Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
تقريظ العلامة المحدث الفقية القاضي الشيخ محمد تقي العثماني حفظه الله
نائب رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة ونائب رئيس جامعة دار العلوم كراتشي وشيخ الحديث بها
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن الكتب الستّة للإمام محمد بن الحسن الشيبانيّ رحمه الله تعالى أساس للمذهب الحنفيّ عوّل عليه فقهاء الحنفية في كل عصر ومصر إجماعًا منهم على أنه المصدر الموثوق لمعرفة المذهب، وأن ما جاء فيه يسمّى "ظاهر الرواية" ولفوق رتبة على ما جاء في الكتب الأخرى المنسوبة إلى الإمام محمّد أو غيره من أئمة المذهب الحنفيّ. ومن هُنا تناول الفقهاء الحنفية هذه الكتب دراسة وشرحًا، وتفريعًا وتأصيلا، حتى صارت شروحها مصدرًا لكلّ من قام بتدوين المذهب وتأليفه.
ومن المؤسف جدّا، أنّ هذه الكتب الستّة وشروحها الضافية افتقد اليوم معظمها فلا يوجد منها إلا الجامع الصغير والجامع الكبير وأبواب من المبسوط الذي يسمّى الأصل. وأمّا من الشروح الكبيرة فلا يوجد إلا شرح السير الكبير للسرخسى رحمه الله تعالى، والشروح الباقية لا يوجد منها إلا نسخ يسيرة خطية في بعض المكتبات.
وإن كتاب "الزيادات" من أهمّ الكتب الستّة التي تسمّى ظاهر الرواية ألّفه الإمام محمد رحمه الله تعالى بعد "الجامع الكبير" وجمع فيه المسائل التي فاتته فيه، ومن ثمّ سماها "الزيادات" لكون مسائلها زائدة على "الجامع الكبير". ولكن لا يوجد منه ولو نسخة واحدة حتى في المكتبات التي عُنيت بالحفاظ على تراثنا العتيق. ومن أهمّ شروح هذا الكتاب "شرح الزيادات" للقاضى خان رحمه الله تعالى، وإنّ اسم "القاضي خان" رحمه الله تعالى يُغنينا عن التنويه بأهمية هذا الكتاب، فإنه معروف في الفقهاء الحنفية
стр. 2
بتمكنه في الفقه، وتضلعه في المذهب، وكون فتاواه مصدرًا موثوقًا لفروع الحنفية. وبما أنه رحمه الله تعالى سلك في شرح الزيادات مسلك التأصيل، حيث بدأ في كل باب ببيان القواعد والضوابط الفقهية المتعلقة بذلك الباب، ثم فرّع عليها الأمثلة والتفاريع، فإنه مفيد للغاية لدارسى الفقه الحنفيّ.
وإن هذا الكتاب، على أهميته، لم يزل كنزًا مخبوءًا في صورة نسخ خطيّة في بعض المكتبات، لم يتوجّه أحد إلى تحقيقه وإخراجه إلى أن وفّق الله ابن أختى الفاضل الدكتور الشيخ قاسم أشرف، حفظه الله تعالى، فاختار تحقيق هذا الكتاب والعمل عليه موضوعًا لرسالة الدكتوراه في كلية الشريعة لجامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. ونظرًا إلى ضخامة الكتاب، كان بإمكانه أن يختار جزءا من الكتاب لتسجيله كرسالة الدكتوراه، ولكنه، حفظه الله تعالى، كان يرغب في خدمة العلم والفقه أكثر مما يرغب في الحصول على شهادة الدكتوراه فأثار همّته لخدمة الكتاب كلّه، حتى أنجز هذا العمل الجليل مشكورًا، على الرغم من العقبات الكؤودة في هذا السبيل، التي بيّنها في مقدمته، ولم تفتر همّته عن الرحلة إلى بعض البلاد الإسلامية التي رجا من مكتباتها أن يحصل على شئ يُعينه في إخراج الكتاب بشكل مقبول.
ولم يألُ المحقّق جهدًا في تحقيق الكتاب ومقارنة مخطوطاته، وتصحيح عباراته، وشرح العويص منها، والتعليق على ما يحتاج إلى التعليق، وتنقيح مسائل الكتاب بمساعدة كتب المذهب الأخرى، لأن جُهده هذا يتجلّى في كل صفحة من صفحات هذا الكتاب الذي يقدّمه الآن بين أيدى أهل العلم بما تُقرّ الأعين وتبهج الصدور.
ولا أطيل في التعريف بالكتاب والثناء عليه، فإنه الآن بمتناول القارئ الكريم، والطِيب يُعرف بنفحاته غنيًا عن إطراء المادحين، وثناء المعرّفين.
وأدعو الله أن يبارك في عمر المحقّق وعلمه وعمله، ويوفّقه لأضعاف أمثاله بصدق وإخلاص، ويجعل عمله هذا ثقلا في حسناته، ويتوجّه بالقبول في جنابه، وينفع به طلاب العلم في كل زمان ومكان. إنه ﵎ على كل شئ قدير، وبالإجابة جدير.
محمد تقى العثمانى
دار العلوم كراتشى ١٤
ليلة الجمعة ١٧/ جمادى الأولى سنة ١٤٢١ هـ
стр. 3
تقريظ العلامة الفقيه الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلى حفظه الله
عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة ورئيس قسم الفقه الإسلامي بجامعة دمشق - كلية الشريعة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:
فمما لا شك فيه أنه لولا الإمام محمد بن الحسن الشيباني ﵀، وقيامه بتصنيف وجَمع فقهِ الإمام أبي حنيفة ﵀، لضاعَ الفقه الحنفي، وضياعه خسارة كبرى للثروة الفقهية الأصيلة، فكان من تقدير الله وإحسانه وفضله أن قيّض الله تعالى للأمة الإمام ابن الحسن، الشامي الأصل.
ويعدّ كتاب "الزيادات" أحد الكتب الستّة المعروفة بكتب ظاهر الرواية، أي الراجحة النقل، والثابتة النسبة للإمام محمد.
وتُوّج هذا الكتاب بالشرح النفيس والأصل للعلامة الحجة قاضى خان الذي نثَر دُررَه، وأحاط بمدلولات ومعاني هذا الكتاب، فتحقق الخير، واكتملت المعرفة بالشرح والمتن، مع التعليق وإبراز الفروق الفقهية، والاستدلال بالقواعد الفقهية، والتي أحسن المحقّق جمعَها وتصنيفها حتى بلغت (١٠٤٥) قاعدة فقهية، وهذا وحده استقراء وتتبع يانع، بالإضافة لفهارس علمية كثيرة أخرى.
والذي يلاحظ الإنسان على كتب ظاهر الرواية أنها انتقالا من الأصل أو
стр. 4
المبسوط، ومرورًا بالجامعين الصغير والكبير وبكتابي السير الصغير والكبير وتتويجها بالزيادات، تتناسب مع المبدأ والتحصيل العلمي الطبيعي في تلقي العلم شيئًا فشيئًا.
وسجّلت هذه الكتب هذه الظاهرة، بحسب ما تلقّاه الإمام محمد عن أستاذه أبي حنيفة، فدوّنه وأفرغته ذاكرته بدءًا من المعلومات الأولية، ثم الموسوعية.
والذي يسعد بحق أن هيّأ الله تعالى الأخ الفاضل السيد قاسم أشرف ليكون نشره لكتاب "شرح الزيادات" خاتمة لنشر كتب ظاهر الرواية المخطوطة تباعًا، حتى تعمّ الفائدة، وتكتمل المعارف الفقهية وعمله في تحقيق هذا الكتاب وفّى الغاية، وحقّق الأمل، وأجاد وأحسن في كل ما قام به من جهود مضنية، كان الصبر يحليها، والعلم والإتقان يجلّيها، والحب والإكبار للفقه يزيدها طلاوة وسعة، كما هو واضح في منهج التحقيق الذي أشار إليه في مقدمته الضافية، وتميّزت بالسعة والشمول، وبالأمانة العلمية الواضحة، وفّقه الله وأحسن إليه، وجعل جهده العلمي الطيب زيادة في حسناته، وسببًا لشهرته، وتثقيلا لميزان صفحته وعمله المبرور، فهو سليل العلم والفضل عن أبيه وأسرته في الباكستان.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
أ - د: وهبة الزحيلى
رئيس قسم الفقه الإسلامي ومذاهبه
بجامعة دمشق - كلية الشريعة
٨/ ١٠/ ١٩٩٨ م
стр. 5
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين القائل في كتابه العزيز: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ (١)، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين القائل "مَن يُرد الله به خيرا يُفَقّهه في الدين" (٢). ورضي الله تعالى عن صحابته وآله أجمعين، ومَن تبعهم بإحسان و سار على هَدْيهم وسَننهم إلى يوم الدين.
وبعد: فلقد كان الفقه الإسلامي من أهم الأسس والعوامل التي ساهمت في بناء الأمة الإسلامية، وتكوين حضارتها، لأنه فقه يقوم على العدالة، ويشرع الحقوق، ويصونها، ويكفل للإنسان السعادة في الدارين، ويحقق مصالحه في كل زمان ومكان ويرسم له النهج القويم في جميع مجالات حياته.
ومن هنا، ترى الفقه الإسلامي هو الأساس الذي تستند إليه الدولة الإسلامية وتستمدّ منه دستورها وأصولها.
وكان الفقه الإسلامي يمثّل في بداية التشريع مجموعة من الأحكام والفتاوى صدرت عن الرسول ﷺ في مناسبات كثيرة متجلّية في جانبي الإفتاء والقضاء.
ثم بدأت دائرة الفقه تتسع تدريجيا بعد وفاته ﷺ كما يبدو من فتاوى الصحابة ﵃ واستنباطاتهم فيما استجدّ من الحوادث، وما نزل بهم من
_________
(١) سورة التوبة: ١٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، الحديث ٧١، ومسلم في صحيحه الحديث ٢٣٨٩، وأحمد في مسنده ١/ ٣٠٦، ٤/ ٩٢.
стр. 6
وقائع ونوازل، وكانوا يعتمدون في كل ذلك على كتاب الله تعالى ويستهدون بهدي النبي ﷺ وفتاويه التي حفظوها عنه.
ثم جاء دور التابعين، فازدهر الفقه بمزيد من الأحكام والفتاوى التي صدرت عن تلاميذ الصحابة من التابعين، وازداد نشاطا في دور الفقهاء والأئمة المجتهدين، وتوسّعت دائرة الفقه والاحتهاد في ضوء الكتاب والسنة، وتشعّبت الفروع بشكل مدهش سدا لمتطلبات العصر.
وإن من سِمات الشريعة الإسلامية أن الله تعالى تكفّل بحفظها، ومِن حِفظِه لها أنه جعل العلماءَ ورثَةَ الأنبياء الذين لم يرثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، وجعل التفقّهَ في أمور الدين خيرا وأعظم قُربة. ولقد أدرك سلفنا الصالح هذا الفضل العظيم فشعروا بالمسئولية، ونذروا أنفسهم وأوقاتهم وكافة وسائلهم في سبيل العلم والتعلم، وحرصوا على حفظ علوم الدين بأساليب ونظم شتى من القضاء والإفتاء، والكتابة والإملاء، والتسجيل والتدوين، حتى تكوّنت للأمّة الإسلامية ثروة علميّة هائلة في كافّة مجالات علوم الدين.
وطالب العلم إذا أجال بصرَه فيما خلفة الأوائل من هذا، الكنوز العلمية الضخمة، التي لا تزال حبيسة في خزائن المخطوطات، دون أن يستفاد منها، أدرك عظم المسئولية الملقاة على عاتقه، فجدير بكل طالب علم أن يطلع على هذا التراث العظيم المتمثل في ذلك الكمّ الهائل، ليرى قدر جهد المبذول فيها مع عدم توفر إمكانات الطباعة وقلة الوسائل في تلك العصور؛ لكي يحسّ بأهمية إبراز هذه الكنوز الدفينة إلى حيّز الوجود بعد إخراجها من الأدراج التي يعلوها الغبار وقاية من التلف والتآكل.
هكذا ترى أعظم ثروة علمية تناقلتها الشفاه، وتوارثتها الأجيال، وسجّلتها الأقلام في الإسلام هي الثروة الفقهية، لأنها تشكّل منهاجا يهيمن علي أفعال المكلفين، ويبيّن ما يتحتّم عليهم من دقيق وجليل.
وإن تحقيق كتب التراث - مع ما فيه من العناء - عمل ممتع ومفيد، مفيد للباحث نفسه حيث يساعد على تنمية قدراته العلمية، ويزيد في حصيلته الفقهية ويعوّده على ضبط
стр. 7
عبارات الفقهاء وفهم مسالكهم في الاستنباط وتأسيس القواعد الفقهية، ومفيد لأهل العلم عمومًا وطلاب العلم خصوصًا ليستفيدوا من ذلك النتاج الفكري الشامخ الذي خلفه أسلافهم الأوائل الذين طوّروا الفكر الإنساني، وشيّدوا حضارة رائدة، لا يمكن أن تصل إليها أيّ حضارة إنسانية أخرى، ومفيد للفنّ الذي يتطرق إليه الكتاب المراد تحقيقه، وخاصةً إذا كان هذا الكتاب لمن له باع طويل وملكة راسخة في ذلك الفن.
كما أن التواني والتساهل في أداء هذا الواجب يجعل هذه الذخيرة العلمية عرضة لمزيد من التلف والضياع، ويحرم الأمة من ثمراتها وتلك الأفكار العلمية الثمينة والاجتهادات الشرعية، كما تلف عمل كثير من جهابذة الفقهاء.
ومما لا شك فيه أن طلبَ العلمِ الشرعي ونشرَه من أفضل القربات ومن خير ما صُرفت له الجهودُ والأوقات، ولقد منّ اللهُ علي بفضله وهداني بتوفيقه فسَلَكتُ طريق طلب العلم الشرعي، وعزمتُ على أن أتابع التحصيلَ العلمي، حتى وقع اختياري من بين هذا التراث الغالي على تحقيق كتاب "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان، حيث تقدمت به إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض لتسجيل رسالةِ الدكتوراه في الفقه الإسلامي، فتمّت الموافقة بعنوان: "دراسة وتحقيق "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان البخاري" المتوفى سنةَ اثنتين وتسعين وخمس مائة الهجرية.
وهذا الكتاب يمثّل عملا متميزا مبتكرا بحيث نهج فيه المؤلف على منهج التأصيل، كما أنه إكمال لمصادر المذهب الأولية، فإن "الزيادات" للإمام محمد بن الحسن الشيباني - رحمه الله تعالى - من كتب ظاهر الرواية، أحد المراجع الأساسية المعول عليها في المذهب الحنفي، ولكن رغم أهميته ومكانته وحاجة العلماء والفقهاء والقضاة إليه، لم يحظ المتن والشرح بالعناية طباعة وتحقيقا، بل كان ومازال مخطوطا، بل إنه من الصعب العسير أن نطّلع على مسائل "الزيادات" لعدم وجود مخطوطات المتن مستقلة إلا ما تضمّن به شرحه (١)، كما وصل إلينا "السير الكبير" للشيباني متمثلا في "شرح السير الكبير" للسرخسي.
_________
(١) انظر الفصل الثالث من القسم الدراسي.
стр. 8
وأضِف إلى ذلك كله أن الإمام محمد بن الحسن الشيبانى ﵀ (١٣٢ هـ - ١٨٩ هـ) له مكانة عظيمة بين الفقهاء المجتهدين، وله آراء ذات قيمة فقهية، واجتمع فيه ما لم يجتمع لغيره من أصحاب أبى حنيفة، من خصائص فقه العراق وفقه الحجاز وفقه الشام فقد تلقّى فقه العراق عن شيخيه أبى حنيفة وأبى يوسف، وتلقى فقه الحجاز عن شيخ المدينة الإمام مالك، وتلقّى فقه الشام عن شيخ الشام الإمام الأوزاعى، ثم تولى القضاء الذي أفاده علما وتجربة، وقرّب فقهه من الناحية العملية الواقعية، وأثر عن الإمام الشافعي ﵀ ثناءٌ بالغ في حق شيخه محمدِ الشيباني، مدوّنٌ في كتب التاريخ، وحكى المورخ الشهير ابنُ العِمَاد الحنبلي قولَ الإمام الشافعي: "لو أنصَف الناس الفقهاءَ لَعَلموا أنهم لم يَروا مثلَ محمد بن الحسن، وما جالستُ فقيها قطُّ أفقَهَ من محمد، ولا فتق لساني بالفقه مثلَه، لقد كان يُحسن من الفقه وأسبابه شيئا يَعجِز عنه الأكابر" وقال أيضًا: "ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن" (١).
وكتب "ظاهر الرواية" التي رويت عن الإمام محمد ﵀ برواية الثقات، هي: المبسوط والجامع الصغير والجامع الكبير والسير الصغير والسير الكبير والزيادات، وهي عماد النقل والمرجع الأساسي في الفقه الحنفي، ولذلك عُني بها الفقهاء من القديم، وشرح هذه الكتب عدد كبير من الأئمة والفقهاء في عصور متلاحقة، فشرحوها وخرّجوا مسائلها وأصّلوا أصولها وفرّعوا عليها، منهم الإمام الطحاوي والكرخي والجصاص الرازي وأبو الليث السمرقندي والسرخسي والبزدوي وصدر الشهيد ابن مازه وعلاء الدين السمرقندي وفخر الدين قاضي خان والحَصيري وشمس الأئمة الكردري وغيرهم، ولم تزل تلك الشروح محفوظة في خزانات العالم.
وقد نشرت كتب ظاهر الرواية كلها، كاملة أو ناقصة، محققة أو غير محققة، إلا "الزيادات"، فإنه لا يزال مخطوطا مخفيا في خزانات العالم، بعيدا عن متناول أهل العلم، وسبب تأليفه أن الإمام محمدا ﵀ لما فرغ من تأليف "الجامع الكبير" تذكّر فروعا آخر لم يذكرها فيه، فصنّف كتابا آخر ليذكر فيه تلك الفروع، وسماه "الزيادات"، ثم تذكّر
_________
(١) "شذرات الذهب" ٢/ ٣٢٣.
стр. 9
فروعا أخرى، فصنّف كتابا آخر وسمّاه "زيادات الزيادات".
تبين بذلك أن "الزيادات" يُعدّ بمثابة تكملة "الجامع الكبير"، و"الجامع الكبير" من أهمّ مصنفات الإمام محمد وأعمقها وأدقها فقها، لاحتوائه على مسائل عَويصة وفروق فقهية دقيقة وعلل خفية، وروى ابن أبي العوام بسنده عن الأخفش ثناء بالغا في حق هذا الكتاب (١) الذي يعدّ معيارا لدى الفقهاء يختبر به تفاوت مداركهم ومبلغ يقظتهم في الفقه.
وكتاب الزيادات الذي ألّفه بعد الجامع الكبير استدراكا لما فاته، يُعدّ من أبدع كتب الإمام محمد، مروي عنه بطريق الشهرة، وعني كثير من الفقهاء بشرحه عناية كاملة، منهم الإمام السرخسي، وبرهان الدين بن مازه والإمام العتّابي، والإمام قاضي خان وشمس الأئمة الكَردري وغيرهم، إلا أننا لانجد الآن في خزائن مخطوطات العالم سِوى شرح العتابي وشرح قاضي خان.
والإمام فخر الدين قاضي خان أحد الأعلام المجتهدين البارزين، له مكانة سامية بين الفقهاء الحنفية حيث يُعدّ من "طبقة المجتهدين في المسائل"، وكبار الفقهاء المتأخرين من ابن الهمام وابن نجيم والزيلعي والحصكفي وابن عابدين كلهم يعتمدون على تصحيحه وترجيحه. وفتاواه الشهيرة نالت أسمى مكانة في الإفتاء، وتداولتها أيدي الفقهاء في كل زمان ومكان.
ويعتبر "شرح الزيادات" لقاضي خان أقوم وأنفس شرح للكتاب، والمزية الجلية المنفردة التي يتحلّى بها هذا الكتاب وتزيد قيمتَه العلمية هي أن الإمام قاضي خان سلَك فيه على "مسلك التأصيل"، ويراد به الاعتناء بتمهيد الأصول من القواعد العامّة والضوابط الفقهية أوّلا ثم التفريع عليها ثانيا، حيث التزم في مستهلّ الأبواب من بداية الكتاب إلى نهايته، بوضع تمهيد يشتمل على بيان القواعد والضوابط الفقهية التي تنبني عليها الفروع التي ذكرها الإمام محمد في الباب، وبذلك تسهل معرفة وجوه التفريعات.
ولا شك أن هذا المسلك - أي "مسلك التأصيل" - يقرّب المسائل إلى الأذهان وينمّي عقلية الباحث ويروض فكره، ويربّى ملكته الفقهية المؤهلة للاستدلال والترجيح، القادرة
_________
(١) انظر مقدمة "الجامع الكبير" ص ٢ للأستاذ أبي الوفاء الأفغاني.
стр. 10
على تفريع المسائل من القواعد العامة.
يقول الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي في كتابه "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير في شرح الجامع" الكبير للإمام الحصيري تلميذ قاضي خان:
"عرف الإمام قاضي خان بمكانته المرموقة عند الحنفية وبفتاواه الشهيرة بالفتاوى الخانية كما تقدم، ولكنك تجد جهوده في جانب التأصيل مغمورة إلى الآن، وذلك يرجع إلى عدم ظهور كتابه "شرح الزيادات"، فإنه يمثل ظاهرة تقعيد الأصول ثم التفريع عليها خيرَ تمثيل، ويضع لبنة جديدة في هذا المجال، رغم وجود محاولات سابقة أخرى، بما يتميز من الدقة والثقة والإحكام" (١).
فهو كتاب فقه وتفقيه، وحافل بالنفائس ومتميز بخصائص علمية، ويضمّ كمًا هائلا من القواعد والضوابط الفقهية، ومنها ما لا يتوافر في كتب القواعد المتداولة، ولا شك أن هذه القواعد ثروة ثمينة للتراث الفقهى، والكتاب حقيق بأن يعدّ مصدرا هامًا في مجال علم القواعد.
أهميّة وأسباب تحقيق هذا الكتاب باختصار:
ولقد دعاني لتحقيق هذا الكتاب الجليل أسباب عديدة، أهمها ما يلي:
١ - خدمة الفقه الإسلامي وطلابِه بإحياء كتب الفقهاء السابقين للاستفادة من علمهم وجهودهم، فإن تحقيق كتب فقهية يساعد على تنمية قُدرات الباحث العلمية، ويزيد في حصيلته الفقهية، ويعوّده على ضبط عبارات الفقهاء وفهم مسالكهم في الاستنباط.
١ - إنه إكمال كتب ظاهر الرواية، المرجع الأول والمصدر الأساسي للفقه الحنفي الذي لا يمكن الغناء عنه، فإخراجه إتمام لمصادر المذهب الأولية.
٢ - إحياء المتن والشرح مع التحقيق والدراسة، فكلاهما مخطوط لم يتيسر الوصول إليهما.
٣ - علُوّ منزلة الكتاب الفقهية فإنه كتاب ثاني يظهر في شروح كتب "ظاهر الرواية" بعد "شرح السير الكبير" للسرخسي.
_________
(١) "القواعد والضوابط" ص ١٧٠.
стр. 11
٤ - إبراز مصدر معتمد للقواعد الفقهية واستخلاص القواعد والضوابط منه.
٥ - إبراز جهود الإمام قاضي خان الفقهية ومنهجه العلمي، فلم تُدرس حياته ومآثره حسب علمي، إصالة أو تبعًا إلى الآن.
٦ - ثاني كتاب يظهر من مؤلفات الإمام قاضي خان بعد فتاواه الشهيرة، لأن "فتاوى قاضي خان" هو الكتاب الوحيد المتناول بين أيدينا من مؤلفاته.
٧ - إحياء كتاب نادر من الكتب المعدودة المؤلفة على طراز "مسلك التأصيل"، ولعلّه أول كتاب من هذا الطراز المتميز يخرج إلى النور بعد التحقيق.
تبين بذلك أن الكتاب نموذج رائع للتراث الفقهي الأصيل، وجدير بالتحقيق والدراسة، وإحياء هذا الكتاب ونشره بتحقيق علمي يُسهم إسهاما ملحوظا في مجال الفقه الإسلامي.
الصعوبات التي واجهتها في إعداد الرسالة:
لقد واجهتُ في إعداد هذه الرسالة بعض الصعوبات والعقبات، وكان من أبرزها:
أولا: حجم الرسالة: تحقيق هذا المخطوط وفق المنهج العلمي، كان يستدعي جهدا علميا طويلا مضنيا (١) بحيث يمكن أن يشترك فيه أكثر من واحد، وذلك نظرا إلى ضخامته وكثرة صفحاته (٥٥٥ لوحة - ١١١٠ صفحة)، ولدقّة مسائله وجَمعِه بين القواعد والفروع، إلا أن رغبتي في إحياء هذا الكتاب القيّم حدَت بي إلى أن أقوم بهذا العمل لكي لا يظل التحقيق مبتورا، فشمّرت عن ساعد الجد متوكلا على الله تعالى، فسجّلت تحقيق الكتاب كله.
ثانيا: عدم الحصول على نسخة "الزيادات":
_________
(١) التحقيق أمر دقيق يحتاج إلى كثير من الجهد والعناية، ولقد عبّر الجاحظ في كتابه "الحيوان" عن صعوبة إعادة النص، إذ يرى أن مشقّة الكتابة الجديدة أيسر وأسهل من التصحيح والتنقيح، فقال: "لربما أراد مؤلف أن يصحّح تصحيحا أو كلمةً ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات مِن حرّ اللفظ وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النص، حتى يردّه إلى موضعه من اتصال الكلام". "كتاب الحيوان" للجاحظ ص ١/ ٩٧.
стр. 12
بذلتُ الجهد الممكن في جَمع نُسخ هذا المخطوط وتصويره من أماكن مختلفة، ولقد اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على خمس نسخ خطيّة، والنسخة التي جعلتها أصلا معتمدا عليه تقع في مجلدين، في ٥٥٥ لوحة = ١١١٠ صفحة. ومما لا شك فيه أن ذاك العمل وكتابة النص للكتاب كله وفق المنهج العلمي، والمقارنة بين النسخ استغرقت مدةً طويلة، وكان من العراقيل في سير العمل أنني لم أتمكّن من الحصول على نسخة المتن: "الزيادات"، رغم محاولات عديدة ورحلات علمية، ومن الملاحظ أن عبارة المتن ممزوجة ومختلطة مع الشرح في جميع النسخ الموجودة.
ثالثا: نسَختُ المخطوط أوّلا وفق المنهج العلمي، ثم قابلتُه على أربع نسخ مختارة، وأثبتت الفروق في الهامش، ثم تكرّرت عملية المقارنة وإثبات النص المختار عندما عثرتُ بعد سنتين من العمل على أقدم نسخة قيّمة عريقة، نُسِخت في بخارى من أصل المصنف ﵀، وفي حياته. وقد ظفرتُ بها أثناء رحلة علمية إلى استنبول، قمت بها بعد أن وافقت عليها الجامعة مشكورة، فجعلتها أصلا معتمدا عليه، وعدّلت النص المعتمد من جديد، وهذه النسخة وإن كانت أكثر عَناء وصعوبة في القراءة بسبب عدم تنقيط عباراتها إلا أنها أقدم نسخة وأوثقها، وخالية من الأخطاء إلى حدّ كبير، فلا يمكن الاستغناء عنها والاستهانة بقدرها.
رابعا: عدم وجود أكثرِ المصادر التي عزا إليها الشارح، منها ما هو مخطوط، ومنها ما هو مفقود، فيصعُبُ على الباحث توثيق النصوص منها.
خامسا: نظرا إلى طبيعة العمل من كثرة الكتابة والتعديل فيه، ومصالح التحقيق من حسن التنسيق ودقّة في التصحيح قمتُ شخصيا بطباعة هذا الكتاب على الكمبيوتر وتنسيقه وتصحيحه، ولكنه أدّى كل ذلك إلى زيادة حجم العمل والضغط الشديد وتحمّل العَناء البالغ.
ورغم المصاعب والمشاكل المذكورة حاولت التغلّب عليها، وإن الله قد شملني بلطفه وإحسانه وجوده وكرمه، فذلّلها لي، وبفضل الله وتوفيقه. ثم كان لتشجيع فضيلة المشرف/ حفظه الله دور كبير في شق الطريق إلى الإمام. وفي الواقع هانَت هذه
стр. 13
المتاعب أمام تحقيق الهدف النبيل وهو إحياء هذا الكتب القيم بشكل يليق به.
هذا وقد وفقني الله بالقيام بتحقيقه وخدمة نصوصه، فله الفضل والمنة، إلا أنني أعترف بتقصيري وقلّة بضاعتي على الرغم من الجهود التي بذلتها حسب إمكانياتي في تحقيق هذا الكتاب، علما بأنني جعلت نصب عيني إثبات النصوص الصحيحة، وتقديمها كما هي عند المؤلف - بقدر الإمكان - فإن كنت قد أصبتُ في جهدي فهو فضل من الله وتوفيقه، وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان، وأعوذ بالله من شره وهمزه ونفثه.
стр. 14
الخطة العامّة للرسالة
تتكون الرسالة من مقدمة وقسمين:
المقدمة: وهي تشتمل على ما يلي:
- أهمية تحقيق هذا الكتاب.
- سبب اختيار الموضوع.
- بعض الصعوبات التي واجهها المحقق.
- خطة الرسالة العامة.
القسم الأول: الدراسة
وهذا القسم يشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: نبذة مختصرة عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني ويشتمل على المباحث التالية:
١ - اسمه ونسبه ومولده ووفاته.
٢ - نشأته وطلبه العلم.
٣ - شيوخه وتلامذته.
٤ - ثناء الأئمة عليه.
٥ - منزلته العلمية.
٦ - مؤلفاته: - كتب ظاهر الرواية.
- أسانيد كتب الإمام محمد.
الفصل الثاني: ترجمة الإمام قاضي خان
ويحتوي على المباحث التالية:
١ - حياته الذاتية:
اسمه ونسبه ولقبه ومولده وموطنه ووفاته
стр. 15
٢ - نشأته وأسرته وطلبه للعلم.
٣ - عصره وما تميز به:
دراسة موجزة عن عصر المؤلف، والحالة السياسية والاجتماعية والعلمية في عصره باختصار.
٤ - شيوخه وتلاميذه.
٥ - منزلته الفقهية.
٦ - مؤلفاته.
الفصل الثالث: الزيادات وشرحه لقاضي خان:
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: كتاب الزيادات للشيباني:
ويحتوي على نقاط تالية:
١ - "الزيادات" من كتب ظاهر الرواية
٢ - نسخ الزيادات في مكتبات العالم
٣ - مرتّب الزيادات
٤ - موضوع الزيادات ومحتواه.
٥ - أسلوب الكتاب ومنهجه.
٦ - شروح الزيادات.
المبحث الثاني: نبذة عن الكتاب "شرح الزيادات".
ويشمل على مباحث:
١ - عنوان الكتاب ونسبته إلى المؤلف.
٢ - أهمية الكتاب ومنزلته العلمية.
٣ - منهج المؤلف في شرح الكتاب.
٤ - تقويم الكتاب:
(أ) محاسن الكتاب.
стр. 16
(ب) الملحوظات على الكتاب.
٥ - مصادر الكتاب التي اعتمد عليها الشارح.
٦ - وصف نسخ المخطوط.
القسم الثاني التحقيق:
المنهج المتبع في تحقيق المخطوط:
حققت الكتاب من أوله إلى آخره، وقد سرتُ في تحقيق هذا الكتاب على ضوء المنهج التالي:
أولا: إخرج نصّ الكتاب على أقرب صورةٍ وضَعَه عليها المؤلف، وذلك باتخاذ الخطوات التالية:
(أ) تمّ اختيار نسخة مكتبة فيض الله آفندي لتكون أصلا، لكمالها وأقدميتها وأنها نُسِخت من أصل المصنف، وفي حياته وفي بلده، كما تم اختيار أربع نسخ أخرى للمقابلة.
(ب) اعتماد النسخة الأصلية والمحافظة على نصّها، إلا إذا تبيّن أن هناك خطأ واضحا لا يستقيم معه الكلامُ أو نقصا يحسن إثباته، فصوّبته وأثبتته من النسخ الأخرى، وجعلته بين معكوفتين وأشرت إلى ذلك في الهامش.
(ج) قابلت النسخة المعتمدة بسائر النسخ المختارة، وأثبتت الاختلاف بين النسخ في الهامش، وحاولت كل الجهد لإخراج نص صحيح سليم.
ثانيا: كتبت النص وفقَ قواعد الإملاء الحديثة، مع وضع علامات الترقيم المتعارف عليها، وضَبطتُ ما يحتاج ضبطُه.
ثالثا: عزوت الآيات إلى مواضعها في القرآن الكريم مع ضبطها بالشكل.
رابعا: خرّجت الأحاديث والآثار معتمِدا بذكر الكتاب والباب ورقم الحديث في الكتب التي يوجد فيها ذلك، ورقم الجزء والصفحة في غيرها، وراعيت فيها الاختصار تجنبا عن الإطالة. وقد اجتهدت في تخريج الحديث قدر الإماكن حسب النص الذي ذكره المؤلف أو أقربَ نص له، فإن وجدت الحديث مع اختلاف في اللفظِ لا يغيّر المعنى اكتفيت بتخريجه غالبا لأن المؤلف قد يذكر الحديث بالمعنى، فإن كان الاختلاف يغيّر المعنى ذكرت
стр. 17
النص مع التخريج.
خامسا: أرجعت المسائل الأساسية الكثيرة إلى مظانها قدر الإمكان، ووثّقتها من المراجع المعتمدة، وقد بذلت أقصى جهدي لأجل ذلك، ولا يخفى أن هذه المسائل، من الصعب توثيقها لنُدرتها ودقّتها، وبما أن هذا الكتاب في ذاته مصدر موثوق عند الفقهاء، اكتفيت بتوثيق المسائل الرئيسية في الباب التي تتفرّع عليها الجزئيات المتناثِرة.
سادسا: وثّقت القواعد والضوابط الفقهية من مصادرها المعتمدة قدر الإمكان.
سابعا: وثقت المذاهب الفقهية من مصادرها الأصلية.
ثامنا: استكملت آراء الفقهاء من المذاهب الأربعة في المسائل التي ذكر المؤلف فيها خلافا.
تاسعا - بيّنت معاني المصطلحات الفقهية والأصولية الدقيقة، وبما أن هذا الكتاب يعتبر مرجعا للمتمرّسين في الفقه، فاستغنيت عن بيان المصطلحات المعروفة لدى عامّة أهل العلم.
عاشرا: شرحت الألفاظ المبهمة والكلماتِ الغريبة شرحا موجَزا.
الحادي عشر: علّقت على المواضع التي أرى أنها بحاجة إلى مزيد إيضاح وبيان، بخاصة عند عرض القواعد والضوابط الفقهية.
الثاني عشر: ترجمت الأعلام الواردة في الكتاب بإيجاز.
الثالث عشر: عرّفت الأماكن والبلدان الغير معروفة.
الرابع عشر: وضعت الفهارس الفنية لما احتواه القسم المحقق.
وتشمل ما يلي:
١ - فهرس الآيات القرآنية.
٢ - فهرس الأحاديث والآثار.
٣ - فهرس القواعد والضوابط الفقهية التي استخلصتها من شرح الزيادات، ورتّبته على ترتيب أبجدي حتى بلغت (١٠٤٥) قاعدة أو ضابطة فقهية، وهذا يعتبر خلاصة وثمرة جهود الإمام قاضي خان في مجال التأصيل، كما أنه لبّ وجوهر ثمين للكتاب.
стр. 18
٤ - فهرس الفروق الفقهية. ولقد اعتنيت بهذا الفهرس لما أنه جانب علميّ متميّز للكتاب، وقد اهتمّ بها الإمام محمد الشيباني وقاضي خان رحمهما الله.
٥ - فهرس الأعلام المترجم لها في قسم الدراسة.
٦ - فهرس الأعلام الواردة في الكتاب.
٧ - فهرس الكتب الواردة في الكتاب.
٨ - فهرس الأماكن والبلدان.
٩ - فهرس الأشعار.
١٠ - فهرس المصادر والمراجع للتحقيق.
١١ - فهرس محتويات الكتاب. اعتنيت بإعداد فهرسة المسائل والفوائد العلمية مفصّلةً لزيادة الفائدة المرجوة، وتيسير الاستفادة من هذا المرجع العلمي الشامخ.
شكر وتقدير:
وأخيرا أشكر الله على ما منّ عليّ ووفقني لإكمال هذه الرسالة، ولولا فضل الله على ورحمته لما تمكّنت منه، ويطيب لي ويسرني - وقد انتهيت من رسالتي هذه - أن أتقدم بالشكر والتقدير إلى كل من أسهم في إنجاز هذه الرسالة، وأوّل من أخصّ بالشكر والعرفان شيخي الفاضل، الأستاذ الدكتور مساعد بن قاسم الفالح/ حفظه الله ورعاه لتوليه الإشراف على هذه الرسالة، والذي منحني الشيء الكثير من وقته وجهده، وأمدّني بعلمه وخبرته ما سهّل عليّ الكثير من صعوبات الرسالة ومشاقّها، فلا أملك له إلا الدعاء، فجزاه الله عني خير الجزاء، وله مني كل تقدير واحترام بالغ.
كما أتقدم بالشكر والامتنان إلى المسؤولين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، هذا الصرح العلمي الشامخ الذي يحتضن الطلاب من أرجاء المعمورة، وتوفّر لهم كافة السبل والوسائل لينهلوا من مَنهله الدفّاق، وإلى كلية الشريعة ممثلة في عميدها ووكيلها ورئيس قسم الفقه/ حفظهم الله جميعًا، لما بذلوه من خدمات وجهد في سبيل إنجاز هذه الرسالة، ولما يقدمون من تسهيلات للعلم وطلابه.
стр. 19
ولا يفوتني أن أشكر المسئولين في الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد لما أتاحوا لي هذه الفرصة الثمينة، ووافقوا على إيفادي إلى جامعة الإمام بالرياض، أسأل الله أن يُجزل لهم المثوبةَ على ما قدموا للعلم وطلابه.
كما لا يفوتني أن أتقدم بعميق شكري وامتناني إلى جميع أساتذتي وإخواني وأهلي وأقاربي الذين كانت لهم يد العون لإنجاز هذه الرسالة، وأخصّ بالذكر هنا فضيلة الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي حفظه الله، الذي له فضل كبير في اختيار هذا الموضوع، واستفدت من سعة علمه وتحقيقاته القيّمة ونصائحه الغالية طوال هذه الفترة، فللجميع مني خالص الحب والتقدير والاحترام، وجزاهم الله كلّ خير، وأدّخر شكري لهم دعوات في ظهر الغيب إلى رب السموات والأرض.
ولله الحمد والشكر من قبلُ ومن بعدُ على ما يسّره من إنجاز هذه الرسالة على هذا الوجه.
وفي الختام أسأل الله العلي القدير وباسمه العظيم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني ويجعله في ميزان حسناتي يوم القيامة، ويرزقني العلم النافع والعمل الصالح، إنه جواد كريم. ولله الحمد في الأولى والآخرة، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وصلّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
стр. 20
القسم الدراسي
الفصل الأول
نبذة مختصرة عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني صاحب "الزيادات"
ويشتمل على المباحث التالية:
١ - اسمه ونسبه ومولده.
٢ - نشأته وطلبه العلم.
٣ - شيوخه وتلامذته.
٤ - منزلته العلمية.
٥ - وفاته.
٦ - مؤلفاته.
- كتب ظاهر الرواية.
- أسانيد كتب الإمام محمد.
стр. 21
الفصل الأول نبذة مختصرة عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني
اسمه ونسبه ومولده:
هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني. واكتفى المترجمون له في بيان نسبه بهذا القدر فقط.
أما نسبته إلى "شيبان" (١)، فالذي يفيده أكثر كتب التراجم هو أنه منهم بالولاء (٢)، ويرى بعض أنه ينتمي إلى شيبان نسبًا، كما ذكر الإمام عبد القاهر البغدادي الشافعي (٤٢٩ هـ) في كتابه "التحصيل في أصول الفقه" (٣)، واختاره ابن الأثير الجزري في كتابه "اللباب" حيث قال في ترجمة الإمام محمد: "وهو أيضًا نسبة إلى الجد وهو أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن مخلد بن شيبان النيسابوري المخلدي الشباني نسبة إلي جده (٤). وأقرّه الحافظ السيوطي (٩١١ هـ) في "جزيل المواهب" (٥).
_________
(١) "الشيباني": بفتح الشين وسكون الياء المعجمة وفتح الباء، نسبة إلى بني شيبان بن ذهل بن ثعلبة قبيل كبير من بكر بن وائل، ينسب إليه خلق كثير من الصحابة والتابعين والأمراء والعلماء من كل فن، والذي ازدهر في تاريخ الفقه الإسلامي بإثنين من الأئمة العظام في الفقه والحديث، هما الإمام محمد بن الحسن الشيباني، والإمام أحمد بن حنبل الشيباني. "اللباب في تهذيب الأنساب" لعز الدين بن الأثير الجزري، ٢/ ٢١٩.
(٢) انظر: "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" للصيمري ص ١٢٠، "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩، "تاريخ بغداد" ٢/ ١٧٢، "الوافي بالوفيات" للصفدي، ٢/ ٣٣١، "تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس" للديار بكري ٢/ ٣٣٣، "الأعلام" للزركلي ٦/ ٨٠، "معجم المؤلفين" ٩/ ٢٠٨، "بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" للكوثري ص ٤.
(٣) انظر الأعلام للزركلي ٤/ ٤٨.
(٤) "اللباب في تهذيب الأنساب" لابن الأثير الجزري، ٢/ ٢١٩.
(٥) "جزيل المواهب في اختلاف المذاهب" ق/ ٨ ب، مخطوط بمكتبة دار العلوم ندوة العلماء =
стр. 22
أما أصله: فقيل هو من دمشق من قرية تسمى حرستا. (١) وقيل أصله من الجزيرة، وأن أباه كان في جند الشام فقدم واسطا بالعراق وفيها ولد له محمد. (٢) وقيل: هو مولى لبني شيبان، وأصلهم من قرية بين فلسطين والرملة، ثم انتقلوا إلى الكوفة (٣)، وقيل: أصله من قرية قرب الرملة. (٤) وأكثر المترجمين له على القول الأول.
أما مولده المكاني فإنه ولد بواسط بالعراق بعد انتقال والده إليها، ولا أعلم خلافا بين المترجمين في هذا. (٥)
وأما مولده الزماني: فمختلف فيه: فقيل: سنة إحدى وثلاثين ومائة من الهجرة. (٦) وقيل: سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وهو الذي عليه جمهور المؤرخين (٧).
وقال ابن عبد البر: سنة خمس وثلاثين ومائة. (٨)
_________
= الهند، الحديث برقم ٧٦٨.
(١) انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٧٢، مناقب أبي حنيفة لموفق بن أحمد المكي الكردري ٢/ ٤١٩، الجواهر المضية في طبقات الحنفية ٣/ ١٢٣، تاج التراجم ص ٢٣٧ طبقات الفقهاء لطاش كبرى زاده ص: ١٧، الأعلام ٦/ ٨٠، معجم المؤلفين ٩/ ٢٠٧.
(٢) انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي، الجزء الأول من القسم الأول ص ٨٠ - ٨١، الفوائد البهية في تراجم الحنفية ص: ١٦٣، بلوغ الأماني ص: ٤ - ٥.
(٣) انظر: "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" ص: ١٢٦، "مفتاح السعادة ومصباح السيادة" لطاش كبرى زاده، ٢/ ٢٤١.
(٤) انظر: "بلوغ الأماني"، للشيخ محمد زاهد بن الحسن الكوثري، ص ٤.
(٥) انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٧٢، مناقب أبي حنيفة ٢/ ٤١٩، الفهرست ص: ٢٥٧.
(٦) انظر: الانتفاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء ص: ١٧٤ الأعلام ٦/ ٨٠.
(٧) انظر مثلا: تاريخ بغداد ٢/ ١٧٢، مناقب أبي حنيفة ٢/ ٤٢٠، تهذيب الأسماء واللغات الجزء الأول من القسم الأول ص: ٨١، مفتاح السعادة ومصباح السيادة ٢/ ٢٤٢ طبقات الفقهاء لطاش كبرى زاده ص: ١٧، تاريخ التراث العربي، المجلد الأول الجزء الثالث ص: ٥٤.
(٨) الانتفاء ص ١٧٤. وقد قال الكوثري: إن هذا سهو محض، بلوغ الأماني ص: ٥.
стр. 23
نشأته واتصاله بحلقة الإمام أبي حنيفة:
أما نشأته، فقد كانت في الكوفة، حيث تلقى العلم على فقهاءها المشهورين، وقد كان أبوه ثريا، فنشأ محمد نشأة سعيدة، وكان ذكيا، قويّ الذاكرة، سريع الخاطر، جميل الخِلق والخُلق، سمينا خفيف الروح، ذا صحة وقوة. (١)
وجاء في وصفه أن أباه قدم به إلى الإمام أبي حنيفة، فقال الإمام لوالده: احلق رأسه وألبسه الخُلقان (٢) ففعل، فزاد عند الحلق جمالا. (٣) ومنذ أن بلغ سن التمييز تعلم القرآن وحفظ منه ما تيسر له حفظه، وبدأ يحضر دروس اللغة العربية والحديث في الكوفة التي كانت تزخر بكثير من العلوم كالحديث والفقه وعلوم اللغة العربية ونحوها. (٤)
وذكر محمد زاهد الكوثري: أن محمدا لما بلغ أربع عشرة سنة حضر مجلس أبي حنيفة ليسأ له عن مسألة نزلت به، فسأله قائلا: ما تقول في غلام احتلم بالليل بعد ما صلى العشاء هل يعيد العشاء؟ قال: نعم، فقام وأخذ نعله وأعاد العشاء في زاوية المسجد. وهو أول ما تعلم من أبي حنيفة، فلما رأه يعيد الصلاة أعجبه ذلك، وقال: إن هذا الصبي يفلح إن شاء الله تعالى، وكان كما قال. (٥) ثم ألقى الله سبحانه في قلبه حب التفقه في دين الله بعد أن رأى جلال مجلس الفقه فعاد إلى المجلس يريد التفقه. (٦)
_________
(١) انظر الفهرست لابن النديم ص: ٢٥٧، تاج التراجم ص: ٢٣٧، طبقات الفقهاء لطاش كبرى زاده ص: ١٧، بلوغ الأماني ص: ٥.
(٢) الخُلقان، جمع الخَلَق، وهو البالي من الثياب والجلد وغيرها. والمقصود به هنا هو الثياب البالي. انظر: القاموس المحيط، باب القاف، فصل الخاء ص ١١٣٧، المعجم الوسيط، مادة (خلق) ١/ ٢٥٢.
(٣) انظر: مناقب أبي حنيفة ٢/ ٤٢٠.
(٤) انظر: بلوغ الأماني ص: ٥.
(٥) انظر القصة في مناقب أبي حنيفة للكردري ٢/ ٤٢٨ ففيه بيان مجيئه إلى الإمام وسؤاله وجواب الإمام له.
(٦) بلوغ الأماني في سيرة محمد بن الحسن الشيباني ص ٥ - ٦.
стр. 24
وسأله أبو حنيفة عن مسألة كانت أكبر من مستوى سِنّه وثقافته بدليل أن أبا حنيفة قال له: أأخذتَ هذه المسألة من غيرك أم أنشأتها من نفسك؟ فقال محمد: من عندي، فقال أبو حنيفة: "سألت سؤال الرجال، أدِم الاختلاف إلينا وإلى الحلقة" (١).
وأخذ محمد بعد هذا يديم الاختلاف إلى حلقة أبي حنيفة، وكانت طريقة هذا الإمام في تعليم تلاميذه تقوم على منهج يربّي ملكةَ البحث والتفكير والمناظرة، فهو لايلقي آراءه إلقاءً، ولكنه كان يشير المسائل، ثم يشرك تلاميذه في تمحصيها ومناقشتها، ولا يسمح بتدوينها إلا بعد الاتفاق على رأي فيها، وفي هذا الجو العلمي المثمر كانت مواهب محمد الشيباني تتجلى كل يوم.
مشايخه في الفقه والحديث:
تبين مما سبق أن الإمام محمد الشيباني بدأ حياته الفقهية بحضور حلقات الإمام أبي حنيفة، وبعد وفاته تفقّه بأبي يوسف، ثم رحل إلى الإمام مالك وسمع منه الموطأ، فهؤلاء الأئمة الثلاثة هم أبرز أساتذة الإمام محمد، ثم كثر مشايخه وتنوعت ثقافته، وسمع منهم سماعا كثيرا (٢)، أذكر بإيجاز فيما يلي بعض شيوخه الذين لهم أكبر الأثر في تدوين شخصية محمد العلمية، لتتبين مصادر تلقي العلم للإمام محمد.
١ - الإمام أبو حنيفة (١٥٠ هـ): هو "الإمام العَلَم" (٣)؛ "فقيه الملة" (٤) النعمان بن ثابت بن زَوْطي، الكوفي، مولى بني تَيم بن ثعلبة.
وُلد في زمن جماعة كثيرة من الصحابة ﵃ (٥)، ورأى أنس بن مالك غير
_________
(١) "مناقب الإمام الأعظم" ٢/ ١٥٥، "بلوغ الأماني" ص ٦.
(٢) "الأنساب" للسمعاني، ٧/ ٤٣٣.
(٣) "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، للذهبي، ١٤١ - ١٦٠ هـ، ص ٣٠٥.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٠، ودول الإسلام ١١/ ١٠٣.
(٥) "عقود الجمان في مناقب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان" لمحمد بن يوسف الصالحي الشافعي، ص ١٧٩.
стр. 25
مرة بالكوفة إذ قدمها أنس (١).
وروى عن عطاء بن أبي رباح، وهو أكبر شيخ له وأفضلهم، وروى عن الشعبي، وعبد الرحمن بن هُرمز الأعرج وعمرو بن دينار، وعطية العوفي، وابن شهاب الزهري، وعطاء بن السائب، وهشام بن عروة وحماد بن أبي سليمان وبه تفقه، وخلقٍ كثير (٢).
وعُني بطلب الآثار، وارتحل في ذلك؛ وأما الفقه والتدقيق في الرأي وغوامضه، فإليه المنتهى والناس عليه عيال (٣)، وهذا مستفاد من قول الإمام الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة (٤).
وقال الإمام الذهبي: "الإمامة في الفقه ودقائقه مسلّمة إلى هذا الإمام، وهذا أمر لا شك فيه". "وكان من أذكياء بني آدم، جمع الفقه والعبادة والورع والسخاء" (٥).
تفقه به جماعة من الكبار، منهم: زفر بن الهذيل، وأبو يوسف القاضي، وابنه حماد بن أبي حنيفة، والحسن بن زياد اللؤلؤي، ومحمد بن الحسن، وأسد بن عمرو القاضي، والقاسم بن معن، وروى عنه من المحدثين والفقهاء عدّة لا يُحصون.
وقال يحيى بن معين: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدّث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدّث بما لا يحفظه (٦). وقال يحيى بن سعيد القطّان: "لا نكذب الله، ما سمعنا أحسن من رأي أبي حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله" (٧). وعن ابن المبارك قال: "ما رأيت رجلا أوقر في مجلسه ولا أحسن سمتًا وعلمًا من أبي حنيفة" (٨).
_________
(١) "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام"، للذهبي ص ٣٠٦.
(٢) انظر: "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٢.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٢.
(٤) المصدر السابق ٦/ ٤٠٣.
(٥) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٤٠٣. "العِبَر في خبر من عَبَر"، للذهبي ١/ ١٦٤.
(٦) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٩٤.
(٧) "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٤٠٢.
(٨) "تاريخ الإسلام"، للذهبي ص ٣١٢.
стр. 26
وكان خزّازًا ينفق من كسبه ولا يقبل جوائز السلطان تورعًا، وله دار وصُنّاع ومعاش متّسع، وكان معدودًا من الأجواد والأسخياء، والأولياء الأذكياء، مع الدين والعبادة والتهجد وكثر التلاوة وقيام الليل ﵁ (١).
والإمام محمد الشيباني كان من أجل تلامذته لتأثره بإمامه، لا سيما في طرق الاستنباط وتفريع المسائل، فكان يوافق شيخَه في أغلب المسائل ويخالفه في بعضها.
ومحمد في فترة تلمذه للإمام أبي حنيفة لم يكن يكتفي بالسماع والمشاركة في تحقيق المسائل، فقد كان مع هذا يدوّن ويسجّل ويحرص على ذلك حرصًا شديدًا، وكان لذلك أثر كبير في حياة محمد الباكرة بما قام به بعد أن استحصد علمه بتدوبن الفقه وتصنيفه في سورة لم يسبق بها، وكانت نبراسًا لسائر الفقهاء من بعده.
قال زفر: كنا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فكنا نكتب عنه، فقال يومًا لأبي يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب ما تسمعه مني فإني قد أرى الرأي اليوم فأتركه غدًا، والرأي غدًا فأتركه بعد غد (٢).
وكان أبو حنيفة وهو الأستاذ الذي اهتم بتربية الرجال أكثر من اهتمامه بتأليف الكتب - يؤثر تلميذه بمزيد من رعايته وحدبه، وهكذا قامت الصلة بين الأستاذ والتلميذ على التقدير والحب والرعاية والعطف، تخلّف محمد عن الحلقة يومًا، وعرف الأستاذ أن تلميذه مريض فذهب يعوده (٣)، ومرض أبو يوسف مرضًا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة وكان معه تلميذه محمد (٤).
٢ - الإمام محمد بن يوسف (١٨٣ هـ): هو يعقوب بن إبراهيم، الإمام المجتهد المحدث، قاضي القضاة، ولد في الكوفة سنة ١١٣ هـ. وحدّث عن هشام بن
_________
(١) "تاريخ الإسلام"، للذهبي ص ٣٠٦.
(٢) "تاريخ بغداد" ١٣/ ٤٠٢، وانظر "حسن التقاضي في سيرة الإمام أبي يوسف القاضي" للشيخ الكوثري ص ١٢، ط/ الخانجي.
(٣) مناقب الكردري ٢/ ١٥٥.
(٤) تاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٦.
стр. 27
عروة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وأبي حنيفة، ولزمه وتفقّه به، وهو أنبل تلامذته وأعلمهم، وعن أبي يوسف: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنه (١).
وحدّث عنه يحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن الجعد، وأسد بن الفرات، وأحمد بن منيع … وعدد كثير.
وقال أحمد بن حنبل: "أول ما كتبت الحديث اختلفتُ إلى أبي يوسف". وعن ابن معين: "أبو يوسف صاحب حديث، صاحب سُنَّة (٢). وقال النسائي: "أبو يوسف القاضي ثقة (٣).
وقال محمد بن الحسن: "مرض أبو يوسف في زمن أبي حنيفة مرضًا خيف عليه منه، فعاده أبو حنيفة ونحن معه، فلما خرج من عنده وضع يديه على عتبة بابه، وقال: إن يمت هذا الفتى فإنه أعلم من عليها، وأومأ إلى الأرض (٤). ومما يدل على عظيم شغفه بالعلم أنه اشتغل به إلى أن لفَظَ نَفَسه الأخير. قاله الإمام السرخسي (٥).
وكان قد سكن بغداد وتولّى القضاء بها لثلاثة من الحلفاء: المهدي وابنه الهادي ثم هارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجلّه، وهو أول من دُعي بقاضي القضاة (٦).
روى الشيخ زاهد الكوثري عن إسماعيل بن حماد أنه قال: "كان محمد بن الحسن يبكر إلى مجلس الحديث ونبكر إلى أبي يوسف، فيجيء وقد مضت المسائل، ونحن
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٨/ ٤٧٠.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ٨/ ٤٧٠.
(٣) مقدمة "إعلاء السنن" ٣/ ٧١.
(٤) "وفيات الأعيان، لابن خلكان" ٦/ ٣٨٢.
(٥) يرجع للتفصيل "المبسوط" ٤/ ٢٣، "الطبقات السنية" ١/ ١٩٠.
(٦) المصدر السابق ٦/ ٣٧٩. وقال الخطيب في تاريخ: "وهو أول من دُعي بقاضي القضاة في الإسلام". ١٤/ ٢٤، وانظر: "مجموع فتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية ٢٠/ ٣٠٤، و"الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار" لدكتور حسن الباشا ص ٤٢٤.
стр. 28
نتحدث، فيعيد عليه أبو يوسف ما مضى، فجاء يومًا ونحن نتحدث، فسأله أبو يوسف عن مسألة مرت من المسائل، فأجاب محمد عنها بخلاف ما مضى، فقال أبو يوسف ليس هذا الجواب، فتنازعا فيها، فقال محمد: "ليس هذا قوله، إلى أن دعا بالكتاب فإذا الجواب كما قال محمد بن الحسن. قال أبو يوسف هكذا يكون الحفظ (١).
٣ - الإمام مالك (١٧٩ هـ): هو شيخ الإسلام، إمام دار الهجرة، أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر … الأصبحي المدني. كان فقيهًا محدثًا يعد من التابعين، وكانت أمه قد حملت به لمدة سنتين ولد في سنة ٩٣ هـ، عام موت أنس خادم رسول الله ﷺ .
وطلب العلم وهو حَدَث ابن بضع عَشْرة سنة … فأخذ عن نافع، وسعيد المقبُري، وعامر بن عبد الله بن زبير، وابن المنكدر، والزهري، وعبد الله بن دينار، وخلق كثير جدًّا، كما يظهر من "الموطأ".
وتأهّل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وحدّث عنه جماعة وهو شاب طريّ، وقصده طلبة العلم من الآفاق، وحدّث عنه شيوخه: عمّه أبو سُهَيل، ويحيى بن أبي كثير، والزهري، ويحيى بن سعيد وغيرهم. ومن أقرانه: مَعْمَر، وابن جُريج، وأبو حنيفة، وعمرو بن الحارث، وشعبة، والثوري، والليث، وسفيان بن عُيَينة، وأبو إسحاق الفَزاري، ومحمد بن الحسن الفقيه، وعبد الرحمن بن القاسم … وغيرهم (٢).
ومن كلمات الأئمة في الثناء عليه: قال ابن عيينة: مالك عالم أهل الحجاز، وهو حجّة زمانه. وقال الشافعي - وصَدَق وبرَّ -: إذا ذكُر العلماء فمالك النجم (٣).
ولم يكن بالمدينة عالم من بعد التابعين يشبه مالكًا في العلم، والفقه، والجلالة، والحفظ. وما زال العلماء قديمًا وحديثًا لهم أتمّ اعتناء برواية "الموطأ" ومعرفته، (٤). ورواية
_________
(١) "بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" ص ٣٥.
(٢) سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨ - ٥٥.
(٣) سير أعلام النبلاء ٨/ ٥٧ - ٧٠.
(٤) سير أعلام النبلاء ٨/ ٨٥.
стр. 29
الإمام محمد للموطأ هي من أحسن الروايات من بين عدة روايات ضبطًا وصحة.
توفي سنة (١٧٩ هـ). ودُفن بالبقيع، ﵀ رحمة واسعة (١).
٤ - ابن جُريج المكّي (١٥٠ هـ): عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، الإمام، الحافظ، شيخ الحرم، أبو خالد، القرشي، الأموي، المكي، صاحب التصانيف (٢).
حدّث عن عطاء بن أبي رباح فأكثر وجوّد، وعن ابن أبي مُلَيكة، ونافع مولى ابن عمر وميمون بن مِهْران وعمرو بن دينار، وابن المنكدر. وحدّث عنه: الأوزاعي، والليث، والسفيانان، وابن عليّة، ويحيى بن سعيد القطّان، ويحيى بن أبي زائدة، ووكيع، وعبد الرزاق بن همّام، وأمم سواهم (٣)، ومنهم الإمام محمد الشيباني (٤).
قال الذهبي: قد قدم عبد الملك بن جُريج إلى العراق قبل موته، وحدّث بالبصرة، وأكثر، ويبدو أن الإمام محمّدًا رحل إلى البصرة فسمع منه. توفي سنة (١٥٠ هـ).
٥ - مِسْعَر بن كِدام (١٥٣ هـ): هو مسعر بن كدام بن ظُهَيْر بن عُبَيْدة بن الحارث، الإمام الثبْت، شيخ العراق، أبو سَلَمَة الهلالي الكوفي، الحافظ.
قال أحمد بن حنبل: الثقة كشعبة ومسعر. وقال وكيع: شك مسعر كيقين غيره (٥).
روى عن عديّ بن ثابت، وعمرو بن مُرّة، وقتادة بن دِعامة، وسعيد بن إبراهيم، وزياد بن علاقة، وسعيد بن أبي بردة، … وخلق كثير. وروى عنه سفيان بن عيينة، ويحيى القطّان، وسليمان التَّيْمي، وابن المبارك، ومحمد بن بِشر، ويحيى بن آدم … وخلق سواهم (٦). وسمع منه الإمام محمد أيضًا (٧).
_________
(١) انظر: المصدر نفسه ٨/ ١٣٠ - ١٣٢.
(٢) المصدر نفسه ٦/ ٣٥٢.
(٣) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٢٦، ٣٧٢.
(٤) انظر "الطبقات" لابن سعد ٧/ ٣٣٦، ترجمة الإمام محمد.
(٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٦٤، ١٦٦، ١٦٧، ١٧٣.
(٦) المصدر نفسه ٧/ ١٦٣ - ١٦٤.
(٧) انظر "الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٣، "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص: ٧٩.
стр. 30
٦ - عمر بن ذَرّ الهمداني (١٥٣ هـ): ابن عبد الله بن زرارة، الإمام الزاهد العابد، أبو ذر الهمداني، الكوفي (١).
وثّقه النسائي ويحيى بن معين والدارقطني، واحتج به البخاري دون مسلم (٢).
وقد حدّث عن أبيه، وأبي وائل، ومجاهد، وسعيد بن جُبير، ومعاذة العدوية، وعطاء بن أبي رباح. وروى عنه: ابن المبارك، ووكيع، وإسحاق الأزرق، ويونس بن بُكير، وابن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي، والخُرَيبي، وروى عنه أبو حنيفة مع تقدمه. ومن جملة من تلقّى عنه محمد بن الحسن الشيباني (٣).
٧ - مُحِلّ بن مُحْرِز الضَّبِّيّ الكوفي (١٥٣ هـ): روى عن أبي وائل وإبراهيم النخعي وعامر الشعبي، وروى عنه يحيى القطان وجرير ووكيع، وعلي بن مسهر، وخلاد بن يحيى، ومنهم الإمام محمد أيضًا (٤).
٨ - الأوزاعي (١٥٧ هـ): هو عبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد، شيخ الإسلام، وعالم أهل الشام، أبو عمرو الأوزاعي. وكان مولده في حياة الصحابة، سنة (٨٨ هـ) في مدينة بعلبك (٥). أحد الأئمة المجتهدين وبن أفاضل المحدثين.
حدّث عن: عطاء بن أبي رباح، وأبي جعفر الباقر، وعمرو بن شعيب، ومكحول، وقتادة، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، ومحمد بن سيرين، وابن المنكدر، وميمون بن مهران، ونافع مولى بن عمر، والوليد بن هشام، وخلق كثير من التابعين وغيرهم.
روى عنه: ابن شهاب الزهري ويحيى بن أبي كثير - وهما من شيوخه - وشعبة والثوري ومالك وسعيد بن عبد العزيز وابن المبارك وأبو إسحاق الفزاري والوليد بن مسلم
_________
(١) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٨٥، وتاريخ الإسلام ص ٥٣٧.
(٢) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٨٦، ٣٨٨.
(٣) انظر "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص ٣٦١، ترجمة الإمام محمد، و"الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٣، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩.
(٤) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد ٧/ ٣٣٦، ترجمة الإمام محمد.
(٥) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٧ - ١٠٩.
стр. 31
وخلق كثير (١). ومن تلاميذه الإمام محمد بن الحسن (٢) أخذ عنه فقه أهل الشام.
وكان له مذهب مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة وفقهاء الأندلس، ثم فني (٣). وكان رأسًا في العلم والعمل، وجَمَّ المناقب، ومع علمه كان بارعًا في الكتابة والترسّل.
قال الوليد بن مسلم: "ما رأيت أكثر اجتهادًا في العبادة من الأوزاعي". وقال أبو مسهر: "كان يحيى الليل صلاةً وقرآنًا وبكاءً". وقال النووي: "أجمع العلماء على إمامة الأوزعي وعلو مرتبته" (٤). وقال الإمام مالك: "كان الأوزاعي إمامًا يقتدى به" (٥).
٩ - عبد الله بن المبارك: هو عبد الله بن المبارك أبو عبد الرحمن المروزي مولى بني حنظلة، ولد سنة (١١٨ هـ) (٦)، وتوفي في العراق سنة (١٨١ هـ) (٧).
طلب العلم والحديث، وطاف البلاد مشرقا ومغربا يجمع الحديث ويأخذ عن شيوخ الأمصار، أخذ عن هشام بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد، وسليمان الأعمش، وسليمان التيمي وحميد الطويل، وعبد الله بن عون، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومعمر بن راشد، وابن جريج، وابن أبي ذئب، ومالك، والثوري، وشعبة، والأزواعي، والليث (٨).
ومن أشهر من أخذ عنه العلم: داود العطار، وسفيان بن عيينة، وأبو إسحاق
_________
(١) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٠٨.
(٢) انظر: "تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص ٣٦١، "الأنساب" للسمعاني ٧/ ١١٧، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩.
(٣) سير أعلام النبلاء ٧/ ١١٧، وانظر: "تقريب التهذيب" ص ٣٤٧، برقم ٣٩٦٧.
(٤) "تهذيب الأسماء والصفات" للنووي ١/ ٢٩٩.
(٥) "تاريخ دمشق" لابن عساكر ١٠/ ٢٠٦ المقدمة.
(٦) "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٥٣.
(٧) "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٦٨،، وانظر: "الفكر السامي" ١/ ١٩٨.
(٨) "تذكرة الحفاظ" ١٥٢ - ١٥٣، "الفكر السامي" ٣/ ١٩٣، "تاريخ بغداد" ١٠/ ١٥٥.
стр. 32
الفزاري، ويحيى بن معين، ويعقوب الدورقي، والإمام محمد وغيرهم (١).
قال عنه أحمد بن حنبل: "لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب منه" (٢). وقال عنه ابن معين: "كان متثبتًا ثقة وكان عالمًا صحيح الحديث" (٣). وقال النسائي: "لا نعلم في عصر ابن المبارك أجل من ابن المبارك ولا أعلى منه ولا أجمع لكل خصلة محمودة منه" (٤).
١٠ - مالك بن مِغْول (١٥٩ هـ): ابن عاصم بن غزيّة بن خَرَشة، الإمام، الثقة، والمحدّث، أبو عبد الله البجلي، الكوفي.
حدّث عن الشعبي، وعبد الله بن بُريدة، ونافع العُمَري، وعطاء بن أبي رباح. وروى عنه: شعبة، والثوري، ومسعر، وابن عيينة، وابن المبارك، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم (٥). ومن جملة تلاميذه: الإمام محمد بن الحسن (٦).
قال أحمد: "ثقة، ثبت في الحديث". وقال ابن معين وأبو حاتم: "ثقة" (٧).
١١ - يونس بن أبي إسحاق (١٥٩ هـ): عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، محدّث الكوفة. كان أحد العلماء الصادقين، يُعدّ في صغار التابعين.
حدّث عن أنس بن مالك، وناجية بن كعب، والشعبي، ومجاهد، وأبي بُردة، وأبي بكر ابْنَي أبي موسى الأشعري. وروى عنه: ابنه عيسى، وابن المبارك، ويحيى بن سعيد القطان، ووكيع، وابن مهدي، ويحيى بن آدم، ومحمد بن يوسف الفِريابي، وقبيصة،
_________
(١) "ميزان الاعتدال" ٢/ ١٢٠١١، و"تهذيب التهذيب" ٣/ ١٩٢، "الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي" لمحمد بن الحسن الحجوي ٢/ ١٧٢، ١٩٩، و"تذكرة الحفاظ" ٢٣٧، ٥٠٥.
(٢) "مقدمة إعلام السنن" ٣/ ٨٢.
(٣) "مقدمة إعلام السنن" ٣/ ٨٣.
(٤) "مقدمة إعلام السنن" ٣/ ٨٣.
(٥) سير أعلام النبلاء ٧/ ١٧٤.
(٦) "الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٣، "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩.
(٧) "سير أعلام النبلاء" ٧/ ١٧٤، ١٧٥.
стр. 33
وعلي بن محمد المدائني، وخلق كثير، وهو من بيت العلم والحفاظ (١).
وهو أحد مشايخ الإمام محمد في الحديث (٢). قال عبد الرحمن بن مهدي، والنسائي: "ليس به بأس" (٣).
١٢ - سفيان الثوري (١٦١ هـ): سفيان بن سعيد بن مسروق بن حبيب، شيخ الإسلام، إمام الحفّاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، أبو عبد الله الثوري الكوفي المجتهد، مصنّف كتاب "الجامع".
ومن شيوخ أبي عبد الله: إبراهيم بن ميسرة، وأيوب السختياني، وبُكير بن عطاء، وجعفر الصادق، وحمّاد بن أبي سليمان، وحُمَيد الطويل، وراشد بن كَيْسان، وربيعة الرأي، وجمّ غفير من المحدثين.
وحدّث عنه من القدماء خلق، منهم: الأعمش، وأبان بن تغلب، وابن جريج، وجعفر الصادق، وأبو حنيفة، والأوزاعي، ومسعر، وشعبة، وجرير بن عبد الحميد، وسفيان بن عيينة، وأبو داود الطيالسي (٤). ومن جملة الرواة عنه: الإمام محمد (٥).
أثني عليه الأئمة ثناءً عطرًا، إذ قال شعبة وابن عيينة، وأبو عاصم، ويحيى بن معين وغيرهم: "سفيان الثوري أمير المؤمنين في الحديث" (٦). وقال ابن حجر: هو "ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة" (٧).
١٣ - داود الطائي (١٦٢ هـ): الإمام الفقيه، الزاهد، أبو سليمان، داود بن نُفير
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٦.
(٢) انظر: "الجواهر المضية" ٣/ ٦٥٠ - ٦٥١.
(٣) انظر: "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٦، ٢٧.
(٤) انظر: "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٤، ٢٣٦.
(٥) انظر: "تعجيل المنفعة لزوائد رجال الأئمة الأربعة" لابن حجر ص ٣٦١، ترجمة الإمام محمد، "الأنساب" ٧/ ٤٣٣، و"مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٧٩.
(٦) "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٢٣٦.
(٧) "التهذيب" لابن حجر ص ٢٤٤، برقم ٢٤٤٥.
стр. 34
الطائي، الكوفي. ولد بعد المأة بسنوات، وكان من كبار أئمة الفقه والرأي.
روى عن عبد الملك بن عُمير، وحميد الطويل، وهشام بن عروة وسليمان الأعمش، وجماعة. وحدّث عنه: ابن عُلَيّة، وزافر بن سليمان، ومصعب بن المقدام، وإسحاق بن منصور السلولي، وأبو نُعَيم، وآخرون.
روى الطحاوي بسنده قال: "سمعت إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة، يقول: قال محمد بن الحسن: "كنت أتي داود الطائي، في بيته فأسأله عن المسألة، فإن وقع في قلبه أنها مما أحتاج إليه لأمر ديني، أجابني فيها، وإن وقع في قلبه أنها من مسائلنا هذه، تبسّم في وجهي وقال: "إن لنا شغلًا، إن لنا شغلًا" (١).
وذكر الذهبي في "المناقب" و"التاريخ" قول الإمام محمد: "بلغني أن داود الطائي كان يسأل عني وعن حالي فإذا أخبر قال: "إن عاش فسيكون له شأن" (٢).
وقال الإمام الذهبي: "ومناقب داود كثيرة، كان رأسًا في العلم والعمل" (٣).
١٤ - القاسم بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود ﵁، أبو عبد الله الهذَلي المسعودي الكوفي. الإمام الفقيه المجتهد، قاضي الكوفة، ومفتيها في زمانه، وكان ثقة، نحويًا، أخباريًا، كبير الشأن، لم يأخذ على القضاء معلومًا، نقله أحمد بن حنبل.
وقال أبو حاتم: "ثقة كان أروى الناس للحديث، والشعر، وأعلمهم بالعربية والفقه". قال الذهبي: "كان عفيفًا صارمًا، من أكبر تلامذة الإمام أبي حنيفة".
والإمام محمد يُعتبر من جملة أصحابه (٤). توفّي في سنة (١٧٥ هـ) (٥).
_________
(١) "الجواهر المضية" ٢/ ١٩٤ - ١٩٥، برقم ٥٨٣.
(٢) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبه" ص ٨٠، وانظر "تاريخ الإسلام" ص ٣٦٠، ترجمة محمد بن الحسن.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٤٢٥.
(٤) انظر: "الجواهر المضية" ٢/ ٧٠٨ - ٧٠٩.
(٥) "سير أعلام النبلاء" ٨/ ١٩١.
стр. 35
هؤلاء أشهر أساتذة الإمام محمد، وليس من الميسور الإحاطة بجميع شيوخه في هذا المختصر، والذي يطلع على "الموطأ" برواية الإمام محمد، و"كتاب الآثار"، و"كتاب الحجّة على أهل المدينة" يظهر له وفرة شيوخ الإمام محمد الشيباني، ومكانته في الحديث إلى جانب مكانته في الفقه والاجتهاد، وسرد الشيخ زاهد الكوثري في "بلوغ الأماني" من شيوخ الإمام محمد - غير ما ذكرنا سابقًا - أسماء نحو سبعين شيخًا، فيهم: الكوفي، والبصري، والمدني، والمكي، والواسطي، والشامي، واليمامي، ثم قال: "وغير هؤلاء من أهل تلك البلاد وغيرها، ولم يزهد في الرواية عن أقرانه وعمن هو دونه، كما هو شأن الأكابر في روايتهم عن الأصاغر" (١).
تلاميذه:
لقد أخذ العلم من الإمام محمد خلق كثير من العلماء والأئمة الأعلام، أثرى بهم العلم وانتشر في كل مكان، وأذكر باختصار أشهرهم وأكثرهم أخذا للعلم وتعليما للناس:
١ - الإمام الشافعي: وهو محمد بن إدريس بن العبّاس بن عثمان بن شافع، أبو عبد الله، القُرشي ثم المطلبي الشافعي المكّي، الإمام، عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة. ولد بغَرّة سنة (١٥٠ هـ)، ومات أبوه إدريس شابًا. فنشأ بمكة.
من أجلّ تلامذة الإمام محمد، أشار إليه الذهبي بقوله: "وأفقه أصحاب محمد: أبو عبد الله الشافعي … " (٢).
وأخذ العلم عن: مُسلم بن خالد الزنجي مفتي مكة، وداود بن عبد الرحمن العطّار، وسفيان بن عيينة، وسعيد بن سالم، وفُضيل بن عياض، وعدة.
وارتحل إلى المدينة، - وهو ابن نيف وعشرين سنة وقد تأهل للإمامة، فحمل عن مالك بن أنس "الموطأ" عَرَضه من حفظه وحمل عن إبراهيم بن أبي يحيى فأكثر.
_________
(١) "بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد بن الحسن الشيباني" ص ٧، ٨.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٢٣٦، ترجمة الإمام حماد بن أبي سيمان.
стр. 36
وأخذ باليمن عن مطرِّف بن مازن، وهشام بن يوسف القاضي، وطائفة، وببغداد عن: محمد بن الحسن فقيه العراق، ولازمه وحمل عنه وِقر بعير. وصنّف التصانيف، ودوّن العلم، وصنّف في أصول الفقه وفروعه، وبَعُد صيته، وتكاثر عليه الطلبة (١).
حدّث عنه: الحُميدي، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وأحمد بن حنبل … ، وأبو يعقوب يوسف البُويطي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وحرملة بن يحيى، وإسحاق بن راهويه. يقول الشافعي: "حفظت القرآن وأنا ابنُ سبع سنين، وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشرة".
وقال المبرد: "كان الشافعي من أشعر الناس، وآدب الناس، وأعرفهم بالقراءات". وقال أحمد بن حنبل: "الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه" (٢).
٢ - شعيب الكيساني (٢٠٤ هـ): شعيب بن سليمان بن سليم بن كَيْسان بن شعيب الكيساني، من أصحاب محمد وأبي يوسف. وهو والد سليمان الكيساني.
قال شعيب: "أملى علينا محمد بن الحسن، قال: قال أحد قضاتنا القاسم بن مَعْن: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فجميع ما في البيت بينهما نصفَيْن.
ورى عنه ابنه أنه قال: أملى علينا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما يحفظه، من يوم سمعه إلى يوم يحدث به (٣).
٣ - أبو سليمان الجوزجاني "توفي بعد ٢٠٠ هـ): العلامة الإمام، أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني الحنفي، صاحب أبي يوسف ومحمد. حدّث عنهما، وعن ابن المبارك. وحدث عنه: القاضي أحمد بن محمد البِرتي، وبشر بن موسى، وأبو حاتم الرازي، وآخرون.
كان محدثًا ورعًا فقيهًا عاش للعلم ولازم العلماء، كان صاحب رأي وكان صدوقًا.
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٥ - ٧، ١٢.
(٢) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١١، ١٧، ٤٥، ٥٧، ٨٠، ٨١.
(٣) انظر "الطبقات السنية" ٤/ ٧٣ برقم ٩٦٣، "الجواهر" ٢/ ٢٥٣، برقم ٦٤٦.
стр. 37
عرض عليه المأمون القضاء، فامتنع، واعتلّ بأنه ليس بأهل لذلك، فأعفاه، ونبل عند الناس لامتناعه (١).
وهو راوي كتب محمد بن الحسن الشيباني لاسيما "الأصل" والسير الصغير، وكتاب الرهن، وكتاب الصلاة، وكلها أخذها رواية في شيخه محمد بن الحسن. (٢)
٤ - خلف بن أيوب سنة (٢٠٥ هـ): الإمام المحدّث الفقيه، مفتي المشرق، أبو سعيد العامري البلخي الحنفي الزاهد عالم أهل بلخ (٣) ذكره ابن حِبّان "في الثقات" (٤).
تفقه على أبي يوسف وابن أبي ليلى وزفر ومحمد بن الحسن، وصحب مدةً إبراهيم بن أدهم (٥). وروى عنه الإمام أحمد، وأبو كُريب ويحيى بن معين.
٥ - إبراهيم المروزي (٢١٠ هـ): إبراهيم بن رُستم، أبو بكر، المَرْوزي: أحد الأئمة الأعلام، سمع منصور بن عبد الحميد، وهو شيخ يروي عن أنس بن مالك، وسمع أيضًا مالك بن أنس، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وسفيان الثوري وغيرهم.
سئل عن يحيى بن معين، ققال: "ثقة" (٦).
تفقه على الإمام محمد الشيباني وسمع من مالك وغيره وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أئمة الحديث أمثال أحمد بن حنبل وغيره وعرض عليه المأمون القضاء فأبى.
٦ - أبو يعلى الرازي سنة (٢١١ هـ): معلّى بن منصور الرازي، العلامة، الحافظ، الفقيه، أبو يعلى الحنفي، نزيل بغداد ومُفتيها.
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١٩٤، ١٩٥، ترجمة ١٤٢.
(٢) "الفهرست" لابن النديم ص ٢٩٠، وفي "الفوائد البهية" ص ٢١٦.
(٣) المصدر نفسه ٩/ ٥٤١.
(٤) انظر: "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٤٧.
(٥) انظر: "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٤٧، و"الطبقات السنية" ٣/ ٢٠٩، برقم ٨٣٥، و"الأنساب" للسمعاني، ترجمة الإمام محمد ٧/ ٤٣٤.
(٦) انظر: "الطبقات السنية" ١/ ١٩٤ - ١٩٦، برقم ٣٧، و"الجواهر المضية" ١/ ٨٠، برقم ١٨، و"تاج التراجم" ص ٢ - ٣، و"الفوائد البهية" ص ١٦٧.
стр. 38
وحدّث عن: عكرمة بن إبراهيم الأزدي وشريك القاضي ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وهشيم، والليث بن سعد، وابن المبارك، والقاضي أبي يوسف، وتفقه به مدة، وكتب عنه خلق كثير، وأحكم الفقه والحديث (١). وحدّث عنه: أبو ثور الفقيه، ومحمد بن إسماعيل البخاري في غير "الصحيح"، ويعقوب بن شيبة وخلق كثير.
وقال أحمد بن كامل: "كان معلّى من كبار أصحاب أبي يوسف، ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية" (٢)، وله "كتاب النوادر" رواها عن أبي يوسف ومحمد.
٧ - أسد بن الفرات (٢١٣ هـ): هو الإمام العلامة القاضي الأمير مقدّم المجاهدين أبو عبد الله، أسد بن الفرات بن سنان (٣).
روى عن مالك بن أنس "الموطأ" وعن يحيى بن أبي زائدة (٤)، ثم ارتحل إلى المشرق، فلقي من أصحاب أبي حنيفة أبا يوسف ومحمد بن الحسن، وسمع الفقه بمصر على عبد الرحمن بن القاسم، وعنه دوّن "الأسدية" وقدم بها القيروان، فسمعها خلق كثير، منهم سحنون وغيره، ثم أظهر مذهب أبي حنيفة وأخذه الناس عنه، وانتشرت إمامته (٥).
وكان أسد إمام العراقيين بالقيروان كافة، مشهورًا بالفضل والدين، وبذلك هو يعتبر حاملَ لواء فقه العراقيين، وفقه أهل المدينة بتلك الديار في آن واحد (٦)، ويعتبر أسد بن الفرات من أبرز تلاميذ الإمام محمد بن الحسن من أهل المغرب.
ولما حضر عنده أول مرة قال له: "إني غريب قليل النفقة والسماع منك نذر قليل والطلبة عندك كثر" فقال له الإمام محمد: اسمع مع العراقيين بالنهار وقد جعلت لك الليل
_________
(١) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
(٢) المصدر نفسه ١٠/ ٣٦٨، و"تاريخ بغداد" ١٣/ ١٩٠، و"تهذيب الكمال" للمزي لوحة ١٣٥٣.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٢٢٥.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٢٢٦.
(٥) "معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" لأبي زيد الدباغ وأبي الفضل التنوخي ٢/ ٣ - ٤ - ٥.
(٦) "معالم الإيمان" ٢/ ١٨.
стр. 39
وحدك فتبيت عندي وأسمعك".
قال أسد بن الفرات: "فكنت أبيت عنده وكنت معه في شقته وكان يسكن الدور العلوي فينزل إليّ ويجعل بين يديه قدحًا فيه ماء، ثم يأخذ القراءة فإذا أطال عليه الليل ورآني نعست ملأ يده ونضح في وجهي الماء فأنتبه، فكان ذلك دأبي ودأبه حتى أتيت على ما أريد من السماع" ولهذا يقول الشيخ أسد بن الفرات: "لا أعلم من أئمة العلم من كان يصبر صبر محمد بن الحسن الشيباني في تعليم تلاميذه ولا من يؤثر إيثاره في الإنفاق عليهم خلا أستاذه الأعظم أبي حنيفة النعمان".
وكان شجاعًا حازمًا صاحب رأي. واستعمله زيادة الله الأغلبي على جيشه وأسطوله البحري ووجّهه لفتح جزيرة صقلية عام ٢١٢ هـ على رأس عشرة آلاف جندي فدخلها فاتحًا، وتوفي إثر جراحات أصابته وهو يحاصر سركوسة عام ٢١٣ هـ، ودفن فيها (١).
٨ - أبو حفص الكبير (٢١٧ هـ): أحمد بن حفص العجلي الكبير، المعروف بأبي حفص الكبير أحد كبار أصحاب الإمام محمد ورواة كتبه، ولُد سنة (١٥٠ هـ) (٢).
وذكره الإمام الذهبي في "السّير" فقال: "أحمد بن حفص الفقيه العلامة، شيخ ما وراء النهر، أبو حفص البخاري الحنفي، فقيه المشرق، ووالد العلامة شيخ الحنفية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن حفص الفقيه.
ارتحل، وصحب محمد بن الحسن مدّة، وبرع في الرأي، وسمع من وكيع بن الجراح، وأبي أسامة (٣). وتفقه عليه طائفة كبيرة. توفي ببخارى سنة (٢١٧ هـ) (٤).
٩ - علي بن معبد (٢١٨ هـ): ابن شدّاد، الإمام الحافظ الفقيه، أبو الحسن وأبو محمد، العَبْديّ الرقي، من كبار الأئمة (٥)؛ ومن أصحاب محمد بن الحسن (٦).
_________
(١) "الأعلام" للزركلي ١/ ٢٩٨.
(٢) "الفوائد البهية" ص ١٨.
(٣) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١٥٧ - ١٥٩.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١٥٩.
(٥) المصدر نفسه ١٠/ ٦٣٠، برقم ٢١٩.
(٦) انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص ١٣٩، و"الجواهر المضية" ٢/ ٦٠٤.
стр. 40
قال أبو حاتم: "ثقة" (١). روى له الترمذي والنسائي (٢).
وروى عن الإمام محمد "الجامع الكبير" و"الصغير" عرض عليه المأمون القضاء بمصر، فأبى وعتذر (٣).
١٠ - عيسى بن أبان (٢٢٠ هـ): فقيه العراق، تلميذ محمد بن الحسن، وقاضي البصرة (٤). وكان عيسى سَهْلًا فقيهًا، سريع الإنفاذ للأحكام، وكان سخيًا عفيفًا، ولي القضاء عشر سنين (٥).
وله تصانيف وذكاء مفرط، وفيه سخاء وجود زائد (٦). قال أبو خازم القاضي: "ما رأيت لأهل البصرة حدثًا أذكى من عيسى بن أبان وبشر بن الوليد" (٧).
ومن كتبه: "إثبات القياس"، و"اجتهاد الرأى"، و"الجامع" في الفقه، و"الحجة الصغيرة" في الحديث (٨).
وعن محمد بن سماعة أنه قال: "كان عيسى بن أبان يصلي معنا - أي في المسجد الذي يصلي فيه الإمام محمد بن الحسن الشيباني ويقعد فيه لمجلس الفقه - وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن، فيقول - عيسى بن أبان -: "هؤلاء قوم يخالفون الحديث، وكان عيسى حسنَ الحفظ للحديث، فصلى معنا يومًا الصبح - وكان يومَ مجلس محمد - فلم أفارقه حتى جلس في المجلس، فلما فرغ محمد أدنيته منه وقلت: هذا ابن أخيك أبان بن
_________
(١) "الجرح والتعديل" ٦/ ٢٠٥.
(٢) "تهذيب الكمال" للمزي، لوحة ٩٩٢، "مخطوط"، تصوير دار المأمون للتراث بدمشق.
(٣) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٦٣١ - ٦٣٢، و"تهذيب الكمال" لوحة ٩٩٣، و"الجواهر المضية" ٢/ ٢١٥.
(٤) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٤٤٠، وانظر "الجواهر المضية" ٢/ ٦٧٨.
(٥) "أخيار القضاة" لوكيع ٢/ ١٧٠ - ١٧٢.
(٦) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٤٠.
(٧) "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص ١٣٧.
(٨) انظر: "الأعلام" للزركلي ٥/ ٢٨٣.
следующие страницы →