يجمع الوصية في عين، يبقى بعد الميراث ثلث هذا العبد الذي أوصى به للأجنبي، وثلثا العبد الآخر، فيدفع هذا الثلث إلى الموصى له تكميلا لوصيته، ويوضع ثلثا العبد الآخر في بين المال.
من المشايخ من قال بأن ما قال عيسى قياس، وما قاله محمد في الكتاب استحسان. وجه القياس ما ذكرنا.
وجه الاستحسان: أن الوصية للأجنبي أقوى من الوصية للوارث.
ثم في الوصية الضعيفة، وهو ما إذا أوصى بأحد العبدين للمرأة، لا يوضع في بيت المال إلا نصف العبد، ففي القوية أولى أن لا يوضع أكثر من ذلك.
ومنهم من قال: الصحيح ما قال عيسى، وإنما أجاب محمد بهذا؛ لأنَّه وضع المسألة فيما إذا أوصى بأحد العبدين لأجنبي قتل المرأة ولم تعف عنه، وإليه أشار في الكتاب، فإنه عطف عليه الوصية لقاتل عفا عنه، فكان هذا في قاتلٍ لم يعف عنه.
وعلى هذا التأويل يصح هذا الجواب؛ لأن الوصية للقاتل مؤخّرة عن الميراث كالوصية للوارث، فتأخذ المرأة ربع المال، وذلك نصف العبد الآخر، ويأخذ القاتل جميع العبد الموصى به لخلوه عن الميراث، بقي نصف العبد فيوضع في بيت المال.
وكذا لو أوصى بأحد العبدين بعينه لقاتله عمدا، وقد عفا عنه؛ لما ذكرنا، وإنما وضع المسألة في قتل العمد؛ لأنَّه لو كان خطأ يزداد ماله.
فإن قالت المرأة: أنا آخذ بالميراث ربع كل واحد من العبدين، لم يكن لها ذلك؛ لما قلنا أن الميت يملك الوصية بثلاثة أرباع ماله، وثلاثة الأرباع بمنزلة ثلث المال في حق من له ابن. ولو أوصى بعبد يخرج من ثلث ماله، لم يكن للإبن أن يأخذ ثلثي العبد بالميراث
стр. 1752
كذلك هاهنا. ولأن المرأة في هذا القول متعنتة قاصدة للإضرار بالموصى له من غير أن يكون لها فيه منفعة؛ لأن اجتماع نصيبها في عبد واحد، يكون أنفع من التفرق في العبدين، فلا يلتفت إليها.
ولو مات الرجل، وترك عبدين، وأوصى بأحدهما لأجنبي، وأوصى بالآخر للمرأة، وليس له وارث غيرها، يبدأ بالأجنبي، فيعطى له ثلثا عبده؛ لأن الوصية للأجنبي بقدر الثلث مقدمة على الميراث وعلى الوصية للوارث، وثلث ماله ثلثا عبد واحد فيعطى له ذلك من محل وصيته لما قلنا.
بقي مال الميت ثلث هذا العبد والعبد الآخر للمرأة بحكم الميراث ربع ما بقي، فجعلنا كل عبد اثني عشر ليكون له ثلث ولثلثه ربع، وإذا صار كل عبد اثني عشر، صار مال الميت. أربعة وعشرين، يعطى للموصى له ثلث مال الميت وهو ثمانية من العبد الذي أوصى له به، بقي حقه في أربعة أسهم، ويعطى للمرأة بحكم الميراث ربع ما بقي وذلك أربعة أسهم، ثلاثة أسهم (١) من العبد الذي أوصى لها به، وسهم واحد (٢) من العبد الآخر، يبقى من التركة اثنا عشر سهما، فإذا استحقت من محل وصيتها ثلاثة أسهم بطريق الميراث، بطلت وصيتها في ذلك القدر وبقيت وصيتها بتسعة أسهم من اثني عشر سهما من العبد، وبقي للأجنبي من وصيته أربعة أسهم، فكان حقهما جميعا في ثلاثة عشر سهما، فيقسم الباقي، وهو اثنا عشر سهما بينهما على ثلاثة عشر، وذلك لا يستقيم، فضربنا أصل الحساب، وذلك أربعة وعشرون في ثلاثة عشر، يصير ثلثمائة واثني عشر، فهذا كل
стр. 1753
المال، كل عبد مائة وستة وخمسون، سلم للأجنبي ثلث مال الميت حالة، وأربعة من العبد الموصى به.
بقي مال الميت مائتان وثمانية، للمرأة بحكم الميراث ربع ما بقي وذلك اثنان وخمسون، بقي من المال مائة وستة وخمسون، يقسم بين الأجنبي والمرأة على ثلاثة عشر، كل سهم اثنا عشر، للأجنبي أربعة أسهم، وذلك ثمانية وأربعون، لكن من محل وصيته، وللمرأة تسعة أسهم من محل وصيتها، كل سهم اثنا عشر، فيكون مائة وثمانية، وقد أخذت بحكم الميراث اثنين وخمسين، فكان جميع ما سلم لها مائة وستة وخمسين من العبد الذي أوصى لها، وأربعة أسهم من العبد الآخر، وسلم للأجنبي من عبده مرة مائة وأربعة، ومرة ثمانية وأربعون، فكان له في الحاصل مائة واثنان وخمسون.
ولا يقال: بأنها أخذت في الانتهاء من محل وصيتها بطريق الميراث أكثر مما جعلنا لها في الابتداء، فإنا جعلنا ميراثها في الابتداء أربعة أسهم، ثلاثة من محل وصيتها، وسهما من العبد الآخر كل سهم في ثلاثة عشر، فصار سهام الميراث اثنين وخمسين، سبعة وثلاثون سهما في ذلك في محل وصيتها، وثلاثة عشر سهما في العبد الآخر، وفي الانتهاء لم تأخذ المرأة من العبد الآخر إلا أربعة أسهم، فكان سهام الميراث من محل وصيتها ثمانية وأربعين، وإذا كثر سهام الميراث في محل الوصية ينبغي أن ينقل سهام الوصية عنه.
لأنا نقول: إنما ننظر إلى ميراثها قبل القسمة، فنرفع ذلك من وصيتها، ثم نقسم الوصية على ما بقي، فما أصاب الأجنبي يأخذ (١) من محل وصيته، وما أصاب المرأة
стр. 1754
نجعل في عين واحد نظرا لهما.
امرأة ماتت، وتركت زوجا لا وارث لها غيره، وتركت عبدين قيمتهما سواء، وأقرّت بأحدهما بعينه لزوجها في مرض الموت، وصدقها الزوج، فإن الزوج يأخذ العبد المقر به ونصف العبد الآخر؛ لأنها لو أوصت بأحد العبدين لزوجها صحت وصيتها، فيصح إقرارها لانتفاء التهمة، وإذا صح الإقرار خرج هذا العبد عن التركة، وبقيت تركة الميت العبد الآخر، فيأخذ الزوج نصفه، ويوضع النصف في بيت المال.
بخلاف ما إذا أوصت لزوجها بأحد العبدين بعينه، فإنه يأخذ العبدين جميعا، أحدهما بحكم الوصية، والآخر بحكم الميراث؛ لأنَّه لا يخرج عن التركة بالوصية، والوصية للوارث مؤخر عن الميراث (١)، فكان الحكم ما ذكرنا.
وكذا لو أقرت له بدين صح إقرارها، فيباع أحد العبدين بالدين أن كان بثمنه وفاء بالدين، ويأخذ نصف الباقي بحكم الميراث، ويكون النصف لبيت المال.
ولو أقرّت بأحد العبدين بعينه لقائلها عمدا، وقد عفت عنه، كان العبد المقر به للقاتل والعبد الآخر للزوج؛ لأن إقرارها للقاتل بالدين والعين لا يصح في حق الزوج، دفعا للمغايظة عن الزوج، والإقرار للقاتل والوصية له سواء، فيأخذ الزوج ميراثه، وهو النصف من جميع التركة لكن من غير محل الإقرار. بقي النصف الآخر فارغا عن حق الوارث فيعمل فيه إقرارها للقاتل.
بخلاف ما لو أقرت لزوجها؛ لأن الإقرار للزوج إنما لا يصح لمكان التهمة، ولا تهمة
стр. 1755
في حق الزوج فخرج المقر به عن الميراث.
وإذا هلكت المرأة وتركت زوجا لا وارث لها غيره، وأوصت لأجنبي بثلثي مالها، ولقاتلها بثلثي مالها، فإنه يبدأ بالأجنبي، فيأخذ ثلث المال؛ لأن وصية الأجنبي بقدر الثلث مقدمة على الميراث، بقي ثلثا المال، يأخذ الزوج نصف ما بقي، وهو الثلث؛ لأن الميراث مقدم على الوصية للقاتل، يبقى ثلث المال يضرب فيه الأجنبي ببقية وصيته، وهو الثلث، والقاتل بثلثي المال في قول محمد؛ لأن عنده الاستحقاق بالميراث، لا يبطل الضرب بالوصية، فيضرب بجميع وصيته، فيصير هذا الثلث بينهما أثلاثا، ويصير المال تسعة، يأخذ الأجنبي أولا ثلاثة، ويأخذ الزوج ثلاثة، بقي ثلاثة بين الأجنبي والقاتل، فحصل للأجنبي أربعة أتساع المال، وللقاتل تسعا المال، وللزوج ثلث المال.
وعند أبي حنيفة. القاتل لا يضرب بوصيته بما صار مستحقا للزوج بالميراث، وإنما يضرب بما بقي، وهو الثلث، والأجنبي كذلك، فيصير الثلث بينهما نصفيان، والقسمة من ستة، للأجنبي نصف المال، وللزوج سهمان، وللقاتل سهم.
فإن أجاز الزوج وصيتهما، يقسم نصيب الزوج بالميراث بينهما على ما بقي قبل إجازة الزوج، كانت المسألة في قول أبي حنيفة من ستة، حق الأجنبي كان في ثلثي المال، أربعة من ستة، وصل إليه مرة سهمان، ومرة سهم، فإنما بقي حقه في سهم، وحق القاتل كان في أربعة وصل إليه سهم، بقي حقه في ثلاثة.
وفي مثل هذا عند أبي حنيفة يقسم بطريق المنازعة، ومعا من المال سهمان، فقد فرغ عن منازعة الأجنبي سهم، فيسلم ذلك للقاتل، وسهم آخر استوت منازعتهما فيه، فكان بينهما انكسر بالإنصاف، فتصير المسألة من اثني عشر، ويكون للأجنبي سبعة وللقاتل خمسة.
стр. 1756
وأما عند محمد قبل إجازة الزوج كانت المسألة من تسعة، حق الأجنبي كان في ستة وصل إليه مرة ثلاثة، ومرة سهم، بقي حقه في سهمين، وحق القاتل أيضا كان في ستة، وصل إليه سهمان بقي حقه في أربعة.
فإذا أجاز الزوج، يقسم نصيب الزوج، وذلك ثلاثة بينهما أثلاثا، للأجنبي سهم وللقاتل سهمان، فسلم للأجنبي خمسة من تسعة وللقائل أربعة.
امرأة قتلها زوجها عمدا فعفت عنه، وأوصت بنصف مالها لأجنبي، فالنصف للأجنبي والنصف لبيت المال؛ لأن الزوج بحكم الميراث خرج من أن يكون وارثا، فهذه تركة من لا وارث لها، فجازت وصيتها للأجنبي، فيكون نصف المال للأجنبي والنصف لبيت المال.
ولو أوصت بمالها لزوجها كان المال له بحكم الوصية في قول أبي حنيفة؛ لأنَّه صار محروما عن الميراث والتحق بالأجانب، ولو كان القاتل أجنبيا جازت الوصية له في قول أبي حنيفة ومحمد، فكذلك الزوج.
ولو قتلها زوجها ولها ابن، فقال الابن أجزت أن يرث الزوج القاتل معي، كان باطلا، ولا يرث الزوج منها؛ لأن الشرع أخرج القاتل من أن يكون وارثا، فلا يملك الابن تغيير ذلك.
امرأة قتلت عمدا، وعفت عن قاتلها، وتركت عبدا قيمته ألف درهم، وزوجا لا وارث لها غيره، وأوصت بأن يباع العبد من قاتلها بمائة درهم، وأبى الزوج أن يجيز، قال: يباع العبد من القاتل بخمسمائة، وتكون الخمسمائة ميراثا للزوج، وهذا قول محمد؛ لأن عنده نفس البيع ليس بوصية، فإن عنده يجوز بيع المريض من وارثه بمثل القيمة، إنما الوصية في المحاباة، فصار كأنها باعت العبد من القاتل بألف درهم، وحطت
стр. 1757
عنه تسعمائة، فيصح حط الخمسمائة؛ لأنها تملك الوصية للقاتل بنصيب بيت المال، ونصف المال حصة بيت المال، وبطل الحط فيما هو حق الوارث فلهذا يباع العبد من القاتل بخمس مائة، ويكون (١) ذلك للزوج؛ لأنَّه بدل حقه.
فإن قيل: يجب أن يباع العبد منه بخمسمائة وخمسين؛ لأنها أوصت بأن يباع العبد منه بمائة، فقد أوصت بأن يباع كل نصف منه بخمسين، فصح أمرها بذلك في نصيب بيت المال، ولا يصح في نصيب الزوج، فيباع الكل منه بخمسمائة وخمسين، نصيب بيت المال بخمسين، ونصيب الزوج بخمسمائة.
قلنا: والجواب عن هذا أن قول الموصي أمر بالمحاباة والمبادلة، وهو يملك المحاباة في نصيب بيت المال، ولا يملك في نصيب الزوج ويملك فيه المبادلة، فانصرفت المبادلة إلى ما يملك المبادلة، والمحاباة إلى ما يملك المحاباة ليكون متصرفا فيما يملك.
وإن أبى القاتل أن يشتري كان نصف العبد للزوج، والنصف لبيت المال؛ لأن المحاباة وصية في ضمن البيع، فإذا لم يثبت البيع، لم يثبت ما في ضمنه.
وعند أبي يوسف يباع كل العبد من القاتل بألف إن شاء؛ لأن عنده نفس البيع ليس بوصية كما قال محمد، فيباع كل العبد منه بألف، ولا يحط شيء من الثمن؛ لأن المحاباة وصية، وعنده الوصية للقاتل لا تصح أصلا، فلا يحط شيء من الثمن، ويكون نصف الثمن للزوج والنصف لبيت المال.
وأما عند أبي حنيفة نصف العبد يكون للزوج، ويقال للقاتل: إن شئت فخذ النصف
стр. 1758
بخمسين درهما، وإن شئت فدع؛ لأن عنده نفس البيع وصية ولهذا قال:
لو باع المريض من وارثه بمثل القيمة أو أوصى بأن يباع منه، لا تصح كما لا تصح الوصية للوارث بغير إجازة الورثة، لا تصح للقاتل، فلهذا كان نصف العبد للوارث، بقي نصف العبد فارغا عن حق الوارث، فجازت الوصية للقاتل على بيت المال، وقد أوصت بأن يباع النصف بخمسين، فإن شاء أخذ النصف بخمسين، ويصرف ذلك إلى بيت المال، وإن أبى أن يأخذ، بطلت وصيته؛ لأن المحاباة وصية في ضمن البيع، فلا تثبت بدون البيع فيكون نصف العبد للزوج، والنصف لبيت المال.
وكذا لو باعت العبد في مرضها من قاتلها بمائة درهم، فهو والوصية سواء.
وكذا لو أوصت بأن يباع العبد من زوجها بمائة درهم، فإنه يباع العبد منه بمائة، وتكون المائة له أيضا.
قال بعض مشايخنا: هذا قول أبي يوسف ومحمد، أما على قول أبي حنيفة يعطى الزوج نصف العبد لحما ودما، ويباع النصف منه بخمسين درهما إن شاء، ويكون لبيت المال؛ لأن عند أبي حنيفة نفس البيع وصية، فلا تصح في نصيب الوارث، وتصح في نصيب بيت المال، كما لو أوصت بذلك للقاتل.
أما عند أبي يوسف ومحمد نفس البيع ليس بوصية، إنما الوصية في المحاباة، فجعل كأنها قالت: بيعوا العبد منه بألف درهم، وحطوا عنه تسعمائة. ولو قالت هكذا يباع العبد منه بمائة، وتصرف المائة إلى الزوج، لما ذكرنا أن الميت يملك الوصية بنصيب بيت المال بغير بدل، ولا يملك ذلك في نصيب الوارث، فانصرفت المائة إلى نصيب الزوج فكانت المائة بدل ملكه، فتصرف إليه.
كما لو أوصى بأن يباع من فلان الأجنبي بمائة، فإنه يباع منه بثلثي قيمته إن شاء ذلك
стр. 1759
الأجنبي، ويكون نصف الثمن للزوج، والنصف لبيت المال كذلك هنا يصرف الثمن إلى ما لا يملك الإيصاء به.
والأصح أن هذا قول الكل؛ لأن البيع وإن كان وصية في قول أبي حنيفة إلا أن الوصية للوارث إنما لا تصح لحق غيره من الورثة، فإذا لم يكن لها وارث آخر، وهو يجيز وصية نفسه، جازت الوصية أما الوصية للقاتل لا تجوز لحق الوارث فلهذا افترقا.
فإن قيل: كيف يباع العبد منه وأنَّه ملك نصف العبد لحما ودما بالميراث، وكيف يؤخذ منه الثمن بدلا عن ملكه.
قلنا: إنما يباع العبد منه لتسلم المحاباة في نصيب بيت المال، فإن ذلك لا يحصل إلا ببيع كل العبد منه، وشراء الإنسان ملكَ نفسه جائز إذا كان فيه فائدة، كما لو اشترى رب المال شيئًا من مال المضاربة، فإنه يجوز، وإن لم يكن فيه ربح لفائدة استخلاص الملك، وكذا المولى إذا اشترى شيئًا من كسب عبده المأذون المديون وإن لم يكن الدين مستغرقا.
ولو أوصت بأن يباع نصف العبد من قاتلها بخمسين درهما، فإنه يباع النصف بخمسين درهما، ثم يقسم الخمسون ونصف العبد بين الزوج وبيت المال على أحد عشر سهما، سهم لبيت المال، وعشرة للزوج في قول محمد؛ لأن عنده نفس البيع ليس بوصية، إنما الوصية في المحاباة، فصحت الوصية بالبيع في النصيبين شائعا، بقيت المحاباة وخمسين، فيجب صرف ذلك إلى ما تملك الوصية به، وهو نصيب بيت المال لما ذكرنا، والمبادلة بخمسين شائعة في النصيبين، فإذا انصرفت المحاباة إلى نصيب بيت المال، بقي حق بيت المال في خمسين، وحق الزوج في خمسمائة؛ لأن حقه في النصف الشائع من العبد، فيجعل كل خمسين سهما، فصار حق الزوج عشرة أسهم، وحق بيت المال سهما واحدا، وضارت الجملة أحد عشر سهما.
стр. 1760
وأما على قول أبي حنيفة نفس البيع وصية، فتنصرف الوصية إلى ما هو فارغ عن حق الوارث، وهو نصيب بيت المال، فصار نصف العبد ميراثا للزوج وانصرف البيع إلى نصيب بيت المال، فكان الخمسون لبيت المال؛ لأنَّه بدل ملك بيت المال.
وكذا لو أوصت بأن يباع نصف العبد من زوجها بخمسين درهما، كان الحكم ما قلنا؛ لأن وصيتها بالبيع والمحاباة لم تزد على نصف المال، وأنها تملك الوصية بنصف المال، فيباع نصف العبد بخمسين درهما كما قالت. ثم يكون نصف العبد وخمسون درهما بين الزوج وبيت المال على أحد عشر سهما.
ولو أوصت بأن يباع العبد من قاتلها بمائة درهم، فإن أبى الزوج أن يجيز، ذكرنا أن على قول محمد يباع العبد من القاتل بخمسمائة، وكانت الخمسمائة للزوج وعلى قول أبي حنيفة يكون نصف العبد للزوج ويباع نصيب بيت المال بخمسين، وتكون الخمسون لبيت المال.
وإن أجاز الزوج وصيتها يباع كل العبد بمائة درهم، وتكون المائة بين الزوج وبين بيت المال نصفيان؛ لأنَّه لما أجاز، جازت وصيته بالبيع والمحاباة جميعا في النصيبين، فيباع نصيب الزوج منه بخمسين كلما يباع نصيب بيت المال بخمسين في قول أبي حنيفة، ولم يذكر قول محمد في الإجازة.
قالوا ينبغي أن يباع كل العبد بمائة، وتكون المائة للزوج؛ لأن عنده نفس البيع بوصيته، إنما الوصية في المحاباة وقد حابت بتسعمائة، فصحت المحاباة في نصيب بيت المال، وذلك خمسمائة، وتوقفت المحاباة بأربعمائة على إجازة الزوج، فإذا أجاز نفذ فلهذا كانت المائة له.
وأما عند أبي يوسف نفس البيع ليس بوصية، والمحاباة وصية، وأنها لا تصح للقاتل
стр. 1761
عنده فيقال للقاتل: إما أن تشتري العبد بألف وإلا فلا شيء لك.
ولو أوصت بأن يباع كل العبد من أجنبي بمائة درهم، فلم يجز الزوج، يباع كل العبد بثلث الألف، ويكون ذلك للزوج؛ لأن الوصية للأجنبي بقدر الثلث تقدم على الميراث، ثم نصيب الزوج نصف ما بقي وهو ثلث المال، والثلث لبيت المال، وهي تملك الوصية بذلك، فكان لها حق الوصية بقدر الثلثين، فنفذت المحاباة بقدر الثلثين، فلهذا يباع العبد بثلث الثمن، ويكون ذلك للزوج، وإن أجاز الزوج بيع كله بمائة، ويكون للزوج لما ذكرنا.
ولو أوصت بأن يباع نصف العبد من أجنبي بمائة يباع نصفه بمائة، كما أوصت، ويقسم نصف العبد مع المائة بين الزوج وبيت المال على تسعة أسهم، خمسة أسهم للزوج وأربعة لبيت المال؛ لأن نفس البيع من الأجنبي ليس بوصية عند الكل، إنما الوصية في المحاباة، وقد حابت بأربعمائة، وثلث مال الميت فارغ عن حق الوارث، وعن حق بيت المال.
فنفذت الوصية أولا بقدر ثلث المال، وذلك ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث، بقي مال الميت ثلثا الألف وذلك ستمائة وستة وستون وثلثان بين الزوج وبين المال نصفان، وقد بقي من المحاباة إلى تمام أربعمائة ستة وستون وثلثان، وأنها تملك الوصية على بيت المال، فتنفذ ما بقي من المحاباة من نصيب بيت المال، يبقي من نصيب المال مائتان وستة وستون وثلثان، وحق الزوج في ثلث الألف، فجعل كل ستة وستين وثلثي سهم سهما، فيصير حصة الزوج وهو ثلثمائة وثلاثة وثلاثون وثلث خمسة أسهم، وحصة بيت المال، وذلك مائتان وستة وستون وثلثان أربعة أسهم، فيصير جملة ذلك تسعة أسهم، فلهذا تقسم المائة ونصف العبد على تسعة أسهم.
رجل أعتق عبدا له في مرض موته، وأوصى بوصايا، يبدأ بالعتق؛ لأن العتق الموقع
стр. 1762
أقوى، فيبدأ به، ثم يقسم ما بقي بين أرباب الوصايا على قدر حقوقهم، يضربون بما بقي من المال بعد العتق؛ لأن الاستحقاق بالوصية القوية يبطل حق أصحاب الوصايا في الضرب، فيضربون بما بقي من حقوقهم بعد العتق، ولا يضربون بجميع حقوقهم.
- والله تعالى أعلم بالصواب -
стр. 1763
باب الوصية بنصيب ابن لو كان، أو بمثل نصيب ابن فيجيز الورثة أو لا يجيزون (١) أو يجيزها بعضهم
بنى الباب على أن الوصية بنصيب الوارث المعدوم جائزة، ويكون ذكر نصيبه لتقدير الوصية (٢).
وذكر في الباب فصولا سبعة (٣):
أما الفصل الأول:
قال: رجل مات وترك ابنا وأما، وأوصى لرجل بنصيب ابنة لو كانت، فالوصية من سبعة عشر سهما، خمسة أسهم للموصى له، وللأم سهمان وللإبن عشرة.
ووجه ذلك أنه لو لم يكن هنا وصية، كانت المسألة من ستة أسهم، للأم سهم (٤)،
стр. 1764
وللإبن خمسة، فإذا أوصى بنصيب ابنة لو كانت، ونصيب البنت يكون نصف نصيب الابن يزاد على الفريضة سهمان ونصف، فيصير ثمانية ونصف، فضعفه لأجل الكسر، فيصير سبعة عشر، للموصى له من ذلك خمسة، وهذه وصية بأقلّ من الثلث، فتقدم على الميراث فيعطى له خمسة، يبقى اثنا عشر يعتبر سهام الميراث فيما بقي، ويقسم الباقي بينهما أسداسا عشرة للابن وسهمان للأم.
فإن قيل: ينبغي أن يعطى الموصى له خمسة أسهم من ثمانية عشر؛ لأنَّه أوصى له بنصيب ابنة لو كانت، ولو كانت البنت موجودة، كانت المسألة من ثمانية عشر، للبنت من ذلك خمسة، وللأم ثلاثة.
والذي يؤيّد هذا ما ذكر في "الجامع الكبير" (١) فقال: رجل مات وترك ابنتين وعما، وأوصى لرجل بنصيب ابنة لو كانت، كان للموصى له تسعا المال من سبعة وعشرين، ويكون الباقي بين العم وبين الابنتين أثلاثا، للعم سبعة أسهم، ولكل ابنة سبعة؛ لأنَّه لما أوصى بنصيب ابنة لو كانت، يجعل كأنه مات عن ثلاث بنات وعم، فتكون المسألة أولا من تسعة، للعم ثلاثة أسهم، ولكل ابنة سهمان.
فإذا ظهر نصيب الاِبنة الثالثة يعطى سهمان للموصى له، أوّلا يبقى سبعة، تعتبر
стр. 1765
سِهام المواريث في ذلك، وتقسّم بين الورثة أثلاثا، وقسمة سبعة لا تستقيم على ثلاثة، فيضرب أصل المسألة في ثلاثة، يصير سبعة وعشرين، كان للموصى له سهمان، فصار له سبعة، يعطى له سبعة، ويقسم الباقي بين الورثة أثلاثا، فعلى قياس تلك المسألة ينبغي أن يكون للموصى له (١) خمسة أسهم من ثمانية عشر.
قلنا: لا وجه لهذا؛ لأنا لو جعلنا المسألة من ثمانية عشرة، ويعطى للموص له خمسة، يبقى ثلاثة عشر، لو أعطينا الأم سدس جميع المال ثلاثة أسهم، لا يبقى للإبن خمسة أسداس المال، بل يبقى له عشرة من ثمانية عشر فيكون ضرر الوصية على الابن خاصة، وقسمة المال بين الأم وبين الابن أسداسا ثابت بنص الكتاب فلا يجوز تغييرها.
ولو قسمنا بقية المال بعد الوصية وذلك ثلاثة عشر بين الابن وبين الأم أسداسا، يكون للابن عشرة أسهم وخمسة أسداس سهم لم يكن نصيب البنت نصف نصيب الابن، وأنَّه خلاف ما ثبت في الكتاب، وخلاف ما أوجب الموصي، فلأجل هذه الضرورة جعلنا المسألة من سبعة عشر.
وأما مسئلة الجامع قالوا ما ذكر ثمة جواب القياس وما ذكر هنا جواب الاستحسان. ووجه الاستحسان ما ذكرنا من الضرورة.
الفصل الثاني:
رجل مات عن امرأة وابن، وأوصى الرجل بنصيب ابن آخر لو كان وأجازت
стр. 1766
الورثة، فللموصى له سبعة أسهم من خمسة عشر، وللمرأة سهم، وللابن ثمانية (١).
ووجه ذلك أن يصحح الفريضة أولا من ثمانية للمرأة سهم، وللابن سبعة، ثم تزيد لأجل الوصية مثل نصيب الابن سبعة فيصير خمسة عشر، للموصى له في ذلك تسعة، يبقى ثمانية بين الوارثين، وإنما ذكر الإجازة لأنها وصية بأكثر من الثلث (٢)، فلا تنفذ من غير إجازة. وهذا على جواب الاستحسان.
أما على جواب القياس تكون المسألة من ستة عشر ويكون لموصى له من ذلك سبعة، كما لو مات وترك ابنين وامرأة.
وجه الاستحسان أنا لو جعلنا المال ستة عشر، ونعطي للموصى له سبعة، يبقى تسعة، فيكون للابن سبعة وسبعة أثمان سهم، فيؤدي إلى التغيير.
قال: وكذا لو ترك امرأة وابنا، وأوصى لرجل بمثل نصيبه؛ لأنَّه أوصى بمثل نصيب ابن قائم، والوصية بمثل نصيب ابن قائم والوصية بنصيب ابن آخر لو كان سواء، ولو كان البنون ثلاثة، كان لكل ابن ثلث المال.
استشهد فقال: ألا ترى أن رجلا لو كان له ابنان، وأوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بنصيب ابن ثالث لو كان، وأبت الورثة أن يجيزوا، كان للابنين ثلثا المال، والثلث بين الموصى لهما نصفين؛ لأن الوصية بنصيب ابن ثالث لو كان وصية بثلث المال؛ لأن نصيب ابن ثالث لو كان يكون ثلث المال، وإذا كانت هذه وصية بالثلث وقد أوصى لآخر أيضا بالثلث، فيكون الثلث بينهما نصفين.
стр. 1767
وهذا قول محمد، أما على قول أبي يوسف يقسم الثلث بينهما أخماسا، ثلاثة الأخماس للموصى له بالثلث، وخمساه للآخر.
ووجه ذلك أنه لو أجيزت الوصيتان كان للموصى له بالثلث ثلث المال، ثم يكون الباقي بين البنين الثلاثة أثلاثا، فيصير المال تسعة، للموصى له بالثلث ثلاثة أسهم، ولكل ابن سهمان، فإذا كان حق الموصى له بالثلث في ثلاثة أسهم، وحق الآخر في سهمين يتضاربان بذلك إذا لم تجز الورثة.
وإنما استشهد محمد ﵀ بهذا، لبيان أن الوصية بنصيب ابن لو كان، وصية بمثل نصيب الابن القائم.
ثم فرع على مسئلة الاستشهاد فقال: ألا ترى أنه لو أوصى لرجل ثلث ماله، ولآخر بمثل ابن ثالث لو كان، ولم تجز الورثة، كان الثلث بينهما على خمسة؛ لأنَّه قدر وصيته بنصيب ابن ثالث، وسوى بين الموصى له وبين الابن الثالث.
ولو كان البنون ثلاثة، كانت المسألة من تسعة، للموصى له بالثلث ثلث المال، ثلاثة أسهم من تسعة، والباقي بين البنين الثلاثة، لكل ابن سهمان.
إذا ثبت أن حق أحدهما في ثلاثة أسهم، وحق الآخر في سهمين، فإذا لم تجز الورثة، كان الثلث بينهما على خمسة على قدر حقهما، وإذا صار الثلث خمسة صار كل المال خمسة عشر.
والصحيح في هذا ما روي عن محمد في "النوادر": أن الثلث يكون بينهما أسباعا، للموصى له بالثلث أربعة أسباعه، وللآخر ثلاثة أسباعه؛ لأن صاحب الثلث لو انفرد بالوصية كان له ثلث المال، والآخر لو انفرد بوصيته كان له ربع المال؛ لأنَّه أوصى بمثل نصيب ابن ثالث، فإذا لم يكن الابن الثالث موجودا يقدر موجودا؛ لأن التمثيل بالشيء
стр. 1768
يقتضي وجوده، ثم يزاد على الثلاثة مثل خصيب أحدهم ضرورة إن مثل الشيء غيره، وكل ما ضمّ إليه مثل ثلثه كان المضموم ربعه، فكانت الوصية له بربع المال، فيحتاج إلى حساب، له ثلث وربع، وأقلّه اثنا عشر، حق صاحب الثلث في أربعة، وحق الآخر في ثلاث أسهم، ويتضاربان بذلك عند عدم الإجازة، ويصير الثلث بينهما على سبعة.
وعلى قول أبي يوسف يقسم الثلث بينهما أثلاثا؛ لأنَّه لو أجيزت الوصية لهما، كان للموصى له بالثلث أربعة من اثني عشر، ويقسم الباقي بين البنين الأربعة، لكل ابن سهمان، فيكون للموصى له بالنصيب سهمان من اثني عشر، وللآخر أربعة، فيقسم الثلث بينهما أثلاثا، بخلاف الوصية بنصيب ابن ثالث؛ لأن ذلك وصية بالثلث على ما ذكرنا، ولأنه لما أوصى بنصيب ابن ثالث فقد سوّى بينه وبين كل واحد من الابنين، فكانت الوصية له بالثلث.
أما إذا أوصى بمثل نصيب ابن ثالث، فما سوّى بينه وبين أحد ابنيه، وإنما سوّى بينه وبين الابن الثالث.
فمحمد ﵀ يعتبر في هذه المسائل حالة الاجتماع بحالة الانفراد، وأبو يوسف اعتبر حال عدم الإجازة بحالة الإجازة.
وأوضح محمد الفرق بين الوصية بنصيب وارث معدوم، وبين الوصية بمثل نصيب وارث معدوم فقال: ألا ترى أنه لو مات وترك ابنين، وأوصى لرجل بنصيب ابن ثالث، ولم يوص لغيره (١)، ولم يجز الابنان، كان للموصى له ثلث المال.
ولو أوصى بمثل نصيب ابن ثالث، كان للموصى له ربع المال.
стр. 1769
والفرق ما قلنا أنه لما أوصى بنصيب ابن ثالث، فقد سوى بينه وبين كل واحد من الابنين.
أما إذا أوصى بمثل نصيب ابن ثالث، لا يكون غرضه التسوية بينه وبين كل واحد من الابنين، بل غرضه التسوية بينه وبين الابن الثالث.
ولو مات وترك بنتا وأخا، وأوصى لرجل بنصيب ابن لو كان، وأجازا وصيته، كان للموصى له ثلثا المال، والباقي بين الأخ والبنت نصفان؛ لأنَّه أوصى بنصيب الابن.
ولو كان الابن موجودا، كان المال بينه وبين البنت أثلاثا، وكان الأخ محجوبا به، فإذا ظهر أنه أوصى بثلثي المال، كان له ثلثا المال عند الإجازة، ويقسم الباقي بينهما على ما كان بينهما عند عدم الوصية؛ لأن الزيادة على الثلث، استحقت عند الإجازة من نصيبهما، فيقسم الباقي بينهما على ما كان قبل الوصية.
فرق محمد بين هذه المسألة وبينما تقدم، فيما تقدم صحح الفريضة بين الوارثين أوّلا، ثم زاد على الفريضة نصيب الموصى له، وهنا لم يصحح الفريضة، ولم يزد على نصيبهما نصيب الموصى له، بل قدّر الابن موجودا، وجعل الأخ محجوبا به، وأعطى نصيب الابن للموصى له.
وإنما فعل هكذا؛ لأن هنا أوصى له بنصيب من يحجب الأخ، فلا يمكن تصحيح الفريضة بين الأخ والبنت، وزيادة نصيب الابن عليها؛ لأن الزيادة على الشيء تقتضي تعديد الأصل، والأخ لا يرث مع الابن، فلهذا قدّر الابن موجود، أو جعل الأخ محجوبا به، أما فيما تقدم أوصى له بنصيب من لا يحجب الوارثين القائمين، فأمكن أن يجعل الوصية زيادة على الفريضة.
ولو ترك بنتا وأخا، وأوصى لرجل بمثل نصيب ابن لو كان، فأجازا، كان للموصى
стр. 1770
له خمسا المال، والباقي بين الأخ والبنت نصفين؛ لأنَّه أوصى له بمثل نصيب وارث معدوم، ومثل الشيء يقتضي وجود ذلك الشيء، فيقدر الابن موجودا، ويجعل كأنه مات عن ابن وبنت، فتكون المسألة من ثلاثة، ثم يزاد على الفريضة سهمان؛ لأن مثل الشيء غيره، فتصير المسألة [من] (١) خمسة، فإذا أجازا، كان له سهمان من خمسة، والباقي بينهما نصفان على ما كان قبل الوصية، وإن لم يجيزا كان له الثلث، والباقي بينهما نصفان.
ولو ترك أخا وأختا، وأوصى لرجل بنصيب ابن لو كان، وأجازا، كان للموصى له كل المال، يقدر الابن موجودا، ويعطى للموصى له، ولو كان الابن موجودا كان له كل المال، وإن لم يجيزا كان له الثلث، ويكون الباقي بينهما أثلاثا.
ولو أوصى له بمثل نصيب ابن لو كان، وأجازا، فإن للموصى له نصف المال؛ لأنَّه أوصى بمثل نصيب ابن معدوم، فيجعل الابن موجودا، ثم يزاد عليه مثل نصيبه، وكل شيء زدت عليه مثله، كان الزائد نصف الجملة، فكان له النصف، والباقي بينهما على ما كان قبل الوصية، وإن لم يجيزا كان له الثلث.
ولو ترك بنتا وأختا وأوصى لرجل بنصيب ابنة لو كانت، وأجازا أو لم يجيزا (٢)، كان له ثلث المال؛ لأنَّه أوصى بنصيب وارث لا يحجب الموجود، فتصحح الفريضة بين الوارثين نصفين، ثم يزاد عليها مثل نصيب الابنة، وذلك سهم، فيصير ثلاثة، للموصى له من ذلك سهم واحد، والوصية بقدر الثلث لا تتوقف على الإجازة.
стр. 1771
ولو لم يصحح الفريضة أولًا، ولكن تقدر الابنة الأخرى موجودة، كان الجواب كذلك؛ لأنَّه لو مات وترك ابنتين وأختا، كان لكل ابنة ثلث المال، فلا يختلف الجواب.
ولو أوصى بمثل نصيب ابنة لو كانت والمسألة بحالها، كان له الربع، أجازا أو لم يجيزا، ويجعل كأنه مات وترك بنتين وأختا، فتكون المسألة من ثلاثة ثم تزيد عليها مثل نصيب إحدى الابنتين؛ لأن مثل الشيء غيره، فيصير أربعة، فكان له ربع المال، والباقي بين الوارثين نصفان، وهو باتفاق الروايات.
ولو أوصى بنصيب ابنة ثالثة، فكذلك الجواب في رواية هذا الكتاب؛ لأنَّه لما أوصى بنصيب الثالثة، والثالثة لا تتصور بدون الثانية، فقد ترك نصيب الابنة الأولى والثانية للورثة (١)، فيجعل كأنه مات عن بنتين وأخت، فتكون المسألة من ثلاثة، ثم يزاد عليها نصيب الثالثة، وهو سهم واحد؛ لأن مثل الشيء يجعل غيره فيصير أربعة، فكان للموصى له ربع المال.
أما على جواب الجامع له تسعا المال، يجعل كأنه مات عن ثلاث بنات وأخت، فتكون المسألة من تسعة، ويكون لكل ابنة تسعا المال، إذ لا فرق بين ابنتين وأخت وبين ابنتين وعم؛ لأن الأخت عصبة مع البنت.
ولو مات وترك أبا وابنا، وأوصى لرجل بنصيب ابن آخر لو كان، أو بمثل نصيب ابنة، فإن أجازا، كان للموصى له خمسة من أحد عشر؛ لأنَّه لو لم يكن هاهنا وصية، كانت المسألة من ستة، للأب سهم واحد وللابَن خمسة، فإذا أوصى بمثل نصيب الابن يزاد على الفريضة مثل نصيب الابن وذلك خمسة، فيصير أحد عشر، وهذه وصية بأكثر
стр. 1772
من الثلث، فإذا أجازا نفذت الوصية، وكان له خمسة، والباقي بين الأب والابن أسداسا على ما كان قبل الوصية.
وعلى رواية الجامع له خمسة من اثني عشر؛ لأنَّه لما أوصى له بنصيب ابن آخر لو كان، يجعل كأنه مات وترك ابنين وأبا، فيكون لكل ابن خمسة من اثني عشر.
وإن لم يجيزا كانت المسألة من تسعة على الروايتين؛ لأن الوصية بقدر الثلث تقدم على الميراث فيسلم له ثلث المال، ويقسم الباقي بينهما على ما كان قبل الوصية.
وإن أجاز الأب، ولم يجز الابن، نقول عند عدم الإجازة، له ثلاثة أسهم من تسعة، وعند إجازتهم له خمسة من أحد عشر، فإذا ضرب في تسعة يصير خمسة وأربعين، فإنما يسلم له بإجازتهما اثنا عشر، سهمان من ذلك [من] (١) حصة الأب، وعشرة من حصة الابن، فإذا أجاز أحدهما يضمّ إلى ثلث المال ما يحصل له بإجازته، إن أجاز الأب كان له خمسة وثلاثون، وإن أجاز الابن كان له ثلاثة وأربعون.
ثم سأل في الكتاب على نفسه سؤالا، فقال: إذا أجاز الابن وحده، ينبغي أن يجمع بين نصيبه ونصيب الموصى له، ويقسم بينهما نصفين؛ لأنَّه قام مقام الابن الآخر.
وإن أجاز الأب يضمّ ثلث المال إلى نصيب الأب، فيقسم بينهما أثلاثا؛ لأن الموصى له قام مقام ابن آخر، وحق كل واحد من الابنين يكون في الثلث، وحق الأب في السدس.
ثم أجاب عن هذا فقال: الموصي أوصى له بنصيب الابن من جميع المال لا من نصيب الابن خاصة، فلو جعلنا القسمة على ما قلتم، كان تنفيذ الوصية من نصيب بعض.
стр. 1773
الورثة فلا يجوز.
وأستشهد فقال: لو أنه ترك ابنين، وأوصى لرجل بمثل نصيبهما، فإن أجازا (١) كان للموصى له نصف المال؛ لأنا نجعل المال بين الابنين على سهمين، ونزيد مثل ذلك لأجل الوصية، فيصير أربعة، فكان له نصف المال إن أجازا، وإن لم يجيزا كان له الثلث.
وإن أجاز أحدهما، ولم يجز الآخر نقول: عند عدم الإجازة، له ثلث المال، سهم من ثلاثة، وعند الإجازة له سهمان من أربعة، فنضرب ثلاثة في أربعة، فيصير اثنتي عشر له عند عدم الإجازة، ثلث المال أربعة، وعند الإجازة له نصف المال ستة، فأيّهما أجازا أخذ منه سهما، ونضمّه إلى الثلث، فيصير للموصى له خمسة، وللمجيز ثلاثة أسهم، ولغير المجيز أربعة.
وإن مات الرجل، وترك ابنين، وأوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بنصيب ابن ثالث، أو أوصى بثلث ماله لرجل، وبمثل نصيب أحد ابنيه لرجل آخر، فذلك سواء.
فإن لم يجيزا، عند أبي يوسف يقسم الثلث بين الموصى لهما على خمسة؛ لأنَّه يعتبر حال عدم الإجازة (٢) بحالة الإجازة، وفي حالة الإجازة للموصى له بالثلث ثلاثة أسهم من تسعة، وللآخر سهمان، فحال عدم الإجازة يتضاربان في الثلث، أحدهما بثلاثة، والآخر بسهمين.
وعند محمد يقسم الثلث بينهما نصفين؛ لأن مثل نصيب أحدهما ثلث المال، فكأنه أوصى لكل واحد منهما بالثلث.
стр. 1774
وإن أجازا، كان للموصى له بالثلث ثلاثة أسهم من تسعة، والباقي بين الابنين وبين الموصى له الآخر أثلاثا، لكل واحد منهم سهمان، يعتبر إجازة الورثة، لا إجازة الموصى لهما؛ لأنَّه يتصرف في حقهما.
وإن أجازا الوصية لصاحب الثلث، كان له ثلث المال، وللآخر مثل ما يكون له حال عدم الإجازة، ويجعل في حقه كأنهما لم يجيزا للآخر.
فعند أبي يوسف حال عدم الإجازة كان للموصى له بالصيب سهمان من خمسة عشر، فإذا أجازا الوصية لصاحب الثلث، كان لصاحب الثلث الثلث، وللآخر سهمان من خمسة عشر، ولكل ابن أربعة.
وعند محمد حال عدم الإجازة يكون لكل واحد منهما السدس، فإذا أجازا الوصية لصاحب الثلث، كان له الثلث، وللآخر سدس المال، وللابنين نصف المال.
وإن أجازا للموصى له بالنصيب، على قول أبي يوسف للموصى له بالثلث ثلاثة من خمسة عشر، يبقى اثنا عشر، يكون للموصى له بالنصيب ثلث ما بقي أربعة أسهم؛ لأن حقه عند الإجازة في ثلث ما بقي.
وعند محمد للموصى له بالثلث، سدس المال، ثلاثة من ثمانية عشر، والباقي بين الابنين وبين الموصى له بالنصيب أثلاثا؛ لأن عنده حق الموصى له بالثلث عند عدم الإجازة في سدس المال، بقي خمسة أسداس المال بينهم أثلاثا، فإذا انكسر بالأثلاث، ضربنا أصل المال، وذلك ستة في ثلاثة، يصير ثمانية عشر، يأخذ الموصى له بالثلث ثلاثة أسهم، ويأخذ الموصى له الآخر نصف الثلث، وذلك ثلاثة، نضمّها إلى ما في يد الابنين، وتقسم الجملة بينهم أثلاثا؛ لأنهما لما أجازا وصيته كان نصيبه مثل نصيب كل واحد من الابنين.
стр. 1775
فإن أجاز أحد الابنين للموصى له بالنصيب، ينظر إلى حالة الإجازة وعدمها، وله في حالة الإجازة خمسة أسهم من ثمانية عشر، وحال عدم الإجازة له سدس المال، ثلاثة من ثمانية عشر، فإنما يأخذ بإجازتهما سهمين، فإذا أجاز أحدهما، كان له سهم من حصة المجيز، فيكون له أربعة من ثمانية عشر.
وروى بِشر في "الأمالي" عن أبي يوسف: رجل ترك ابنين، وأوصى لرجل بنصف ماله، ولآخر بمثل نصيب أحد الابنين، ولم تجز الورثة، يجعل ثلث ماله بين الموصى لهما، صاحب النصف يضرب في الثلث بنصف المال، والآخر بتسعي المال.
ووجه ذلك أن الوصية للأجنبي بقدر الثلث تقدم على الميراث، ولا تتوقف على الإجازة، فيقسم الثلث بينهما على قدر حقوقهما.
وعنده لا يبطل حق الضرب بالوصية، فيضرب بالنصف، وحق الآخر في مثل نصيب أحد الابنين، ونصيب الابنين ثلثا المال؛ لأن الوصية بقدر الثلث مقدمة على الميراث، فكان حقهما في الثلثين، وحق الموصى له بالنصيب مثل حق أحدهما، فيصير الثلثان بينهم أثلاثا، فنحتاج إلى حساب له ثلث، ولثلثه ثلث، وأقلّه تسعة، حق الموصى له بالنصيب في نصف المال أربعة ونصف، وحق الآخر في ثلث الثلثين وذلك سهمان، فيضرب كل واحد منهما بحقه في الثلث، ويقسم الثلث بينهما على قدر حقوقهما.
وإن أجاز الابنان وصيتهما، يأخذ صاحب النصف تمام حقه أربعة ونصف من تسعة، ويأخذ الآخر تسعين، وهو سهمان من تسعة، ويبقى للابنين تسعان ونصف.
ولو أوصى لرجل بمثل نصيب أحد الابنين، ولآخر بمثل نصيب الآخر، فإن أجازا، كان لهما نصف المال، وللابنين نصف المال؛ لأن قبل الوصية نصيب كل ابن سهم من سهمين، فإذا أوصي بمثله، ومثل الشيء غيره، صار كل نصيب سهمين، وصار المال
стр. 1776
أربعة، لكل واحد ربع.
وإن لم يجيزا، كان الثلث بينهما نصفين؛ لأن الوصية بقدر الثلث لا تتوقف على الإجازة.
فإن أجازا لأحدهما، فللذي أجازا الربع، اعتبارا لوجود الإجازة لهما، وللذي لم بجيزا سدس المال، اعتبارا لعدم الإجازة.
وإن أجاز أحدهما دون الآخر، فللذي أجاز ربع المال، اعتبارا لوجود الإجازة. وللذي لم يجز ثلث المال، اعتبارا لعدم الإجازة.
- والله أعلم -
стр. 1777
باب الوصية بالخدمة والغلة والولد وما يكون رجوعا وما لا يكون
بنى الباب على أصلين:
أحدهما: أن العام فيما يتناوله بمنزلة الخاص (١).
والثاني: أن من أوصى لرجل بعين (٢) وخصّ بشيء منه غيره، فإن كان ذلك الشيء من أجزاء العين، وكان التخصيص متصلا بصدر الكلام كان العين للأول وللثاني ما دخل
стр. 1778
في التخصيص (١).
وإن كان التخصيص منفصلا كان العين الأول وما دخل في التخصيص يكون بين الأولى والثاني (٢).
وإن كان التخصيص بشيء من توابع العين لا من أجزائه، كان العين الأول وما دخل في التخصيص للثاني على كل حال، ما كان من أجزاء العين يستحق بالإيجاب، ويكون الإيجاب متناولا له، فالتخصيص للثاني يكون إخراجا لما تناوله أول الكلام.
فإن كان موصولا أمكن جعله بيانا؛ لأن أول الكلام يتوقف على آخره إذا كان في آخره ما يُغيّر حكم الأول، كما في الشرط والاستثناء (٣).
أما إذا كان التخصيص بكلام منفصل، فحكم الكلام الأول (٤) تمّ وثبت، فلا يمكن جعله بيانا، فيجعل وصية مبتدأة، فيكون بينهما بمنزلة عين أوصى به لرجلين على التعاقب.
فإذا لم يكن التخصيص بشيء من أجزائه، بل كان من توابعه، فهو للثاني (٥) على
стр. 1779
كل حال؛ لأنَّه إذا لم يكن من أجزائه لا يدخل في الإيجاب، وإنما يستحقه صاحب الأصل بطريق التبعية، فإذا استحقه الثاني بسبب على حدة لا يبقى تبعا، فلا يستحقه الأول.
وفي الباب فصلان:
الأول: فيما كان من جملة الأجزاء تناوله صدر الكلام صيغة.
والثاني: فيما إذا كان من المنافع.
أما الفصل الأول قال محمد ﵀: رجل قال: أوصيت بهذه الدار لفلان وبنيانها لفلان الآخر، أو قال: أوصيت بهذا الخاتم لفلان وبفصه لفلان، أو قال: [أوصيت] (١) بهذه الجارية لفلان وبولدها الذي في بطنها لفلان، أو قال: [أوصيت] بهذه القَوْصَرَة (٢)، التمر لفلان وبتمرها لفلان (٣)، فهو على وجهين:
إما إن قال ذلك موصولا أو مفصولا، ففي الوجه الأول كان لكل واحد منهما ما أوصى له؛ لأن اسم الدار اسم عام يتناول العَرْصَة (٤) والبناء (٥)، ولهذا لو اشترى دارا، ثم
стр. 1780
استحق بناؤها، يرجع على البائع بحصة البناء من الثمن.
وكذلك اسم الخاتم يتناول الحلقة (١) والفَصّ (٢) جميعا: واسم الجارية يتناولها بجميع أجزائها، والولد من أجزائها حتى كان إعتاقها إعتاقا للجنين، ويستحق ولاء الجنين أصلا، والقوصرة اسم لها بما فيها من التمر عرفا.
فإذا أفرد غيره بالبناء والولد ونحوه، فقد خصّ العام، وتخصيص العام صحيح بشرط الوصل (٣)، فيختص كل واحد منهما بما أوصى له (٤)، كما لو قال: أوصيت بهذه الأرض لفلان وبزرعها لآخر، أو قال: "أوصيت بهذه الأنف لفلان إلا مائة منها، فإني أوصيت بها لفلان آخر"، فإنه يختص كل واحد منهما بما أوصى له.
стр. 1781
وكذا لو بدأ بالبناء ونحوه، وثنّى بالأصل بأن قال: أوصيت بهذا البناء لفلان، أو بهذا الفص لفلان، أو بهذا الولد الذي في البطن، وبالدار، والخاتم، والجارية لفلان؛ لأن البِناء يتقدّم ويتأخر (١).
وإن فصل، فقال: أوصيت (٢) بهذه الدار، وبهذه الجارية، أو بهذه القوصرة من التمر، أو بهذا الخاتم لفلان، ثم قال من الغد: قد أوصيت ببناء هذه الدار لفلان، كانت الدار للموصى له بالدار، والبناء بينهما، وكذلك ولد الجارية، والفص، والتمر.
وسواء بدأ بالدار ونحوها وثنى بالبناء والولد ونحوه، أو على العكس، فإن الدار، والجارية، والحلقة للموصى له بالدار، والبناء وما أشبهه بينهما.
وقال أبو يوسف هذا والأول سواء، ولكل واحد منهما ما أوصى (٣).
لأبي يوسف أن الدار اسم للعرصة، ولهذا يبقى اسم الدار بعد زوال البناء، وكذا الخاتم اسم للحلقة، والجارية اسم للذات دون الولد، وإنما يستحق الموصى له بالدار ونحوها هذه الأشياء تبعا لا بحكم الإيجاب، والثابت بالإيجاب يكون فوق الثابت تبعا (٤)، والأدنى لا يزاحم الأقوى، فيختص كل واحد منهما بما أوصى له.
стр. 1782
ولمحمد ما ذكرنا أن الدار اسم عام يتناول العرصة والبناء (١)، وكذلك اسم الجارية والخاتم ونحوه لما ذكرنا (٢).
ولهذا لو أوصى بالدار أو بالجارية أو بالخاتم أو بالقَوصرة، واستثنى البناء والولد والفَصّ جاز، ولو لم يكن الاسم متناولا لما صح الاستثناء؛ لأن الاستثناء تصرف في اللفظ، بحيث لولا الاستثناء لدخل.
وإذا ثبت أن اسم الدار يتناول الكل، فإذا لم يصح التخصيص بفقد شرطه وهو الوصل، بقي البناء ونحوه داخلا تحت الكلام الأول، وقد أوصى به للثاني، والوصية الثانية لا تكون رجوعا عن الأولى، فيجتمع في البناء ونحوه وصيتان فيكون بينهما، كما لو أوصى بالدار والبناء لرجل ثم أوصى بالبناء لآخر، فإن الدار تكون لأحدهما والبناء بينهما، وكذلك الفص ونحوه.
وأما الفصل الثاني:
لو قال أوصيت بهذه الجارية لفلان وبخدمتها لآخر، أو بهذه الدار لفلان وبسكناها لآخر (٣)، أو بهذا العبد لفلان وبغلته لآخر، أو بهذا البستان لفلان وبثمرته لآخر، أو بدأ
стр. 1783
بالسكنى ونحوه وثنى بالدار ونحوها، وصل أم فصل، كان لكل واحد منهما ما أوصى له (١)، لا حق لصاحب الأصل في التبع؛ لأن اسم الدار لا يتناول السكنى، وكذلك اسم العبد لا يتناول الغلة والخدمة (٢)، والبستان لا يتناول الثمرة (٣).
ولهذا لو أوصى بالدار ونحوها، واستثنى السكنى والغلة والخدمة والثمرة، لا يصح الاستثناء (٤).
وإنما يستحق صاحب الأصل هذه الأشياء بطريق التبعية لا بحكم الإيجاب، فإذا استحقت بإيجاب على حدة، لا يستحق تبعا.
стр. 1784
قال: ألا ترى أن الموصى له بالخدمة والغلة والسكنى والثمرة، لو رَدّ وصيتَه، أو مات قبل الاستيفاء، كانت الغلة والخدمة والسكنى ونحوها للموصى له بالأصل، ولا يكون لورثة الموصى.
وفي الفصل الأول لو مات الموصى له بالبناء ونحوه قبل موت الموصى، أو ردّ وصيتة، يعود الولد والبناء وما يشبه ذلك إلى ورثة الموصى (١).
استشهد لبيان أن الولد ونحوه، وما كان من جملة الأجزاء يستحق بحكم الإيجاب لا بطريق التبعية، فإذا بطل الإيجاب بالرد يعود إلى ورثة الموصى، ولو كان الاستحقاق بطريق التبعية يكون لصاحب الأصل.
- والله أعلم -
стр. 1785
كتاب الكفالة
باب الكفالة والحوالة والرهن فيها من المتطوع وغير ذلك
بنى الباب على أصلين:
أحدهما: أن ضمان الرهن يبقى ببقاء القبض؛ لأن قبض الرهن قبض ضمان لأنَّه قبض استيفاء على معنى أنه لو هلك عند المرتهن، والدين قائم في نفسه يصير مستوفيا دَينه من القبض فيبقي كذلك، وإن ثبت للراهن حق الاسترداد (١) بعارض؛ لأن البقاء يكون على وفق الثبوت ولأن الرهن (٢) لم يرض بقبضه إلا بصفة (٣).
والثاني: أن الحوالة توجب براءة المحيل بشرط السلامة (٤)، وإذا توى ما على المحتال عليه، يرجع المحتال له على المحيل بدينه عندنا (٥).
стр. 1786
والتوى عند أبي حنيفة يكون بطريقين:
أحدهما: أن يجحد المحتال عليه الحوالة ويحلف (١).
والثاني: أن يموت، ولا يدع مالا، ولا شخصا يؤدي عنه (٢).
وعند أبي يوسف ومحمد بهِما، وبتفليس القاضي أيضا في حياته (٣)، والمسئلة معروفة.
إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل له على رجل ألف درهم، فأحاله بها على رجل، وأعطاه للمحتال عليه كفيلا بالمال حالًا، أو إلى سنة، أو كفل رجل عن المحتال
стр. 1787
(عليه بأمره) (١) أو بغير أمره، ثم مات المحتال عليه. مفلسا، لم يكن للمحتال له أن يرجع بدينه على المحيل (٢)؛ لأن عود الدين إلى ذمة المحيل، حكم انفساخ الحوالة بهلاك المال على المحتال عليه ولم يهلك؛ لأن ذمة الكفيل قامت مقام ذمة المحتال عليه في توجه المطالبة، فلا تبطل الحوالة.
ألا ترى أن المكاتب إذا مات، وترك ولدا وُلِدَ في الكتابة، لا تبطل الكتابة (٣)، وجعل موته عمن يؤدي البدل، كموته عما يؤدي به، وهو المال، كذلك هنا.
ولو أن المحتال عليه لم يعط كفيلا بالمال، ولكن استعار من رجل عينا ليرهنه بدين المحتال له ورهنه، أو رهن أجنبي عند المحتال له، رهنا بماله (٤) على المحتال عليه بأمر المحتال عليه، أو بغير أمره، وسلطه على البيع، واستيفاء الدين منه، أو لم يسلطه فلم يقبض الطالب دينه، ولم يبع الرهن، أو باع ولم يقبض الثمن لاستيفاء حقه، حتى مات المحتال عليه مفلسا، يعود الدين إلى ذمة المحيل (٥)، وتبطل الحوالة والرهن، ويكون
стр. 1788
صاحب الرهن أحق بالرهن وبثمنه (١) من المحتال له.
فرق بين هذا وبين الأول (٢)، واختلفت عبارة المشايخ في الفرق بينهما.
قال بعضهم: إنما بطلت الحوالة في الفصل الثاني؛ لسقوط الدين عن المحتال عليه (٣)؛ لأن محل الدين الذمة، وقد خرجت ذمته قبل الاستيفاء لا إلى خلف، وبقاء الدين من غير محل الدين لا يتصور، فيسقط الدين، وإذا سقط الدين يبطل الرهن؛ لأنَّه عقد لاستيفاء الدين، فلا يبقى بدونه، وإذا بطل الرهن، توى ما على المحتال عليه، ويرجع بدينه على المحيل (٤).
أما في الفصل الأول وإن خرجت ذمة المحتال عليه، قامت ذمة الكفيل في حياته مقام ذمته؛ لأن الكفالة شرعت لضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في حق توجه المطالبة (٥)، وذمة الكفيل باقية، فيبقى الدين لبقاء محله.
وإذا لم يسقط الدين عن المحتال عليه بهلاكه، لا يتحقق التوى، فلا يرجع على المحيل بدينه.
وقال بعضهم: سقط الدين عن المحتال عليه في الفصلين؛ لأن محل الدين الذمة، وذمته لم تبق. وإنما بطل الرهن ولم تبطل الكفالة؛ لأن براءة الأصيل لا تنافي بقاء الكفالة،
стр. 1789
فإن ابتداء الكفالة بشرط براءة الأصيل جائزة، وتكون حوالة (١)، وكذا لو أضاف الكفالة إلى حال هلاك الدين على الأصيل، بأن قال: "إن توى مال على فلان، فأنا كفيل بذلك" (٢)، يصح وإذا جاز الابتداء فالبقاء أولى.
أما الرهن بدون الدين لا يتصور (٣)، ولهذا لو رهن شيئا بدينه على أن يبرئه من الدين، لا يصح، فإذا سقط الدين عن المحتال عليه، لا يبقى الرهن، وعند ذلك يتوى المال على المحتال عليه، فيرجع على المحيل بدينه.
ولا يقال إن خربت ذمة المحتال عليه، خربت إلى خلف، وهو الرهن؛ لأنَّه محل لاستيفاء الدين، وقد ثبت يد الاستيفاء عليه.
ولهذا لو مات المديون وبدينه رهن، أو ترك مالا، لا يسقط الدين، حتى لو كفل به إنسان يجوز (٤) عند أبي حنيفة ﵀ (٥).
ولو مات ولم يدع شيئًا، ولا رهنا، لا تصح الكفالة (٦) [عند أبي حنيفة] (٧)؛ لأنا
стр. 1790
نقول: إذا ترك مالا، أو كان به رهن بملكه، تتوجه المطالبة على وارثه، أو وصيه بقضاء الدين، وتقوم ذمة الوارث أو الوصي مقام ذمته (١)، لكن إقامة الغير مقامه عرف في إملاكه، فيقتصر عليه.
ثم استشهد محمد ﵀ لبيان أن براءة المديون عن الدين، تبطل الرهن فقال: ألا ترى أن المديون لو رهن بدينه رهنا، ثم أحاله بالدين علىَّ رجل، له أن يأخذ الرهن (٢)؛ لأنّ الراهن برئ بالحوالة، فلا يبقى الرهن.
وذكر هذه المسئلة بعد هذا في الباب الطويل من هذا الكتاب، أنه لا يبطل الرهن، ولا يكون للمحيل أن يأخذ رهنه، ما لم يقبض الطالب دينه من المحتال عليه.
قالوا: في المسئلة روايتان: ما ذكر هنا أنه لا يبقى الرهن، قول محمد، وما ذكر ثمة، قول أبي يوسف.
وحكي عن القاضي أبي حازم (٣) أنه قال: اختلف شاب وشيخ في هذه المسئلة،