والعين تكشف عنها ضافى الشّعر
وعيب عليه غير شىء فى هذه القصيدة «٨٣» .
وقد زعم بعض الرواة أن هذه القصيدة ليست له، وأنها ألحقت بشعره، وأنها لبعض النّمريين.
قال: وقد عيب على النابغة وزهير والأعشى والفرزدق وجرير والأخطل وغيرهم من حذاق الشعراء أشياء كثيرة.
قال الشيخ أبو عبيد الله [١٥] المرزبانى رحمه الله تعالى: وعابوا على امرئ القيس قوله وهو مضمّن «٨٤» :
أبعد الحارث الملك ابن عمرو ... وبعد الملك «٨٥» حجر ذى القباب
أرجّى من صروف العيش لينا ... ولم تغفل عن الصّمّ الهضاب «٨٦»
حدثنى أبو الحسن على بن هارون المنجّم، قال: حضر أحمد بن أبى طاهر مجلس جدّى أبى الحسن على بن يحيى يوما بعد أن أخلّ به أياما، فعاتبه أبو الحسن على انقطاعه عنه، فقال أحمد: كنت متشاغلا باختيار شعر امرئ القيس. فأنكر عليه أبو الحسن قوله هذا، وقال: أما تستحيى من هذا القول؟ وأىّ مرذول فى شعر امرئ القيس حتى تحتاج إلى اختياره! واتسع القول بينهما فى ذلك إلى أن قال أبى- أبو عبد الله هارون بن على- لأبيه أبى الحسن: قد صدقت يا سيدى فى وصف شعر امرئ القيس، ولكن فيه ما يفضل بعضه بعضا. وإلّا فقوله «٨٧» :
يا هند لا تنكحى بوهة ... عليه عقيقته أحسبا «٨٨»
стр. 37
مرسّعة بين أرباقه ... به عسم يبتغى أرنبا «٨٩» ليجعل فى ساقه «٩٠» كعبها
حذار المنية أن يعطبا ... ولست بخزرافة فى القعود
ولست بطيّاخة أخدبا «٩١» ... ولست بذى رثية إمّر «٩٢»
إذا قيد مستكرها أصحبا
أهو مما يختار ويوصف بهذه الأوصاف، مع ما فى هذه الأبيات من حوشىّ الكلام، وجساء الألفاظ، وخلّوها من كثير من الفائدة؟
قال: فأمسك أبو الحسن.
وأخبرنى محمد بن يحيى ومحمد بن الحسن، قالا: أنشدنا أبو العباس ثعلب أبيات امرئ القيس هذه، فقال: البوهة: طائر يشبه البومة. عقيقته: شعره. الأخدب:
الذى يركب رأسه ولا يبالى. والأحسب: إلى السواد. يبتغى أرنبا ليأخذ عظمها فيصيّره عليه من خشية الجنّ. والخزرافة: يضطرب فى جلوسه. والإمّر: الضعيف، شبهه بالجدى. وأصحب: انقاد. ورجل مرثوء: ضعيف العقل. ومرثّو بلا همز: وجع، والرّثية: الوجع.
وقال الصولى فى حديثه: الرثأة: ضعف العقل والرثية- بلا همز: العلة.
стр. 38
٢- النابغة الذبيانى [١]
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلّام؛ قال «١» : لم يقو أحد من الطبقة الأولى ولا من أشباههم إلا النابغة فى بيتين: قوله «٢» :
أمن آل مية رائح أو مغتدى «٣» ... عجلان ذا زاد وغير مزوّد
زعم البوارح «٤» أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب «٥» الأسود
وقوله «٦» :
سقط النّصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
بمخضّب رخص كأنّ بنانه ... عنم يكاد من اللطافة يعقد
العنم: نبت أحمر يصبغ به.
فقدم المدينة، فعيب ذلك عليه، فلم يأبه له حتى أسمعوه إياه فى غناء- وأهل القرى ألطف نظرا من أهل البدو، وكانوا يكتبون لجوارهم أهل الكتاب- فقالوا للجارية: إذا صرت إلى القافية فرتلّى «٧» . فلما قالت: «الغراب الأسود» و «باليد» - علم فانتبه فلم يعد فيه، وقال: قدمت الحجاز وفى شعرى صنعة ورحلت عنها وأنا أشعر الناس.
стр. 39
وحدثنى أحمد بن محمد المكّى، قال: حدثنا أبو العيناء، قال: حدثنا أبو عبيدة بن المثنى، عن أبى عمرو بن العلاء، قال: كان النابغة قال «٨» :
زعم البوارح أنّ رحلتنا غدا ... وبذاك خبّرنا الغراب الأسود
وقصيدته مخفوضة. فدخل الحجاز فغنّت قينة بذلك وهو حاضر، فلما [١٦] مدّدت «خبّرنا الغراب الأسواد علم أنه مقو فغيّره، وقال:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا المبرّد، قال: حدثنا المغيرة بن محمد المهلّبى، عن الزبير، قال: حدثنى محمد بن أبى قدامة العمرى، ومن لا أحصى؛ قالوا:
كان النابغة الذبيانى يكفئ الشّعر، حتى قدم المدينة على الأوس والخزرج، فأنشدهم؛ فقالوا: إنك تكفئ الشعر. قال: وكيف ذلك؟ فجعلوا يخبرونه ولا يفهم ما يريدون.
فقالوا له: تغنّ بشعرك. فتغنّى به ومدّده ففهم، فقال: لست أعود.
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الحسين بن على المهرى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قال أبو عمرو بن العلاء: دخل النابغة إلى المدينة، فقالوا له: قد أقويت فى شعرك؛ وأفهموه فلم يفهم، حتى جاءوه بقينة فجعلت تغنيه:
أمن آل ميّة
وتبين الياء فى «مزوّدى» و «مغتدى» .
ثم غنت البيت الآخر فبيّنت الضمة فى قوله: «الأسود» بعد الدال ففطن لذلك فغيّره، وقال:
وبذاك تنعاب الغراب الأسود
وكان النابغة يقول: دخلت يثرب وفى شعرى شىء، وخرجت وأنا أشعر الناس.
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال:
حدثنى أبو غسان محمد بن يحيى، عن أخيه عبد الله بن يحيى، قال: كانت العرب تغنى
стр. 40
النّصب «٩» ، وتمدّ أصواتها بالنشيد، وتزن الشعر بالغناء؛ فقال حسان بن ثابت «١٠» :
تغنّ فى كلّ شعر أنت قائله ... إنّ الغناء لهذا الشعر مضمار «١١»
قال عمر: فحدثنى خلّاد الأرقط إن شاء الله أو غيره من علمائنا، قال: كان النابغة يقول: إن فى شعرى لعاهة ما أقف عليها، فلما قدم المدينة تغنّى فى شعره بقوله:
فتناولته واتقتنا باليد «١٢»
فمدت المغنية الدال مخفوضة، وامتدّ بها الصوت منخفضا، ثم قالت:
يكاد من اللطافة يعقد «١٣»
فمدت الدال مضمومة، وامتدّ بها الصوت مضموما؛ فتبيّن له عيب شعره، فكان يقول: وردت يثرب وفى شعرى بعض العهدة «١٤» ، فصدرت وأنا أشعر العرب.
روى أحمد بن أبى طاهر، عن حمّاد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، قال حدثنى محمد بن كناسة، قال: جعل أبوك يوما يعيب شعر الكميت، ويتتبع مساويه؛ فقلت له: ما أحد يتتبّع عليه ما تتبعت من شعر الكميت إلّا وجد فى شعره عيب، فاختر من شئت. قال. قد اخترت النابغة، فقلت: ما معنى قول النابغة «١٥» :
أرسما جديدا من سعاد تجنّب
لم يتجنب رسمها؟ ثم قال عقب هذا:
عفت روضة الأجداد «١٦» منها فيثقب
стр. 41
ما هذا من أول البيت فى شىء.
ثم قلت: وقال بعد هذا:
وأبدت سوارا عن وشوم كأنها ... بقية ألواح عليهن مذهب
ليس هذا من أول الكلام فى شىء. فقال لى: أنت تعلم أنّ أول هذه القصيدة مطعون عليه. فقلت: صدقت.
حدثنى على بن هارون، قال: التضمين أحد عيوب القوافى الخمسة، وليس يكون فيه أقبح من قول النابغة الذبيانى «١٧» :
وهم وردوا الجفار «١٨» على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إنى
شهدت لهم مواطن صالحات ... أتينهم «١٩» بحسن الودّ منى
فأما قول امرئ القيس «٢٠» :
وتعرف فيه من أبيه شمائلا «٢١» ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر
سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر
[١٧] فليس ذا بمعيب عندهم، وإن كان مضمنا؛ لأن التضمين لم يحلل قافية البيت الأول، مثل قوله: «إنى شهدت لهم» . وقد يجوز أن يوقف على البيت الأول من بيتى امرئ القيس؛ وهذا عند نقّاد الشعر يسمى الاقتضاء: أن يكون فى الأول اقتضاء للثانى، وفى الثانى افتقار إلى الأول «٢٢» .
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «٢٣» ، قال: أخبرنى يونس النحوى، قال: كان أبو عمرو بن العلاء أشدّ تسليما
стр. 42
للعرب، وكان ابن أبى إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان عليهم؛ كان عيسى يقول: أساء النابغة فى قوله «٢٤» :
فبتّ كأنّى ساورتنى ضئيلة ... من الرّقش فى أنيابها السمّ ناقع «٢٥»
ويقول: موضعه «٢٦» ناقعا.
قال: وكان يختار السمّ والشّهد، وهى علوية «٢٧» .
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، عن أبى حاتم، قال: سمعت الأصمعى يقول:
ما للنابغة شىء فى وصف الفرس غير قوله «٢٨» :
صفر «٢٩» مناخرها من الجرجار
وقال الأصمعى: لم يكن النابغة وزهير وأوس يحسنون صفة الخيل، ولكن طفيل الغنوى فى صفة الخيل غاية النعت.
أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال:
دريد بن الصّمّة فى بعض شعره أشعر من الذبيانى، وقد كاد يغلب الذبيانى.
أخبرنى الصولى قال: حدثنا أبو ذكوان، قال: حدثنا المازنى، قال: كان الأصمعى يعيب قول النابغة يصف ناقة «٣٠» :
مقذوفة بدخيس النّحض بازلها ... له صريف صريف القعو بالمسد «٣١»
стр. 43
ويقول: البغام فى الذكور من النشاط، وفى الإناث من الإعياء والضجر. ألا ترى قول ربيعة بن مقروم الضبّى:
كناز البضيع جماليّة ... إذا ما بغمن تراها كتوما «٣٢»
وأخبرنى محمد بن يحيى، قال: حدثنا الطيب بن محمد الباهلى، قال: حدثنا قعنب بن المحرّر الباهلى، قال: سمعت الأصمعى يقول: قرأت على أبى عمرو بن العلاء شعر النابغة الذبيانى، فلما بلغت قوله:
مقذوفة بدخيس النّحض ...
البيت قال لى: ما أضر عليه فى ناقته ما وصف! فقلت له: وكيف؟ قال: لأن صريف الفحول من النشاط وصريف الإناث من الإعياء والضجر؛ كذا تكلمت العرب. فرآنى بسكوتى مستزيدا، فقال: ألم تسمع قول ربيعة بن مقروم الضبى:
كناز البضيع جماليّة
... البيت وكما قال الأعشى «٣٣» :
كتوم الرّغاء إذا هجّرت ... وكانت بقية ذود كتم «٣٤»
وكما قال الأعشى أيضا:
والمكاكيك «٣٥» والصّحاف من الفضّة والضافرات «٣٦» تحت الرّحال.
والقعو «٣٧» . خدّ البكرة. والنحض: اللحم. والدخيس: قد دخس بعضه فى بعض. وقال أبو عبيدة: المكّوك: إناء يشرب فيه الفتيان. والضامزات لا ترغو ولا تجترّ.
стр. 44
حدثنا ابن دريد، قال: أخبرنا أحمد بن عيسى العكلى، عن ابن أبى خالد، عن الهيثم بن عدى، قال: لقيت صالح بن كيسان وأنا منصرف من عند الأعمش، فقال لى: من أين؟ فقلت: كنت عند الأعمش. فقال: عمّش الله عينك؟ هل علمت أن النابغة كان مخنثا؟ فقلت: سبحان الله! هل رأيته؟ قال: لا. قلت: فحدّثك من رآه؟ قال: لا. قلت: فأنّى علمت ذاك؟ قال: قوله «٣٨» :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
والله ما عرف هذه المعانى إلا عن تفكّك.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٣٩» : من الأبيات التى قصّر فيها أصحابها عن الغايات التى جروا إليها ولم يسدّوا الخلل الواقع فيها معنى ولا لفظا قول النابغة الذبيانى [١٨] «٤٠» :
ماضى الجنان أخى صبر إذا نزلت ... حرب يوائل فيها كلّ تنبال
التنبال: القصير. فإن كان أراد ذلك فكيف صار القصير أولى بطلب الموئل من الطويل؟ وإن جعل التنبال الجبان فهو أعيب؛ لأنّ الجبال خائف وجل اشتدت الحرب أم سكنت وأين كان عن قول الهمدانى «٤١» .
يكرّ على المصاف إذا تعادى ... من الأهوال شجعان الرجال
قال «٤٢» : ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، المتفاوتة النّسج، القبيحة العبارة، التى يجب الاحتراز من مثلها قول النابغة «٤٣» :
يصاحبنهم «٤٤» حتى يغرن مغارهم ... من الضاريات بالدماء الدوارب «٤٥»
стр. 45
يريد من الضاريات الدوارب بالدماء، فقدّم وأخّر؛ وإنما يقبح مثل هذا إذا التبس بما قبله، لأنّ الدماء جمع، والدوارب جمع؛ ولو كان من الضاريات بالدم الدوارب لم يلتبس؛ وإن كانت هذه الكلمة حاجزة بين الكلمتين- أعنى بين الضاريات والدوارب اللتين يجب أن تقرنا معا.
وقال النابغة أيضا «٤٤» :
يثرن الثّرى حتى يباشرن برده «٤٥» ... - إذا الشمس مجّت ريقها- بالكلاكل «٤٦»
يريد: يثرن الثرى حتى يباشرن برده بالكلاكل إذا الشمس مجّت ريقها.
قال عبد الله بن المعتز: عيب على النابغة قوله فى وصف النعام «٤٧» :
مثل الإماء الغوادى تحمل الحزما «٤٨»
قال: وقال الأصمعى: إنما توصف الإماء فى هذا الموضع بالرواح لا بالغدوّ، لأنهنّ يجئن بالحطب إذا رحن.
وأنشد الأخنس بن شهاب التغلبى «٤٩» :
تظلّ به ربد النعام كأنها ... إماء تزجّى بالعشىّ حواطب
لأن النعامة إذا خفضت عنقها وشمت كانت أشبه شىء بماش وعلى ظهره حمل.
وعابوا قول النابغة أيضا «٥٠» :
وكنت امرءا لا أمدح الدهر سوقة ... فلست على خير أتاك بحاسد
стр. 46
قال: وقالوا: كيف يحسده على ما قد جاد به له؟
قال: وعابوا قوله «٥١» :
فاحكم كحكم فتاة الحىّ....
وقالوا: أمره أن يحكم كحكم امرأة.
قال: وعابوا عليه اختلاف القوافى فى الإعراب وذلك قوله «٥٢» :
يا بؤس للدهر «٥٣» ضرّارا لأقوام
وقوله «٥٤» :
لا النور نور ولا الإظلام إظلام
وقوله «٥٥» : «غير مزوّد» ، ثم قال: الغراب الأسود
стр. 47
٣- زهير بن أبى سلمى [٢]
أخبرنى الصولى، قال: حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر، قال: حدثنى أحمد بن خالد المباركى، وهو أبو سعيد الضّرير، قال: سمعت الأصمعى يقول:
لا أحبّ قول زهير «١» :
فتنتج لكم غلمان أشأم، كلّهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم «٢»
قال: إنّ ثمود لا يقال لها عاد «٣» ، لأن الله إنما نسب قدارا إلى ثمود. قيل:
فقد قال «٤» : «أهلك عادا الأولى» ؛ فقال: معناه التى كانت قبل ثمود، لا أنّ هاهنا عادين.
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الله بن أبى سعد الورّاق، وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز الجوهرى، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، وحدثنى أحمد بن إبراهيم البزاز، وأحمد بن محمد الجوهرى؛ قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قالوا: حدثنا على بن الصباح، قال: حدثنا أبو المنذر هشام بن محمد الكلبى، عن إسحاق بن الجصاص، قال: قال زهير بن أبى سلمى بيتا ونصفا، ثم أكدى «٥» ؛ فمرّ به نابغة بنى
стр. 48
ذبيان، فقال: يا أبا أمامة- هذا لفظ ابن أبى سعد، وقال ابن شبة: يا أبا يمامة، وقال العنزى: يا أبا ثمامة- أجز. قال: وما قلت؟ قال: قلت «٦» .
تراك الأرض إمّا متّ خفّا ... وتحيى إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقرّ العزّ منها.....
أجز. قال: فأكدى والله النابغة أيضا. وأقبل كعب بن زهير وإنه لغلام، فقال له أبوه: أى بنىّ؛ أجز. قال: وما أجيز؟ فقال [١٩] :
تراك الأرض إما متّ خفّا ... وتحيى إن حييت بها ثقيلا
نزلت بمستقرّ العزّ منها.....
وماذا؟ فقال كعب:
فتمنع جانبيها أن يزولا
قال: فضمّه إليه، وقال: أنت والله ابنى. وقال ابن شبة: أشهد أنك ابنى.
وأخبرنى أبو ذرّ القراطيسى، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبى الدّنيا، قال:
حدثنا أحمد بن المقدام العجلى، قال: حدثنا عمر بن على، قال: حدثنا زكريا مولى الشّعبى، عن الشعبى- أن النابغة الذبيانى قال للنعمان بن المنذر «٧» .
تراك الأرض إما مت خفّا ... وتحيى إن حييت بها ثقيلا
فقال النعمان: هذا بيت إن أنت لم تتبعه بما يوضّح معناه كان إلى الهجاء أقرب منه إلى المديح؛ فأراد ذلك النابغة فعسر عليه، فقال: أجّلنى. قال: قد أجّلتك ثلاثا، فإن أنت أتبعته ما يوضّح معناه فلك مائة من العصافير «٨» نجائب؛ وإلا فضربة بالسيف أخذت منك ما أخذت.
стр. 49
فأتى النابغة زهير بن أبى سلمى، فأخبره الخبر، فقال زهير: اخرج بنا إلى البرّية؛ فإن الشعر برّىّ. فخرجا، فتبعهما ابن لزهير يقال له كعب، فقال: يا عمّ؛ أردفنى.
فصاح به أبوه، فقال النابغة: دع ابن أخى يكون معنا؛ فأردفه، فتجاولا البيت مليّا، فلم يأتهما ما يريدان. فقال كعب: فما يمنعك أن تقول:
وذاك بأن حللت العزّ منها ... فتمنع جانبيها أن يزولا
فقال النابغة: جاء بها وربّ الكعبة؛ لسنا والله فى شىء. قد جعلت لك يا ابن أخى ما جعل لى. قال: وما جعل لك يا عم؟ قال: مائة من العصافير نجائب. قال: ما كنت لآخذ على شعرى صفدا «٩» . فأتى النابغة النعمان بالبيت، فأخذ مائة ناقة سوداء الحدقة.
أخبرنا ابن دويد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طفيل الغنوى أشبه الشعراء الأولين من زهير.
قال: ثم قال أبو عمر بن العلاء- وسأله رجل وأنا أسمع- النابغة أشعر أم زهير؟
فقال: ما يصلح زهير أن يكون أجيرا للنابغة.
ثم قال: أوس بن حجر أشعر من زهير، ولكن النابغة طأمنه.
حدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام «١٠» ، قال: حدثنى أبو عبيدة، قال: كان قراد بن حنش المرى من شعراء غطفان، وكان قليل الشعر جيّده، وكانت شعراء غطفان تغير على شعره، فتأخذه وتدّعيه، منهم زهير بن أبى سلمى؛ ادّعى هذه الأبيات «١١» :
إنّ الرّزيئة لا رزيئة «١٢» مثلها ... ما «١٣» تبتغى غطفان يوم أضلّت
وهى لقراد بن حنش «١٤» .
стр. 50
قال عبد الله بن المعتز: حكى عن ابن سلام- أو غيره- أنه قال: مما قدّم به زهير على الشعراء أنه كان أبعدهم من سخف، وأشدّهم اجتنابا لحوشىّ الكلام؛ فأىّ شىء نصنع بقوله «١٥» :
ولولا عسبه «١٦» لرددتموه ... وشرّ منيحة «١٧» أير معار
إذا جمعت «١٨» نساؤكم إليه ... أشظّ كأنه مسد مغار «١٩»
أشظّ: قام. قال: فهذا السّخف.
وأما حوشى الكلام فقوله «٢٠» :
فلست «٢١» بمثلوج ولا بمعلهج
يريد الدّعىّ. وقيل: المثلوج: البليد. والمعلهج: الأحمق.
وقوله «٢٢» :
بنهكة ذى قربى ولا بحقلّد
والحقلّد: السّيئ الخلق. قال: وقيل القصير الجبان.
قال: وعابوا عليه قوله فى الضفادع «٢٣» :
يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمّ والغرقا «٢٤»
стр. 51
لأن الضفادع لا تخرج من الماء لأنها تخاف الغمّ والغرق؛ وإنما تطلب الشطوط لتبيض هناك وتفرخ.
قال: وأنكروا عليه قوله «٢٥» :
ماء بشرقىّ سلمى فيد أو ركك «٢٦»
لأنه حكى عن بعض الأعراب أنه قال: إنما هو ركّ [٢٠] .
قال: وقال مؤدبى أبو سعيد محمد بن هبيرة الأسدى فى قول زهير «٢٧» :
رأيت المنايا خبط عشواء «٢٨» من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمّر فيهرم
إنه كان يسمع المشايخ يقولون: هذا بيت زندقة، وهو بعيد من أبياته التى يقول فى بعضها «٢٩» :
فيرفع فيوضع فى كتاب فيدّخر ... ليوم الحساب أو يعجّل فينقم
قال: وأعجب من زهير خطأ فى هذا المعنى- لأن زهيرا كان جاهليّا كافرا- زياد بن قنيع النّصرى فى سرقته هذا المعنى؛ لأنه فى أكبر ظنى مسلم، حيث يقول:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... يصر حرضا من عركها بالكلاكل
قال الشيخ أبو عبيد الله ﵀: وأنكر على زهير قوله «٣٠» :
стр. 52
حيّى «٣١» الديار التى لم يعفها القدم ... بلى وغيّرها الأرواح «٣٢» والدّيم
من جهة التناقض، لأنه نفى فى أول البيت تغيّر الديار بقدم عهدها، ثم أوجب ذلك فى آخره.
стр. 53
٤- الأعشى أبو بصير [١]
أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرنا أبو حاتم، قال: سألت الأصمعىّ عن الأعشى- أعشى بنى قيس بن ثعلبة- أفحل هو؟ قال: لا، ليس بفحل. قلت له: ما معنى الفحل؟ قال: يريد أنّ له مزية على غيره كمزية الفحل على الحقاق «١» ، قال: وبيت جرير يدلّك على ذلك، ثم أنشد «٢» :
وابن اللبون إذا ما لزّ فى قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس «٣»
حدثنى عمر بن بنان الأنماطى، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الأعلم، قال: حدثنا محمد بن سلّام، وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، قال: حدثنا ابن سلّام، وحدثنى إبراهيم بن شهاب، قال: حدثنا الفضل بن الحباب، عن محمد بن سلام، قال: لم يكن للأعشى بيت نادر على أفواه الناس مع كثرة شعره كأبيات أصحابه «٤» .
حدثنى محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبّرد، قال: أنشد عبد الملك بن مروان بيت الأعشى «٥» :
أتانى يؤامرنى فى الصّبو «٦» ... ح ليلا فقلت له غادها
فقال: أساء؛ ألا قال: هاتها.
стр. 54
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر الباهلى، عن أبى عبيدة، قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أربعة من كبار الشعراء غلبوا بالكلام، منهم الأعشى هجا ابن عمه جهنّام فقال «٧» :
دعوت خليلى مسحلا ودعا له «٨» ... جهنّام جدعا للحمار المصلّم «٩»
ومسحل: شيطان الأعشى ويروى:
جدعا للهجين المذمّم «١٠» ... فما بوّأ «١١» الرحمن بيتك بالعلا
بأكناف شرقىّ المصلّى المحرّم
فقال جهنّام: لكن فناؤك به واسع يا أبا بصير. فغلبه.
ونابغة بنى جعدة حين يقول لعقال بن خويلد:
فما يشعر الرّمح الأصمّ كعوبه ... بثروة رهط الأبلخ «١٢» المتظلم
فقال عقال: لكن حامله يا أبا ليلى يشعر فيقدعه. فغلبه.
والأخطل قال لشقيق بن ثور- قال عمر: ويقال «١٣» قاله لسويد بن منجوف:
وما جذع سوء خرّق السوس «١٤» جوفه ... لما حمّلته وائل بمطيق
стр. 55
فقال شقيق «١٥» : أبا مالك، أردت هجائى فمدحتنى، والله ما تحمّلنى ذهل أمرها وقد حمّلتنى أنت أمر وائل طرّا. فغلبه.
وفضالة بن شريك؛ قال لعبد الله بن الزبير:
وما لى حين أقطع ذات عرق ... إلى ابن الكاهليّة من معاد
فقال ابن الزبير: عيّرنى بشرّ جداتى، وهى خير عماته. فغلبه.
وحدثنى علىّ بن أبى منصور، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجم، عن أبيه، قال: لقى الأعشى عمرو بن عبد الله بن المنذر- وهو جهنّام- فشتم جهنّام الأعشى؛ فقال الأعشى «١٦» [٢١] :
فما أنت من أهل الحجون ولا الصّفا ... ولا لك حقّ الشّرب من ماء زمزم
فقال له جهنّام: لكنك يا أبا بصير من أهله.
وقال له الأعشى فى هذه القصيدة:
وما بوّأ الرحمن بيتك فى العلا ... بأجياد شرقىّ الصّفا والمحرّم
فقال له جهنّام: لكنك يا أبا بصير عريض المباءة بها. فغلبه بالكلام.
حدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حدثت عن الأصمعى أو غيره- والأغلب علىّ أنه الأصمعى- أنه سمع قول الأعشى «١٧» :
كأنّ مشيتها من بيت جارتها ... مرّ السحابة لا ريث «١٨» ولا عجل
فقال: لقد جعلها خرّاجة ولّاجة، هلّا قال كما قال الآخر:
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتعتلّ عن إتيانهن فتعذر
أخبرنى محمد بن عبد الله البصرى، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابى عمن ذكره.
وحدثنى على بن عبد الرحمن الكاتب، قال: حدثنى يحيى بن على، قال: حدثنى أبو هفّان، قال: زعم الأصمعى أنّ محمد بن عمران الطّلحى القاضى قال: تناظر ربعىّ ومضرىّ فى الأعشى والنابغة، فقال المضرى للربعى: شاعركم أخنث الناس حين يقول «١٩» :
стр. 56
قالت هريرة لما جئت زائرها ... ويلى عليك وويلى منك يا رجل
فقال الربعى: أفعلى صاحبكم تعوّل حيث يقول «٢٠» :
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتّقتنا باليد
لا، والله ما أحسن هذه الإشارة إلا مخنّث.
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنا محمد بن موسى بن يحيى بن زيد بن النجّار الحنفى اليمامى، قال: حدثنى أبو بردة الثقفى اليمامى، قال: أدركت الناس وهم يزعمون أن أكذب بيت قالته العرب فى الجاهلية قول أعشى بنى قيس بن ثعلبة «٢١» :
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
قال أحمد بن أبى طاهر: كان الأعشى راوية المسيّب بن علس، والمسيب خاله، وكان يطرد شعره ويأخذ منه.
قال أبو الحسن محمد بن أحمد بن طباطبا العلوى «٢٢» : من الأشعار الغثّة الألفاظ، الباردة المعانى، المتكلّفة النسيج، القلقة القوافى، المضادّة للأشعار المختارة «٢٣» ؛ قول الأعشى «٢٤» :
بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا ... واحتلّت الغمر فالجدّين فالفرعا
لا تسلم منها خمسة أبيات؛ ونذكرها ليوقف على التكلف الظاهر فيها:
بانت وقد أسأرت «٢٥»
فى النفس حاجتها ... بعد ائتلاف وخير الود ما نفعا
تعصى الوشاة وكان الحبّ آونة ... ممّا يزيّن للمشغوف «٢٦» ما صنعا
стр. 57
وكان شىء إلى شىء فغيّره «٢٧» ... دهر يعود على تشتيت ما جمعا
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصّلعا
قد يترك الدهر فى خلقاء «٢٨» راسية ... وهيا وينزل منها الأعصم الصّدعا
وما طلابك شيئا لست مدركه ... إن كان عنك غراب الجهل قد وقعا
وذكرها بأسرها.
وقال: فهذه القصيدة ستة وسبعون بيتا التكلف فيها ظاهر بيّن إلا فى ستة أبيات، وهى «٢٩» :
تقول بنتى وقد قرّبت مرتحلا ... يا ربّ جنّب أبى الأتلاف «٣٠» والوجعا [٢٢]
بذات لوث عفرناة «٣١» إذا عثرت ... فاللعن «٣٢» أدنى لها من أن أقول لعا «٣٣»
بأكلب كسراء النّبل «٣٤» ضارية ... ترى من القدّ فى أعناقها قطعا
يا هوذ إنك من قوم أولى «٣٥» حسب ... لا يفشلون إذا ما آنسوا فزعا
أغرّ أبلج يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا «٣٦»
لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا ... طول الحياة ولا يوهنون ما رقعا «٣٧»
стр. 58
قال: وفيها خطأ «٣٨» ظاهر، ولكنها بالإضافة إلى سائر الأبيات نقية بعيدة من التكلف.
والذى يوجبه نسج الشعر أن يقول: يا ربّ جنب أبى الأتلاف والأوجاع، أو التلف والوجع «٣٩» .
ومثل هذه القصيدة فى التكلف وبشاعة القول قوله أيضا فى قصيدة «٤٠» :
لعمرك ما طول هذا الزمن «٤١»
فإن يتبعوا أمره يرشدوا ... وإن يسألوا ماله لا يضن
وما إن على قلبه غمرة ... وما إن بعظم له من وهن
وما إن على جاره تلفة ... يساقطها كسقاط اللّجن «٤٢»
ولم يسع «٤٣» فى الحرب سعى امرئ ... إذا بطنة «٤٤» راجعته بمكن
عليها وإن فاته أكلة ... تلافى لأخرى عظيم العكن
يرى همّه أبدا «٤٥» خصره ... وهمّك فى الغزو لا فى السّمن
فمثل هذا الشعر وما شاكله يصدئ الفهم ويورث الغم.
قال «٤٦» : ومن الأبيات المستكرهة الألفاظ، المتفاوتة النسج، القبيحة العبارة، التى يجب الاحتراز من مثلها قول الأعشى أيضا «٤٧» :
أفى الطّوف خفت علىّ الرّدى ... وكم من رد «٤٨» أهله لم يرم
أراد لم يرم أهله.
стр. 59
قال: وقوله «٤٩» :
وأنكرتنى وما كان الذى نكرت ... من الحوادث إلا الشيب والصّلعا
فأى نكرة تكون أنكر من هذا عندها؟
وقوله «٥٠» :
رأت رجلا غابر الوافدين ... منتشل النّحض أعشى ضريرا
وقوله «٥١» :
صدّت هريرة عنّا ما تكلّمنا ... جهلا بأمّ خليد حبل من تصل؟
أإن رأت رجلا أعشى أضرّ به ... ريب المنون ودهر خائن «٥٢» خبل
قال: وقوله «٥٣» :
فرميت غفلة قلبه «٥٤» عن شاته ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها
وقوله:
استأثر الله بالوفاء وبالعد ... ل وولّى الملامة الرجلا
أراد الإنسان.
قال «٥٥» : وينبغى للشاعر أن يحترز فى أشعاره ومفتتح أقواله مما يتطيّر منه، أو يستجفى من الكلام والمخاطبات، مثل ابتداء الأعشى بقوله «٥٦» :
ما بكاء الكبير بالأطلال ... وسؤالى وهل تردّ سؤالى
دمنة قفرة تعاورها الصي ... ف بريحين من صبا وشمال
стр. 60
ومثله قول ذى الرّمّة «٥٧» :
ما بال عينك منها الماء ينسكب ... كأنّه من كلى مفريّة سرب «٥٨»
قال «٥٩» : وينبغى للشاعر أن يتفقّد مصراع كلّ بيت حتى يشاكل ما قبله [٢٣] . فقد جاء من أشعار القدماء ما تختلف مصاريعه، كقول الأعشى «٦٠» :
وإن امرءا أهداك بينى وبينه ... فياف تنوفات ويهماء خيفق «٦١»
لمحقوقة أن تستجيبى لصوته ... وأن تعلمى أنّ المعان موفّق
فقوله:
وأن تعلمى أنّ المعان موفق
غير مشاكل لما قبله.
وكقوله «٦٢» :
أغرّ أبيض يستسقى الغمام به ... لو قارع الناس عن أحسابهم قرعا «٦٣»
فالمصراع الثانى غير مشاكل للأول، وإن كان كلّ واحد منهما قائما بنفسه.
وكقوله طرفة «٦٤» :
стр. 61
ولست بحلّال التّلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد «٦٥»
فالمصراع الثانى غير مشاكل للأول.
أخبرنى محمد بن الحسن، قال: حدثنا أحمد بن يحيى النحوى، قال: حدثنى عمر بن شبّة فى قول الأعشى «٦٦» :
ونبّئت قيسا ولم آته ... وقد زعموا ساد أهل اليمن «٦٧»
فعيب عليه أو عابه قيس نفسه؛ فردّه فقال «٦٨» :
ونبئت قيسا ولم آته ... على نأيه.........
حدثنى عبد الله بن أحمد، عن أبى العباس المبرد، قال: قال الأعشى «٦٩» :
وتبرد برد رداء العرو ... س بالصّيف رقرقت فيه العبيرا «٧٠»
وتسخن ليلة لا يستطيع ... نباحا بها الكلب إلا هريرا
فتقبّل هذا الكلام واستحسن؛ ثم قيل فى عيبه: إنه أتى به فى بيتين وطوّل به الخطاب.
وأجود منه قول طرفة «٧١» :
تطرد البرد بحرّ ساخن ... وعكيك «٧٢» القيظ إن جاء بقر
стр. 62
وقيل: هذا أجمع وأخصر.
أخبرنى أبو القاسم يوسف بن يحيى بن على المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثنى حذيفة بن محمد الطائى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: كنا فى حلقة يونس، فجاءنا مروان بن أبى حفصة، فقال: أيكم يونس؟ فأومأ إليه، فجلس فقال: أصلحك الله، إنى أرى أقواما يقولون الشعر، لأن يكشف أحدهم عن سوءته فيمشى فى الطريق أحسن به من أن يظهر مثل ذلك الشعر؛ وقد قلت شعرا أعرضه عليك؛ فإن كان جيدا أظهرته، وإن كان رديئا سترته. وأنشده «٧٣» :
طرقتك زائرة فحىّ خيالها
قال: فقال له: يا هذا، اذهب فأظهر هذا الشعر؛ فأنت والله فيه أشعر من الأعشى- يريد فى قوله «٧٤» :
رحلت سميّة غدوة أجمالها
فقال له مروان: قد سؤتنى وسررتنى؛ فأما الذى سررتنى به فلارتضائك الشعر، وأما الذى سؤتنى به فلتقديمك إياى على الأعشى. قال: نعم، إن الأعشى قال «٧٥» :
فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها
والطحال لا يدخل فى شىء إلا أفسده، وأنت لم تقل ذاك.
وأخبرنى يوسف بن يحيى بن على المنجم، عن أبيه، عن جده، عن عافية بن شبيب، قال: قال مروان: لما قلت قصيدتى:
طرقتك زائرة فحىّ خيالها
قصدت باب الخليفة، فجعلت طريقى على البصرة، فمررت ببشّار فأنشدته إياها، فقال: أحسنت، أنت أشعر فيها من الأعشى فى قصيدته التى على رويّها.
стр. 63
قال عبد الله بن المعتز: عابوا على الأعشى قوله «٧٦» :
ونبئت قيسا ولم آته ... وقد زعموا ساد أهل اليمن «٧٧»
فعابوه بهذا الشك. ويقال: إن قيسا أنكر ذلك عليه فجعل مكان: «وقد زعموا» [٢٤] : «على نأيه» .
قال: ومما استضعف من معانيه قوله «٧٨» :
فرميت غفلة عينه عن شاته ... فأصبت حبّة قلبها وطحالها
وقد عابه قوم بذلك، لأنهم رأوا ذكر القلب والفؤاد والكبد يتردّد كثيرا فى الشعر عند ذكر الهوى والمحبة والشوق، وما يجده المغرم فى هذه الأعضاء من الحرارة والكرب، ولم يجدوا الطحال استعمل فى هذه الحال؛ إذ لا صنع له فيها، ولا هو مما يكتسب حرارة وحركة فى حزن ولا عشق، ولا بردا وسكونا فى فرح أو ظفر؛ فاستهجنوا ذكره.
قال: وعابوا عليه الإيطاء فى قوله «٧٩» :
وهل تطيق وداعا أيّها الرجل
وقوله «٨٠» :
ويلى عليك وويلى منك يا رجل
قال: وعابوا عليه استعماله الألفاظ العجمية فى شعره.
وأنكروا عليه قوله «٨١» :
لو أسندت ميتا إلى نحرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر
قال: وأخبرنى بعض شيوخنا أنه أدرك الناس وهم يزعمون أن هذا البيت أكذب بيت قالته العرب «٨٢» .
стр. 64
٥- طرفة بن العبد [١]
حدثنى أحمد بن محمد الجوهرى، قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزى، قال:
حدثنى الرّياشى، قال: حدثنا الأصمعى، قال: لم يكن طرفة يحسن أن يتعشّق؛ قال فى قصيدته «١» :
أصحوت اليوم أم شاقتك هر ... ومن الحبّ جنون مستعر
أرّق العين خيال لم يقر ... طاف والركب بصحراء يسر
أى زارنى فى مكان لا يزار فيه. ثم قال الأصمعى: يقول هذا القول؛ إنه لم ينم ولم يهجع من حبها، ثم يقول «٢» :
وإذا تلسننى ألسنها ... إننى لست بموهون غمر «٣»
لا كبير دالف من هرم ... أرهب الليل ولا كلّ الظّفر
وقال ثعلب: «الظّهر» .
أخبرنا أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوى، قال: أخبرنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قد عاب الناس قول طرفة «٤» :
أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كل أمون وطمر «٥»
فقيل: إنما يهبون عند الآفة التى تدخل على عقولهم؛ وفضّلوا قول عنترة بن شداد العبسى «٦» :
стр. 65
وإذا شربت فإننى مستهلك ... مالى وعرضى وافر لم يكلم
وإذا صحوت فما أقصّر عن ندى ... وكما علمت شمائلى وتكرّمى
وحدثنى عبد الله بن أحمد، عن أبى العباس المبرّد، قال: عيب على طرفة بيته هذا.
وقيل: إنما يهب هؤلاء إذا تغيرت عقولهم؛ وإنما الجيد بيتا عنترة هذان؛ فخبّر أنّ جوده باق؛ لأنه لا يبلغ من الشراب ما يثلم عرضه؛ ثم قالوا: هو حسن جميل، إلا أنه أتى به فى بيتين؛ هلّا قال كما قال امرؤ القيس «٧» :
سماحة ذا وبرّ ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا، إذا صحا وإذا سكر
وأخبرنى الصّولى، قال: عيب على طرفة قوله:
أسد غيل ... البيت.
فجعل إعطاءهم عند الشّرب؛ ويروى: «فإذا ما سكروا» ، فتبعه حسان بن ثابت الأنصارى، فقال- وهو أعيب من الأول «٨» :
نولّيها الملامة إن ألمنا ... إذا ما كان مغث أو لحاء «٩»
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنهنا اللّقاء «١٠»
[٢٥] فقول طرفة خير من هذا؛ لأنه قال:
أسد غيل فإذا ما شربوا
فجعل لهم الشجاعة قبل الشرب، وحسان قال: نشرب فنشجع ونهب كأنّا ملوك إذا شربنا؛ فلهذا كان قول طرفة أجود، وقول عنترة أحسن؛ لأنه احترس من عيب الإعطاء على السكر وأن السكر زائد فى سخائه، فقال:
وإذا شربت فإننى مستهلك
стр. 66
وذكر البيتين.
وقال زهير «١١» :
أخى ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنّه قد يهلك المال نائله «١٢»
فهذا من أحسن الكلام، يريد أنه لا يشرب بماله الخمر، ولكنه يبذله للحمد.
وقال البحترى «١٣» :
تكرّمت- من قبل الكئوس- عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرّما
стр. 67
٦- بشر بن أبى خازم الأسدى [١]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، عن أبى عبيدة، حدثنى علىّ بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم، عن أبيه، قال: حدثنى إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنى أبو عبيدة، وأخبرنى محمد بن العباس، قال: حدثنا الحسن بن على المهرى، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: قيل لأبى عمرو بن العلاء: هل أقوى أحد من فحول شعراء الجاهلية كما أقوى النابغة؟ قال: نعم، بشر بن أبى خازم؛ قال «١٣» :
ألم تر أنّ طول الدّهر يسلى ... وينسى مثل ما نسيت جذام
وكانوا قومنا فبغوا علينا ... فسقناهم إلى البلد الشآمى
وزاد أبو عبيدة فى حديثه، فقال له أخوه سمير «١٤» : أكفأت وأسأت. قال: وما ذاك؟
قال: قلت:
كما نسيت جذام
، ثم قلت:
إلى البلد الشآمى
فقال: قد تبّينت خطى، ولست بعائد.
وأخبرنى أبو محمد عبد الله بن مالك النحوى، قال: أخبرنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلى، عن أبيه، عن أبى عبيدة، قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء، قال: فحلان من الشعراء كانا يقويان: النابغة، وبشر بن أبى خازم؛ فأما النابغة فدخل يثرب فغنّى بشعره
стр. 68
ففطن، فلم يعد إلى إقواء «١٥» ؛ وأما بشر فقال له سوادة أخوه: إنك تقوى. فقال له: وما الإقواء؟ فأنشده بيتيه؛ وآخر الأول منهما: «نسيت جذام» ، فرفع؛ ثم قال: «إلى البلد الشآمى» فخفض؛ ففطن بشر فلم يعد.
وأنكر على بشر قوله يخاطب أوس بن حارثة:
تكن لك فى قومى يد يشكرونها ... وأيدى الندى فى الصالحين فروض
وقال ابن طباطبا «١٦» : هذا البيت من الأبيات التى زادت قريحة قائليها على عقولهم.
стр. 69
٧- حسان بن ثابت الأنصارى [١]
كتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنى أبو بكر العليمى، قال: حدثنا عبد الملك بن قريب، قال: كان النابغة الذبيانى تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. قال: فأول من أنشده الأعشى: ميمون بن قيس أبو بصير، ثم أنشده حسان بن ثابت الأنصارى «١٧» .
لنا الجفنات الغرّ يلمعن بالضّحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما
ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما «١٨»
فقال له النابغة: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت، ولم تفخر بمن ولدك.
وحدثنى علىّ بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا الزبير بن بكّار، قال: حدثنى عمّى مصعب بن عبد الله [٢٦] ، قال: أنشد حسان نابغة بنى ذبيان قصيدته التى يقول فيها:
لنا الجفنات الغرّ
فقال له: ما صنعت شيئا؛ قلّلت أمركم؛ فقلت: جفنات وأسياف.
وأخبرنى الصولى، قال: حدثنى محمد بن سعيد، ومحمد بن العباس الرياشى، عن الرياشى، عن الأصمعى، عن أبى عمرو بن العلاء، كان النابغة الذبيانى تضرب له قبة
стр. 70
بسوق عكاظ من أدم، فتأتيه الشعراء، فتعرض عليه أشعارها؛ فأتاه الأعشى، فكان أول من أنشده. ثم أنشده حسان بن ثابت قصيدته التى منها:
لنا الجفنات الغرّ ...
وذكر البيتين، فقال النابغة: أنت شاعر، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك.
قال الصولى: فانظر إلى هذا النقد الجليل الذى يدلّ عليه نقاء كلام النابغة، وديباجة شعره؛ قال له: أقللت أسيافك؛ لأنه قال: «وأسيافنا» وأسياف جمع لأدنى العدد، والكثير سيوف. والجفنات لأدنى العدد، والكثير جفان. وقال: فخرت بمن ولدت؛ لأنه قال: ولدنا بنى العنقاء وابنى محرّق. فترك الفخر بآبائه وفخر بمن ولد نساؤه.
قال: ويروى أنّ النابغة قال له: أقللت أسيافك ولمّعت جفانك. يريد قوله: لنا الجفنات الغرّ. والغرّة لمعة بياض فى الجفنة؛ فكأن النابغة عاب هذه الجفان، وذهب إلى أنه لو قال: لنا الجفنات البيض؛ فجعلها بيضا كان أحسن.
فلعمرى إنه أحسن فى الجفان إلا أنّ الغرّ أجلّ لفظا من البيض.
قال الشيخ أبو عبيد الله المرزبانى ﵀: وقال قوم ممن أنكر هذا البيت فى قوله:
يلمعن بالضّحى، ولم يقل بالدّجى، وفى قوله: وأسيافنا يقطرن، ولم يقل يجرين؛ لأن الجرى أكثر من القطر.
وقد ردّ هذا القول؛ واحتجّ فيه قوم لحسّان بما لا وجه لذكره فى هذا الموضع.
فأما قوله: فخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك فلا عذر عندى لحسّان فيه على مذهب نقّاد الشعر.
وقد احترس من مثل هذا الزّلل رجل من كلب؛ فقال يذكر ولادتهم لمصعب بن الزبير وغيره ممن ولده نساؤهم:
وعبد العزيز قد ولدنا ومصعبا ... وكلب أب للصالحين ولود
стр. 71
فإنه لمّا فخر بمن ولده نساؤهم فضل رجالهم، وأخبر أنهم يلدون الفاضلين؛ وجمع ذلك فى بيت واحد؛ فأحسن وأجاد.
حدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: قال حسان بن ثابت يرثى مطعم بن عدىّ فى أبيات- وهذا البيت ردىء عند أهل العربية؛ وذلك أنه قدّم المكنى على الظاهر، ومثله ربما جاز فى الضرورة «١٩» :
فلو كان مجد يخلد اليوم واحدا «٢٠» ... من الناس أبقى مجده اليوم مطعما
ونظيره قول الآخر «٢١» :
جزى ربّه عنى عدىّ بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل
وإنما جاز «٢٢» هذا لأن المظهر يفسّر المضمر.
حدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى إبراهيم بن عبد الصمد، قال:
حدثنا الكرانىّ، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنى الأصمعى، قال: طريق الشعر إذا أدخلته فى باب الخير لان؛ ألا ترى أنّ حسان بن ثابت كان علا فى الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره فى باب الخير- من مراثى النبى ﷺ وحمزة وجعفر رضوان الله عليهما وغيرهم- لان [٢٧] شعره. وطريق الشعر هو طريق شعر الفحول، مثل امرئ القيس، وزهير، والنابغة، من صفات الديار والرّحل، والهجاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الحمر والخيل والحروب والافتخار؛ فإذا أدخلته فى باب الخير لان.
حدثنى عبد الله بن جعفر، قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوى، قال: حكى محمد بن عمر الجرجانى، وأخبرنى على بن عبد الرحمن، قال: أخبرنى يحيى بن على بن يحيى المنجّم؛ عن أبيه، قال: حدثنى محمد بن عمر؛ وحدثنى إبراهيم بن محمد العطار،
стр. 72
عن العنزى، قال: حدثنى على بن يحيى، قال: حدثنى محمد بن عمر الجرجانى، عن هشام بن محمد الكلبى، عن أبى المقوّم الأنصارى؛ وحدثنى محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا محمد بن موسى البربرى، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عيسى، عن أبى عمر حفص بن عمر العمرى، عن لقيط، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبى عمرة، عن أبيه؛ قالا: أرق حسان بن ثابت ذات ليلة، فعنّ له الشعر؛ وعنده ابنته ليلى فى خدرها، فقال بيتا «٢٣» :
متاريك أذناب الأمور إذا اعتزت ... أخذنا الفروع واجتنينا «٢٤» أصولها
ثم أجبل «٢٥» فلم يجد شيئا. فقالت له ابنته: يا أبتاه، كأنك أجبلت. قال: أجل؛ فقالت: فهل لك أن أجيز عنك؟ قال: نعم، قالت: أعد. فأعاد قوله. فقالت «٢٦» :
مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام يعاطون العشيرة سؤلها
قال: فحمى الشيخ، فقال:
وقافية مثل السنان رزينة «٢٧» ... تناولت من جوّ السماء نزولها
فقالت:
يراها الذى لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها
فقال حسان: لا أقول شعرا وأنت حيّة. قالت: أو أؤمّنك؟ قال: أو تفعلين؟
قالت: نعم، لا أقول شعرا ما دمت حيا «٢٨» . والحديث على لفظ البربرى.
وفضل أهل العلم قول امرئ القيس بن حجر «٢٩» :
من القاصرات الطّرف لو دبّ محول ... من الذّرّ فوق الإتب منها لأثّرا «٣٠»
стр. 73
على قول حسان «٣١» :
لو يدبّ الحولىّ من ولد ... الذرّ عليها لأندبتها «٣٢» الكلوم
وعيب على حسان قوله «٣٣» :
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرّقت الأهواء والشّيع
لأنه كان يجب: أن يقول: هم شيعة رسول الله ﷺ .
стр. 74
٨- أوس بن حجر [١]
عاب قوم على أوس بن حجر قوله «٣٤» :
وذات «٣٥» هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا «٣٦»
لأنه أفحش الاستعارة بأن سمّى الصبىّ تولبا؛ وهو ولد الحمار. ومثله قول الآخر «٣٧» :
وما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه «٣٨» بساق وحافر
فسمى رجل الإنسان حافرا. وقالوا: وكل ما جرى هذا المجرى من الاستعارة قبيح لا عذر فيه.
стр. 75
٩- النابغة الجعدى [١]
حدثنا على بن سليمان الأخفش، عن أبى العباس ثعلب، قال: قال الأصمعى:
قلت لبعضهم: ما تقول فى شعر الجعدى؟ قال: صاحب خلقان، عنده مطرف بألف وخلق بدرهم «٣٩» .
وكتب إلىّ أحمد بن عبد العزيز، قال: أخبرنا عمر بن شبّة، قال: حدثنا أبو بكر الباهلى، عن الأصمعى، قال ذكر الفرزدق نابغة بنى جعدة فقال: صاحب خلقان [٢٨] ، يكون عنده مطرف بألف، وخمار بواف «٤٠» .
وحدثنى عبد الله بن يحيى العسكرى، قال: حدثنى إبراهيم بن عبد الصمد، قال:
حدثنا الكرانى، قال: حدثنى العباس بن ميمون طابع، قال: حدثنى الأصمعى، قال: حدثنى أبو عمرو بن العلاء، قال: سئل الفرزدق عن الجعدى، فقال: صاحب خلقان يكون عنده مطرف بألف، وخمار بواف.
قال الأصمعى: وصدق الفرزدق؛ بينا النابغة فى كلام أسهل من الزلال، وأشدّ من الصخر إذ لان فذهب. ثم أنشدنا له «٤١» :
سما لك همّ ولم تطرب ... وبت ببثّ ولم تنصب
وقالت سليمى أرى رأسه ... كناصية الفرس الأشهب
وذلك من وقعات المنون ... ففيئى إليك ولا تعجبى
أتين على إخوتى سبعة ... وعدن على ربعى الأقرب