المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الحمد لله على ما أولى من جزيل عطائه، وأسنى من جميل بلائه، حمدا نستديم به نعمه، ونستدفع به نقمه، ونستدعى به مزيده. وصلى الله على خير الأنبياء، وأفضل الأصفياء: محمد وآله وسلم تسليما؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل.
سألت، حرس الله النعمة عليك، وأسبغ الموهبة لديك، أن أذكر لك طرفا مما أنكر على الشعراء فى أشعارهم من العيوب التى سبيل أهل عصرنا هذا ومن بعدهم أن يجتنبوها ويعدلوا عنها؛ فأجبتك إلى ما سألت، وعملت فيه بما أحببت؛ وأودعت هذا الكتاب ما سهل وجوده، وأمكن جمعه، وقرب متناوله من ذكر عيوب الشعراء التى نبّه عليها أهل العلم، وأوضحوا الغلط فيها: من اللحن، والسناد، والإيطاء، والإقواء، والإكفاء، والتضمين، والكسر، والإحالة، والتناقض، واختلاف اللفظ، وهلهلة النسج، وغير ذلك من سائر ما عيب على الشعراء قديمهم ومحدثهم فى أشعارهم خاصة؛ سوى عيوبهم فى أنفسهم وأجسامهم، وأخلاقهم وطبائعهم، وأنسابهم ودياناتهم، وغير هذه الخصال من معايبهم؛ فإنا قد استقصيناه فى كتابنا الذى لقّبناه ب (المفيد) وغيره من كتبنا التى ضمنّاها أخبار الشعراء، وشرحنا فيها أحوالهم؛ وسوى سرقات معانى الشعر؛ فإنها أحد عيوبه، وخاصة إذا قصّر قول السارق عن مدى المسروق؛ فإنا قد أتينا بكثير من ذلك فى (كتاب الشعر) الذى نبهنا فيه على فضائله، ووصف نعوته وعيوبه.
وابتدأنا بباب أبنّا فيه عن حال السّناد والإيطاء، والإقواء والإكفاء: وإن لم يكن هذا الكتاب مفتقرا إلى ذكره؛ وإنما أوردناه لما جاء فيه من الأشعار المعيبة، لأنها إذا نسبت إلى رواتها مجتمعة كان أبلغ فيما قصدنا له، وأقرب إلى فهم القارئ وقلب السامع، وإن كان بعضها يجىء متفرقا فى أبواب قائليها من غير هذه الوجوه وبغير هذه الروايات.
стр. 2
وختمنا هذا الكتاب بباب أتينا فيه بما روى من ذمّ ردىء الشعر وسفسافه «١» والمضطرب منه.
وعلى أنّ كثيرا مما أنكر فى الأشعار قد احتجّ له جماعة من النحويين وأهل العلم بلغات العرب، وأوجبوا العذر للشاعر فيما أورده منه، وردّوا قول عائبه والطاعن عليه؛ وضربوا لذلك أمثلة قاسوا عليها ونظائر اقتدوا بها؛ ونسبه بعضهم إلى ما يحتمله الشعر أو يضطرّ إليه الشاعر.
ولولا أنه لا يجوز أن نبى قولا على شىء بعينه ثم نعقّب بنقضه فى تضاعيفه لذكرنا الاحتجاج للشعراء فى هذا الكتاب؛ ولكنّا نفرد له رسالة إن شاء الله.
ونعوذ بالله من التشاغل بغير ما قّرب منه وأدّى إلى طاعته؛ ونسأله التوفيق لأرشد الأمور وأحسنها بديئا وعاقبة بمنّه وكرمه وهو حسبنا ونعم الوكيل وقد ذكر جماعة من شعراء الإسلام ومن تبعهم فى أشعارهم عدولهم عما أنكر على من تقدّمهم من هذه العيوب التى تقدّم ذكرها؛ فقال ذو الرّمة «٢» :
وشعر قد أرقت له طريف «٣» ... أجنّبه المساند والمحالا
وقال جرير:
فلا إقواء إذ مرس «٤» القوافى ... بأفواه الرّواة ولا سنادا
وقال عدىّ بن الرّقاع [٣] «٥» :
وقصيدة قد بتّ أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقّف فى كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها «٦»
стр. 3
وقال السيد بن محمد الحميرى:
وإنّ لسانى مقول لا يخوننى ... وإنى لما آتى من الأمر متقن
أحوك ولا أقوى ولست بلا حن ... وكم قائل للشعر يقوى ويلحن
وقال إسحق بن إبراهيم الموصلى- وذكر قصيدة:
فلما أقمت الميل منها ولم أدع ... بها أودا مما يعاب ولا كسرا
أتيتك أهديها إليك تقرّبا ... وشكرا لنعمى منك تستغرق الشكرا
وقال أبو العميثل «٧» :
أقمت اعوجاج الشعر حتى تركته ... قداح ثقافى نابل وابن نابل «٨»
فدونكماه لا بمنتشر القوى ... ضعيف ولا مستغلق متعاظل
قصائد أشباه كأنّ متونها ... متون أنابيب الوشيج العوامل «٩»
وقال أبو تمام يصف قصيدة «١٠» :
منزّهة عن السرق المورّى ... مكرّمة عن المعنى المعاد
وقال أبو حاتم سهل بن محمد السجستانى:
خذها إليك هدية من شاعر ... لا يستثيب ثوابها إهداؤه
نظم ابن آداب تنخّل شعره ... لم يمح رونق شعره إكفاؤه
لم يقو فيه ولم يسانده ولم ... يوطئ فيوهى نظمه إيطاؤه
стр. 4
البيان عن السناد والإقواء والإكفاء والإيطاء
حدثنا على بن سليمان الأخفش النحوى، قال: حدثنا إبراهيم بن موسى بن جميل الأندلسى بمصر، قال: حدثنى أبو مسهر أحمد بن مروان، قال: حدثنا إبراهيم بن عمّار الحميرى، قال سمعت أبا عمر الجرمى «١١» يقول: عيوب الشعر الإقواء والإكفاء والإيطاء والسّناد.
فأما الإقواء فرفع بيت وجرّ آخر.
وأما الإكفاء فاختلاف حرف الروىّ.
والعرب قد تخلط فيما بين الإكفاء والإقواء، ولكن وضعنا هذه الأسماء أعلاما لتدل على ما نريد.
وأما السّناد فاختلاف كلّ حركة قبل الروىّ.
وأما الإيطاء فأن يقفّى بكلمة ثم يقفّى بها فى بيت آخر «١٢» .
وقد أوطأت الشعراء؛ أنشدنى الأصمعى وأبو عبيدة جميعا للنابغة الذبيانى «١٣» :
أواضع البيت فى خرساء «١٤» مظلمة ... تقيّد العير «١٥» لا يسرى بها السارى [٤]
ثم قال فيها أيضا:
لا يخفض الرّزّ عن أرض ألمّ بها ... ولا يضبّ على مصباحه السّارى «١٦»
وزعما جميعا أنّ مقبل قال «١٧» :
أو كاهتزاز ردينىّ تداوله ... أيدى التجار فزادوا متنه لينا
стр. 5
ثم قال فيها أيضا «١٨» :
نازع ألبابها لبّى بمقتصر «١٩» ... من الأحاديث حتى زدتنى لينا
قال: ومن الحروف التى تحتاج إليها القافية التأسيس والرّدف؛ ومن الحركات التى تحتاج إليها القافية الحذو والتوجيه والإشباع.
فأما التأسيس فهو ألف بينها وبين حرف الروىّ حرف متحرك، ولا يكون التأسيس إلا ألفا؛ نحو قول النابغة «٢٠» :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب «٢١» ... وليل أقاسيه بطىء الكواكب
فإذا أسّست بيتا ولم تؤسس آخر فهو سناد، وهو عيب قلما جاء؛ كقول العجاج «٢٢» :
يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى
ثم قال:
بسمسم أو عن يمين سمسم «٢٣»
ثم قال:
فخندف هامة هذا العالم «٢٤»
قال: وكان رؤبة يعيب هذا على أبيه.
قال: وذكروا أن قوما همزوها، فإن همزوها فليست بتأسيس.
стр. 6
قال: والردف يكون ياء أو واوا أو ألفا قبل حرف الروىّ لا صقة به؛ فالياء: رقيب، والواو: طروب، والألف: أطلال. هذه الألف تلزم فى هذا الموضع القصيدة جمعاء، ولا تجوز معها الياء ولا الواو؛ وتجوز الياء مع الواو؛ مثل مشيب وخطوب، والأمير ووعور.
فإن أردفت بيتا وتركت آخر فهو سناد وعيب؛ نحو قول الشاعر «٢٥» :
إذا كنت فى حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه
وإن باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه
فالواو التى فى توصه ردف، والصاد حرف الروىّ؛ والبيت الثانى ليس بمردف؛ فهذا سناد؛ وهو عيب، وقلما جاء.
قال: والحذو حركة الحرف الذى قبل الردف، نحو «قولا» مع «قيلا» ؛ لأن الكسرة قبل الياء والضمة قبل الواو، والحذو يتبع الرّدف.
قال: ولو جاء قولا مع قولا وبيعا مع بيعا لم يجز؛ لأن أحد الحذوين يتابع الرّدف والآخر يخالفه؛ وهو سناد، وهو عيب؛ نحو قول عمرو بن الأيهم التغلبى «٢٦» :
ألم تر أنّ تغلب أهل «٢٧» عزّ ... جبال معاقل ما يرتقينا
شربنا من دماء بنى سليم «٢٨» ... بأطراف القنا حتّى روينا
والحذو: كسر الواو فى روينا، وهذا سناد، وهو عيب «٢٩» .
قال: والتوجيه حركة الحرف الذى قبل حرف الروى فى المقيّد خاصة، وليس للمطلق توجيه؛ كقول العجاج «٣٠» :
قد جبر الدّين الإله فجبر
стр. 7
ففتحها كلها وقال لبيد «٣١» :
تمنّى ابنتاى أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر
فإن حان يوما أن يموت أبوكما ... فلا تخمشا وجها ولا تحلقا الشّعر
وكان الخليل يقول: تجوز الضمة مع الكسرة، ولا تجوز مع الفتحة غيرها؛ فإن كان مع الفتحة ضمة أو كسرة [٥] فهو سناد. والجيّد قول طرفة «٣٢» :
أرّق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر «٣٣»
قال الخليل: أجزت الضمة مع الكسرة كما أجزت الياء مع الواو فى الردف. وأما القبيح فقول رؤية «٣٤» :
وقاتم «٣٥» الأعماق خاوى المخترق
ثم قال:
ألّف شتّى ليس بالراعى الحمق «٣٦»
ثم قال:
مضبورة «٣٧» قرواء هر جاب فنق «٣٨»
وقال الأعشى «٣٩» .
стр. 8
غزاتك بالخيل أرض العدو ... وفاليوم من غزوة لم تخم
وجيشهم ينظرون الصّباح ... وجذعانها كلفيظ العجم «٤٠»
قعودا بما كان من لأمة ... وهنّ قيام يلكن الّجم «٤١»
وقال طرفة «٤٢» :
نزع الجاهل فى مجلسنا ... فترى المجلس فينا كالحرم
ثم قال:
فهى تنضو قبل الداعى إذا ... جعل الداعى يخلّل ويعم
قال أبو عمر: وكان الأخفش لا يرى هذا سنادا، ويقول: قد كثر من فصحاء العرب.
والإشباع. حركة الذى بين ألف التأسيس وبين حرف الروىّ، كالحواجب فكسرة الجيم الإشباع. وقال الأخفش: وتجوز الكسرة مع الضمة وتقبح الفتحة مع واحدة منهما، فما جاء مكسورا فى القصيدة كلها قول النابغة «٤٣» :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب
فكسر القصيدة كلها.
وأما ما يقبح ويكون سنادا، فقول ورقاء بن زهير «٤٤» :
стр. 9
رأيت زهيرا تحت كلكل خالد ... فأقبلت أسعى كالعجول أبادر
فشلّت يمينى يوم أضرب خالدا ... ويمنعه منى الحديد المظاهر
فهذا يقبح. وكان الخليل لا يراه سنادا.
وقال الراجز:
يا نخل ذات السّدر والجراول «٤٥» ... تطاولى ما شئت أن تطاولى
إنّا سترميك بكلّ بازل
الجراول: الحجارة العظام شبه الأفهار، ويريد بطن نخلة بطريق مكة.
قال: والإقواء فهو اختلاف المجرى، والمجرى: حركة حرف الروىّ الذى تبنى عليه القصيدة؛ كقول امرئ القيس «٤٦» :
ألا انعم صباحا أيها الطلل البالى ... وهل «٤٧» ينعمن من كان فى العصر الخالى
فكسرة اللام هى المجرى؛ فإن اختلف ذلك فهو عيب وهو الإقواء، وهو رفع بيت وجرّ آخر، كقول النابغة «٤٨» :
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب «٤٩» الأسود
لا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبّة فى غد
وكقول دريد بن الصّمّة «٥٠» :
نظرت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصّياصى فى النّسيج الممدّد «٥١»
стр. 10
ثم قال:
فأرهبت عنه القوم حتّى تبدّدوا ... وحتّى علانى حالك اللون أسود
وكقول حسّان بن ثابت الأنصارى «٥٢» :
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير
ثم قال:
كأنهم قصب «٥٣» جوف أسافله ... مثقّب نفخت فيه الأعاصير
ولا يكون النصب مع الجرّ ولا مع الرفع؛ وإنما يجتمع الرّفع والجرّ لقرب كل واحد منهما من صاحبه [٦] ، ولأن الواو تدغم فى الياء، وأنهما يجوزان فى الرّدف فى قصيدة واحدة؛ فلما قربت الواو من الياء هذا القرب أجازوها معها؛ وهى مع ذلك عيب. وليس للمقيّد مجرى إنما هو للمطلق.
قال: ومن حركات القافية النفاذ؛ وهو حركة الهاء التى للوصل؛ كقول لبيد «٥٤» :
عفت الديار محلّها فمقامها ... بمنى تأبّد غولها فرجامها «٥٥»
فإذا اختلف ذلك فهو نحو الإقواء.
قال أبو عمر: ولا نعلمه جاء فى شىء من الشعر لإنسان فصيح؛ فإن جاء فهو إقواء، وهو عيب.
قال: والإكفاء اختلاف حرف الروى؛ وهو غلط من العرب، ولا يجوز ذلك لغيرهم؛ لأنه غلط، والغلط لا يجعل أصلا فى العربية. وإنما يغلطون إذا تقاربت مخارج الحروف. قال أبو عمر: والإكفاء عند العرب المخالفة فى كل شىء. قال: وأنشدنا أبو زيد لذى الرّمة «٥٦» :
стр. 11
ودوّيّة قفر يرى وجه ركبها «٥٧» ... إذا ما علوها مكفا «٥٨» غير ساجع
قال: فالمكفأ المختلف. والساجع: المتتابع. قال: فسمينا ما اختلف رويّه بهذا الاسم.
قال: وأنشدنى أبو عبيدة لجوّاس بن هريم:
قبّحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية «٥٩» ضبّ فى صقع
الكشية: شحمتان فى باطن صلب الضبّ.
وأنشد أبو عبيدة لامرأة من خثعم عشقت رجلا من عقيل «٦٠» :
ليت «٦١» سماكيّا يحار ربابه ... يقاد إلى أهل الغضا بزمام
فيشرب منه جحوش ويشيمه ... بعينى قطامّى أغرّ يمانى ٦»
وأنشد أبو عبيدة لابنة أبى مسافع- وقتل أبوها يوم بدر وهو يحمى جيفة أبى جهل «٦٣» :
فما «٦٤» ليث غريف ذو ... أظافير وإقدام
كحيّى إذ تلاقوا و ... وجوه القوم أقران
وأنت الطّاعن النّجلا ... ء منها مزبد آن
وبالكفّ حسام صا ... رم أبيض خدّام
وقد ترحل بالركب ... وما نحن «٦٥» بصحبان «٦٦»
стр. 12
قال: وسمعت بعض العرب ينشد «٦٧» :
إن يأتنى لصّ فإنى لصّ ... أطلس مثل الذئب إذ يعتسّ
سوقى حدائى وصفيرى النّس «٦٨»
وأنشد أبو سليمان الغنوىّ- وكان فصيحا «٦٩» :
يا ريّها اليوم على مبين ... على مبين جرد القصيم «٧٠»
قال: وسمعت الأخفش ينشد «٧١» :
إذا ركبت «٧٢» فاجعلونى وسطا ... إنى كبير لا أطيق العنّدا «٧٣»
قال: وزعم أبو عبيدة أنّ حكيم بن معيّة التميمى قال «٧٤» :
قد وعدتنى أمّ عمرو أن تا ... تدهن «٧٥» رأسى وتفلّينى وا
وتمسح القنفاء حتّى تنتا «٧٦»
وقال آخر:
بالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشرّ إلا أن تا
يريد فشرّا، ويريد إلا أن تريد. قال: فسألت الأصمعى عن ذلك، فقال: هذا ليس بصحيح فى كلامهم؛ وإنما يتكلمون به أحيانا.
стр. 13
قال: وكان رجلان من العرب أخوان ربما مكثا عامّة يومهما لا يتكلمان. قال: ثم يقول أحدهما «ألا تا» ؛ يريد ألا تفعل. فيقول صاحبه: «بلى فا» ، يريد فأفعل.
وليس هذا بكلام مستعمل [٧] فى كلامهم.
أخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا محمد بن يزيد النّحوى، قال: حدثنى الجرمىّ، قال: قال الخليل بن أحمد: رتّبت البيت من الشّعر ترتيب البيت من بيوت العرب الشّعر- يريد الخباء- قال: فسمّيت الإقواء ما جاء من المرفوع فى الشعر والمخفوض على قافية واحدة؛ كقول النابغة «٧٧» :
عجلان ذا زاد وغير مزوّد «٧٨»
ثم قال:
وبذلك خبّرنا الغراب الأسود «٧٩»
قال: فيروى أن النابغة فهّم ذلك فغيّره.
قال: وإنما سميته إقواء لتخالفه؛ لأن العرب تقول: أقوى الفاتل إذا جاءت قوة من الحبل تخالف سائر القوى. قال: وسميت تغيّر ما قبل حرف الروىّ سنادا من مساندة بيت إلى بيت إذا كان كلّ واحد منهما ملقى على صاحبه ليس مستويا كهذا، ومثل ذلك من الشعر «٨٠» :
فاملئى وجهك الجميل خموشا
ثم قال:
وبنا سميت قريش قريشا
قال: وسميت الإكفاء ما اضطرب حرف رويّه، فجاء مرة نونا ومرة ميما ومرة لاما؛ وتفعل العرب ذلك لقرب مخرج الميم من النون، مثل قوله «٨١» :
стр. 14
بنات وطّاء على خدّ الليل ... لا يشتكين ألما ما أنقين «٨٢»
مأخوذ من قولهم: مكفأ إذا اختلفت شقاقه التى فى مؤخره. والكفأة: الشّقّة فى مؤخّر البيت.
والإيطاء: ردّ القافية مرتين كقوله:
وتخزيك يابن القين أيام دارم
وقال فيها:
وعمرو بن عمرو إذ دعا يالدارم
قال الجرمى: والأخفش يضع الإكفاء فى موضع السناد، والسناد فى موضع الإكفاء على هذا الاشتقاق.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٨٣» ، قال: الإكفاء هو الإقواء مهموز، وهو أن يختلف إعراب القوافى، فتكون قافية مرفوعة، وأخرى مخفوضة أو منصوبة؛ وهو فى شعر الأعراب كثير، وهو فيمن دون الفحول من الشعراء أكثر؛ ولا يجوز لمولّد؛ لأنهم عرفوا عيبه، والبدوىّ لا يأبه له، فهو أعذر، وهو نحو قول جرير «٨٤» :
عرين من عرينة ليس منّا ... برئت إلى عرينة من عرين «٨٥»
عرفنا جعفرا وبنى عبيد ... وأنكرنا زعانف آخرين «٨٦»
وقال سحيم بن وثيل «٨٧» :
عذرت البزل إن هى خاطرتنى ... فما بالى وبال ابنى لبون «٨٨»
стр. 15
وماذا يدّرى الشعراء منّى ... وقد جاوزت رأس الأربعين «٨٩»
فموضع هذه الأبيات- التى له ولجرير- النصب.
والإيطاء أن تتفق القافيتان فى قصيدة واحدة. وإن «٩٠» كان أكثر من قافيتين فهو أسمج له، وقد يكون؛ ولا يجوز لمولّد إذ كان عنده عيبا.
والسناد «٩١» أن تختلف القوافى، نحو نقيب وعيب؛ وقريب وشيب، مثل قول الفضل بن العباس اللهبى «٩٢» :
عبد شمس أبى فإن كنت غضبى ... فاملئى وجهك الجميل خموشا
ثم قال:
وبنا سميت قريش قريشا «٩٣»
وقال:
ولا تملّيت عيشا
وقال عدى بن زيد «٩٤» :
ففاجأها وقد جمعت جموعا «٩٥» ... على أبواب حصن مصلتينا
فقدّمت الأديم لراهشيه «٩٦» ... وألفى قولها كذبا ومينا
وقال المفضل: «كذبا مبينا» ؛ فرّ من السناد [٨] ، والرواية هى الأولى على قوله:
«ومينا» .
стр. 16
وقال الفضل بن عبد الرحمن بن العباس فى مرثية زيد بن على بن الحسين رضى الله تعالى عنهم:
ليس ذا حين الجمود
ثم قال:
فوق العمود
ثم قال «٩٧» :
وكيف جمود عينك بعد زيد
ومنه قول العرب «٩٨» :
خرج القوم برأسين متساندين؛ أى هذا على حياله وهذا على حياله. وهو من قولهم:
كانت قريش يوم الفجار متساندين: أى لا يقودهم رجل واحد.
وقد «٩٩» تغلط [فى ذلك «١٠٠» ] مقاحيم الشعراء وثنيانهم. والمقحم الذى يقتحم «١٠١» سنّا إلى أخرى «١٠٢» ، وليس بالبازل ولا المستحكم، والثنيان: العاجز الواهن.
وقد يغلطون فى السين والصاد، والميم والنون، والدال والطاء، وأحرف يتقارب مخرجها من اللسان يشتبه عليهم. أنشدنى أبو العطّاف «١٠٣» :
أرمى بها مطالع النجوم ... رمى سليمان بذى غضون
وقال رغيب بن قيس «١٠٤» العنبرى:
نظرت بأعلى الصّوق والباب دونه ... إلى نعم ترعى قوافى مسرد
стр. 17
الصّوق: يريد السوق. ثم قال:
عجيل مخلط «١٠٥»
فقلت: قل «معقد» فيصحّ لك المعنى وتستقيم القوافى. قال: أجل فاستعدته فعاد إلى [قوله] «١٠٦» الأول.
وقال أبو الدّهماء العنبرى «١٠٧» :
فلا عيب فيها غير أنّ جنينها ... جهيض وفى العينين منها تخاوص «١٠٨»
ثم قال:
بالثياب الطّيالس
ثم قال:
والماء جامس
وكان يقول الصّويق. وبرّ مكيول. وثوب مخيوط.
وقال أبو الدهماء يهجو شويعرا من عكل- وكان أبو الدهماء أفصح الناس- فقال يذكر جردانه «١٠٩» :
ويل الحبالى إن أصاب الرّكبا ... يستخرج الصبيان منه خذما
وأخبرنى محمد بن أبى الأزهر، قال: حدثنى محمد بن يزيد النحوىّ، قال: قال الفرزدق- يخاطب الحجّاج لما أتاه نعى أخيه محمد فى اليوم الذى مات فيه ابنه محمد:
إنى لباك على ابنى يوسف جزعا ... ومثل فقدهما للدّين يبكينى
ماسدّ حىّ ولا ميت مسدّهما ... إلّا الخلائف من بعد النبيين
стр. 18
فكسر نون النبيين. قال: وعلى هذا المذهب قول العدوانى «١١٠» .
إنى أبىّ أبىّ ذو محافظة ... وابن أبىّ أبىّ من أبّيين
وأنتم معشر زيد على مائة ... فأجمعوا أمركم كلّا «١١١» فكيدونى
قال: ولسحيم بن وثيل «١١٢» :
وماذا يدّرى الشعراء منّى ... وقد جاوزت حدّ الأربعين
أخو خمسين مجتمع أشدّى ... ونجّذنى مداورة الشّؤون «١١٣»
كلهم كسروا نون الجميع. وتكلم المبرد على ذلك.
حدثنى أحمد بن محمد العروضى، قال: الإقواء رفع قافية وخفض أخرى؛ وذلك معيب؛ قال بعضهم:
أراعك بالخابور نوق وأجمال ... ورسم عفته الرّيح بعدى بأذيال
قال: والإكفاء فساد فى القافية. ومن الناس من يجعل الإكفاء بمعنى الإقواء، ومنهم من يجعله اختلاف الحركات قبل حرف الروى. نحو قوله «١١٤» :
وقاتم الأعماق خاوى المخترق
مع قوله:
ألف شتى ليس بالراعى الحمق
فجمع بين الفتح والكسر. ومنهم من يجعله اختلاف الحروف؛ مثل قوله:
أإن زمّ أجمال وفارق جيرة ... وصاح غراب البين أنت حزين
تنادوا بأعلى سحرة وتجاوبت ... هوادر فى حافاتهم وصهيل [٩]
стр. 19
قال: والسناد هو أيضا فساد فى القافية، وقد جعله قوم بمنزلة الإقواء والإكفاء؛ وبعضهم يجعله اختلاف القافيه فى التأسيس، وهو أن يجىء بقافية فيها حرف تأسيس وقافية بغير حرف تأسيس؛ نحو قوله «١١٥» :
يا دار سلمى يا اسلمى ثم اسلمى
ثم قال:
فخندف هامة هذا العالم
فجاء بقافية فيها حرف تأسيس وهو الألف فى العالم، وقافية لا تأسيس فيها وهى اسلمى.
وقيل: إنّ السناد هو اختلاف الحركات قبل الأرداف فى مثل قوله «١١٦» :
فإن يك فاتنى أسفا شبابى ... وأمسى «١١٧» الرأس منى كاللّجين
فقد ألج الخباء على جوار ... كأنّ عيونهنّ عيون عين
ففتح الجيم من اللجين، وكسر العين من قوله عين. وقد جعل قوم حركة الدخيل سنادا.
قال: والإيطاء إعادة القافية؛ وذلك عيب. وقد استعملته العرب.
قال: والتضمين هو بيت يبنى على كلام يكون معناه فى بيت يتلوه من بعده مقتضيا له؛ فمن ذلك قوله «١١٨» :
وسعد فسائلهم والرّباب ... وسائل هوزان عنّا إذا ما
لقيناهم كيف نعلوهم ... بواتر يفرين بيضا وهاما
стр. 20
قال: ومن عيوب الشعر الرّمل. والرمل عند العرب كل «١١٩» شعر ليس بمؤلف البناء، ولا يحدّون فيه شيئا إلا أنه عيب. وقد ذكر الأخفش أنه مثل قوله «١٢٠» :
أقفر من أهله ملحوب ... فالقطبيّات «١٢١» فالذّنوب
وقوله أيضا «١٢٢» :
ألا لله قوم و ... لدت أخت بنى سهم
هشام وأبو عبد ... مناف مدره الخصم
فكأنه عنده كلّ شعر غير تامّ الأجزاء.
وقد ذكر بعض المحدثين فى أهاجيهم السناد والإقواء والإكفاء والإيطاء وغير ذلك من العيوب، وشبّهوا أحوال المهجوّ بها. فأخبرنا أبو بكر الصّولى، قال: أنشدنى عون بن محمد الكندى لبعض المحدثين وملّح:
لقد كان فى عينيك يا حفص شاغل ... وأنف كثيل «١٢٣» العود عما تتّبع
تتبعت لحنا فى كلام مرقّش ... وخلقك مبنىّ على اللّحن أجمع
فعيناك إقواء وأنفك مكفأ ... ووجهك إيطاء فأنت المرقّع
وأخبرنى على بن هارون، عن عمه يحيى بن على، عن حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبيه- أن هذه الأبيات لحماد عجرد فى حفص بن أبى ودّة، وجعل الأخير منها:
فأذناك إقواء وأنفك مكفأ ... وعيناك إيطاء فأنت المرقّع
وأخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثنا أبو عثمان الأشناندانى، قال: حدثنا التّوزى أنّ هذه الأبيات لمساور الورّاق فى حفص بن أبى ودّة.
стр. 21
وقال على بن العباس الرومى فى سوّار بن أبى شراعة:
وذكرك فى الشّعر مثل السّنا ... د والخرم والخزم أو كالمحال
وإيطاء شعر وإكفاؤه ... وإقواؤه دون ذكر الرّذال
وما عيب شعر بعيب له ... كأن يبتلى برجال السّفال [١٠]
يتاح الهجاء لهاجى الهجا ... ء داء عضالا لداء عضال
стр. 22
أولا- الشعراء الجاهليون
١- امرؤ القيس بن حجر الكندى [١]
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، عن أحمد بن أبى خيثمة، عن أبى الحسن على بن محمد المدائنى، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: قال رؤبة: ما رأيت أفخر من قول امرىء القيس «١» :
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أطلب قليل من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثّل ... وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالى
ولا أنذل من قوله «٢» :
لنا غنم نسوّقها غزار «٣» ... كأنّ قرون جلّتها العصىّ
فتملأ بيتنا أقطا وسمنا «٤» ... وحسبك من غنى شبع ورىّ
وقال أحمد بن عبيد الله بن عمّار: قد وقفنا على ما أتاه الشعراء القدماء من الزلل والخطأ فى قصيد أشعارهم وأراجيزها، قديمها وحديثها، وإحالتهم فى نسج بعضها، وما أتوا به من الكلام المذموم؛ فأوّلهم امرؤ القيس- مع جلالة شأنه، وعظيم خطره، وبعد همته- يقول مفتخرا بملكه واصفا لما يحاوله:
стр. 23
فلو أننى «٥» أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أدأب قليل من المال
والبيت الذى يليه، ثم قال- بعد هذا القول المرضىّ فى هذا المعنى البهىّ- قول أعرابى متلفّع فى شملته، لا تجاوز همته ما حوته خيمته:
إذا ما لم تكن إبل فمعزى «٦» ... كأنّ قرون جلّتها العصىّ
والبيت الذى بعده.
وقال: ولقد هجا الحطيئة الزّبرقان بن بدر بدون هذا حيث يقول «٧» :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسى
فاستعدى الزبرقان عمر بن الخطاب رحمهما الله تعالى على الحطيئة فحبسه حتى تاب وأناب.
أخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا محمد بن يزيد النّحوى، قال حدثنا المازنى، قال: سمعت الأصمعىّ يقول: كان امرؤ القيس ينوح على أبيه حيث يقول «٨» :
رب رام من بنى ثعل ... مخرج زنديه من ستره «٩»
ثم قال: أما علم أن الصائد أشدّ ختلا من أن يظهر شيئا منه.
ثم قال: فكفّيه إن كان لا بدّ أصلح. قال: فهو أصلحه «كفّيه» .
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، أخبرنا عمر بن شبّة، قال «١٠» :
تنازع امرؤ القيس بن حجر وعلقمة بن عبدة، وهو علقمة الفحل، فى الشعر: أيهما
стр. 24
أشعر؟ فقال كلّ واحد منهما: أنا أشعر منك. فقال علقمة: قد رضيت بامرأتك أمّ جندب حكما بينى وبينك. فحكّماها؛ فقالت أم جندب لهما: قولا شعرا تصفان فيه فرسيكما على قافية واحدة وروىّ واحد. فقال امرؤ القيس «١١» :
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب ... نقضّ لبانات «١٢» الفؤاد المعذّب
وقال علقمة «١٣» :
ذهبت من الهجران فى غير مذهب ... ولم يك حقّا طول هذا التجنّب «١٤»
فأنشداها جميعا القصيدتين، فقال لامرئ القيس: علقمة أشعر منك. قال:
وكيف؟ قالت: لأنك قلت «١٥» :
فللسّوط ألهوب وللساق درّة ... وللزّجر منه وقع أخرج مهذب «١٦»
الأخرج: ذكر النعام، والخرج: بياض فى سواد وبه سمّى. فجهدت فرسك بسوطك فى زجرك، ومريته «١٧» فأتبعته بساقك. وقال علقمة «١٨» [١١] :
فأدركهنّ ثانيا من عنانه ... يمرّ كمرّ الرّائح المتحلّب «١٩»
стр. 25
فأدرك فرسه «٢٠» ثانيا من عنانه، لم يضربه ولم يتعبه.
فقال: ما هو بأشعر منى، ولكنك له عاشقة. فسمى الفحل لذلك «٢١» .
وروى محمد بن العباس اليزيدى، عن عمه إسماعيل بن أبى محمد اليزيدى، عن أبى عمرو الشيبانى- أنّ امرأ القيس بن حجر تزوّج امرأة من طيئ وكان مفرّكا «٢٢» . فلما كان ليلة ابتنى بها أبغضته، فجعلت تقول: «أصبح ليل يا خير الفتيان أصبحت أصبحت» .
فينظر فيرى الليل كهيئته. فلم يزل «٢٣» كذلك حتى أصبح. فزعموا أنّ علقمة بن عبدة التميمى، ثم أحد بنى ربيعة بن مالك، نزل به- وكان من فحول شعراء الجاهلية، وكان صديقا له- فقال أحدهما لصاحبه: أيّنا أشعر؟ فقال هذا: أنا. وقال هذا: أنا.
فتلاحيا، حتى قال امرؤ القيس: انعت ناقتك وفرسك وأنعت ناقتى وفرسى. قال:
فافعل، والحكم بينى وبينك هذه المرأة من ورائك- يعنى امرأة امرىء القيس الطائية- فقال امرؤ القيس:
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب
حتى فرغ منها.
وقال علقمة:
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
فلما فرغا من قصيدتيهما عرضاهما على الطائية امرأة امرئ القيس، فقالت: فرس ابن عبدة أجود من فرسك. قال لها: وكيف؟ قالت: إنك زجرت، وحرّكت ساقيك، وضربت بسوطك- تعنى قوله فى قصيدته حيث وصف فرسه:
فللزّجر ألهوب وللساق درّة ... وللسوط «٢٤» منه وقع أخرج مهذب
стр. 26
ألهوب: يعنى ألهب جريه حين زجره. وللساق درّة: أى إذا غمز درّ بالجرى.
والأخرج: الظليم، وهو ذكر النعام، والأنثى خرجاء، فى حال لونه «٢٥» : وهو سواد وبياض لون الرماد. والأخرج: الرماد. ومهذب: أى مسرع فى عدوه. قالت: وإن علقمة جاهر الصّيد، فقال «٢٦» :
إذا ما اقتنصنا لم نقده «٢٧» بجنّة ... ولكن ننادى من بعيد ألا اركب
فغضب عليها امرؤ القيس، وقال: إنك لتبغضيننى. فطلّقها.
وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار، عن الحسن بن عليل العنزى، قال: حدثنا أبو عدنان السّلمى، قال: أخبرنى أبو يوسف الجنّى الأسدىّ، راوية المفضل عن المفضل، أنّ أبا الغول النهشلى حدّثه، عن أبى الغول الأكبر، قال: لما نزل امرؤ القيس فى طيىء تزوّج امرأة منهم يقال لها أمّ جندب، وكان مفرّكا تبغضه النساء إذا وقع عليهن، فأتى أمّ جندب من الليل، فقالت له: يا خير الفتيان أصبحت فقم. فقام فإذا الليل كما هو.
فرجع إليها، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قالت: لا شىء. قال: لتخبرنّى.
قالت: كرهتك، لأنك ثقيل الصّدر، خفيف العجز، سريع الهراقة، بطىء الإفاقة.
قال فلم تزل عنده. فأتاه علقمة بن عبدة، فتذاكرا الشعر عندها؛ فقال هذا: أنا أشعر، وقال هذا: أنا أشعر. فقال له علقمة: قل شعرا وانعت الصيد، وهذه الحكم بينى وبينك- يعنى أم جندب، فقال «٢٨» :
خليلىّ مرّا بى على أمّ جندب
فنعت فيها فرسه والصيد حتى فرغ منها. وقال علقمة فى مثل ذلك:
ذهبت من الهجران فى غير مذهب
стр. 27
إلا أن علقمة قال فى نعت الفرس: فأدركهن ثانيا من عنانه ... البيت، وقال امرؤ القيس: فللزّجر ألهوب وللساق درّة ... البيت. فقالت لامرىء القيس: هو أشعر منك. رأيتك ضربت فرسك بسوطك، وحركته بساقك. وزجرته بصوتك [١٢] ، ورأيته أدرك الصيد ثانيا من عنانه يمرّ كمرّ الرائح المتحلب.
فخلّى سبيلها لما فضلت علقمة عليه.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى ﵀: وقد روى هذا الحديث أيضا هشام بن الكلبى على هذه الحكاية. ورواه أيضا عبد الله بن المعتز. وذكره فيما أنكر من شعر امرىء القيس.
أخبرنى محمد بن يحيى الصولى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى «٢٩» ، قال:
حدثنا محمد بن عبيد الله العتبى، قال: تشاجر الوليد بن عبد الملك ومسلمة أخوه فى شعر امرىء القيس والنابغة الذبيانى فى وصف طول الليل أيّهما أجود. فرضيا بالشّعبى، فأحضر، فأنشده الوليد «٣٠» :
كلينى لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطئ الكواكب
تطاول حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذى يرعى «٣١» النجوم بآيب
وصدر أراح الليل عازب همّه ... تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب «٣٢»
وأنشده مسلمة قول امرئ القيس ٣»
:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى
السدول: الستور، ويبتلى: ينظر ما عندى من صبر أو جزع.
فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
стр. 28
تمطّى: امتد، وصلبه: وسطه، وأردف: أتبع، وأعجازه: مآخيره، وناء:
نهض، والكلكل: الصدر.
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
أى ما الإصباح بخير لى منك؛ والياء فى انجلى أثبتها فى الجزم على لغة طيىء.
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل
المغار: الحبل المحكم الفتل، ويذبل: اسم جبل.
كأنّ الثّريّا علّقت فى مصامها ... بأمراس كتّان إلى صمّ جندل
فى مصامها «٣٤» : فى مقامها، والأمراس: الحبال، والجندل: الحجارة، والصم: الصّلاب. قال: فضرب الوليد برجله طربا. فقال الشعبى: بانت القضية.
قال الصولى: فأما قول النابغة «٣٥» :
وصدر أراح الليل عازب همّه
فإنه جعل صدره مألفا للهموم، وجعلها كالنّعم العازبة بالنهار عنه، الرائحة مع الليل إليه، كما تريح الرعاة السائمة بالليل إلى أماكنها. وهو أوّل من وصف أنّ الهموم متزايدة بالليل، وتبعه الناس؛ فقال المجنون «٣٦» .
يضمّ إلىّ الليل أطفال حبّكم ... كما ضمّ أزرار القميص البنائق «٣٧»
стр. 29
وهذا من المقلوب: أراد كما ضمّ أزرار القميص البنائق؛ ومثل هذا كثير؛ فجعل المجنون ما يأتيه فى ليله مما عزب عنه فى نهاره كالأطفال الناشئة.
وقال ابن الدّمينة يتبع النابغة:
أظلّ نهارى فيكم متعلّلا ... ويجمعنى والهمّ بالليل جامع
فالشعراء على هذا المعنى متفقون، ولم يشذ عنه ويخالفه منهم إلا أحذقهم بالشعر.
والمبتدئ بالإحسان فيه امرؤ القيس؛ فإنه بحذقه، وحسن طبعه، وجودة قريحته، كره أن يقول: إنّ الهم فى حبّه يخفّ عنه فى نهاره، ويزيد فى ليله، فجعل الليل والنهار سواء عليه فى قلقه وهمه، وجزعه وغمه؛ فقال «٣٨» .
ألا أيها الليل الطّويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل «٣٩»
فأحسن فى هذا المعنى الذى ذهب إليه، وإن كانت العادة غيره، والصورة لا توجبه؛ فصبّ الله على امرئ القيس بعده شاعرا أراه استحالة معناه فى المعقول، وأنّ الصورة تدفعه، والقياس لا يوجبه، والعادة غير جارية به، حتى لو كان الرادّ عليه من حذّاق المتكلمين ما بلغ [١٣] فى كثير نثره ما أتى به فى قليل نظمه، وهو أبو نفر الطّرمّاح بن حكيم الطائى؛ فإنه ابتدأ قصيدة، فقال «٤٠» :
ألا أيّها الليل الطويل ألا اصبح ... ببمّ «٤١» وما الإصباح فيك بأروح
ويروى: «ألا أيّها الليل الذى طال أصبح» . فأتى بلفظ امرئ القيس ومعناه، ثم عطف محتجّا مستدركا، فقال:
بلى إنّ للعينين فى الصّبح راحة ... لطرحهما طرفيهما كلّ مطرح
فأحسن فى قوله وأجمل. وأتى بحقّ لا يدفع، وبين عن الفرق بين ليله ونهاره.
стр. 30
وإنما أجمع الشعراء على ذلك من تضاعف بلائهم بالليل وشدّة كلفهم؛ لقلة المساعد، وفقد المجيب، وتقييد اللّحظ عن أقصى مرامى النظر الذى لا بدّ أن يؤدّى إلى القلب بتأمله سببا يخفّف عنه، أو يغلب عليه؛ فينسى ما سواه.
وأبيات امرئ القيس فى وصف الليل أبيات اشتمل الإحسان عليها، ولاح الحذق فيها، وبان الطبع بها. فما فيها معاب إلّا من جهة واحدة عند أمراء الكلام والحذّاق بنقد الشعر وتمييزه. ولولا خوفى من ظنّ بعضهم أنّى أغفلت ذلك ما ذكرته.
والعيب قوله بعد البيت الذى ذكرته «٤٢» :
فقلت له لمّا تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها الليل الطويل ...
فلم يشرح قوله: «فقلت له» ما أراد إلّا فى البيت الثانى، فصار مضافا إليه متعلّقا به؛ وهذا عيب عندهم. لأنّ خير الشّعر ما لم يحتج بيت منه إلى بيت آخر. وخير الأبيات ما استغنى بعض أجزائه ببعض إلى وصوله إلى القافية مثل قوله «٤٣» :
الله أنجح ما طلبت به ... والبرّ خير حقيبة الرّحل
ألا ترى أنّ قوله: «الله أنجح ما طلبت به» كلام مستغن بنفسه، وكذلك باقى البيت. على أنّ فى البيت واو عطف عطفت جملة على جملة. وما ليس فيه واو عطف أبلغ فى هذا وأجود. وهو مثل قول النابغة الذبيانى فى اعتذاره إلى النعمان «٤٤» .
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث «٤٥» . أىّ الرجال المهذّب
فقوله فى أول البيت كلام مستغن بنفسه، وكذلك آخره، حتى لو ابتدأ مبتدىّ فقال: «أىّ الرجال المهذّب» لاعتذار أو غيره لأتى بكلام مستوفى، لا يحتاج إلى سواه.
стр. 31
وقد تبع الناس امرأ القيس، وصدّقوا قوله، وجعلوا نهارهم كليلهم لما أراده امرؤ القيس ولغيره. فقال البحترى فى غضب الفتح عليه «٤٦» :
وألبستنى «٤٧» سخط امرئ بتّ موهنا ... أرى سخطه ليلا مع الليل مظلما
وكأنه من قول أبى عيينة فى التذكّر لوطنه:
طال من ذكره بجرجان ليلى ... ونهارى علىّ كالليل داج
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طفيل الغنوىّ فى بعض شعره أشعر من امرئ القيس.
قال: ويقال: إن كثيرا من شعر امرئ القيس لصعاليك كانوا معه قال: وكان عمرو بن قميئة دخل معه الروم إلى قيصر.
وحدثنى بعض أصحابنا عن أحمد بن محمد الأسدى، عن الرّياشى، قال: يقال:
إن كثيرا من شعر امرئ القيس ليس له؛ وإنما هو لفتيان كانوا يكونون معه مثل عمرو بن قميئة وغيره.
وقال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى: روت الرّواة لامرئ القيس «٤٨» :
كأنى لم أركب جوادا للذّة ... ولم أتبطّن «٤٩» كاعبا ذات خلخال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ ولم أقل ... لخيلى كرّى كرّة بعد إجفال «٥٠»
وهما بيتان حسنان، ولو وضع مصراع كلّ واحد منهما فى موضع الآخر كان أشكل وأدخل فى استواء النسج؛ فكان يروى:
كأنى لم أركب جوادا ولم أقل ... لخيلى كرّى كرة بعد إجفال
ولم أسبإ الزّقّ الرّوىّ للذّة ... ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
стр. 32
[١٤] قال عبد الله بن المعتزّ: عيب على امرئ القيس قوله «٥١» :
أغرّك منى أنّ حبّك قاتلى ... وأنك مهما تأمرى القلب يفعل
قال: وقالوا: إذا لم يغرّها هذا فأىّ شىء يغرّها؟ قال: وإنما هذا كأسير قال لمن أسره: أغرّك منى أنى فى يديك؟
ونحوه قول جرير «٥٢» :
أغرّك منى أنما قادنى الهوى ... إليك وما عهد لكنّ بدائم
قال: وعابوا على امرئ القيس «٥٣» :
لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسدّ به فرجها من دبر «٥٤»
وقالوا: ذيل العروس مجرور، ولا يجب أن يكون ذنب الفرس طويلا مجرورا ولا قصيرا. قالوا: والصواب قوله «٥٥» :
ضليع إذا استدبرته سدّ فرجه «٥٦» بضاف فويق الأرض ليس بأعزل «٥٧» قال: وذكروا أنّ الأصمعى عاب عليه قوله «٥٨» :
وأركب فى الرّوع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر «٥٩»
وقال: إذا غطّت الناصية الوجه لم يكن الفرس كريما. والجيّد الاعتدال، كما قال عبيد «٦٠» :
стр. 33
مضبّر خلقها تضبيرا ... ينشقّ عن وجهها السّبيب «٦١»
قال: وقال مؤدّبى أبو سعيد محمد بن هبيرة فى قول امرئ القيس «٦٢» :
وللسّوط منها مجال «٦٣» كما ... تنزّل ذو برد منهمر
وهذا أيضا ردئ. ما لها وللسوط! قال: وعيب عليه قوله «٦٤» :
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها «٦٥»
ثم قال «٦٦» :
وهل عند رسم دارس من معوّل «٦٧»
قال: ومثله قول زهير «٦٨» :
قف بالديار التى لم يعفها القدم
ثم قال «٦٩» :
بلى وغيّرها الأرواح والدّيم
стр. 34
فذكرت الرواة أنه أكذب نفسه.
وقال أبو سعيد مؤدبى: وأخسّ من إكذابه نفسه أن يكون جعل عفوّها خلوتها من أحبّته، ومع خلوها منهم فقد غيرتها الأمطار «٧٠» .
قال: وعيب على امرئ القيس قوله «٧١» :
فقلت له لما تمطّى بصلبه «٧٢» ... وأردف أعجازا وناء بكلكل
ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلى ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل
قال: فانسلخ البيت الأول بوصف الليل من غير أن يذكر ما قال، وجعله متعلقا بما بعده، وذلك معيب عندهم.
قال: وعيب أيضا على امرئ القيس فجوره وعهره فى شعره، كقوله «٧٣» :
ومثلك حبلى قد طرقت ومرضع «٧٤» ... فألهيتها عن ذى تمائم محول «٧٥»
إذا ما بكى من خلفها انصرفت له ... بشقّ وتحتى شقها «٧٦» لم يحوّل
وقالوا: هذا معنى فاحش.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: عيب على امرئ القيس قوله «٧٧» :
إذا ما الثّريا فى السماء تعرضت «٧٨» ... تعرّض أثناء الوشاح المفصّل
فقالوا: ليست تتعرّض فى السماء. وقال بعضهم- ممن يعذره: أراد الجوزاء، لأنها تتلوها.
стр. 35
وعابوا قوله «٧٩» .
أغرّك منى أنّ حبّك قاتلى
البيت «٨٠» .
فقالوا: إذا لم يغرّها هذا فأىّ شىء يغرها؟
وعابوا قوله:
فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع
وذكر البيتين.
فقالوا: كيف قصد للحبلى والمرضع دون البكر وهو ملك وابن ملوك؟ ما فعل هذا إلا لنقص همته.
وقوله يصف الفرس «٨١» :
لها ذنب مثل ذيل العروس
البيت.
عيب عندهم. قالوا: ولم قال: «من دبر» ؟ فمن أين تسدّ بذنبها فرجها؟ من قبل؟
ليس هذا من قول الحذّاق.
وعابوا فى هذه القصيدة أيضا «٨٢» :
وأركب فى الرّوع خيفانة ...
البيت.
وهذا خطأ؛ لأن شعر الناصية إذا غطّى العين لم يكن الفرس كريما وتبعه ابن مقبل.
فقال:
стр. 36
والعين تكشف عنها ضافى الشّعر
وعيب عليه غير شىء فى هذه القصيدة «٨٣» .
وقد زعم بعض الرواة أن هذه القصيدة ليست له، وأنها ألحقت بشعره، وأنها لبعض النّمريين.
قال: وقد عيب على النابغة وزهير والأعشى والفرزدق وجرير والأخطل وغيرهم من حذاق الشعراء أشياء كثيرة.
قال الشيخ أبو عبيد الله [١٥] المرزبانى رحمه الله تعالى: وعابوا على امرئ القيس قوله وهو مضمّن «٨٤» :
أبعد الحارث الملك ابن عمرو ... وبعد الملك «٨٥» حجر ذى القباب
أرجّى من صروف العيش لينا ... ولم تغفل عن الصّمّ الهضاب «٨٦»
حدثنى أبو الحسن على بن هارون المنجّم، قال: حضر أحمد بن أبى طاهر مجلس جدّى أبى الحسن على بن يحيى يوما بعد أن أخلّ به أياما، فعاتبه أبو الحسن على انقطاعه عنه، فقال أحمد: كنت متشاغلا باختيار شعر امرئ القيس. فأنكر عليه أبو الحسن قوله هذا، وقال: أما تستحيى من هذا القول؟ وأىّ مرذول فى شعر امرئ القيس حتى تحتاج إلى اختياره! واتسع القول بينهما فى ذلك إلى أن قال أبى- أبو عبد الله هارون بن على- لأبيه أبى الحسن: قد صدقت يا سيدى فى وصف شعر امرئ القيس، ولكن فيه ما يفضل بعضه بعضا. وإلّا فقوله «٨٧» :
يا هند لا تنكحى بوهة ... عليه عقيقته أحسبا «٨٨»
стр. 37
مرسّعة بين أرباقه ... به عسم يبتغى أرنبا «٨٩» ليجعل فى ساقه «٩٠» كعبها
حذار المنية أن يعطبا ... ولست بخزرافة فى القعود
ولست بطيّاخة أخدبا «٩١» ... ولست بذى رثية إمّر «٩٢»
إذا قيد مستكرها أصحبا
أهو مما يختار ويوصف بهذه الأوصاف، مع ما فى هذه الأبيات من حوشىّ الكلام، وجساء الألفاظ، وخلّوها من كثير من الفائدة؟
قال: فأمسك أبو الحسن.
وأخبرنى محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن، قالا: أنشدنا أبو العباس ثعلب أبيات امرئ القيس هذه، فقال: البوهة: طائر يشبه البومة. عقيقته: شعره. الأخدب:
الذى يركب رأسه ولا يبالى. والأحسب: إلى السواد. يبتغى أرنبا ليأخذ عظمها فيصيّره عليه من خشية الجنّ. والخزرافة: يضطرب فى جلوسه. والإمّر: الضعيف، شبهه بالجدى. وأصحب: انقاد. ورجل مرثوء: ضعيف العقل. ومرثّو بلا همز: وجع، والرّثية: الوجع.
وقال الصولى فى حديثه: الرثأة: ضعف العقل والرثية- بلا همز: العلة.
стр. 38
٢- النابغة الذبيانى [١]
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام؛ قال «١» : لم يقو أحد من الطبقة الأولى ولا من أشباههم إلا النابغة فى بيتين: قوله «٢» :
أمن آل مية رائح أو مغتدى «٣» ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح «٤» أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب «٥» الأسود
وقوله «٦» :
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
بمخضّب رخص كأنّ بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد
العنم: نبت أحمر يصبغ به.
فقدم المدينة، فعيب ذلك عليه، فلم يأبه له حتى أسمعوه إياه فى غناء- وأهل القرى ألطف نظرا من أهل البدو، وكانوا يكتبون لجوارهم أهل الكتاب- فقالوا للجارية: إذا صرت إلى القافية فرتلّى «٧» . فلما قالت: «الغراب الأسود» و «باليد» - علم فانتبه فلم يعد فيه، وقال: قدمت الحجاز وفى شعرى صنعة ورحلت عنها وأنا أشعر الناس.
стр. 39
وحدثنى أحمد بن محمد المكّى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا أبو عبيدة بن المثنى، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كان النابغة قال «٨» :
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
وقصيدته مخفوضة. فدخل الحجاز فغنّت قينة بذلك وهو حاضر، فلما [١٦] مدّدت «خبّرنا الغراب الأسواد علم أنه مقو فغيّره، وقال:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا المبرّد، قال: حدثنا المغيرة بن محمد المهلّبى، عن الزبير، قال: حدثنى محمد بن أبى قدامة العمرى، ومن لا أحصى؛ قالوا:
كان النابغة الذبيانى يكفئ الشّعر، حتى قدم المدينة على الأوس والخزرج، فأنشدهم؛ فقالوا: إنك تكفئ الشعر. قال: وكيف ذلك؟ فجعلوا يخبرونه ولا يفهم ما يريدون.
فقالوا له: تغنّ بشعرك. فتغنّى به ومدّده ففهم، فقال: لست أعود.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسين بن على المهرى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: دخل النابغة إلى المدينة، فقالوا له: قد أقويت فى شعرك؛ وأفهموه فلم يفهم، حتى جاءوه بقينة فجعلت تغنيه:
أمن آل ميّة
وتبين الياء فى «مزوّدى» و «مغتدى» .
ثم غنت البيت الآخر فبيّنت الضمة فى قوله: «الأسود» بعد الدال ففطن لذلك فغيّره، وقال:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وكان النابغة يقول: دخلت يثرب وفى شعرى شىء، وخرجت وأنا أشعر الناس.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال:
حدثنى أبو غسان محمد بن يحيى، عن أخيه عبد الله بن يحيى، قال: كانت العرب تغنى
стр. 40
النّصب «٩» ، وتمدّ أصواتها بالنشيد، وتزن الشعر بالغناء؛ فقال حسان بن ثابت «١٠» :
تغنّ فى كلّ شعر أنت قائله ... إنّ الغناء لهذا الشعر مضمار «١١»
قال عمر: فحدثنى خلّاد الأرقط إن شاء الله أو غيره من علمائنا، قال: كان النابغة يقول: إن فى شعرى لعاهة ما أقف عليها، فلما قدم المدينة تغنّى فى شعره بقوله:
فتناولته واتقتنا باليد «١٢»
فمدت المغنية الدال مخفوضة، وامتدّ بها الصوت منخفضا، ثم قالت:
يكاد من اللطافة يعقد «١٣»
فمدت الدال مضمومة، وامتدّ بها الصوت مضموما؛ فتبيّن له عيب شعره، فكان يقول: وردت يثرب وفى شعرى بعض العهدة «١٤» ، فصدرت وأنا أشعر العرب.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن حمّاد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال حدثنى محمد بن كناسة، قال: جعل أبوك يوما يعيب شعر الكميت، ويتتبع مساويه؛ فقلت له: ما أحد يتتبّع عليه ما تتبعت من شعر الكميت إلّا وجد فى شعره عيب، فاختر من شئت. قال. قد اخترت النابغة، فقلت: ما معنى قول النابغة «١٥» :
أرسما جديدا من سعاد تجنّب
لم يتجنب رسمها؟ ثم قال عقب هذا:
عفت روضة الأجداد «١٦» منها فيثقب