← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الجاهلونَ فَمَوتَى قبلَ مَوْتهمُ … والعَاِلمُونَ وإن ماتُوا فأحياءُ وكان الإمام ظهير الدين فقيها محدّثا، نشر العلمَ إملاء وتصنيفا، ومن مصنفاته: "كتاب الأقضية" و "الشروط"، و "الفتاوى" و "الفوائد" وغير ذلك (١). ٤ - نظام الدين إبراهيم بن علي المَرْغينَاني: هو إبراهيم بن علي، المَرْغينَاني، الملَقَّب نظام الدين، أبو إسحاق. يقول القرشي والتميمي الداري: أحد مشايخ قاضي خان، وأحد مَن انتفع به، وتفقّه عليه، وتخرج به رحمهما الله تعالى (٢). _________ (١) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٤٦٦، "الطبقات السنية" برقم ٦٩٦، "الفوائد البهية" ص ٢٦، ٦٣، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٣٤٤. (٢) انظر ترجمته في "الجواهر المضية"، برقم ٣٣، و"الطبقات السنية" برقم ٦٠.

стр. 72

تلامذته درسَ الإمام قاضي خان وتفقّه على أيدي هؤلاء المشائخ حتى بلغ إلى مرحلة النضج والرسوخ، وبعد أن ارتفع شأنه في العلم وترقّى، وتبوّأ منزلة كبيرة بين علماء زمانه حتى فاق أكثرَ فقهاء ذلك العصر في الفقه، تصدّر للتدريس والإملاء والإفتاء، فانضمّ إلى حلقته كثير من رواد العلم، ولعلّ الإمام قاضيخان كان أجلّ الفقهاء في ذلك العصر وأشهرهم، ومَن كان مثله في العلم والفضل لابدّ أن يكثر تلاميذه، ألمَعَ إليه الإمام الذهبي بقوله: "وأملى مجالسَ كثيرة رأيتها" (١). وكذلك يدل عليه ما ساقَه القرشي والتميمي والقاري في طبقاتهم من حكاية طريفة، وفيها: "إن محمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الفضل الكماري عندما دخل بلاد فرغانة، وجَدَ قاضي خان يتكلم فوق المنبر، وبين يديه العلماء، وهم يكتبون ما يُلمي عليهم (٢). _________ (١) "سير أعلام النبلاء" ٢١/ ٢٣٢. (٢) وتمام القصة ما حكاه العلامة اللكلنوي نقلا عن القاري: "وفي "طبقات القاري": محمد بن الفضل أبو الفضل الكمارى - بفتح الكاف والميم - يحكى أن والده وعده بألف دينار عند تمام حفظه المبسوط وكذا لأخيه، فلما حفظه دفع المال لأخيه، وقال له: يكفيك حفظ المبسوط، فخرج مغاضبًا، فانتهى به السفر إلى أن دخل بلاد فرغانة، فوجد قاضي خان يتكلم فوق المنبر، وبين يديه العلماء، وهم يكتبون ما يملى عليهم، فذكر قاضي خان مسألة خلافية بين أبى يوسف ومحمد، فعكس قول أبى يوسف وجعله قول محمد، وقول محمد قول أبي يوسف، فقال له أبو بكر: اعكس، فقال قاضي خان: وإن لم أعكس فقال أبو بكر: إن لم تعكس يرد على قول أبي يوسف كذا وكذا، ويرد على قول محمد كذا وكذا، وذكر عدة مسائل، فترك قاضي خان المنبر واعتنقه، وقال: يا سيدى! لعلك تكون محمد بن الفضل الكماري قال: نعم، فقال: أنت أحق بهذا المجلس منّى، ومات ببخارى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة" - انتهى -. ثم تعقّب عليه اللكنوي قائلا: "هذه الحكاية التي حكاها من ملاقاته مع قاضي خان مما لا يمكن =

стр. 73

فتفقّه عليه أجلة العلماء وكبار الفقهاء الذين أصبحوا بعد ذلك أئمة في علوم الدين، وفيما يلي أسوق تراجمَ الفقهاء البارزين من تلاميذه باختصار: ١ - طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين، الإمام، افتخار الدين، البخاري: تلميذ قاضي خان وابن أخت عمّه، أخذ عن أبيه قوم الدين أحمد عن أبيه عبد الرشيد، وأيضًا أخذ عن حماد بن إبراهيم الصفار، وتفقّه على خاله ظهير الدين الحسن بن على المرغيناني، كما تفقّه على الإمام قاضيخان. "كان عديم النظير في زمانه، فريد أئمة الدهر، شيخ الحنفية بما وراء النهر، من أعلام المجتهدين في المسائل" حيث ذكره العلامة ابن كمال باشا من "طبقة المجتهدين في المسائل" الذين يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها من صاحب المذهب (١). وله تصانيف مقبولة، منها "خلاصة الفتاوى" و "خزانة الواقعات" و"النصاب". وقول العلامة اللكنوي: "وقد طالعت من تصانيفه خلاصة الفتاوى، ذكر أنه لخّصه من الواقعات والخزانة، وهو كتاب معتبر عند العلماء معتمد عند الفقهاء (٢). وذكر التميمي وحاجي خليفة أنه توفي سنة ٥٤٢ هـ بسَرْخَس ثم حمل إلى بخارى. ٢ - عبيد الله بن إبراهيم بن أحمد بن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، ينتهي نسبه _________ = وقوعها، فإن وفاة قاضي خان وهو حسن بن منصور الفرغاني سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، كما مرّ عند ترجمته، وقد ذكره القارى أيضا في ترجمته، فهل يتصور ملاقاة من توفى سنة ٣٧١، فلعله نسى ما قدمت يداه، وأظن أن الملاقى لقاضى خان هو أبو بكر محمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد بن صاحب الترجمة المتوفى سنة ٥٤٩ على ما نقلناه من "الأنساب". "الفوائد البهية" ص ١٨٥. وانظر: "الجواهر المضية" ٣/ ٣٠١. وهذه القصة تدل على تمام أدب قاضي خان مع المشايخ وتواضعه، وبعده عن الاستعلاء. (١) "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" لللكنوي ص ٩، و "الفوائد البهية" ص ٨٤. (٢) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٦٦٦، "الطبقات السنية" برقم ٩٩٧، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٤١٤، "كشف الظنون" ١/ ٧٠٢، ٧١٨، ٧٠٣، ٢/ ١٩٩٩، "مفتاح السعادة" ٢/ ٢٧٨، "الفوائد البهية" ص ٨٤.

стр. 74

إلى عُبادة بن الصامت، جمال الدين المحبوبي (١)، الإمام، المعروف بأبي حنيفة الثاني. ولُد سنة ٥٤٦ هـ، وكان إماما كاملا معدوم النظير في زمانه، فَرد أوانه في معرفة المذهب والخلاف. قال الإمام الذهبي في "العبر في خبر من غبر": "شيخ الحنفية بما وراء النهر، وأحد من انتهى إليه معرفة المذهب، أخذ عن أبي العلاء عمر بن بكر بن محمد الزرنجري عن أبيه شمس الأئمة، وتفقه أيضًا على قاضيخان الأوزجندي". وممّن تفقّه عليه ابنه أحمد والد تاج الشريعة صاحب "الوقاية"، وحافظ الدين الكبير محمد البخاري، وحميد الدين الضرير على بن محمد البخاري، وبهاء الدين محمد بن أحمد الاسبيجابي، والظهير أبو بكر أحمد بن علي البلخي وغيرهم. له تصانيف منها: "شرح الجامع الصغير"، و "كتاب الفروق"، توفي ببخارى في جمادى الأولى سنة ٦٣٠ هـ (٢). ٣ - يوسف بن أحمد بن أبي بكر، الخاصِي (٣)، نجم الدين، جمال الأئمة: كان إمامًا فاضلا، أخذ عن أبي بكر محمد بن عبد الله من أقران عمر النسفي، وعن الصدر الشهيد حسام الدين عمر، وعن الحسن قاضي خان، جمع "الفتاوى" المشهورة، ورتّب "فتاوى" الصدر الشهيد و "واقعاته". وحكى اللكنوي عن القارى أنه كان في أوائل المائة السادسة، وأن له "الفتاوى" و "مختصر الفصول"، وذكر حاجي خليفة وفاته عند ذكر "الفصول في الأصول" سنة أربع وثلاثين وستمائة (٤). _________ (١) "المحبوبي": نسبة إلى محبوب بن الوليد بن عبادة بن الصامت، أحد أجداده. انظر "الفوائد البهية" ص ١٠٨. (٢) انظر ترجمته في: "العبر" للذهبي ٢٣/ ١١٢، "دول الإسلام" للذهبي ٢/ ١٣٥، "الجواهر المضية" برقم ٨٩١، "الطبقات السنية" برقم ١٣٦٢، "الفوائد البهية" ص ١٠٨، "كتائب إعلام الأخيار" برقم ٣٩٥، "شذرات الذهب" ٥/ ١٣٧. (٣) "الخاصي": نسبة إلى الخاص، قرية من قرى خوارزم، "الفوائد البهية" ص ٢٢٦. (٤) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ١٨٣١، "الطبقات السنية" برقم ٢٧١٤، "كشف =

стр. 75

٤ - الإمام محمود بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان بن نصر بن عبد الملك (١)، الملقّب بجمال الدين، المكنى بأبي المحامد، البخاري، الشهير بالحَصيري: (٢). وُلد ببُخارى سنة (٥٤٦ هـ). كان إمامًا فاضلا، انتهت إليه رئاسة المذهب في زمانه، تفقّه على الإمام قاضيخان الذي كان أجلّ الفقهاء في ذلك العصر وأشهرهم، فلازمه الحصيري خلال إقامته في بخارى وجعله أسوةً وسندًا في مجال الفقه الحنفي، وكان من تلامذته الخاصة حتى بلغ رتبة الكمال. وبعد وفاة شيخه قاضي خان سنة ٥٩٢ هـ خرج من بخارى، فسمع صحيح مسلم وغيره بنيسابور من الإمام أبي الحسن المؤيد الطوسي، وسمع من الإمام المحدث أبي سعد الصفار النيسابوري الشافعي، والإمام منصور الفُراوي، وسمع بحلب من الإمام افتخار الدين الهاشمي، ثم توجّه إلى دمشق واستقرّ به. ودرّس في المدرسة النورية بدمشق خمسا وعشرين سنة (٣)، وتفقّه به طائفة كبيرة منهم: الملك المعظم عيسى بن أبي بكر الأيوبي (٦٢٣ هـ) مصنف "أصول الجامع الكبير"، وصدر الدين الخِلاطي، وسِبط: ابن الجوزي، والإمام صدر الدين سليمان بن وهيب الأذرِعي صاحب "منتخب شرح الزيادات" الذي ألفه قاضي خان، والعلامة شهاب الدين الرازي، والعلامة مَجد الدين الموصلي، صاحب المتن المشهور "المختار" وشرحه _________ = الظنون" ٢/ ١٢٢٢، "الفوائد البهية" ص ٢٢٦، "تاج التراجم" برقم ٣٩١. (١) انظر ترجمته في: "تكملة إكمال الإكمال في الأنساب والأسماء والألقاب، لابن الصابوني ص ١٢٧، ١٢٨، سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٥٢. الجواهر المضية برقم ١٦١١، الطبقات السنية برقم ٢٤١٩، الفوائد البهية ص ٢٠٥، كتائب أعلام الأخيار برقم ٤١٧، طبقات الفقهاء لطاش كبري زاده ص ١٠٧، التكملة لوفيات النقلة ٦/ ٢٨٨، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٢٥، العبر ٥/ ١٥٢، النجوم الزاهرة ٦/ ٣١٣، شذرات الذهب ٥/ ١٨٢، كشف الظنون ١/ ٥٦٣، ٥٦٨، ٧٢٧. (٢) "الحَصِيري": بفتح الحاء، نسبة إلى محلّة ببخارى ينُسج بها الحَصير. "تاج التراجم" ص ٦٩، "تكملة إكمال الإكمال" ص ١٢٨، "سير أعلام النبلاء" ٢٣/ ٥٣. (٣) "العبر في خبر من عبر" للذهبي، ٣/ ٢٢٨.

стр. 76

"الاختيار". وكثيرون، وروى عنه الحديث جمال الدين الحافظ ابن الصابوني صاحب "تكملة إكمال الإكمال"، والقاضي تقي الدين سليمان الحنبلي وغيرهم. شغَف بكتب الإمام محمد وروايتها، ومن تصانيفه: شرح الجامع الصغير، وشرح السير الكبير، والطريقة الحَصيرية في علم الخلاف بين الشافعية والحنفية، وخير مطلوب في العلم المرغوب، والنجم الهادي الساري إلى حلّ ألفاظ صحيح البخاري، والوجيز شرح الجامع الكبير (١)، والتحرير شرح الجامع الكبير (٢)، سلَك فيهما نهجَ شيخه قاضي خان في "شرح الزيادات" من التأصيل والتقعيد. كان جمال الدين الحصيري من أبرز تلاميذ قاضيخان، وكثيرا ما ينقل آراء شيخه في مواضع من كتابه "التحرير" فيقول: "قال أستاذنا الإمام قاضيخان" (٣). إجازة قاضيخان للحصيري: كان الإمام الحصيري موضع الثقة عند شيخه، اعترف له بالنبوغ والإمامة، تدل على ذلك الإجازة الآتية التي منحها شيخه قاضي خان: "يقول المحتاج إلى رحمة الله تعالى وغفرانه، الشاكر لفضله وإحسانه: الحسنُ بن منصور بن محمود الأوزجَنْدي: قرأ عليّ كثيرًا من الكتب التي ألّفها علماء الإسلام وصدور الأنام في تمهيد قواعد الفقه والأحكام، وتمييز الحلال من الحرام، منها ما رواه محمد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمهم الله تعالى نحو المبسوط والجامع الصغير ومنها من اختص بتأليفها محمد رحمه الله تعالى نحو الجامع الكبير والسير الكبير والزيادات، وقد يسر الله تعالى على الشيخ الإمام الجليل الزاهد جمال الدين زين الأنام _________ (١) ويحقّقه الباحث الأخ الفاضل حميد قائد سيف كرسالته للدكتوراة من المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض. (٢) استخلص منه القواعد والضوابط الفقهية الأستاذ الدكتور علي أحمد الندوي، وقدّم له بدراسة وافية، ونال به درجة الدكتوراة بامتياز من جامعة أم القرى بمكة المكرمة. (٣) "التحرير شرح الجامع الكبير" مخطوط، ق ١/ ٢٧٣.

стр. 77

محمود بن أحمد بن عبد السيد قراءة عامّتها، وإحكام صورها ومبانيها، والوقوف على حقائقها ومعانيها، فبلّغه درجة الإفتاء والدراسة، وارتقى مرقاة الشرف والرئاسة، متّعه الله تعالى بما أعطاه وجعل الجنة مأواه؛ كتبت هذه الأسطر رجاء أن يذكرني بالدعاء الصالح. فإنه أحسن مسئول وأنفس مأمول" (١). ثم أضاف إلى ذلك التميمي: "ورأيت أيضًا على ظهر النسخة المذكورة بخط الحصيري ما صورته: قال مولانا وسيدنا القاضي الإمام الأجل الأستاذ قاضي القضاة فخر الملة والدين ركن الإسلام والمسلمين، بقية السلف، أستاذ الخلف، مفتي الشرق والصين أبو المفاخر الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز متّع الله الإسلام والمسلمين بطول بقائه (٢). "وهذه الإجازة بمثابة تزكية من الإمام قاضيخان لتلميذه النابغة الحصيري، وإنها شهادة إمام خبير لتلميذ نبيه، ويُعَدّ مثل هذا التلميذ عنوان مجد ووسام فخر لأستاذه أيضًا، ثم تعليق الحصيري على الشهادة المذكورة، فيه إشارة واضحة إلى مدى علاقته بأستاذه والاعتراف بعظيم مناقبه" (٣). توفي الحَصيري في صفر سنة ٦٣٦ هـ، وله تسعون سنة، قال الذهبي: "ازدحم الخلق على نَعشه وحمَله الفقهاء على الرءوس، وكان يوما مشهودا" (٤). ٥ - محمد بن عبد الستار بن محمد، المعروف بشمس الأئمة، الكَردري (٥): ولد سنة تسع وخمسين وخمسمائة، وقرأ بخوارزم على الشيخ برهان الدين ناصر المطرّزي صاحب "المغرب"، ثم رحَل لطلب العلم إلى ما وراء النهر، وتفقّه بسمرقند _________ (١) "الطبقات السنية"، رقم الترجمة ٢٤٢٠. (٢) المصادر السابقة. (٣) "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير" للدكتور علي أحمد الندوي، ص ٤٥. (٤) سير أعلام النبلاء ٢٣/ ٥٤، "تاريخ الإسلام" للذهبي ج ١٧ ترجمة الحصيري. (٥) نسبة إلى الجدّ المنتسب إليه، وكَرْدَر بفتح أوله ثم السكون، ناحية من أعمال جُرجانية خوارزم. "الجواهر المضية" ٣/ ٢٢٨، و"معجم البلدان" ٤/ ٥١٠.

стр. 78

وبخارى على مشايخ منهم: القاضي عماد الدين عمر الزرَنْجَرى، وقوام الدين الصفّار، وشرف الدين العقيلي، ونور الدين الصابوني، والإمام زين الدين أحمد العتّابي، وأجلّ أساتذته فخر الدين قاضيخان، وصاحب الهداية على بن أبي بكر المرغيناني. برع في العلوم، وفاق على أقرانه، وأقر له بالفضل والتقدم أهل زمانه حتى قيل: إنه أحيا علم الفروع وأصوله بعد أبي زيد الدبوسي، "كان أستاذ الأئمة على الإطلاق، والموفود إليه من الآفاق"، وتفقّه عليه خلق كثير، منهم ابن أخته العلامة محمد بن محمود بن عبد الكريم المعروف بالإمام خواهرزاده، وحميد الدين الضرير على الرامُشي، وحافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري وغيرهم. مات ببخارى يوم الجمعة تاسع المحرم سنة اثنتين وأربعين وستمائة (١). ٦ - صدر الإسلام طاهر بن برهان الدين محمود صاحب "المحيط البرهاني" بن تاج الدين الصدر السعيد أحمد بن برهان الدين الكبير عبد العزيز بن عمر بن مازه. كان من أعيان الفقهاء الحنفية، له اليد الطولى في الفروع والأصول، ومشاركة تامّة في المعقول والمنقول، أخذ عن أبيه صاحب المحيط، كما تفقّه على فخر الدين قاضي خان. ومن تصانيفه: "الفوائد" و "الفتاوى" (٢). ٧ - نجم الأئمة الحكيمي: لم أجد اسمه ونسبه في كتب التراجم، إنما ذكر القرشي والكفوي أنه تلميذ قاضي خان، وأستاذ ركن الدين الوالجاني الخوارزمى الذي كان إمامًا جليلا كثير العلم، والذي تفقّه عليه صاحب "القنية" (٣). _________ (١) انظر ترجمته في: "سير أعلام النبلاء" ٢٣/ ١١٢، "الجواهر المضية" برقم ١٣٧٧، "الطبقات السنية" برقم ٢٠٩٥، "الوافي بالوفيات" ٣/ ٢٥٤، "تاج التراجم" برقم ٢٤٦، "هدية العارفين" ٢/ ١٢٢، "الفوائد البهية" ص ١٧٦، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٤١٨. (٢) ترجمته في: "تاج التراجم" برقم ١٢٤ ص ١١٠ و "الفوائد البهية" ص ٨٥. (٣) ترجمته في: كتاب الألقاب من "الجواهر المضية" برقم ٢١٠٤ ج ٤/ ٤٤١، "الطبقات السنية" برقم ٣٠٢٦، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٤١٦ "الفوائد البهية" ص ٢٢٠.

стр. 79

سند الإمام قاضي خان في الفقه: ذكر الحافظ القُرشي في ترجمة أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق، السروجي (٧١٠ هـ) سندَه في الفقه الذي يحتوي على سند الإمام قاضي خان أيضا فقال: "قرأ على الإمام أبي الربيع صدر الدين سليمان، عن الشيخ جمال الدين محمود الحصيري … عن الإمام فخر الدين الحسن بن منصور قاضي خان، عن الإمام ظهير الدين الحسن بن علي بن عبد العزيز المرغيناني، عن الإمام سراج الأئمة برهان الدين عبد العزيز بن مازة، وشمس الدين محمود جدّ قاضي خان، كلاهما عن شمس الأئمة السرخسي، عن الإمام أبي محمد عبد العزيز الحلواني، عن أبي علي الحسن بن خضر النسفي، عن الإمام أبي بكر محمد بن الفضل البخاري، عن عبد الله بن أبي حفص، عن أبيه أبي حفص الكبير، عن محمد بن الحسن، عن الإمام أبي حنيفة" (١). منزلة قاضي خان بين الفقهاء الحنفية وثناء العلماء عليه: احتل الإمام قاضي خان مكانة مرموقة بارزة بين الفقهاء الحنفية، تتجلّى منزلته بوضوح من حيث إن الذين كتبوا في "طبقات الفقهاء الحنفية" (٢) من المحقق ابن كمال باشا (ت ٩٤٠ هـ)، وعصام الدين أبو الخير طاش كبري زاده (ت ٩٦٨ هـ)، والعلامة ابن عابدين (ت ١٢٥٢ هـ)، والعلامة عبد الحي اللكنوي (٣)، اتفقت كلمتهم على أن الإمام قاضيخان _________ (١) "الجواهر المضية" ١/ ١٢٥ - ١٢٦. (٢) يقول العلامة اللكنوي في أهمية معرفة طبقات الفقهاء: "وهذا أمر لا بد للمفتى من معرفته لينزل الناس منازلهم، ويضعهم في مواضعهم، فإن من لا يعرف مراتب الفقهاء ودرجاتهم يقع في الخبط بتقديم من لا يستحق التقديم، وتأخير من يليق بالتقديم، وكم من عالم من علماء زماننا ومن قبلنا لم يعلم بطبقات فقهاءنا، فرجح أقوال من هو أدنى، وهجر تصريحات من هو أعلى" "النافع الصغير" ص ٥. (٣) جعلل المحقق ابن كمال باشا الفقهاءَ الحنفية سبعَ طبقات، وذلك في رسالته المسمّاة "طبقات الفقها"، مخطوطة في معهد الدراسات الإسلامية العليا ببغداد، ذكر ذلك دكتور محمد عبد اللطيف الفرفور في "الوجيز في أصول الاستنباط" ص ٥٣٤.

стр. 80

من "طبقة المجتهدين في المسائل" الذين يجتهدون في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ومن هذه الطبقة الإمام الخصاف، والإمام الطحاوي، وأبو الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي. وهذه الطبقة أعلى طبقة الفقهاء بعد طبقة المجتهدين في المذهب من أبي يوسف ومحمد بن الحسن وزفر وحسن بن زياد، وهذه الطبقة تميزت بخدمة الفقه الحنفي، ووضعت الأسس لنموه والتخريج والبناء على أقواله، كما وضعت أسس الترجيح فيه والمقايسة بين الآراء وتصحيح بعضها وتضعيف الآخر. وهؤلاء الفقهاء، عملهم في الحقيقة يتكوّن من عنصرين على حد تعبير الشيخ أبي زهرة: أحدهما: استخلاص القواعد العامّة التي كان يلتزمها الأئمة من الفروع المأثورة عنهم، فإنهم جمَعوها في قواعد وضوابط، واعتبروها الأصل الذي كان على أساسه الاستنباط، وكان مقاس الاستخراج السليم للأحكام الفقهية. ثانيهما: استنباط الأحكام في المسائل التي لا نصّ فيها عن أئمة المذهب على حسب أصول قرّروها ومقتضى قواعد بسطوها (١). ولقد نهَج الإمام قاضي خان على هذا النمط في مؤلفاته، خاصة في "الفتاوى" وفي _________ = وقد اعتمد كثير من العلماء تقسيم ابن كمال ياشا، فذكره عصام الدين طاش كبري زاده في مقدمة كتابه "طبقات الفقهاء" ص ٧ - ١٠ وفقَ ما جاء في كلام ابن كمال باشا، دون تعليق أو تغيير، ثم أعاد نصّها ابن عابدين في رسالته: "شرح عقود رسم المفتي" ١/ ١١، ١٢ من رسائل ابن عابدين، وفي كتابه "ردّ المحتار" ١/ ٧٧، كما ذكره العلامة اللكنوي في مقدمة "الفوائد البهية" ص ٦، و"النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" ص ١٠، ١١ مع بعض الملاحظات. وقد وجّه إلى هذا التقسيم وترتب الطبقات وتوزيع الفقهاء عليها نقدٌ من قبل بعض العلماء إلا أنه خارج عن موضوعنا ولا يقدح ما ذكرنا، وقد فصّله الدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين خير تفصيل في كتابه "التخريج عند الفقهاء والأصوليين" فليرجع ص ٣٠١ - ٣١٠. (١) "أبو حنيفة" للشيخ محمد أبي زهرة، بتصرف واختصار ص ٤٤٢.

стр. 81

"شرح الزيادات"، وله آراء وترجيحات مديدة معتمدة عند الفقهاء المتأخرين الذين أكثروا النقلَ عنه. ثناء العلماء عليه: احتل الإمام قاضي خان مكانة علمية بارزة بين الفقهاء الحنفية، فأشادوا بذكره، وأثنوا عليه ولقبوه بألقاب فخمة. يذكره الإمام الحصيري معترفا بمناقبه وفضله بقوله: "قال مولانا وسيدنا القاضي الإمام الأجل الأستاذ قاضي القضاة فخر الله والدين ركن الإسلام والمسلمين، بقيّة السلف، أستاذ الخلف، مفتي الشرق والصين أبو المفاخر الحسن بن منصور بن محمود بن عبد العزيز متّع الله الإسلام والمسلمين بطول بقائه" (١). يقول كمال الدين بن الفوطي الشيباني الحنبلي في ترجمته: "من القضاة الفضلاء والرواة النبلاء" (٢). وقال ابن العماد الفقيه المؤرخ والأديب الحنبلي في ترجمته: "الإمام الكبير بقية السلف مفتي الشرق من طبقة المجتهدين في المسائل" (٣). وقال ابن عابدين الشامي: "لا يعدل عن تصحيح قاضي خان فإنه فقيه النفس" (٤). تصحيح قاضي خان معتمد ومقدم: الذي يزيد منزلة قاضي خان العلمية وثقته ومكانته الفقهية ويؤيّد ما سبق أننا نرى أن كبار الفقهاء المتأخرين من أصحاب المتون والشروح والفتاوى، من ابن الساعاتي، وكمال الدين بن الهمام، وأكمل الدين البابرتي، والعلامة بدر الدين العيني، وابن نجيم، وفخر الدين الزيلعي، والإمام محمد بن محمود الأستروشني، وقاسم ابن قطلوبغا، وخير الدين الرملي، ومحمد بن عبد الله التُمُرتاشي، وعلاء الدين الحصكفي، والعلامة ابن عابدين، _________ (١) "الطبقات السنية"، رقم الترجمة ٢٤٢٠. (٢) "تلخيص مجمع الآداب" لابن الفوطي ٢/ ١٥٣. (٣) انظر "شذرات الذهب" لابن عماد ٤/ ٣٠٨. (٤) "حاشية ابن عابدين" ٤/ ٥١٣.

стр. 82

وصاحب "الفتاوى التتارخانية" وأصحاب "الفتاوى الهندية" وغيرهم، كلهم يعتمدون على أقواله، وتصحيحه وترجيحه للروايات. يقول مظفر الدين بن الساعاتي (٦٥١ - ٦٩٤ هـ) في "شرح مجمع البحرين" عند اختياره تصحيح قاضي خان في مسألة غسل اللحية في الوضوء: "والأصح من الرواية ما نصّ عليه قاضي خان ﵀ في شرح الجامع الصغير أن الفرض هو مسح ما يلاقي البشرة من الوجه .. " (١). وقال العلامة قاسم بن قُطلوبُغا (ت ٨٧٩ هـ) (٢) في مقدمة كتابه القيّم "الترجيح والتصحيح على القدوري": "وهذا ما تيسّر لي على مختصر القدوري مع زيادات نصّ على تصحيحها القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان في فتاواه، فإنه من أحقّ أن يعتمد على تصحيحه، والله ولي الإعانة وهو حسبي ونعم الوكيل" (٣). وقال في موضع آخر: "ما يصحّحه قاضي خان مقدّم على تصحيح غيره، لأنه فقيه النفس" (٤) ونقله العلامة ابن عابدين وأيّده، وأضاف عليه في مؤلفاته الشهيرة، قال في "شرح عقود رسم المفتي": "وإن كان كل منهما بلفظ الأصح أو الصحيح، فلا شبهة في أنه يتخير بينهما إذا كان _________ (١) "شرح مجمع البحرين" لابن الساعاتي، تحقيق صالح بن عبد الله بن صالح اللحيدان، ١/ ٥٦، رسالة دكتوراة، المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. (٢) هو العلامة قاسم بن قطلوبغا من تلامذة الحافظ ابن حجر العسقلاني وابن الهمام صاحب "فتح القدير وغيرهما، إمام علامة قوى المشاركة في الفنون، تصانيفه تزيد على السبعين في الفقه والحديث وغيرهما، ذكرها شمس الدين السخاوي في الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، مات سنة تسع وسبعين وثمان مائة. انظر النافع الكبير ص ١٣. (٣) "تصحيح القدوري" مخطوط، لوحة ٥، شريط مصور في المكتبة المركزية، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تحت رقم ٤٠٥٠، عن مكتبة تشستربيتي بايرلندا. (٤) مقدمة "تصحيح القدوري" ق ١، والنافع الكبير ص ١٣.

стр. 83

الإمامان المصححان في رتبة واحدة، أما لو كان أحدهما أعلم فإنه يختار تصحيحه، كما لو كان أحدهما في "الخانية"، والآخر في البزازية مثلا، فإن تصحيح قاضي خان أقوى، فقد قال العلامة قاسم: إن قاضي خان من أحق من يعتمد على تصحيحه" (١). وذكر في مسائل الخلع من حاشيته على "الدر المختار": "وقول الشارح أوّل الباب خلافا للخانية، تَبِعَ قولَ البحر، وإن صرّح قاضي خان بخلافه، ولم يظهر لي وجه ترجيح التصحيح الأول على الثاني مع أنهم قالوا إن قاضي خان بن أجلّ مَن يُعتمد على تصحيحه (٢). ونقل ابن عابدين عن خير الدين الرملي: "وفي حاشيته للرملي بعد كلام نقله عن "الخانية" … وقد ذكر المسألة في جواهر الفتاوى، وذكر اختلافا كثيرا واختلاف تصحيح، ولكن عليك بما في "الخانية"، فإن قاضي خان من أهل التصحيح والترجيح. انتهى" (٣). وفي مسائل قبض الهبة عن الصغير نرى أن ابن عابدين رجّح قول قاضي خان على قول صاحب الهداية وصاحب البدائع، فقال: "فقد علمتَ أن "الهداية" و"الجوهرة" على تصحيح عدم جواز قبض مَن يَعوله مع عدم غيبة الأب، وبه جزَم صاحب "البدائع"، وقاضي خان وغيرُه من أصحاب الفتاوى صَحّحوا خلافَه، وكن على ذكر مما قالوا: لا يعدل عن تصحيح قاضي خان فإنه فقيه النفس، ولا سيما وفيه هنا نفع للصغير، فتأمل عند الفتوى" (٤). فما نوّه به ابن عابدين ولقبه بأنه "فقيه النفس" يعتبر شهادة فقيه، خبيرٍ بكمّ هائل من _________ (١) "شرح عقوب رسم المفتي"، الرسالة الثانية في "مجموعة رسائل ابن عابدين" ١/ ٣٩، طبع دار سعادت محمد هاشم الكتبي ١٣٢١ هـ. (٢) "حاشية ابن عابدين" ٢/ ٥٦٥، دار إحياء التراث، مصور عن طبع بولاق. (٣) انظر "حاشية ابن عابدين" ٤/ ٢٤٨. (٤) "حاشية ابن عابدين" ٤/ ٥١٣، وكذلك نجد اعتماد ابن عابدين على تصحيح قاضي خان في كتاب الحجر ٥/ ٩٣، و ١/ ٤٤٥، وأمثلة ذلك كثيرة.

стр. 84

تراث الفقهاء، والذي يعتبر خاتم المحققين في الفقه الحنفي. أما تعريف "فقيه النفس": "فهو الذي صار الفقه سَجِيّة ملازمة له، وملكة قائمة به، يستطيع بواسطتها استنباط الأحكام وإدراكها" (١). "والمقصود بذلك أن يكون شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام، أي أن يكون له استعداد فطري يؤهّله للاجتهاد" (٢). وعدّ إمام الحرمين الجُويني وجلال الدين المحلي من شروط المجتهد أن يكون فقيهَ النفس (٣). واعتبر الجويني هذا رأسَ مال المجتهد، وقال: إنه أمر جبلّي، ولا يتأتّى كسبه وتحصيله بحفظ الكتب (٤). مؤلفات الإمام قاضي خان خلَف الإمام قاضي خان ثروة علمية كبيرة للمكتبة الإسلامية، تدل على مكانته العلمية العالية في الفقه، واطّلاعه الواسع على دقائق المذهب الحنفي، وقد نسبت كتب التراجم إليه طائفة من الكتب، كانت موضع اهتمام الفقهاء المتأخرين الذين أكثروا النقل عنه والإحالة إليها، ولكنها مغمورة مع جلالة قدرها، سِوى فتاواه الشهرة، بعضها ما تزال مخطوطة يمكن الوقوف عليها، وبعضها لا نعلم له مكانا، وفيما يلي أذكر نبذة يسيرة عن مؤلفاته القيّمة: ١ - " فتاوى قاضي خان" أو "الفتاوى الخانية": من الفتاوى المعتمدة في المذهب الحنفي، ومن كتب الفتاوى التي نالت أسمى مكانة _________ (١) "الوجيز في أصول التشريع الإسلامي" للدكتور محمد حسن هيتو، ص ٤٩٦. (٢) "التخريج عند الفقهاء والأصوليين" للدكتور يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، ص ٣٢٤. (٣) انظر "البرهان" للجويني ٢/ ١٣٣٢، و"جمع الجوامع" سرح الجلال المحلى، ٢/ ٣٨٢. (٤) "البرهان" للجويني ٢/ ١٣٣٢.

стр. 85

في الإفتاء، وتداولتها أيدي الفقهاء في كل زمان ومكان، لأنه احتوى على المسائل التي يغلب وقوعها وتمسّ الحاجة إليها بدون التعرض للفروض النادرة. وبجانب ذلك نرى أن الإمام قاضي خان يسلك فيه مسلك الترجيح عند تعدّد الروايات من أئمة المذهب المتقدمين وكثرة الأقاويل من المتأخرين، وكلّ ذلك جعل هذه المجموعة الطيبة المختارة من الفتاوى تحوز القبول والاعتماد لدى العلماء (١). يقول حاجي خليفة في بيان وصفه وأهمّيته: "هي مشهورة، مقبولة، معمول بها، متداولة بين أيدي العلماء والفقهاء، وكانت هي نصبَ عين من تصدّر للحكم والإفتاء". (٢) ووصفها العلامة اللكنوي بقوله: "وله الفتاوى المشهورة المتداولة … انتفعت بفتاواه، وهي في أربعة أسفار معتمدة عند أجلّة الفقهاء، حتى قال قاسم بن قطلوبغا في تصحيح القدوري: ما يُصحّحه قاضي خان مقدم على تصحيح غيره (٣)؛ لأنه فقيه النفس" (٤). أما طريقته وترتيبه ومنهجه الذي وضعه المؤلف نُصبَ عينيه في الفتاوى، فخير ما عبّره هو نفسه في فاتحة الكتاب قائلا: "ذكرتُ في هذا الكتاب من المسائل التي يغلب وقوعُها وتمسّ الحاجة إليها، وتدور علميها واقعات الأمّة، ويقتصر عليها رغبات الفقهاء والأئمة، وهي أنواع وأقسام: منها ما هي مروية عن أصحابنا المتقدمين، ومنها ما هي منقولة عن المشائخ المتأخرين رضوان الله عليهم أجمعين، ورتّبتُه ترتيبَ الكتب المعرفة. _________ (١) "القواعد والضوابط المستخلصة من التحرير" ص ١٤٨. (٢) "كشف الظنون" ٢/ ١٢٢٧. (٣) ينظر ترجيح وتصحيح قاضي خان في فتاواه مثلا: ١/ ١٨، ٢٢، ٢٤، ٣٥، ٢٠٦، ٢١٤، ٢١٥، ٢٤٠، ٢٦٩، ٢٧٨، ٣٠٧، ٣٢٨، ٣٣٥، ٣٣٦، ٣٥٠، ٣٥٤، ٣٧٧، ٤٢٢، ٤٢٧، ٤٣٢، ٤٥١، ٥٣٠، ٥٣٦، ٥٤٢. (٤) "الفوائد البهية" ص ٦٤.

стр. 86

وجعلتُ لكل جنسٍ فصلا، وبيّنتُ لكل فرع أصلا، وفيما كثُرَتْ فيه الأقاويل من المتأخرين اقتصرتُ فيه على قول أو قولين، وقدّمتُ ما هو الأظهَر وافتتحت بما هو الأشهَر، إجابةً للطالبين وتيسيرا على الراغبين، وعلى الله توكلت فيما تمنيت، واستعصمتُه عن الخطأ فيما نويت، وهو حسبي ونعم الوكيل، وعليه أتوكّل وبه أستعين" (١). وذكر حاجي خليفة في كشف الظنون تاريخ تصنيفه: قيل افتتح بإملائه يوم الأربعاء، وقت الظهر، العاشر من محرم، سنة ثمان وسبعين وخمسمائة (٢). وقد طبع هذا الكتاب قديما طبعة حجرية في كلكته بالهند، في أربعة أجزاء، سنة ١٨٣٥ م - ١٢٥١ هـ، ثم أعيد طباعته بهامش "الفتاوى الهندية" في مصر بدار الطباعة العامرة ببولاق، سنة ١٣١٠ هـ، وبهامش "الفتاوى السراجية" (٣)، وما زال هذا الكتاب القيّم بحاجة إلى خدمة علميّة وإعادة نشر في حُلة جديدة لتتيسّر الاستفادة منه (٤). ونظرا إلى عظم أهمية الكتاب وشهرته العلمية، اهتم بعض العلماء باختصاره وتلخيصه، منها: - "مختصر قاضي خان" للشيخ محمد بن مصطفى بن الحاج محمد افندى: أشار إليه حاجي خليفة بقوله: "وقد رتّب رجل من علماء الروم مسائله يقال له محمد وهو محمد بن مصطفى بن الحاج محمد افندي، وأوله: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كلنا لنهتدي لولا أن هدانا الله النسخ، ذكر فيه أنه أشار إليه شيخه المولى محمد ابن شيخ الإسلام محمد الشهير بجوي زاده سنة ٩٩٥ هـ بترتيبه فرتّبه وسمّاه "وهاج الشريعة" (٥). _________ (١) "فتاوى قاضي خان" ١/ ٢. (٢) "كشف الظنون" ٢/ ١٢٢٧. (٣) انظر "معجم المطبوعات العربية والمعرّبة" جمع وترتيب يوسف اليأن سركيس، ٢/ ١٤٨٧. مكتبة الثقافة الدينية، الظاهر، مصر. (٤) ومن أماني الغالية خدمة هذا الكتاب القيم، عما قريب - إن شاء الله - أدعو الله العليّ القدير التوفيق والرشاد وحسن الإخلاص. (٥) "كشف الظنون" ٢/ ١٢٢٧.

стр. 87

وقد اطلعت على هذا المخطوط أثناء زيارتي لمكتبة مراد ملا في إستنبول، والمختصر في ١٢٤ ورق، تحت رقم ١١٨٨، وهو كتاب نفيس قيّم، أوضح المؤلف منهجه في المقدمة قائلا: "ألفيت كتاب الفتاوى للإمام، الجليل الشأن، فخر الدين قاضي خان، أسكنه الله بحبوحة الجنان، محيطا بالمسائل الصحيحة المهمّة، حاويا على الأقوال القويّة من الأثر، ومنبّها على ما عليه الاعتماد من روايات المتقدمين والمتأخرين رضوان الله عليهم أجمعين، فانتخبت منه المسائل التي نبّه فيها على ما هو الأصح والأقوى، وعليه الاعتماد والفتوى، وما ذكره على هذا الوجه في غير بابه وفصلِه نقلتُه إلى محلّه مطابقا لأصله، تسهيلا على راغبين في أخذه ووصله، وميّزته بأن أقول في ابتدائه: ذكر المصنف ﵀، وفي انتهائه: انتهى، وأشرتُ إلى المواضع المنقول عنها، وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الجميل، إنه حسبي ونعم الوكيل. كتاب الطهارة .... " وجاء في آخره: "وقع الفراغ عن انتخابه وتنميقه بفضل الله تعالى وحسن توفيقه يوم الجمعة المبارك، الثامن والعشرين من شوال المكرم سنة ١٠٦٩ هـ" (١). - "محكمة السلطان مختصر قاضي خان": تأليف العلامة أبي أحمد أشرف بن يوسف أينال الطرازي، من علماء القرن الثامن، رأيتُ نسخة خطّية منه في مكتبة الأسد بدمشق، نسخت سنة ٧٠٦ هـ، في ٣٧٤ ورق، تحت رقم ٤٢٦، أوّله: الحمد لله الذي خفّف على عباده … كتاب الطهارة". وثبتت العبارة التالية على وجه الغلاف: هذا الكتاب المحكم، هو المختصر من فتاوى قاضي خان، من تأليف الإمام الربّاني والحبر الهمداني العابد الزاهد التقي النقي الحاج الحرمين مولانا أشرف الحق في الدين، قدّس الله روحه ونوّر قبره. - "مختصر قاضي خان" للمولى يوسف بن جنيد الشهير بأخي جلبي التوقاتي، في _________ (١) "مختصر قاضي خان" ورق ١، مكتبة مراد ملا، استنبول.

стр. 88

مجلد، أوله: الحمد لله الملك القوي المتين الخ، وأهداه إلى السلطان بايزيد خان (١). ٢ - " شرح الجامع الصغير" (٢): وهو من أجود الشروح للجامع الصغير الذي ألّفه الإمام محمد بن الحسن الشيباني، وعدّه طاش كبري زاده أحد الشروح السبعة المعتبرة. للجامع الصغير (٣)، يقول القرشي عند بيان مؤلفاته مشيرا إلى حجمه: "شرح الجامع الصغير في مجلدين كبيرين" (٤)، سار فيه الشارح على ترتيبه لأبي عبد الله الزعفراني. منهجه من حيث الاستدلال وذكر الخلاف: اعتنى الشارح ﵀ بذكر أقوال الفقهاء والاستدلال لآرائهم، حيث يورد أقوال أئمة المذهب الحنفي وغيرهم في المسألة الخلافية، ويستدل لكل فريق باختصار، مع الجواب في بعض الأحيان عن دليل المخالف. والغالب على منهجه أن يذكر الرأي المختار أولًا، ثم رأي المخالف مع دليله، ثم دليل الرأي الأول المختار. بيّن الشارح في مقدمته أهمّية الكتاب وما يحتوي عليه من مسائل، وصحّة نسبته إلى الشيباني فقال: "اعلموا وفقكم الله تعالى وإيّانا أنّ هذا الكتاب أصل جليل في الفقه، مشتمل على أمهات مسائل أصحابنا ﵏، حتى كان علي الرازي يقول: من حفظ مسائلَ هذا الكتاب فهو من أحفظ أصحابنا، ومن فهمه فهو من أفهم أصحابنا، والمتقدمون كانوا لا يقلّدون القضاءَ لمن لم يحفظ مسائل هذا الكتاب. ومسائله على ثلاثة أقسام: قسم لا يوجد إلا في هذا الكتاب، وقسم هو معاد محض، وقسم ذكرها في "المبسوط" وأعادها ههنا بلفظ أخر وزيادة فائدة. واختلفوا في تصنيف هذا الكتاب: قال بعضهم: هو من تصنيف أبي يوسف، _________ (١) "كشف الظنون" ٢/ ١٢٢٧. (٢) ينظر: "الطبقات السنية" ١٣/ ١١٧، "كشف الظنون" ١/ ٥٦٢، "مفتاح السعادة" ٢/ ٢٧٨، "الفوائد البهية" ص ٦٤، "تاج التراجم" للإمام قاسم بن قُطلوبُغا ص ٨٢. (٣) "مفتاح السعادة" ٢/ ٦٠١. (٤) "الجواهر المضية" ٢/ ٩٤.

стр. 89

ومحمد روى عنه، وقال بعضهم: من تصنيف محمد فإنه حين فرغ من تصنيف المبسوط، أمر، أبو يوسف أن يصنف كتابا، ويروي عنه، فصنف هذا الكتاب، وعرضه على أبي يوسف، فقال أبو يوسف: نِعمَ ما حفِظ عني أبو عبد الله، إلا أنه أخطأ في ثلاث مسائل، فقال: ما أخطأت ولكنك نسيتَ الرواية. ومصنف هذا الكتاب جعل لكل كتاب بابا، ولم يرتّب مسائله، وإنما رتّبه الفقيه أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفراني ﵀، فنحن نذكرها على الترتيب ترغيبا للمقتبسين وتيسيرا على الطالبين، فنقول وبالله نستعين .. " (١). وقد كان هذ الشرح مصدرا معتمدا عند الفقهاء، فيرجعون إليه ويقتبسون منه، فقد أحال إليه العلامة ابن نجيم في "البحر الرائق" (٢)، والعلامة الحصكفي في "الدر المختار"، كما استفاد منه العلامة ابن عابدين وأشار إليه معلقا على ما ذكره الحصكفي بقوله: "والذي رأيتُه في الشرح المذكور … " (٣). وتوجد لهذا الشرح نسخ خطية عديدة في مكتبات العالم، ذكر أماكنَها فؤاد سزكين (٤)، وأحتفظ بصورة من نسخة حلب تقع في مجلدين، واستفدت منها أثناء تحقيق "شرح الزيادات". _________ (١) "شرح الجامع الصغير" لقاضي خان، لوحة ٢، نسخة مصورة عن نسخة مدرسة الأحمدية بحلب في جزئين، محفوظة في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تحت رقم ٤٩١٧ و ٤٩١٥، عدد الأوراق ٣٣٩. (٢) يقول ابن نجيم في كتاب الصلاة، أثناء شرح باب ما يفسد الصلاة وما يكره فيها: "كذا ذكره قاضي خان في "شرح الجامع الصغير" … وعلّل قاضي خان وجه كونه كثيرا بقوله: لأنه عمل اليد والفم واللسان … " انظر "البحر الرائق" ٢/ ١١. (٣) انظر "ردّ المحتار على الدر المختار" كتاب الوكالة ٥/ ٥١٩. (٤) "تاريخ التراث العربي" ٣/ ٦٩. وقد سجّل الباحثان: أسد الله حنيف، وعبد العليم لاجوردخان تحقيق هذا الشرح كرسالة للدكتوراة في جامعة أمّ القرى بمكة المكرمة، فالحمد لله على ذلك.

стр. 90

٣ - " شرح الجامع الكبير": لم يذكره عامّة المترجمين له، وإنما ذكره إسماعيل باشا في مصنفات قاضي خان، كما عدّه حاجي خليفة من بين شروح "الجامع الكبير" (١)، ولعل العلامة أبو الوفاء الأفغاني اعتمد عليهما فذكر قاضي خان في قائمة شرّاح "الجامع الكبير" (٢). والأمر الذي يؤكد أن الإمام قاضي خان. شَرحَ "الجامع الكبير" أنه أحال إليه في "شرح الزيادات"، في كتاب الإقرار، بقوله: "وقد ذكرنا هذا في الجامع الكبير" (٣). يقصد: "شرح الجامع الكبير" كما هو صنيعه في الكتاب وغيره من الفقهاء. ويغلب على الظن أنه لم يبق له أثر فلا نعرف عن وجوده من بين مكتبات العالم. ٤ - " شرح الزيادات" (٤): وهو الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه وتحقيقه، وقد أفردت له بحثا خاصا في الفصل الثالث. ٥ - " شرح أدب القاضي" للخصاف: ذكره حاجي خليفة وإسماعيل باشا وقاسم بن قُطلوبُغا وطاش كبري زاده في مؤلفات قاضي خان بهذا الاسم (٥)، وذكره الكفوي واللكنوي بعنوان: "شرح أدب القضاء للخصاف" (٦). وكتاب "أدب القاضي" للإمام أحمد بن عمر بن مهير الشيباني، أبي بكر الخصّاف، المتوفي ٢٦١ هـ، كان إمامًا فاضلًا فارضًا حاسبًا، عارفًا بمذهب أصحابه، ورعًا _________ (١) انظر "هدية العارفين" لإسماعيل باشا البغدادي ٥/ ٢٨٠، "كشف الظنون" ١/ ٥٦٩. (٢) انظر مقدمة الأستاذ أبي الوفاء الأفغاني على "الجامع الكبير" ص ٤. (٣) راجع كتاب الإقرار ص ١٣٣٦. (٤) "هدية العارفين" لإسماعيل باشا البغدادي ٥/ ٢٨٠، "كشف الظنون" ١/ ٩٦٢. (٥) "كشف الظنون" لحاجي خليفة ١/ ٤٥، و "هدية العارفين" لإسماعيل باشا البغدادي ٥/ ٢٨٠، "تاج التراجم" للإمام قاسم بن قُطلوبُغا ص ٨٢، "مفتاح السعادة" ٢/ ٢٧٨. (٦) "الفوائد البهية" ص ٦٥.

стр. 91

زاهدا يأكل من كسب يده، وقد تبوّأ منزلة كبيرة بين الفقهاء الحنفية، ونقل عنه الفقهاء المتأخرون كثيرا ودوّنوا آرائه في كتبهم، وقال عنه شمس الأئمة الحلواني: "الخصّاف رجل كبير في العلم، وهو ممّن يصحّ الاقتداء به" (١). وعدّه العلامة ابن كمال باشا في الطبقة الثالثة، وهي "طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها من صاحب المذهب"، وهي الطبقة التي يعدّ منها الإمام قاضي خان أيضا، كما ذكرنا آنفا. ويعتبر كتاب "أدب القاضي" الكتاب الجامع غاية ما في الباب ونهاية مآرب الطلاب، كما قال حاجي خليفة (٢) ومن الكتب الأوائل التي ألّفت في أدب القضاء، يقول طاش كبري زاده: "وأشهر التصانيف في علم القضاء "كتاب الخصاف" (٣). ولذلك تلقّاه الأئمة بالقبول، وشرحه فحول أئمة الفروع والأصول، منهم الإمام أبو جعفر الهندواني (٣٦٢ هـ)، والإمام أبو بكر الجصاص (٣٧٠ هـ) والإمام أبو الحسن القدوري (٤٣٨ هـ)، وشيخ الإسلام علي السُعدي (٤٦١ هـ)، والإمام شمس الأئمة السرخسي (٤٨٣ هـ)، والإمام شمس الأئمة الحُلواني (٤٥٦ هـ)، والإمام أبو بكر المعروف بخواهر زاده (٤٨٣ هـ)، وبرهان الأئمة عمر بن عبد العزيز بن مازه الصدر الشهيد (٥٣٦ هـ) وهو المشهور المتداول اليوم من بين الشروح (٤)، والإمام فخر الدين قاضي خان (٥٩١١ هـ) وغيرهم (٥). _________ (١) "الطبقات السنية" ١/ ٤٨٥، "الجواهر المضية" ١/ ٢٣٢، "الفوائد البهية" ص ٣٠. وقال العلامة الشيخ أبو الوفاء الأفغاني في مقدمة "كتاب النفقات" للخصّاف، ص ٥، بعد أن نقل هذا القول: "قلت: يروى نحو هذا عن قاضي خان"، أي يروى عنه في حق أبي بكر الخصاف. (٢) "كشف الظنون" ١/ ٤٦. (٣) "مفتاح السعادة" ٢/ ٦٠٠. (٤) وقد طبع الكتاب أولا باعتناء العلامة أبي الوفاء الأفغاني والشيخ أبي بكر محمد الهاشمي، ثم طبعته وزارة الأوقاف ببغداد، في أربع مجلدات، بتحقيق محيي هلال السرحان، سنة ١٣٩٧ هـ. (٥) انظر "كشف الظنون" ١/ ٤٦ - ٤٧.

стр. 92

ومن الأسف أننا لا نقف على مكان وجود شرح قاضي خان بالاطلاع على فهارس المخطوطات ومكتبات العالم، ولقد نقل الإمام قاضي خان عن الخصاف ودوّن آراءه في مؤلفاته الأخرى، خاصة في شرح الزيادات وشرح الجامع الصغير وفتاواه الشهيرة. ٦ - " الأمالي في الفقه": ذكره الكفوي واللكنوي وإسماعيل باشا بهذا العنوان (١)، وقال حاجي خليفة: "أمالي الإمام فخر الدين قاضي خان في الفقه" (٢). ولعلّه هو المراد عند الإمام الذهبي بقوله في "السير": "وأملى مجالسَ كثيرة رأيتها" (٣)، وقال في "تاريخ الإسلام": "رأيت مجلدا من أماليه في سنة سبع، وسنة ثمان، وسنة تسع وثمانين وخمسمِائة" (٤). وذكره واستفاد منه الشيخ عبد الغني الغنيمي الميداني في شرحه لمختصر القدوري: "اللباب في شرح الكتاب" (٥)، وصاحب "الفتاوى التاتارخانية" (٦). ٧ - " كتاب المحاصر": ذكره حاجي خليفة وإسماعيل باشا بهذا العنوان (٧)، وذكره الكفوي ومنه اللكنوي باسم "المحاضر" (٨). وتوجد نسخة منه في قسم المخطوطات بمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بعنوان _________ (١) "هدية العارفين" ٥/ ٢٨٠، "الفوائد البهية" ص ٦٥. (٢) "كشف الظنون" ١/ ١٦٥. (٣) "سير أعلام النبلاء" للذهبي، ٢١/ ٢٨٥. (٤) "تاريخ الإسلام" للذهبي ٤٠/ ٣٩٨، ونقله قاسم بن قُطلوبُغا في "تاج التراجم" ص ٨٢. (٥) انظر مقدمّة "اللباب في شرح الكتاب" تعليق وتخريج الشيخ عبد الرزاق المهدي ١/ ١٦. (٦) انظر مقدمة "الفتاوى التتارخانية" ١/ ٤٦. (٧) "كشف الظنون" ٢/ ١٤٥٦، و "هدية العارفين" ٥/ ٢٨٠. (٨) "الفوائد البهية" ص ٦٥.

стр. 93

"المحاضر والسجلات"، بخط الشيخ أبي الوفاء الأفغاني (١). ٨ - " الواقعات": ذكره الكفوي واللكنوي بهذا الاسم، وذكره حاجي خليفة وإسماعيل باشا بعنوان: "الواقعات في الفروع". ٩ - " فوائد الإمام قاضيخان": ذكره حاجي خليفة (٢)، وأحال إليه الإمام محمد بن محمود الاسروشني المتوفى ٦٣٢ هـ في كتابه الشهير "جامع أحكام الصغار" في مسائل الحدود، وفي مسائل الغصب والضمان (٣). وهناك بعض المؤلفات تنسب إلى الإمام قاضي خان وجدتها أثناء تتبعي فهارس المخطوطات لمكتبات العالم، إلا أنني لم أتمكّن من الاطلاع على محتوياتها وبالتالي التأكد من صحّة نسبتها إلى الإمام قاضي خان، وأسردها فيما يلي: ١٠ - " رسم المفتي" أو "عمدة المفتي": توجد نسخة منه في مكتبة الأوقاف العامّة ببغداد، باسم "رسم المفتي"، أوّله: الحمد لله رب العالمين … وآخره: تمّ الفراغ من نسخه في سنة ١٠٤٧ هـ على يد أحمد بن عمر الحنفي القادري. عدد أوراقه ٨٩. كما توجد نسخة منه في مكتبة فيض الله آفندي استنبول، بعنوان: "عمدة المفتي" تحت رقم ١٠٣٤، في ٩٠ ورق. وكذلك يوجد كتاب في مكتبة أحمد الثالث بعنوان "أدب المفتي لقاضي خان"، تحت رقم ١٠١٨، وورقه ٣٦١، والظاهر من حجمه أنه نسخة من فتاوى قاضي خان، فإنه يفتتح بفصل في رسم المفتي. _________ (١) تحت رقم ٧٩٦ ف، وعدد أوراقه ١٠٨، نسَخه في سنة ١٣٥٣ هـ. (٢) "كشف الظنون" ٢/ ١٢٩٥. (٣) انظر "جامع أحكام الصغار" ٢/ ٧٣ و ١٥٠.

стр. 94

١١ - " آداب الفضلاء" في اللغة: ذكره إسماعيل باشا البغدادي في مصنفات قاضي خان. ولم يثبت عند غيره من أصحاب التراجم. ١٢ - " الإصلاح شرح الإيضاح": توجد له عدة نسخ في مكتبة لاله لي باستنبول، في مجلد واحد، تحت رقم ٨١٥، ٨١٦، ٨١٧، ٨١٨. ١٣ - " خزانة الروايات": خزانة الروايات في الفروع، لقاضي خان، توجد نسخة منها في مكتبة أيا صوفيا باستنبول، تحت رقم ١١٤٧، وفي ٧٠ صفحة.

стр. 95

الفصل الثالث ويشتمل على مبحثين: المبحث الأول كتاب الزيادات للإمام محمد بن الحسن الشيباني المبحث الثاني "شرح الزيادات" للإمام قاضي خان

стр. 96

المبحث الأول كتاب الزيادات للإمام محمد بن الحسن الشيباني " الزيادات" من كتب ظاهر الرواية: تكاد تتفق كلمة الفقهاء من المتقدمين والمتأخرين ومؤلفي كتب الطبقات والمصنفات وأصحاب التراجم على أن "الزيادات" من كتب ظاهر الرواية التي يتكوّن بها المرجع الأساسي للفقه الحنفي، لأنها مروية عن الإمام محمد روايات مشتهرة بطريق الثقات. وينسب إلى بعض العلماء أنهم اعتبروا كتاب الزيادات في النوادر، وليس من كتب ظاهر الرواية، ولكن الأكثرين يعدونه منها، وهو الصحيح، وهو اختيار العلامة ابن عابدين وطاش كبري زاده، والعلامة اللكنوي والأستاذ أبي زهرة (١)، ومحمد زاهد الكوثري، والشيخ أبي الوفاء الأفغاني. أشار إليه العلامة ابن عابدين في منظومته "رسم المفتي" بهذه الأبيات: وكتب ظاهر الرواية أتت … ستا وبالأصول أيضا سمّيت _________ (١) ذكر صاحب مفتاح السعادة أن مما تطابقت عليه كلمة الفقهاء التعبير من "المبسوط" و "الزيادات" و "الجامعين" برواية الأصول. ٢/ ٢٦٣، وانظر: "النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير" لللكنوي، ص ٩٧، و"أبو حنيفة" لأبي زهرة ص: ٢١٥.

стр. 97

صنفها محمد الشيباني … حرر فيها المذهب النعماني الجامع الصغير والكبير … والسير الكبير والصغير ثم الزيادات مع المبسوط … تواترت بالسند المضبوط (١) وقال الشيخ الكوثري بعد أن تكلم عن "الزيادات" و "زيادات الزيادات": "وتُعدان من أبدع كتبه … وهما من الكتب المروية عنه بطريق الشهرة وغلط من ذكرهما في عداد النوادر (٢) وعلق عليه الشيخ أبو الوفاء مؤيدا لذلك: "ويؤيد هذا القول شروح الأئمة لها، لأنهم لم يشرحوا النوادر، لأنهم ليس لهم علم بدلائل النوادر وأصولها، وفي مناقب الكردري (٣) عن ابن جبلة: قال سمعت محمد يقول: لا يحل لأحد أن يروي عن كتبنا إلا ما سمع أن يعلم مثلَ ما علمنا" (٤). ثم إنني وجدت نصا على ذلك من صاحب الهداية وشارحه البابرتي في "العناية"، قال المرغيناني في كتاب الصيد: "ولا بد من الجرح في ظاهر الرواية ليتحقق الذكاة لاضطرارية، وهو الجرح في أي موضع كان من البدني"، فعلق عليه الفقيه البابرتي قائلا: "قوله: "في ظاهر الرواية" يريد رواية الزيادات، فإنه قال: لو قتل الكلب أو البازى الصيد من غير جرح لا يحل، وأشار في الأصل إلى إنه يحل، والفتوى على ظاهر الرواية" (٥). _________ (١) انظر مجموعة رسائل ابن عابدين، "شرح عقود رسم المفتي" ص ١٦. (٢) بلوغ الأماني في سيرة الإمام محمد الشيباني ص ٦٤. (٣) ج ٢/ ١٥٢. (٤) انظر مقدمة "شرح زيادات الزيادات" ص ٨، طبع لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدرآباد، الهند. (٥) راجع "العناية" بهامش فتح القدير ١٠/ ١٣٥.

стр. 98

سبب تأليف الزيادات: ذكر العلماء عدة روايات في سبب تأليفه: فمنها ما روي أن الإمام أبا يوسف لما فرع فروعا دقيقة في أحد مجالس إملائه قال: يشق تفريع هذه المسائل على محمد بن الحسن، ولما بلغه ذلك، ألف "الزيادات" لتكون حجة على أن أمثال تلك الفروع وما هو أدق منها لا يشق عليه تفريعها (١). ومن المؤرخين من يرى أن هذه المسائل إضافات للمبسوط (٢). ومنهم من يرى أن "الزيادات" يلتحق بالكتب الخمسة، وضعه الإمام محمد إكمالا لها وتفريعا عن مسائلها (٣). ومنهم من يرى أنها إضافات للجامع الكبير (٤)، وهذا هو الراجح، لما تبين لي من الأمور التالية: - مما يروى عن الترتيب الزمني لتصنيف "الزيادات" أن الإمام محمد ﵀ لما فرغ من تأليف "الجامع الكبير" تذكر فروعا أخر لم يذكرها فيه، فصنف كتابا آخر ليذكر فيه تلك الفروع، وسماه "الزيادات"، ثم تذكر فروعا أخرى، فصنف كتابا آخر ليذكر فيه تلك الفروع الأخرى، وسماه "زيادات الزيادات"، فقطع عن ذلك ولم يتمه، قال الشيخ أبو الوفاء الأفغاني بعد أن حكى ذلك: "كذا قاله قاضي خان في شرحه" (٥). _________ (١) بلوغ الأماني ص: ٦٤. (٢) بروكلمان ٣/ ٢٤٩. (٣) وهو الأستاذ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور، مجلة الأزهر السنة السادسة والثلاثون ص: ٩٠٩. (٤) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص: ٢٤٩. (٥) مقدمة "شرح زيادات الزيادات" ص ١، ولعله يقصد "شرح الجامع الصغير" لقاضي خان، فإنني لم أجد هذا الكلام في "شرح الزيادات".

стр. 99

- يؤيد ذلك ما ثبت في بعض نسخ "منتخب شرح الزيادات" الذي انتخبه صدر الدين سليمان بن وهب من "شرح الزيادات" لقاضي خان، فجاء عنوان الكتاب كالتالي: "الزيادات على الجامع الكبير"، محفوظ في قسم المخطوطات بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٢٤٢/ فقه حنفي. - وهو اختيار الفقيه محمد بن محمد الملقب برضي الدين السرخسى، مصنف "المحيط الرضوي" من الكتب الفقهى الموسوعي في أربعين مجلدًا، نقل اللكنوي عنه: "جمعتُ في هذا الكتاب عامة مسائل الفقه مع مبانيها على حسن ترتيبها، وجودة تقسيمها إلى أن قال: وبدأت كل باب بمسائل المبسوط لما أنها أصول مثبتة، وأردفتها بمسائل النوادر والنوازل؛ لما أنها من أصول المسائل منزوعة، ثم أعقبتها بمسائل الجامع؛ لما أنها من زبدة الفقه مجموعة، ثم ختمتها بمسائل الزيادات لما أنها على فروع الجامع مزيدة، وسميته محيطا لما أنه محيط بمسائل الكتب (١). - ولأن منهج الإمام محمد في "الزيادات" يطابق تماما منهجَه في الجامع الكبير، فهو يسرد المسائل في عبارات دقيقة جامعة دون ذكر للأدلة. أسلوب الكتاب ومنهجه: يتضح مما سبق أن كتاب الزيادات تكملة للجامع الكبير، فالمنهج الذي سار عليه الإمام محمد في "الزيادات" يطابق تماما منهجه في الجامع الكبير، فأسلوبه فيه محكم رصين يغلب عليه طابع الدقة والصعوبة لانطوائه على فروق فقهية دقيقة وعلل خفية، فهو يذكر المسائل في عبارات دقيقة جامعة دون ذكر للأدلة، لذا أشار إليه الإمام محمد بن شجاع الثلجي بقوله: "مثل محمد بن الحسن في "الجامع الكبير": كرجل بنى دارا، فكان كلما على، بنى مرفاة يرقى منها إلى ما علاه من الدار، حتى استتم بناءها كذلك، ثم نزل عنها، وهدم _________ (١) "الفوائد البهية" ص ١٩١.

стр. 100

مراقيها، ثم قال للناس شأنكم فاصعدوا" (١). وأعظم مثال على دقة أسلوبه في الكتاب: "الأيمان". يقول الأمام السرخسي ﵀: "من أراد امتحان المتبحرين في الفقه، فعليه بأيمان الجامع". (٢) وذلك دأبه في "أيمان الزيادات" أيضًا من حيث تضلعه ورسوخه التام في الفقه والأصول وقواعد اللغة. ولصعوبة مسائل الزيادت أشار إليه الناظم يصفه في تلك الأبيات: إن الزيادات زاد الله رونقها … عقم مسائلها من أصعب الكتب أصولها كالعذارى قط ما اقترعت … فروعهن يد في العجم والعرب ينال قارئها في العلم منزلة … يغيب إدراكها عن أعين الشهب (٣) وهو يمثّل الفروع الفقهية بدون توجيه أو تعليق للمسائل، ولكن القارئ الملم بالفقه يدرك ذلك بالنظر في ثنايا المسائل، لأنها لم تدون إلا بعد المداولة واقتناع كل بما يذهب إليه، بناء على الدليل، فإنها خلاصة الجهود وثمرتها. وأسلوبه في الكتاب لا يخلو عما يسمى بالفقه التقديري، ويقصد به الفتوى في مسائل لم تقع ويفرض وقوعها وكان هذا المنهج متبعا في زمنه لتدوين المسائل بإيراد الصور مفروضة الوقوع لا واقعة نازلة وتفريع الصورة من الصورة، والاجتهاد في تقرير الحكم الشرعي المنطبق على كل صورة من تلك الصور المفروضة المتسلسلة على النحو الذي تؤلف عليه القوانين الآن، وقد أعطى التدوين الفقهي صورة جديدة من البسط تتمثل في استيعاب المسائل بطريقة افتراض، بعد أن كان يقتصر فيها على النوازل الواقعة. "وقد كثر هذا النوع من الفقه لدى الفقهاء، لأنهم يحاولون بذلك استخراج العلل _________ (١) الذهبي، مناقب أبي حنيفة وصاحبيه ص ٨٩ - ٩٠. (٢) شرح السير الكبير ١/ ٢٥٢. (٣) انظر مقدمة "شرح زيادات الزيادات" ص ٨، طبع لجنة إحياء المعارف النعمانية بحيدرآباد.

стр. 101

للأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، يوجهونها فيضطرون إلى فرض وقائع لكي يسيروا بما اقتبسوا من علل للأحكام في مسارها واتجاهها فيوضحوها بتطبيقها على وقائع مفروضة لم توجد" (١). وقد وجّه الإمام السرخسي ﵀ لهذه الظاهرة خير توجيه، فقال بعد عرض مسائل من "باب صلاة المسافر": "فإن قيل: لما ذا أورد هذه المسائل مع تيقن كل عاقل بأنها لا تقع ولا يحتاج إليها؟ قلنا: لا يتهيأ للمرء أن يعلم ما يحتاج إليه إلا بتعلم ما لا يحتاج إليه، فيصير الكل من جملة ما يحتاج إليه بهذا الطريق، وإنما يستعد للبلاء قبل نزوله". (٢) وكذلك اعتنى الإمام محمد ﵀ في كتابه عناية فائقة بمسائل حسابية، وكان هذا أسلوب الفقهاء المتمرسين بمسائل الميراث والوصية، فأفاض في تفريع المسائل بناء على أصول الحساب. كما أنه يكثر بمسائل وتفريعات تتعلق بالرقيق خصوصا بالمكاتب، وما ذلك إلا تعبير عن مدى تجاوبه مع ملابسات الزمن، ومقتضياته لفشو تجارة الرقيق ونفاق سوقها في ذلك الزمن، ومعالجة لكافة جوانب هذا الموضوع ليقدم حلولا واقعية لمسائل وقته. وفي الوقت نفسه يعتبر ذلك مجرد مثال لعدة تداولات تجارية، وتنطبق عليها أحكام معاملات كثيرة متداولة في عصرنا هذا، فلا غنى عن هذه المسائل. نسخ الزيادات في مكتبات العالم: كتاب الزيادات لم ينشر بعد، وذكر فؤاد سزكين وبروكلمان بعض مظان وجوده في مكتبات العالم، فذكر فؤاد سزكين أنه توجد نسخه الخطية في مكتبة لاله لي باستنبول، _________ (١) راجع "أبو حنيفة" لأبي زهرة ص ٢٥٨ - ٢٦٢. (٢) المبسوط ١/ ٢٤٢.

стр. 102

وجار الله، وأيا صوفية، ومكتبة الفاتح، ومكتبة يني، وولي الدين بتركيا، ودار الكتب المصرية القاهرة، ومكتبة ابن عابدين بدمشق (١). وكانت بغيتي وطلبي الحصول على إحدى هذه النسخ، لأتمكن على تمييز عبارات المتن من الشرح، فإن عبارة المتن ممزوجة ومختلطة مع الشرح في جميع النسخ الموجودة لشرح الزيادات. ومن أجلها قمت على رحلة علمية إلى كل من استنبول ودمشق والقاهرة، وبعد جهد ومحاولات عديدة تمكنت من الاطلاع على معظم هذه النسخ، إلا أنه مع الأسف الشديد، فوجئت بعد التصفح والتنقيب أنه ليست في واحد منها نسخة حقيقية لكتاب "الزيادات"، وإن جميع هذه النسخ، إما هي نسخ من كتاب "منتخب شرح الزيادات" لصدر الدين سليمان بن وهب، تلميذ الحصيري الذي من أجل تلامذة قاضي خان، - وهو الأكثر - وإما هي نسخ من "شرح الزيادات" لقاضي خان. والمعروف أن فؤاد سزكين وبروكلمان يعتمدون على فهارس المكتبات في نقل أسماء الكتب أكثر من اعتماده على مراجعة الكتب نفسها، وهذه الفهارس تعوزها الدقة حتى الآن. وقد رأيت أثناء زيارتي لمكتبات استنبول عشرات من المجاميع ثبت على غلافها اسم "الجامع الصغير" و "الجامع الكبير" و "الزيادات"، لكنه يظهر بعد النظر والتدقيق فيه أنه "منتخب شرح الزيادات" لسليمان بن وهب، الأمر الذي يؤكد أن كتاب "منتخب شرح الزيادات" كان من بين المناهج الدراسية المقررة في ذاك العصر، فانتشرت نسخه بين الطلاب والعلماء، ونظرا إلى أنه مختصر ومنتخب "شرح الزيادات" اشتهرت الكتاب فيما بينهم بالزيادات، وبدأوا يكتبون عى وجه الغلاف "الزيادات" فقط، ومن هنا انتشر هذا الخطأ في فهارس المخطوطات، ونقل منها في بعض ما كتب ونشر عن الإمام محمد الشيباني ومؤلفاته (٢). _________ (١) انظر "تاريخ التراث العربي" المجلد الأول، الجزء الثالث ص ٥٧. (٢) ومنه: المقال المنشور عن كتب ظاهر الرواية، للأستاذ محمد الفاضل بن عاشور، في "مجلة =

стр. 103

مرتّب الزيادات: رتبه الإمام محمد بدءً بباب المأذون، ثم رتبه الإمام أبو عبد الله الحسن بن أحمد الزعفراني، مرتب الجامع الصغير وتلميذ الإمام محمد، من جديد، فغير ترتيب شيخه إلى ما هو عليه الآن. هو الحسن بن أحمد بن مالك، أبو عبد الله، الفقيه، الزعفراني (١). قال الكفوي في ترجمته: "كان شيخا إمامًا في الفقه، ثقة، رتب "الجامع الصغير" الذي صنفه الإمام محمد بن الحسن ترتيبا حسنا، وميز خواص مسائل محمد عما رواه عن أبى يوسف، وجمعها على أحسن ترتيب، وألطف نظام، وجعله مبوبا، ولم يكن "الجامع الصغير" قبل مبوبا بترتيب المسائل. وإنه رتّب كتاب "الزيادات" أيضًا، كما يدل عليه كلام الإمام قاضي خان في مواضع من الشرح، يقول العلامة اللكنوي: ولنا زعفراني آخر مشهور، وهو الحسن بن أحمد، مرتب "الجامع الصغير" و "الزيادات". ومن مؤلفاته كتاب الأضاحي. وفي كشف الظنون أنه توفي سنة عشر وستمائة تقريبا، وهذا خطأ، لأن الإمام قاضي خان شرحَ الزيادات الذي رتبه الزعفرانى، وأحال إليه عدة مرات، وقاضي خان توفي سنة ٥٩٢ هـ. _________ = الأزهر"، السنة السادسة والثلاثون ص: ٩٠٩. والأستاذ الدكتور محمد الدسوقي في كتابه الإمام محمد بن الحسن الشيباني وأثره في الفقه الإسلامي، ص ١٦٣، وقال فيه عند كلامه عن "الزيادات": توجد له نسخة خطية بدار الكتب المصرية تحت رقم ١٢٤٢/ فقه حنفي، كما أشار إليه في مقدمته أيضا ص ١٠، مع أن هذه نسخة من "منتخب شرح الزيادات" لسليمان بن وهب، اطلعتُ عليها وأحتفظ بصورة منها، وثبت جليا على وجه الغلاف: "كتاب الزيادات على الجامع الكبير من تصنيف سيدنا ومولانا قاضي القضاة صدر الدين سليمان الحنفي". (١) انظر ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٤٣٤، "الطبقات السنية" برقم ٦٥٥، "الفوائد البهية" ص ٦٠ و ٢٤٥، كتائب أعلام الأخيار برقم ٢٠١، كشف الظنون ١/ ٥٦٢.

стр. 104

موضوع الزيادات: كتاب "الزيادات" يستوعب أبوابا كثيرة من أحكام الفقه الإسلامي، لكنه لا يغطي جميع الأبواب المعروفة في الكتب الفقهية، لما أنه بمثابة تكملة "الجامع الكبير"، كما تعرض لبعض أحكام المناسك والصلح والفرائض خلال تعرضه لموضوعات أخرى، وقد توسع في كتاب الأيمان وكتاب البيوع وكتاب الوصايا وكتاب السير، ودقق في مسائلها. كتاب الزيادات ينتظم على ٢٤ كتب فقهية تشتمل على ١٤٠ بابا على النحو التالي: كتاب الطهارة - كتاب الصلاة … كتاب الزكاة - كتاب الأيمان كتاب النكاح - كتاب الطلاق … كتاب العتاق - كتاب البيوع كتاب الشفعة - كتاب الرهن … كتاب الهبة - كتاب الوكالة كتاب الشهادات - كتاب الدعوى … كتاب الإقرار - كتاب الغصب كتاب الجنايات - كتاب الوصايا … كتاب الكفالة - كتاب الحوالة كتاب المأذون - كتاب المكاتَب … كتاب السير - كتاب الصيد تبين بذلك أن "كتاب الزيادات" يهتم ويستوعب أكثر أبواب المعاملات، ومن المعلوم أن المعاملات الشرعية ذات مسائل كثيرة ومتشعبة، لتعلقها بحياة الإنسان المعيشية وتعامله مع الآخرين. شروح الزيادات: نظرا لجلالة الكتاب وأهميته في المذهب اهتم بشرحه كبار الفقهاء، أذكر المشهورين منها: ١ - شرح الزيادات للعتابي:

стр. 105

هو الإمام العلامة الزاهد أحمد بن محمد بن عمر زاهد الدين أبو نصر العتابى. والعتابي: نسبة إلى عَتابية بفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوق وبعد الألف باء موحدة ثم ياء مثناة تحتية، محلة ببخارى، كان من العلماء الزاهدين أوحد المتبحرين في علوم الدين، من تصانيفه: شرح الزيادات، رواها جماعة عنه، منهم حافظ الدين النسفي وشمس الأئمة الكردري، قالوا: دقق فيه وحقق، وأبدع ما لا يوجد في غيره، وشرح الجامع الكبير، وشرح الجامع الصغير، وجوامع الفقه المعروف بالفتاوى العتابية، وتفسير القرآن. مات سنة ٥٨٦ هـ (١). قال اللكنوي: قد طالعت من تصانيفه شرح الزيادات، وانتفعت به، وهو مختصر ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المخل. والإمام العتابي شرح "الزيادات" شرحا موجز العبارات والنكات ومحرز المعاني والإشارات، وقد اجتهد في بسط ما صعب منها وقصر ما سهل منها، كما ذكر في باب الوصايا ما يتعلق بالحساب من طرق الجبر والمقابلة (٢). أول الكتاب: "الحمد لله الذي يكفي كل شيء ولا يكفي منه شيء .... " ثم قال بعد الخطبة: أما بعد فإني لما رأيت في أهل الزمن زمانه في اقتباس العلم والاختصار، مهمتهم اختصار والمختصر من كل شيء. حملني ذلك أن أكتب شرح الزيادات موجزا النكات والعبارات، تحرر المعاني والإشارات، وأجتهد في بسط ما صعب منها وقصر ما سهل منها، وأذكر في كتاب الوصايا ما يتعلق بالحساب مع طريق الكتاب سائر الطرق من _________ (١) "الجواهر المضية" برقم ٢٢٢، "الطبقات السنية" برقم ٣٤٤، "الفوائد البهية" ص ٣٦، كتائب أعلام الأخيار برقم ٣٩٧، الوافي بالوفيات ٨/ ٧٤، طبقات الفقهاء لطاش كبري زاده ص ١٠٥، تاج التراجم ٩، طبقات المفسرين للسيوطي ٦، كشف الظنون ١/ ٤٥٣، ٥٦٣، ٥٦٧، ٥٦٨، ٦١١، ٢/ ٩٦٣، ٩٦٤. (٢) "شرح الزيادات" ق ٢/ أ، و "الفوائد البهية" ص ٣٦.

стр. 106

الجبر والمقابلة والخطائين والدينار والدرهم والسطوح ما يكون أجمل وأسهل للمتحفظين وأسأل الله التوفيق على الصواب" (١). توجد له نسخ عديدة في مكتبات العالم، أحتفظ بصورة من نسخة حلب، واستفدت منه أثناء تحقيق شرح الزيادات لقاضي خان. ٢ - شرح الزيادات لبرهان الدين بن مازه: هو محمود (٢) بن الصدر السعيد تاج الدين أحمد بن الصدر الكبير برهان الدين عبد العزيز بن عمر بن مازه برهان الدين صاحب المحيط البرانى، كان من كبار الأئمة وأعيان فقهاء الأمة، إمامًا ورعا مجتهدا متواضعا عالما كاملًا بحرا زاخرا حبرا فاخرا، أخذ عن أبيه وعن عمه الصددر الشهيد عمر، وهما عن أبيهما عبد العزيز بن عمر بن مازه، أبوه وجده وجد أبيه كلهم كانوا صدور العلماء الأكابر، وهو ولد صدر الإسلام طاهر بن محمود. ومن تصانيفه المحيط البرهانى والذخيرة والتجريد وتتمة الفتاوى، وشرح الجامع الصغير، وشرح الزيادات، وشرح أدب القضاء للخصاف والفتاوى والواقعات والطريقة البرهانية وغير ذلك (٣). ٣ - شرح الزيادات للكردري: هو عبد الغفور بن لقمان بن محمد شرف القضاة تاج الدين أبو المفاخر الكردرى (٤)، إمام الحنفية، ويلقب بشمس الأئمة، تفقه على أبي الفضل عبد الرحمن بن محمد الكرمانى، وتولى قضاء حلب لنور الدين محمود بن زنكى، ومات بها سنة اثنين وستين _________ (١) "شرح الزيادات" ق ٢/ أ، و "الفوائد البهية" ص ٣٦. (٢) عده ابن كمال باشا من المجتهدين في المسائل. (٣) ترجمته في: "الجواهر المضية" ١/ ٣٩١، "الطبقات السنية" برقم ٢٢٩، "الفوائد البهية" ص ٢٠٥، ٢٠٦. (٤) نسبة إلى كَردر على وزن جعفر، قرية بخوارزم. "معجم البلدان" ٤/ ٥١٠.

стр. 107

وخمسمائة، وله تصنيف في أصول الفقه، وشرح التجريد، وشرحَ الجامع الصغير، والجامع الكبير، نهج فيهما على منهج التأصيل، والزيادات وكتاب حيرة الفقهاء، جمع فيه المسائل التي يتحير في حلها العلماء. مات سنة اثنتين وستين وخمسمائة (١). ٤ - شرح الزيادات لأبي حفص: هو عمر بن إسحاق بن أحمد أبو حفص سراج الدين الهندى الغزنوى، كان إمامًا علامة نظارا فارسا في البحث مفرط الذكاء عديم النظير، له من التصانيف التي سارت بها الركبان، منها شرح الهداية المسمى بالتوشيح والشامل في الفقه وزبدة الحكام في اختلاف الأئمة العلام، وشرح بديع الصول، وشرح المغنى والغرة المنيفة في ترجيح مذهب أبي حنيفة، وشرح الزيادات (٢)، وشرح الجامعين ولم يكملا، وشرح تائية ابن الفارض وكتاب في الخلاف، مات سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة (٣). ٥ - شرح شمس الأئمة الحلواني: هو عبد العزيز بن أحمد بن نصر بن صالح، الحلواني، الملقب بشمس الأئمة، إمام أصحاب أبي حنيفة في وقته، توفي في سنة ٤٤٩ هـ (٤) شرحَ الزيادات (٥)، وأحال إليه قاضي خان في كتاب الهبة. _________ (١) ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٨٤٠، "الطبقات السنية" برقم ١٢٢٩، "الفوائد البهية" ص ٩٨، طبقات الققهاء لطاش كبري زاده ص ١٠٨. (٢) انظر كشف الظنون ٢/ ٩٦٢. (٣) انظر ترجمته في: "الفوائد البهية" ص ١٤٨. (٤) ترجمته في: "الجواهر المضية" برقم ٨٢١، "الطبقات السنية" برقم ١٢٤٣، "الفوائد البهية" ص ٩٥، كتائب أعلام الأخيار برقم ٢٤١. (٥) انظر النافع الكبير ص ٥٠.

стр. 108

٦ - شرح الزيادات للإمام السرخسي، أحال إليه السرخسي في المبسوط في عدة مواضع (١)، وكذلك في "النكت على زيادات الزيادت" (٢). ٧ - شرح الزيادات لابن سماعة، ذكره الحَصيري في التحرير (٣). ٨ - شرح الزيادات لأبي عبد الله الجرجاني، يوسف بن محمد، تلميذ الكرخي (٤). _________ (١) "المبسوط" ٨/ ١٢٢، ٢١/ ٣٦. (٢) النكت للسرخسي، ص ٩٣ (٣) التحرير شرح الجامع الكبير مخطوط، ٤/ ١١٢. (٤) الفوائد البهية ص ٢٣١.

стр. 109

المبحث الثاني شرح الزيادات للإمام قاضي خان اسم الكتاب ونسبته إلى المؤلف: عنوان الكتاب كما هو مثبت على غلاف نسخ الكتاب: "شرح الزيادات لقاضي خان". ومن الملحوظ أن الشارح لم يضع في فاتحة كتابه مقدمة أو تمهيدا يبين فيه تسميته ومنهجه للكتاب، وقد تأكد لي بعد البحث والتنقيب في نسخ الكتاب التي زاد عددها أكثر من عشر نسخ أن اسم الكتاب هو ما ذكر آنفا، وأن مؤلفه هو الإمام فخر الدين قاضي خان. ويبدو في الظاهر أن قاضي خان آثر أن يظل الكتاب بما سماه صاحب المتن وهو الإمام محمد ﵀، مضافا إليه كلمة "شرح" فقط إظهارا للواقع، كما هو صنيعه في بقية شروحه من "شرح الجامع الكبير" و "شرح الجامع الصغير" و "شرح أدب القاضي" للخصاف. وهذا يدل على كمال أدبه وحسن إخلاصه. ومما يبرهن على ذلك أن أصحاب كتب التراجم، وكتب المصادر، ومرتبي فهارس المخطوطات، اتفقت كلمتهم في ذكره بهذا الإسم معزوا إلى المؤلف في مؤلفات قاضي خان، منهم: الكفوي، وقاسم بن قطلوبغا، وملا علي القاري، وحاجي خليفة، وإسماعيل باشا البغدادي، واللكنوي، والزركلي، وفؤاد سزكين (١). ولم تثر أي شبهة _________ (١) انظر: "الفوائد البهية" ص ٦٥، "مفتاح السعادة" ٢/ ٢٧٨، "كتائب أعلام الأخيار" برقم ٣٨١، "تاج التراجم" ص ٨٢، "كشف الظنون" ١/ ١٦٥ "هدية العارفين" ٥/ ٢٨٠، "الأعلام" للزركلي ٢/ ٢٢٤، "معجم المؤلفين" رقم ١ - ٤٤٧٠/ ٥٩٤. "الثمار الجنية في طبقات الحنفية" لملا =

стр. 110

حول نسبته له فهذا يعد اتفاقا علميا على ذلك. كما يوثق ذلك ورود اسم الكتاب مع نسبته إلى قاضي خان في كثير من مصادر الفقه الحنفي، من ابن الهمام وابن نجيم والزيلعي وابن عابدين، كما سيأتي قريبا. أهمية الكتاب ومزاياه العلمية: شرح الزيادات لقاضي خان يعتبر أقوم وأنفس شرح للكتاب، حقق فيه الإمام ودقق من حيث تقصّي الشواهد والنظائر الفقهية المرتبطة بمسائل المتن، ونظرًا لمهمة "المجتهد في المسائل" خرج مسائلها وردها إلى أصولها وأدلتها وأقيستها، واستخلص القواعد العامة من الفروع المتناثرة في الباب، فجمعها في قوالب قواعد فقهية وضوابط محكمة، ومما لا شك فيه أن براعته في الفقه وتمكنه الراسخ للاجتهاد وتعمقه في الاستنباط وذوقه العلمي الرفيع يبرز بكل قوة ودقة في هذا الشرح. إن المزية الجلية المنفردة التي يتحلى بها هذا الكتاب وتزيد قيمته العلمية هي أن الإمام قاضي خان سلك في هذا الكتاب "مسلك التأصيل والتقعيد" ويراد بمسلك التأصيل: الاعتناء بتمهيد الأصول من القواعد العامة والضوابط الفقهية أولا، ثم التفريع عليها ثانيا. مسلك التعليل ومسلك التأصيل عند الفقهاء: إن المصادر الفقهية العامة، نجد في الغالب منها أن الفقهاء يسلكون فيها "مسلك التعليل" عند ضبط المسائل، وهو ذكر القواعد ثنايا تعليل المسائل، فيسردون المسائل أولا، ثم يعللونها بالقواعد للاستدلال والتوجيه والترجيح، وهذا هو المنهج السائد المنتشر في الكتب التي ألفت في فقه المذاهب قديما وحديثا .... إلا أن بعض الفقهاء المبرزين قاموا بابتكار عمل جديد، وهو البدء بالقواعد، ثم ذكر الفروع التابعة لها، وهذه الظاهرة يعبر _________ = علي القاري الهروي، مخطوط بمكتبة عارف حكمت بالمدينة المنورة برقم ١/ ٩٢٠، ص ٧٥. "تاريخ التراث العربي" ٣/ ٥٨. ٦٤٣:١ Brockelmann: g ١:٣٧٦ s ،٦٤٤
следующие страницы →