْكَنُ لِقَلْبِهِ، وَالْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْمَرْبُوطَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا آنِفًا أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ رَأْسِيَّةً لَمْ يُجْزِهِ الْقُعُودُ بِالِاتِّفَاقِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (وَالْمَرْبُوطَةُ كَالشَّطِّ) وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ فَإِنَّهُ أَيْضًا عَلَى الْخِلَافِ،
стр. 527
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ أَوْ دُونَهَا قَضَى، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلًا لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَيَتَحَرَّجُ فِي الْأَدَاءِ، وَإِذَا قَصُرَتْ قَلَّتْ فَلَا حَرَجَ، وَالْكَثِيرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ، وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ: كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ ﵀، بِخِلَافِ النَّوْمِ؛ لِأَنَّ امْتِدَادَهُ نَادِرٌ فَيَلْحَقُ بِالْقَاصِرِ، ثُمَّ الزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ. مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ
وَالْمَوْثُوقَةُ بِاللَّنْجَرِ: أَيْ الْمِرْسَاةُ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ وَهِيَ تَضْطَرِبُ، قِيلَ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الرِّيحَ إنْ كَانَتْ تُحَرِّكُهَا تَحْرِيكًا شَدِيدًا فَهِيَ كَالسَّائِرَةِ وَإِلَّا فَهِيَ كَالرَّاسِيَةِ.
(وَمَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ صَلَوَاتٍ أَوْ دُونَهَا قَضَى، وَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إذَا اسْتَوْعَبَ الْإِغْمَاءُ وَقْتَ صَلَاةٍ كَامِلَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ فَأَشْبَهَ الْجُنُونَ (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ) مَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ فَقَضَاهُنَّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ﵄ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَمْ يَقْضِ شَيْئًا، وَالْفِقْهُ فِيهِ (أَنَّ الْمُدَّةَ إذَا طَالَتْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ فَيَتَحَرَّجُ فِي الْأَدَاءِ، وَإِذَا قَصُرَتْ قُلْت فَلَا حَرَجَ، وَالْكَثِيرُ أَنْ تَزِيدَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ التَّكْرَارِ) وَقَوْلُهُ (وَالْجُنُونُ كَالْإِغْمَاءِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ الْإِغْمَاءِ عَلَى الْجُنُونِ عَلَى زَعْمِ أَنَّ الْجُنُونَ إذَا اسْتَغْرَقَ وَقْتًا كَامِلًا أَسْقَطَ الْقَضَاءَ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْجُنُونَ كَالْإِغْمَاءِ إذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سَقَطَ الْقَضَاءُ وَإِلَّا فَلَا (كَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ) وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ. وَقَوْلُهُ (بِخِلَافِ النَّوْمِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَقْضِ: يَعْنِي أَنَّ النَّوْمَ وَإِنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَا يَسْقُطُ الْقَضَاءُ (لِأَنَّ امْتِدَادَهُ) إلَى هَذَا الْحَدِّ (نَادِرٌ) لَا عِبْرَةَ بِهِ (فَالْحَقُّ) الْمُمْتَدُّ مِنْهُ (بِالْقَاصِرِ) وَقَوْلُهُ (ثُمَّ الزِّيَادَةُ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الْأَوْقَاتُ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الزِّيَادَةُ
стр. 528
عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀؛ لِأَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ، وَعِنْدَهُمَا مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ ﵃.
تُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ الصَّلَوَاتُ مَا لَمْ تَصِرْ الْفَوَائِتُ سِتًّا لَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنَّمَا تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِيمَا إذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ عِنْدَ الصَّحْوَةِ ثُمَّ أَفَاقَ مِنْ الْغَدِ قَبْلَ الزَّوَالِ بِسَاعَةٍ فَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ لَمْ تَزِدْ عَلَى خَمْسٍ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ مِنْ كَوْنِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ (لِمُحَمَّدٍ أَنَّ التَّكْرَارَ يَتَحَقَّقُ بِهِ) أَيْ بِفَوَاتِ سِتِّ صَلَوَاتٍ وَهُوَ الْمُفْضِي إلَى الْحَرَجِ الْمُسْقِطِ لِلْقَضَاءِ فَيَكُونُ الِاعْتِبَارُ بِهِ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ) أَيْ الِاعْتِبَارُ مِنْ حَيْثُ السَّاعَاتُ هُوَ الْمَأْثُورُ.
стр. 529
بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ
قَالَ (سُجُودُ التِّلَاوَةِ فِي الْقُرْآنِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً: فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَفِي الرَّعْدِ وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ وَالنَّمْلِ، والم تَنْزِيل وَص، وَحُمَّ السَّجْدَةِ، وَالنَّجْمِ وَإِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ
بَابُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ)
كَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَقْتَرِنَ بِسُجُودِ السَّهْوِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَجْدَةٌ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ صَلَاةُ الْمَرِيضِ بِعَارِضٍ سَمَاوِيٍّ كَالسَّهْوِ أَلْحَقَتْهَا الْمُنَاسَبَةُ بِهَا فَتَأَخَّرَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ ضَرُورَةً، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى سَبَبِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالسَّمَاعِ لِأَنَّ السَّمَاعَ سَبَبٌ كَالتِّلَاوَةِ. أُجِيبَ بِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلسَّمَاعِ أَيْضًا كَانَ ذِكْرُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى السَّمَاعِ مِنْ وَجْهٍ فَاكْتُفِيَ بِهِ، وَشَرْطُهَا الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَرُكْنُهَا وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الْأَرْضِ، وَصِفَتُهَا الْوُجُوبُ عِنْدَنَا، وَمَوَاضِعُهَا مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: فِي آخِرِ الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَبَنِي إسْرَائِيلَ، وَمَرْيَمَ، وَالْأُولَى فِي الْحَجِّ، وَالْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ وَالَمْ تَنْزِيلُ، وَصِّ، وَحُمَّ السَّجْدَةُ، وَالنَّجْمُ، وَالِانْشِقَاقُ، وَالْعَلَقُ. هَكَذَا كُتِبَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَالشَّافِعِيُّ يُوَافِقُنَا فِي الْعَدَدِ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ: فِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ وَلَيْسَ فِي ص سَجْدَةٌ. وَمَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِي حم السَّجْدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وَالْمُصَنِّفُ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَجِّ فِي الصَّلَاةِ
стр. 530
وَاقْرَأْ. كَذَا كُتِبَ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالسَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْحَجِّ لِلصَّلَاةِ عِنْدَنَا، وَمَوْضِعُ السَّجْدَةِ فِي حم السَّجْدَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿لا يَسْأَمُونَ﴾ فِي قَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَهُوَ الْمَأْخُوذُ لِلِاحْتِيَاطِ
عِنْدَنَا وَبِقَوْلِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ وَيَذْكُرُ ص عَنْ مَذْهَبِهِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى أَنَّ فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ بِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «فُضِّلَتْ الْحَجُّ بِسَجْدَتَيْنِ مَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا لَمْ يَقْرَأْهُمَا» وَمَذْهَبُنَا مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا: سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ فِي الْحَجِّ هِيَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ سَجْدَةُ الصَّلَاةِ، وَيُعَضِّدُهُ قِرَانُهَا بِالرُّكُوعِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فُضِّلَتْ بِسَجْدَتَيْنِ إحْدَاهُمَا سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ وَالثَّانِيَةُ سَجْدَةُ الصَّلَاةِ» وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ السَّجْدَةَ فِي ص سَجْدَةُ شُكْرٍ بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ تَلَا فِي خُطْبَتِهِ سُورَةَ ص فَتَشَزَّنَ النَّاسُ: أَيْ تَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ، فَقَالَ: عَلَامَ تَشَزَّنْتُمْ إنَّهَا تَوْبَةُ نَبِيٍّ» وَقَدْ قَالَ ﷺ «سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا» قُلْنَا هَذَا لَا يَنْفِي كَوْنَهَا سَجْدَةَ تِلَاوَةٍ، إذْ مَا مِنْ عِبَادَةٍ يَأْتِي بِهَا الْعَبْدُ إلَّا وَفِيهَا مَعْنَى الشُّكْرِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ سَجَدَهَا فِي خُطْبَتِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةٍ حَيْثُ قَطَعَ الْخُطْبَةَ لَهَا، وَلَئِنْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ فِي خُطْبَتِهِ فَذَلِكَ كَانَ تَعْلِيمًا لِجَوَازِ تَأْخِيرِهَا.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ «رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْت فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي أَكْتُبُ سُورَةَ ص، فَلَمَّا انْتَهَيْت إلَى مَوْضِعِ السَّجْدَةِ سَجَدَ الدَّوَاةُ وَالْقَلَمُ، فَقَالَ ﷺ : نَحْنُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الدَّوَاةِ وَالْقَلَمِ، فَأَمَرَ حَتَّى تُلِيَتْ فِي مَجْلِسِهِ وَسَجَدَهَا مَعَ أَصْحَابِهِ» وَقَوْلُهُ (هُوَ الْمَأْخُوذُ لِلِاحْتِيَاطِ) لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ عِنْدَ الْآيَةِ
следующие страницы →