← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

لإبطال ذلك البيع، فلا يصدق. ولو قال البائع: "إن لم أنقض هذا البيع فعبدي حر"، ثم قال بعد مضيّ مدة الخيار (١): "قد كنت نقضت البيع في الأيام الثلاثة"، وأنكر المشتري، فالقول قول المشتري في عدم انتقاض البيع، ويكون القول قول البائع في إنكار شرط العتق، فلا يعتق العبد (٢). بيّن بهذه المسائل، أنه متى ادّعى زيادة أمرٍ لم يجعله شرطًا، لا يُقبل قوله وإن كان الحكم يتغير بالزيادة، و [متى] (٣) أنكر الشرط كان القول قوله في نفي الحكم المتعلق به. - والله أعلم بالصواب -

стр. 527

باب تزويج المرأة على المرأة أو قبلها أو بعدها أو معها بني الباب على أصول: منها: أنّ الطلاق لا يصح إلّا في الملك، أو مضافًا إلى سبب الملك (١). والثاني: أنّ المعلّق بشرط موصوف لا يوجد بدونه (٢).

стр. 528

والثالث: أن كلمة "قَبل" للتقدم، و"قُبَيل" لتقريب التقدم، و"بعد" للتأخّر. و"مَع" لِلقران، و"على" قد يستعمل للحال (١). إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: رجل قال: "إن تزوّجتُ زينبَ بعد عَمْرَة فهما طالقان"، فتزوجهما كما قال، طلِّقتا (٢). أما زينب فلأنه علّق طلاقها بنكاحها بعد عَمرة، وقد وجد، وأما عمرة فلأنه علّق طلاقها بنكاحِها ونكاحِ زينب بعدها، لأنه صرّح بتأخّر نكاح زينب، وتأخّر نكاحِ زينب لا يتصوّر بدون نكاح عَمرة، فصار نكاح عمرة شرطًا مذكورًا ضرورة، وإذا صار مذكورًا، صار كأنه قال: "إن تزوجت عَمرة ثم تزوجت زينب فهما طالقان"، فيقع الطلاق عليهما. وكذا لو قال: "إن تزوّجت زينب مع عَمرة، فتزوجهما معًا، طلّقتا (٣)، لأن [كلمة] (٤) "مع" للقران. والقِران لا يكون إلّا بين الموجودين، فصار نكاح عمرة مذكورًا ضرورة. ولو قال: إن تزوّجت زينب قبل عَمرة، فهما طالقان، فتزوج زينبَ، طُلِّقت، ولا يتوقف وقوع الطلاق علي نكاح عَمرة (٥)، لأن شرط طلاق زينب، تزوّج زينب بصفة

стр. 529

القَبلية، وليس من ضرورة القبلية وجود ما بعده (١). قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (٢). ثم لا يتوقف جواز التكفير بالصوم (٣) على وجود المَسيس بعده. وقال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ (٤) ولا يتوقف صحة الإيمان على وجود الطّمس بعده. ولهذا لو قال لامرأته: "أنت طالق قبل قدوم فلان"، يقع الطلاق للحال (٥). فإن تزوج عَمرة بعدها لم تطلّق (٦)، لأنه لم يذكر نكاح عَمرة، لا صريحًا ولا ضرورة، فصار كما لو قال: "إن تزوجت زينب فهما طالقان"، فلا يقع الطلاق على عَمرة. ولو قال: "إن تزوجت زينب قبل عَمرة بشهر، فهما طالقان"، فتزوج زينبُ، لم تطلّق في الحال، لأن الشرط هو التقدّم بشهر، والتقدم بشهر لا يُعرف إلّا بوجود الآخر،

стр. 530

فإنه لو تزوج الأخرى بعد (١) عشرة أيام أو لأكثرَ من شهر، لا يوجد تلك القَبلية، فيتوقّف على نكاح الأخرى كما لو قال لامرأته (٢): "أنت طالق إن دخلت الدار قبل قدوم فلان بشهر"، لا يقع الطلاق (٣) ما لم يقدم فلان بعد الدخول (٤) من غير زيادة ولا نقصان. فإن تزوج عَمرة بعد زينب بشهر، طلّقت زينب لوجود الشرط، ولا تطلّق عَمرة، لأنه علّق طلاقها بنكاح زينب قبل عمرة بشهر، لا بنكاح عمرة، إلّا أن ما هو (٥) الشرط لا يعرف إلّا بنكاح عمرة، فكان نكاح عَمرة معرفًا، والحكم لا يتأخّر عن المعرّف بل يقارنه، فيصير قائلًا حال نكاح عمرة: "أنتما طالقان"، فيقع الطلاق (٦) على زينب، ولا يقع على عمرة. كما لو قال لامرأته: "أنت طالق مع نكاحك"، فتزوجها، لا يقع الطلاق بخلاف الفصل الأوّل، لأن القَبلية المطلَقة (٧) لا تقتضي وجود ما بعده (٨).

стр. 531

ولو قال: إن تزوجت زينبَ قُبَيل عَمرة فهما طالقان، لا يقع الطلاق حتى يتزوج عمرة بعدها بلا فصل (١)، لأن "قُبيل" يراد به القبلية القريبة، بخلاف "قَبل"، ولهذا يقال: "هذا اليوم قَبل يوم القيامة"، ولا يقال: "قُبيل يوم القيامة"، فيقتضي وجود الثاني على وجود الأوّل متصلًا به (٢)، حتى لو تزوج الأخرى بعد زمان لا يقع الطلاق. وإن تزوج الأخرى بعد الأولى متّصلًا به، يقع الطلاق (٣) على الأولى، لوجود شرطه، ولا يقع على الأخرى، لأنه علّق طلاقها بنكاح زينب بصفة مخصوصة (٤) لا يعرف تلك الصفة إلّا بنكاح عَمرة، فكان نكاح عمرة معرفًا للشرط، فيصير قائلًا حال نكاح عمرة: "أنتما طالقان"، فيقع الطلاق (٥) على زينب، لأنها في نكاحه، ولا يقع على عمرة، لما قلنا. ولو قال: "إن تزوجت زينب علي عَمرة، فهما طالقان"، فتزوج عمرة ثم زينب، طلِّقتا حين تزوج زينب (٦)، لأن "على" تُذكر للحال، ههنا (٧) قال ﵊:

стр. 532

"لا تنكح الأمَة على الحرّة" (١) يعني: لا تنكح الأمة (٢) حال قيام نكاح الحرة. ولو صرّح وقال: "إن تزوجت زينب وعمرة في نكاحي فهما طالقان"، فوجد الشرط، طلِّقتا، لأنه يصير قائلًا عند تزوّج زينب: "أنتما طالقان". - والله أعلم -

стр. 533

باب ما يطلق الرجل من نسائه بغير عينها، ثم بيّن في المرض ترث أو لا ترث، وما يستدل عليه بوضع الحمل بني الباب على أصول: منها: أن إيقاع الطلاق والعتاق يَصحّ مع الجَهالة (١)، ويرجع في البيان إليه، والبيان فيه (٢) إنشاء من وجه، إظهار من وجه، على حسب ما يقتضيه الدليل (٣). والثاني: أن إيقاع الطلاق في مرّض الموت يلحق بالعدم في حكم الميراث (٤)،

стр. 534

وتعيين المبهَم فيه بمنزلة الإنشاء. والثالث: أنّ الوطء في الطلاق المبهم بيان (١) عند الكل، وفي العتاق المبهم ليس ببيان في قول أبي حنيفة، خلافًا لصاحبيه، والإعلاق (٢) بيان عند الكل (٣). والرابع: أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأكثره سنتان عندنا (٤). إذا عرفنا هذا (٥) قال محمد ﵀: رجل قال في صحّته لامرأتين له، وقد دخل بهما: إحداكما طالق ثلاثًا، ثم قال في مرض موته، لواحدة بعينها: إيّاها عَنَيت، أو قال: لم أعْنِ واحدة منهما، ولكن أوقِع الطلاقَ على هذه، ثم مات قبل انقضاء عدة

стр. 535

المطلقة، كان نصف الميراث للمطلقة، والنصف للأخرى، لأنه بيّن الطلاق فيها بعد ما تعلّق حقها بماله (١). ألا ترى أنه لو لم يبيّن كان الميراث بينهما، فكان البيان إبطالًا لحقها بعد ما تعلّق حقها بماله، فيجعل قاصدًا إبطال حقها بالتعيين، فيردّ عليه قصده كما لو أنشأ (٢). فرّق بين هذا وبينما لو قال لعبدين له في صحته: أحدكما حر، وقيمة أحدهما ألف، وقيمة الآخر مائة. ثم مرِضَ مرض الموت، فبيّن العتق في الذي قيمته ألف، فإنه يعتق من جميع المال، ولا يجعل البيان بمنزلة الإنشاء. والفرق: أنّ الطلاق المبهَم واقع في حق الموقِع، لأنه لا جهالة في حقه، إنما الجهالة في المحل، وإنما لا يصحّ بيانه في الطلاق المبهم (٣)، صيانةً لحق المرأة في الميراث. وهنا ليس في إبطال البيان صيانة حق لورَثة فيما زاد على الثلث، فإنه لو لم يبيّن حتى مات، يعتق من كل واحد منهما نصفه، وقيمة ذلك خمس مائة (٤) وخمسون، وهو أكثر من الثلث. ولأن البيان في كثير القيمة إنما لا يصح في المرض لتعلق حق الورثة، وكل واحد من العبدين متردّد بين أن يعتق وبين أن لا يعتق، فكان بمنزلة المكاتب، فلا يتعلق به حق الورثة.

стр. 536

فإن كانت له امرأة أخرى سواهما، كان لها النصف، والنصف بين هاتين، لأن الطلاق واقع على إحداهما قطعًا، فلا يزاحم الثالثة إلّا واحدة، فكان لها النصف، والنصف الآخر بينهما لاستواءهما في الاستحقاق (١). ولو لم يُبيّن الطلاق حتى ماتت إحداهما وهو مريض، وقع الطلاق على الأخرى، ولا ترث (٢). أما وقوع الطلاق: لأن الطلاق كان بينهما، فإذا زالت مزاحمة (٣) إحداهما تعيّنت الأخرى. وأما حِرمان الميراث، لأنها تعيّنت للطلاق بسبب لا تهمة فيه (٤)، كما لو علّق الطلاق في صحته بمجيئ رأس الشهر، فجاء رأس الشهر وهو مريض، يقع الطلاق، ولا ترث، كذلك هنا. أما في الفصل الأوّل تعينت للطلاق بفعله، فكان (٥) لها الميراث، كما لو علّق الطلاق في صحته بفعل نفسه، ثم باشَرَ الشرط في المرض (٦).

стр. 537

ولو بيّن الطلاق في إحداهما في مرضه، ثم ماتت إحداهما، ثم مات الزوج قبل انقضاء عدة المطلقة، فإن ماتَت التي عيّنها للطلاق، كان جميع الميراث للباقية، لأن التعيين دون الإنشاء (١). ولو أنشأ الطلاق في المرض، ثم ماتت المطلقة، كان جميع الميراث للأخرى، لانتفاء التهمة والمزاحم (٢)، كذلك هنا. فإن قيل: وجب أن لا ترِث الباقية، لأنه حين بيّن في المرض، لم يَصحّ بيانه، والتَحَق بالعدم، ولو لم يبيّن حتى ماتت إحداهما، لا ترث الأخرى. قلنا: إنما لا يصح بيانه في حق الميراث، صيانةً لحقها، إذا أمكن إبقاء حقها في الميراث، وبعد ما ماتت تعذّر إبقاء حقها في الميراث، فيصح البيان من كل وجه، كما لو أوقع الطلاق في المرض، ومات الزوج بعد انقضاء عدة المطلقة. هذا إذا ماتت المعيّنة، وإن ماتت الأخرى، كان للمطلقة نصف ميراث النساء، ويُردّ النصف على الورثة، لأنا إنما أبطلنا البيان صيانةً لحقها الثابت من حيث الظاهر، وحقها الثابت من حيث الظاهر وقتَ البيان كان في النصف، فلا يزاد عليه (٣). فإن قيل: وجب أن لا ترِث الباقية، لأن البيان إذا لم يَصحّ في حق الميراث، التحق

стр. 538

بالعدم، ولو انعدم البيان (١) حتى ماتت إحداهما، لا ترث الباقية، فإذا ماتت الأخرى، وبقيت المعينة، أولى أن لا ترث. قلنا: البيان صَحّ في حق إزالة النكاح، ووقع الطلاق عليها على وجهٍ لا يعمل في إبطال حقها في الميراث، فلا يتعيّن، بخلاف ما إذا لم يبين حتى ماتت إحداهما، لأن ثَمّة وقع الطلاق على الباقية طلاقًا يُزيل مِلك النكاح من كل وجه. هذا كالمريض إذا طلّق امرأته ثلاثًا، ثم طاوَعت أمر زوجها، ثم مات الزوج قبل انقضاء العدة، ترث، ولا يبطل حقها في الميراث. ولو وجدت المطَاوعة قبل الطلاق، يبطل حقها في الميراث. فإن كانت له امرأة أخرى، كان للمعينة ربع الميراث، وثلاثة الأرباع للأخرى، لما قلنا إنّا أبطلنا البيان صيانةً لحقها الثابت (٢) وقت البيان، ووقت البيان كان حقّها في الربع، فكان للمعينة ربع الميراث، وثلاثة الأرباع للأخرى (٣). وإن ماتت المعينة، وبقيت صاحبتها، كان الميراث بين صاحبتها المعينة (٤) وبين التي لم تدخل في الطلاق المبهم (٥) نصفين (٦).

стр. 539

رجل قال لامرأتين له، وقد دخل بهما: إحداكما طالق ثلاثًا، ولم يبيّن حتى جاءت إحداهما بولدٍ لأكثرَ من ستة أشهر، ولأقلّ من سنتين من وقت الطلاق، فالطلاق على حاله، يوقِعه على أيّتهما شاء، لأن الولد يحتمل أن يكون من عُلوقٍ قبل الطلاق، فلا يكون بيانًا بالشك (١)، كالمطلقة الرجعية إذا ولدت لأقل من سنتين من وقت الطلاق، لا يكون رجعة. فإن قيل: العُلوق حادث، فيُضاف إلى أقرب الأوقات (٢) إذا كان الوطء مباحًا، وأقرب الأوقات ما بعد الطلاق، فوَجب أن يكون بَيانًا، ويثبت به الرجعة. كمسلم تحته كتابية، فأسلَمت، ثم جاءت بولد (٣) لأكثر من ستة أشهر، ولأقل من سنتين من [وقت] (٤) الإسلام، فنَفَاه، لاعَنَ القاضي بينهما، ويقطع [نسب] (٥) الولد،

стр. 540

وإن احتمل العلوق قبل الإسلام، ولو اعتبرنا هذا الاحتمال، لا يجرى اللعان (١) بينهما، كما لو جاءت بالولد لأقل من ستة أشهر من وقت الإسلام، فإنه لا يجري اللعان بينهما (٢). وكذلك حر تحته أمة أعتقها مولاها، فولَدَت لأكثر من ستة أشهر، ولأقل من سنتين من وقت الإعتاق، فنفاه الزوج، لاعَنَ القاضي بينهما، ويقطع النسب، ولو لم يجعل، كأنّ هذا الولد حصل من علوق بعد الحرية، لَمَا جرى اللعان بينهما، لأن اللعان لا يجري بين المسلم والذمّيّة، والحرّ والأمَة (٣)، لأنه قام مقام حدّ القذف في جانب الزوج، وإحصان

стр. 541

المقذوف (١) شرط لوجوب الحد على القاذف: والجواب عنه أن نقول: لو جعلنا هذا الولد بيانا، يقع الطلاق على الأخرى بالشك. والشك لا يصلح دليلًا، فيكون إيقاعًا بغير دليل، فلا يجعل الولد من علوق بعد الطلاق من غير ضرورة. ألا ترى [أنه] (٢) لو قال لامرأته: إذا حبلتِ فأنت طالق، فولدت لأقل من سنتين من وقت اليمين، لا يقع الطلاق، ولا يحال العلوق إلى أقرب الأوقات. وفيما ذكر من المسألتين لم يجعل الولد من علوق بعد الحرية والإسلام، وإنما جَرَى اللعان بينهما (٣)، لأن سبب اللعان قَذْف الزوجة المحصَنة (٤)، وحين نفى ولدَها هي

стр. 542

مُحصَنة. [ألا ترى] (١) أن نفيَ الولد لَمّا كان نفيًا للعلوق منه، يصير قاذفًا وقتَ العلوف من وجهٍ، فيصير ذلك بمنزلة الشبهة. فإذا تَيَقنّا بعدم الإحصان وقت العلوق، تيقنّا بالشبهة، وإذا وقع الشك في ذلك، كان الثابت شُبهة الشبهة، وشبهة الشبهة لا تعتبر. وإذا لم يكن الولد بيانًا، بقي الطلاق على حاله. فإن نفى الولدَ، سأله القاضي عن النية، فإن قال: عنَيت الإيقاع على التي لم تلد، وقع عليها، ويُلاعِن بينه وبين التي وَلدت، لأنه نفى ولد المنكوحة، فيلاعن بينهما، ويلحق الولد بأمه (٢). وإن قال: عنَيت الوالدة، تعيّنت للطلاق من وقت الإيقاع، وصارت أجنبية وقت النفي، وقذف الأجنبية يوجب الحدّ، فيلزمه الحد، ويبقي الولَد ولدُه، لأن نسب الولد [المولود] (٣) على فراشه لا يقطع إلّا باللعان (٤)، ولم يجرِ اللعان بينهما (٥).

стр. 543

ولو قال: لم أنوِ واحدةً منهما بعينها عند الإيقاع، ولكني أوقِع الطلاق على التي ولدت، لا يلزمه حدّ ولا لعان، والولد ولده (١). أما لا يجرى اللعان بينهما، لأن شرط جَرَيان اللعان (٢) قيام الزوجة، وقد بانَت منه قبل اللعان، ولا يلزَمه الحدّ، لأن هذا القذف انعقد موجبًا للعان (٣)، فلا يتغيّر بعد ذلك، كما لو قذَف المرأةَ، ثم طلّقها ثلاثًا. والولد ولده، لأنه وُلد على فراشه، فلا ينقطع نسبه إلّا باللعان، ولم يوجد (٤) لما قلنا. ولو ولدت لأكثرَ من سنتين من وقت الطلاق، تعيّنت الأخرى للطلاق (٥)، لأن هذا الولد حصل من علوقُ بعد الطلاق، فيكون بيانًا، وتعيّنت التي ولدت منكوحة (٦). فإن نفى الولَدَ، لاعَنَ القاضي بينهما لوجود سببه، وهو قذف المنكوحة، ولا يقطع نسب الولد، لأن حكم الشرع بكَون الولد بيانًا للطلاق حكم بكَون الولدِ منه (٧)، والنسب

стр. 544

متى صار محكومًا به، لا ينقطع باللعان (١). ولو أقرّ الزوج بالولد ثم نفاه، يلاعن بينهما ولا يقطع النسب (٢). وكذا ذكر في المعاقِل (٣): امرأة ولَدت ولدًا، فَانْقَلَب هذا الولد على رضيعٍ، فمات الرضيع، وقضى بالدية على عاقِلة أبيه، ثم نفى الأب نسَبَه، لاعَنَ القاضي بينهما،

стр. 545

ولا يقطع نسب الولد عنه (١)، لأنه لما قضى بالدّية على عاقلة الأب، فقد قضى بكون الولدِ منه، فلا ينقطع نسبه بعد ذلك (٢). وحكي أن عيسى بن أبّان (٣) كتَب إلى محمد - رحمهما الله - حين كان بالرّقَّة (٤)،

стр. 546

يستفرقه بين هاتين المسألتين، وبين مسألتين: إحداهما في الدعوى (١)، والأخرى في "الجامع الصغير". أما التي في الدعوى: امرأة ولدت، وزوجها غائب، ففَطَمَت (٢) ولدَها بعد مدة الرضاع، وطلبت من القاضي أن يفرض النفقةَ لها وللولد، وأقامت البيّنة، ففَرَض القاضي، ثم حضر الزوج، ونفى الولد، لاعَنَ القاضي بينهما، ويقطع النسب، وإن كان النسب محكومًا به حيث فرض له النفقة (٣). وأما التي في "الجامع الصغير": رجل تزوج امرأة، فجاءت بولد لتمام ستة أشهر من وقت النكاح، فإن القاضي يقضي بالنسب والدخول حتى يقضي لها بكمال المهر ونفقة العدة، فلو أنه نفى هذا الولد، فإنه يلاعِن بينهما، ويقطع النسبَ، وإن حكم بكونه منه حيث يقضي بكمال المهر ونفقة العدة (٤).

стр. 547

وكذا المطلقة طلاقًا رجعيًا إذا ولدت لأكثر من سنتين، يكون رجعة، فإن نفاه، لاعَنَ القاضي بينهما، وألحقَ الولدَ أمّه (١). فكتب محمد ﵀ أنه متى حصل القضاء بالنسب ضرورة القضاء بحكم من أحكام النكاح، لا يمنع اللعان، ومتى حصل القضاء بالنسب ضرورة القضاء (٢) بأمر ليس من حقوق النكاح، فإنه يمنع قطع النسب باللعان. ومعنى هذا الكلام أنّ القاضي إذا قضى بحق من (٣) حقوق النكاح، فقد قضى بصحة النكاح وتقرّره. والقضاء بصحة النكاح وتقرره، قضاء بشرط [صحّة] (٤) اللعان، إذِ اللعان لا يجري إلّا في النكاح الصحيح (٥)، والقضاء بشرط اللعان لا يمنع جَرَيان اللعان،

стр. 548

فلا يمنع قطع النسب باللعان. والمهر والنفقة والعدّة من أحكام النكاح، فالقضاء بها لا يمنع قطع النسب باللعان. أما إيقاع الطلاق على الأخرى، ووجوب الدية على العاقلة، ليس من حقوق نكاح الوالدة، بل هو حكم آخر وراء ذلك، فالقضاء به قضاء بالنسب، لأنما هو شرط جَريان اللعان، فجاز أن يمنع قطع النسب باللعان، إلّا أن هذا الفرق لا يصح في مسألة الرجعة. وأشار محمد ﵀ في الكتاب إلى فرق آخر، فقال: إذا قضى القاضي بما يختصّ بالدخول، كان قضاء بالنسب، فلا ينقطع بعد ذلك، وإذا قضى بما لا يختصّ بالدخول، لا يكون قضاء بالنسب، ووجوب المهر والنفقة والعدة حكم لا يختص بالدخول، فالقضاء به لا يكون قضاء بالنسب، فلا يمنع قطع النسب. أما تقرّر ملك المتعة، وتعيّن الأخرى للطلاق في مسألتنا عند عدم البيان صريحًا، حكم يختصّ بالدخول لا يثبت بدونه، فكان القضاء به قضاء بالنسب، فيمنع قطع النسب باللعان، وكذلك الرجعة، لأنها تثبت بالمسّ والقُبلة. أما البيان في الطلاق المبهم، لا يثبت بمقدّمات الدخول، وإنما يثبت بالدخول. وذكر الكرخي (١) ﵀ أن البيان كما يحصل بالوطء، يحصل بالتقبيل.

стр. 549

ولو ولدت إحداهما بعد الطلاق المبهم (١) ولدا لأقل من سنتين بيوم، وولدت الأخرى لأكثر من سنتين بيوم، وقع الطلاق على التي ولدت لأقلّ (٢)، لأن المولود لأكثر من سنتين حصل من علوق بعد الطلاق المبهم بيقين، لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين، فيكون بيانا. أما علوق الأخرى مشكوك فيه، فلا يكون بيانا، وانقضت عدة المطلقة بوضع الحمل، لأنه إذا كان بين الولادتين يومان، والطلاق وقع عليه عند علوق الولد (٣) الثاني، فقد وقع الطلاق عليها وهي حامل، وعدة الحامل تنقضي بوضع الحمل (٤). وإن كان بين الولدين ستة أشهر فصاعدًا، وقع الطلاق على التي ولدت لأقل من سنتين من وقت الطلاق لما قلنا، وعليها أن تعتَدّ بثلاث حيض، لأنه إذا كان بين الولدين ستة أشهر فصاعدًا، فعلوق الولد الثاني محتمل، يحتمل أنه كان قبل ولادة الأولى، فكان انقضاء عدة الأولى بوضع الحمل، ويحتمل أنه كان بعد ولادة الأولى، فكان انقضاء عدتها بالحيض، فيجب عليها الاعتداد بثلاث حيض احتياطًا (٥). بخلاف ما إذا كان بين الولدين أقل من ستة أشهر، لأن علوق الثاني لا يتصور أن يكون بعد ولادة الأولى، فيقع الطلاق عليها وهي حامل، فتنقضي عدّتها بوضع

стр. 550

الحمل (١)، والولدان ولده، لأنهما ولدا على فراشه من حيث الظاهر. فإن قيل: لماذا لا نأخذ بالاحتياط، ونحكم بحرمة التي ولدت لأكثرَ من سنتين أيضًا، لأنه يحتمل أنه وطَءَ التي ولدت لأقل من سنتين أوّلا، فيقع الطلاق على الأخرى. قيل له: الحرمة حكم الطلاق، وقد ذكرنا أن الطلاق لا يقع بالشك، وإذا لم يقع، لا يثبت حكمه بدونه. فإن أقرّ الزوج أنه جامَع التي ولدت لأقل من سنتين أوّلًا بعد الطلاق المبهم، وقع الطلاق على التي ولدت لأكثر من سنتين بإقراره، لأن إقراره بوطء الأولى أوّلا، إقرار بوقوع الطلاق على الأخرى، لكن لا يصدق في صرف الطلاق عن الأولى، فيقع الطلاق عليهما (٢) على التي ولدت لأقل من سنتين بحكم الظاهر، وعلى الأخرى بحكم الإقرار (٣). كمن قال: زينب طالق، وله امرأة معروفة بهذا الاسم، فقال: لي امرأة أخرى بهذا الاسم، وإيّاها عنَيت، طلِّقتا جميعًا، لما قلنا (٤)، كذلك ههنا (٥). ولو ولدت كل واحدة ولدًا لأكثر من سنتين، وبين الولدين يوم، وقع الطلاق على

стр. 551

التي ولدت آخرا (١)، لأنا تيقنّا بعلوق الوالدين بعد الطلاق، لأن الولد لا يبقى في البطن أكثر من سنتين. فالأولى حين ولدت، وقع الطلاق على الأخرى في الحال. فإذا ولدت الأخرى بعد ذلك، لا يبطل ذلك الحكم، ولا يتغير (٢)، لأن ولادة الأولى كان بيانا. ولو بيّن الطلاق في الثانية صريحًا، ثم ولدت الثانية، لا يتغير حكم البيان، كذلك هنا (٣). وهذا لأن علوق الولد الأوّل كان قبل علوق الثاني، لأن الأصل في العلوق أن يحال إلى أقرب الأوقات، وهو ستة أشهر، لأنه متيقّن ولا يحال إلى زمان سابق إلّا لضرورة. وفيما تقدم إنما أحيل إلى زمانٍ سابق، كَيلا يتعيّن الطلاق المبهم بالشك، وهنا تيقنّا بوقوع الطلاق المبهم على إحداهما، فلا يحال العلوق إلى زمان سابق. وإذا أحَلنا علوق الولدين إلى ستة أشهر، كان علوق الولد (٤) الأولى قبل وطء (٥) الأخرى بيوم، فيتعين الأخرى للطلاق، وانقضت عدتها بوضع الحمل، لأنا حكمنا بوقوع

стр. 552

الطلاق عليها عند ولادة الأولى، وحال ولادة الأولى كانت الأخرى حاملًا (١)، فكان انقضاء عدتها بوضع الحمل (٢). ألا ترى أنه لو جامع إحداهما بعد الطلاق المبهم (٣) بأيام بعلم الشهود، ثم جاءت الأخرى بولد لستة أشهر، يقع الطلاق المبهم (٤) على التي ولدت، لأنا تيقنا بما يصلح بيانا للطلاق المبهم في التي ولدت، وهو الوطى، وولادة الأخرى محتمل، يحتمل أنّ علوق الولد كان قبل الطلاق المبهم (٥)، فلا يكن بيانا، ويحتمل أنه كان بعده، فيكون بيانا، فلا يتغيّر ذلك الحكم بالشك. كذلك هنا حين ولدت الأولى ولدًا (٦) لأكثر من سنتين، حكمنا بوقوع الطلاق على الأخرى. فإذا ولدت الثانية، يحتمل أن وطى الثانية كان قبل وطى الأولى، ويحتمل أنه كان بعده، فلا يتغير ذلك الحكم بالشك (٧). ثم سأل على نفسه سؤالًا فقال: إن قال قائل: متى أحَلنا علوق الولد الثاني إلى ستة أشهر، فقد أوقَعنا الطلاق على الثانية قبل وطى الثانية، فإذا وطى الثانية بعد ذلك، وجب

стр. 553

أن يلزمه العُقر (١)، ولا يثبت نسب الولد الثاني. ثم أشار إلى الجواب فقال: الطلاق لا ينزِل بالشك، والمال لا يجِب بالشك (٢)، والنسب لا ينقطع بالشك (٣). أراد بذلك أن علوق الولد الثاني (٤) محتمل، يحتمل أن يكون قبل علوق الولد (٥) الأوّل. فيثبت نسبه منه، ويحتمل أن يكون بعده، والاحتمال يكفي لثبات النسب، فلا ينقطع بالشكّ. وكذا العقر. إن كان علوق الثاني قبل الأوّل، لا يجب، وإن كان بعده يجب، فلا يجب بالشكّ (٦). وإنما لا يقع الطلاق على الأولى، لأن الأولى لما ولدت لأكثر من سنتين، وقع الطلاق على الأخرى، فإذا ولدت الأخرى، يحتمل أن هذا الولد حصل بوطى قبل وطى

стр. 554

الأولى. فيقع الطلاق على الأولى، ويحتمل أنه حصل بوطى بعد وطى الأولى، فلا يقع الطلاق (١) على الأولى، فلا يقع بالشكّ. واستَوضح هذا بمن قال لامرأته: إذا ولدتِ ولدًا فأنت طالق ثلاثًا، فولدت ولدًا، ثم ولدت ولدًا آخر لستة أشهر أو لسنة، يثبت نسب الولد الثاني منه (٢)، ولا يجب العقر. وإنما يثبت النسب. لاحتمال أنه وطئها قبل الولادة. ولم يخلص الماء إلى رحمها (أ) و (ب) لانسداد فمِ الرحم، فلما انفتح فم الرحم للولد الثاني (٣)، وصل الماء إلى رحمها وعلق الثاني. فيثبت النسب احتياطًا. ولا يجب العقر لمكان الاحتمال (٤)، كذلك هنا.

стр. 555

باب ما يستدلّ به على الطلاق وما لا يستدلّ في الباب خمسة ألفاظ: "أمركِ بيدكِ"، "اختاري"، "طلّقي نفسك"، "جعلتُ الأمر بيدك، "جعلت الخيار إليك". وذلك على وجوه: إما إن أفرَد، أو كرّر، أو جمَع، والجمع لا يخلو إما أن يكون بحرف الفاء، أو بحرف الواو، أو بغير حرف. وبني الباب على أصول: منها: أن الأمر باليد، وقوله: "طلّقي نفسك"، يحتمل نية الثلاث، ولا يحتملها قولُه: "اختاري نفسك" (١). وقال زيد بن ثابت (٢) ﵁: إذا خيّرها فاختارت نفسها، يقع الثلاث (٣)،

стр. 556

والصحيح قولنا (١)، لأن القياس يأبى وقوع الطلاق بالاختيار، لأنه لا يدلّ على الطلاق (٢). وإنما عرفنا وقوع الطلاق به بإجماع الصحابة ﵃ (٣)،

стр. 557

والصحابة (١) اتفقوا على وقوع الواحدة، واختلفوا فيما زاد على الواحدة (٢)، فبقيت الزيادة على أصل القياس. ومنها: أن قولها: "اخترت نفسي"، يصلَح جوابًا لقوله: "أمركِ بيدكِ"، ولقوله: "اختاري نفسكِ"، ولا يصلَح جوابًا لقوله: "طلّقي نفسكِ"، لأن قولها: "اخترت" مبهَم، وقوله: "طلّقي نفسكِ" مفسّر، والمبهَم لا يصلح جوابًا للمفسّر (٣) وقولها: "طلَّقت"، يصلح جوابًا للكل. ومنها: أن الأمر لا يصلح تفسيرًا للأمر باليد، وكذا الاختيار للاختيار (٤)، لأن الشيء لا يفسرّ بمثله (٥).

стр. 558

وقوله: "طلّقي نفسك"، يصلح تفسيرًا لقوله: "أمرك بيدكِ"، ويصلح تفسيرًا لقوله: "اختاري"، لأن الطلاق مفسر (١)، فيصلح تفسيرًا للمبهم. وقوله: "اختاري"، يصلح تفسيرًا للأمر (٢)، لأنه أخصّ من الأمر، لأنه تخيير بين اختيار الزوج أو الطلاق. وقوله: "أمرك بيدك"، إخبار عن مالكية مطلَقة، فيتناول الأشياءَ كلها. وإذا لم يصلح الأمر تفسيرًا لغيره، يجعل عِلّة لما بعده، إذا دلّت الدلالة عليه. وكذا إذا تأخّر الأمر، يجعل عِلّة لما قبله، إذا دلّت الدلالة عليه، بأن يجمع بينهما بحرف الفاء. أما إذا جمع بحرف الواو، أو جمع بينهما بغير حرف، كان كلامًا مبتدًا، ويرجع في البيان إليه، إلّا إذا كان في حال مذاكرة الطلاق، فيكون طلاقًا. إذا عرفنا هذا، قال محمد ﵀: رجل قال لامرأته في غير غضب، ولا ذكرِ طلاق (٣): "أمرك بيدكِ"، أو قال: "اختاري"، فقالت: "اخترتُ نفسي"، وقال الزوج (٤): "لم أنوِ به الطلاق"، كان القول قوله مع يمينه، ولا يقع شيء، لأن الأمر باليد

стр. 559

يحتمل الطلاق، ويحتمل شيئًا آخر. وكذا قوله: "اختاري" كما يحتمل الطلاق، يحتمل اختيار سُكنى البيت ونحوه، فلا يكون طلاقًا إلّا بالنية (١)، فإذا أنكر النية، كان القول قوله، ويحلف بالله نفيًا للتهمة، واحتياطًا لأمر الفرج، ألا ترى أن [رُكانة بن عبد يزيد] (٢) ﵁ (٣) لما طلّق امرأتَه

стр. 560

بلفظ "البَتّة"، حلّفه رسول الله ﷺ : "بِاللهِ ما أردتُ به الثلاث" (١)، احتياطًا. وكذا لو كرّر فقال: "أمرك بيدك، أمرك بيدك"، أو قال: "أمرك بيدك، فأمرك بيدك"، أو قال: "أمرك بيدك، وأمرك بيدك"، فقالت: "اخترتُ نفسي"، وقال الزوج: "لم أنوِ به الطلاق"، كان القول قوله، لأن التكرار لا يزيل الإبهام، وكذا لو كرّر الاختيار

стр. 561

على هذا الوجه. وإن نوى الزوج (١) الطلاق، يقع تطليقتان بائنتان، لأن المذكور بحرف الفاء، إذا لم يكن تفسيرًا للأوّل، ولا عِلّة، يكون إيجابًا مبتدأ، وقولها: "اخترت" يصلح جوابًا لهما. ولو قال: "جعلت أمرك بيدك، فأمرك بيدكِ"، ونوى الطلاق فقالت: "اخترتُ نفسِي"، يقع واحدة بائنة، إلّا أن ينويَ الثلاث، لأن الأوّل إثبات، والثاني خبر، فيجعل الثاني خبرًا للأوّل، كأنه قال: "جعلتُ الأمر بيدك، فصار الأمر بيدكِ". وكذا لو قال: "جعلت الخيار بيدك، فاختاري"، وهو نظير ما لو قال لامرأته: "أنت طالق، أنت طالق"، يقع طلاقان. ولو قال: "جعلتك طالقًا فأنت طالق"، يقع واحدة. وإن جمع بين لفظين مختلفين (٢) فقال: "أمرك بيدك، فطلِّقي نفسك"، أو "اختاري

стр. 562

فطلِّقي نفسك"، فقالت: "اخترت نفسي"، يقع واحدة بائنة، ولا يصدّق الزوج (١) في أنه لم يُرِد الطلاق، لأنه جمع بين الأوّل والثاني بحرف الفاء، وإنه للوصل (٢)، ووَصْل التفسير بالمبهم يكون بيانًا للمبهم (٣)، فلا يصدق الزوج، ويكون بائنًا، لأن العامل هو الأمر باليد أو الاختيار، والواقع بالأمر أو الاختيار يكون بائنًا. ويحلف: "بالله ما أردتُ به الثلاث"، لمكان الاحتمال، ولا يحلف في لفظ الاختيار، لأنه لا يحتمل نية الثلاث (٤). وكذا لو قال: "أمرك بيدك"، ثم قال على الفور مفصولًا أو موصولًا: "ما يحبسك أن تطلِّقي نفسك، لِم لا تطلِّقي نفسك! "، فقالت: "اخترت نفسي"، تقع واحدة بائنة، لأن هذا عتاب، والعتاب إنما يتوجّه على ترك المملوك والمقدور، فصار كأنه قال: "ملَّكتك الطلاق، لِم لا تطلِّقي نفسك! " فيقع واحدة بائنة، ويحلف في الأمر باليد: "بالله ما أردت

стр. 563

به الثلاث"، لما قلنا. ولو قال لها: "أمرك بيدك"، وسكت، أو قال: "اختاري" (١)، وسكت، (٢) ثم قال على الفور: "طلِّقي نفسك، ما يحبسك أن تطلِّقي نفسك، لم لا تطلِّقي نفسك"، فقالت: "اخترت نفسي"، وقال الزوج: "ما أردت الطلاقَ بالمبهم"، كان القول قوله، ولا يقع شيء، لأن الأوّل مبهم. وقوله: "طلّقي نفسك"، ما صار تفسيرًا لانعدام حرف الفاء، فبقي كلامًا مبتدأ، والثاني وإن كان مفسرًا إلّا أن قولها: "اخترت"، لا يصلح جوابًا للمفسر، فلا يقع شيء، حتى لو قالت: "طلَّقت نفسي"، كان جوابًا للمفسّر، وتقع واحدة رجعيّة. ولو قال: "أمرك بيدك، فطلِّقي نفسك ثلاثًا للسنة"، أو "ثلاثًا إذا جاء غد"، فقالت في المجلس: "اخترت نفسي"، طلِّقت ثلاثًا للحال. ولو قامت عن مجلسِها قبل أن تقول شيئًا بطل (٣)، لأن قوله: "فطلِّقي نفسك

стр. 564

ثلاثًا"، خرج تفسيرًا للأمر، والأمر باليد يحتمل الثلاث، أمّا لا يحتمل التعليق، ولا الإضافة إلى وقت السنة، لأن الأمر باليد يقتضى المالكية (١)، والأمر باليد على هذا الوجه لا يفيد البَينُونة في الحال، فلا تثبت المالكية. ولهذا لو قال لها: "أمرك بيدك"، ونوى السنّة أو التعليق، لا يصح، فإذا ألحَقَه بما كان تفسيرًا، ثبت ما يحتمله، وهو الثلاث، ولا يثبت ما لا يحتمله، وهو السنة والتعليق. ولو قال: "أمرك بيدك"، ثم قال على الفور: "ما يحبسك أن تطلِّقي نفسك ثلاثًا"، فقالت: "اخترت نفسي"، طلِّقت ثلاثًا لما قلنا إنّ هذا عتاب، وهو إنما يتوجه على ترك المملوك، فدلّ ذلك على إرادته الثلاث. وفي هذا كله إذا قال: "لم أعنِ بالأمر الطلاق"، دُيّن فيما بينه وبين الله تعالى، لأن قوله: "ما يحبسك"، يحتمل الاستهزاء. وقوله: "طلّقي نفسك"، يحتمل الابتداء بأن يجعل الفاء مكان الواو (٢)، لأن حروف الصّلات يقام بعضها مقام البعض، إلّا أنه خلاف

стр. 565

الظاهر، فيدَيّن فيما بينه وبين الله تعالى، لا في القضاء (١)، كما لو قال: "أنت طالق"، وقال: "عنَيت به الطلاق عن الوثاق". ولو قال لها: "أمرك بيدك"، ينوي ثلاثًا للسنة، أو ثلاثًا إذا جاء غد، فقالت: "اخترت نفسي"، طلِّقت ثلاثًا للحال، لأن الأمر باليد يحتمل نية (٢) الثلاث، ولا يحتمل السنة والتعليق، فيصح من النية ما يحتمله، ولا يصح ما لا يحتمله. والاختيار يصلح جوابًا له، فيقع الثلاث للحال. ولو قال لها في غير غضب، ولا ذكرِ طلاق: "أمرك بيدك طلِّقي نفسك"، أو قال: "وطلِّقي نفسك"، فقالت: "اخترت نفسي"، وقال الزوج: "لم أنو (٣) بالأمر الطلاق"، كان مصدِّقا، ويحلف، لأن قوله: "طلِّقي نفسك"، لم يصر تفسيرًا للأوّل لانعدام حرف الفاء، فبقي مبهمًا، والثاني مفسرًا، إلّا أن قولها: "اخترت" لا يصلح جوابًا له، وكذا لو قال: "اختاري وطلِّقي نفسك". ولو (٤) قال لها: "أمركِ بيدكِ، اختاري اختاري، فطلِّقي نفسك"، فقالت: "اخترت نفسي"، بانت بواحدة بالخيار الثاني، لأن الأوّل مبهم، والثاني منقطع عن الأوّل، وهو عَين الأوّل، فلا يصلح تفسيرًا له. والخيار الثاني منقطع عن الخيار الأوّل،
следующие страницы →