الكلام الثاني؛ لأنه جمع بين حُرّ وعبد، فكان كلامه خبرًا، فلا يجعل إيجابًا.
ولا يقال: إنما جعل خبرا إذا ذكر المال الأول.
قلنا: يحتمل أنه أراد به الخبر بحَطّ بعض الألف، فلا يجعل إيجابا بالشك، وإذا بقي الكلام الأول، فمادام حيا يرجع في البيان إليه؛ لأنه هو المبهم.
وإذا مات قبل البيان شاع العتق فيهما، فيعتق من كل واحد منهما نصفه، لأن كل واحد منهما يعتق في حال، ويرق في حال، فيعتق من كل واحد منهما نصفه، وإذا تنَصّف العتق بينهما تنصّف المال؛ لأنه بيع.
ولو قال: "أحدكما حر على ألف، أحدكما حُرّ على مائة دينار"، فقالا: "قد قبلنا"، فالخيار إلى المولى، إن شاء أوقع العتق على أحدهما بالمالَين، وإن شاء أوقع عليهما بالمالين؛ لأن الإيجابين قد صَحّا.
أما الكلام (١) الأول، فظاهر، وكذا الكلام (٢) الثاني؛ لأنه وجِد قبل القبول، والعتق ببدل لا ينزل قبل القبول، فكانا عبدين عند الكلام الثاني، وإذا صَحّا، فإذا قبلا انصرف قبولهما إلى الكلامين؛ لأن القبول الواحد يصلَح قبولا لإيجابات كثيرة.
ألا ترى أن من قال لآخر: "بعت منك هذا العبد بألف درهم، وأجرت منك هذه الدار بكذا، وزوجتك أمَتي هذه بكذا"، فقال: "قبلت"، كان جوابا للكلّ.
وكذا لو قال لامرأته: "أنت طالق ثلاثا بألف، أنت طالق ثلاثا بمائة دينار"، فقالت:
стр. 597
"قبلت"، يقع الطلاق الثلاث بالمالين.
وكذا لو قال لها: "أمرك بيدك بألف، أمرك بيدك بغير شيئ"، فقالت: "اخترت نفسي"، يقع طلاقان، ويلزمها الألف.
وكذا لو قال: "اختاري اختاري اختاري"، فقالت: "اخترت الأولى أو الوسطى أو الأخيرة"، عند أبي حنيفة يقع الثلاث (١).
وإنما يخيّر المولى لاحتمال أنه أراد بالكلام الثاني عَين الذي أراده بالكلام الأول، فيعتق ذلك الواحد بالمالين؛ لأن التعليق لا يمنع التعليق، كما لو خاطبه، وقال: أنت حُرّ على ألف درهم، أنت حُرّ على مائة دينار، فقال: قبلت، يعتق بالمالين.
ويحتمل أنه أراد بالكلام الثاني غير الذي أراد بالكلام الأول، فيعتقان بالمالين، فكان محتملا، والتخيير مفيد، إلا أنه إن أوقع العتق على أحدهما بالمالين، يتّحد ولكن لا يصل المال إليه سريعًا.
ولو أوقع عليهما يتعَدّد العتق، لكن يصل المال إليه سريعا، فكان التخيير مفيدًا.
стр. 598
فرق بين هذه المسألة وبين ما لو قال لغيره: بعت عبدي منك (١) بألف درهم، ثم قال قَبل القبول: بعت عبدي منك بمائة دينار، فقال قبلت (٢)، فإنه يلزمه المال الثاني ولا يلزمه المالان (٣)، والفرق أن البائع بالكلام الثاني قصد إقامة الثمن الثاني مقام الأول، فصار راجعًا ثمن الكلام الأول، فإنه يملك الرجوع قبل قبول المشتري، فبطل الكلام الأول.
أما في الطلاق والعتاق: الزوج والمولى لا يملكان الرجوع قبل قبول المرأة والعبد؛ لأن كلاهما بمنزلة اليمين في حقهما، واليمين لازم، ولهذا لا يبطل الكلام بقيامهما عن المجلس، وإذا بقي الكلام الأول كان الحكم ما قلنا.
وعن أبي يوسف ﵀: أن في الطلاق والعتاق يبطل الكلام الأول أيضًا، وينصرف القبول إلى الكلام (٤) الثاني كما في البيع؛ لأن المولى والزوج لا يملكان الرجوع عن الطلاق والعتاق، وهنا لا يرجعان عن الطلاق والعتاق، وإنما يرجعان عن البدل، ويقيمان البدل الثاني مقام الأول، وهما يملكان إبطال البدل، ألا ترى أنه لو قال لها: "أنت طالق ثلاثا بألف، أنت طالق ثلاثا بغير شيئ"، يقع بغير شيئ، ويبطل البدل.
أو نقول: إن كانا لا يملكان الرجوع عن البدل فالمرأة والعبد يملكان الردّ، وقد وجد الرد؛ لأن قبولهما ينصرف إلى الكلام الثاني من حيث الظاهر، فكان ردًا للكلام الأول.
стр. 599
والصحيح ما ذكر في ظاهر الرواية؛ لأنهما كما لا يملكان الرجوع عن التعليق، لا يملكان التغيير؛ لأنه إبطال من وجه، وفي إقامة الشرط الثاني مقام الأول إبطال موجَب الكلام الأول؛ لأن موجب الكلام الأول نزول العتق عند قبول الألف، ولو صحّ إقامة الثاني مقام الأول لا ينزل العتق عند قبول الألف.
وما قال: بأن قبول المرأة والعبد عقيب الكلام الثاني ردّ للكلام الأول قلنا: إنما ينصرف القبول إلى الكلام الثاني إذا بطل الكلام الأول قبل القبول، ولم يبطل لما ذكرنا، فانصرف القبول إلى الكل.
ولو قال لعبدين له: أحدكما حُرّ بألف، أحدكما حُرّ بمائة دينار، فقبلا، ومات المولى قبل البيان، شاع العتق فيهما، وعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه، ووجب المالان، على كل واحد منهما نصف المالين، ويسعي كل واحد منهما في ربع قيمته.
لأنه إن أراد بالإيجاب الأول والثاني واحدا، عتق الواحد بالمالين، وإن أراد بالكلام الثاني غير الذي أراده بالأول (١)، عتقا جميعا (٢) بالمالين، فتيقنّا بعتق رقبة، وبقي عتق الآخر مترددًا بين الثبوت والسقوط، فيتنصف، فيعتق رقبة ونصف بينهما، لكل واحد منها (٣) ثلاثة أرباعه، وعلى كل واحد منهما نصف المالين؛ لأن الإيجاب الثاني إن تناول الأول وجب المالان على واحد، وإن تناول الآخر وجب المالان عليهما، فتيقنّا بوجوب المالين
стр. 600
عليهما، وليس أحدهما بإيجاب أحد المالين أولى من الآخر، فيجب على كل واحد منهما نصف المالين.
ولو قال لمعيّن منهما: أنت حُرّ على ألف، أحدكما حُرّ على مائة دينار، فقبلا، ومات المولى قبل البيان، عتق المعيّن بألف درهم وخمسين دينارًا، وعتق نصف الآخر بخمسين دينارا، ويسعى في نصف قيمته.
أما المعيّن: فلأنا تيقنّا بعتقه؛ لأنه دخل في الكلام الأول، واتصل به القبول، وإنما يلزمه المال الأول ونصف المال الثاني لأنا تيقنّا بوجوب الألف عليه، والدنانير تلزمه في حال إن كان هو المراد بالكلام الثاني، ولا تلزمه إن كان المراد بالكلام الثاني غيره، فيلزمه نصفها.
أما الآخر: يعتق نصفه؛ لأنه إن أراده بالكلام الثاني يعتق، وإن أراد المعيّن لا يعتق الثاني، فالثاني يعتق في حال دون حال، فيعتق نصفه بنصف المال الثاني، ويسعى في نصف قيمته. فإن أشكل العبد المعروف، وهو (١) المعين، ثبت عتق ونصف بينهما، يعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه بنصف المالين، لما قلنا في المسألة الأولى.
ولو قال لعبديه في صحته: أحدكما حُرّ بألف درهم، والآخر بخمسمائة، فقبلا، عتقا، ويجب على كل واحد منهما خمسمائة، ولا خيار للمولى، أما عتق العبدين (٢) لأن الإيجاب الثاني تناول غير الأول، وقد اتصل القبول بالإيجابين، فعتقا، وعلى كل واحد
стр. 601
منهما خمسمائة؛ لأن على أحدهما ألف، وعلى الآخر خمسمائة، فتيقنّا بوجوب الخمسمائة على كل واحد منهما، وشككنا في الزيادة، فلا تثبت الزيادة بالشكّ.
كرجلين قالا لرجل: "لك على أحدنا ألف، وعلى الآخر خمس مائة"، كان على كل واحد منهما خمسمائة، ولا خيار للمولى؛ لأنهما خرجا عن ملكه، فإنما يملك البيان في العتق المبهم لتمييز المملوك عن الحر، فلا يملك بعد عتقهما.
ولو قال: "أحدكما حُرّ على ألف، والآخر بغير شيئ"، فقبلا، عتقا بغير شيئ، أما العتق: لأن الإيجاب الثاني تناول غير الأول، ولا يجب المال؛ لأن مَن عليه المال مجهول، فلا يجب المال على كل واحد منهما (١) بالشك والاحتمال (٢)، كرجلين قالا لرجل: "لك على أحدنا ألف"، لا يقضي بشيئ لجهالة مَن عليه.
فرق بين هذه المسألة وبين ما تقدم، إذا قال: "أحدكما حُرّ بألف، أحدكما حُرّ بمائة دينار"، فقبلا، كان له الخيار؛ لأن ثمّة لم يتيقن بنزول العتق فيهما، فيثبت الخيار لتمييز المملوك عن غير المملوك، وإذا ثبت الخيار في العتق، ثبت في المال تَبعا.
أما هنا: نزل العتق فيهما، فلو ثبت الخيار في المال، يثبت أصلا، والمال لا يقبل التعليق بالخطر، فلا يقبل التعليق بالبيان.
ولو قال: "أحدكما حُرّ بألف، والآخر بألفين"، فهو على وجهين: إما إن قبلا، أو قبل أحدهما، فإن قبلا، عتقا لما قلنا، وعلى كل واحد منهما ألف لما قلنا.
стр. 602
وإن قبل أحدهما، فهو وجوه ثلاثة: إما إن قال: "قبلت العتق بألف"، أو قال: "قبلت بألفين"، أو قال: "قبلتُ" ولم يزد عليه.
ففي الوجه الأول لا يعتق؛ لأن للمولى أن يقول: "ما عَنَيتك بألف"، فلا يعتق، كما لو قال: "أحدكما حُرّ بألف"، فقبل أحدهما لا يعتق، كذلك هنا.
ولو قال: "قبلت العتق بألفين" (١) عتق، لأنا تيقنا بقبول ما تعلق العتق به، سواء تعلق بألف أو بألفين؛ لأن في قبول الألفين قبولا للألف وزيادة، ولا يلزمه الألف؛ لأن في وجوب الزيادة شكًا.
قيل: هذا قولهما، أما على قول أبي حنيفة يجب أن لا يعتق؛ لأن الألف غير الألفين، فقبول الألفين لا يكون قبولا للألف، وجعلوها فرعا لمسألة الشهادة.
ولو قال: "قبلت"، ولم يزد عليه (٢) عتق أيضًا؛ لأن القبول المطلق يصلح قبولا لهما، وعليه الألف؛ لأن في الزيادة شكا، فلا يجب، كما لو قال لعبده: "أنت حُرّ على ألف أو ألفين"، فقال: قبلت (٣)، عتق، وعليه ألف.
وكذا لو قال لامرأته: "أنت طالق على ألف أو ألفين"، فقبلت، يقع الطلاق ويلزمها الألف. وكذا لو قال لغيره: "لك عليّ ألف أو ألفان"، لزمه الأقل.
стр. 603
ولو قال: "أحدكما حُرّ بمائة دينار والآخر بألف درهم"، فقال أحدهما: "قبلت بألف درهم"، أو قال: "قبلت بمائة دينار"، لم يعتق، لأن للمولى أن يقول: "ما أردت إياك بهذا المال، وإنما أردتُك بالمال الآخر".
ولو قال أحدهما: "قبلت بالمالين"، أو قال: قبلتُ، وسكت، عتق، لأن القبول المطلق ينصرف إلى المالين، فبأيّ الإيجابين أريد فقد قبل، ويعطي العبد أيّ المالين شاء، لأن الواجب أحد المالين (١)، والجنس مختلف، فكان الخيار لمن عليه، لأنه هو الملتزِم، كرجل قال لآخر: "لك عليّ ألف درهم أو مائة دينار"، كان البيان إليه.
ولو قال: "أحدكما حُرّ بألف درهم، والآخر بغير شيئ"، فقال أحدهما: "قبلت بألف"، عتق، لأنه إن أراده بالإيجاب بغير بدل، لا يتوقف على القبول، وإن أراده بالإيجاب بمال، فقد قبل، فتيقنا بالحُرّية، فيعتق الذي قبل.
ويقال للمولى: أوقع العتق بغير بدل على أي العبدين (٢) شئتَ، لأن الأمر متردّد بين أن يعتق أحدهما أو كلاهما، لأنه إن أوقع العتق بغير بدل على القابل، لا يعتق الآخر لعدم القبول.
وإن أوقع العتق بغير بدل على الذي لم يقبل، عتق القابل أيضًا بالإيجاب ببدل، فإذا وقع الشكّ في عتق الثاني، يرجع في البيان إليه.
فإن أوقع العتق بغير بدل على الذي قبل، عتق هو بغير شيئ، ويبقى الآخر عبدا،
стр. 604
وإن أوقعه بغير بدل على الذي لم يقبل، عتق هو بغير شيئ، وعتق القابل بألف لوجود القبول.
ولو مات المولى قبل البيان، وكانت المقالة في الصحة، عتق من الذي لم يقبل نصفُه بغير شيئ، ويسعى في نصف قيمته، لأنه يعتق في حال دون حال، فيعتق نصفه، وعتق الآخر كله بخمسمائة، لأنه حُرّ على كل حال، ويلزمه خمسمائة، لأن عليه الألف في حال دون حال، فيلزمه نصف الأول (١).
فإن قيل: هذا إيجاب المال بالشكّ، لأنه إن أريد بالإيجاب بغير شيئ، لا شيئ عليه، وإن أريد بالكلام الآخر، عليه ألف، فلا يجب المال بالشك.
قلنا: ليس كذلك، لأن الإيجابين قد صحا، وتناول كلّ واحد منهما عبدا، واستحقّ كل واحد منهما عتق رقبة، فإذا وقع اليأس عن البيان بموت المولي، شاع العتقان فيهما، أحدهما ببدل، والآخر بغير شيئ، فصار العتق بغير بدل بينهما، فيعتق من كل واحد منهما نصفه بغير شيئ، والعتق بمال أيضًا بينهما، وقد قبل أحدهما، فيثبت له حُرية النصف بنصف الألف، وبطل في حق الآخر لعدم القبول، فلا يعتق منه إلا النصف بغير شيئ.
ولو قال: "أحدكما حُر بألف والآخر بمائة دينار"، فقبلا، عتقا ولا شيئ عليهما، لأنه علّق عتقهما بالقبول، وقد وجد.
وأما عدم وجوب المال جواب ظاهر الرواية.
стр. 605
وعن أبي يوسف ﵀ أنه يجب المال، والخيار إلى العبدين، يعطي أيّ المالين شاء، وجعل هذا نظير ما لو قال لعبده: "أنت حُرّ على ألف درهم أو مائة دينار"، فقبل عتق، وكان الخيار للعبد، يعطيه أيّ المالين شاء.
ووجه التسوية: لأن المولي ما رضي بزوال الملك مجانًا، وإذا بطل خيار المولى لنزول العتق فيهما، كان الخيار للعبدين، كما في تلك المسألة، وكما لو قال لعبدين له: "أحدكما حُرّ بألف درهم والآخر بمائة دينار"، فقبل أحدهما، عتق، وتعيين المال إليه، كذلك هنا.
وجه ظاهر الرواية: أنه لا وجه لثبوت الخيار للعبدين، لأنه ربما يختار كلُ واحد منهما ألف درهم، فيأخذ المولى منهما ألفّي درهم أو مائتي دينار، وذلك باطل.
بخلاف تلك المسألة، لأن ثمّة أيهما اختار، كان المولى أخذ عَين حقه، فأثبتنا الخيار ثمّة، ولم نُثبته ههنا.
وكذا لو كان مكان الدنانير كرّ حنطة، عتقا ولا خيار للعبدين، لأنه ربما يختار كل واحد منهما (١) الحنطة، فيصير المولى آخذا كري حنطة، فيكون آخذا غير حقه.
وكذا لو قال لامرأتيه: "إحداكما طالق على ألف درهم والأخرى على مائة دينار"، فقبلَتَا، بانت كل واحدة منهما بتطليق (٢)، ولا شيئ على واحدة منهما، وإنما كان الطلاق بائنًا، لأنا تيقنّا بوجوب الدراهم على إحداهما، والدنانير على الأخرى، إلَّا أنه تعذّر
стр. 606
الاستيفاء بحكم الجهالة، فلا تبطل صفة البَينونة، كما لو تعذر الاستيفاء بإفلاس المرأة.
وكذا لو قال: "إحداكما طالق علي كر حنطة وسط، والأخرى على كر شعير وسط"، فقبِلتا، بانت كل واحدة منهما بتطليقة، ولا شيئ عليهما، ولا يكون الخيار (١) للمرأتين.
ولو قال لامرأة واحدة: "أنت طالق على ألف درهم أو مائة دينار"، فقبلت، وقع عليها (٢) الطلاق، والخيار لها، تعطي أيّ المالين شاءت.
واستوضح هذا بما لو قال لرجل: "لك عليّ مائة درهم أو عشرة دنانير"، فادّعى المقرّ له المالَين، جميعا (٣) يحلف المقرِّ على دعوى المقرّ له، ثم يعطيه أيّ المالين شاء.
ولو أن رجلين قالا لرجل: "لك على أحدنا ألف (٤)، وعلى الآخر مائة دينار"، فادّعى الدنانير على أحدهما الألف (٥) على الآخر، لا يجب على واحد منهما شيئ، ولا خيار لهما، كذلك ههنا.
ولو قال المولى: "أحدكما حُرّ بغير شيئ، أحدكما حُرّ بألف"، فقبِلا، جميعا (٦)
стр. 607
عتق أحدهما بغير شيئ، وخيار التعيين إليه، لأنه لمّا قال: "أحدكما حُرّ بغير شيئ"، عتق أحدهما، لأن الإعتاق بغير بدل لا يتوقّف على القبول، فبقي الكلام الثاني خبرا، وإذا جعل خبرا، صار كأنه (١) لم يتكلم إلا بالأول، فيكون الخيار إليه.
فإن قيل: كيف يجعل الكلام الثاني خبرا، والخبر يقتضي سبق المخبر به، والسابق إعتاق بغير بدل؟
قلنا: هذا الكلام خبر صيغة (٢)، فلو جعل إنشاءً وتعليقا للحُرّية بقبول الألف، لا يبقى خبرا أصلا، فكان جعله مخبرا عن الحُرّية مخطئا في الجهة أولى.
ولو قال: "أحدكما حُرّ بألف"، فقبِلا ثم قال: "أحدكما حُرّ بغير شيئ"، فالكلام الثاني باطل لما قلنا: إنه خبر، ويقال للمولى: أوقع العتق بألف على أيهما شئت، لأن أحدهما مملوك، فيملك التعيين، فإذا عيّنه يلزمه الألف لوجود القبول.
ولو قال: "أحدكما حُرّ بألف، أحدكما حُرّ بغير شيئ"، فقالا: قد قبلنا (٣)، عتقا بغير شيئ، لأن العتق لم ينزل بالكلام الأول قبل القبول، فصحّ الكلام الثاني كما صح الكلام (٤) الأول، والأول يوجب العتق بألف، والثاني يوجب بغير ألف (٥)، فإذا عتق
стр. 608
أحدهما بالكلام الثاني تعيّن الآخر للتعليق، فإذا قبلا جميعا (١). فقد قبل من تعلّق العتق الأول بقبوله، فعتق ضرورة.
كرجل قال لعبدين له (٢): "أحدكما حُرّ غدا"، ثم أعتق أحدهما الساعة، ثم جاء غد، عتقا.
وكرجل قال لعبدين له: "أحدكما حُرّ، إن شاء أحدكما حُرّ"، ثم شاءا جميعا العتق الأول، عتقا جميعا (٣) لما قلنا، كذلك هنا، ولا شيئ عليهما لجهالة من عليه، ولا خيار للمولي لزوال الملك عنهما.
стр. 609
باب العبيد الذين يعتق المولى بعضهم ثم يعيد العتق على من يعتق أو على غيره
بني الباب على أصول تقدم ذكرها في الباب الأول، وعلى أن كلمة "أو" إذا دخلت بين إيجابين، كان الثابت أحدهما، لأنها (١) وضعت لتناول الواحد من الجملة (٢)، ولهذا
стр. 610
تناولت أحدَ الأشياء الثلاثة في الكفارة (١).
في الباب فصلان: أحدهما في إعادة الكلام، والثاني في اختيار المبهم.
أما الأول:
قال محمد ﵀: رجل له أربعة أعبد: سالم، وبزيغ، وفرقد، ومبارك، قيمتهم على السّواء، فقال في صحته: سالم وبزيغ حُرّان، أو بزيغ وفرقد حُرّان، أو فرقد ومبارك حُرّان، يقال له: بيّن، لأنه تكلّم بثلاث كلمات، كلّ كلام يفيد غيرَ ما أفاده الآخر، وقد أدخل كلمة "أو" بين الكل، فكان الثابت أحدها، والإبهام جاء من جهته، فيرجع إليه في البيان.
فإذا اختار الكلام الأول عتق سالم وبزيغ، وإن اختار الكلام (٢) الثاني، عتق بزيغ وفرقد، وإن اختار الكلام (٣) الثالث، عتق فرقد ومبارك، ولو لم ينص على اختيار الكلام، ولكن قال: عَنيتُ سالما، عتق سالم وبزيغ معه، لأن سالما لم يدخل إلا في الكلام الأول، فكان تعيينه بمنزلة اختيار الكلام الأول، فيعتق من تناوله الكلام الأول.
وكذا لو قال: عنَيت مباركا، عتق فرقد معه، لأنه اختار الكلام الثالث، لأن مباركا
стр. 611
لم يدخل إلا في الإيجاب (١) الثالث، فيعتق معه من كان داخلا فيه.
وإن قال: عنيت بزيغا يرجع في البيان إليه ثانيا. وكذا لو قال: عنيت فرقدا، لأن بزيغا دخل في الإيجاب الأول والثاني، فلا يرتفع الإبهام بتعيينه. وكذلك فرقد دخل في الإيجاب الثاني والثالث، فيرجع في البيان إليه حتى يُبيّن أنه أعتقه بالكلام الثاني أو الثالث.
وإن مات قبل البيان، عتق ثلث سالم، لأنه يعتق في حال إن كان المراد هو الكلام الأول، وإن كان المراد هو الكلام الثاني أو الثالث لا يعتق، فيعتق في حال، ويرق في حالين.
وأحوال الرق أحوال، فيعتق ثلثه، ويعتق ثلث مبارك، لأنه إن أراد الكلام الثالث يعتق، ولا يعتق إن أراد الكلام الأول أو الثاني، فيعتق ثلثه، ويعتق ثلثا بزيغ، لأنه إن أراد الكلام الأول أو الثاني يعتق، وإن أراد الكلام الثالث لا يعتق، فهو يعتق في حالين، ويرق في حال. وأحوال الإصابة أحوال في رواية هذا الكتاب.
وقيل: هو قول محمد ﵀، فيعتق ثلثاه، ويعتق ثلثا فرقد، لأنه يعتق بالكلام الثاني والثالث، ولا يعتق بالكلام الأول، فيعتق ثلثاه.
ووجه آخر: أنا تيقنّا بعتق عبدين، لأن أحد الإيجابات ثابته (٢) بيقين، فيعتق رقبتان، وقد أصاب سالم ثلث عتق، ومبارك كذلك، فيبقى رقبة وثلث رقبة بين الباقيَين،
стр. 612
فيعتق من كل واحد منهما ثلثاه.
وإن كان القول في المرض، فإن خرجوا من ثلث ماله أو أجازت الورثة فكذلك، وإن لم يكن له مال سواهم، ولم يجيزوا، عتقوا من الثلث، لأن الإعتاق في مرض الموت وصيّة، والوصايا إنما تُنفذ من الثلث، فيقسّم الثلث بينهم.
وتفسير ذلك أن يضرب كل واحد منهم بحقه في الثلث، فسالم يضرب في الثلث بثلث عتق، ومبارك كذلك، وبزيغ وفرقد يضرب كل واحد منهما في الثلث بثلثي رقبة، فبلَغ سهام العتق ستة، وسهام الوصايا متى بلغت مبلغا، يجعل ثلث المال ذلك المبلغ، لأنها (١) تنفذ من الثلث.
وإذا جعلنا ثُلثَ المال ستة كان كل المال ثمانية عشر، والمال أربع رقاب، فتصير كل رقبة أربعة ونصفا انكسر الحساب (٢)، فتضعفه، فيصير ستة وثلاثين، كل رقبة تسعة، وصار سهم (٣) الوصايا ضعف ما كان قبل التضعيف، وقبل التضعيف كان حق سالم في سهم. وكذا حق مبارك، فصار حق كل واحد منهما في سهمين، وصار حق كل واحد من الآخرين في أربعة، فسالم يعتق منه سهمان، ويسعى في سبعة، وكذا مبارك، ويعتق من كل واحد من الباقيَين أربعة، ويسعى في خمسة، فبلغ سهام العتق اثني عشر، وسهام السعاية أربعة وعشرين، فيستقيم الثلث والثلثان.
стр. 613
ولو كان العبيد ثلاثة: سالم، وبزيغ، ومبارك، فقال في صحته: سالم حُرّ أو بزيغ حُرّ، أو مبارك وبزيغ حُرّان، خيّر المولى لما قلنا، فإن اختار الكلام الأول، عتق سالم، وإن اختار الكلام الثاني، عتق بزيغ، وإن اختار الكلام الثالث، عتق مبارك وبزيغ، وإن عيّن العبيد فقال عنيت بزيغا، يقال له: بيّن بأي الكلامين عنيته، لأنه داخل في الكلامين، فإن بيّنَ [عِتقه] (١) بالكلام الثاني، عتق وحده، وإن بين عتقه بالكلام الثالث، عتق مبارك معه.
وإن مات قبل البيان، عتق ثلث سالم وثلث مبارك، لأن كل واحد منهما لم يدخل إلا في إحدى الإيجابات الثلاثة، فكل واحد منهما يعتق في حال، ويرق في حالين، فيعتق ثلثه، ويعتق من بزيغ ثلثاه، لأنه يعتق في حالين إن أراد الكلام الثاني أو الثالث، ولا يعتق في حال إن اختار الكلام الأول فيعتق ثلثاه.
أو نقول: في حالين يعتق رقبة واحدة، وفي حال يعتق رقبتان، فيثبت عتق، وثلث [عتق] (٢) بينهم، وسالم استحق ثلث العتق، ومبارك كذلك، بقي ثلثا عتق لبزيغ لفضل حاله.
وإن كان القول في المرض، وخرجوا من الثلث، أو أجازت الورثة فكذلك، وإن لم يخرجوا من الثلث، ولم تجز الورثة، قسّم الثلث بينهم على قدر حقوقهم وسهامهم، أربعة سهم لسالم، وسهم لمبارك، وسهمان لبزيغ، فبلغ أربعة، فجعلنا ثلث المال أربعة، فصار
стр. 614
كل عبد على أربعة، عتق من سالم سهم، ويسعى في ثلاثه، ومن مبارك كذلك، وعتق من بزيغ سهمان، ويسعى في سهمين، فبلغ سهام العتق أربعة، وسهام السعاية ثمانية، فاستقام الحساب.
ولو قال لعبدين له: سالم حُرّ أو بزيغ حُرّ أو هما جميعا حُرّان، صحت الإيجابات، ويخيّر المولى لما قلنا، فإن اختار الكلام الأول عتق سالم، وإن اختار الكلام الثاني عتق بزيغ، وإن اختار الكلام الثالث عتقا، وإن مات قبل البيان عتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه.
وعلى قياس ما تقدم وجب (١) أن يعتق من كل واحد منهما ثلثاه لوجهين: أحدهما: أن سالما يعتق في حالين إن أراد الكلام الأول أو الثالث، ولا يعتق في حالة واحدة إن أراد الكلام الثاني، وكذلك بزيغ يعتق إن أراد الكلام الثاني أو الثالث، ولا يعتق إن أراد الكلام الأول.
وعلى رواية هذا الكتاب أحوال العتق أحوال، فيعتق من كل واحد منهما ثلثاه، ولأن عتق رقبة ثابت بيقين، والآخر يعتق في حال إن أراد الكلام الثالث، ولا يعتق في حالين إن أراد الكلام الأول أو الثاني، فيعتق ثلثاه، فصار عتق رقبة وثلث بينهما، فيعتق من كل واحد منهما ثلثاه.
وجه جواب الكتاب أنه لم يدخل معهما غيرهما، وما خصَّ أحدهما بإعادة الكلام، بل سَوّى بينهما في الإفراد والجمع، وفي مثله يعتبر الحاصل، كما لو قال: سالم حُرّ أو
стр. 615
بزيغ حُرّ، وكرّر ذلك غيرَ مرّة فإنه لا يعتبر، وإنما يعتبر الحاصل، ويجعل كأنه قال: أحدكما حُرّ، كذلك هنا.
قوله: "سالم حُرّ أو بزيغ حُرّ" في الحاصل لا يفيد إلا حُرّية واحدة، فصار كأنه قال: أحدكما حُرّ، أو أنتما حُرّان، ولو صرّح بذلك يعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه، لأن أحدهما حُرّ بيقين، والآخر يعتق في حال دون حال، فيعتق نصفه، فصار عتق ونصف بينهما، فيعتق من كل واحد منها ثلاثة أرباعه.
ولو كان ذلك في المرض، ولم يخرج من الثلث، ولم تجز الورثة، كان الثلث بينهما نصفين.
ولو قال لثلاثة أعبد: سالم حُرّ، أو بزيغ حُرّ، أو سالم وبزيغ ومبارك أحرار، يخير لما قلنا، وإن مات قبل البيان، عتق ثلثا سالم وثلثا بزيغ وثلث مبارك؛ لأنه أدخل معهما في الجمع غيرهما، فيعتبر فيه إعادة الكلام، فسالم يعتق في حالين إن أراد الكلام الأول أو الثالث، ولا يعتق في حال إن أراد الكلام الثاني. وكذلك بزيغ يعتق إن أراد الكلام الثاني أو الثالث، ولا يعتق إن أراد الكلام الأول، فبعتق من كل واحد ثلثاه، ومبارك يعتق في حالة واحدة إن أراد الكلام الثالث، ولا يعتق في حالين إن أراد الكلام الأول أو الثاني، فيعتق ثلثه.
ولو قال لثلاثة أعبد: أنت يا فلان حُرّ أو أنت يا فلان حُرّ، أو أنت يا فلان حُرّ أو كلكم أحرار، فهو في الاستحسان كأنه قال: أحدكم حُرّ أو كلكم أحرار، يعتق من كل واحد ثلثه، لأنه سوّى بينهم في الإفراد والجمع، فصار كأنه قال: أحدكم حُرّ أو كلكم
стр. 616
أحرار، ولو قال هكذا يعتق من كل واحد ثلثاه، لأن الثابت أحد الإيجابين، فعتق الواحد ثابت بيقين، وعتق الباقين ثابت في حال دون حال، فينتصف، ويثبت نصفه، فصار العتقان بين الثلاثة، فيعتق من كل واحد منهم ثلثاه.
وأما الفصل الثاني:
رجل له ثلاثة أعبد، فقال: أنت يا فلان حُرّ، أو أنت يا فلان، أو أنت يا فلان، ثم جمع بين اثنين منهم وقال: أحدكما عبد، فإنه يؤمر بالبيان مادام حيا، لأن الثابت عِتق أحدهم غير عين، وبقوله للمجموعين: "أحدكما عبد" لا يتعين المعتق، فيؤمر بالبيان، وإن مات قبل البيان عتق نصف المفرد، ومن كل واحد من المجموعين ربعه.
وقال في "الجامع الكبير": يبطل الكلام الآخر، ويعتق من كل واحد ثلثه.
وقيل: ذلك قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله.
ووجهه: أن أحد المجموعين عبد، قال ذلك أو لم يقل، لأن ما مضى من الكلام لا يوجب إلا عتق رقبة، فكان أحد المجموعين عبدا، وكان كلامه خبرا، فيجعل وجوده كعدمه، كما لو جمع بين حُرّ وعبد وقال: أحدكما حُرّ.
وجه رواية هذا الكتاب: أن حمل الكلام على الإفادة واجب ما أمكن (١)، وهنا
стр. 617
أمكن حمل كلامه على الفائدة، وعلى ما هو مستحق عليه، وهو البيان بأن يجعل هذا إخراجا لأحد المجموعين عن منازعة المفرد في العتق، فقبل هذا الكلام كان العتق بين الثلاثة.
وبعد هذا الكلام يبقى العتق بين المفرد وبين أحد المجموعين، فيكون للمفرد نصفه، والنصف بين المجموعين، فيحمل عليه ليكون آتيا بالبيان وإن كان ناقصًا، ألا ترى أنه لو قال للمجموعين: اخترتُ أن يكون أحدكما عبدا، كان هذا إخراجا له من العتق، وكذا لو قال: اخترت أن يكون العتق الذي أوقعته على هذا المفرد أو أحد هذين، كان هذا على الاتفاق مثل رواية هذا الكتاب في الفصل الأول.
ووجه الفرق على رواية الجامع بين هذا ومسألة الكتاب: أن قوله: "اخترت" إنشاء لا يحتمل الخبر، وإذا لم يكن خبرا كان إخراجا لأحدهما عن المنازعة.
وكذا لو جمع بين اثنين منهما وقال: أحدكما مدبّر، كان صحيحا باتفاق الروايات (١)، ويؤمر ببيان العتق والتدبير مادام حيا، لأن قوله: "أحدكما مدبّر" لا يصلح خبرا، فكان إنشاءً، وإن مات قبل البيان عتق نصف المفرد، وربع كل واحد من المجموعين بالعتق الباتّ، ونصفه بالتدبير، إلا أن ما يعتق بحكم التدبير يعتق من الثلث، لأن التدبير وصية.
وإنما كان كذلك لأن بالكلام الثاني خرج أحد المجموعين عن مزاحمة المفرد في
стр. 618
العتق الباتّ، فبقي العتق البات بين المفرد وأحد المجموعين، فيعتق نصف المفرد، وبقي نصف العتق بين المجموعين، فيعتق من كل واحد منهما ربُعه لعدم الأولويّة، و [تدبير الرقبة أيضًا بينهما، لأنه صح إنشاء]، (١) فيعتق من كل واحد منهما نصفه بحكم التدبير.
ولو قال لأحدهم بعينه: "أنت يا فلان عبد"، بقي العتق بين الآخرين نصفين إن مات قبل البيان، لأن العتق كان بينهم، فإذا قال لأحدهم: "أنت يا فلان عبد" فقد أخرجه عن المنازعة، فبقي العتق بين الأخرين.
ولو قال لاثنين منهم: "اخترت أن يكون أحدكما عبدا"، لا يقع عليه من عتقي (٢) الذي أوقعته شيئ، ثم يجمع بين أحد هذين وبين المفرد، وقال لهما مثل هذه المقالة، فإنه يؤمر بالبيان مادام حيا، فإن مات قبل البيان، عتق من المجموعين في الكلام الآخر من كل واحد منهما ربعه، ومن المفرد نصفه، لأنه أتى بكلامين متضادين، لأن حكم الكلام الأول أن يكون للمفرد الأول نصفه، [ولكل واحد] (٣) من المجموعين في الأول ربعه، وحكم الكلام الثاني أن يكون للمفرد الآخر نصفه، والنصف بين المجموعين في الكلام الآخر، ومن أتى بكلامين متضادين يجعل آخرهما ناسخا للأول إذا كان الأول مما يحتمل الإبطال.
ألا ترى أن من باع عبدا بألف، ثم جدّد البيع بألف وخمسمائة أو بمائة دينار، يبطل البيع الأول، وبعد الكلام الأول كان هو بسبيل من إبطال حكمه، فإنه لو قال بعد الكلام
стр. 619
الأول لأحد المجموعين: "إيّاه عنيت بالعتق عتق الذي عينه"، ويبطل حق المفرد الأول، فإذا تكلم بالكلام الثاني بطل حكم الأول، وكان الحكم للثاني.
ولو قال لأربعة أعبدٍ قيمتهم على السواء: "أحدكم حُرّ"، ثم قال لسالم وبزيغ: اخترت أن يكون أحدكما عبدا، ثم قال لبزيغ وفَرَقد: "اخترت أن يكون أحدكما عبدا"، ثم قال لفرقد ومبارك: "اخترت أن يكون أحدكما عبدا"، ثم مات قبل البيان، قال: يعتق ثلث سالم وثلث بزيغ، وسدس فرقد وسدس مبارك، لأن حكم الكلام الأول أن يكون العتق بين أحد المجموعين في الكلام الأول، وهما سالم وبزيغ، وبين فرقد ومبارك. وحكم الكلام الثاني العتق بين أحد المجموعين في الكلام الثاني، وبين الباقيين، وحكم الكلام الثالث غيره.
وقد ذكرنا أن المعتبر هو الكلام الثاني (١)، ويجعل كأنّ الأول والثاني لم يكن، ولو لم يكن الكلام الأول والثاني، وتكلم بالثالث، ومات، كان العتق بين أحد المجموعين وبين المفردين أثلاثا، لكل واحد من المفردين ثلث العتق، والثلث لأحد المجموعين، ثم ما أصاب أحد المجموعين يكن بين المجموعين لعدم الأولوية، فيعتق من كل واحد منهما سدسه فكذا إذا تكلم بالكلام الأول ثم تكلم بالثاني ثم بالثالث، وبطل الأول والثاني بالثالث.
رجل قال لثلاثة أعبد: "أنت يا فلان حُرّ"، أو "أحدكما" للباقيين، أو "أحدكم" جميعًا، فإنه يؤمر بالبيان، لأنه خَيّر نفسه بين إيجابات ثلاثة، كل كلام يفيد غير ما أفاده
стр. 620
الآخر، فيرجع في البيان إليه، فإن مات قبل البيان عتق من المفرد أربعة اتساعه، ويسعى في خمسة اتساعه، ويعتق من كل واحد من الآخرين تسعان ونصف، ويسعى كل واحد في ستة اتساع ونصف تسع، لأن الثابت بهذه الكلمات ليس إلا عتق رقبة واحدة، وكل كلام يثبت في حال دون حالين، فيثبت ثلث ما يقتضيه كل كلام.
فالثلث الذي يثبت بالكلام الأول للمفرد خاصة والثلث الذي يثبت بالكلام الثاني بين الباقيين، والثلث الذي يثبت بالكلام الثالث بينهم أثلاثا، فيحتاج إلى حساب، له ثلث، ولثلثه ثلث، أقل ذلك تسعة فجعلنا كل رقبة تسعة، عتق من المفرد بالكلام الأول ثلثه، وهو ثلاثة، وبالكلام الثالث ثلث الثلث، وذلك سهم، فصار له أربعة، فيعتق منه أربعة اتساعه، ويسعى في خمسة اتساعه، وعتق من الباقيين من كل واحد منهما سهم ونصف بالكلام الثاني، وسهم بالكلام الثالث، فيعتق من كل واحد منهما سهمان ونصف، وهو تسعان ونصف، ويسعى فيما بقي.
ولو قال: "أنت يا فلان حُرّ"، ثم جمع بينه وبين أحد الباقيين بعينه، وقال: "أو أحدكما حُرّ"، ثم قال: "أو أحدكم حُرّ"، ثم مات قبل البيان، عتق من المفرد خمسة اتساع ونصف تسع، ومن الثاني تسعان ونصف، ومن الثالث تسع واحد، لأن الثابت بكل كلام ثلث العتق (١) لما قلنا، فالثلث الذي يثبت بالكلام الأول للمفرد خاصة، والثلث الذي يثبت بالكلام الثاني بين المفرد والمضموم إليه نصفين، والثلث الذي يثبت بالكلام الثالث بينهم أثلاثا.
стр. 621
فالمفرد أصاب مرة ثلاثة، ومرة سهما ونصفا، ومرة سهما واحدا، فحصل له خمسة ونصف، وهو خمسة اتساع ونصف تسع، والثاني أصاب مرة سهما ونصفا، ومرة سهما واحدا، فكان له تسعان ونصف، والثالث أصاب سهما واحدا.
ولو قال: أحدكم حُرّ، أو أنت يا فلان، أو أنت يا فلان، عتق من المفردين من كل واحد منهما أربعة اتساعه، ومن الثالث تسع واحد، لأن الثابت بكل كلام ثلث العتق، فالثلث الذي ثبت بالأول، بينهم أثلاثا، لكل واحد سهم، والثلث الذي ثبت بالكلام الثاني، للذي خاطبه بالكلام الثاني، والثلث الذي ثبت بالكلام الثالث، للذي خاطبه بالثالث، فكان لكل واحد من المفردين أربعة، وللثالث سهم.
стр. 622
باب من العتق، والتدبير ما يقع منه وما لا يقع لأنه صادق فيه
بني الباب على أن ما دار بين الخبر والإنشاء لا يجعل إنشاءً، وأن كلمة "أو" إذا دخلت بين إيجابين يراد بها الواحد.
وفي الباب فصلان: أحدهما: ثلاثة أعبد فيهم مدبّر (١) معروف، والثاني: ليس فيهم مدبّر معروف.
أما الفصل الأول: (٢).
قال محمد ﵀: رجل له ثلاثة أعبد قيمتهم على السواء، لا مال له غيرهم، وأحدهم مدبّر، فقال في صحته: أحدكم حُرّ أو مدبّر، فهذا الكلام باطل، لا يقع به شيئ.
стр. 623
وكذا لو قال: "أحدكما مدبّر أو حُرّ"؛ لأن المعمول به أحد الكلامين قضية لكلمة "أو"، وقد صار أحد الكلامين معمولا به خبرا، وهو قوله: "أو مدبّر"، لأنه صادق فيه، فبطل الآخر، لأنه لما صار قوله: "أحدكم مدبّر" خبرا، صار لغوًا، بقي "أحدكم حُرّ" وقد أخرجه على التمثيل والتردد، فلا يجعل إيجابا بالشك، إذ حكم بأنه لا يثبت بالشكّ.
ولو قال: "اثنان منكم مدبّران"، فإن كان له مال، يخرج الرقبتان من ثلثه، عتق المدبر المعروف ونصف كل واحد من العبدين، ويسعى العبدان فيما بقي منهما، وإن لم يكن له مال سواهم، عتق أحد العبدين والمدبّر المعروف من ثلثه، لأن هذا الكلام خبر في المدبّر المعروف، إنشاء في حق أحد العبدين، كأنه قال للعبدين: "أحدكما مدبّر".
فإن كان له مال يخرج الرقبتان من الثلث، عتق المدبّر المعروف، ونصف كل واحد من العبدين، ويسعى العبدان فيما بقي منهما، وإن لم يكن له مال سواهم، ومات قبل البيان، صار الثلث بينهما نصفين، نصف للمدبّر المعروف ونصف لهما، فيعتق من المدبّر المعروف نصفه، ويسعى في نصفه، ويعتق من كل واحد من العبدين ربعه، ويسعى في ثلثة أرباعه، فيجعل كل عبد أربعة، يعتق من المدبّر المعروف سهمان، ويسعى في سهمين، وعتق من كل واحد من العبدين سهم، ويسعى في ثلاثة، فبلغ سهام العتق أربعة، وسهام السعاية ثمانية، فاستقام الثلث والثلثان.
ولو قال: "اثنان منكم حُرّان، أو مدبّران"، ومات قبل البيان، وكانت المقالة في الصحة، عتق من كل واحد منهم ثلثه بالعتق الباتّ من جميع المال، ويعتق ثلثا المدبر ونصف الرقبة من الباقيين بحكم التدبير من الثلث، لأن قوله: "اثنان منكم حُرّان" إنشاء في حق الكل، وقضيّته عتق رقبتين لو كان هو المراد، فإن كان متميلا بنصف قضيته، فيثبت
стр. 624
به عتق رقبة بين الكل، فيعتق من كل واحد ثلثه.
وقوله: "أو مدبّران" خبر في حق المدبّر المعروف، إنشاء في حق العبدين، وقضيته تدبير رقبة بين العبدين لو كان هو المراد، فإذا كان متميلا بنصف قضيته، فيثبت به نصف التدبير بين العبدين، لكل واحد منهما ربعه إلا أن ما يعتق بحكم التدبير يعتبر من الثلث، فإن كان له مال، يخرجون من الثلث، أو أجازت الورثة عتق ما بقي من المدبّر المعروف وهو ثلثه، وربع كل واحد من العبدين بحكم التدبير، ويسعيان فيما بقي منهما.
وذلك خمسة أسهم من اثني عشر سهما من كل واحد منهما، لأن ثلث كل واحد منهما عتق بالعتق البات، وربع بالتدبير، وذلك سبعة من اثني عشر، فكان الباقي من رقبة كل واحد منهما خمسة من اثني عشر، فيسعى في ذلك.
وإن لم يخرجوا من الثلث، قسم الثلث بينهم على قدر حقوقهم، وماله عند الموت رقبتان، لأن ثلث كل واحد منهما عتق بالعتق البات، بقي ماله رقبتان، وثلث الرقبتين ثلثا رقبة واحد، اجعل ذلك بينهم على قدر حقوقهم، حق المدبّر المعروف في ثلثي رقبة، وذلك سهمان، لأن ثلثه عتق بالعتق البات، وبقي ثلثاه مدبرا، وحق العبدين في نصف الرقبة، لأن حقهما في تدبير النصف، فجعلنا كل رقبة على ستة لحاجتنا إلى النصف والثلث.
فالمدبّر المعروف يضرب بأربعة، والعبدان بثلاثة، فبلغ سهام الوصية سبعة، فيجعل ثلث المال سبعة وثلث ماله ثلثا رقبة، وإذا صار ثلثا رقبة واحد على سبعة، كانت الرقبة الكاملة عشرة ونصفا ضعفنا، فصارت الرقبة على أحد وعشرين.
وقيل: التضعيف كان حق المدبّر في أربعة، فبعد التضعيف صار في ثمانية، وكان
стр. 625
حق العبدين قبل التضعيف في ثلاثة، فصار في ستة، عتق من كل واحد ثلثه بالعتق البات وهو سبعة، ويعتق من المدبّر بالتدبير ثمانية، فيعتق خمسة عشر سهما من أحد وعشرين سهما من رقبة، ويسعى في ستة أسهم (١)، وعتق من كل واحد من العبدين بحكم التدبير ثلاثة أسهم، لأن قبل التضعيف كان حقهما جميعا في ثلاثة، فصار حق كل واحد منهما بعد التضعيف في ثلاثة، فيعتق من كل واحد منهما عشرة أسهم، ويسعى في أحد عشر، وأحد عشر من أحد وعشرين يكون ثلاثة أسباعه وثلثي سبعه كل سبع ثلاثة، فحصلت السعاية منهم في ثمانية وعشرين، ونفذ العتق بحكم الوصية في أربعة عشر، فاستقام الثلث والثلثان.
وإن كان القول في المرض، عتق من المدبّر المعروف ستة أسهم من ثلاثة عشر، ويسعى في سبعة، وعنق من كل واحد من العبدين ثلاثة أسهم ونصف من ثلاثة عشر، ويسعى فيما بقي.
ووجهه أن الإعتاق في مرض المرت وصية كالتدبير، والوصايا تعتبر من الثلث، يضرب كل واحد منهم بوصيّته في الثلث، وحق المدبر في عتق الرقبة، وحق العبدين في رقبة وسدس، لأن الثابت أحد الكلامين على ما قلنا.
فإن كان الثابت هو العتق البات يثبت به عتق رقبتين، فإذا تردد ثبت به عتق رقبة، إلا أن حق المدبّر لا يزداد بهذا الكلام؛ لأنه موصي له بجميع الرقبة، فيعتق من كل واحد من العبدين ثلثه.
стр. 626
وإن كان الثابت هو التدبير، ثبت به تدبير رقبة للعبدين لما قلنا، فإذا تردد ثبت به تدبير النصف من العبدين، فصار لهما ثلثا العتق ونصف التدبير، وذلك رقبة وسدس، فجعلنا كل رقبة ستة، يضرب المدبّر المعروف بجميع الرقبة ستة، والعبدان بتسعة، فبلغ سهام الوصايا ثلاثة عشر، جعلنا ذلك ثلث المال، والثلثان ستة وعشرون، فصار كل رقبة ثلاثة عشر، يعتق من المدبّر ستة، ويسعى في سبعة، ويعتق من كل واحد من العبدين ثلاثة ونصف، ويسعى في تسعة ونصف، فصار سهام السعاية ستة وعشرين، وسهام العتق ثلاثة عشر، فاستقام الحساب.
وإن مات بعض هؤلاء العبيد، فالمسألة على وجهين: إما إن مات في حياة المولى أو بعد موته، وكل ذلك على وجهين: إما إن كان في الصحة، أو في المرض.
فإن كان القول في الصحة، فإن مات المدبر في حياة المولي، عتق [من الثلث] (١) من كل واحد من العبدين نصفه بالعتق البات من جميع المال، وربعه بحكم التدبير، لأنه لما مات المدبّر والعتق البات كان بينهم، فإذا زالت مزاحَمة المدبر يبقى بين العبدين، فيعتق من كل واحد منهما نصفه بالعتق البات، وربعه بالتدبير من الثلث، لأن نصف التدبير كان بين العبدين، فيبقى كذلك.
فإن كان له مال آخر يخرجان من الثلث، يعتق من كل واحد منهما ربعه بالتدبير، ونصفه بالعتق الباتّ، ويسعى في ربعه، وإن لم يكن له مال آخر سواهم، ولم تجز الورثة، يعتق من كل واحد منهما سدسه بحكم التدبير، ويسعى في ثلثه، لأن أحدهما عتق بالعتق
стр. 627
البات، بقي ماله عند الموت رقبة واحدة، فكان ثلث منه ثلث رقبة، فيكون ذلك بينهما، فيعتق من كل واحد منهما سدسه بحكم التدبير، ونصفه بحكم العتق البات، ويسعى في ثلثه.
وإن كان القول في المرض، فالعتق (١) والتدبير كلاهما يعتبر من الثلث، وقد وجب للعبدين رقبة بالعتق البات، ونصف رقبة بالتدبير، فذلك رقبة ونصف بينهما، يعتق من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه، ويسعى في ربعه، إن كان ذلك يخرج من ثلث ماله أو أجازت الورثة، وإن لم يكن له مال آخر، ولم تجز الورثة، كان ماله رقبتين عند الموت، فثلثه وهو ثلثا رقبة واحدة يكون بينهما، يعتق من كل واحد منهما ثلثه، ويسعى في ثلثيه.
وإن مات أحد العبدين دون المدبّر، وكان القول في الصحة، عتق من الباقيين من كل واحد منهما نصفه بالعتق البات من جميع المال، والباقي من الثلث، لأنه لما مات أحد العبدين بقي العتق البات بينهما، فيعتق من كل واحد منهما نصفه، وما بقي من المدبّر يستحق العتق بحكم التدبير، وما بقي من العبد كذلك، لأن تدبير النصف كان بين العبدين، وبموت أحدهما يصرف إلى الباقي، فصار النصف الباقي منه مدبّرا أيضًا، فيكون الثلث بينها إن كان للمولى مال آخر، وإن لم يكن كان ثلث الرقبة بينهما، فيعتق من كل واحد منهما في الحاصل ثلثا، ويسعى في ثلثه.
وإن مات المولى، ثم مات أحدهم، فإن كان القول في الصحة، ومات المدبّر،
стр. 628
نقول: لما مات المدبّر، صار مستوفيا وصيته، وَتَوَى (١) ما عليه من السعاية، وكان ماله في الأصل ثلاث وستين، كل رقبة أحد وعشرون على ما قلنا، عتق ثلث كل واحد منهم بالعتق البات سبعة من أحد وعشرين، يبقى ماله عند الموت اثنين وأربعين، قسّمنا ثلثه، وهو أربعة عشر بينهم على قدر حقوقهم، للمدبّر ثمانية، ولكل واحد من العبدين ثلاثة، وللورثة ثمانية وعشرون.
فإذا مات المدبّر صار مستوفيا وصيته، وهو ثمانية، وتوي ما عليه من السعاية، بقي حق الورثة، وهو ثمانية وعشرون، وحق العبدين، وذلك ستة، فنقسّم ما بقي من المال وهو ثلثا العبدين على قدر حقوقهم، حق العبدين في ستة، وحق الورثة في ثمانية وعشرين، فصار ذلك أربعة وثلاثين، وصار ثلثا كل رقبة سبعة عشر، يعتق من كل واحد منهما ثلاثة، ويسعى في أربعة عشر، فبلغ سهام السعاية ثمانية وعشرين، وللعبدين بحكم التدبير ستة، واستوفي المدبّر حقه ثمانية، فاستقام الثلث والثلثان.
ولو مات أحد العبدين والمسألة بحالها، ولم يمت المدبّر، كان حق المدبّر في ثمانية، وحق العبد الباقي في ثلاثة، وحق الورثة في ثمانية وعشرين، وذلك تسعة وثلاثون، ثلثا كل رقبة تسعة عشر ونصف، سلم للمدبر ثمانية، ويسعى في أحد عشر ونصف، ويسلم للعبد ثلاثة، ويسعى في ستة عشر ونصف، وقد استوفى الميت ثلثة، فاستقام الثلث والثلثان.
ومحمد ﵀ خرج المسائل على نصف ما خرجنا، لأن الحساب كان في
стр. 629
الأصل عشرة ونصفا، وضَعَّفنا فصار أحد وعشرين، وبَنَينا على ذلك، ولم يضعّفها محمد ﵀.
ولو مات العبدان، وبقي المدبّر، كان حق العبدين في ستة، فإذا ماتا سلّم ذلك لهما، بقي حق المدبّر في ثمانية، وحق الورثة في ثمانية وعشرين، فيصير ستة وثلاثين، وقد بقي من ماله ثلث المدبّر، فيجعل ثلثاه على ستة وثلاثين، فسلّم له من ذلك ثمانية، ويسعى في ثمانية وعشرين.
هذا إذا كان القول في الصحة، فإن كان القول في المرض ومات المدبّر، فنقول: لو لم يمت أحدهم بعد موت المولى، وكان القول في المرض ذكرنا أن حق المدبّر يكون في ستة، وحق العبدين بالتدبير، والعنق في رقبة وسدس، وحق الورثة في ستة وعشرين، فإذا مات المدبّر صار مستوفيا حقه، بقي حق العبدين وذلك سبعة، وحق الورثة وهو ستة وعشرون، فيصير ثلاثة وثلاثين، فاجعَل ما بقي من المال ثلاثة وثلاثين، والباقي رقبتان، فصار كل رقبة من العبدين ستة وعشر ونصفا، يسلم لكل واحد منهما ثلاثة ونصف، يسعى في ثلاثة عشر، وسلّم للمدبّر ستة، فبلغ سهام السعاية ستة وعشرين، وسهام الوصية ثلاثة عشر، فاستقام.
ولو مات أحد العبدين، يضرب المدبّر بستة، والعبد الباقي بثلاثة ونصف، والورثة ستة وعشرين، فيصير خمسة وثلاثين ونصفا، فيصير كل رقبة سبعة عشر وثلاثة أرباع انكسر بالربع، فنُضَعّفه، فيصير أحدا وسبعين ثلثا، كل رقبة خمسة وثلاثون ونصف، يسلم للعبد الباقي سبعة، ويسعى في ثمانية وعشرين ونصف، ويسلم للمدبّر اثنا عشر، ويسعى في ثلاثة وعشرين ونصف، فحصل للورثة اثنان وخمسون، وسلم للمدبّر اثني
стр. 630
عشر، وللعبد الباقي سبعة،، وقد استوفى الميت سبعة، فيكون ستة وعشرين، فاستقام الثلث والثلثان.
ولو مات العبدان وبقي المدبّر، فحق المدبّر في ستة، وحق الورثة في ستة وعشرين، فذلك اثنان وثلاثون، سلم للمدبّر ستة، يسعى في ستة وعشرين، وسلم للعبدين سبعة، فاستقام الثلث والثلثان.
ولو مات المدبّر واحد العبدين، فحق الباقي في ثلاثة ونصف، وحق الورثة في ستة وعشرين، فذلك تسعة وعشرون ونصف، سلم للعبد ثلاثة ونصف، ويسعى في ستة وعشرين، وقد استوفي المدبّر ستة، والعبد الميت ثلاثة ونصف (١)، فذلك ثلاثة عشر، فاستقام الحساب.
ولو قال لهم في صحته: أنتم أحرار، أو مدبّرون، ومات قبل البيان، فنقول: قوله: "أو مدبّرون" إخبار في المدبّر، وإيجاب في حق العبدين، فصار كأنه قال: أنتم أحرار، أو هذان مدبّران، فإذا مات قبل البيان، ثبت نصف ما يقتضيه كل كلام، فيعتق بالعتق البات رقبة ونصف، من كل واحد منهم نصفه، وتدبير الرقبة بين العبدين، فصار الباقي من العبدين مدبّرا، والباقي من المدبّر مدبّر كما كان، فكان الثلث بينهم.
فإن خرجوا من الثلث، أو أجازت الورثة عتقوا، وإن لم يكن له مال غيرهم، ولم تجز الورثة، كان الثلث بينهم، وماله رقبة ونصف، فثلثه وهو نصف رقبة يكون بينهم، لكل واحد سدس الرقبة، وقد عتق من كل واحد منهم نصفه بالعتق البات، فيعتق من كل واحد
стр. 631
منهم ثلثاه، يسعى في ثلثهم.
فإن كان القول في المرض كان العتق والتدبير معتبرا من الثلث، فيقسم الثلث بينهم بالسوية، لأن كل واحد من العبدين موصي له بجميع رقبته، نصفه بالعتق، ونصفه بالتدبير، والمدبر موصي له بجميع رقبته، ولا يزاد حقه على رقبته، فكان بينهم بالسوية.
ثم سأل محمد ﵀ في الكتاب على نفسه سؤالًا، فقال: ينبغي أن لا يعتق من المدبّر المعروف شيئ بالعتق البات، لأن قوله: "أنتم أحرار" عام، فصار كأنه قال لكل واحد منهم: "أنت حُرّ أو مدبّر"، ولو قال للمدبر: "أنت حُرّ أو مدبّر"، لا يكون له حظّ من الحُرِّية، لكونه صادقا في أحدهما.
والجواب أن في تلك المسألة إنما بطل الكلام في المدبّر، لأن كلامه في حق المدبّر تردّد بين أن يكون إيجابا وبين أن يكون (١) خبرا، فصار كأنه قال: أنت حُرّ أو غير حُرّ، فلا يصير إيجابا بالشك، أما هنا جمع بين إنشائين صحيحين، لأن إيجاب الحُرية إنشاء في حق الكل، وكذا التدبير إنشاء في حق العبدين، فصار كأنه قال: أنتم أحرار، أو هذان مدبران، ولو نص على هذا كان الجواب ما قلنا.
ولو قال: أنتم أحرار، أو أحدكم مدبّر، كان باطلا، لأن إحدى (٢) شطري الكلام صدق وخبر، فيبطل الآخر، كأنه قال: أنتم أحرار أو غير أحرار.
ولو قال: كل واحد منكم حُرّ أو مدبّر، فهذا الكلام لغو في حق المدبّر، لأن هذا
стр. 632
الكلام تناول كل واحد على سبيل الانفراد، كأنه قال لكل واحد منهم: أنت حُرّ أو أنت مدبّر، ولو نصّ عليه لا يصح في حق المدبّر، كذلك هنا، وهو صحيح في حق العبدين، فكل واحد منهما حُرّ في حال، مدبّر في حال، فيعتق من كل واحد منهما نصفه بالعتق البات من جميع المال إن كان القول في الصحة، ويعتق النصف الباقي بالتدبير من الثلث.
وإن لم يكن له مال آخر، كان ماله رقبتين عند الموت، وثلثه ثلثا رقبة بينهم، للمدبّر المعروف من ذلك ثلث رقبة، وللعبدين ثلث رقبة بينهما، لكل واحد منهما سدس رقبة، ففي الحاصل يسلم للمدبر ثلث رقبة، ويسعى في ثلثيه، ويسلّم لكل واحد من العبدين ثلثا رقبة، ويسعى في ثلثه.
وإن كان القول في المرض، ولا مال له سواهم، كان العتق والتدبير وصية، فصار كل واحد موصي له بجميع الرقبة.
ولو قال: كل واحد منكم حُرّ أو أنتم مدبرون، فهو بمنزلة قوله: أنتم أحرار أو مدبرون، لأنه أفرد كل واحد منه بالتحرير، وجمعهم في التدبير، وبطل التدبير في حق المدبّر، ولم يبطل التحرير، لأنه ضم إليه إيجابا صحيحا، فصار في حق المدبّر كأنه قال: أنت حُرّ، وهذان العبدان مدبران. ولو نص على ذلك صح الإيجاب في حق كل واحد منهم، المدبّر وغيره في ذلك سواء، كذلك هنا (١).
ولو قال: أنتم أحرار، وهذا مدبّر -للمدبّر المعروف- وهذا وهذا، فإنهم جميعا مدبرون، وبطل التحرير، لأنه لو اقتصر على قوله: "أنتم أحرار وهذا مدبّر" -للمدبّر
стр. 633
المعروف- كان خبرا، ولا يكون إيجابا، فإذا قال بعد ذلك، "وهذا وهذا" ولم يذكر لهما خبرا، كان الخبر المتقدّم خبرا لهما، كأنه قال: "وهذا مدبّر وهذا مدبّر". ولو نصّ على هذا (١) صار العبدان مدبّرين، كذلك هنا (٢).
وكما لو جمع بين عبدين وحُرّ، وقال للحُرّ: هذا حُرّ وهذا وهذا، عتق العبدان، ويصير خبر "الحر" خبرا لهما. كذلك هنا.
ولو قال: "أنتم أحرار وهذا مدبّر -للمدبر المعروف- وهذا" -لأحد العبدين- يبطل التحرير، والمعطوف على المدبّر مدبّر، والآخر عبد لما قلنا.
رجل له ثلثة أعبد ليس فيهم مدبّر معروف، فقال في صحته: "أنتم أحرار وهذا مدبّر وهذا وهذا"، ومات قبل البيان، كانوا جميعا مدبّرين، يعتقون من الثلث، لأنه خيّر نفسه في صدر الكلام بين إعتاقهم وتدبير أحدهم، فإذا قال: "وهذا وهذا" فقد عطفهما على التدبير لاتصاله به، دون التحرير، ولم يذكر لهما خبرا، فصار خبر الأول خبرًا لهما على القطع، وإن كان مترددًا في الأول، لإدخال كلمة الشك (٣) على الأول دون الثاني والثالث، فيصير الثاني والثالث مدبّرا.
هذا كمن قال لنسائه: "هذه طالق أو هذه وهذه"، تطلق الثالثة، ويخيّر في الأوليين.
стр. 634
وإذا صار الثاني والثالث مدبّرا صار الأول مدبّرا؛ لأن جعل الثاني والثالث مدبّرا دليل على أنه لم يرد إيجاب العتق، لأنه تدبير الحر لا يكون، وإذا انتفي الإعتاق، تعيّن التدبير ضرورةً، فصار الأول مدبّرا.
ولو قال: "أنتم أحرار، أو هذا وهذا، وهذا مدبّرون فهو وما لو قال: "أنتم أحرار أو مدبرون سواء، لأنه جمعهم في التدبير، فكان الشكّ داخلا بين إعتاقهم وتدبيرهم، كأنه قال: "أنتم أحرار أو مدبّرون" فكل كلام يصح في حالٍ دون حال، فيثبت نصف ما يقتضيه كل كلام: عتق، ونصف، وتدبير رقبة، ونصف بينهم.
وإن كان القول في الصحة، عتق من كل واحد منهم نصفه بالعتق البات من جميع المال، والباقي من الثلث إن خرج الباقي من الثلث، وإن لم يخرج كان له ثلث ماله، وهو نصف رقبة بينهم بالسوية، يعتق من كل واحد منهم ثلثاه، نصفه بالعتق البات، والسدس بالتدبير، ويسعى في ثلثه وإن كان القول في المرض، عتقوا من الثلث، لما عرف.
فإن المشار إليهما بالتدبير مدبّران، والآخر عبد، لأن قوله: "وهذا" عطف على التدبير، والمعطوف صار مدبّرا، فصار المعطوف عليه مدبّرا لما قلنا: إن جعل الثاني مدبّرًا دليلٌ على اختياره التدبير بالكلام الأول، فبطل التحرير ضرورةً.
ولو لم يقل هكذا، ولكنه قال: "أنتم أحرار أو هذا، وهذا مدبّران"، واختلفت ألفاظ الرواية في هذه المسألة، ذكر في بعض النسخ هكذا، وفي بعضها "أنتم أحرار أو هذا مدبّران"، وذكر في بعضها "أنتم أحرار وهذا، وهذان مدبّران".
فالرواية الأولى والثانية سواء، لأن الجمع في الخبر في اتحاد الكلام، بمنزلة الجمع
стр. 635
في المبتدأ والخبر، وكل كلام يثبت في حال دون حال، فيثبت نصف ما يقتضيه كل كلام.
فيثبت بالكلام الأول عتق رقبة ونصف بينهم، لكل واحد منهم نصف عتق، ويثبت بالكلام الثاني تدبير رقبة واحدة بين اللذين عَيّنهما للتدبير، فيعتق من كل واحد منهما نصفه الباقي بحكم التدبير إن خرج من الثلث، وإلا فثلث ماله بينهما، وثلث ماله عند الموت نصف رقبة، فيعتق من اللذين أضاف إليهما التدبير من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه، نصفه في الصحة بالعتق البات، والربع بالتدبير، ويسعى في ربعه، ويعتق من الآخر نصفه بالعتق البات، ويسعى في نصفه.
وأما الرواية الثالثة: فقد أجاب فيها بهذا الجواب أيضًا، واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: ما ذكر من الجواب صحيح، لأن قوله: "أو هذا" عقيب قوله: "أنتم أحرار" لغو من الكلام، لأن هذه الجملة ناقصة، عطفت على جملة تامة، فشاركتها في الخبر، فصار كأنه قال: "أنتم أحرار وهذا حُرّ" للواحد منهم، فيلغو، لأنه داخل في الكلام الأول، كما لو قال: سالم حُرّ أو بزيغ أو سالم، وإذا لَغا ذلك بقي قوله: "أنتم أحرار، وهذان مدّبران"، فيصير هذا وما تقدم سواء.
وعامة المشايخ لم يصحّحوا هذا الجواب، وقالوا: قوله "وهذا" ليس بلغو، لأنه ما أعاد عين الكلام الأول، وإنما أعاد بعضه، وإعادة البعض لا يكون لغوا، كما لو قال: سالم وبزيغ حُرّان، أو سالم.
وإذا اعتبرنا هذا الكلام نقول: هذه ثلاث كلمات: إعتاقهم، أو إعتاق أحدهم، أو تدبير اثنين منهم بأعيانهما، وكل كلام يثبت في حال، ولا يثبت في حالين، فيثبت ثلث ما يقتضيه كل كلام، فيثبت بالكلام الأول عتق رقبة بين الكل، وبالكلام الثاني ثلث العتق