← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وأخذ باليمن عن مطرِّف بن مازن، وهشام بن يوسف القاضي، وطائفة، وببغداد عن: محمد بن الحسن فقيه العراق، ولازمه وحمل عنه وِقر بعير. وصنّف التصانيف، ودوّن العلم، وصنّف في أصول الفقه وفروعه، وبَعُد صيته، وتكاثر عليه الطلبة (١). حدّث عنه: الحُميدي، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، وأحمد بن حنبل … ، وأبو يعقوب يوسف البُويطي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وحرملة بن يحيى، وإسحاق بن راهويه. يقول الشافعي: "حفظت القرآن وأنا ابنُ سبع سنين، وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشرة". وقال المبرد: "كان الشافعي من أشعر الناس، وآدب الناس، وأعرفهم بالقراءات". وقال أحمد بن حنبل: "الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء: في اللغة، واختلاف الناس، والمعاني، والفقه" (٢). ٢ - شعيب الكيساني (٢٠٤ هـ): شعيب بن سليمان بن سليم بن كَيْسان بن شعيب الكيساني، من أصحاب محمد وأبي يوسف. وهو والد سليمان الكيساني. قال شعيب: "أملى علينا محمد بن الحسن، قال: قال أحد قضاتنا القاسم بن مَعْن: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فجميع ما في البيت بينهما نصفَيْن. ورى عنه ابنه أنه قال: أملى علينا أبو يوسف، قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما يحفظه، من يوم سمعه إلى يوم يحدث به (٣). ٣ - أبو سليمان الجوزجاني "توفي بعد ٢٠٠ هـ): العلامة الإمام، أبو سليمان موسى بن سليمان الجوزجاني الحنفي، صاحب أبي يوسف ومحمد. حدّث عنهما، وعن ابن المبارك. وحدث عنه: القاضي أحمد بن محمد البِرتي، وبشر بن موسى، وأبو حاتم الرازي، وآخرون. كان محدثًا ورعًا فقيهًا عاش للعلم ولازم العلماء، كان صاحب رأي وكان صدوقًا. _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٥ - ٧، ١٢. (٢) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١١، ١٧، ٤٥، ٥٧، ٨٠، ٨١. (٣) انظر "الطبقات السنية" ٤/ ٧٣ برقم ٩٦٣، "الجواهر" ٢/ ٢٥٣، برقم ٦٤٦.

стр. 37

عرض عليه المأمون القضاء، فامتنع، واعتلّ بأنه ليس بأهل لذلك، فأعفاه، ونبل عند الناس لامتناعه (١). وهو راوي كتب محمد بن الحسن الشيباني لاسيما "الأصل" والسير الصغير، وكتاب الرهن، وكتاب الصلاة، وكلها أخذها رواية في شيخه محمد بن الحسن. (٢) ٤ - خلف بن أيوب سنة (٢٠٥ هـ): الإمام المحدّث الفقيه، مفتي المشرق، أبو سعيد العامري البلخي الحنفي الزاهد عالم أهل بلخ (٣) ذكره ابن حِبّان "في الثقات" (٤). تفقه على أبي يوسف وابن أبي ليلى وزفر ومحمد بن الحسن، وصحب مدةً إبراهيم بن أدهم (٥). وروى عنه الإمام أحمد، وأبو كُريب ويحيى بن معين. ٥ - إبراهيم المروزي (٢١٠ هـ): إبراهيم بن رُستم، أبو بكر، المَرْوزي: أحد الأئمة الأعلام، سمع منصور بن عبد الحميد، وهو شيخ يروي عن أنس بن مالك، وسمع أيضًا مالك بن أنس، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وسفيان الثوري وغيرهم. سئل عن يحيى بن معين، ققال: "ثقة" (٦). تفقه على الإمام محمد الشيباني وسمع من مالك وغيره وقدم بغداد غير مرة فروى عنه أئمة الحديث أمثال أحمد بن حنبل وغيره وعرض عليه المأمون القضاء فأبى. ٦ - أبو يعلى الرازي سنة (٢١١ هـ): معلّى بن منصور الرازي، العلامة، الحافظ، الفقيه، أبو يعلى الحنفي، نزيل بغداد ومُفتيها. _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١٩٤، ١٩٥، ترجمة ١٤٢. (٢) "الفهرست" لابن النديم ص ٢٩٠، وفي "الفوائد البهية" ص ٢١٦. (٣) المصدر نفسه ٩/ ٥٤١. (٤) انظر: "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٤٧. (٥) انظر: "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٤٧، و"الطبقات السنية" ٣/ ٢٠٩، برقم ٨٣٥، و"الأنساب" للسمعاني، ترجمة الإمام محمد ٧/ ٤٣٤. (٦) انظر: "الطبقات السنية" ١/ ١٩٤ - ١٩٦، برقم ٣٧، و"الجواهر المضية" ١/ ٨٠، برقم ١٨، و"تاج التراجم" ص ٢ - ٣، و"الفوائد البهية" ص ١٦٧.

стр. 38

وحدّث عن: عكرمة بن إبراهيم الأزدي وشريك القاضي ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وأبي عوانة، وهشيم، والليث بن سعد، وابن المبارك، والقاضي أبي يوسف، وتفقه به مدة، وكتب عنه خلق كثير، وأحكم الفقه والحديث (١). وحدّث عنه: أبو ثور الفقيه، ومحمد بن إسماعيل البخاري في غير "الصحيح"، ويعقوب بن شيبة وخلق كثير. وقال أحمد بن كامل: "كان معلّى من كبار أصحاب أبي يوسف، ومحمد، ومن ثقاتهم في النقل والرواية" (٢)، وله "كتاب النوادر" رواها عن أبي يوسف ومحمد. ٧ - أسد بن الفرات (٢١٣ هـ): هو الإمام العلامة القاضي الأمير مقدّم المجاهدين أبو عبد الله، أسد بن الفرات بن سنان (٣). روى عن مالك بن أنس "الموطأ" وعن يحيى بن أبي زائدة (٤)، ثم ارتحل إلى المشرق، فلقي من أصحاب أبي حنيفة أبا يوسف ومحمد بن الحسن، وسمع الفقه بمصر على عبد الرحمن بن القاسم، وعنه دوّن "الأسدية" وقدم بها القيروان، فسمعها خلق كثير، منهم سحنون وغيره، ثم أظهر مذهب أبي حنيفة وأخذه الناس عنه، وانتشرت إمامته (٥). وكان أسد إمام العراقيين بالقيروان كافة، مشهورًا بالفضل والدين، وبذلك هو يعتبر حاملَ لواء فقه العراقيين، وفقه أهل المدينة بتلك الديار في آن واحد (٦)، ويعتبر أسد بن الفرات من أبرز تلاميذ الإمام محمد بن الحسن من أهل المغرب. ولما حضر عنده أول مرة قال له: "إني غريب قليل النفقة والسماع منك نذر قليل والطلبة عندك كثر" فقال له الإمام محمد: اسمع مع العراقيين بالنهار وقد جعلت لك الليل _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٣٦٥ - ٣٦٦. (٢) المصدر نفسه ١٠/ ٣٦٨، و"تاريخ بغداد" ١٣/ ١٩٠، و"تهذيب الكمال" للمزي لوحة ١٣٥٣. (٣) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٢٢٥. (٤) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٢٢٦. (٥) "معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان" لأبي زيد الدباغ وأبي الفضل التنوخي ٢/ ٣ - ٤ - ٥. (٦) "معالم الإيمان" ٢/ ١٨.

стр. 39

وحدك فتبيت عندي وأسمعك". قال أسد بن الفرات: "فكنت أبيت عنده وكنت معه في شقته وكان يسكن الدور العلوي فينزل إليّ ويجعل بين يديه قدحًا فيه ماء، ثم يأخذ القراءة فإذا أطال عليه الليل ورآني نعست ملأ يده ونضح في وجهي الماء فأنتبه، فكان ذلك دأبي ودأبه حتى أتيت على ما أريد من السماع" ولهذا يقول الشيخ أسد بن الفرات: "لا أعلم من أئمة العلم من كان يصبر صبر محمد بن الحسن الشيباني في تعليم تلاميذه ولا من يؤثر إيثاره في الإنفاق عليهم خلا أستاذه الأعظم أبي حنيفة النعمان". وكان شجاعًا حازمًا صاحب رأي. واستعمله زيادة الله الأغلبي على جيشه وأسطوله البحري ووجّهه لفتح جزيرة صقلية عام ٢١٢ هـ على رأس عشرة آلاف جندي فدخلها فاتحًا، وتوفي إثر جراحات أصابته وهو يحاصر سركوسة عام ٢١٣ هـ، ودفن فيها (١). ٨ - أبو حفص الكبير (٢١٧ هـ): أحمد بن حفص العجلي الكبير، المعروف بأبي حفص الكبير أحد كبار أصحاب الإمام محمد ورواة كتبه، ولُد سنة (١٥٠ هـ) (٢). وذكره الإمام الذهبي في "السّير" فقال: "أحمد بن حفص الفقيه العلامة، شيخ ما وراء النهر، أبو حفص البخاري الحنفي، فقيه المشرق، ووالد العلامة شيخ الحنفية أبي عبد الله محمد بن أحمد بن حفص الفقيه. ارتحل، وصحب محمد بن الحسن مدّة، وبرع في الرأي، وسمع من وكيع بن الجراح، وأبي أسامة (٣). وتفقه عليه طائفة كبيرة. توفي ببخارى سنة (٢١٧ هـ) (٤). ٩ - علي بن معبد (٢١٨ هـ): ابن شدّاد، الإمام الحافظ الفقيه، أبو الحسن وأبو محمد، العَبْديّ الرقي، من كبار الأئمة (٥)؛ ومن أصحاب محمد بن الحسن (٦). _________ (١) "الأعلام" للزركلي ١/ ٢٩٨. (٢) "الفوائد البهية" ص ١٨. (٣) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١٥٧ - ١٥٩. (٤) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ١٥٩. (٥) المصدر نفسه ١٠/ ٦٣٠، برقم ٢١٩. (٦) انظر: "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص ١٣٩، و"الجواهر المضية" ٢/ ٦٠٤.

стр. 40

قال أبو حاتم: "ثقة" (١). روى له الترمذي والنسائي (٢). وروى عن الإمام محمد "الجامع الكبير" و"الصغير" عرض عليه المأمون القضاء بمصر، فأبى وعتذر (٣). ١٠ - عيسى بن أبان (٢٢٠ هـ): فقيه العراق، تلميذ محمد بن الحسن، وقاضي البصرة (٤). وكان عيسى سَهْلًا فقيهًا، سريع الإنفاذ للأحكام، وكان سخيًا عفيفًا، ولي القضاء عشر سنين (٥). وله تصانيف وذكاء مفرط، وفيه سخاء وجود زائد (٦). قال أبو خازم القاضي: "ما رأيت لأهل البصرة حدثًا أذكى من عيسى بن أبان وبشر بن الوليد" (٧). ومن كتبه: "إثبات القياس"، و"اجتهاد الرأى"، و"الجامع" في الفقه، و"الحجة الصغيرة" في الحديث (٨). وعن محمد بن سماعة أنه قال: "كان عيسى بن أبان يصلي معنا - أي في المسجد الذي يصلي فيه الإمام محمد بن الحسن الشيباني ويقعد فيه لمجلس الفقه - وكنت أدعوه أن يأتي محمد بن الحسن، فيقول - عيسى بن أبان -: "هؤلاء قوم يخالفون الحديث، وكان عيسى حسنَ الحفظ للحديث، فصلى معنا يومًا الصبح - وكان يومَ مجلس محمد - فلم أفارقه حتى جلس في المجلس، فلما فرغ محمد أدنيته منه وقلت: هذا ابن أخيك أبان بن _________ (١) "الجرح والتعديل" ٦/ ٢٠٥. (٢) "تهذيب الكمال" للمزي، لوحة ٩٩٢، "مخطوط"، تصوير دار المأمون للتراث بدمشق. (٣) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٦٣١ - ٦٣٢، و"تهذيب الكمال" لوحة ٩٩٣، و"الجواهر المضية" ٢/ ٢١٥. (٤) "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٤٤٠، وانظر "الجواهر المضية" ٢/ ٦٧٨. (٥) "أخيار القضاة" لوكيع ٢/ ١٧٠ - ١٧٢. (٦) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٤٠. (٧) "طبقات الفقهاء" للشيرازي ص ١٣٧. (٨) انظر: "الأعلام" للزركلي ٥/ ٢٨٣.

стр. 41

صدقة الكاتب، ومعه ذكاء ومعرفة بالحديث، وأنا أدعوه إليك فيأتى ويقول: إنا نخالف الحديث. فأقبل عليه - محمد - وقال له: "يا بنيّ ما الذي رأيتنا نخالفه من الحديث؟ لا تشهد علينا حتى تسمع منا. فسأله يومئذ عن خمسة وعشرين بابًا من الحديث، فجعل محمد بن الحسن يجيبه عنها، ويخبره بما فيها من المنسوخ ويأتي بالشواهد والدلائل. فالتفت - عيسى بن أبان - إليّ بعدما خرجنا فقال: "كان بيني وبين النور سِترًا فارتفع عني! ما ظننت أنّ في ملك الله مثل هذا الرجل يظهره للناس. ولزم محمد بن الحسن لزومًا شديدًا حتى تفقّه به" (١). ١١ - هشام الرازي (٢١١ هـ): هشام بن عبيد الله الرازي السنيّ الفقيه، أحد أئمة السنة. وقال أبو حاتم: "صدوق، وما رأيت أحدًا أعظم قدرًا، ولا أجلّ من هشام بن عبيد الله بالريّ … " (٢). رافق الإمام محمّدًا في سفر الحج من المدينة المنورة (٣). حدّث عن: ابن أبي ذئب، ومالك بن أنس، وحماد بن زيد، وحدّث عنه: بقية بن الوليد، ومحمد بن سعيد العطّار، وأبو حاتم الرازي … وطائفة سواهم. وفي داره توفي الإمام محمد بالرّيّ (٤). ١٢ - أبو عُبيد القاسم بن سلّام (٢٢٤ هـ): الإمام الحافظ المجتهد ذو الفنون، أبو عبيد، القاسم بن سلّام بن عبد الله (٥). ولد سنة (١٥١ هـ) (٦)، وصحب الإمامين أبا يوسف ومحمد بن الحسن (٧)، ولازم الإمام الشافعي وكتب كتبه (٨). وهو من أئمة الاجتهاد (٩). _________ (١) "تاريخ بغداد" ١١/ ١٥٨. (٢) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٤٦. - ٤٤٧، برقم ١٤٥. (٣) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٨٦. (٤) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٤٧، و"طبقات الفقهاء" للشيرازي ص ١٣٨. (٥) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٩٠. (٦) انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي ص ٢٠٠، و"غاية النهاية" لابن الجوزي ١/ ٥٤٩، مشار إليهما في كتاب الدكتور سائد بكداش "أبو عبد القاسم بن سلام" ص ٢٧. (٧) انظر: "مناقب الإمام أحمد" لابن الجوزي ص ١١٣، مشار إليه في كتاب الدكتور سائد بكداش "أبو عبيد القاسم بن سلام" ص ٤٦، وانظر ترجمة الإمام محمد "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي ص ٨٠، و"الوافي بالوفيات" للصفدي ٢/ ٣٣٢. (٨) انظر: "الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء" لابن عبد البر ص ١٠٧. (٩) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١/ ٤٩١.

стр. 42

وصنّف التصانيف الموثقة التي سارت بها الركبان. ومنها: "غريب الحديث" المشهور المتداول، ومنها: "الغريب المصنَّف" من أجلّ كتبه في اللغة، وكتابه "الأموال" من أحسن من صنف في الفقه وأجوده (١). ١٣ - محمد بن سَماعة التميمي (٢٣٣ هـ): قاضي بغداد، العلامة أبو عبد الله محمد بن سماعة بن عبيد الله بن هلال التميمي الكوفي، صاحب أبي يوسف ومحمد (٢). وُلد سنة (١٣٠ هـ)، وكان إمامًا فاضلًا صاحب اختيارات في المذهب وروايات، وهو من الحفّاظ الثقات (٣). وله المصنفات الحسان، ومن تصانيفه: "أدب القاضي" و"المحاضر والسجلات" و"النوادر" عن أبي يوسف (٤). ثناء الأئمّة على الإمام محمد الشيباني نظرا إلى مناقب الإمام محمد العلمية والخلقية ومكانته السامية أشاد كبار الأئمة بفضائله وأكثروا بالثناء عليه، وأكتفي منها بما يلي: - روي عن الإمام الشافعي ﵀ ثناء بالغ في حق شيخه محمد الشيباني، بأسانيد صحيحة، كما هو مدوّن في تاريخ الخطيب، وكتاب ابن أبي العوام، وكتاب الصيمري، وتهذيب النووي، ومؤلفات الذهبي، ومناقب الكردري، والأنساب للسمعاني. فذكر الحافظ ابن عبد البر: "كان الشافعي ﵀ يثني على محمد بن _________ (١) المصدر السابق ١٠/ ٤٩٤. (٢) انظر: "سير أعلام النبلاء" ١/ ٦٤٦. (٣) "الوافي بالوفيات" ٣/ ١٣٩ - ١٤٠. (٤) "الأعلام" للزركلي ٧/ ٢٤.

стр. 43

الحسن ويفضّله ويقول: ما رأيت قَطّ رجلا سمينًا أعقلَ منه" (١). - وحكى ابن العماد قول الإمام الشافعي: "لو أنصَف الناس الفقهاءَ لعَلموا أنهم لم يَروا مثلَ محمد بن الحسن، وما جالستُ فقيها قطّ أفقَهَ من محمد، ولا فتق لساني بالفقه مثله، لقد كان يُحسن من الفقه وأسبابه شيئًا يعجز عنه الأكابر" (٢). - وقال الشافعي أيضًا: "ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام والعلل والناسخ والمنسوخ من محمد بن الحسن" (٣). - وقال الشافعي: "ما رأت عيناي مثل محمد بن الحسن، ولم تلد النساء مثله" (٤). - ويحكي الإمام الشافعي عن قوة عقله قائلا: "جالستُه عشر سنين، وحملتُ من كلامه حِمل جمل، لو كان كلّم على قدر عقله ما فهمنا كلامَه، ولكنه كان يكلّمنا على قدر عقولنا". (٥) - وعن "الربيع بن سليمان، سمعت الشافعي يقول: لو أشاء أن أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن، لقلته لفصاحته" (٦). - وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام: "ما رأيتُ أعلمَ بكتاب الله من محمد بن الحسن" (٧). - وذكر الحافظ الذهبي: "يحكى عن محمد بن الحسن ذكاء مفرط، وعقل تام، وسؤدد، وكثرة تلاوة" (٨). _________ (١) "الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء" لابن عبد البر، ص ١٧٤، "الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٤. (٢) "شذرات الذهب" ٢/ ٣٢٣. (٣) المصدر السابق. (٤) "مناقب الكردري" ٢/ ١٤٩. (٥) مناقب أبي حنيفة ٢/ ٤٢٩. (٦) "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه" للذهبي، ص ٨٠. (٧) المصدر السابق. (٨) "مناقب أبي حنيفة وصاحبيه" ص ٩٤.

стр. 44

- وشيخه الإمام أبو يوسف ﵀، كان يقدّر زميله وتلميذه، ويعترف بفضله، جاء في "الأنساب": "عن أبي جعفر الهِندُواني: يُحكى عن أبي يوسف أن محمد بن الحسن كتَب إليه من الكوفة - وأبو يوسف ببغداد -: أما بعد، فإني قادم عليك لزيارتك، فلما ورد عليه كتاب محمد بن الحسن، خطب أبو يوسف ببغداد، وقال: إن الكوفة قد رمَت إليكم أفلاذ كبدها، فهذا محمد بن الحسن قادم عليكم، فهيّئوا له العلم" (١). وقال الإمام أحمد بن حنبل: إنه أبصر الناس بالعربية (٢). منزلته العلمية: لقد تبوأ الإمام محمد بن الحسن درجة رفيعة في العلم، ومكانة بارزة بين الأئمة، فقد كان فقيها مجتهدا في الفقه الإسلامي على منهج الإمام أبي حنيفة، المنهج الذي استكمله على أبي يوسف بعد وفاة أبي حنيفة ﵏ جميعًا. وأكبر شاهد على ذلك أنه توجد له أراء اجتهادية خاصة في بعض الفروع الفقهية، كما يدل ذلك على أنه كانت له أصول فقهية معينة، وقواعد ثابتة، وطرق استنباط خاصة في تلك الفروع، وإن لم يعثر على تلك الأصول والطرق منصوصا عليها عنه. إلا أن أكثرها عرفت باستقراء كثير من فروعه الفقهية من خلال كتبه وشروحها. فقد كان عالما بالكتاب ووجوهه، لأنه المصدر الأصلي في التشريع الإسلامي. وبالحديث المصدر الثاني بعد الكتاب. ويرجع الفضل بعد الله تعالى إلى محمد في نشر فقه أبي حنيفة بين الناس. (٣) وانتهت رئاسة الفقه بالعراق إليه بعد الإمام أبي يوسف (٤). وكان غزير العلم، فقد روى الصيمري في وصفه: "أن منزلته في كثرة الرواية والرأي _________ (١) "الأنساب" للسمعاني ٧/ ٤٣٥. (٢) المصدر السابق. (٣) انظر: تاج التراجم ص ٢٣٧، الأعلام للزركلي ٦/ ٨٠، الفوائد البهية ص: ١٦٣. (٤) مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي ص ٧٩.

стр. 45

والتصنيف لفنون علوم الحلال والحرام منزلة رفيعة يعظمه أصحابه جدا". (١) وحكي عن الإمام الشافعي أنه قال: "حملت عن محمد بن الحسن وقر بُختيّ كتبا" (٢) أي حمل بعير ذكر. وقال "إني لأعرف الأستاذيّة عليّ لمالك، ثم لمحمد بن الحسن". وقال أيضًا: "ما سألت أحدا عن مسألة إلا تبين لي تغير وجهه إلا محمد بن الحسن" (٣). ومما لا شك فيه أن أوّلياته العلمية المتميزة، وسَبقه في تصنيف الفقه الإسلامي وتدوينِه من حيث سعة المسائل ودقّتها وغزارة مادتها وتنوع العلوم الفقهية، وسيادته في تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية، وتأسيسه لعلم الفروق الفقهية، والاقتصاد الإسلامي والقانون الدولي الإسلامي يجعله حقيقا لأن يعدّ من أعظم رواد الفقه الإسلامي ونوابغه عبر التاريخ (٤). وفاته: ولاه الخليفة هارون الرشيد منصب قاضي القضاة، حكاه الحافظ الذهبي قائلا: "ولي قضاء القضاة للرشيد، ونال من الجاه والحشمة ما لا مزيد عليه" (٥)، وحمله معه الرّيّ (٦) سنة _________ (١) أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٢٠، وانظر مناقب أبي حنيفة للكردري ٢/ ٤٢٦. (٢) تهذيب الأسماء واللغات" للنووي ص ٨١، تاريخ بغداد ٢/ ١٧٦، مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه للذهبي ص ٨١، أخبار أبي حنيفة وأصحابه ص ١٢٣. (٣) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" ص ٨١. و"أخبار أبي حنيفة وأصحابه" ص ١٢٣، ١٢٥. (٤) وقد كشف الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي عن مقامه الاجتهادي، وبيّن أوّلياته العلمية، ومكانته في علم الفروق الفقهية، وتضلّعه في علم اللغة والنحو، وريادته في علم الاقتصاد الإسلامي والقانون الدولي الإسلامي، وقدّم نماذج من اتجاهاته الفقهية المستقلة، وفصّله خير تفصيل في كتابه: "الإمام محمد بن الحسن الشيباني نابغة الفقه الإسلامي" فليرجع ص ١٥٠ - ٢٢٢. كما تناوله بالتفصيل الأستاذ الدكتور محمد الدسوقي في الباب الرابع من كتابه "الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي". وانظر الكتاب الأول من سلسلة "أعلام الاقتصاد الإسلامي، للأستاذ شوقي أحمد دنيا. (٥) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" ص ٨٠. (٦) "الرّي" مدينة كبيرة من بلاد الجبل أو بلاد الديلم، والنسبة إليها الرازي على خلاف القياس "تقويم البلدان" ص ٤٢٠.

стр. 46

١٨٩ هـ، وكان بصحبه في رحلته إمامان عظيمان: أبو الحسن علي بن الكسائي النحوي، والإمام محمد بن الحسن الشيباني، فماتا بالريّ فقال الرشيد: دفنت الفقه والنحو بالريّ (١). ونقل الذهبي عن تلميذه هشام الرازي - الذي توفي محمد بن الحسن في بيته - قصة وفاته فقال: "حضرت محمدا وهو يموت فبكى، فقلت له: أتبكي مع العلم؟ فقال لي: أرأيت إن أوقفني الله تعالى فقال: ما أقدمك الريّ الجهاد في سبيلي أم ابتغاء مرضاتي؟ فماذا أقول؟ ثم مات ﵀" (٢). _________ (١) "أخبار أبي حنيفة وأصحابه" ص ١٢٦. (٢) "مناقب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه" ص ٤٩.

стр. 47

مؤلفات الإمام محمد إن كتب الإمام محمد ﵀ تمثل المصادر الأولية الأساسية التي يعول عليها في المذهب الحنفي. قال العلامة محمد أبو زهرة ﵀: "إن فقه أبي حنيفة خاصة، وفقه العراقيين عامة مدين لمحمد بن الحسن بكتبه، فهي التي حفظته وأبقته للأخلاف مرجعًا يرجع إليه، ومنهلًا يستقى منه" (١). وكتب الإمام محمد الفقهية ليست كلها في درجة واحدة من حيث الثقة بها، بل يقسمها العلماء من هذه الناحية على قسمين: القسم الأول: كتب ظاهر الرواية، هي المبسوط والسير الصغير والسير الكبير والجامع الصغير. والجامع الكبير والزيادات وزيادات الزيادات، وتسمى "الأصول" وسميت بظاهر الزواية لأنها رويت عن محمد برواية الثقات، فهي ثابتة عنه، إما متواترة أو مشهورة (٢). والقسم الثاني: كتب الإمام محمد في الفقه لم ترو عنه برواية مشهورة وتسمى "النوادر" أو "غير ظاهر الرواية" لورود تلك الكتب بطريق الآحاد دون الشهرة والتواتر. منها: "الرقيات" و"الكيسانيات" ويقال لها "الأمالي" و"الهارونيات" و "الجرجانيات" و "كتاب النوادر" و "كتاب الكسب" وغيرها (٣). وهناك ثلاثة كتب أخرى من مؤلفات الإمام محمد يمكن إلحاقها بالقسم الأول _________ (١) "أبو حنيفة، حياته وعصره، آراؤه وفقهه" لأبي زهرة ص ٢١٩. (٢) انظر "شرح عقود رسم المفتي" لابن عابدين، ص ١٩. (٣) انظر: "بلوغ الأماني" ص ٦٤.

стр. 48

لشهرتها وأهميتها والاعتماد عليها، وهي: "موطّأ الإمام محمد" في الحديث، و "كتاب الآثار" في الحديث، و "كتاب الحجة على أهل المدينة" في الحديث والفقه المقارن (١). والقسم الأول هو عماد النقل والمرجع الأساسي والمعول عليه في الفقه الحنفي، ولذلك عني الفقهاء به من القديم. لذا أكتفي هنا ببيان كتب ظاهر الرواية فقط. ١ - "كتاب الأصل" المعروف بالمبسوط للإمام محمد: روي هذا الكتاب من تلاميذه بطرق عديدة، ومن أشهرها روايةُ أبي سليمان الجوزجاني (٢)، وهي التي انتشرت وأصبحت متداولة بين أهل العلم (٣). سلك الإمام محمد بن الحسن في تصنيف "المبسوط" مسلك أخذ المواضيع الفقهيه موضوعا موضوعا مستقلا، كل موضع منها مستقل عن الآخر، واعتبر كل موضوع من تلك المواضيع وحدة جامعة للمسائل المتفرعة منه، فأصدر كتبا كتبا بحسب الموضوعات الفقهية: الصلاة، والزكاة، والمناسك، والصرف والرهن والشفعة، والوكالة، والإقرار، ونحو ذلك إلى عامة أبواب الفقه، كما أوردها ابن النديم في الفهرست. ولما جمعت تلك الكتب وضم بعضها إلى بعض تكونت منها مجموعة تصانيف، محتوية على أبواب الفقه بتفاريعها وتفاصيلها فأطلق على تلك المجموعة الكاملة اسم شامل لمجموعها: هو اسم "المبسوط" (٤). _________ (١) انظر: "الإمام محمد بن الحسن الشيباني نابغة الفقه الإسلامي" للدكتور علي أحمد الندوي ص ١٤٢ - ١٤٤. (٢) تقدم ترجمته في تلاميذ الإمام محمد. (٣) انظر: "عمدة ذوي البصائر شرح الأشباه والنظائر" لابن بيري، إبراهيم بن حسن ق ٤/ ب، رسم المفتي ١/ ٢٦. (٤) وجدير بالذكر أن القدر المطبوع من كتاب الأصل لا يبلغ أكثر من عُشريي الكتاب، أما الباقي فلا يزال مخطوطا غير متناول لأهل العلم، وما نشر إلى الآن من تحقيق الشيخ أبي الوفاء الأفغاني وتحقيق الدكتور مجيد خدوري هو ستة عشر كتب فقهية نقط، المطبوعة في خمسة أجزاء، وإن كتاب الأصل يحتوي على ٥٣ كتب فقهية، عدّها الشيخ أبو الوفاء الأفغاني في مقدمته نقلا عن =

стр. 49

ولذلك فإن الفقهاء يذكرونه بهذين الاعتبارين؛ فمرة يعتبرونه كتابا واحدًا، وأخرى يعتبرونه جملة كتب فيقولون: قال محمد في كتاب العارية أو قال محمد في كتاب الوديعة، ويعنون بذلك كتابا من مجموعة كتب المبسوط. وهذا ما درج عليه الإمام قاضي خان في كتابه "شرح الزيادات". أما منهج الكتاب الذي سار عليه الإمام محمد فأفصحه في فاتحة الكتاب قائلا: "قد بينت لكم قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقولي، وما لم يكن خلاف فهو قولنا جميعا" (١). فذلك دأبه في الكتاب حيث يسرد الفروع على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف مع بيان رأيه في المسائل. ومن أبرز مزاياه أنه يتناول المسائل الفقهية بأسلوب رائع مع الجزالة والسهولة في التعبير، ويدعمها بالأدلة في كثير من المسائل، ولا يسرد الأدلة إذا كانت الأحاديث والآثار الدالة على المسائل في متناول جمهور الفقهاء، إنما يسردها في مسائل تغرب أدلتها على أكثرهم. وهذا أوسع كتب الإمام محمد وأغزرها مادة، واهتم ببيان الفرق بين المسائل المتشابهة ظاهرًا والمختلفة باطنا، لاتحاد المناط أو اختلافه. ٢ - "الجامع الصغير: ويروى في سبب تأليفه أن الإمام أبا يوسف طلب من الإمام محمد أن يجمع له كتابًا يرويه عنه عن أبي حنيفة، فجمعه له، ثم عرضه عليه، فأعجبه (٢). وقال العلامة عبد الحي اللكنوي (١٣٠٤ هـ) نقلًا عن الإمام قاضيخان (٥٩٢ هـ): "اختلفوا في مصنف "الجامع الصغير"، قال بعضهم: من تأليف أبي يوسف ومحمد؛ وقال بعضهم: هو من تأليف محمد، فإنه حين فرغ من تصنيفه "المبسوط"، أمره أبو يوسف أن _________ = "الفهرست" لابن نديم. (١) مقدمة "كتاب الأصل" ١/ ٢. (٢) انظر: "رسم المفتي" لابن عابدين ١/ ١٩.

стр. 50

يصنف كتابًا ويروي عنه، فصنّف، ولم يرتب، وإنَّما رتّبه أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفراني الفقيه الحنفي (١). ثم عدَّل الإمام أبو طاهر الدباس أحد أقران الإمام الكرخي في ترتيب الكتاب مرّة أخرى" (٢). ومما يدل على عظم شأن هذا الكتاب أن الإمام أبا يوسف كان لا يفارقه في حضر ولا سفر (٣). وأشاد فقهاء المذهب بفضله كثيرًا، فقالوا: "مشايخنا كانوا يعظّمون هذا الكتاب تعظيمًا، ويقدّمونه على سائر الكتب، وكانوا يقولون: لا ينبغي لأحد أن يتقلَّد القضاء ما لم يحفظ مسائل هذا الكتاب" (٤). ونظرًا لأهمية الكتاب تبارت في شرحه أقلام فقهاء المذهب عبر القرون، فوفدت إلينا شروح كثيرة، إذ بلغ عددها أربعين شرحًا. وقد استقصى العلامة عبد الحي اللكنوي ذكر شراحه (٥)، وجلّهم جهابذة المذهب، ومنهم الإمام قاضي خان ﵀. ٣ - "الجامع الكبير": _________ (١) وبسط اللكنوي ترجمته في "كتائب أعلام الأخيار"، برقم ٢٠١، ومما أورده قوله: "كان شيخًا إمامًا في الفقه، ثقة، رتب الجامع الصغير الذي صنفه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، ترتيبًا حسنًا، وميّز خواص مسائل محمد عما رواه عن أبي يوسف، وجمعها على أحسن ترتيب، وألطف نظام، وجعله مبوبًا، ولم يكن الجامع الصغير قبل مبوبًا بترتيب المسائل". وجاء في "كشف الظنون" أن المترجم توفي سنة عشر وستمائة تقريبا، حاشية المحقق: الدكتور محمد عبد الفتاح الحلو، "الجواهر المضية في طبقات الحنفية" ٢/ ٤٦، برقم ٤٣٤، وانظر "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص ٢٢. (٢) انظر: "بلوغ الأماني" ص ٦٢. (٣) المصدر نفسه ص ٢٣. (٤) "شرح الجامع الصغير" ق ١، لحسام الدين عمر بن عبد العزيز البخاري، نسخة مصورة عن مكتبة أحمد الثالث باستنبول، محفوظة بمركز البحث العلمي جامعة أم القرى مكة المكرمة برقم ٥١. (٥) انظر: "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص ٣٣ - ٤٥.

стр. 51

"الجامع الكبير" من أهمّ مصنفات الإمام محمد وأعمقها وأدقّها فقها، ويعتبر من أجلّ كتب ظاهر الرواية لاحتوائه على مسائل عَويصة وفروق فقهية دقيقة، وهذا الكتاب يمثل ظاهرة التعليل وضبط الفروع بالأصول خير تمثيل، وكان يحتار في فهمه كبار العلماء، ولذا كان يعدّ معيارا لدى الفقهاء يختبر به تفاوت مداركهم ومبلغ يقظتهم في الفقه. يقول الإمام السرخسي ﵀: "من أراد امتحان المتبحرين في الفقه، فعليه بأيمان الجامع" (١). وروى ابن أبي العوام بسنده عن الأخفش ثناء بالغا في حق هذا الكتاب (٢). وقال عنه ابن شجاع: "لم يؤلف في الإسلام مثله في الفقه" (٣). وقال عنه الإمام أبو بكر الرازي في شرحه للجامع الكبير: كنت أقرأ بعض مسائل من الجامع الكبير على بعض المبرزين في النحو (يعني أبا علي الفارسي) فكان يتعجب من تغلغل واضع الكتاب في النحو (٤). وروى الجامع الكبير جماعة من أصحاب الإمام محمد، ومن أشهر رواة الكتاب: أبو سليمان الجوزجاني، وأبو حفص الكبير، وعلي بن معبد بن شدّاد، وهشام بن عبيد الله الرازي، ومحمد بن سَماعة التميمي. وصنف الإمام محمد الجامع الكبير مرتين: صنفه أولا فرواه عنه أصحابه، ثم أعاد النظر فيه ثانيا، فزاد فيه أبوابا ومسائل كثيرة، وصاغ عباراته في كثير من المواضع حتى صار أحسن لفظا وأغزر معنى، فرواه عنه أصحابه ثانيا (٥). ونظرا إلى صعوبة الكتاب ودقته شرحه عشرات من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، _________ (١) شرح السير الكبير ١/ ٢٥٢. (٢) انظر مقدمة "الجامع الكبير" ص ٢ للأستاذ أبي الوفاء الأفغاني. (٣) انظر: "بلوغ الأماني" ص ٦٣. (٤) انظر: "بلوغ الأماني" ص ٦٣. (٥) انظر "أبو حنيفة، حياته وعصره، آراؤه وفقهه" لأبي زهرة ص ٢٣٨.

стр. 52

منهم الإمام الطحاوي والكرخي والجصاص الرازي والبزدوي والسرخسي وقاضي خان وغيرهم ولم تزل تلك الشروح مخطوطات محفوظة في خزانات العالم (١). ٤ - "السير الصغير": وهو أول كتاب ألّف في علم القانون الدولي ككتاب مستقل وصل إلينا (٢). وهذا الكتاب يرويه محمد عن شيخه أبي حنيفة، يقول محقق الكتاب في تقديمه: يبدو كأن هذا الكتاب (أي السير الصغير) عبارة عن تلخيص ما ورد في كتاب أستاذه الإمام أبى حنيفه في علم السير الذي أملاه على تلامذته وأصحابه، ويجدر بالذكر منهم الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن الشيباني والإمام زفر وأبو إسحاق الفزاري وغيرهم، فرووا عنه هذا الكتاب، وزادوا، ورتّبوه بترتيبات مختلفة وهذّبوه حتى نسبت هذه الترتيبات الجديدة كلها إلى أصحابها، ولم يصل إلينا منها إلا كتاب الشيباني بكامله وبعض الأجزاء من كتاب أبى إسحاق الفزاري (٣). وهذا الكتاب هو الذي أودعه بكامله الحاكم الشهيد الإمام أبو الفضل محمد بن محمد المروزي في كتابه "المختصر" المعروف بالكافي في فروع الحنفية، الذي لخّص كتب ظاهر الرواية، وشرحه الإمام السرخسي في المبسوط. ٥ - "السير الكبير": هذا الكتاب آخر تصنيف صنّفه الإمام محمد من كتب ظاهر الرواية (٤)، يقول الفقيه _________ (١) وقد أجاد وفصّل الدكتور علي أحمد الندوي في التعريف بهذا الكتاب وبيان خصائصه ومزاياه فيرجع "الإمام محمد بن الحسن الشيباني نابغة الفقه الإسلامي" ص ٩٤ - ١٣٢. (٢) وحقّقه أستاذنا الفاضل الدكتور محمود أحمد غازي على إحدى عشرة نسخة خطية، وقدّم له بدراسة وافية في اللغة الانكليزية، كما ترجمه إلى اللغة الانكليزية. ونشره مجمع البحوث الإسلامية، الجامعة الإسلامية العالمية إسلام آباد ١٩٩٨. (٣) "كتاب السير الصغير" بتحقيق الأستاذ الدكتور محمود أحمد غازي صفحة: (و). (٤) انظر: "شرح السير الكبير" للسرخسي ١/ ١.

стр. 53

ابن بيري: "إذا كانت الواقعة مختلفًا فيها، فالأفضل والمختار للمجتهد أن يأخذ بالدلائل، وينظر إلى الراجح عنده، والمقلّد يأخذ بالتصنيف الأخير وهو "السير" (١). وقد احتفى الرشيد بهذا الكتاب جدًّا، وأسمعه ابنيه الأمين والمأمون (٢). وهذا الكتاب من جملة الكتب التي تبرز فيها شخصية الإمام محمد محدّثًا وراويةً فنراه يوثّق كلّ قول بنصوص وآثار. ومن الموضوعات التي اعتنى بها كثيرًا في هذا الكتاب موضوع "الأمان"، فقد عقد بابًا مفصلًا، وأفاض في بحثه، وبنى مسائله على أصول فقهية ونحوية مهمة. ولذلك نوّه الإمام السرخسي بهذا الجانب في شرح الكتاب، فقال: "اعلم بأن أدق مسائل هذا الكتاب وألطفها في أبواب الأمان، فقد جمع بين دقائق علم النحو ودقائق أصول الفقه .... وقيل: … من أراد امتحان المتبحرين في النحو والفقه فعليه بأمان السير" (٣). كما تعرّض الشيباني لموضوع السير في آخر كتاب الزيادات أيضا. وكان من منهج الإمام السرخسي في شرحه أنه يغض النظر عن ذكر المسائل التي سبق بيانها في "شرح الزيادات" (٤) له، أو المبسوط (٥)، ولذلك لما وصل إلى "باب ما يكره في التفريق بين الرقيق في البيع"، اكتفى بقوله: "قد مر هذا الباب في "الزيادات" على هذا النظم والترتيب" (٦). وقال في "باب الأسير والمفقود وما يصنع بما لهما" .... "اعلم بأن أكثر مسائل هذا _________ (١) "عمدة ذوي البصائر على الأشباه والنظائر" لابن بيري ص/ ٣ ب. (٢) "بلوغ الأماني" ص ٦٤. (٣) "شرح السير الكبير" للسرخسي ١/ ٢٥٣، باب أمان الحر المسلم والصبي والمرأة والعبد والذمي. (٤) أشار السرخسي إلى كتابه "شرح الزيادات" في مواضع من كتابه المبسوط انظر ٨/ ١٢٢، ٢١/ ٣٦، ٢٣/ ٨٥، ٢٥/ ١٤٧. (٥) انظر "الجزء العاشر من المبسوط" من ص ٢ - ١٤٤. (٦) "شرح السير الكبير" ٥/ ٢٠٧٥٥.

стр. 54

الباب قد بيناها في "شرح المختصر" في كتاب المفقود، وإنما نذكر ههنا ما لم نبينه ثمة" (١). تبين من هذين النصين أن الإمام السرخسي ﵀ حرص كلّ الحرص على أن يتحاشى عن التكرار ويضيف في أثناء الشرح بحوثًا ومسائل جديدة لم ينبه إليها في "شرح الزيادات" والمبسوط. والملحوظ أنه لم يصل إلينا متن الكتاب المذكور بنصه المنقول من الراويين، والذي بين أيدينا هو ما أملاه الإمام السرخسي مع شرحه المذكور. وقد شرحه الإمام أبو الحسن علي بن الحسين السعدي (٤٦١ هـ) صاحب النتف في الفتاوى كما نص على ذلك الإمام قاضيخان في مواضع من فتاواه (٢). ٦ - "الزيادات": وهذا الكتاب الذي نحن بصدد إحيائه وتحقيقه متضمنا في "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان، وقد أفردت له مبحثا مستقلا في الفصل الثالث. ٧ - "زيادات الزيادت": ألفه بعد إملائه الزيادات على الجامع الكبير استدراكا لما فاته من المسائل. وهو كتاب وجيز يحتوي على سبعة أبواب وهي: ١ - باب طلاق السنة يقع بالوكالة وبالجعل وغيره. ٢ - باب من الطلاق والعتاق في الصحة والمرض. ٣ - باب قسمة الكيلي من الصنفين بعضه شراء ببعض. ٤ - باب من المورايث التي تكون فيها وصية فتبطل الميراث. ٥ - باب شراء الرجل ابنه بابنه وهما عبدان وغير ذلك. ٦ - باب الولد يكون بين الرجلين الكافرين أحدهما تغلبي والآخر ليس بتغلبي. ٧ - باب من صلاة التطوع التي تستقيم أن تكون بإمام أو لا تستقيم. _________ (١) المصدر نفسه ٥/ ١٩٠١. (٢) "فتاوى قاضي خان" مطبوع على هامش الفتاوى الهندية ١/ ٣٣٢.

стр. 55

وقد شرحه شمس الأئمة السرخسي، وسمّاه "النكت"، كما شرحه الإمام العتّابي، وقد طبع الكتاب ممزوجا مع هذين الشرحين باهتمام الأستاذ الشيخ أبي الوفاء الأفغاني في حيدر آباد، سنة ١٣٧٨ هـ. أسانيد كتب الإمام محمد: ومما تجدر الإشارة إليه أن كتب الإمام محمد بن الحسن تتميّز بكونها مروية بأسانيدها، فتذكر في غالب الأثبات والمعاجم على اختلاف القرون أسانيد كثيرة من كتب محمد بن الحسن، منها الآثار والمسند والموطأ والأصول الستة له. وكان العلامة الجمال الحصيرى تلميذ قاضي خان انفرد في عصره بروايتها سماعا بعلو عن الحسن بن منصور الأوزجندي، عن الظهير الحسن المرغيناني عن عمه أبي القاسم محمد بن عبد العزيز عن شمس الأئمة السرخسي بأسانيده المروية في الكتب الستة وعن الحصيري يرويها الصدر سليمان الأذرعي وعنه الشمس السروجي وعنه القطب عبد الكريم الحلبي وعنه عبد القادر القرشي وعنه القاض الزين المراغي وعنه يحيى بن محمد الآقصرائي وعنه البرهان الكركي وعنه السراج الحانوتي وعنه ابنه محمد وعنه الخير الرملي. قال العلامة الكوثري بعد أن ساق هذا السند: "وأسانيد مشايخنا إليه مدونة في الأثبات، لكن لا بأس في أن نشير هنا إلى أسانيدنا في كتب محمد بن الحسن المذكورة … ثم ذكر سنده مفصلا إليه (١). وذكره الحافظ القُرشي في ترجمة أحمد بني إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق، السروجي (٢). _________ (١) انظر "بلوغ الأماني" ص ٦٧ - ٦٨. (٢) "الجواهر المضية" ١/ ١٢٥ - ١٢٦.

стр. 56

الفصل الثاني ترجمة الإمام فخر الدين قاضي خان صاحب شرح الزيادات ١ - اسمه ونسبه ونسبته ٢ - كنيته ولقبه وشهرته ٣ - مولده وموطنه ووفاته ٤ - أسرته ونشأته ٥ - عصر الإمام قاضي خان ٦ - مشايخه ٧ - تلامذته ٨ - سند الإمام قاضي خان في الفقه ٩ - منزلة قاضي خان بين الفقهاء الحنفية وثناء العلماء عليه ١٠ - تصحيح قاضي خان معتمد ومقدم

стр. 57

الفصل الثاني ترجمة الإمام قاضي خان اسمه ونسبه ونسبته: هو الإمام حسن، بن منصور، بن شمس الأئمة محمود، بن عبد العزيز، بن عبد الرزاق، بن أبي نصر، بن جعفر، بن سليمان (١)، الملقّب بفخر الدين، المعروف بقاضي خان، الأوزجندي، الفرغاني، البخاري. كنيته ولقبه وشهرته: كنيته: "أبو المفاخر، أو "أبو المحاسن" (٢). لقبه: "فخر الدين"، و "قاضي خان"، يكاد يتفق أهل التراجم على ذلك، فترجم له كمال الدين بن الفوطي في الملقبين بفخر الدين (٣). أما لقبه المعروف "قاضي خان" فهو مما انفرد به واشتهر، حتى غلب على اسمه هذا اللقب، فصار معروفا به عند عامة الفقهاء وأصحاب التراجم، قديما وحديثا، يذكرونه دائما بهذا اللقب، وذكره القرشي في كتاب الألقاب من "الجواهر المضية" (٤)، وكذلك _________ (١) إن معظم أصحاب التراجم اكتفوا عند ذكر نسبه على: "حسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز" فقط، وما أكملته فذلك بعد التتبع في نسب أجداده في كتب التراجم. (٢) "تلخيص مجمع الأداب" لابن الفوطي ٢/ ١٥٣، "الطبقات السنية"، رقم الترجمة ٢٤٢٠، "مفتاح السعادة" لطاش كبري زاده ٢/ ٢٧٨، "معجم المؤلفين" رقم الترجمة ٤٤٧٠، ١/ ٥٩٤. (٣) "تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب" لكمال الدين أبي الفضل عبد الرزاق بن تاج الدين أحمد المعروف بابن الفوطي الشيباني الحنبلي، (٦٤٢ هـ - ٧٢٣ هـ) ٢/ ١٥٣. (٤) "الجواهر المضية" ٤/ ٤٢٥.

стр. 58

اللكنوي في الخاتمة/ الفصل الأول في تعيين المبهمات (١). وبما أن لقبه هذا غلَب على اسمه الحقيقي، لذا نسبت إليه فتاواه الشهيرة، فاشتهرت باسم: "فتاوى قاضي خان" و "الفتاوى الخانية"، ثم غلب على بعض المتأخرين من الفقهاء اختصار اسم هذا الكتاب، فيذكرون عند إحالاتهم إليه: "وفي قاضي خان" أو: "وفي الخانية" (٢). ثم إنه لم يفصح المؤرّخون عن وجه شهرته بهذا اللقب، إلا أن الظاهر أن سبب شهرته هو توليته منصبَ القضاء، حتى أصبح "قاضى القضاة" (٣)، كما يشعر إليه كلام تلميذه الجليل الإمام الحَصيري، وكلام ابن الفوطي، وسوف أتحدث عنه فيما بعد. مولده وموطنه ووفاته: مولده: لم يتطرق المؤرخون وأصحاب التراجم إلى ذكر تاريخ ميلاده، إلا أنه يُستوحى من تاريخ وفيات مشايخه أن ولادته كان في العقد الثاني من القرن السادس، حيث إنه تفقه على شيخه إبراهيم الصفَّار وهو من أقدم شيوخه، وقد كانت وفاة الصفار المذكور سنة _________ (١) "الفوائد البهية" ص ٢٣٨. (٢) نجد أمثلة على ذلك بكثرة في "حاشية ابن عابدين" و"الفتاوى التتارخانية" و "الفتاوى الهندية" وغيرها من كتب الفتاوى والشروح. (٣) "القاضي": اسم لوظيفة إلا أنه استعمل كلقب فخري في أواخر العصر الفاطمي وعصر الأيوبيين والمماليك، حين كان يطلق على العلماء وموظفي الدولة عمومًا سواء كانوا متصدرين لوظيفة القضاء أم لغيرها، وجرى عرف العامة على ذلك، وأول من عرف بهذا اللقب سلمان بن ربيعة الباهلي، وهو أول قاض بالكوفة استقضاه عمر بن الخطاب، وأبو أمية شريح بن الحارث القاضي، وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي صاحب أبي حنيفة، وهو أول من سمي "قاضي القضاة". انظر "الألقاب الإسلامية في التاريخ والوثائق والآثار" دكتور حسن الباشا ١٩٩٧، مكتبة النهضة المصرية ص ٤٢٤. "اللباب في تهذيب الأنساب" لعز الدين بن الأثير الجزري" ٣/ ٨.

стр. 59

٥٣٤ هـ (١)، فلو فرضنا أن قاضيخان حين تتلمذه على الصفَّار كان عمره في حدود العشرين - وهو الغالب - لوصلنا إلى نتيجة أن ميلاده كان في العقد الثاني - والله أعلم. موطِنه: ولد الإمام قاضي خان في أوزجند، وإليه ينسب الأوزْجَنديّ: نسبة إلى أوزْجَند، بالضم والواو والزاي ساكنان، ويقال: الأوزكندي، نسبة إلى أوزكند، بلد بما وراء النهر من نواحي فَرغانة، وهي آخر مدن فرغانة، و "كند" معناه القرية بلغة أهل تلك البلاد، كما يقول أهل الشام: "الكَفْر" (٢). الفَرْغَاني: بفتح الفاء وسكون الراء وفتح الغين المعجمة، هذه النسبة إلى موضعين أحدهما: إلى فرغانة، وهي ولاية وراء الشاش من بلاد المشرق، وراء نهر جيحون وسيحون (٣). والثاني إلى فرغان. قرية من قرى فارس، ينسب إليها أبو الفتح محمد بن إسماعيل الفارسي الفَرغاني (٤). والإمام قاضي خان من فَرغانة الأولى، وهي الآن أهمّ مقاطعة في الجمهورية الإسلامية أوزبيكستان، وكانت فرغانة مسقط رأس العلماء الأجلاء في الإسلام، ينسب إليها كثير من العلماء (٥). _________ (١) "الفوائد البهية" ص ٧، ويأتي ترجمة إبراهم الصفار عند ذكر مشايخ قاضي خان. (٢) "معجم البلدان" ١/ ٢٨٠. (٣) جيحون وسيحون: نهران عظيمان يسمّيان اليوم "أموداريا" و "سرداريا"، ومنابعهما من أواسط آسيا، وطولهما على الترتيب ١٨٥٠ كم و ٢٧٠٠ كم، وترفدهما أنهار كثيرة، ومعظم مجراهما في أراضي الاتحاد السوفياتي، ويصبّان في بحيرة خوارزم التي تسمى اليوم "بحر آرال". انظر معجم البلدان، وبلدان الخلافة الشرقية ص: ٤٧٧، ٥١٦، ٥٢١. (٤) "اللباب في تهذيب الأنساب" لعز الدين بن الأثير الجزري، ٢/ ٤٢٢. (٥) مثل أحمد بن كثير الفرغاني، عاش في عهد الخليفة المتوكل ٢٤٧ هـ، وله أثر خالد في علم الهيئة. ومنهم أبو جعفر بن محمد بن عبد الله الفرغاني الصوفي نزل بغداد، وصَحب الجنيد. =

стр. 60

وفاته: قال الإمام الذهبي: "بقي إلى سنة تسع وثمانين وخمس مائة، فإنه أملى في هذا العام" (١)، وترجم له الذهبي في المتوفين على التقريب من أهل الطبقة التاسعة والخمسين من "تاريخ الإسلام" (٢)، إلا أن عامة المترجمين له من أبي الوفاء القرشي، وتقي الدين التميمي، وابن العماد الحنبلي، والكفوي، واللكنوي اتفقوا على أنه توفي سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة من الهجرة، وأضاف القرشي والتميمي أنه توفي ليلة الإثنين، خامس عشر من شهر رمضان المبارك، ودُفن عند القضاة السبعة (٣). أسرته ونشأته: نشأ الإمام قاضي خان ببخارى (٤) التي كانت "مجمع الفقهاء ومعدن الفضلاء" (٥)، ومركزهم العلمي، وكانت مكتظّة بفطاحل العلماء وجهابذتهم، (كما يتبين من أسماء بعض علماء منطقة بخارى في تلك الفترة الزمنية ذكرتها تحت عنوان: "عصر الإمام قاضي خان)، وقد ذكر بعض المؤرخين أن هذه المدينة الواسعة كان "المسجد الجامع بها معدوم _________ = انظر بقية علماء فرغانة في "الأنساب" للسمعاني ٤/ ٣٦٧، ٣٦٨. و "اللباب في تهذيب الأنساب" لعز الدين بن الأثير الجزري، ٢/ ٤٢٢. و "تاريخ بخارى" لأبي بكر محمد بن جعفر النرشخي ٣٤٨ هـ عرّبه عن الفارسية وحقّقه الدكتور أمين عبد المجيد بدوي، ص ٢٨. (١) "سير أعلام النبلاء" ٢١/ ٢٣٢. (٢) "تاريخ الإسلام" ٤٠/ ٣٩٨. (٣) انظر "الجواهر المضية" برقم ٤٨٦، ٢/ ٩٥ و "الطبقات السنية" برقم ٧٢٥، ٣/ ١١٧، و "الفوائد البهية" ص ٦٥، "كتائب أعلام الأخيار" للكفوي برقم ٣٨١، "شذرات الذهب" للمؤرخ الفقيه ابن العماد الحبلي ٤/ ٣٠٨، "تاج التراجم" لقاسم بن قطلوبغا، برقم ٨٩، ص ٨٢. (٤) بخارى: من أعظم مدن ما وراء النهر وأجلّها، افتتحها سعيد بن عثمان بن عفّان في أيام معاوية ﵃، وكانت مجمع الفقهاء، ومعدَن الفضلاء، ومنشأ علوم النظر. انظر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي ١/ ٣٥٣. (٥) "آثار البلاد وأخبار العباد" للقزويني، ص ٥١٠ دار صادر.

стр. 61

المثال، كثير الاحتفال" (١). ولكن مما يؤسف له أن المؤرخين له لم يبسطوا القول عن نشأته وتلقيه العلم، رغم أنه تربّى، في أسرة علميّة عريقة، عرفت بالعلم والفقه والقضاء، فأبوه كان عالما وقاضيا (٢). أما جدّه شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز، وعمّه الحسين بن علي ظهير الدين المرغيناني، فكانا عَلَمين بارزين في قائمة مشايخه، وكذلك جدّ أبيه كان من كبار الفقهاء، وفيما يلي أذكر باختصار بعض فقهاء أسرته الكبار: ١ - عبد العزيز بن عبد الرزاق، بن أبي نصر بن جعفر بن سليمان، الإمام، المرغيناني، (والد جدّ قاضي خان) روى عنه أولاده (٣). ونقل القرشي عن أبي سعد قال: كان له ست بنين، كلهم يصلح للفتوى والتدريس، فإذا خرج مع أولاده، قالوا: سبعة من المفتين خرجوا من دار واحدة. مات بمرغينان سنة سبع وسبعين وأربعمائة، وقال الكفوي: وأشهر أبنائه أبو الحسن ظهير الدين على بن عبد العزيز، وشمس الأئمة محمود الأوزجندي، وأشار اللكنوي إلى هذه الأسرة العلمية قائلا: "يأتي ذكر ابنه عن قريب، وابنه محمود الأوزجندي جد قاضي خان حسن بن منصور بن محمود في حرف الميم إن شاء الله تعالى (٤). ٢ - محمود بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، الملقب بشمس الأئمة، الأوزجندي، جد قاضي خان وشيخه، تفقه على الإمام السرخسي. ترجمَ له الكفوي في "كتائب أعلام الأخيار" فقال: "شيخ الإسلام القاضي محمود بن عبد العزيز، الأوزجندي، جدّ الشيخ الإمام قاضي خان، كان من الفقهاء _________ (١) "الروض المعطار في خبر الأقطار" للحميري ص ٨٢. (٢) وهذا ما يستوحى من كلام تلميذه الحَصيري في خاتمة "فتاوى قاضي خان" فذكر والد شيخه بالقاضي الإمام الأجل بدر الدين منصور … ٣/ ٦٤٤. (٣) انظر ترجمته في "الجواهر المضية" برقم ٨٢٦، و"الطبقات السنية" برقم ١٢٤٨، و"الأنساب" ٥٢٢، و"الفوائد البهية" ص ٩٧. (٤) "الفوائد البهية" ص ٩٧.

стр. 62

العظام، والفضلاء الفخام، كان يتصدّر للإفتاء وحلّ مشكلات الأنام فيما شجر بينهم من النزاع، تفقّه على الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي وأخذ عنه" (١). ٣ - علي بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، الإمام، المعروف بظهير الدين الكبير، أبو الحسن، المرغيناني، (أخ جدّ قاضي خان) تفقّه على أبيه عبد العزيز، وعلى السيد أبى شجاع محمد بن أحمد بن حمزة، وعلى بن برهان الدين الكبير عبد العزيز وغيرهم، وهو جد صاحب "الخلاصة" من جهة الأم، وتفقّه عليه ابنه أبو المحاسن ظهير الدين الحسن بن علي، وقوام الدين أحمد بن عبد الرشيد والد صاحب الخلاصة طاهر بن أحمد. وقال القرشي: هو أحد الإخوة الفضلاء الستة. والتبس الأمر على كل من القرشي والقاري فذكرا أنه أستاذ فخر الدين قاضيخان، فتعقّب عليه الكفوي واللكنوي بأن أستاذ قاضى خان هو ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني لا أبوه ظهير الدين الكبير. وهو الصحيح فإنه توفي سنة ست وخمسمائة (٢). ٤ - المعلّى بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، "أحد الأخوة الفضلاء الستة" (٣). ٥ - الحسن بن علي ظهير الدين الكبير بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، المرغيناني، الملقّب بظهير الدين، أبو المحاسن. شيخ قاضي خان. كان فقيها محدّثا، نشر العلمَ إملاء وتصنيفا، ومن مصنفاته: "كتاب الأقضية" والشروط و "الفتاوى" و "الفوائد" وغير ذلك، تفقه على برهان الدين الكبير عبد العزيز بن _________ (١) انظر "كتائب أعلام الأخيار" لمحمود بن سليمان الكفوي المتوفي ٩٩٠، ترجمة برقم ٢٩٩، ص ٣٠٠، مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم ٨٤ م. وانظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ١٦٢٦، و"الطبقات السنية" برقم ٢٤٤١، و "طبقات الفقهاء" لابن كمال باشا ص ٣٣، و"الفوائد البهية" ص ٢٠٩ و ٢٤٢. (٢) انظر ترجمته في "الجراهر المضية" برقم ٩٨٢، و "الطبقات السنية" برقم ١٥٠٨، و"الفوائد البهية" ص ١٢١ - ١٢٣، و "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٣٢٢، و"هدية العارفين" ١/ ٦٩٤. (٣) ترجمته في "الجواهر المضية" برقم ١٦٧٩، و "الطبقات السنية" برقم ٢٥٢٣.

стр. 63

عمر بن مازه، وعلى عمّه شمس الأئمة محمود الأوزجندي (جدّ قاضي خان)، وسوف يأتي ذكره في مشايخ قاضي خان. وفي آخر ترجمته نوّه العلامة اللكنوي بهذه الأسرة النبيلة قائلا: "يأتى ذكر أبيه، وجده، وعمه محمود الأوزجندي، وابن ابن عمه قاضي خان حسن بن منصور بن محمود، وابن أخته طاهر صاحب خلاصة الفتاوى إن شاء الله تعالى (١). ٦ - طاهر بن أحمد (٢) بن عبد الرشيد بن الحسين، افتخار الدين، البخاري. تلميذ قاضي، خان وابن أخت عمّه. صاحب "خلاصة الفتاوى" و "خزانة الواقعات" و"النصاب"، كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر، شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل، يأتي ذكره في تلامذة قاضي خان. عصر الإمام قاضي خان: عاش الإمام قاضي خان ﵀ في القرن السادس الهجري، حيث ولد بأوزجند، فرغانة قبل عام ٥١٨ هـ، وتوفي ببخاري عام ٥٩٢ هـ، أي في أواخر عصر الدولة العباسية. الثانية التي سقطت عام ٦٥٦ هـ بسقوط بغداد على يد التتار. وقد كان هذا العصر عصر ضعف وانهيار للدولة العباسية، كثرت الفتن والاضطرابات، ونجمت بجانب الدولة العباسية عدة دول. قال ابن كثير: ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جميع البلاد فإنه خرج عن بني العباس بلاد المغرب، وبلاد الشام في بعض الأخيان والحرمين في أزمان طويلة. وكذلك أخذت من أيديهم بلاد خراسان وما وراء النهر، وتداولتها الملوك دولا بعد دول حتى لم يبق مع الخليفة منهم إلا بغداد وبعض بلاد العراق؛ وذلك لضعف خلافتهم واشتغالهم بالشهوات وجمع الأموال في أكثر _________ (١) "الفوائد البهية" ص - ٦٦. (٢) ذكره المولى ابن كمال باشا الرومي من طبقة المجتهدين في المسائل الذين يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها من صاحب المذهب، ولا يقدرون على مخالفته في الفروع والأصول.

стр. 64

الأوقات" (١). وعاصَر الإمام قاضي خان من خلفاء بني العباس: ١ - الفضل المسترشد بالله بن المستظهر (٥١٢ هـ - ٥٢٩ هـ). ٢ - المنصور الراشد بالله بن المسترشد (٥٢٩ هـ - ٥٣٠ هـ). ٣ - المقتفي بأمر الله محمد بن المستظهر بالله (٥٣٠ هـ - ٥٥٥ هـ). ٤ - المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي (٥٥٥ هـ - ٥٦٦ هـ). ٥ - المستضيء بأمر الله أبو محمد الحسن بن يوسف (٥٦٦ هـ - ٥٧٥ هـ). ٦ - الناصر لدين الله العباس أحمد بن المستضيء (٥٧٥ هـ - ٦٢٢ هـ) (٢). وقد كانت القوة المسيطرة على الخلافة في أواخر الدولة العباسية دولة السلاجقة، وهم شعب من شعوب الترك يعرفون باسم العز، هاجروا إلى ما وراء النهر عام ٣٧٥ هـ. وكان السلطان السلجوقي ملكشاه قد أعطى أنوشتكين - أحمد سقاه بلاطه بلد خوارزم، فبدأ أنوشتكين ملكه لخوارزم عام ٤٧٠ هـ ثم تعاقب على هذا الملك أحفاده من بعده بإقرار من ملوك السلاجقة، وخضوع من ملوك خوارزم في أغلب الأحيان إلى أن بدأت الخلافات تنشب بينهما حيث طمع ملوك خوارزم في الاستقلال عن السلاجقة، والاستئثار بالسلطة على البلاد التي تحت أيديهم وأعلنوا ذلك، فقامت المعارك بينهما. وقد كان في كل مدينة حاكم مَحليّ أو نائب من المسلمين يتولى إدارة الشؤون الداخلية والنواحي الدينية، ويقوم بدفع ضريبة للقر اخطائيين. وكان الحكم المحلى الذي له المشورة في جميع الأمور في بخارى هو: تاج الدين أحمد بن عبد أحمد بن عمر بن مازة، وذلك بعد مقتل الصدر الشهيد، ثم كان الحاكم _________ (١) انظر: البداية والنهاية لابن كثير ١٣/ ٢٠٥. وبلاد ما وراء النهر يراد به ما وراء نهر جيحون من جهة الشرق، وما كان من جهة غرب النهر فهو خراسان وولاية خوارزم، وهي من أخصب البلاد. انظر: "معجم البلدان" لياقوت الحموي ٥/ ٤٥. (٢) ينظر: "البداية والنهاية" ١٢/ ٢١١، ٢٤١، ٢٦٢، ٣٠٤، ١٣/ ١٠٦.

стр. 65

محمد بن أحمد بن عبد العزيز بن محمد بن الصدر الشهيد عمر بن عبد العزيز البخاري الملقب بصدر جهان، وكان الحاكم بسمرقند السلطان عثمان بن إبراهيم بن حسين. (١) ولا شك أن ضعف الخلافة العباسية، وعدم الاستقرار السياسي، وكثرة الحروب كان له الأثر الكبير على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والعلمية في ذلك العصر، إلا أنه رغم الاضطراب السياسي وأحداث داخلية وخارجية كانت هناك حركات علمية ونهضة أدبية في بخارى وسمرقند وما جاورها من البلاد الإسلامية، ازدهرت فيها الحضارة والعلوم والآداب، يتمثل ذلك في التأليف والتدريس والقضاء والإفتاء وبناء المدارس الإسلامية والمكتبات العلمية في أنحاء العالم الإسلامي، ومن ذلك ما أسّسه الوزير السلجوقي نظام الملك الحسن بن علي الطوسي ٤٨٥ هـ، من مدارس نظامية في المدن الإسلامية الكبرى (٢). أنجبَ هذا العصر علماء وفقهاء أفذاذا كانوا أئمّة في العلوم النقلية والعقلية، ووجد فيه أعلام من الفقهاء الذين كان لهم دور كبير في توضيح المذهب وتطويره وتهذيبه، لذلك أصبحت أقوالهم محل الاعتماد والتعويل في الذهب. وفي هذه الفترة الزمنية التي عاشها الإمام قاضي خان بمدينة بخارى، وجدت بها وما جاورها طائفة من جهابذة العلماء: بعضهم من الطبقة الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، وأكثرهم من الطبقة الرابعة: طبقة أصحاب التخريج، والخامسة: طبقة أصحاب الترجيح، وفيما يلي أذكر أشهر فقهاء الحنفية الذين عاصرهم قاضي خان في تلك المنطقة: ١ - ركن الإسلام أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الزاهد المعروف بالصفار، المتوفى سنة (٥٣٤ هـ) شيخ قاضي خان. _________ (١) انظر: الكامل ١٢/ ٢٥٧، ٢٥٨، دائرة المعارف الإسلامية ٣/ ٤١١، ٦٠٢، أوضاع الدول الإسلامية في الشرق الإسلامي لسعيد بن محمد الغامدي/ ١٨٥/ ١٨٧. (٢) ينظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي، ٤/ ٢٥٦، "أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم" للمقدسي، ص ٢٨٤، "مقدّمة ابن خلدون" ٣/ ١٢٢٥.

стр. 66

٢ - صدر الشهيد عمر بن عبد العزيز بن مازة (٥٣٦ هـ) صاحب "شرح أدب القاضي" للخصاف، أحد جهابذة المذهب. ٣ - شمس الأئمة محمود بن عبد العزيز الأوزجندي، جد قاضي خان. ٤ - الإمام طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري، المتوفى سنة (٥٤٢ هـ)، صاحب "خلاصة الفتاوى". ٥ - أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي، المتوفى سنة (٥٥٢ هـ). صاحب "تحفة الفقهاء". ٦ - الإمام أبو بكر أحمد بن علي بن عبد العزيز، الظهير البلخي (٥٥٣ هـ). ٧ - قاضي القضاة عليّ بن أحمد بن قاضي القضاة أبي الحسن عليّ بن قاضي القضاة أبي عبد الله، الدامغاني، (٥٨٣ هـ). ٨ - زين الدين أبو نصر أحمد بن محمد بن عمر العتّابي، (٥٨٦ هـ). ٩ - ملك العلماء أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني (٥٨٧ هـ) صاحب البدائع. ١٠ - علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، (٥٩٣ هـ) صاحب الهداية. ١١ - برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مازة ٥٥١ هـ - ٦١٦ هـ صاحب "المحيط البرهاني". وغيرهم الذين كانوا نجوما ساطعة في سماء العلم، وكل واحد منهم يتبوّأ مركزا علميا مرموقا، وكان لهم أثر كبير في الأجيال من بعدهم في ازدهار العلم وتطور المذهب، وتميّز الإمام قاضي خان بينهم في تمكّنه في الاجتهاد والقضاء والإفتاء، ورسوخه في الفقه الحنفي.

стр. 67

مشايخه: لقد سبق أن الإمام قاضي خان ترعرع في بيئة علمية وتربّى في أسرة عريقة في العلم والمعرفة، وأنه عاصر كبارا من جهابذة الفقهاء، فالتقى بهم واستفاد منهم، وإن المترجمين له لم يسجّلوا شيئا عن رحلاته العلمية، كما لم يفصّلوا أسماء شيوخه الذين روى عنهم التفسير والحديث والفقه وبقية العلوم، واكتفوا بذكر أربعة من مشايخه المشهورين، ومما لا شك أن عدد مشايخه أكبر من ذلك بكثير، تدل عليه مصنفاته العلمية وما دوّن فيها من آرائهم القيمة، وهذا ما ألمَعَ إليه الإمام الذهبي بقوله: "سمع الكثيرَ من الإمام ظهير الدين الحسن بن علي، ومن إبراهيم بن عثمان الصفاري وطائفة" (١)، وفيما يلي أسجّل نبذة يسيرة. في كبار مشايخه: ١ - إبراهيم بن إسماعيل الصفّار: هو إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق بن شيث بن الحكم بن أقلد بن أبان بن عُقبة بن يزيد بن رؤبة بن حقانة بن وائل بن هُضَيم بن دينار بن ضُبَيعة بن نِزار بن مَعَدّ بن عدنان، الأنصاري الوائليّ، أبو إسحاق، ركن الإسلام؛ الزاهد، المعروف بالصفار (٢). من بيت علم وفضل، أبوه وجدّه وجدّ أبيه كلهم من أفاضل الحنفية، وهو تفقّه على والده، ذكر القرشي أنه ولد في حدود سنة ستين وأربعمائة، مات ببخارى في السادس والعشرين من ربيع الأول سنة ٥٣٤ هـ. وله تصانيف، منها: كتاب تلخيص الزاهدي، وكتاب السنة والجماعة. وأخذ عنه جماعة، يقول تقي الدين التميمي الداري: واشتغل عليه الجمّ الغفير، _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ٢١/ ٢٣٢. (٢) ذكر السمعاني في "الأنساب" عند ذكر الصفّار أنه بفتح الصاد المهملة وتشديد الفاء، في آخره راء مهملة، يقال لمن يبيع الأواني الصفرية، ثم قال: من جملة المشتهرين به أبو إسحاق إبراهيم بن إسماعيل الصفّار، المعروف بالزاهد الصفار. انظر "الأنساب" رقم الترجمة ٣٥٣.

стр. 68

ومن جملتهم قاضي خان ﵀". وقال ابن الفوطي في ترجمة قاضي خان: "روى عن أبي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل بن أبي نصر "الأنصاري البخاري" (١). قال اللكنوي: كان إماما ورعا زاهدا مثل والده في قمع السلاطين وقهر الملوك، حمله السلطان سنجر بن ملك شاه إلى مَرْو، وأسكنه إياها. وقال علي القاري في كتابه "الأثمار الجنية في طبقات الحنفية": إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد بن إسحاق الأنصاري أبو إسحاق الفقيه، عُرف بالصفّار، تفقّه على والده، وسمع "الآثار للطحاوي" على والده، وكتاب "العالم والمتعلم" لأبى حنيفة على أبى يعقوب السيّارى، بتشديد التحتية بقراءة والده، و"السير الكبير" لمحمد على أبي حفص، و"كتاب الكشف" في مناقب أبي حنيفة، تصنيف عبد الله بن محمد بن يعقوب الحارثي على ولده، وكان من أهل بخارى موصوفا بالزهد والعلم، وكان لا يخاف في الله لومة لائم (٢). ٢ - شمس الأئمة محمود الأوزجندي، جد قاضي خان: هو محمود بن عبد العزيز بن عبد الرزاق، الأوزجندي، القاضي، الملقب بشمس الأئمة (٣)، جد قاضي خان وشيخه، ويلقب بـ "شيخ الإسلام" أيضا، كما ذكره القرشي _________ (١) "تلخيص مجمع الآداب في معجم الألقاب" لكمال الدين أبو الفضل عبد الرزاق بن تاج الدين المعروف بابن الفوطي الشيباني الحنبلي، ٦٤٢ هـ - ٧٢٣ هـ، ٢/ ١٥٣. (٢) انظر ترجمته في "الجواهر المضية" برقم ١١، "الطبقات السنية" برقم ٢٢، "الفوائد البهية" ص ٧، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٣١٧، "طبقات الفقهاء" لطاش كبري زاده ص ٩٥، "الأنساب" للسمعاني ٣٥٣، "التحبير في المعجم الكبير" ١/ ٧١. (٣) "شمس الأئمة" لقب جماعة من العلماء والفقهاء، مثل عبد العزيز الحلواني، ومحمد السرخسي، ومحمد بن عبد الستار الكَردَري، ومحمود الأوزجندي، وبكر بن محمد الرنجري، وعند الإطلاق في كتب أصحابنا هو شمس الأئمة السرخسي، وفيما عداه يطلق مفيدًا مع الاسم أو النسبة أو بهما، كشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة الكردري، وشمس الأئمة محمود الأوزجندي. نصّ عليه اللكنوي وعزاه إلى الكفوي. انظر "الفوائد البهية" ص ٢٤٢.

стр. 69

والكفوي (١). ترجمَ له الكفوي في "كتائب أعلام الأخيار" فقال: "شيخ الإسلام القاضي محمود بن عبد العزيز، الأوزجندي، جدّ الشيخ الإمام قاضي خان، كان من الفقهاء العظام، والفضلاء الفخام، كان يتصدّر للإفتاء وحل مشكلات الأنام فيما شجر بينهم من النزاع، تفقّه على الشيخ الإمام شمس الأئمة السرخسي وأخذ عنه" (٢). تفقّه عليه الإمام قاضي خان كما صرّح به الكفوي واللكنوي (٣)، ودوّن بعض آرائه في كتابه "شرح الزيادات" (٤). وتكرّر ذكره في كتب الفتاوى والشروح، ونقل القرشي بعض آرائه في الجواهر (٥)، وله بعض المصنف في الفقه، استفاد منها ابن الهمام في "فتح القدير"، وأشار إليه بقوله: وفي فوائد شمس الإسلام الأوزجندي … (٦). _________ (١) وأفاد العلامة الكفوي في ترجمته أن لقب "شيخ الإسلام" يطلق على من تصدر للإفتاء، وحل المشكلات فيما شجر بينهم من النزاع والخصام من الفقهاء العظام، وقد اشتهر بها من أخيار المائة الخامسة والسادسة علَم منهم: شيخ الإسلام أبو الحسن على السُّغْدي، وشيخ الإسلام على بن محمد الإسبيجابي، وشيخ الإسلام برهان الدين على المرغيناني صاحب الهداية، وشيخ الإسلام محمود الأوزجندي وغيرهم، كذا ذكره اللكنوي نقلا عن الكفوي. "الفوائد البهية" ص ٢٤١. (٢) انظر "كتائب أعلام الأخيار" لمحمود بن سليمان الكفوي المتوفي ٩٩٠، ترجمة برقم ٢٩٤، ص ٣٠٠، مخطوط بدار الكتب المصرية تحت رقم ٨٤ م. وانظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ١٦٢٥، و "الطبقات السنية" برقم ٢٤٤١، و "طبقات الفقهاء" لابن كمال باشا ص ٣٣، و "الفوائد البهية" ص ٢٠٩ و ٢٤٢. (٣) "الفوائد البهية" ص ٦٤. (٤) فمثلا نقل عنه قاضي خان في كتاب الأيمان باب الحنث في المين، بقولة: "وبه كان يُفتي جدّي الشيخ الإمام شمس الأئمة محمود الأوزجندي" ص ٣٤٥. (٥) "الجواهر المضية" ترجمة برقم ١٦٢٥، ٣/ ٤٤٦. (٦) "فتح القدير" ٣/ ١٤٧. ولقد سعدت برؤية نسخة من هذا الكتاب أثناء زيارتي لمكتبة مراد ملا باستنبول، تقع في مجلدين: =

стр. 70

٣ - ظهير الدين الحسن بن علي ظهير الدين الكبير المرغيناني: هو الحسن بن علي ظهير الدين الكبير بن عبد العزيز بن عبد الرزاق بن أبي نصر، المرغيناني، الملقّب بظهير الدين، أبو المحاسن. تفقّه على برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه، وعلى عمّه شمس الأئمة محمود الأوزجندي (جدّ قاضي خان)، وزكى الدين الخطيب مسعود بن الحسن الكُشَانيّ، وهم تفقهوا على شمس الأئمة السرخسي. والإمام فخر الدين قاضي خان الذي هو ابن ابن عمّه قرابة، كان من أجل تلامذته ولازَمَه ملازمة طويلة (١)، وأكثَرَ في السماع منه، أشار إليه الإمام الذهبي والعلامة قاسم بن قطلوبغا بقوله: "سمعَ الكثيرَ من الإمام ظهير الدين حسن بن علي بن عبد العزيز" (٢). وتفقّه عليه ابن أخته افتخار الدين طاهر صاحب "خلاصة الفتاوى"، وهو آخر المتفقهين عليه، وظهير الدين محمد بن أحمد صاحب "الفتاوى الظهيرية"، وذكر عبد القادر القرشي أنه روى عنه صاحبُ الهداية "كتابَ الترمذيّ" بالإجازة، بسماعه من برهان الأئمة عبد العزيز بن عمر. وقال برهان الإسلام الزَّرنوجي، تلميذ صاحب الهداية في كتابه الشهير "تعليم المتعلّم": أنشدنا الشيخ الإمام ظهير الدين، مفتي الأمة، حسن بن علي المعروف بالمرغيناني: _________ = المجلد الأول في ٢٣٥ ورق برقم ١١١٩ والمجلد الثاني في ١٨٤ ورق برقم ١١٢٥، وهو كتاب نفيس قيّم مقارن بين المذاهب، يجمع بين الأدلة والمسائل. (١) وجدير بالتنبيه هنا أنه اشتبه هذا الأمر على القرشي وعليّ القاري، فقالا في ترجمة والده عليّ بن عبد العزيز: "هو أستاذ فخر الدين قاضيخان، وهو أحد الإخوة الفضلاء الستة"، تعقّب عليه الكفوي قائلا: "قلت: أستاذ قاضي خان ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني، لا أبوه ظهير الدين الكبير"، كما تعقّب عليهما اللكنوي، وأجاد فيما أفاد، فليرجع "الفوائد البهية" ص ٢٦، ٦٣. (٢) "سير أعلام النبلاء" ٢١/ ٢٣٢، "تاج التراجم" ص ٨٢.

стр. 71

الجاهلونَ فَمَوتَى قبلَ مَوْتهمُ … والعَاِلمُونَ وإن ماتُوا فأحياءُ وكان الإمام ظهير الدين فقيها محدّثا، نشر العلمَ إملاء وتصنيفا، ومن مصنفاته: "كتاب الأقضية" و "الشروط"، و "الفتاوى" و "الفوائد" وغير ذلك (١). ٤ - نظام الدين إبراهيم بن علي المَرْغينَاني: هو إبراهيم بن علي، المَرْغينَاني، الملَقَّب نظام الدين، أبو إسحاق. يقول القرشي والتميمي الداري: أحد مشايخ قاضي خان، وأحد مَن انتفع به، وتفقّه عليه، وتخرج به رحمهما الله تعالى (٢). _________ (١) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٤٦٦، "الطبقات السنية" برقم ٦٩٦، "الفوائد البهية" ص ٢٦، ٦٣، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٣٤٤. (٢) انظر ترجمته في "الجواهر المضية"، برقم ٣٣، و"الطبقات السنية" برقم ٦٠.

стр. 72

تلامذته درسَ الإمام قاضي خان وتفقّه على أيدي هؤلاء المشائخ حتى بلغ إلى مرحلة النضج والرسوخ، وبعد أن ارتفع شأنه في العلم وترقّى، وتبوّأ منزلة كبيرة بين علماء زمانه حتى فاق أكثرَ فقهاء ذلك العصر في الفقه، تصدّر للتدريس والإملاء والإفتاء، فانضمّ إلى حلقته كثير من رواد العلم، ولعلّ الإمام قاضيخان كان أجلّ الفقهاء في ذلك العصر وأشهرهم، ومَن كان مثله في العلم والفضل لابدّ أن يكثر تلاميذه، ألمَعَ إليه الإمام الذهبي بقوله: "وأملى مجالسَ كثيرة رأيتها" (١). وكذلك يدل عليه ما ساقَه القرشي والتميمي والقاري في طبقاتهم من حكاية طريفة، وفيها: "إن محمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الفضل الكماري عندما دخل بلاد فرغانة، وجَدَ قاضي خان يتكلم فوق المنبر، وبين يديه العلماء، وهم يكتبون ما يُلمي عليهم (٢). _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ٢١/ ٢٣٢. (٢) وتمام القصة ما حكاه العلامة اللكلنوي نقلا عن القاري: "وفي "طبقات القاري": محمد بن الفضل أبو الفضل الكمارى - بفتح الكاف والميم - يحكى أن والده وعده بألف دينار عند تمام حفظه المبسوط وكذا لأخيه، فلما حفظه دفع المال لأخيه، وقال له: يكفيك حفظ المبسوط، فخرج مغاضبًا، فانتهى به السفر إلى أن دخل بلاد فرغانة، فوجد قاضي خان يتكلم فوق المنبر، وبين يديه العلماء، وهم يكتبون ما يملى عليهم، فذكر قاضي خان مسألة خلافية بين أبى يوسف ومحمد، فعكس قول أبى يوسف وجعله قول محمد، وقول محمد قول أبي يوسف، فقال له أبو بكر: اعكس، فقال قاضي خان: وإن لم أعكس فقال أبو بكر: إن لم تعكس يرد على قول أبي يوسف كذا وكذا، ويرد على قول محمد كذا وكذا، وذكر عدة مسائل، فترك قاضي خان المنبر واعتنقه، وقال: يا سيدى! لعلك تكون محمد بن الفضل الكماري قال: نعم، فقال: أنت أحق بهذا المجلس منّى، ومات ببخارى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة" - انتهى -. ثم تعقّب عليه اللكنوي قائلا: "هذه الحكاية التي حكاها من ملاقاته مع قاضي خان مما لا يمكن =

стр. 73

فتفقّه عليه أجلة العلماء وكبار الفقهاء الذين أصبحوا بعد ذلك أئمة في علوم الدين، وفيما يلي أسوق تراجمَ الفقهاء البارزين من تلاميذه باختصار: ١ - طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين، الإمام، افتخار الدين، البخاري: تلميذ قاضي خان وابن أخت عمّه، أخذ عن أبيه قوم الدين أحمد عن أبيه عبد الرشيد، وأيضًا أخذ عن حماد بن إبراهيم الصفار، وتفقّه على خاله ظهير الدين الحسن بن على المرغيناني، كما تفقّه على الإمام قاضيخان. "كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر، شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل" حيث ذكره العلامة ابن كمال باشا من "طبقة المجتهدين في المسائل" الذين يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها من صاحب المذهب (١). وله تصانيف مقبولة، منها "خلاصة الفتاوى" و "خزانة الواقعات" و"النصاب". وقول العلامة اللكنوي: "وقد طالعت من تصانيفه خلاصة الفتاوى، ذكر أنه لخّصه من الواقعات والخزانة، وهو كتاب معتبر عند العلماء معتمد عند الفقهاء (٢). وذكر التميمي وحاجي خليفة أنه توفي سنة ٥٤٢ هـ بسَرْخَس ثم حمل إلى بخارى. ٢ - عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، ينتهي نسبه _________ = وقوعها، فإن وفاة قاضي خان وهو حسن بن منصور الفرغاني سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، كما مرّ عند ترجمته، وقد ذكره القارى أيضا في ترجمته، فهل يتصور ملاقاة من توفى سنة ٣٧١، فلعله نسى ما قدمت يداه، وأظن أن الملاقى لقاضى خان هو أبو بكر محمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن صاحب الترجمة المتوفى سنة ٥٤٩ على ما نقلناه من "الأنساب". "الفوائد البهية" ص ١٨٥. وانظر: "الجواهر المضية" ٣/ ٣٠١. وهذه القصة تدل على تمام أدب قاضي خان مع المشايخ وتواضعه، وبعده عن الاستعلاء. (١) "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" لللكنوي ص ٩، و "الفوائد البهية" ص ٨٤. (٢) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٦٦٦، "الطبقات السنية" برقم ٩٩٧، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٤١٤، "كشف الظنون" ١/ ٧٠٢، ٧١٨، ٧٠٣، ٢/ ١٩٩٩، "مفتاح السعادة" ٢/ ٢٧٨، "الفوائد البهية" ص ٨٤.

стр. 74

إلى عُبادة بن الصامت، جمال الدين المحبوبي (١)، الإمام، المعروف بأبي حنيفة الثاني. ولُد سنة ٥٤٦ هـ، وكان إماما كاملا معدوم النظير في زمانه، فَرد أوانه في معرفة المذهب والخلاف. قال الإمام الذهبي في "العبر في خبر من غبر": "شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب، أخذ عن أبي العلاء عمر بن بكر بن محمد الزرنجري عن أبيه شمس الأئمة، وتفقه أيضًا على قاضيخان الأوزجندي". وممّن تفقّه عليه ابنه أحمد والد تاج الشريعة صاحب "الوقاية"، وحافظ الدين الكبير محمد البخاري، وحميد الدين الضرير على بن محمد البخاري، وبهاء الدين محمد بن أحمد الاسبيجابي، والظهير أبو بكر أحمد بن علي البلخي وغيرهم. له تصانيف منها: "شرح الجامع الصغير"، و "كتاب الفروق"، توفي ببخارى في جمادى الأولى سنة ٦٣٠ هـ (٢). ٣ - يوسف بن أحمد بن أبي بكر، الخاصِي (٣)، نجم الدين، جمال الأئمة: كان إمامًا فاضلا، أخذ عن أبي بكر محمد بن عبد الله من أقران عمر النسفي، وعن الصدر الشهيد حسام الدين عمر، وعن الحسن قاضي خان، جمع "الفتاوى" المشهورة، ورتّب "فتاوى" الصدر الشهيد و "واقعاته". وحكى اللكنوي عن القارى أنه كان في أوائل المائة السادسة، وأن له "الفتاوى" و "مختصر الفصول"، وذكر حاجي خليفة وفاته عند ذكر "الفصول في الأصول" سنة أربع وثلاثين وستمائة (٤). _________ (١) "المحبوبي": نسبة إلى محبوب بن الوليد بن عبادة بن الصامت، أحد أجداده. انظر "الفوائد البهية" ص ١٠٨. (٢) انظر ترجمته في: "العبر" للذهبي ٢٣/ ١١٢، "دول الإسلام" للذهبي ٢/ ١٣٥، "الجواهر المضية" برقم ٨٩١، "الطبقات السنية" برقم ١٣٦٢، "الفوائد البهية" ص ١٠٨، "كتائب إعلام الأخيار" برقم ٣٩٥، "شذرات الذهب" ٥/ ١٣٧. (٣) "الخاصي": نسبة إلى الخاص، قرية من قرى خوارزم، "الفوائد البهية" ص ٢٢٦. (٤) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ١٨٣١، "الطبقات السنية" برقم ٢٧١٤، "كشف =

стр. 75

٤ - الإمام محمود بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان بن نصر بن عبد الملك (١)، الملقّب بجمال الدين، المكنى بأبي المحامد، البخاري، الشهير بالحَصيري: (٢). وُلد ببُخارى سنة (٥٤٦ هـ). كان إمامًا فاضلا، انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، تفقّه على الإمام قاضيخان الذي كان أجلّ الفقهاء في ذلك العصر وأشهرهم، فلازمه الحصيري خلال إقامته في بخارى وجعله أسوةً وسندًا في مجال الفقه الحنفي، وكان من تلامذته الخاصة حتى بلغ رتبة الكمال. وبعد وفاة شيخه قاضي خان سنة ٥٩٢ هـ خرج من بخارى، فسمع صحيح مسلم وغيره بنيسابور من الإمام أبي الحسن المؤيد الطوسي، وسمع من الإمام المحدث أبي سعد الصفار النيسابوري الشافعي، والإمام منصور الفُراوي، وسمع بحلب من الإمام افتخار الدين الهاشمي، ثم توجّه إلى دمشق واستقرّ به. ودرّس في المدرسة النورية بدمشق خمسا وعشرين سنة (٣)، وتفقّه به طائفة كبيرة منهم: الملك المعظم عيسى بن أبي بكر الأيوبي (٦٢٣ هـ) مصنف "أصول الجامع الكبير"، وصدر الدين الخِلاطي، وسِبط: ابن الجوزي، والإمام صدر الدين سليمان بن وهيب الأذرِعي صاحب "منتخب شرح الزيادات" الذي ألفه قاضي خان، والعلامة شهاب الدين الرازي، والعلامة مَجد الدين الموصلي، صاحب المتن المشهور "المختار" وشرحه _________ = الظنون" ٢/ ١٢٢٢، "الفوائد البهية" ص ٢٢٦، "تاج التراجم" برقم ٣٩١. (١) انظر ترجمته في: "تكملة إكمال الإكمال في الأنساب والأسماء والألقاب، لابن الصابوني ص ١٢٧، ١٢٨، سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٥٢. الجواهر المضية برقم ١٦١١، الطبقات السنية برقم ٢٤١٩، الفوائد البهية ص ٢٠٥، كتائب أعلام الأخيار برقم ٤١٧، طبقات الفقهاء لطاش كبري زاده ص ١٠٧، التكملة لوفيات النقلة ٦/ ٢٨٨، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٢٥، العبر ٥/ ١٥٢، النجوم الزاهرة ٦/ ٣١٣، شذرات الذهب ٥/ ١٨٢، كشف الظنون ١/ ٥٦٣، ٥٦٨، ٧٢٧. (٢) "الحَصِيري": بفتح الحاء، نسبة إلى محلّة ببخارى ينُسج بها الحَصير. "تاج التراجم" ص ٦٩، "تكملة إكمال الإكمال" ص ١٢٨، "سير أعلام النبلاء" ٢٣/ ٥٣. (٣) "العبر في خبر من عبر" للذهبي، ٣/ ٢٢٨.
следующие страницы →