← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

والتوى عند أبي حنيفة يكون بطريقين: أحدهما: أن يجحد المحتال عليه الحوالة ويحلف (١). والثاني: أن يموت، ولا يدع مالا، ولا شخصا يؤدي عنه (٢). وعند أبي يوسف ومحمد بهِما، وبتفليس القاضي أيضا في حياته (٣)، والمسئلة معروفة. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل له على رجل ألف درهم، فأحاله بها على رجل، وأعطاه للمحتال عليه كفيلا بالمال حالًا، أو إلى سنة، أو كفل رجل عن المحتال

стр. 1787

(عليه بأمره) (١) أو بغير أمره، ثم مات المحتال عليه. مفلسا، لم يكن للمحتال له أن يرجع بدينه على المحيل (٢)؛ لأن عود الدين إلى ذمة المحيل، حكم انفساخ الحوالة بهلاك المال على المحتال عليه ولم يهلك؛ لأن ذمة الكفيل قامت مقام ذمة المحتال عليه في توجه المطالبة، فلا تبطل الحوالة. ألا ترى أن المكاتب إذا مات، وترك ولدا وُلِدَ في الكتابة، لا تبطل الكتابة (٣)، وجعل موته عمن يؤدي البدل، كموته عما يؤدي به، وهو المال، كذلك هنا. ولو أن المحتال عليه لم يعط كفيلا بالمال، ولكن استعار من رجل عينا ليرهنه بدين المحتال له ورهنه، أو رهن أجنبي عند المحتال له، رهنا بماله (٤) على المحتال عليه بأمر المحتال عليه، أو بغير أمره، وسلطه على البيع، واستيفاء الدين منه، أو لم يسلطه فلم يقبض الطالب دينه، ولم يبع الرهن، أو باع ولم يقبض الثمن لاستيفاء حقه، حتى مات المحتال عليه مفلسا، يعود الدين إلى ذمة المحيل (٥)، وتبطل الحوالة والرهن، ويكون

стр. 1788

صاحب الرهن أحق بالرهن وبثمنه (١) من المحتال له. فرق بين هذا وبين الأول (٢)، واختلفت عبارة المشايخ في الفرق بينهما. قال بعضهم: إنما بطلت الحوالة في الفصل الثاني؛ لسقوط الدين عن المحتال عليه (٣)؛ لأن محل الدين الذمة، وقد خرجت ذمته قبل الاستيفاء لا إلى خلف، وبقاء الدين من غير محل الدين لا يتصور، فيسقط الدين، وإذا سقط الدين يبطل الرهن؛ لأنَّه عقد لاستيفاء الدين، فلا يبقى بدونه، وإذا بطل الرهن، توى ما على المحتال عليه، ويرجع بدينه على المحيل (٤). أما في الفصل الأول وإن خرجت ذمة المحتال عليه، قامت ذمة الكفيل في حياته مقام ذمته؛ لأن الكفالة شرعت لضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في حق توجه المطالبة (٥)، وذمة الكفيل باقية، فيبقى الدين لبقاء محله. وإذا لم يسقط الدين عن المحتال عليه بهلاكه، لا يتحقق التوى، فلا يرجع على المحيل بدينه. وقال بعضهم: سقط الدين عن المحتال عليه في الفصلين؛ لأن محل الدين الذمة، وذمته لم تبق. وإنما بطل الرهن ولم تبطل الكفالة؛ لأن براءة الأصيل لا تنافي بقاء الكفالة،

стр. 1789

فإن ابتداء الكفالة بشرط براءة الأصيل جائزة، وتكون حوالة (١)، وكذا لو أضاف الكفالة إلى حال هلاك الدين على الأصيل، بأن قال: "إن توى مال على فلان، فأنا كفيل بذلك" (٢)، يصح وإذا جاز الابتداء فالبقاء أولى. أما الرهن بدون الدين لا يتصور (٣)، ولهذا لو رهن شيئا بدينه على أن يبرئه من الدين، لا يصح، فإذا سقط الدين عن المحتال عليه، لا يبقى الرهن، وعند ذلك يتوى المال على المحتال عليه، فيرجع على المحيل بدينه. ولا يقال إن خربت ذمة المحتال عليه، خربت إلى خلف، وهو الرهن؛ لأنَّه محل لاستيفاء الدين، وقد ثبت يد الاستيفاء عليه. ولهذا لو مات المديون وبدينه رهن، أو ترك مالا، لا يسقط الدين، حتى لو كفل به إنسان يجوز (٤) عند أبي حنيفة ﵀ (٥). ولو مات ولم يدع شيئًا، ولا رهنا، لا تصح الكفالة (٦) [عند أبي حنيفة] (٧)؛ لأنا

стр. 1790

نقول: إذا ترك مالا، أو كان به رهن بملكه، تتوجه المطالبة على وارثه، أو وصيه بقضاء الدين، وتقوم ذمة الوارث أو الوصي مقام ذمته (١)، لكن إقامة الغير مقامه عرف في إملاكه، فيقتصر عليه. ثم استشهد محمد ﵀ لبيان أن براءة المديون عن الدين، تبطل الرهن فقال: ألا ترى أن المديون لو رهن بدينه رهنا، ثم أحاله بالدين علىَّ رجل، له أن يأخذ الرهن (٢)؛ لأنّ الراهن برئ بالحوالة، فلا يبقى الرهن. وذكر هذه المسئلة بعد هذا في الباب الطويل من هذا الكتاب، أنه لا يبطل الرهن، ولا يكون للمحيل أن يأخذ رهنه، ما لم يقبض الطالب دينه من المحتال عليه. قالوا: في المسئلة روايتان: ما ذكر هنا أنه لا يبقى الرهن، قول محمد، وما ذكر ثمة، قول أبي يوسف. وحكي عن القاضي أبي حازم (٣) أنه قال: اختلف شاب وشيخ في هذه المسئلة،

стр. 1791

-وعني بالشاب نفسَه، وبالشيخ أبا بكر (١) العُمّي (٢) ﵀ فأجاب الشيخ بقول أبي يوسف، والشاب بقول محمد، ولم يعرفا الرواية، فسألا هلالَ الرازي (٣) ﵀،

стр. 1792

فأخرج الروايتين من النوادر، فوافق الشيخُ الشيخَ، والشابُّ الشابَّ. لمحمد: أنه رهنه بدين نفسه، وبالحوالة انتقل منه الدين التى المحتال عليه؛ لأنها تنبئ عن النفل، والشيء بعد الانتقال لا يبقى في مكانه الأول، ولهذا لو أبرأ المحيل عن الدين لا يصح. ولو رهن المحيل بما عليه رهنا، لا يصح، ولو بقي الدين يصح الرهن (١). ولأبي يوسف أن الراهن رهن بدين على نفسه، وبالحوالة لم ينتقل عنه الدين، بل توجهت المطالبة على المحتال عليه، مع بقاء الدين في ذمة المحيل، كما في الكفالة، إلا أن في الكفالة لا تتأخر المطالبة عن الأصيل، وبالحوالة تتأخر عن المحيل؛ ولهذا لو أبرأ المحتالُ له المحتالَ عليه، فردّ المحتال عليه، لا يصح رده، كما لو أبرأ الكفيل فرد الكفيل. ولو كان الدين منتقلا إلى ذمة المحتال عليه، يصح رده بمنزلة الأصيل (٢). وكذا لو جاء المحيل بالدين، أجبر الطالب على القبول (٣).

стр. 1793

ولو برئت ذمة المحيل من كل وجه، كان المحيل متبرعا في الأداء (١)، لا يجبر الطالب على القبول، كما لو تبرع أجنبي آخر (٢). وإذا بقي الدين بقي الرهن لأنَّه عقد لاستيفاء الدين (٣) فيبقى ما بقي الدين. وإنما لا يصح ابتداء الرهن بعد الحوالة؛ لأن بقاء الدين في ذمة المحيل، لم يثبت بدليل قطعي، بل بدليل محتمل، وهو الاجتهاد، فوقع الشك فيه، فلا يصح بالشك، ولا يبطل بالشك. وإذا بطل الرهن بموت المحتال عليه مفلسا في هذه الرواية، فإن لم يأخذ صاحب الرهن رهنه، حتى هلك الرهن يهلك (٤) بالدين ويبرأ المحيل عن الدين؛ لأن حكم هلاك الرهن حال قيام الدين وقوع الاستيفاء، وبعد ما مات المحتال عليه مفلسا، الدين. قائم في نفسه لم يسقط، وإنما تحولت المطالبة إلى المحيل من حيث الظاهر (٥)، فيهلك بالدين، ويصير مستوفيا دينه من المحتال عليه من وقت القبض. ولهذا لو قضى الراهن دين المرتهن، ثم هلك الرهن عند المرتهن، يبطل ذلك الفضاء، ويجب على المرتهن رد ما قبض. وهو بخلاف ما إذا أبرأ المرتهن الراهن عن الدين، ثم هلك الرهن في يده قبل الرد،

стр. 1794

فإنه يهلك أمانة استحسانا (١)؛ لأن الإبزاء أسقط الدين من كل وجه (٢)، وحصل مقصود الراهن، وهو فراغ الذمة، فبطل ضمان الرهن، ولأن بطلان الرهن بموت المحتال عليه مفلسا في مسئلتنا، حكم اجتهادي، فلا يبطل ضمان الرهن ما لم يتأكد بالرد، أما بطلان الرهن في الإبراء، حكم اتفاقي، فيبطل الضمان قبل الرد. ثم إذا هلك البرهن بالدين، قال: ينظر، إن كان الراهن مقطوعا في الرهن، لا يرجع على غيره بشيء، وإن رهن بأمر المحتال عليه، أو استعار المحتال عليه عينا، فرهنه (٣)، يتبع المحيل، فيؤخذ منه قيمة الرهن، ويدفع إلى صاحب الرهن؛ بموت صاحب الرهن قضى برهنه دين المحتال عليه بأمره، والمحتال عليه قضى دين المحيل بقبول الحوالة، فاستحق الرجوع على المحيل، وصار ما للمحتال عليه على المحيل، تركةً للمحتال عليه، فيكون ذلك بين غرماء المحتال عليه، وصاحب الرهن من غرمائه (٤). ولم يذكر في الكتاب من يرجع على المحيل فيأخذ منه، قال بعضهم: يأخذ صاحب الرهن (٥) قصرا للمسافة، وقال بعضهم: لا يأخذ صاحب الرهن من المحيل؛ لأن المحيل غريم غريمه، وليس له أن يرجع على غريم غريمه، ولكن القاضي ينصب خصما ليرجع على المحيل، ويرجع إلى صاحب الرهن.

стр. 1795

ثم عاد إلى مسئلة أول الباب فقال: لو أن المحتال عليه أعطى لصاحب الدين كفيلا بالمال، ثم أخّر صاحب الدين الكفيل سنة، ثم مات المحتال عليه مفلسا، لا تبطل الحوالة، ولا يرجع المحتال له على المحيل (١)؛ لأن عود الدين إلى ذمة المحيل حكم التوى على المحتال عليه ولم يتو؛ لأن المال وإن تأخر عن الكفيل، فذمته قامت مقام ذمة المحتال عليه في أصل الدين، فلا تبطل الحوالة، إلا أن يتوى على الكفيل، بان يموت مفلسا، فحينئذ تبطل الحوالة (٢). إنما وضع المسئلة على هذا الوجه؛ لأن الدين لو كان مؤجلا على الأصيل، كان على الكفيل كذلك (٣)، فإنما ذكر التأجيل بعد الكفالة؛ ليثبت الأجل في حق الكفيل خاصة. قال: ألا ترى أن صاحب الدين لو أبرأ المحتال عليه على أن يأخذ منه كفيلا بالمال إلى سنة، ثم مات المحتال عليه مفلسا، لا يرجع المال على المحيل (٤) حتى يتوى ما على الكفيل لما قلنا والله أعلم.

стр. 1796

باب من قضاء الدين الذي يكون من المال كلة أو من بعضه بنى الباب على أن المملك إذا عين جهة التمليك عند التمليك أو بعده، إن كان التعيين مفيدا كان القول في ذلك قوله؛ لأن التمليك يستفاد من جهته فكان القول في ذلك قوله، إلا إذا لم يكن فيه فائدة؛ لأن ما لا يفيد لغو وعبث (١)، فلا يفيد. وما يؤدي إلى دور لا ينقطع، فهو من العبث. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل له على رجل ألف درهم من قرض أو غيره، فكفل رجل بنصف المال، وكفل رجل بالنصف الباقي، فأدى الأصيل خمسمائة، وقال: هذه الخمسمائة التي كفل بها فلان، فهو على ما قال (٢)؛ لأن التمليك صدر من جهته، وله في التعيين فائدة، وهو إخراج ذلك الكفيل عن العهدة، وقطع رجوعه عن نفسه. ألا ترى أنه لو رهن بكل خمسمائة رهنا على حدة، فأدى خمسمائة، وقال: "هذا من هذا الرهن"، كان القول قوله، وله أن يسترد ذلك الرهن؛ لأن المال وإن كان في الأصل

стр. 1797

واحدا، فقد تفرق بحكم الرهن، فكذا إذا تفرق بالكفالة. وكذا لو كفل رجل بنصف المال لا غير، فأدى الأصيل خمسمائة، وقال أديت هذا عن الكفالة، قبل قوله (١). وكذا لو كان الألف من ثمن بيع، فأخره البائع بنصفه، فكفل كفيل بالنصف الحال، وكفيل بالنصف المؤجل، فأدى الأصيل خمسمائة، ثم قال: "أديت هذا عن الحال أو عن المؤجل"، قبل قوله (٢)؛ لأن الأجل حق المديون، يملك إسقاطه بالتعجيل. وكذا لو كان المال مفرقًا في الأصل، بأن كان أصل المال من قرضين، أو بيعين، وكفل بكل مال كفيل على حدة، فأدى الأصيل خمسمائة، ثم قال عند الأداء أو بعده: أديت عن كفالة فلان"، كان القول قوله (٣)؛ لأن في المال الواحد يقبل قوله؛ لما قلنا، فهنا أولى. وكذا لو قال: أحد المالين إلى سنة، والآخر التى سنتين (٤). فرق بين هذا، وبين ما لو كان على رجلين، ألف درهم من قرض أو بيع، وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فأدى أحدهما خمسمائة.، وقال: "هذا من الكفالة"، لا يقبل قوله في ذلك، ويكون مؤديا عن نفسه (٥)، حتى لا يرجع بشيء على صاحبه؛ لأنا لو

стр. 1798

قبلنا قوله، ويرجع على صاحبه، كان لصاحبه أن يقول: "أداؤك عني، كأدائي بنفسي، ولو كنت (١) أديت عنك بنفسي، كان لي أن أرجع عليك، فكذا إذا أديت عني ورجعت بذلك علي" (٢). هكذا يحتجّ كل واحد منهما على صاحبه، فيؤدي إلى الدور، فيبطل بيانه، وعند عدم البيان، تترجح جهة الأصالة، ويكون مؤديا عن نفسه، إلا إذا كان المؤدى أكثر من (٣) النصف، فحينئذ يرجع بالزيادة على صاحبه (٤)؛ لأنَّه ليس عليه بحكم الأصالة إلا خمسمائة. فلو رجع المؤدي على صاحبه بالزيادة على النصف، لم يكن لصاحبه أن يرجع عليه بتلك الزيادة (٥). فرق بين هذه المسألة وبين مسئلتين ذكرهما في المبسوط: إحداهما: رجل له على رجل ألف درهم، كفل بها رجلان على أن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فأدى أحدهما شيئا، كان المؤدى عنهما جميعا، حتى يرجع على صاحبه بنصف ما أدى (٦).

стр. 1799

والفرق أن في تلك المسألة المال واجب على كل واحد منهما بجهة الكفالة عن الأصيل، لا بجهة الأصالة، وهما في الكفالة عن الأصيل سواء، فما أدى أحدهما، يكون نصفه عن نفسه، ونصفه عن صاحبه تحقيقا للاستواء (١). أما في مسئلتنا كل المال واجب على كل واحد منهما، نصفه بحكم الأصالة، ونصفه بحكم الكفالة، ولا معارضة بين جهة الإصابة والكفالة، لأن الواجب بحكم الأصالة دين من كل وجه، لا يقضيه غيره من حيث الظاهر، وما هو واجب عليه بحكم الكفالة، يقضيه الأصيل من حيث الظاهر، فتترجح جهة الأصالة (٢). والمسئلة الثانية: رجل كاتب عبدين له، كتابة واحدة، علي إن كل واحد منهما كفيل عن صاحبه، فأدى أحدهما شيئا من بدل الكتابة، يرجع على صاحبه بنصف ما أدى (٣). والفرق أن في الكتابة لا يجتمع الإصالة والكفالة في واحد لأن الكفالة بدل الكتابة وكفالة المكاتب (٤) لا تصح، بل طريق الوجوب عليهما في ذلك، يجعل المال على أحدهما، وعتق الآخر معلق بأدائه، وكل واحد منهما في ذلك على السواء، فكان المال واجبا على كل واحد بعقد الكتابة (٥)، فكان له أن يطالب بالبدل أيهما شاء.

стр. 1800

وإذا أدى أحدهما شيئا، يرجع على صاحبه بنصف ما أدى، تحقيقا للاستواء (١). ثم فرع على مسألة الباب فقال: لو أن البائع أخّر أحد المشترين سنة بما عليه خاصة، دون صاحبه، فأدى هذا المشترى بعد التأخير خمسمائة، وقال من جهة الكفالة، فهو على ما قال (٢)؛ لأن ما عليه بجهة الأصالة مؤجّل، فلو جعل المؤدى عن الكفالة، لم يكن لصاحبه أن يجعل عنه ويرجع عليه، لأن ما عليه مؤجل، والكفيل بالمال المؤجل، إذا عجّل فإن حلول الأجل، لا يرجع على الأصيل قبل حلول الأجل (٣)، فلا يؤدى إلى الدور، فإن لم يؤد هذا المشترى شيئا حتى حل الأجل، ثم أدى خمسمائة، كان ذلك مما عليه خاصة؛ لأنَّه لما أدى بعد حلول الأجل، لو جعل المؤدى عن صاحبه، كان لصاحبه أن يجعل ذلك عنه، فيؤدي إلي الدور (٤). ولو وقع البيع على (٥) أحدهما بعينه إلي سنة، والكفالة حالة، فأدى قبل حلول الأجل كان ذلك فيما أدى، ويقبل قوله في ذلك (٦)؛ لأنَّه لا يؤدي إلى الدور. وإن أدى بعد حلول الأجل يكون مؤديا عن نفسه، حتى يؤدي زيادة على

стр. 1801

خمسمائة، فحينئذ تكون الزيادة عن الكفالة (١). ولو اشتريا شيئا بألف، وكفل أحدهما عن صاحبه، ولم يكفل الآخر عنه، فأدى الكفيل شيئا، أو قال: "هذا من الكفالة"، قيل قوله (٢)؛ لأنَّه لو جعل عن صاحبه، وصاحبه ليس بكفيل عنه، لا يكون. لصاحبه أن يجعل عنه، فلا يؤدي إلى الدور. وذكر ابن سماعة عن محمد: رجل له على آخر ألفا درهم، فكفل عنه رجل بألف درهم، ثم إن الطالب أحال رجلا على المطلوب بألف كانت للمحتال له على الطالب، فأدى المطلوب ألفا إلي المحتال له، وقال: "أديتها عن الألف التي كفل بها فلان"، وقال الطالب: بل هي من الألف التي لا كفالة بها، كان القول قول الطالب، ولو كان المطلوب هو الذي أحال الطالب بألف على غريم له عليه ألف درهم، فقبضها ثم قال الطالب: هي من الألف التي لا كفالة بها، وقال المطلوب: هي المكفول بها، كان القول قول المطلوب. جعل القول قول المحيل في المسئلتين جميعا، أما في المسئلة الثانية لا يشكل؛ لأن أداء المحتال عليه كأدائه بنفسه، فيكون القول قوله في ذلك. وأما في المسئلة الأولى؛ فلأن قبض المحتال له إنما يقع قبضا، إذا حصل بأمر المحيل، فكان القول قول الآمر فيما أمره به، بمنزلة الموكل يكون القول قوله فيما وكل، بخلاف ما لو قضى المحيل بنفسه. وذكر ابن سماعة في النوادر: رجل عليه ألف درهم من كفالة، وألف من ثمن بيع، فجاء بالألف، وقال: أأديها من الكفالة، وقال الطالب: لا آخذ هذه إلا من جميع مالي عليك، فإن للطالب أن يجعله من المالين، ويرجع بما بقي علي المكفول عنه؛ لأن له حق

стр. 1802

المطالبة بالمالين، فكان له أن يقبض عنهما. وإن قبض الألف، ولم يقل شيئا، فللمطلوب أن يجعل الأداء من أي المالين شاء؛ لأن التخصيص مفيد، ويعتبر قوله في ذلك والله أعلم.

стр. 1803

باب فيما يرجع المحتال عليه وفيما لا يرجع وفيما يبطل عن المحتال عليه وفيما لا يبطل الأصل فيه: أن الحوالة نوعان: مقيدة، ومطلقة. فالمقيّدة: أن يقيدها بدين له على المحتال عليه، أو بعين (أو دراهم) (١) له في يده بغصب، أو وديعة، أو نحو ذلك (٢). والمطلقة: أن يرسل الحوالة إرسالا، ولا يفيدها بدين أو غيره، أو يحيله على رجل ليس له عليه دين، ولا في يديه عين، وكلاهما جائزة (٣)، لقوله ﵇: "مَن أحِيلَ على مَلِئ، فَليَتْبَع" (٤)، والأمر بالاتباع دليل الجواز.

стр. 1804

ولأن الحوالة المقيدة تتضمن أمورا كلها جائزة عند الانفراد، وهو تبرع المحتال عليه بذمته لالتزام دين المحيل (١)، وتوكيل المحيل للمحتال له بقبض الدين أو العين من المحتال عليه (٢)، وأمر المحيل المحتال عليه بتسليم ما عنده إلي المحتال له (٣)، فكذا عند الاجتماع. والحوالة المطلقة تتضمن أمرا جائزا وهو التبرع بالذمة لإلتزام دين المحيل، وحكم الحوالة براءة المحيل عن الدين (٤). وإذا بطلت الحوالة المطلقة بما ذكرنا من الأسباب (٥)، والمقيدة بفوات ما قيدت به، يعود الدين إلى ذمة المحيل (٦).

стр. 1805

وقال زفر والقاسم بن معن (١): الحوالة لا توجب براءة المحيل (٢)، والمسئلة معروفة. إذا عرفنا هذا قال محمد ﵀: رجل له على رجل ألف درهم، وللمديون على رجل آخر ألف درهم، فأحال المديون صاحب دينه على غريمه بالدين الذي له عليه على أن يعطيه ما عليه، جازت الحوالة، وهذه حوالة مقيدة، وليس للمحيل أن يأخذ دينه من المحتال عليه (٣)؛ لأن المحتال عليه لم يقبل الحوالة إلا بشرط تملك ما في ذمته، فإن لم يأخذ المحتال له شيئا، حتى مات المحيل، وعليه ديون كثيرة، ولم يدع مالا غير ذلك الدين، فإنه يؤخذ دينه من المحتال عليه، ويكون بين غرماء المحيل بالحصص، المحتال له أحدهم (٤). والقياس أن يختص المحتال له بذلك، - وهو قول زفر - لوجهين: أحدهما: أن دين غرماء المحيل يتعلق بمال المحيل، وقد صار المحيل بمنزلة الأجنبي عن هذا الأجنبي (٥)، وكان المحتال له أحق بهذا المال من المحيل في حياته، حتى لا يكون

стр. 1806

للمحيل أن يأخذه، فيكون أحق به من غرمائه بعد وفاته (١). ولأن المحتال له كان أسبق تعلقا بهذا المال؛ لأن حقه تعلق به في صحته، وحق الغرماء لم يتعلق في صحته، فيقدم المحتال له، كما يقدم المرتهن على غيره (٢)، وغريم الصحة على غريم المرض. ولنا: أن هذا المال للمحيل لم يثبت لغيره عليه يد الاستيفاء، فيكون مقسوما بين الغرماء (٣). وإنما قلنا ذلك؛ لأنَّه ما ملكه من المحتال له؛ لأن تمليك الدين من غير من عليه الدين باطل، لكن بالحوالة وجب للمحتال له دين في ذمة المحتال عليه (٤)، مع بقاء دين المحيل لو ملك ما في ذمته للمحتال له بالأداء، أو بالهبة ونحوها، يملك ما في ذمته للمحتال (٥)؛ لا يؤدي إلا أحدهما؛ ولهذا لو نوى ما على المحتال عليه، يهلك على المحيل ولم يثبت عليه أيضا يد الاستيفاء؛ لأن ثبوت اليد على ما ذمة الغير لا يتصور. وإنما لم يكن للمحيل أن يأخذ ذلك الدين؛ لما قلنا أن المحتال عليه لم يقبل الحوالة إلا ليتملك ما في ذمته، فلو أخذ المحيل دينه، يفوت الرضى، فتبطل الحوالة (٦)، بخلاف

стр. 1807

الرهن؛ لأنَّه ثبت عليه يد الاستيفاء للمرتهن؛ ولهذا لو هلك يهلك على المرتهن، فكان هو أحق به من غيره فلهذا يؤخذ دين المحيل بعد موته، ويقسم بين الغرماء بالحصص، المحتال له أحدهم (١). وكان ينبغي أن لا يكون للمحتال له حق المزاحمة؛ لأن دينه تحوّل إلى ذمة المحتال عليه، فلا يزاحم غرماء المحيل. وإنما أثبتنا له حق المزاحمة؛ لأن الحوالة كانت مقيدة بذلك المال، فإذا أخذ ذلك من المحتال عليه، فات الرضى بالحوالة، فتبطل الحوالة (٢)، فيعود الدين إلى ذمة المحيل على ما كان قبل الحوالة، فيشارك الغرماء. وإذا قسم ذلك بين الغرماء والمحتال له، لا يرجع ببقية دينه على المحتال عليه (٣)؛ لأن الحوالة كانت مقيدة بذلك المال، وقد بطلت بأحدهما والتحقت بالعدم (٤). واستوضح هذا بمسئلة الوديعة، وهي مسئلة مبتدأة فقال: ألا ترى أنه لو قيد الحوالة بألف كانت وديعة، أو غصبا له عند المحتال عليه، يجوز، ولا يكون للمحيل أن يأخذ ذلك من المحتال عليه (٥)؛ لما قلنا في الدين من تعلق حق المحتال عليه به (٦)؛ ولهذا كان للمحتال

стр. 1808

عليه أن يمسك ذلك الألف، ويدفع مكانها أخرى. فإن مات المحيل يؤخذ ذلك المال من المحتال عليه، ويقسم بين غرماء المحيل بالحصص (١)؛ لما قلنا. وإذا قسمت لم يكن للمتحال له أن يرجع ببقية دينه على المحتال عليه؛ لما قلنا (٢)، ألا ترى أنها لو هلكت في يد المحتال عليه، تبطل الحوالة (٣). وكذا لو قال المحتال عليه: "ضاعت الوديعة عندي"، وحلف، يقبل قوله؛ لأنَّه أمين وتبطل الحوالة، وكذا إذا استحقت من يده، وكذلك الغصب (٤)، إلا أن في الغصب إذا هلك المغصوب عند المحتال عليه، لا تبطل الحوالة؛ لأنها تهلك إلى بدل وهو الضمان؛ لكونها مضمونة فتبقى الحوالة ببقاء البدل (٥). أما الوديعة غير مضمونة، فبهذا هلكت لا إلى خلف، تبطل الحوالة ضرورة (٦)، ولو لم تهلك الوديعة والغصب، وأراد المحيل أخذها، لا يملك؛ لما قلنا، فإن دفعها إلى المحيل ضمن لأنَّه تعلق بها حق المحتال له، فيضمن بالدفع إليه (٧).

стр. 1809

ولو أحال على مديونه، أو على مودعه حوالة مطلقة، كان للمحيل أن يأخذ دينه ووديعته؛ لأنها ملكه، وإنما لم يأخذ في الحوالة المقيدة (١)؛ لأن المحتال عليه والمحتال له لم يرضيا بالحوالة إلا بهذا الشرط. فإن قيل ينبغي أن لا يأخذ المحيل دينه ووديعته من المحتال عليه؛ لأن الحوالة أوجبت دينا على المحتال عليه (٢)، ألا ترى أنه لو لم يكن على المحتال عليه دين، كان للمحتال عليه أن يرجع على المحيل (٣)، فإذا وجب للمحتال عليه على المحيل مثل ما كان عليه، يصير قصاصا (٤). قلنا: عنه جوابان: أحدهما.: أنه (٥) لا يجب الدين للمحتال عليه بنفس الحوالة، وإنما يجب إذا ملك ما في ذمته؛ ولهذا لو أبرأ المحتال له المحتال عليه، لا يرجع المحتال عليه على المحيل (٦). الثاني: أن الدين إن وجب بنفس الحوالة إلا أنه مؤجل إلى وقت الأداء، لا يطالبه في الحال، ودين المحيل على المحتال عليه حال (٧)، فلا تقع المقاصة.

стр. 1810

فإن أخذ المحيل ماله على المحتال عليه، ثم استوفى المحتال دينه من المحتال عليه، كان للمحتال عليه أن يرجع على المحيل بدينه (١)؛ لأنَّه قضي دينه بأمره فيرجع، كما لو قبل الحوالة، ولم يكن عليه دين للمحيل (٢)، وإن لم يقبض واحد منهما حقه حتى مات المحيل وعليه ديون، يؤخذ حق المحيل من المحتال عليه، ويقسم بين غرماء المحيل، لاحق للمحتال له في ذلك (٣)؛ لأن الحوالة كانت مقيدة حتى تبطل بأخذ المال من المحتال عليه (٤)، فيصير المحتال له من غرماء المحيل (٥)، بل كانت مطلقة، وقد برئت ذمة المحيل عن دين المحتال له، فلا يزاحم المحتال له غرماء المحيل. لكن القاضي يستوثق من كل واحد من الغرماء بكفيل ثقة (٦)؛ لأن للغرماء مزاحما في هذا المال، فإن المحتال عليه لو أدى حق المحتال له، يستوجب الرجوع في تركة المحيل (٧)؛ لأن السبب كان في حياته وصحته وهو قبول الحوالة، كمن كفل في صحته لرجل بما ذاب له على فلان، ثم مرض وعليه ديون الصحة؛ ثم ذاب للمكفول له على فلان

стр. 1811

دين، كان للمكفول له مشاركة غرماء الكفيل (١). وكذا لو كفل بالدرك (٢)، ثم لحقه الدرك في المرض، وكذا لو استحق المبيع من يد المشتري بعد موت البائع، فإن المشترى يشارك غرماء البائع؛ لوجود السبب في الصحة (٣). ولو مات المحتال عليه مفلسا، وتوى ما عليه، كان للمحتال له أن يشارك غرماء المحيل فيما أخذوا من ماله (٤)؛ لعود دينه، فإذا تيقن القاضي بوجود المزاحم يأخذ منهم كفيلا احتياطا ونظرا للمستحق حتى إذا ظهر المزاحم، يمكنه التدارك (٥). قيل: هذا قول أبي يوسف ومحمد، أما على قول أبي حنيفة لا يأخذ منهم كفيلا (٦)؛ قياسا على مسألة ذكرها في المبسوط والجامع الصغير إذا ادعى ميراثا وإقام البينة ولم يقل (٧) الشهود أنهم لا يعلمون له وارثا آخر، ولم يذكروا عدد الورثة، عندهما يأخذ منه كفيلا ويدفع المال إليه، وعند أبي حنيفة لا يأخذ، وقيل: هذا قول الكل. وفرقوا لأبي حنيفة بين هذا وبين مسئلة الميراث، فقالوا: في مسئلة الميراث القاضي

стр. 1812

لم يتيقن بوجود المزاحم، بل ذاك موهوم، وهنا تيقن بالمزاحم، إلا أنه مجهول جهالة يسيرة، أما هذا أو ذاك والجهالة اليسيرة تتحمل في الكفالة (١). فإن قيل: إذا علم القاضي بالمزاحم، ينبغي أن يعزل نصيب المزاحم، ويقسم الباقي بين الغرماء، كرجل مات وعليه ديون، وأحد الغرماء غائب، فعلم القاضي بذلك، فإنه يعزل نصيب الغائب، ويقسم الباقي. قلنا: ثمة المستحق معلوم عند القاضي، فكان للقاضي أن ينصب عنه خصما، فيعزل نصيبه، أما هنا قيام حق الغير معلوم، والمستحق مجهول جهالة يسيرة، فأثبتنا حكما بينهما، وقلنا بأنه لا يعزل النصيب لمكان الجهالة، ولأجل أن الجهالة يسيرة يستوثق بأخذ الكفيل (٢). الفصل الثاني: لو كانت الحوالة بألف كانت للمحيل على المحتال عليه، ثم إن المحتال له (٣) أبرأ المحيل عليه (٤)، برئ المحيل والمحتال عليه، المحيل بالحوالة، والمحتال عليه بالإبراء، ويرجع المحيل بدينه على المحتال عليه (٥) لأن الدين كان قائما، والمانع من الرجوع تعلق

стр. 1813

حق المحتال له بذلك، وقد زال فيرجع، كما لو أبرأ المرتهن الراهن عن الدين، كان للراهن أن يأخذ رهنه (١). ولو وهب المحتال له مال الحوالة للمحتال عليه، جازت الهبة، ولا يكون للمحيل أن يرجع بدينه على المحتال عليه (٢). فرق بين الإبراء وبين الهبة، ووجه الفرق: أن الهبة تمليك لو أضيفت إلى العين تفيد ملك العين (٣)، فبهذا أضيفت إلى الدين، والدين مال، يحتمل التمليك (٤)، فإنه يصلح صداقا ونصابا بالزكاة، ويجري فيه الإرث والوصية ونحو ذلك (٥)، ملك المحتال عليه ما في ذمته، وقام في ذلك مقام المحيل. ألا ترى أنه لو لم يكن للمحيل على المحتال عليه دين، أو كانت الحوالة مطلقة، ووهب المحتال له المال للمحتال عليه، كان للمحتال عليه أن يرجع على المحيل بدين الحوالة، فإذا كان عليه دين للمحيل، لو رجع المحيل بدينه على المحتال، كان للمحتال عليه أن يرجع على المحيل، فبهذا لم يكن فيه فائدة، وقعت المقاصة (٦)، أما الإبراء إسقاط

стр. 1814

محض، ليس فيه معنى التمليك (١)؛ ولهذا لو أضيف إلى العين، لا يكون تمليكا للعين، فكذا لو أضيف إلى الدين، والساقط يتلاشى، فلو رجع المحيل بدينه على المحتال عليه، لم يكن للمحتال عليه إن يرجع على المحيل بشيء؛ لأنَّه لا دين له في ذمته، فيرجع على المحيل بدينه (٢). ألا تري أنه لو لم يكن للمحيل على المحتال عليه دين، إذا كانت الحوالة مطلقة، فأبرأ المحتال له المحتال عليه، لا يرجع المحتال عليه بشيء على المحيل (٣)، ويرجع في الهبة والميراث، ألا ترى أنه لو كان مكان الحوالة كفالة بأمر الأصيل، فأبرأ الكفيل، لا يرجع الكفيل على الأصيل، ويرجع الطالب على الأصيل (٤). ولو وهب الكفيل، أو مات الطالب، وورثه الكفيل، رجع الكفيل على الأصيل؛ لأنَّه ملك ما في ذمته فيرجع (٥)، كما لو ملك بالأداء، وكذا لو أوصى له به.

стр. 1815

والكفالة والحوالة سواء إلا في خصلة واحدة، وهو إنه لو أبرأ الكفيل، لا يبرأ الأصيل، سواء كانت الكفالة مطلقة، أو مقيدة بالمال الذي كان للأصيل على الكفيل (١)، وفي الحوالة يبرأ المحيل (٢)؛ لأن الكفالة التزام للمطالبة بما على الأصيل، فكان إبراء الكفيل إسقاطا للمطالبة عن الكفيل، فبقي المال على الأصيل (٣)، كما كان. أما الحوالة نقل الدين إلى ذمة المحتال عليه (٤)، فكان براء المحتال عليه إسقاطا لأصل الدين، فيبرأ المحيل بالحوالة، والمحتال عليه بالإبراء (٥). قال (٦) رجل له على رجل ألف درهم، فاحتال بها الطالب على رجل آخر على أن أبرأ الأصيل بغير أمر الأصيل جاز؛ لأنَّه تبرع بالتزام الدين في الذمة (٧)، وليس فيه إلحاق الضرر بالمطلوب، ولا إدخال الشيء في ملكه، فيصح، كما لو تبرع عنه بقضاء الدين، أو بقضاء دين الميت أو تبرع بالكفالة (٨)، فإن مات المحتال له، فورثه المحتال عليه، أو وهب

стр. 1816

المال للمحتال عليه، لا يرجع على الأصيل (١)،؛ لأن المحتال عليه لو ملك ما في ذمته بالأداء، لا يرجع على الأصيل؛ لانعدام سبب الرجوع، وهو الأمر (٢)، وكذا إذا ملك ما في ذمته بميراث، أو هبة. وإن مات المحتال له، وورثه الأصيل، كان للأصيل أن يرجع بالمال على المحتال عليه؛ لأن الوارث يقوم مقام المورث فيما يكون للميت، وقد كان للمحتال له حق مطالبة المحتال عليه بالمال، فثبت ذلك لوارثه (٣). فرق بين هذا وبين ما إذا كانت الحوالة بأمر الأصيل، فمات المحتال له، وورثه الأصيل، برئ المحتال عليه؛ لأن الحوالة إذا كانت بأمر الأصيل ومات المحتال له، وورثه الأصيل، لو رجع الأصيل على المحتال عليه، كان للمحتال عليه أن يرجع على المحيل (٤)؛ لأن الأداء إلى الوارث يكون بمنزلة الأداء إلى المورث (٥). ولو أدى المحتال عليه المال إلى المحتال له، والحوالة تكون بأمر الأصيل، رجع المحتال عليه بذلك على الأصيل، فكذا إذا أدى [إلى] (٦) وارثه، فلا يفيد. أما إذا كانت الحوالة بغير أمر الأصيل، لو أدى المحتال عليه المال إلى المحتال، لا

стр. 1817

يرجع بذلك على الأصيل (١)؛ لما قلنا، فكذا إذا أدى إلى وارثه، فيفيد رجوع الأصيل على المحتال، فيرجع الأصيل على المحتال عليه؛ لوجود سبب الرجوع، وهو ملك ما في ذمة المحتال عليه (٢). ولو كان مكان الحوالة كفالة بغير أمر الأصيل، جاز، وكان له أن يأخذ أيهما شاء (٣). فإن وهب الطالب المال للكفيل، أو للأصيل، أو مات الطالب وورثه الكفيل أو الأصيل، لا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء (٤)، أما إذا ورثه الكفيل، أو وهب المال للكفيل؛ لأن الكفيل ملك ما في ذمته بالهبة، أو بالميراث (٥). ولو ملك ما في ذمته بالأداء، لا يرجع على الأصيل (٦)، وبرئ الأصيل، فكذلك إذا ملك ما في ذمته بسبب آخر، بخلاف ما إذا كانت الكفالة بأمر الأصيل فملك الكفيل ما في ذمته بالهبة، أو بالميراث، يرجع على الأصيل؛ لأنَّه لو ملك بالأداء، يرجع (٧)، فكذا إذا ملك بسبب آخر.

стр. 1818

وأما إذا مات الطالب، وورثه الأصيل، أو وهب المال له، برءا جميعا، ولا يرجع الأصيل على الكفيل؛ لأن الأصيل ملك ما في ذمته بالميراث، أو بالهبة، فيبرأ (١)، وبراءة الأصيل توجب براءة الكفيل (٢)، فلا يرجع (٣)، وفي الحوالة بغير أمره يرجع؛ لأن ذمة الأصيل برئت بالحوالة، فبهذا مات الطالب، وورثه الأصيل، لم يملك الأصيل شيئا في ذمة نفسه، وإنما ملك ما في زمة المحتال عليه، فيرجع بذلك على المحتال عليه (٤). مكاتب أحال مولاه على رجل بمكاتبته، إن لم يكن للمكاتب عليه دين، ولا في يده عين، لا تصح الحوالة (٥) لأن الحوالة نقل الدين إلى ذمة المحتال عليه (٦)، فكان الواجب على المحتال عليه عين ما كان واجبا على المحيل حكما. ولهذا لو أحال ببدل الصرف، ورأس مال السلم على رجل، وافترقا قبل القبض من المحتال عليه، يبطل العقد (٧)، ولا يصح الاستبدال به مع المحتال عليه (٦) كما لا يصح مع المحيل، وبدل الكتابة ليس بلازم على المكاتب، بل هو سبيل من إسقاطه بالعجز (٨)،

стр. 1819

فلو صحت الحوالة ببدل الكتابة، ولزم المحتال عليه، يكون الواجب على المحتال عليه غير ما كان واجبا على المحيل، وذلك باطل، لهذا المعنى لا تصح الكفالة ببدل الكتابة (١)، فكذلك الحوالة، ولأن الكفالة والحوالة شرعت للتوثق (٢)، فلا تليق بمال لا يحتم على الأصيل. وإن أحاله المكاتب على رجل عليه دين للمحيل، أو عين في يده، فإن أطلق الحوالة ولم يقيدها بذلك المال فكذلك؛ لما قلنا في الوجه الأول، وإن قيد الحوالة بذلك المال، جازت الحوالة، ويكون توكيلا لمولاه بقبض المال من المحتال عليه وأمرًا للمحتال عليه (٣) بتسليم المال إلى المولى؛ ليأخذ قضاء عن حقه (٤)، ويكون معنى الضمان فيه تبعا، والحوالة تذكير في التوكيل. ذكر محمد في "كتاب المضاربة" (٥): إذا صار مال المضاربة دينا على الناس، وليس في المال ربح، وامتنع المضارب عن التقاضي، يقال للمضارب: "أحل رب المال على الغرماء" أي وكله (٦)، وإذا جازت

стр. 1820

الحوالة المقيدة من المكاتب، برئ المكاتب وعتق. ولا يقال: إذا كانت الحوالة توكيلا للمولى بقبض المال من المحتال عليه، وجب أن لا يبرأ المكاتب، كما لو صرح بالتوكيل. قلنا: اللفظة لفظة الحوالة، والمعنى معنى التوكيل (١)، فحكم بجوازها باعتبار المعنى، ووقعت البراءة بحكم اللفظ، وبراءة المكاتب عن البدل توجب العتق (٢)، فبعتق، كما لو أبرأه صريحا. فإن هلكت الوديعة التى تقيدت بها الحوالة، أو مات المحال عليه مفلسا، ونوى ما عليه من الدين والغصب، تبطل الحوالة، ويعود البدل إلى ذمة المكاتب، يرجع المولى بالمكاتبة على ما تقدم، ولا يبطل العتق (٣) لأن العتق بعد وقوعه لا يحتمل الانتفاض. هذا كما لو أدى بدل الكتابة فاستحق المؤدى، أو رد بعيب الزيافة، فإنه ينتقض الاستيفاء (٤)، ولا ينتقض العتق، كذلك هنا. ولو كان المولى هو الذي أحال غريما من غرمائه على المكاتب، إن أطلق الحوالة ولم

стр. 1821

يقيدها ببدل الكتابة، لا تصح (١)؛ لأن قبول الحوالة المطلقة تبرع، والمكاتب ليس من أهل التبرع، فلا تصح كما لا تصح كفالته. لأن قيد الحوالة ببدل الكتابة صحت، كأنه وكل المحتال بقبض البدل من المكاتب، وأمر المكاتب بدفع البدل إليه، ليأخذ المحتال قضاء لحقه، ولا يعتق المكاتب قبل الأداء، لأن عتقه معلق بالبراءة عن بدل الكتابة، ولم يبرأ بل هو مطالب بأداء البدل (٢). فإن قيل: ينبغي أن يعتق؛ لأنَّه برئ عن دين المولى، حتى لا يكون للمولى أن يطالبه بأداء المكاتبة. قلنا إنما لا يطالبه؛ لتعلق حق المحتال له، لا لسقوط دين المولى؛ ولهذا لو مات المولى، وعليه ديون، يستوفى بدل المكاتبة من المكاتب، ويقسم بين المحتال وغرماء المولى بالحصص، فلا يحكم بعتقه (٣). ولو باع المكاتب من مولاه عبد المكاتبة، جاز ويعتق، أما جواز البيع؛ لأنَّه التحق بالأحرار في حق المكاسب، وإذا جاز البيع استحق الثمن على المولى، فيصير قصاصا ببدل الكتابة، فيعتق، فإن هلك العبد قبل أن يقبضه المولى، بطل البيع، كما لو باع من أجنبي فهلك قبل التسليم، ويرجع المولى بالمكاتبة على المكاتب، ولا ينتقض العتق؛ لأنَّه لا يحتمل الانتقاض بعد الوقوع، ولو لم يهلك العبد، لكنه استحق في يد المكاتب، لا يعتق المكاتب؛ لأنَّه باع مال الغير، فلا يجب الثمن قبل الإجارة، فلا تقع المقاصة ببدل الكتابة،

стр. 1822

بخلاف ما إذا هلك العبد قبل التسليم؛ لأن ذلك. البيع أوجب الثمن للمكاتب، فصار قصاصا، ثم بهلاك العبد انتفضت المقاصة بعد وقوعها، فلا يظهر انتقاضها في حق العتق. ولو كان المولى قبض العبد من المكاتب، ثم استحق من يده، عتق المكاتب ويرجع المولى عليه ببدل الكتابة؛ لأنهما جعلا بدل الكتابة بدلا عن العبد المستحق، وبدل المستحق يملك عند تسليم المستحق؛ لأنَّه يستحق الضمان على القابض، ألا ترى أن من اشترى عبدا بجارية وتقابضا، ثم اسحقت الجارية، بقي العبد مملوكا للقابض ينفذ إعتاقه فيه، فإذا سلم العبد إلى المولى، ملك المكاتب ما في ذمته، فيبرأ ويعتق. ثم باستحقاق العبد تنتقض المقاصة والبراءة بعد وقوعها، فيعود الدين إلى ذمة المكاتب ولا يظهر أن البراءة لم تكن، فلا ينتقض العتق. أما إذا استحق العبد قبل التسليم إلى المولى، لم يملك المكاتب ما في ذمته؛ لأن في ذمته بدل المستحق، فلا يملك قبل تسليم المستحق فلا يعتق. ولو أحال المولى غريما له على المكاتب حوالة مقيدة بالكتابة، ثم أعتقه المولى نفذ إعتاقه؛ لأنَّه بقي على ملكه بعد قبول الحوالة، فيعتق، وتبطل الكتابة؛ لوقوع الاستغناء عنها، ولا تبطل الحوالة استحسانا، يأخذ المحتال له دينه من المكاتب، ثم يرجع المكاتب بذلك على المولى؛ لأنَّه قضى دينه بأمره، والقياس أن تبطل الحوالة (١)، وهو قول زفر. وكذا لو كاتب أم ولده، وأحال عليها ببدل الكتابة غريما له، ثم مات، عتقت وتبطل الكتابة، ولا تبطل الحوالة (٢).

стр. 1823

وكذا لو باع عبدا، أو أحال على المشتري بالثمن غريما له، ثم انفسخ بيع العبد بينهما بهلاك العبد قبل التسليم، أو بخيار رؤية، أو شرط، أو بخيار عيب قبل القبض أو بعده، بقضاء القاضي، يبطل الثمن، ولا تبطل الحوالة استحسانا (١)، وفي القياس تبطل الحوالة في الفصول كلها. وإن استحق العبد المبيع تبطل الحوالة قياسا (٢) واستحسانا. وكذلك في مسئلة أول الباب أنه إذا مات المحيل بالحوالة المقيدة مفلسا، وعليه ديون، يؤخذ ماله من المحتال عليه، ويقسم بين المحتال له، وبين غرمائه بالحصص (٣)، وتبطل الحوالة بقدر ما استحق على المحتال له. وكذا لو كانت الحوالة مقيدة بالوديعة، والغصب، فاستحقت الوديعة والغصب، أو هلكت الوديعة، تبطل الحوالة قياسا واستحسانا (٤). وجه القياس: أنه لم يقبل الحوالة المطلقة، وقد فات ما تقيدت به الحوالة، فتبطل الحوالة، كما في الاستحقاق وهلاك الوديعة. ولنا أن الحوالة قد صحت وأوجبت حقا للمحتال له، فلا تبطل بفوات ما تقيدت به الحوالة، إذا فات بفعل المحيل، أو المحتال عليه، كما لو أحال الثمن على المشتري ثم

стр. 1824

تقايلا (١). وفي إعتاق المكاتب بطلت المكاتبة بإعتاق المولى فلا تظهر في حق المحتال له، وكذا إذا أحال بالثمن ثم انفسخ بينهما بخيار الشرط، والرؤية، والعيب، بطل الثمن بفعل المحيل، أو المحتال عليه، فلا تبطل الحوالة بمنزلة الإقالة (٢). ألا ترى أن الفسخ بهذه الأسباب لا يبطل حق الشفيع، ويجعل بمنزلة الإقالة فكذلك هنا. وفي هلاك المبيع قبل التسليم، انفسخ البيع بفعل البائع، وهو ترك التسليم، أما في فصل الاستحقاق لم تبطل ما تقيدت به الحوالة بفعل المحيل، أو المحتال عليه، فلا يجعل كالقائم، فتبطل الحوالة ضرورة (٣). وفي المسئلة الأولى من الباب بطل ما تعلقت به الحوالة باستحقاق الغرماء، فتبطل الحوالة (٤)، ولأن في الاستحقاق لو بقيت الحوالة يلزمه أداء المال مرتين: مرة إلى المستحق، ومرة إلى المحتال له، ولم يلزم إلا مرة واحدة، فلا يجوز إلزام الزيادة، وفي هلاك الوديعة، لو بقيت الحوالة، تصير الوديعة مضمونة عليه (٥)، وهو لم يلتزم ضمان الوديعة، أما في غيرهما من المسائل لو بقيت الحوالة، لا يلزمه إلا قدر ما التزم، فتبقى الحوالة.

стр. 1825

ثم استشهد بمسئلة مبتدأة، وهى مسئلة الغصب فقال: إذا مات المغصوب في يد الغاصب، فأقر الغاصب أنه كان اغتصبه من فلان، كان عليه قيمته للمقر له (١)، فإن أقام رجل آخر البينة أن المغصوب عبده اغتصبه منه، يقضى بالقيمة لصاحب البينة (٢)؛ لأن البينة حجة متعدية، ولأنه ما أقر على نفسه إلا بقيمة واحدة، وقد استحقت، فلو أن المقضى له وهب القيمة للغاصب قبل القبض، أو أخذ القيمة، ثم وهب عين المأخوذ للغاصب، أو مات المقضى له، فورثها الغاصب، أو ورث مثلها من ماله، أو أوصى له بتلك القيمة، أو بمثلها، كان للمقر له أن يأخذها، أو مثلها من الغاصب؛ لأن في زعم الغاصب أن القيمة كانت للمقر له، وأن المقضى له كان ظالما، فإذا عادت إليه أمر بتسليمها إليه، كمن أقر لغيره بمال لا يملكه، ثم ملكه. ولو وهب المقضى له للغاصب ألفا أخرى سوى المقبوض، سلم للغاصب، ولا سبيل للمقر له عليه؛ لأن الغاصب وإن زعم أن المقضى له كان ظالما، وأن ما قبض منه صار دينا عليه، لكن المديون لو وهب لصاحب الدين شيئا، سلم ذلك له بالهبة، لا بطريق قضاء الدين. فرق بين هذا وبينما لو مات المقضى له، فورث الغاصب منه ألفا أخرى غير المقبوض، كان للمقر أن يأخذها؛ لأن في فصل الموت يزعم الغاصب أن ما أخذ كان دينا عليه، والدين مقدم على الميراث، فما وصل إليه يجعل واصلا بجهة الدين بدلا عن المأخوذ، ووصول البدل إليه كوصول عينه، فكان للمقر له أن يأخذ.
следующие страницы →