← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 941

شرح الزيادات - قاضي خان

قاضي خان

Полный текст (2 164 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

منهم ثلثاه، يسعى في ثلثهم. فإن كان القول في المرض كان العتق والتدبير معتبرا من الثلث، فيقسم الثلث بينهم بالسوية، لأن كل واحد من العبدين موصي له بجميع رقبته، نصفه بالعتق، ونصفه بالتدبير، والمدبر موصي له بجميع رقبته، ولا يزاد حقه على رقبته، فكان بينهم بالسوية. ثم سأل محمد ﵀ في الكتاب على نفسه سؤالًا، فقال: ينبغي أن لا يعتق من المدبّر المعروف شيئ بالعتق البات، لأن قوله: "أنتم أحرار" عام، فصار كأنه قال لكل واحد منهم: "أنت حُرّ أو مدبّر"، ولو قال للمدبر: "أنت حُرّ أو مدبّر"، لا يكون له حظّ من الحُرِّية، لكونه صادقا في أحدهما. والجواب أن في تلك المسألة إنما بطل الكلام في المدبّر، لأن كلامه في حق المدبّر تردّد بين أن يكون إيجابا وبين أن يكون (١) خبرا، فصار كأنه قال: أنت حُرّ أو غير حُرّ، فلا يصير إيجابا بالشك، أما هنا جمع بين إنشائين صحيحين، لأن إيجاب الحُرية إنشاء في حق الكل، وكذا التدبير إنشاء في حق العبدين، فصار كأنه قال: أنتم أحرار، أو هذان مدبران، ولو نص على هذا كان الجواب ما قلنا. ولو قال: أنتم أحرار، أو أحدكم مدبّر، كان باطلا، لأن إحدى (٢) شطري الكلام صدق وخبر، فيبطل الآخر، كأنه قال: أنتم أحرار أو غير أحرار. ولو قال: كل واحد منكم حُرّ أو مدبّر، فهذا الكلام لغو في حق المدبّر، لأن هذا

стр. 632

الكلام تناول كل واحد على سبيل الانفراد، كأنه قال لكل واحد منهم: أنت حُرّ أو أنت مدبّر، ولو نصّ عليه لا يصح في حق المدبّر، كذلك هنا، وهو صحيح في حق العبدين، فكل واحد منهما حُرّ في حال، مدبّر في حال، فيعتق من كل واحد منهما نصفه بالعتق البات من جميع المال إن كان القول في الصحة، ويعتق النصف الباقي بالتدبير من الثلث. وإن لم يكن له مال آخر، كان ماله رقبتين عند الموت، وثلثه ثلثا رقبة بينهم، للمدبّر المعروف من ذلك ثلث رقبة، وللعبدين ثلث رقبة بينهما، لكل واحد منهما سدس رقبة، ففي الحاصل يسلم للمدبر ثلث رقبة، ويسعى في ثلثيه، ويسلّم لكل واحد من العبدين ثلثا رقبة، ويسعى في ثلثه. وإن كان القول في المرض، ولا مال له سواهم، كان العتق والتدبير وصية، فصار كل واحد موصي له بجميع الرقبة. ولو قال: كل واحد منكم حُرّ أو أنتم مدبرون، فهو بمنزلة قوله: أنتم أحرار أو مدبرون، لأنه أفرد كل واحد منه بالتحرير، وجمعهم في التدبير، وبطل التدبير في حق المدبّر، ولم يبطل التحرير، لأنه ضم إليه إيجابا صحيحا، فصار في حق المدبّر كأنه قال: أنت حُرّ، وهذان العبدان مدبران. ولو نص على ذلك صح الإيجاب في حق كل واحد منهم، المدبّر وغيره في ذلك سواء، كذلك هنا (١). ولو قال: أنتم أحرار، وهذا مدبّر -للمدبّر المعروف- وهذا وهذا، فإنهم جميعا مدبرون، وبطل التحرير، لأنه لو اقتصر على قوله: "أنتم أحرار وهذا مدبّر" -للمدبّر

стр. 633

المعروف- كان خبرا، ولا يكون إيجابا، فإذا قال بعد ذلك، "وهذا وهذا" ولم يذكر لهما خبرا، كان الخبر المتقدّم خبرا لهما، كأنه قال: "وهذا مدبّر وهذا مدبّر". ولو نصّ على هذا (١) صار العبدان مدبّرين، كذلك هنا (٢). وكما لو جمع بين عبدين وحُرّ، وقال للحُرّ: هذا حُرّ وهذا وهذا، عتق العبدان، ويصير خبر "الحر" خبرا لهما. كذلك هنا. ولو قال: "أنتم أحرار وهذا مدبّر -للمدبر المعروف- وهذا" -لأحد العبدين- يبطل التحرير، والمعطوف على المدبّر مدبّر، والآخر عبد لما قلنا. رجل له ثلثة أعبد ليس فيهم مدبّر معروف، فقال في صحته: "أنتم أحرار وهذا مدبّر وهذا وهذا"، ومات قبل البيان، كانوا جميعا مدبّرين، يعتقون من الثلث، لأنه خيّر نفسه في صدر الكلام بين إعتاقهم وتدبير أحدهم، فإذا قال: "وهذا وهذا" فقد عطفهما على التدبير لاتصاله به، دون التحرير، ولم يذكر لهما خبرا، فصار خبر الأول خبرًا لهما على القطع، وإن كان مترددًا في الأول، لإدخال كلمة الشك (٣) على الأول دون الثاني والثالث، فيصير الثاني والثالث مدبّرا. هذا كمن قال لنسائه: "هذه طالق أو هذه وهذه"، تطلق الثالثة، ويخيّر في الأوليين.

стр. 634

وإذا صار الثاني والثالث مدبّرا صار الأول مدبّرا؛ لأن جعل الثاني والثالث مدبّرا دليل على أنه لم يرد إيجاب العتق، لأنه تدبير الحر لا يكون، وإذا انتفي الإعتاق، تعيّن التدبير ضرورةً، فصار الأول مدبّرا. ولو قال: "أنتم أحرار، أو هذا وهذا، وهذا مدبّرون فهو وما لو قال: "أنتم أحرار أو مدبرون سواء، لأنه جمعهم في التدبير، فكان الشكّ داخلا بين إعتاقهم وتدبيرهم، كأنه قال: "أنتم أحرار أو مدبّرون" فكل كلام يصح في حالٍ دون حال، فيثبت نصف ما يقتضيه كل كلام: عتق، ونصف، وتدبير رقبة، ونصف بينهم. وإن كان القول في الصحة، عتق من كل واحد منهم نصفه بالعتق البات من جميع المال، والباقي من الثلث إن خرج الباقي من الثلث، وإن لم يخرج كان له ثلث ماله، وهو نصف رقبة بينهم بالسوية، يعتق من كل واحد منهم ثلثاه، نصفه بالعتق البات، والسدس بالتدبير، ويسعى في ثلثه وإن كان القول في المرض، عتقوا من الثلث، لما عرف. فإن المشار إليهما بالتدبير مدبّران، والآخر عبد، لأن قوله: "وهذا" عطف على التدبير، والمعطوف صار مدبّرا، فصار المعطوف عليه مدبّرا لما قلنا: إن جعل الثاني مدبّرًا دليلٌ على اختياره التدبير بالكلام الأول، فبطل التحرير ضرورةً. ولو لم يقل هكذا، ولكنه قال: "أنتم أحرار أو هذا، وهذا مدبّران"، واختلفت ألفاظ الرواية في هذه المسألة، ذكر في بعض النسخ هكذا، وفي بعضها "أنتم أحرار أو هذا مدبّران"، وذكر في بعضها "أنتم أحرار وهذا، وهذان مدبّران". فالرواية الأولى والثانية سواء، لأن الجمع في الخبر في اتحاد الكلام، بمنزلة الجمع

стр. 635

في المبتدأ والخبر، وكل كلام يثبت في حال دون حال، فيثبت نصف ما يقتضيه كل كلام. فيثبت بالكلام الأول عتق رقبة ونصف بينهم، لكل واحد منهم نصف عتق، ويثبت بالكلام الثاني تدبير رقبة واحدة بين اللذين عَيّنهما للتدبير، فيعتق من كل واحد منهما نصفه الباقي بحكم التدبير إن خرج من الثلث، وإلا فثلث ماله بينهما، وثلث ماله عند الموت نصف رقبة، فيعتق من اللذين أضاف إليهما التدبير من كل واحد منهما ثلاثة أرباعه، نصفه في الصحة بالعتق البات، والربع بالتدبير، ويسعى في ربعه، ويعتق من الآخر نصفه بالعتق البات، ويسعى في نصفه. وأما الرواية الثالثة: فقد أجاب فيها بهذا الجواب أيضًا، واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم: ما ذكر من الجواب صحيح، لأن قوله: "أو هذا" عقيب قوله: "أنتم أحرار" لغو من الكلام، لأن هذه الجملة ناقصة، عطفت على جملة تامة، فشاركتها في الخبر، فصار كأنه قال: "أنتم أحرار وهذا حُرّ" للواحد منهم، فيلغو، لأنه داخل في الكلام الأول، كما لو قال: سالم حُرّ أو بزيغ أو سالم، وإذا لَغا ذلك بقي قوله: "أنتم أحرار، وهذان مدّبران"، فيصير هذا وما تقدم سواء. وعامة المشايخ لم يصحّحوا هذا الجواب، وقالوا: قوله "وهذا" ليس بلغو، لأنه ما أعاد عين الكلام الأول، وإنما أعاد بعضه، وإعادة البعض لا يكون لغوا، كما لو قال: سالم وبزيغ حُرّان، أو سالم. وإذا اعتبرنا هذا الكلام نقول: هذه ثلاث كلمات: إعتاقهم، أو إعتاق أحدهم، أو تدبير اثنين منهم بأعيانهما، وكل كلام يثبت في حال، ولا يثبت في حالين، فيثبت ثلث ما يقتضيه كل كلام، فيثبت بالكلام الأول عتق رقبة بين الكل، وبالكلام الثاني ثلث العتق

стр. 636

الذي أضافه إليه، فصار له ثلثا رقبة، وبالكلام الثالث ثلث تدبير الرقبتين، وهو ثلثا رقبة اللذين أضاف إليهما، فصار جملة ما عتق بالإيجاب الثلاثة رقبتين. فإن لم يكن له مال سواهم، فما يعتق بالعتق البات، يعتبر من جميع ماله إذا كان القول في الصحة، وما يعتق (١) بالتدبير، وهو ثلثا رقبة يعتبر من الثلث، وماله عند الموت رقبة وثلثا رقبة، لأن بالكلام الأول والثاني عتق رقبة وثلث على ما قلنا. بقي رقبة وثلثان، فيحتاج إلى حساب: له ثلث، ولثلثه ثلث، وأقلّه تسعة، جعلنا كل رقبة تسعة، فصار رقبة وثلثا رقبة خمسة عشر، فثلث ذلك خمسة اتساع رقبة، يكون ذلك للذين عيّنهما للتدبير، لكل واحد منهم تسعان ونصف، وقد عتق من كل واحد منهما بالعتق البات ثلثه، وهو ثلاثة اتساعه، فصار جملة ما عتق من كل واحد منهما خمسة اتساع ونصف تسع، ويسعى كل واحد منهما في ثلاثة اتساع ونصف تسع، وعتق من الآخر ثلثاه، ويسعى في ثلثه، وهو ثلاثة اتساع رقبة، فحصل للورثة (٢) بالسعاية عشر أسهم، وهو رقبة وتسع، وعتق من اللذين أضاف إليهما التدبير بحكم التدبير خمسة اتساع، فاستقام الثلث والثلثان. -والله أعلم-

стр. 637

باب العتق على مال والكتابة بني الباب على أصول: منها: أن الإعتاق ووسائله كالتدبير والكتابة تَتَجزَّأ (١) عند أبي حنيفة (٢)، خلافا

стр. 638

لصاحبيه. ومنها: أن كسب العبد المشترَك مشترَك (١)، لأن ملك الرقبة علّة لملك الكسب، والاشتراك في العلة يوجب الاشتراك في الحكم. ومنها: أن بدل الكتابة لا يسلّم للمولى ما لم يسلّم الكسب للمكاتب، لأن مقتضي الكتابة سلامة الكسب للعبد، فتعلق سلامة البدل به، كما تتعلق سلامة الثمن بسلامة المبيع، وسلامة البدل في العتق على مال بسلامة الرقبة (٢). وفي الباب فصول ثلاثة: الكتابة، والعتق على مال، وتعليق العتق بأداء المال (٣).

стр. 639

أما الفصل الأول (١): قال محمد ﵀: عبد بين شريكين، كاتَبه أحدهما على ألف فأدّاها إليه، نقول: عند أبي حنيفة ﵀ نَفَذت الكتابة في نصيبه، وتوقّفت في نصيب الشريك، لأنها تتجزأ عنده، ولشريكهـ أن يفسخ الكتابة دفعًا للضرر عن نفسه، وموجَبها في الحال ملك المكاسب، وملك المال مما يحتمل النقص على ما عرف في الأصل، فإن لم يفسخ حتى أدّى البدل، عتق نصفه. وللساكت خيارات ثلاثة: إن كان المكاتب موسِرًا، إن شاء أعتق نصيبه، وإن شاء ضمن شريكهـ، وإن شاء استَسعى العبد في نصيبه، فإن ضمنه كان للمكاتب أن يرجع على العبد بما ضمن، لأنه يملك نصيب الساكت بأداء الضمان، والولاء كله للمكاتب. وإن كان معسرًا فله خياران: إن شاء أعتق، وإن شاء استسعى، والوَلاء بينهما، كما هو الحكم في إعتاق عبد مشترك، وله أيضًا أن يرجع على شريكهـ بنصف ما قبض من العبد (٢)؛ لأنه كسب عبدٍ مشترك، لأن الكتابة لم تنفذ في نصيب الساكت، فبقي الكسب مشتركًا. وإذا رجع على شريكه (٣) بنصف ما أخذ من العبد، لم يرجع المكاتَب بذلك على

стр. 640

العبد، لأنه كاتب كله على ألف درهم (١)، فكان بدل نصيبه خمسمائة، وقد سلمت له خمسمائة، فلا يرجع عليه بالزيادة. وإن كاتب نصيبه على ألف، فأدّاها إليه، عتق نصيبه، وللساكت ما قلنا في الفصل الأول، إلا أن هنا إذا رجع الساكت علي شريكهـ بنصف المأخوذ، كان للمكاتب أن يرجع على العبد بما أخذ منه، لأنه جعل الألف بدلًا عن نصيبه، وقد سلّم نصيبه للعبد، فإذا استحقّ عليه شيئ من البدل، له أن يرجع بذلك على العبد. وعند أبي يوسف ومحمد ﵀: كتابة النصف وكتابة الكل سواء، لأنها لا تتجزّأ (٢)، وللشريك أن يفسخ قبل الأداء دفعا للضرر عن نفسه، فإن لم يفسخ حتى أدّى

стр. 641

البدل عتق كله، وللساكت أن يرجع على شريكهـ بنصف ما أخذ من العبد، لأن الكتابة لم تكن لازمةً في حق الساكت، فبقي الكسب مشتركا، وما بقي في يد العبد من الأكساب قبل العتق، يكون مشتركا، نصفه للعبد ونصفه للشريك (١) الساكت، لأنه كسب عند مشترك. وإذا رجع الساكت على المكاتب بنصف المقبوض، لا يرجع المكاتب (٢) بشيئ على العبد، لما نذكر في آخر الباب إن شاء الله تعالي. ثم هو كعبد بين شريكين أعتقه أحدهما، إن كان موسرا ضمن لشريكهـ نصف القيمة، وإن كان معسرا سعى العبد في ذلك، والولاء كله للمكاتب على ما عرف. وأما الفصل الثاني: عبد بين شريكين أعتقه أحدهما على ألف، فهو على وجهين: إما إن قال: أنت حُرّ على ألف، أو قال: نصيبي منك حُرّ على ألف. ففي الوجه الأول: إذا قبل العبد عِتق نصفه، ولا يلزمه إلا خمسمائة، لأنه قابل الألف بكل الرقبة، ولم يعتق منه إلا نصفه، فلا يقبض منه إلا خمسمائة، بخلاف الكتابة، فإن ثمّة يأخذ كل البدل، وإن لم تنفذ الكتابة إلا في النصف، لأن في الكتابة العتق يتعلق بالأداء، فكان قبض الألف محتاج إليه لتزول العتق، وهنا ينزل العتق بمجرد القبول، فلا يقبض إلا مقدار حقه، وهو خمس مائة.

стр. 642

وإذا قبض منه خمس مائة، يرجع الساكت عليه بنصف ما قبض، لأنه كسب عبدٍ مشترك أعتقه أحدهما، فبقي نصف كسبه ملكا للساكت، ثم المعتق يرجع على العبد بما أخذ منه الساكت، لأنه سلم للعبد ما يقابل الخمسمائة، فإذا استحق عليه شيئ من الخمسمائة رجع بذلك على العبد. وفي الوجه الثاني: وهو ما إذا قال: نصيبي منك حُرّ على ألف، فقبل العبد عتق نصفه، ولزمه ألف، وإذا قبض الألف رجع الساكت عليه بنصف ما أخذ (١)، لما قلنا أنه كسب عبدٍ مشترك، ثم هو يرجع بذلك على العبد، لأنه جعل الألف بدلًا عن نصيبه، وقد سلم له نصيبه، فإذا استحق عليه شيئ من بدل نصيبه رجع بذلك على العبد. ثم هو كعبد بين شريكين أعتقه أحدهما، فإن كان المعتق (٢) موسرا ثبت للساكت ثلاث خيارات: إن شاء أعتق، وإن شاء ضمن، وإن شاء استسعى، فإن أعتق أو استسعي، فالولاء بينهما، وإن ضمن كان الولاء للمعتق، ويرجع المعتق على العبد بما ضمن، لأنه ملَك المضمونَ بأداء الضمان، فقام مقام الساكت في الاستسعاء، وهذا كله قول أبي حنيفة. أما على قول أبي يوسف ومحمد: قوله "أنت حُرّ على ألف"، وقوله: "نصيبي منك حُرّ على ألف" سواء، إذا قبل العبد عتق كله، لأن الإعتاق عندهما لا يتجزّأ، ويلزمه ألف درهم، لأنه قابل الألف بعتق الكل، وقد عتق، فيأخذ المعتق ألفا، ولا يرجع الساكت

стр. 643

عليه بشيئ مما أخذ، لأنه عتق بالقبول، فكان المؤدّي كسب الحُرّ، بخلاف الكتابة، لأن ثمّة العتق لا ينزل قبل الأداء، فكان المؤدي كسب عبد مشترك. وهو كعبد بين شريكين أعتقه أحدهما، عندهما: يعتق كله، وللساكت حق التضمين إن كان المعتق موسرا، وحق الاستسعاء إن كان معسرا، والولاء كله للمعتق في الحالين، فإن كان موسرا، وضمنه الساكت، لا يرجع على العبد بما ضمن، لأنه أدّى دَيْنًا على نفسه، فلا يرجع على غيره. وإن كان معسرا واختار الساكت استسعاء العبد، فإن كان العبد أدّى ألفًا إلى المعتق رجع عليه بنصفه، وإن كان لم يؤدّ إليه الألف (١) تسقط عنه نصفها، ويؤدّي خمسمائة، لأنه قابَل الألف بعتق الكل، وحالة العسار لم يسلم له كل العتق من جهته، حيث وجبت عليه السعاية، فيرجع عليه بنصف البدل، بخلاف حالة اليسار. فإن كان في يد العبد مال بعد العتق، فقال المولى: اكتسبتَه قبل العتق فهو لي، وقال العبد: لا بل إكتسبتُه بعد الحُرّية، فالقول فيه (٢) قول العبد، لأن الكسب حادث، فيحال بحدوثه إلى أقرب الأوقات، وهو ما بعد العتق. ولو قال الشريك (٣) الساكت: أنا لا أريد الضمان أو السعاية، ولكني أجيز الإعتاق بالبدل الذي أعتقه شريكي، والمعتق موسرٌ أو معسرٌ، له ذلك في قول أبي حنيفة، ويأخذ

стр. 644

نصف البدل، لأنه عنده يوقف الإعتاق في نصيب الساكت، فيملك الإجازة، وعندهما عتق كله على المعتق، ولم يتوقّف، فلا يملك الإجازة. وأما الفصل الثالث: عبدين بين شريكين، قال له أحدهما: إن أدّيت إليّ ألفا فأنت حُرّ، فاكتَسَب كسبا، وأدّى إليه الألف، عتق نصفه في قول أبى حنيفة، لأن المعلّق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز، وللساكت أن يأخذ من المعتق نصف الألف، لأنه كسب عبد مشترك، ولا يرجع المعتق بذلك على العبد، موسرا كان المعتق أو معسرا لما قلنا. ولو قال: إن أدّيت إليّ ألفا فنصيبي منك حُرّ، فهذا والأول سواء، إلا في خَصلة واحدة، وهو أن المعتق يرجع على العبد بما أخذ منه شريكه من الألف لما قلنا. وعند أبي يوسف ومحمد: إذا أدّى إليه ألفا، عتق كله في الوجهين لعدم التجزّي، وللساكت أن يرجع على المعتق بنصف الألف، لأن في التعليق العتق لا ينزل قبل الأداء، فكان المؤدّي، كسب عبدٍ مشترك، وفي الفصل الثاني العتق نزَل بمجرد القبول، فكان المؤدّى كسب الحُرّ. وهل يرجع المعتق على العبد بما أخذ منه الساكت من الألف؟ إن كان المعتق موسرًا يرجع، لأنه سلّم للعبد من جهته كل الرقبة، فيرجع بما استحق من البدل، وإن كان معسرا لا يرجع، لأنه لم يسلم للعبد من قبله كل الرقبة، حيث وجبت السعاية عليه. هما فرّقا بين هذا وبين الكتابة، في الكتابة لا يرجع المعتِق على العبد بما أخذ منه الساكت من البدل، موسرا كان أو معسرا.

стр. 645

والفرق أن في الكتابة البدل مقابل بسَلامة الأكساب، والساكت يملك نصف أكسابه على كل حال، ويأخذ نصف كسبه مما أدّى، ومما بقي في يده بعد الأداء، فإذا لم يسلم للمكاتب نصف الكسب، لا يرجع المكاتب عليه بما أخذ منه الشريك من البدل. أما هنا: المال مقابل بالعتق لا بالكسب، وقد حصل له عتق الرقبة من قبله حالة اليسار، ولم يسلم حالة الإعسار، فلهذا افترقا، وما بقي في يده من المال، كان للساكت أن يأخذ منه النصف، لأنه كسب عبد مشترك.

стр. 646

باب مما يعتق أو يكاتب أو يخلع فيكون جائزا على العبد بني الباب على أصلين: أحدهما: أن التصرف إذا اشتمل على معنيَين يجب اعتبارهما ما أمكن (١)، فإن تعذّر اعتبار أحدهما يعتبر (٢) الآخر. والثاني: أن الكتابة وتعليق العتق بأداء المال، كل واحد منهما يشتمل على معنى اليمين والمعاوضة، لأن المبذول من قِبل العبد مال، ومن المولى عتق، وكل واحد منهما مقابل بالآخر يتعلق وجوبه به. والمال مما لا يحلف به، ولا يقبل التعليق بالخطر (٣)، والعتق مما يحلف به، ويصحّ

стр. 647

تعليقه بالخطر، فكان كل واحد منهما مشتملا على معنى اليمين والمعاوضة، فيجب اعتبارهما. إلا أن في التعليق جانب اليمين راجح، لأن صيغته صيغة اليمين بغير الله تعالى، وهو ذكر الشرط والجزاء، وفي الكتابة جهة المعاوضة [راجحة، لأن صيغته صيغة المعاوضة، فرجّحنا فيها جهة المعاوضة.] (١) فقلنا: بأن التعليق لا يقبل الفسخ، وينفرد به المولى، والكتابة تحتمل الفسخ، ولا تَتِمّ من غير قبول، ويرد البدل بعيب الزيافَة (٢) في الفصلين اعتبارا للمعاوضة. وفي الباب فصول ثلاثة: تعليق العتق بأداء العبد، والتعليق بالحج، والتعليق بأداء المال. وكل ذلك على وجهين: إما إن كان في الحياة، أو مضافا إلى ما بعد الموت. وبدأ بالفصل الأول، قال محمد ﵀: رجل قال لعبده: "إذا أدّيت إلى عبدًا فأنت حُرّ"، وله يُضف العبد إلى جنس، ولم يذكر القيمة، فهو صحيح، لما ذكرنا أنّ هذا التصرف مشتمل على معنى اليمين، وليس من

стр. 648

شرط صحة اليمين إعلام الشرط، مع أن هذه الجهالة تتحمل في الكتابة، فإن مَن كاتَب عبدَه على عبد يصح، وينصرف إلى الوسط لما روي عن ابن عمر (١) ﵄ أنه أجاز الكتابة على الوصفَاء (٢). فإن جاء بعبد ردئ لا يجبر المولى على قبوله، لأن الجبر على القبول من قضيّات المعاوضة، لا من قضيات اليمين، فإن الحالف لا يجبر على تحصيل الشرط، واعتبار المعاوضة يوجب تعيين الوسط نظرا للعاقدين، وتسوية بينهما. فإن قبِل المولى الردئ عتق العبد (٣) لوجود الشرط، وهو أداء مطلق العبد إليه، وتعيين الوسط كان لدفع الضرر عن المولى، فإذا رضي به، لا معنى لاعتبار وصف الوَسَاطة، فبقي العتق معلقا بأداء عبد مطلق. وإن جاء بعبد وسطٍ يجبر على القبول، ومعناه أنه يجعل قابلا حتى ينزل العتق، لأن هذا التصرف مشتمل على معنى المعاوضة، ولهذا أثبتنا له حق الردّ إذا وجد بالبدل

стр. 649

عيبا. واعتبار المعاوضة يوجب الجبر على القبول كما في النكاح والكتابة، أما الحالف لا يجبر، ولا ينظر إلى قيمة المعتق، لأن المسمّى ثابت، ووجوب المسمّى يمنع المصير إلى قيمة المعقود عليه كما في النكاح. واختلفوا في الوسط، قال أبو حنيفة: الوسط السّنديّ، وقيمته أربعون دينارا. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يعتبر السّندي، وإنما يعتبر الغَلا والرخص. وقيل: هذا اختلاف عصر وزمان، فإن في زمن أبي حنيفة كان العبيد ثلاثة أجناس: الخراساني، والسندي، والحبشي، والوسط هو السندي، وفي زمنهما كثُر أجناس العبيد، فاعتبر القيمة. وقيل: في ديارنا الأرفَع أعزّ الأتراك، وأحسن الأتراك، وأعزّ الهنود الوسط، والأدوَن أخَسّ الهنود. وإن علّق العتق بإعتاق العبد، فهو على وجوه ثلاثة: إما إن كان في الصحة أو في المرض أو مضاف إلى ما بعد الموت. أما الأول: رجل قال لعبده: أعتق عني عبدا وأنت حُرّ، أو قال: إن أعتقت عني عبدا فأنت حُرّ، فهما سواء، لأن جواب الأمر بالواو كجواب الشرط بالفاء، لما عرف فى موضعه، ويصير العبد مأذونا في التجارة، لأنه أمرَه بالإعتاق عنه، وذلك لا يكون إلا بالتمليك. ألا ترى أن من قال لغيره: أعتق عبدك عني على ألف درهم، كان طلبا للتمليك،

стр. 650

كأنه قال: ملّكني ثم كُن وكيلي في الإعتاق، كذلك هنا، وتمليك العبد من المولى. لا يكون إلا بالكسب. ولو رضي المولى بكسب العبد يكون إذنا، فكيف إذا حَرّضه على الاكتساب، ووَعَد له العتق، وينصرف إلى الوسَط، لأن أوجب العتق بتمليك العبد منه، فكان في معنى المعاوضة، واعتبار المعاوضة يوجب تعيين الوسط. فإن اشترى عبدا وسطا أو وهب له وأعتقه عن المولى جاز، وعتقا جميعا لوجود الشرط، وإن اشترىَ عبدا رديئا، وأعتق عنه أو جيّدا، جاز شراءه، ولا يعتق واحد منهما، أما جواز الشراء فلأنه مأذون في التجارة، وأما عدم العتق لأنه مملوك لا يملك الإعتاق إلا بالنيابة عن المولى، والمولى أمره بإعتاق الوسط، فلا يملك إعتاق الجيد، وإذا لم يعتق المشتري لا يعتق المأمور لعدم الشرط، وهو الإعتاق عن المولى. ولو قال: أعتِق عبدا وأنت حُرّ، فهو في القياس باطل (١)، لأنه علق العتق بما لا يتكوّن، وهو الإعتاق، إذ العبد ليس من أهل الإعتاق (٢)، وفي الاستحسان يصح. وإذا أعتق عنه عبدا وسطا يعتق، لأن هذا الكلام تعيّن تصحيحه بإضمار كلمة "عني"، فيصار إليه، كما لو قال: أدّ ألفا وأنت حُرّ، فإنه يصح، ويجعل كأنه قال: أدّ إليّ ألفا وأنت حُرّ. فرق بين هذا وبين ما لو قال الحُرّ: أعتق عبدك، فأعتق، كان العتق عن المأمور. ولو

стр. 651

قال: أعتق عبدك عنّي فأعتق، كان العتق عن الآمر (١). والفرق أن ثمّة المخاطَب يملك الإعتاق عن نفسه، فلا حاجة إلى الإضمار، أما العبد لا يملك الإعتاق إلا بطريق النيابة، فمَسّت الحاجة إلى الإضمار، وإذا صح كلامه ينصرف إلى الوسط لما قلنا في الوجه الأول. ولو قال المولى في مرضه: أعتق عنّي عبدا وأنت حُرّ، فأعتق عنه عبدا وسطا، ينظر إلى قيمة الوسط وإلى قيمة المأمور، فإن كانا سواءً، لم يكن إعتاق المأمور وصيةً، كما لو أعتقه على ألف، وقيمته ألف، فإنه لا يعتبر وصية، بقي إعتاق الوسط وصية، كما لو أعتقه الآمر بنفسه، فيجب اعتباره من الثلث، فإن لم يكن له مال آخر يعتق ثلثه، ويسعى في ثلثيه. وكذا لو كانت قيمة الوسط أكثر من قيمة المأمور، وإن كانت أقلّ بأن كانت قيمة المأمور ستين دينارا، وقيمة الوسط الذي جعله بدلا أربعين دينارا، عتق ثلثا المأمور بعوض، فلا يعتبر فيه (٢) الوصية بقي ثلثه بغير عوض، فكان مال الميت جميع البدل، وقيمته أربعون دينارا، وثلث المأمور (٣) عشرون دينارا، فجملته ستون دينارا فثلثه عشرون دينارا، فيقسّم ثلث ماله وهو عشرون دينارا بين البدل وبين المأمور على قدر حقهما. فحق البدل في جميع رقبته وهو أربعون، وحق المأمور في ثلثه وهو عشرون،

стр. 652

فيقسم ثلث مال الميت أثلاثا (١)، الثلث للمأمور وهو ستة، وثلثان يسلم له ذلك، ويسعى فيما بقي من رقبته، وهو ثلاثة عشر وثلث، وسلّم للبدل ثلث العشرين، وذلك ثلاثة عشر وثلث، ويسعى فيما بقي من رقبته وهو ستة وعشرون وثلثان، فيسلم للورثة أربعون دينارا، وقد نفذنا الوصية في عشرين دينارا فاستقام الثلث والثلثان. ولو قال: أعتق عنّي بعد موتي عبدا وأنت حُرّ، فهذا وما تقدم سواء، ينصرف إلى الوسط إلا في خصلة، وهي أن هنا إذا أعتق عنه عبدا وسطا بعد موته، لا يعتق المأمور إلا بإعتاق الوارث أو الوصيّ أو القاضي، وفيما تقدم إذا أعتق عبدا (٢) وسطا يعتق المأمور من غير إعتاق، لأن في حالة الحياة أمكن اعتبار هذا التصرف تعليقا، فيعتبر تعليقا، لما ذكرنا أن معنى اليمين أصل في هذا التصرف. وإذا اعتبر تعليقا، فإذا وُجد الشرط، وهو الإعتاق عنه، يَنحَلّ الجزاء، أما بعد الموت لا يمكن اعتباره تعليقا، لأن الموت يبطل التعليق. ألا ترى أن من قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حُرّ، ثم مات يبطل اليمين، وإذا كان الموت مبطلا لليمين، كان مانعا انعقاد اليمين بطريق الأول، وكما تعذّر اعتباره تعليقا تعذر اعتباره كتابة بعد الموت، لأنه لا يملك ابتداء الكتابة بعد الموت، فلا يملك إضافة الكتابة (٣) إلى ما بعد الموت، وإذا تعذر اعتباره يمينا وكتابةً، يجعل وصية تصحيحا لتصرفه بقدر الإمكان، إلا أنها وصية بعتق يتراخَى عن الموت، لأنه لا يستحق العتق بنفس الموت،

стр. 653

وإنما يستحق العتق بعد الإعتاق عن المولى، وفي مثل هذا لا يعتق إلا بإعتاق من قام مقام الميت، وهو الوارث أو الوصيّ أو القاضي، كمن قال لعبده: أنت حُرّ بعد موتي بيوم. فإن قالت له الورثة بعد موت المولى: "أعتق عبدا وإلا بِعناك" لم يكن لهم ذلك، لأن فيه إبطال الوصية الجائزة، ولكن يرفع الأمر إلى القاضي، فيؤجّله القاضي على حسب ما يرى، ويضرب له مدة ثلاثة أيام أو أكثر، لأنه لو تركه مؤبّدا كذلك يتعطّل حق الوارث، ولو ألزمه التعجيل يبطل حق العبد، فيجب مراعاة الحقين بإبلاء العذر، كما في أجل العِنّين. فإن لم يعتق في تلك المدة عبدا، ردّه القاضي إلى الورثة، وتبطل الوصية، وصار هذا كمن كاتَب عبدا حاضرا وعبدا غائبا له، على ألف درهم، فمات الحاضر قبل الأداء، يقال للغائب: إما أن تؤدّي الألف أو تردّ الرق، فإن لم يؤدّ ليس للمولى أن يرده، ولكن يرفع الأمر إلى القاضي، فيؤجّله على قدر ما يرى، فإن لم يؤدّ الألف في تلك المدة، ردّه إلى الرق، كذلك هنا. وكذا لو قال المولى لورثته: إذا أعتق عنيّ عبدا بعد موتي فأعتقوه، لا يعتق إلا بإعتاق الورثة، وليس لهم إبطال هذه الوصية، ولهم أن يرفعوا الأمر إلى القاضي على نحو ما قلنا. وأما الفصل الثاني وهو التعليق بالحج: فهو على وجهين: إما إن علّقه بنفس الحج، (١) أو بأداء ما يحجّ به من المال، وكل

стр. 654

ذلك على وجهين: إما إن كان ذلك في حالة الحياة، أو مضافا إلى ما بعد الموت. فإن علّق الحُرّية بنفس الحج في حياته فقال: حَجّ عنّي وأنت حُرّ، أو قال: إذا حجَجت عنّي فأنت حُرّ، لم يذكر هذا في الكتاب، قالوا: وهو باطل، لأن الحج عن الغير لا يجوز إلا عند العجز (١)، فهذا تعليق بشرط لا يتصور، فيكون باطلًا. وإن علّق العتق بأداء مال يحجّ به، فقال: أدّ إليّ ألف أحجّ بها وأنت حرّ، أو قال: إذا أدّيت إليّ ألفا أحجّ بها فأنت حُرّ، فأدّى إليه ألفا، عتق، حجّ بها أو لم يحجّ، لأن قوله: "أحج بها" خرج على وجه المشورة، لا على وجه الشرط، لأنه ما أدخل حرف الشرط في الحج، ولا قرَن الحجَ بالأداء بحرف الوصل، وهو حرف العطف، فيكون مشورة. ألا ترى أن من قال لغيره: إشتريت منك هذه الجارية بألف درهم استولدها، لا يكون شرطا حتى لا يفسد به البيع. وكذا لو قال لغيره: داري لك تسكنها، أو طعامي لك تأكله، لا يكون مشورة. وإذا جاء بالألف يجبر المولى على القبول، لأن الألف عوض. ولو قال له: إذا أدّيت إليّ ألفا فحجَجتُ بها فأنت حُرّ، فأدّى إليه ألفا، لم يعتق

стр. 655

حتى يحجّ بها (١)، لأنه علّق العتق لشيئين: بأداء الألف والحج بها، لأنه عطف الحج على الأداء، وحكم المعطوف حكم المعطوف عليه، فتعلق العتق بهما. وإذا جاء بالألف لا يجبر على القبول، لأن الجبر على القبول من قضيات المعاوضة، والمعاوضة إنما تتحقّق إذا حصل العتق بأداء المال، وههنا لا يحصل، العتق بأداء المالي، (٢) فلا يكون عوضا، ولأن فائدة الجبر على القبول نزول العتق، والعتق تعلّق بشيئين، بالأداء والحج جميعا، وهو لا يجبر على الحج، فلا يفيد الجبر على القبول. هذا إذا علّق العتق بذلك في حياته، فإن (٣) أضافه إلى ما بعد الموت، فهو على وجهين: إما إن علّقه بنفس الحج، أو بأداء ما يحجّ به. أما إذا علقه بنفس الحج فقال: حَجّ عنّي بعد موتي وأنت حُرّ، أو قال: إن حججتَ عنّي بعد موتي فأنت حُرّ يصح، وينصرف إلى الحجة الوسَط من منزل المولى، لأن الأمر بالإحجاج عنه ينصرف إلى الحج من منزله، إذا كان في ثلث ماله وفأ به، فكذلك هذا. وإنما ينصرف إلى الوسَط، لأن هذه وصية فيها معنى المعاوضة، فينصرف إلى الوسط، ولأن المراد من الوسط "الوسط في النفقة"، وهو أن لا يكون فيه تقتير ولا إسراف (٤)، لأن العائد إلى الميت ثواب نفقة الحج، فعند التقتير يقلّ ثوابه، فيتضرّر به،

стр. 656

وكما يتضرّر بالتقتير، يتضرّر بالإسراف، فإن ما يفضل من أكساب العبد يكون تركة له، يقضى منه ديونه، وينفذ منه وصايا، فيتضرر بالإسراف، فتعيّن الوسط. وقيل: "الوسَط" ما يكون على راحلة (١)، لأن "المرتفع" ما يكون معمارى، وما يجرى مجراه، و"الأدنى" ما يكون ماشيا، والوسط ما يكون على راحلة (٢). واذا حَجّ عنه بعد موته من منزله حَجّة وسطا لا يعتق إلا بإعتاق القاضي أو الوصيّ أو الوارث لما قلنا، وإذا أعتق يعتبر عتقه من الثلث، قَلّت قيمة الحج أو كثُرت بأن كانت أكثر من قيمة العبد. فرق بين هذا وبين ما لو قال له (٣) في مرضه: أعتق عنّي عبدا (٤) فأنت حُرّ، فأعتق عنه عبدا وسطا، فإنه ينظر إلى قيمة المأمور وإلى قيمة الوسط، فإن كانت قيمة الوسط مثل قيمة المأمور (٥) أو أكثر من قيمة المأمور (٦)، لم يكن إعتاق المأمور وصية، حتى يعتبر عتق المأمور من جميع المال. والفرق من وجهين: أحدهما أن في الفصلين ما تعلق عتق العبد بأدائه، لا يعتبر

стр. 657

ذلك من مال المولى قبل الأداء، لأنه مشغول بحاجة العبد، وإنما يصير مالا للمولى بعد الأداء، ولهذا لو قال لعبده: إن أدّيت إليّ ألفا فأنت حُرّ، فأدّى إليه ألفا، عتق، ولا يرجع المولى عليه بمثلها. ولو اعتبر ذلك مال المولى قبل الأداء، لرجع عليه بمثلها بعد العتق، فإن سلّم للمولى مال بعد أداء ما تعلق به عتق العبد، كان عتق العبد حاصلا بعوض، وإلا فلا. ففي فصل الحج بعد الحج، وإمضاء النفقة لا يسلم للمولى مال بعد العتق، فيجعل هذا وصية بالعتق بغير بدل، فيعتبر من الثلث، وفي فصل الإعتاق عن المولى سلم للمولى مال بعد الأداء، لما عرف أن المأمور يجعل مملكا من المولى العبد الوسط، ثم يصير وكيلا عنه في الإعتاق، فيعتبر عتق المأمور من جميع المال، إذا كانت قيمة الوسط مثل قيمة المأمور أو أكثر. والفرق (١) الثاني: أن في الفصل الثاني (٢) إعتاق العبد ما هو حق الورثة، وهو ثلثا مال الميت، يسلم لهم لوجوب السعاية على العبد الوسط (٣)، لأنه يسعى في ثلثي قيمته، فلا حاجة إلى إيجاب السعاية على المأمور لحق الورثة. أما هنا لا يسلم للورثة مال من غير المأمور، فوجبت السعاية عليه رعايةً لحق الورثة، فإن كان أوصى مع ذلك لرجل بثلث ماله، وليس له مال سوى العبد، كان ثلث ماله

стр. 658

بينهما، يضرب العبد بجميع رقبته، لأنه موصى له بجميع رقبته، والموصى له بالثلث بثلث الرقبة، فيكون الثلث بينهما على أربعة. وإذا صارت الثلث أربعة، صار الكل أثني عشر، فيكون للموصى له بالثلث سهم من أثني عشر، وللورثة ثمانية أسهم، فيسعى العبد في تسعة أسهم، ثمانية أسهم (١) للورثة، وسهم للموصى له بالثلث (٢)، ويحطّ عنه ثلاثة، ثم لم يقدم العتق على غيره من الوصايا، لأن الوصية بالعتق حصلت على وجه لا ينفذ إلا بالتنفيذ، لأنه لا يعتق بدون الإعتاق، وإنما يقدم العتق على غيره من الوصايا إذا كان منفذا، إلا أنه يستحق الضرب بجميع رقبته، لأن الموصى له بالعتق يضرب بجميع حقه عند الكل وإن جاوز الثلث. ولو قال: أدّ إلى وصيّي بعد موتي قيمة حَجّة يحج بها عنّي وأنت حُرّ، صح، ويلزمه قيمة حَجّة وسط من منزل المولى، وإذا جاء بقيمة حَجة وسط، أجبر الوصي (٣) على القبول، وأمر بإعتاقه، ولا يكون الحج بها شرطا لما قلنا. ثم ينظر إن كانت قيمة الحج مثل قيمة العبد لم يكن العتق وصية، لأن العتق تعلق بأداء القيمة، والقيمة تصلح عوضا، ويحج عن الميت بثلث تلك القيمة، لأن القيمة مال الميت، والوصية بالحج إنما يجب تنفيذها من ثلث ماله الميت (٤) من حيث يبلغ، فإن كان

стр. 659

أوصى مع ذلك لرجل بثلث ماله، كان الثلث بينهما على أربعة: ثلاثة أرباعه للحج، وربع الثلث للموصى له. من المشايخ من قال: هذا على قول أبي يوسف ومحمد، لا على قول أبى حنيفة ﵏، لأن الوصية بالحج تعلّقت بعين هذه الدراهم، وقد بطلت الوصية فيما زاد على الثلث استحقاقا، فتبطل ضربا أيضا عند أبى حنيفة، فيكون نصف الثلث للحج، والنصف للموصى له. وعندهما إذا بطلت الوصية بالحج فيما زاد على الثلث استحقاقا، لا تبطل ضربا، فكان الثلث بينهما على أربعة: ثلاثة أرباع الثلث يكون للحج، وربع الثلث للموصى له (١). ومنهم من قال: لا بل هذا قول الكل، لأن الوصية بالحج تعلّقت بما يؤدّي العبد إلى الوصيّ، فتكون بمنزلة الوصية بمال مرسَل، وفي الوصية بمال مرسل إذا بطلت فيما زاد على الثلث استحقاقا، لا تبطل ضربا عند الكل لما عرف في موضعه. فإن كانت قيمة الحجة مثل ثلثي قيمة العبد، يكون العبد موصى له بثلثه أيضا، فيجتمع في ثلث مال الميت ثلاث وصايا: الوصية بالحج، والوصية لصاحب الثلث، والوصية للعبد، ومال الميت عند تنفيذ الوصايا قيمة الحجة وثلث العبد، لأنه وصل إليه عوض ثلثه (٢)، فيعتبر قيمة ثلثيه كالزائل عن ملكه، بقي ماله عند الموت (٣) ثلث العبد

стр. 660

وقيمة الحجة، يقسم ثلث ذلك بين الحجة والعبد والموصى له بالثلث، يضرب العبد بالثلث، وكذا الموصى له، والحجة بجميع قيمة الحجة، فصار الثلث بينهم على أربعة: ربع الثلث للعبد، والربع للموصى له بالثلث، ويحج عنه بنصف الثلث من حيث يبلغ، وهذا جواب ظاهر الرواية. وعلى قول بعض المشايخ ﵏ يضرب الحج بالثلث أيضا، فيصير الثلث بينهم على ثلاثة على ما ذكرنا. ولو قال: "أدّ إلى وصيّي بعد موتي قيمة حَجّة، فإذا أديتَها فحَجّ بها عنّي فأنت حُرّ"، صح ذلك، فإذا أدّاها لم يجب إعتاقه، ولا يجبر على القبول، لما ذكرنا أن العتق تعلق بالأداء والحج جميعا، وإذا حج بها، أعتقه الوصيّ من ثلث ماله، ولا يعتبر قيمة الحجة عوضا بدليل أنه لا يجبر على القبول، وإنما لا تعتبر القيمة عوضا، لأنها بعد الأداء إلى الوصيّ مال، لا يسلم العتق للعبد إلا به بأن يحج عنه، وكل مال لا يسلم العتق للعبد إلا به، فهو في الحكم كأنه مال العبد. ولهذا لو أراد الورثة أن يأخذوا شيئا من قيمة الحَجّة لا يمكنهم [من ذلك] (١)، لأنهم لو أخذوا شيئا ينعدم تمام الشرط وهو الحج، فبطل استحقاق العبد، بخلاف ما تقدم، وإذا لم يكن للورثة أن يأخذوا شيئا من قيمة الحجة صار (٢)، كأنه حجّ بها قبل الأداء، وإذا لم تعتبر قيمة الحجة عوضا كان إعتاقا بغير عوض، فيعتبر من الثلث، فإن قالت الورثة: نحن

стр. 661

نأخذ ثلثي قيمة الحجة، ليس لهم ذلك، لما قلنا أن القيمة لم تصر ملكا للمولى، أقصى ما في الباب أن في هذا تأخير حق الورثة، إلا أن ضرر التأخير دون ضرر الإبطال، فرجّحنا جانب العبد. فإن كان أوصى مع هذا الرجل بثلث ماله، سعى العبد في ثلثي قيمته للورثة، ويكون ثلث العبد بين العبد وبين الموصى له بالثلث على أربعة، يضرب العبد بجميعه في الثلث، والموصى له بالثلث في الثلث، فصار الثلث أربعة، يسعى له في سهم، ويحطّ عنه ثلاثة أسهم من أثني عشر سهما. ولو قال لعبده: حَجّ عني بعد موتيَ حَجّة وأنت حُرّ، فمات المولى في شوّال، وقالت الورثة: لا نَدَع العبد يخرج إلى الحج العام، كان لهم ذلك، لأن مقدار الثلثين من الرقبة والخدمة حق الورثة، فإذا خرج إلى الحج يُشغل عن خدمتهم، وبعد ما حجّ يجب إعتاقه، فيبطل حق الورثة عن الخدمة، فكان لهم أن يمنعوه إلى السنة الثانية، حتى يصل إليهم من منافعه ضِعف ما يصرفه إلى الحج. اعتبر الثلث والثلثين في المنافع، وأظهر حكم الوصية فيها، ولم يفعل كذلك في حق الكسب، حتى لو قال له: أدّ إلى وصيّي قيمة حجة، فإذا أديتها فحج بها عنّي فأنت حُرّ، لم يكن للورثة أن يأخذوا شيئا من قيمة الحجة. والفرق أن العبد مُطالَب بصرفِ منافعه إلى خدمة مولاه، فكانت المنافع مملوكة للمولى، فيعتبر فيها معنى الوصية، أما العبد لا يطالب بالكسب، ولا يجبر عليه، فلا يعتبر ذلك مال المولى قبل الأداء، ولأن في تعليق العتق بأداء المال ما فضَل عن الكسب بعد الأداء يسلم لهم، وهنا بعد أداء الحج يجب إعتاقه، فلا يسلم للورثة شيئ فافترقا من هذا

стр. 662

الوجه (١). وإن مات المولى في شوّال، فقالت الورثة للعبد: اخرج إلى الحج في هذه السنة، وأبَى العبد، فرفعوا الأمر إلى القاضي، يأمره القاضي بالخروج، وأخبَرَه أنه لو (٢) إن لم يخرج يردّه إلى الرق، لأن في التأخير وقف العبد، وفيه ضرر بالورثة، لأنهم لا يملكون البيع ونحو ذلك، لما فيه من إبطال الوصية، ولا يملكون الاستسعاء، لأن أوَان الاستسعاء إنما يكون عند العتق، فكان للقاضي أن يدفع هذا الضرر، وذلك يكون (٣) للقاضي دون الورثة، لأن إبلاء العذر إلى القاضي كتأجيل العنين وغيره (٤). فإن فعلوا ذلك بأنفسهم، ثم رفع الأمر إلى القاضي بعد ما مضت السنة، فإن القاضي لا يُبطل وصية، بل يؤجّله سنةً مستقبلة، لأن ما مضى قبل المرافَعَة غير معتبر، كما في العنين إذا صبَرت المرأة زمانا ثم خاصَمتْه إلى القاضي، فإن القاضي يؤجّله سنة مستقبلة، كذلك هنا (٥). ولو قال له المولى: حج عنّي بعد موتي في هذه السنة وأنت حُرّ، فمات المولى في شوال، فللورثة أن يمنعوه عن الحج في تلك السنة لما قلنا.

стр. 663

ولا يقال: أن فيه إبطال وصية العبد؛ لأنه علق العتق بأداء الحج في تلك السنة، فإذا لم يحج يفوت الشرط، فتبطل وصيته. قلنا: نعم! لكن لو لم يمنع من الحج (١) يبطل حق الورثة في خدمة العبد (٢) لما قلنا، فرجّحنا جانب الورثة، لأن حقهم ثبت بإثبات الله تعالى، وإنه مما لا يحتمل البطلان، وحق الموصى له ثبت بإثباته، وإنه مما يحتمل البطلان، ولهذا تبطل الوصية فيما زاد على الثلث لحق الورثة، هذا كمن قال لعبده: اخدُم فلانا هذا الشهر وأنت حُرّ، ثم مات، ولا مال له سواه، وأبَى الورثة أن يخدم فلانا الشهر، فإنه يخدم الموصى له يوما والورثة يومين، وإذا مضى الشهر بطلت وصيته كذلك ههنا. ولو قال له المولى: حَجّ عني [بعد موتي] (٣) بخمس سنين في سنة كذا وأنت حرّ، فأراد الورثة أن يعجّلوا ذلك، لم يكن لهم ذلك، لأن تنفيذ الوصية حق الميت، فيراعى فيه شرط الميت، وليس في التأخير إبطال حق الورثة، فإن لهم ولاية الاستخدام والاستغلال وغير ذلك من التصرفات إلى تلك السنة، إلا البيع، والموصى يملك إبطال حق الورثة في البيع، ألا ترى أنه لو أوصى بأن يخدم فلانا خمس سنين، فإنه يخدم الورثة يومين، وفلانا يوما، ولا يملك الورثة بيعه. وكذا لو قال: يخدم فلانا عشر سنين ثم هو حُرّ، يصح ذلك، فيخدم الورثة يومين،

стр. 664

والموصى له يوما إلى تمام ثلاثين سنة، ثم يعتق، وعليه السعاية في ثلثي قيمته، وليس لهم أن يبيعوه. كذلك هنا يخدم الورثة إلى تلك السنة، ثم يحجّ عن الميت في تلك السنة، ثم يعتق، ويسعى للورثة في ثلثي قيمته، فإن كان أوصى مع ذلك لرجل بثلث ماله، سعى للورثة في ثلثي قيمته وللموصى له في ربع الثلث، وسلم له الباقي. وأما الفصل الثالث وهو التعليق بأداء المال: فهو على وجهين: إما إن علّقه بأداء مال مطلقٍ غير مقيد بصفة، أو قيّده بصفة، وكل (١) ذلك على وجهين: إما إن كان شيئا يصلح بدلا في الكتابة أو لا يصلح. أما إذا علقه بأداء مال مطلق، فقال: إذا أدّيت إليّ ألف درهم فأنت حُرّ، فأتى بالألف، أجبر [المولى] (٢) على القبول، لأنه عِوَض. وإن جاء بخمسمائة، القياس أن لا يجبر على القبول، لأنه لا يحصل (٣) به العتق، فلا يجبر، كما لو قال: إذا أديت إلى ألفا فجهت بها فأنت حر، فجاد بألف لا يجبر على القبول لأنه لا ينزل به العتق، وإنما ينزل بالحج (٤) كذلك هنا، وفي الاستحسان يجبر، لأنه بعض العوض، وللبعض حكم الكل، كبعض بدل الكتابة وبعض الثمن. بخلاف فصل الاستشهاد، لأن ثمّة لَمّا عطف عليه ما لا يصلح عوضا، وهو الحج،

стр. 665

ترجّح جانب الشرط، وبطل حكم (١) العوض، ولأن العادة فيما بين الناس أنهم لا يريدون به أداء الكل دفعةً واحدة، لأن ذلك مما لا يتيسّر عليهم، كيف وأن الأداء لا يكون إلا بالوزن، وأنها تُوزن على التفاريق لا جملةً، و"المعروف عرفا كالمشروط شرطا" (٢). ولو شُرِط التفاريق فقال: إذا أدّيت إليّ ألفا، خمسمائة اليوم، وخمسمائة إذا قدم فلان فأنتَ حُرّ، فأتى بخمسمائة في اليوم قبل قدوم فلان، يجبر على القبول، وإن كان لا يحصل به العتق، كذلك هنا. ولو قال: إذا قدم فلان فأدّيت إليّ ألفا فأنت حُرّ، فجاء بألف بعد قدوم فلان، أجبر

стр. 666

على القبول، لأن المعلق بالشرط عند وجود الشرط كالمنجز، فصار كأنه قال بعد القدوم: إذا أديت إليّ ألفا فأنت حُرّ، فجاء بالألف، يجبر على القبول، كذلك هنا. ولو جاء بألف قبل قدوم فلان، لا يجبر على القبول، لأن هذا كلام تعلّق ثبوته بالقدوم، فلا يظهر حكم المعاوضة قبل القدوم، ولو قبِل المولى لا يعتق، لأن العتق لم يتعلق بالأداء قبل القدوم، فلا ينزل عند وجوده. فإن جاء بألف بعد قدوم فلان، وقبِلها المولى، [عتق لوجود الشرط] (١)، ثم علم أن الألف كان من كَسْب اكتسبها قبل القدوم، رجع المولى عليه بمثلها، لأن أكساب العبد قبل القدوم مال المولى، لأنها كسب عبده، وإنما تصير للعبد في ضمن اليمين حين يصير مأذونا في التجارة، وإنما يثبت اليمين بعد القدوم، فقبل القدوم يكون محجورا عن (٢) التجارة، فكانت مكاسبه للمولى، فيعتق بالأداء لوجود الشرط، ثم يرجع عليه بمثلها. كما لو قال: إن أدّيتَ إليّ ألفا فأنت حُرّ، فسرق ألفا، وأدّاه إليه يعتق، ثم يرجع عليه بمثلها عند الاستحقاق، كذلك هنا. ولو قال لعبده (٣): إن أدّيت إليّ عبدا فأنت حُرّ، أو قال: إن أدّيت إليّ كر حنطة فأنت حُرّ، فجاء إليه بعبد وسط أو مرتفع، يجبر على القبول، لما ذكرنا أن فيه معنى المعاوضة، فيجبر على القبول.

стр. 667

وإن جاء بعبد ردئ، لا يجبر على القبول، لأن الجبر على القبول من قضيات المعاوضة، واعتبار المعاوضة يوجب تعيين الوسط رعايةً للجانبين، فلا يجبر على قبول الردئ، فإن قبِل عتق، لأن اسم العبد واسم الحنطة يتناول الكل، وتعيين الوسط كان لدفع الضرر من الجانبين، فإذا تحمّل الضرر، وقبل الردئ عتق لوجود الشرط. ولو قال: إن أديت إليّ عبدا وسطا، أو كرا وسطا فأنت حُرّ، فجاء بعبد وسط، يجبر على القبول، ولو جاء بعبد أو كر ردئ أو مرتفع، لا يجبر علي القبول، وإن قبِل لا يعتق. فرق بين هذا وبين الكتابة، فإن ثمّة إذا جاء بجيّد يجبر على القبول، ولو جاء بكر ردئ لا يجبر على القبول (١)، ولو قبل يعتق. والفرق ما قلنا في أصل الباب: أن معنى المعاوضة في الكتابة أصل يقبل الحطّ، ولهذا لو أبرأه عن بدل الكتابة يعتق، فكذا إذا أبرأه عن صفة الوساطة، وفي تعليق العتق (٢) بالأداء جانب اليمين راجح، ولهذا لو أبرأه عن البدل لا يعتق، فيجب فيها اعتبار ما تلفّظ به، فلا يعتق بدونه لفقد الشرط (٣). كما لو قال لعبده: إذا أديت إليّ ألفا في كيس أبيض فأنت حُرّ، فأدّى إليه ألفا في كيس أسود، وقبِل المولى، لا يعتق لعدم الشرط، كذلك هنا، بخلاف ما إذا لم يقيّده بصفة

стр. 668

الوساطة، لأن ثمّة تعليق العتق بأداء العبد المطلق، وأداء الكر، واسم العبد يتناول الكل، فإذا قبِل يعتق لوجود الشرط. كما لو قال لعبده: إذا أديت إليّ ألفا في كيس أبيض فأنت حر، فأدى إليه ألفا في كيس أسود وقبل المولى لا يعتق لعدم الشرط كذلك ههنا. بخلاف ما إذا لم يقيده بصفة الوساطة لأن ثمة تعلق العتق [بأداء] العبد المطلق [وأداء] [الكر]، واسم العبد يتناول الكل، فإذا قبل يعتق لوجود الشرط (١). وإذا قال لعبده: أعتق عنّي عبدا وأنت حُرّ، ذكرنا أنه ينصرف إلى الوسَط، فإن اشترى عبدا مرتفعا، وأعتق، جاز شراؤه، ولا يعتق واحد منهما لما قلنا. فرق بين هذا وبين ما لو علّق العتق بأداء العبد، فقال: إذا أديت إليّ عبدا فأنت حُرّ (٢)، ينصرف إلى الوسط، فإن جاء بعبد مرتفع، يجبر على القبول ويعتق. والفرق أن المذكور في الفصلين العبد المطلق، وانصرف إلى الوسط (٣)، إلا أن في تعليق العتق بأداء العبد ضرر تسليم الجيد يرجع إلى العبد دون المولى، فإنه المولى (٤) يسلم له صفة الجودة، فإذا رضي به العبد صح أداء الجيد. أما في فصل الإعتاق ضرر إعتاق الجيد يرجع إلى المولى، لأن ذلك يهلك على

стр. 669

ملكه، والمولى لم يرض بذلك، فلا يصح إعتاق الجيد، فلا يعتق المأمور ضرورة. ثم استشهد ﵀ فقال: ألا ترى أنه لو استفاد عبدين وسطين (١) فأعتقهما، لم ينفذ عتقه فيهما، لأن المولى ما رضي إلا بعتق أحدهما وكسبه للمولى، فلا يملك إزالة ملكه إلا بإذنه، كذلك هنا فضل الجَودة في العبد الواحد ملك المولى، فلا يملك إزالتها إلا بإذنه (٢)، إلا أن في العبد الواحد لا ينفذ إعتاقه أصلا، وفي العبدين الوسطين يعتق أحدهما بغير عينه، لأن في العبد الواحد صفة الجودة لا تقبل الفصل عن الأصل، فإذا تعذر تنفيذ العتق فيها، بطل أصلا. أما في العبدين كل واحد منهما منفصل عن الآخر، وهو ممتثل أمره في أحدهما، فيعتق أحدهما بغير عينه، ويرجع في البيان إلى المولى، لأن العتق ينفذ من جهته، ويعتق المأمور لوجود الشرط. ولو قال: إذا أديت إليّ ألف درهم فأنت حُرّ، فباعه، ثم اشتراه، فأدى إليه (٣) الألف، لا يجبر المولى (٤) على القبول لأن الجبر على القبول (٥) حكم الكتابة، لا حكم اليمين، فإن الحالف لا يجبر على تحصيل شرط الحنث، والكتابة تبطل بالبيع، ألا ترى أن

стр. 670

المكاتَب إذا بيع براضاه حتى نفذ البيع، تبطل الكتابة، كذلك هنا تبطل الكتابة، ويبقى اليمين، حتى لو قبِل يعتق لوجود الشرط. وكذا لو ردّ عليه بعيب أو بخيار شرط أو رؤية، لأنه عاد إليه بعد خروجه عن ملكه، وبخروجه عن ملكه يبطل معنى الكتابة، وشبه هذا في الكتابة بما لو كاتب عبدَه على أنه بالخيار ثلاثة أيام، ثم باعه، يجوز بيعه، وتبطل الكتاب (١)، حتى لو اشتراه بعد ذلك لم يكن مكاتبا، كذلك هنا، وإذا بطل معنى المعاوضة ذهب الجبر على القبول، لأنه من أحكام المعاوضة. هذا إذا علّق العتق بأداء مالٍ معلوم يصلح بدلًا في الكتابة، وإن علّقه بأداء مال مجهول، فقال: إذا أدّيت إليّ دراهم فأنت حُرّ، فأتاه بثلاثة دراهم فصاعدا إلى تمام قيمته أو أكثر، لا يجبر على القبول، لأن الجبر على القبول بحكم المعاوضة، والدراهم المجهولة لا تصلح بدلًا، لأنه لا نهاية لما يتناوله هذا الاسم، فكانت مُفضِية إلى المنازعة، ولا يمكن دفعها بتعيين بعض الأعداد، وإذا بطل معنى الكتابة، بقيت يمينا، لأن الجهالة لا تمنع صحة اليمين، فإذا أتاه بثلاثة دراهم، وقبِلها عتق لوجود الشرط، لأن الثلاث جمع مطلق. وكذا لو قال: إذا أدّيت إليّ ثوبا فأنت حُرّ، لأن الثوب يتناول أجناسا مختلفة، فكانت الجهالة فاحشة، وإن أتاه بثوب، وقبِل، عتق لوجود الشرط. ولو قال لورثته: إذا أتاكم عبدي بعد موتي بكرّ حنطة أو بعبد فهو حُرّ، فهو على الوسط، وإن أتاهم بذلك، وقبِلوا، لا يعتق إلا بإعتاق من كان خَلَفا عن الميت لما قلنا.
следующие страницы →