Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
وأما بسملة قلم الرقاع، فإن السين تكون فيها بالتدريج، كل سنّ دون التي قبلها بيسير؛ والكاتب فيها مخيّر بين وصل أسنانها وفصلها فصلا يسيرا. وقد اصطلحوا على أن تكتب الألف التي قبل الجلالة فيها متصلة بميم بسم، وتكون مثل الألف والصاعد في قلم الرّقاع، ثم يجعل لها ذيل وتوصل بالجلالة؛ ولها ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن تكون الراء فيها مدغمة، والحاء في الرحمن والرحيم مقلوبة؛ وهذه صورتها:
بسم الله الرّحمن الرّحيم الصورة الثانية- أن تكون الراء فيها مدغمة والحاء رتقاء؛ وهذه صورتها:
بسم الله الرّحمن الرّحيم الصورة الثالثة- أن توصل الألف بالجلالة من أعلاها؛ وهذه صورتها:
؟؟؟ وأما بسملة الغبار [فلها صورة واحدة وهي هذه] «١» ؟؟؟
стр. 1227
الجملة الثامنة في وجوه تجويد الكتابة وتحسينها؛ وهو على ضربين
الضرب الأوّل حسن التشكيل
قال الوزير أبو عليّ بن مقلة: وتحتاج الحروف في تصحيح أشكالها إلى خمسة أشياء:
الأوّل- التوفية
؛ وهي أن يوفّى كلّ حرف من الحروف حظّه من الخطوط التي يركب منها: من مقوّس ومنحن ومنسطح.
الثاني- الإتمام
؛ وهو أن يعطى كلّ حرف قسمته من الأقدار التي يجب أن يكون عليها: من طول أو قصر أو دقّة أو غلظ.
الثالث- الإكمال
؛ وهو أن يؤتى كلّ خط حظّه من الهيئات التي ينبغي أن يكون عليها: من انتصاب، وتسطيح، وانكباب، واستلقاء، وتقويس.
الرابع- الإشباع
؛ وهو أن يؤتى كلّ خط حظه من صدر القلم حتّى يتساوى به فلا يكون بعض أجزائه أدقّ من بعض ولا أغلظ إلا فيما يجب أن يكون كذلك من أجزاء بعض الحروف من الدقة عن باقيه مثل الألف والراء ونحوهما.
الخامس- الإرسال
؛ وهو أن يرسل يده بالقلم في كل شكل يجري بسرعة من غير احتباس يضرّسه ولا توقّف يرعشه.
الضرب الثاني حسن الوضع
قال الوزير «١» : ويحتاج إلى تصحيح أربعة أشياء:
стр. 1228
الأوّل- الترصيف
؛ وهو وصل كلّ حرف متصل إلى حرف.
الثاني- التأليف
؛ وهو جمع كل حرف غير متصل إلى غيره على أفضل ما ينبغي ويحسن.
الثالث- التسطير
؛ وهو إضافة الكلمة إلى الكلمة حتّى تصير سطرا منتظم الوضع كالمسطرة.
الرابع- التنصيل
؛ وهو مواقع المدّات المستحسنة من الحروف المتصلة.
واعلم أن المدّ في الخط قديم، فقد حكى أبو جعفر النحاس في «صناعة الكتاب» : أن أهل الأنبار كانوا يكتبون المشق «١» . وكأنه يريد أنهم كانوا على ذلك في القديم، فقد تقدم أن أوّل ما تعلّم أهل الحجاز الخطّ من أهل الأنبار. على أن صاحب «موادّ البيان» قد حكى أن جماعة من المحرّرين كانوا يكرهون المشق لإفساده خطّ المبتديء ودلالته على تهاون المنتهى.
قال: ولذلك كرهوا كتابة البسملة بغير سين مبيّنة ثم صارت كراهة ذلك سنّة وعرفا. والذي عليه حذّاق المحرّرين استعمال المدّ.
قال في «موادّ البيان» : وهذه المدّات تستعمل لأمرين: أحدهما أنها تحسّن الخط وتفخّمه في مكان كما يحسّن مدّ الصوت اللفظ ويفخّمه في مكان. الثاني أنها ربما أوقعت ليتم السّطر إذا فضل منه ما لا يتّسع لحرف آخر، لأن السطر ربما ضاق عن كلمتين وفضل عن كلمة فتمدّ التي وقعت في آخر السطر لتقع الأخرى في أوّل السطر الذي يليه.
وقال الشيخ عماد الدين بن العفيف: مواضع المدّ أواخر السطور، وتكره إذا كانت سينا مدغمة.
قال في «موادّ البيان» : فيجب على الكاتب أن يعرف أحكامها لئلا يوقعها في
стр. 1229
غير المواضع اللائقة بها فيشتبه الحرف بغيره ويفسد المعنى، مثل أن يوقع المدّ في متعلم بين الميم والتاء فتشتبه بمستعلم، أو يوقع المدّ في متسلم بين الميم والتاء فتشتبه بمستسلم. ثم قال: وبالجملة فالكلمة الأصلية اسما كانت أو حرفا أو فعلا لا تخرج عن أربعة أصناف:
الصنف الأوّل الثنائية
وهي إما أسماء مضاعفة أو أفعال أو حروف.
فالأسماء: نحوندّ، وضر، وسرّ، وشرّ، وظلّ، وطلّ، وما أشبه ذلك.
والأفعال: نحو قل، وكل، وقم، وعد، ونم، وسر، ونحو ذلك.
والحروف: نحو هل، وبل، وقط، وقد، ومذ، وعن، ولو، ولم، ومن، وما، وما يجري مجرى ذلك.
فأما الأسماء والأفعال الثنائية فقد ذكر في «موادّ البيان» : أنه لا يحسن المدّ في شيء منها إلا في سرّ، وشرّ، من الأسماء وسر من الأفعال لأن السين أو الشين وإن كان كل منهما حرفا على حياله في صورة ثلاثة أحرف.
قال: وقد يحسن في نحو ظل، وطلّ، في بعض المواضع.
وأما الحروف الثنائية فقد ذكر في «موادّ البيان» : أنه لا يحسن المدّ فيها.
وحكى صاحب «منهاج الإصابة» : أن بعض الكتاب كان يمدّ في أواخر السطور مثل ما، وهل، وعن، ثم حكى عن أبي القاسم بن خلوف: أن ذلك لا يجوز في عن في أوّل السطر ولا في آخره.
الصنف الثاني الثلاثية
قال في «موادّ البيان» : والمدّ فيها على الأكثر قبيح لأنها لا تنقسم بقسمين متساويين.
стр. 1230
قال: ومنها ما يسمح في مدّه للضرورة كما إذا وقع في آخر سطر يحتاج إلى التتميم فيمدّ كبيع وقطع ونحوهما. وعلى نحو من ذلك جرى صاحب «منهاج الإصابة» ثم قال: ويجوز أن تمدّ إذا كان ثالثها ألفا أو لاما.
وقال الشيخ عماد الدين بن العفيف: كان والدي يمدّ في الكلمة الثلاثيّة إذا كان أوّلها الجيم وأختاها، والطاء، والسين، والعين.
قال في «موادّ البيان» : وينبغي إذا مدّ أن يقدّم الحرفان الأوّلان وتوضع المدة بينهما وبين الثالث. أما عسى، ومتى، وفتى، ونحوها فإنها لا تحتمل المدّ بحال.
الصنف الثالث الرباعية نحو محمد وجعفر
قال أبو القاسم بن خلوف: والمدّ فيه جائز بل المدّ فيه أحسن من القصر.
قال في «موادّ البيان» : ولا يجوز أن يقدّم منها ثلاثة أحرف ويوقع المدّة بينها وبين الحرف الرابع ولا بالعكس بل وقع المدّ بين الحرفين الأوّلين والحرفين الآخرين فقط. قال: على أن منها ما لا يحسن المدّ فيه نحو: تغلب، وخبير، ونمير.
الصنف الرابع الخماسية
نحو: مشتمل، ومستقلّ، ومسيطر، ومهيمن.
وقد اختلف علماء الخط فيه على مذهبين: فذهب صاحب «موادّ البيان» إلى أن المدّ فيها لا يحسن، فإنها لا تنقسم بقسمين متساويين كما في الثّلاثيّة؛ وذهب أبو القاسم بن خلوف إلى أن المدّ فيها لازم، لا يجوز تركه. ثم إذا مدّ فالذي ذكره في «موادّ البيان» أن الأحسن أن يقدّم حرفين ويوقع المدّ بينهما وبين الثلاثة الأحرف الأخر.
стр. 1231
أما ما كان زائدا على خمسة فقد ذكر صاحب «العناية الربّانية» «١» أنه يرجع فيه إلى الأصول، ويعتبر من السّداسي «٢» فإنه مدّ فيما بعد السين من مسلمون وبعد التاء من معتبر.
قال في «مواد البيان» : ويصح المدّ فيما جاء من الأسماء والأفعال والحروف موصولا بضمير كناية مثل: كتبته، وعلمته، وفيه، ومنه، وعليه، وإليه، إذا وقعت المدّة بين تمام الكلمة والضمير.
قال: ومشق السين يحسّن الخطّ في بعض المواضع، ويقبح إذا وقعت طرفا نحو مشق السين من العباس والجوّاس؛ وأقبح من ذلك مشقها إذا كانت موصولة بحرف واحد يتقدّمها نحو يأنس، وعانس، وجالس، وناعس، وإذا توالت سينان أو سين وشين، فالأحسن أن يفصل بينهما في الخط المحرّر بمدّة لطيفة نحو مسست وغششت ورششت.
قال أبو القاسم بن خلوف: ومن الحروف ما لا يحسن المدّ بعده إذا كان مبتدأ، وهو الباء وأختاها، والياء، والفاء والقاف، واللام؛ وأما الكاف المشكولة فإنه لا يجوز مدّ ما بعدها في ابتداء ولا توسّط.
وقد ذكر الشيخ زين الدين شعبان الآثاري في ألفيّته حروفا يجوز مدّها في مواضع:
أحدها- الباء وأختاها، فتمدّ إذا كان بعدها دال مثل: بدر، أو راء مثل: برّ، أو ميم مثل: تم، أو هاء مثل: بهز، وأنه ربما مدّت إذا كان بعدها لام مثل: بل، أو لام ألف مثل: بلا.
стр. 1232
الثاني- الجيم وأختاها، فتمدّ إذا كان بعدها دال مثل: حداد، أو راء مثل:
حرير، أو ميم مثل: حم، أو هاء مثل: جهر.
الثالث- السين وأختها، وتمدّ إذا كان بعدها راء مثل: سرّ، أو ميم مثل:
سم، أو هاء مثل: سهم.
الرابع، والخامس- الصاد وأختها، والطاء وأختها، فلا يجوز «١» مدّ واحد منها بحال.
السادس- العين وأختها، فتمدّ إذا كان بعدها دال مثل: عد، أو راء مثل:
عر، أو ميم مثل: عم، أو هاء مثل: عهن.
السابع، والثامن، والتاسع، والعاشر، والحادي عشر- الفاء، والقاف، واللام، والميم، والهاء؛ فحكمها حكم العين وأختها في جواز المدّ فيما تقدّم.
قال الشيخ عماد الدين بن العفيف: ولا يجوز الجمع بين مدّتين في كلمة واحدة، و «على» تمدّ إذا كانت الياء معرّقة؛ فإن كانت راجعة لم يجز المدّ أصلا، لأنه يجتمع في كلمة ثلاثيّة مدّتان.
قال في «موادّ البيان» : ويقبح أن تمدّ حرفين توالي بينهما في سطر واحد، وأن توقع حرفين ممدودين في سطرين: أعلى وأسفل على تقابل وتحاذ.
قال السّرّمرّي: وإن كان في آخر الكلمة ياء لم يجز المدّ قبل الياء. قال:
ولذلك لا يجوز المدّ بعد السين في اسم موسى: ولا قبل «٢» السين في اسم عيسى.
قال الآثاريّ: وأجاز بعضهم مدّ العين منه بخلاف السين.
قال ابن العفيف: ولا تدغم الواو والنون بعد مدّ أصلا في خفيف ولا ثقيل.
стр. 1233
قال: ولا يحسن إدغام السين بعد الكاف المشكولة، ويجوز بعد اللام والميم.
قال في «مواد البيان» : ويقبح أن تكتب ياءان معطوفتان متقاربتان في سطر واحد.
قال الشيخ عماد الدين بن الشيرازي: وإذا توالت العراقات وكان فيها الياء وجب أن تكون راجعة إلى ذات اليمين.
قال ابن أبي رقيبة: سألت الشيخ عماد الدين بن العفيف: هل يكون ذلك في كل قلم؟ قال نعم! إذا تمكّن الكاتب من وضعها، إلا في المحقّق فإنه غير جائز.
قال السّرّمريّ: وإن أتت ياءان متقاربتان مثل قول القائل «لي صلي» ردّ ياء الأخرى من الكلمتين دون الأولى، وإن شئت عرّقتهما جميعا، وهو اختيار الوزير ابن مقلة. قال: وتردّ الياء بعد الألف واللام مثل: «إلى» في خفيف الأقلام دون ثقيلها على الأحسن.
قال الآثاري: وإذا توالت حروف متشابهة كتبت القصير منه مقدّما على الطويل.
الصنف الخامس مراعاة فواصل الكلام
قال في «مواد البيان» : وذلك بأن تميز الفصول المشتمل كلّ فصل منها على نوع من الكلام عمّا تقدّمه: لتعرف مباديء الكلام ومقاطعه؛ فإن الكلام ينقسم فصولا طوالا وقصارا، فالطّوال كتقسيم منثور المترسل إلى رسائله، ومنظوم الشاعر إلى قصائده، ومثل هذا لا يحتاج إلى تفصيل، لأنه لا يشكل الحال فيه في الرسالة أو القصيدة بغيرها اتصالا وانفصالا.
والفصول القصار كانقسام الرسالة إلى الفصول، والقصيدة إلى الأبيات، ومثل هذا قد يشكل، فينبغي أن تميز تمييزا يؤمن معه من الاختلاط، فإن ترتيب
стр. 1234
الخط يفيد ما يفيده ترتيب اللفظ. وذلك أن اللفظ إذا كان مرتّبا تخلّص بعض المعاني من بعض، وإذا كان مخلّطا أشكلت معانيه، وتعذر على سامعه إدراك محصوله.
وكذلك الخط إذا كان متميز الفصول، وصل معنى كلّ فصل منه إلى النفس على صورته، وإذا كان متصلا دعا إلى إعمال الفكر في تخليص أغراضه.
وقد اختلفت طرق الكتّاب في فصول الكلام الذي لم يميّز بذكر باب أو فصل ونحوه. فالنّسّاخ يجعلون لذلك دائرة تفصل بين الكلامين، وكتّاب الرسائل يجعلون للفواصل بياضا يكون بين الكلامين من سجع أو فصل كلام، إلا أن بياض فصل الكلامين يكون في قدر رأس إبهام، وفصل السجعتين يكون في قدر رأس خنصر.
قال في «موادّ البيان» : وينبغي ألّا تكون الجملة في آخر السطر والفاصلة في أوّل السطر الذي يليه؛ فإنه ملبس لاتصال الكلام؛ بل لا يجعل في أوّل السطر بياضا أصلا لأنه يقبح بذلك لخروجه عن نسبة السطور؛ ولا أن يفسح بين السطر والذي يليه إفساحا زائدا عما بين كل سطرين، ولكن يراعي ذلك من أوّل شروعه في كتابة السطر فيقدّر الخط بالجمع والمشق حتّى يخلص من هذا العيب.
الصنف السادس حسن التدبير في قطع الكلام ووصله في أواخر السطور وأوائلها
لأن السطور في المنظر كالفصول، فإذا قطع السطر على شيء يتعلّق بما بعده كان قبيحا، كما إذا كتب بعض حروف الكلمة في آخر السطر وبعضها في أوّل السطر الذي يليه.
ثم للفصل المستقبح في آخر السطر وأوّل الذي يليه صنفان:
стр. 1235
الصنف الأوّل فصل بعض حروف الكلمة الواحدة عن بعض، وتفريقها في السطر والذي يليه
مثل أن تقع معه لفظة «كتاب» في آخر السطر، فيكتب الكاف والتاء والألف في آخر السطر، والباء في أوّل السطر الذي يليه؛ أو يقع في آخر السطر لفظ «مسرور» فيكتب الميم والسين والراء فيه، والواو والراء الثانية في أوّل السطر الذي يليه ونحو ذلك.
قال في «موادّ البيان» : وهو قبيح جدّا لأنه لا يجوز فصل الاسم عن بعضه. قال: وأكثر ما يوجد ذلك في مصاحف العامّة وخطوط الورّاقين «١» ؛ والحامل لهم على ذلك في الغالب هو ضيق آخر السطر عن الكلمة بكمالها، ومن هنا احتاج الكاتب الى النظر في ذلك بالجمع والمشق من حين شروعه في كتابة أوّل السطر على ما تقدّم.
قال صاحب «منهاج الإصابة» : وإنما وقع مثل ذلك في المصاحف التي كتبت في زمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ لأنها كتبت بقلم جليل مبسوط، فربما وقع في بعض الأماكن اللفظة فيقطعها في آخر السطر ويجعل باقيها في السطر الثاني.
وعلى ذلك حمل ما روي أن عثمان ﵁ قال: «إنّ في
стр. 1236
المصحف لحنا ستقيمه العرب بألسنتها» إذ لا جائز أن يكون ذلك لحنا في اللفظ فقد أجمع الصحابة رضوان الله عليهم على أن ما بين دفّتي المصحف قرآن، ومحال أن يجتمعوا على لحن. على أن هذه الرواية غير مشهورة عن عثمان ﵁ كما أشار إلى ذلك الشاطبي «١» بقوله في الرائية:
ومن روى ستقيم العرب ألسنها ... لحنا به قول عثمان فما شهرا
الصنف الثاني فصل الكلمة التامة وصلتها
مثل أن يكتب «وصل كتابك وأيّدك الله» مفصّلات، فيكتب «وصل» في آخر السطر و «كتابك» في أوّل الذي يليه، أو يكتب «أيّدك» في آخر سطر واسم «الله» تعالى في أوّل الذي يليه، وما جرى مجرى ذلك.
قال في «موادّ البيان» : والأحسن تجنّبه إذا أمكن، فإن لم يمكن فيتجنّب القبيح منه، وهو الفصل بين المضاف والمضاف إليه، كعبد الله وغلام زيد وما أشبه ذلك، لأنّ المضاف والمضاف إليه بمنزلة الاسم الواحد؛ والفصل بين الاسم وما يتلوه في النسب، كقولك زيد بن محمد، فلا يجوز أن يفصل بين الاسم والمنسوب إليه كما لا يجوز أن يفصل بين المضاف والمضاف إليه. قال: فإن كان المراد بلفظة ابن تثبيت البنوّة كقولك لزيد ابن جاز قطع الابن عما تقدّمه. وكأنه إنما امتنع ذلك لأن «لزيد» لا يستقل بنفسه فلا يدخله لبس بخلاف غلام زيد ونحوه. ثم قال: ومما يقبح فصله الفصل بين كل اسمين جعلا اسما واحدا نحو:
حضر موت، وتأبط شرّا، وذي يزن، وأحد عشر.
قلت: وباب الخط وأقلامه وحسن تدبيره متسع لا يسع استيفاؤه.
стр. 1237
الفصل الثالث من الباب الثاني من المقالة الأولى في لواحق الخط، وفيه مقصدان
المقصد الأول في النقط؛ وفيه أربع جمل
الجملة الأولى في مسيس الحاجة إليه
قال محمد بن عمر المدائنيّ: ينبغي للكاتب أن يعجم «١» كتابه، ويبيّن إعرابه، فإنه متى أعراه عن الضبط، وأخلاه عن الشكل والنقط كثر فيه التصحيف، وغلب عليه التحريف. وأخرج بسنده إلى ابن عباس ﵁ أنه قال: «لكلّ شيء نور، ونور الكتاب العجم «٢» » . وعن الأوزاعيّ «٣» نحوه.
قال أبو مالك الحضرميّ: أيّ قلم لم تعجم فصوله، استعجم «٤» محصوله.
ومن كلام بعضهم: «الخطوط المعجمة، كالبرود المعلمة» .
ثم قد تقدم في الكلام على عدد الحروف أن حروف المعجم تسعة
стр. 1238
وعشرون حرفا، وقد وضعت أشكالها على تسعة عشر شكلا. فمنها ما يشترك في الصّورة الواحدة منه الحرفان: كالدال والذال والراء والزاي، والسين والشين.
ومنها ما يشترك في الصورة الواحدة منه الثلاثة: كالباء والتاء والثاء، والجيم والحاء والخاء. ومنها ما ينفرد بصورة واحدة كالألف. ومنها ما لا يلتبس حالة الإفراد، فإذا ركّب ووصل بغيره التبس، كالنون والقاف، فإن النون في حالة الإفراد منفردة بصورة، فإذا ركّبت مع غيرها في أوّل كلمة أو وسطها، اشتبهت بالباء وما في معناها؛ والقاف إذا كانت منفردة لا تلتبس، فإذا وصلت بغيرها أوّلا أو وسطا التبست بالفاء، فاحتيج إلى مميز يميّز بعض الحروف من بعض: من نقط أو إهمال ليزول اللّبس، ويذهب الاشتراك.
قال الشيخ أثير الدين أبو حيان: ولذلك ينبغي أن القاف والنون إذا كتبا في حالة الإفراد على صورتهما الخاصّة بهما لا ينقطان، لأنه لا شبه بينهما ولا يشبهان غير هما، فيكونان إذ ذاك كالكاف واللام. قال: ومنع بعض مشايخنا الاشتراك في صورة الحروف، وقال: الصورة والنقط مجموعهما دالّ على كل الحرف.
إذا تقرّر ذلك فالنقط مطلوب عند خوف اللّبس، لأنه إنما وضع لذلك؛ أما مع أمن اللّبس فالأولى تركه لئلا يظلم الخطّ من غير فائدة.
فقد حكي أنه عرض على عبد الله بن طاهر «١» خطّ بعض الكتّاب فقال: ما أحسنه! لولا أنه أكثر شونيزه «٢» .
وقد حكى محمد بن عمر المدائني أن جعفرا المتوكل «٣» كتب إلى بعض
стр. 1239
عمّاله أن أحص من قبلك من المدنيّين وعرّفنا بمبلغ عددهم، فوقع على الحاء نقطة فجمع العامل من كان في عمله منهم وخصاهم فماتوا غير رجلين أو واحد.
وقد حكى المدائني عن بعض الأدباء أنه قال: كثرة النّقط في الكتاب سوء ظنّ بالمكتوب إليه.
أما كتّاب الأموال فإنهم لا يرون النقط بحال؛ بل تعاطيه عندهم عيب في الكتابة.
الجملة الثانية في ذكر أوّل من وضع النقط
قد تقدّم في الكلام على وضع الحروف العربية أن أوّل من وضع الحروف العربية ثلاثة رجال من قبيلة بولان على أحد الأقوال، وهم: مرار «١» بن مرّة، وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة وأن مرارا «٢» وضع الصّور، وأسلم فصل ووصل، وعامرا وضع الإعجام. وقضية هذا أن الإعجام موضوع مع وضع الحروف.
وقد روي أن أوّل من نقط المصاحف ووضع العربية أبو الأسود الدّؤليّ «٣» من تلقين أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه. فإن أريد بالنقط في ذلك الإعجام، فيحتمل أن يكون ذلك ابتداء لوضع الإعجام، والظاهر ما تقدّم، إذ يبعد أن الحروف قبل ذلك مع تشابه صورها كانت عريّة عن النقط إلى حين نقط المصحف.
وقد روي أن الصحابة رضوان الله عليهم جرّدوا المصحف من كل شيء
стр. 1240
حتى من النقط والشكل. على أنه يحتمل أن يكون المراد بالنقط الذي وضعه أبو الأسود الشكل على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الجملة الثالثة في بيان صورة النقط، وكيفية وضعه
قال الوزير أبو عليّ بن مقلة ﵀: وللنّقط صورتان: إحداهما شكل مربع والأخرى شكل مستدير.
قال: وإذا كانت نقطتان على حرف، فإن شئت جعلت واحدة فوق أخرى، وإن شئت جعلتهما في سطر معا، وإذا كان بجوار ذلك الحرف حرف ينقط لم يجز أن يكون النّقط إذا اتسعت إلا واحدة فوق أخرى والعلة في ذلك أن النّقط إذا كنّ في سطر خرجن عن حروفهن فوقع اللّبس في الأشكال، فإذا جعل بعضها على بعض كان على كل حرف قسطه من النّقط فزال الإشكال.
قلت: وإذا كان على الحرف ثلاث نقط، فإن كانت ثاء جعلت واحدة فوق اثنتين، وإن كانت شينا فبعض الكتّاب ينقطه كذلك، وبعضهم ينقطه ثلاث نقط سطرا، وذلك لسعة حرف الشين بخلاف الثاء المثلثة.
أما السين إذا نقطت من أسفلها، فإنهم ينقطونها ثلاثة سطرا واحدا.
الجملة الرابعة فيما يختصّ بكل حرف من النقط وما لا نقط له
قد تقدم أنّ حروف المعجم ثمانية وعشرون حرفا سوى اللام ألف، وأن ذلك على عدد منازل القمر الثمانية والعشرين «١» ؛ وأن المنازل أبدا منها أربعة عشر
стр. 1241
فوق الأرض، وأربعة عشر تحت الأرض؛ ثم إنه لا بدّ أن يبقى مما فوق الأرض منزلة مختفية تحت الشّفق، فكانت الحروف المنقوطة خمسة عشر حرفا بعدد المنازل المختفية: وهي الأربعة عشر التي تحت الأرض، والواحدة التي تحت الشّعاع، إشارة إلى أنها تحتاج إلى الإظهار لاختفائها: وهي الباء، والتاء، والثاء، والجيم، والخاء، والذال، والزاي، والشين، والضاد، والظاء، والغين، والفاء، والقاف، والنون، والياء، آخر الحروف.
وكانت الحروف العاطلة ثلاثة عشر بعدد المنازل الظاهرة: وهي الألف، والحاء، والدال، والراء، والسين، والصاد، والطاء، والعين، والكاف، واللام، والميم، والهاء، والواو.
فأمّا الألف فإنها لا تنقط لانفرادها بصورة واحدة، إذ ليس في الحروف ما يشبهها في حالتي الإفراد والتركيب.
وأما الباء فإنها تنقط من أسفل لتخالف التاء المثناة من فوق، والثاء المثلثة في حالتي الإفراد والتركيب، والياء المثناة من تحت، والنون في حالة التركيب ابتداء أو وسطا؛ ونقطت من أسفل لئلّا تلتبس بالنون حالة التركيب.
وأما التاء فإنها تنقط باثنتين من فوق لتخالف ما قبلها وما بعدها من الصورتين في حالة الإفراد، وتخالفهما مع الياء والنون حالة التركيب ابتداء أو وسطا.
وأما الثاء فإنها تنقط بثلاث من فوق لتخالف ما قبلها من الصورتين في الإفراد وتخالفهما مع النون والياء أيضا في التركيب ابتداء أو وسطا.
стр. 1242
وأما الجيم فإنها تنقط بواحدة من تحت لتخالف الصورتين بعدها.
وأما الحاء فإنها لا تنقط، ويكون الإهمال لها علامة، وحذّاق الكتّاب يجعلون لها علامة غير النقط، وهي حاء صغيرة مكان النّقطة من الجيم.
وأما الخاء فإنها تنقط بواحدة من أعلاها لتخالف ما قبلها من الجيم والحاء.
وأما الدال فإنها لا تنقط ولا تعلّم، ويكون ترك العلامة لها علامة.
وأما الذال فتنقط بواحدة من فوق فرقا بينها وبين أختها.
وأما الراء فإنها لا تنقط ولا تعلّم ويكون الإهمال لها علامة.
وأما الزاي فإنها تنقط بواحدة من فوق فرقا بينها وبين الراء.
وأما السين فإنها لا تنقط وتكون علامتها الإهمال كغيرها؛ وبعض الكتّاب ينقطها بثلاث نقط من أسفلها.
وأما الشين فإنها تنقط بثلاث من فوق فرقا بينها وبين أختها، فإن كانت مدغمة فلا بدّ من جرّة فوقها، ثم إن كانت محقّقة فاللائق التأسيس بنقطتين وجعل نقط ثالث من أعلاهما؛ وإن كانت مدغمة فالأولى جعل الثلاث نقط سطرا واحدا.
وأما الصاد فإنها لا تنقط؛ نعم حذّاق الكتّاب يجعلون لها علامة كالحاء، وهي صاد صغيرة تحتها.
وأما الضاد فإنها تنقط بواحدة من أعلاها فرقا بينها وبين أختها.
وأما الطاء فإنها لا تنقط لكن لها علامة كالصاد والحاء، وهي طاء صغيرة تحتها.
وأما الظاء فإنها تنقط بواحدة من فوقها فرقا بينها وبين أختها.
وأما العين فإنها لا تنقط، ولها علامة كالحاء، والصاد، والطاء، وهي عين صغيرة في بطنها.
وأما الغين فإنها تنقط بواحدة فرقا بينها وبين أختها.
وأما الفاء فمذهب أهل الشرق أنها تنقط بواحدة من أعلاها، ومذهب أهل
стр. 1243
الغرب أنها تنقط بواحدة من أسفلها.
وأما القاف فلا خلاف بين أهل الخط أنها تنقط من أعلاها إلا أنّ من نقط الفاء بواحدة من أعلاها نقط القاف باثنتين من أعلاها ليحصل الفرق بينهما، ومن نقط الفاء من أسفلها نقط القاف بواحدة من أعلاها.
وقد تقدّم من كلام الشيخ أثير الدين أبي حيان ﵀ عن بعض مشايخه:
أنّ القاف إذا كتبت على صورتها الخاصة بها ينبغي ألّا تنقط إذ لا شبه بينهما «١» وذلك في حالتي الإفراد والتطرّف أخيرا.
وأما الكاف فإنها لا تنقط، إلا أنها إذا كانت مشكولة علّمت بشكلة، وإن كانت معرّاة رسم عليها كاف صغيرة مبسوطة لأنها ربما التبست باللام.
وأما اللام فإنها لا تنقط ولا تعلّم، وترك العلامة لها علامة.
وأما الميم فإنها لا تنقط ولا تعلّم أيضا لانفرادها بصورة.
وأما النون فإنها تنقط بواحدة من أعلاها، وكان ينبغي اختصاص النقط بحالة التركيب ابتداء أو وسطا لالتباسها حينئذ بالباء، والتاء والثاء أوائل الحروف، والياء آخر الحروف؛ بخلاف حالة الإفراد والتطرّف في التركيب أخيرا فإنها تختص بصورة فلا تلتبس كما أشار إليه الشيخ أثير الدين أبو حيان ﵀، إلا أنها غلبت فيها حالة التركيب فروعيت.
وأما الهاء فإنها لا تنقط بجميع أشكالها، وإن كثرت، لأنه ليس في أشكالها ما يلتبس بغيره من الحروف.
وأما الواو فإنها لا تنقط وإن كانت في حالة التركيب تقارب الفاء، وفي حالة الإفراد تقارب القاف، لأن الفاء لا تشابهها كلّ المشابهة، ولأن القاف أكبر مساحة منها.
стр. 1244
وأما اللام ألف فإنها لا تنقط لانفرادها بصورة لا يشابهها غيرها.
وأما الياء فإنها تنقط بنقطتين من أسفلها، وإن كانت في حالة الإفراد والتطرّف في التركيب لها صورة تخصّها، لأنها في حالة التركيب في الابتداء والتوسط تشابه الباء، والتاء، والثاء، والنون، فيحتاج إلى بيانها بالنقط لتغليب حالة التركيب على حالة الإفراد كما في النون، وربما نقطها بعض الكتّاب في حالة الإفراد بنقطتين في بطنها؛ والله أعلم.
المقصد الثاني في الشكل «١» ؛ وفيه خمس جمل
الجملة الأولى في اشتقاقه ومعناه
قال بعض أهل اللغة: هو مأخوذ من شكل الدابة، لأن الحروف تضبط بقيد فلا يلتبس إعرابها كما تضبط الدابّة بالشّكال «٢» فيمنعها من الهروب. قال أبو تمام:
ترى الأمر معجوما إذا كان معجما ... لديه ومشكولا إذا كان مشكولا
الجملة الثانية في أول من وضع الشّكل
وقد اختلفت الرواية في ذلك على ثلاث مقالات، فذهب بعضهم إلى أن المبتديء بذلك أبو الأسود الدؤليّ، وذلك أنه أراد أن يعمل كتابا في العربيّة يقوّم الناس به ما فسد من كلامهم، إذ كان ذلك قد فشا في الناس.
стр. 1245
فقال: أرى أن أبتديء بإعراب القرآن أوّلا، فأحضر من يمسك المصحف، وأحضر صبغا يخالف لون المداد. وقال للذي يمسك المصحف عليه: إذا فتحت فاي فاجعل نقطة فوق الحرف، وإذا كسرت فاي فاجعل نقطة تحت الحرف، وإذا ضممت فاي فاجعل نقطة أمام الحرف، فإن أتبعت شيئا من هذه الحركات غنّة (يعني تنوينا) فاجعل نقطتين. ففعل ذلك حتّى أتى على آخر المصحف.
وذهب آخرون إلى أن المبتديء بذلك نصر بن عاصم الليثيّ «١» ، وأنه الذي خمّسها وعشّرها.
وذهب آخرون إلى أن المبتديء بذلك يحيى بن يعمر «٢» .
قال الشيخ أبو عمرو الدانيّ ﵀: وهؤلاء الثلاثة من جلّة تابعي البصريين.
وأكثر العلماء على أن أبا الأسود جعل الحركات والتنوين لا غير، وأن الخليل بن أحمد «٣» هو الذي جعل الهمز «٤» والتشديد «٥» والرّوم «٦» والإشمام «٧» .
стр. 1246
الجملة الثالثة في الترغيب في الشكل والترهيب عنه
وقد اختلفت مقاصد الكتّاب في ذلك، فذهب بعضهم إلى الرغبة فيه، والحث عليه، لما فيه من البيان والضّبط والتقييد.
قال هشام بن عبد الملك «١» : اشكلوا قرائن الآداب، لئلا تندّ عن الصواب.
وقال عليّ بن منصور «٢» : حلّوا غرائب الكلم بالتقييد، وحصّنوها عن شبه التصحيف والتحريف.
ويقال: إعجام الكتب يمنع من استعجامها، وشكلها يصونها عن إشكالها، ولله القائل:
وكأنّ أحرف خطّه شجر ... والشّكل في أغصانه ثمر
وذهب بعضهم إلى كراهته، والرغبة عنه.
قال سعيد بن حميد الكاتب «٣» : لأن يشكل الحرف على القاريء أحبّ إليّ من أن يعاب الكاتب بالشكل. ونظر محمد بن عبّاد «٤» إلى أبي عبيد «٥» وهو يقيّد
стр. 1247
البسملة فقال: لو عرفته ما شكلته. وقد جرّد الصحابة رضوان الله عليهم المصحف حين جمعوا القرآن من النقط والشكل وهو أجدر بهما، فلو كان مطلوبا لما جرّدوه منه.
قال الشيخ أبو عمرو الدانيّ: وقد وردت الكراهة بنقط المصاحف عن عبد الله بن عمر «١» ، وقال بذلك جماعة من التابعين.
واعلم أن كتّاب الدّيونة «٢» لا يعرّجون على النقط والشكل بحال، وكتّاب الإنشاء منهم من منع ذلك محاشاة للمكتوب إليه عن نسبته للجهل بأنه لا يقرأ إلا ما نقط أو شكل، ومنهم من ندب إليه، للضبط والتقييد كما تقدّم.
والحق التفريق في ذلك بين ما يقع فيه اللّبس ويتطرّق إليه التحريف لعلاقته أو غرابته، وبين ما تسهل قراءته لوضوحه وسهولته.
وقد رخّص في نقط المصاحف بالإعراب جماعة: منهم ربيعة بن عبد الرحمن «٣» ، وابن وهب «٤» . وصرح أصحابنا الشافعية ﵃ بأنه يندب نقط المصحف وشكله؛ أما تجريد الصحابة رضوان الله عليهم له من ذلك فذلك حين ابتداء جمعه حتّى لا يدخلوا بين دفتي المصحف شيئا سوى القرآن، ولذلك كرهه من كرهه.
وأما أهل التوقيع في زماننا فإنهم يرغبون عنه خشية الإظلام بالنّقط والشّكل
стр. 1248
إلا ما فيه إلباس على ما مرّ؛ وأهل الدّيونة لا يرون بشيء من ذلك أصلا ويعدّون ذلك من عيوب الكتابة وإن دعت الحاجة إليه؛ والله أعلم.
الجملة الرابعة فيما ينشأ عنه الشكل ويترتّب عليه
واعلم أن الشكل جار مع الإعراب كيفما جرى، فينقسم إلى السّكون (وهو الجزم) ، وإلى الفتح (وهو النصب) ، وإلى الضم (وهو الرفع) ، وإلى الجرّ (وهو الخفض) .
أما السكون فلأنه الأصل. وأما الحركات الثلاث فقد قيل إنها مشاكلة للحركات الطبيعية: فالرفع مشاكل لحركة الفلك لارتفاعها، والجرّ مشاكل لحركة الأرض والماء لانخفاضها، والنصب مشاكل لحركة النار والهواء لتوسطها؛ ومن ثمّ لم يكن في اللغة العربية أكثر من ثلاثة أحرف بعدها ساكن إلا ما كان معدولا.
فسبحان من أتقن ما صنع!.
ثم الذي عليه أكثر النّحاة أن الحركات الثلاث مأخوذة من حروف المدّ واللين وهي الألف، والواو، والياء، اعتمادا على أن الحروف قبل الحركات، والثاني مأخوذ من الأوّل، فالفتحة مأخوذة من الألف إذ الفتحة علامة النصب في قولك: رأيت زيدا، ولقيت عمرا، وضربت بكرا؛ والألف علامة النصب في الأسماء المعتلة «١» المضافة كقولك: رأيت أباك، وأكرمت أخاك؛ ويكون إطلاقا للرّويّ المنصوب كقولك: المذهبا، وأنت تريد المذهب، فلما أشبعت الفتحة نشأت عنها الألف؛ والكسرة مأخوذة من الياء لأنها أختها ومن مخرجها، والكسرة علامة الخفض في قولك: مررت بزيد، وأخذت عن زيد حديثا؛ والياء علامة الخفض أيضا في الأسماء المعتلة «٢» المضافة كقولك: مررت بأبيك وأخيك وذي مال؛ والضمة من الواو لأنها من مخرجها: من الشّفتين، وهي علامة الرفع في
стр. 1249
قولك: جاءني زيد، وقام عمرو، وخرج بكر، والواو علامة الرفع في الأسماء المعتلة المضافة كقولك: جاءني أخوك وأبوك وذو مال.
وذهب بعض النّحاة إلى أن هذه الحروف مأخوذة من الحركات الثلاث، الألف من الفتحة، والواو من الضمة، والياء من الكسرة اعتمادا على أن الحركات قبل الحروف، بدليل أن هذه الحروف تحدث عند هذه الحركات إذا أشبعت، وأن العرب قد استغنت في بعض كلامها بهذه الحركات عن هذه الحروف اكتفاء بالأصل عن الفرع: لدلالة الأصل على فرعه.
وذهب آخرون إلى أن الحروف ليست مأخوذة من الحركات، ولا الحركات مأخوذة من الحروف، اعتمادا على أن أحدهما لم يسبق الآخر، وصححه بعض النّحاة.
الجملة الخامسة في صور الشكل ومحالّ وضعه على طريقة المتقدّمين والمتأخرين
واعلم أن المتقدّمين [يميلون] «١» في [شكل] «٢» غالب الصور إلى النقط بلون يخالف لون الكتابة.
وقال الشيخ أبو عمرو الدانيّ ﵀: وأرى أن يستعمل «٣» للنقط لونان:
الحمرة والصّفرة، فتكون الحمرة للحركات، والتنوين، والتشديد، والتخفيف، والسكون، والوصل، والمدّ؛ وتكون الصفرة للهمزة خاصة.
قال: وعلى ذلك مصاحف أهل المدينة. ثم قال: وإن استعملت الخضرة للابتداء بألفات الوصل على ما أحدثه أهل بلدنا، فلا أرى بذلك بأسا. قال: ولا
стр. 1250
أستجيز النّقط بالسواد لما فيه من التغيير لصورة الرسم. وقد وردت الكراهة لذلك عن عبد الله بن مسعود «١» وعن غيره من علماء الأمة.
وأما المتأخرون فقد أحدثوا لذلك صورا مختلفة الأشكال لمناسبة تخص كل شكل منها، ومن أجل اختلاف صورها وتباين أشكالها رخّصوا في رسمها بالسواد. ويتعلق بالمقصود من ذلك سبع صور:
الأولى علامة السكون
والمتقدّمون يجعلون علامة ذلك جرّة بالحمرة فوق الحرف، سواء كان الحرف المسكّن همزة كما في قولك: لم يشأ، أو غيرها من الحروف كالذال من قولك: اذهب.
أما المتأخرون: فإنهم رسموا لها دائرة تشبه الميم إشارة إلى الجزم إذ الميم آخر حرف من الجزم، وحذفوا عراقة الميم استخفافا، وسمّوا تلك الدائرة جزمة، أخذا من الجزم الذي هو لقب السكون، ويحتمل أن يكونوا أتوا بتلك الدائرة على صورة الصّفر في حساب الهنود ونحوهم إشارة إلى خلوّ تلك المرتبة من الأعداد لأن الصفر هو الخالي، ومنه قولهم: «صفر اليدين» بمعنى أنه فقير ليس في يديه شيء من المال. وحذّاق الكتّاب يجعلونها جيما لطيفة بغير عراقة إشارة إلى الجزم.
стр. 1251
الثانية علامة الفتح
أما المتقدّمون فإنهم يجعلون علامة الفتح نقطة بالحمرة فوق الحرف، فإن أتبعت حركة الفتح تنوينا، جعلت نقطتين، إحداهما للحركة، والأخرى للتنوين.
والمتأخرون يجعلون علامتها ألفا مضطجعة، لما تقدّم من أن الألف علامة الفتح في الأسماء المعتلة ورسموها بأعلى الحرف موافقة للمتقدّمين في ذلك، وسمّوا تلك الألف المضطجعة نصبة أخذا من النصب، ويجعلون حالة التنوين خطتين مضطجعتين من فوقه كما جعل المتقدّمون لذلك نقطتين، وعبّروا عن الخطتين بنصبتين.
قال الشيخ عماد الدّين بن العفيف ﵀: ويكون بينهما بقدر واحدة منهما.
الثالثة علامة الضم
أما المتقدّمون فإنهم يجعلون علامة الضمة نقطة بالحمرة وسط الحرف أو أمامه، فإن لحق حركة الضم تنوين، رسموا لذلك نقطتين: إحداهما للحركة، والأخرى للتنوين على ما تقدّم في الفتح.
وأما المتأخرون فإنهم يجعلون علامة الضمة واوا صغيرة، لما تقدّم أن الواو من علامة الرفع في الأسماء المعتلة، وسمّوها رفعة لذلك، ورسموها بأعلى الحرف ولم يجعلوها في وسطه كيلا تشين الحرف، بخلاف المتقدّمين لمخالفة اللون ولطافة النقطة. فإن لحق حركة الضم تنوين رسموا لذلك واوا صغيرة بخطّة بعدها: الواو إشارة للضم، والخطّة إشارة للتنوين، وعبروا عنهما برفعتين.
وبعضهم يجعل عوض الخطة واوا أخرى مردودة الآخر على رأس الأولى.
стр. 1252
الرابعة علامة الكسر
والمتقدّمون يجعلون علامة الجرّة نقطة بالحمرة تحت الحرف. فإن لحق حركة الكسر تنوين رسموا لذلك نقطتين.
والمتأخرون جعلوا علامة الكسر شظيّة من أسفل الحرف إشارة إلى الياء التي هي علامة الجر في الأسماء المعتلة على ما مرّ، وسمّوا تلك الشّظيّة خفضة، أخذا من الخفض الذي هو لقب الكسر، ولم يخالفوا بينها وبين علامة النصب لاختلاف محلهما. فإن لحق حركة الكسر تنوين رسموا له خطتين من أسفله:
إحداهما للحركة، والأخرى للتنوين.
الخامسة علامة التشديد
والمتقدّمون اختلفوا: فمذهب أهل المدينة أنهم يرسمون علامة التشديد على هذه الصورة [٨/٧ ٧] «١» ولا يجعلون معها علامات الإعراب بل يجعلون علامة الشدّ مع الفتح فوق الحرف، ومع الكسر تحت الحرف، ومع الضم أمام الحرف.
قال الشيخ أبو عمرو الدانيّ ﵀: وعليه عامّة أهل بلدنا. قال: ومنهم من يجعل مع ذلك نقطة علامة للإعراب، وهو عندي حسن.
وعامّة أهل الشرق على أنهم يرسمون علامة التشديد صورة شين من غير عراقة على هذه الصورة () كأنهم يريدون أوّل شديد، ويجعلون تلك العلامة فوق الحرف أبدا ويعربونه بالحركات، فإن كان مفتوحا جعلوا مع الشدّة نقطة فوق الحرف علامة الفتح، وإن كان مضموما جعلوا مع الشدّة نقطة أمام الحرف علامة
стр. 1253
الضم، وإن كان مكسورا جعلوا مع الشدّة نقطة تحت الحرف علامة الكسر. وعلى هذا المذهب استقرّ رأي المتأخرين أيضا؛ غير أنهم يجعلون بدل النقط الدالة على الإعراب علامات الإعراب التي اصطلحوا عليها من النصبة، والرفعة، والخفضة، فيجعلون النصبة والرفعة بأعلى الشدّة، ويجعلون الخفضة بأسفل الحرف الذي عليه الشدّة، وبعضهم يجعلها أسفل الشدّة من فوق الحرف. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المشدّد من كلمة واحدة أو من كلمتين كالإدغام من كلمتين.
السادسة علامة الهمزة
والمتقدّمون يجعلونها نقطة صفراء ليخالفوا بها نقط الإعراب كما تقدّم في كلام الشيخ أبي عمرو الدانيّ ﵀، ويرسمونها فوق الحرف أبدا، إلا أنهم يأتون معها بنقط الإعراب الدالة على السكون والحركات الثلاث بالحمرة على ما تقدّم، وسواء في ذلك كانت صورة الهمزة واوا أو ياء أو ألفا؛ إذ حق الهمزة أن تلزم مكانا واحدا من السطر، لأنها حرف من حروف المعجم. والمتأخرون يجعلونها عينا بلا عراقة، وذلك لقرب مخرج الهمزة من العين، ولأنها تمتحن بها كما سيأتي.
ثم إن كانت الهمزة مصوّرة بصورة حرف من الحروف، فإن كانت الهمزة ساكنة، جعلت الهمزة من أعلى الحرف مع جزمة بأعلاها. وإن كانت مفتوحة، جعلت بأعلى الحرف أيضا مع نصبة بأعلاها. وإن كانت مضمومة، جعلت بأعلى الحرف مع رفعة بأعلاها. وإن كانت مكسورة، جعلت بأسفل الحرف مع خفضة بأسفلها، وربما جعلت بأعلى الحرف والخفضة بأسفله.
وقد اختلف القدماء من النحويين في أيّ الطّرفين من اللام ألف هي الهمزة، فحكي عن الخليل بن أحمد ﵀ أنه قال: الطّرف الأوّل هو الهمزة، والطّرف الثاني هو اللام.
стр. 1254
قال الشيخ أبو عمرو الدانيّ ﵀: وإلى هذا ذهب عامّة أهل النقط؛ واستدلوا على صحة ذلك بأن رسم هذه الكلمة كانت أوّلا لاما مبسوطة في طرفها ألف على هذه الصورة «لا» كنحو رسم ما أشبه ذلك مما هو على حرفين من سائر حروف المعجم مثل «يا، وها» وما أشبههما إلا أنه استثقل رسم ذلك كذلك في اللام ألف خاصة لاعتدال طرفيه لمشابهة كتابة الأعاجم فحسن رسمه بالتضفير فضم أحد الطرفين إلى الآخر فأيهما ضم إلى صاحبه كانت الهمزة أولى ضرورة.
وتعتبر حقيقة ذلك بأن يؤخذ شيء من خيط ونحوه فيضفّر ويخرج كل واحد من الطرفين إلى جهة، ثم يقام الطرفان فيتبين من الوجهين أن الأوّل هو الثاني في الأصل، وأن الثاني هو الأوّل لا محالة في التضفير.
وأيضا فقد اتفق أهل صناعة الخط من الكتّاب القدماء وغيرهم على أنه يرسم الطّرف الأيسر قبل الطّرف الأيمن، ولا يخالف ذلك إلا من جهل صناعة الرسم إذ هو بمنزلة من ابتدأ برسم الألف قبل الميم في «ما» وشبهه مما هو على حرفين، فثبت بذلك أن الطرف الأوّل هو الهمزة، وأن الطرف الثاني هو اللام، إذ الأوّل في أصل القاعدة هو الثاني، والثاني هو الأوّل على ما مرّ؛ وإنما اختلف طرفاها من أجل التضفير.
وخالف الأخفش «١» ، فزعم أن الطرف الأوّل هو اللام، والطرف الثاني هو
стр. 1255
الهمزة، واستشهد لذلك بأن ما تلفظ به أوّلا هو المرسوم أوّلا وما تلفّظ به آخرا هو المرسوم آخرا، ونحن إذا قرأنا «لأنت ولأنه» ونحوهما لفظنا باللام أوّلا ثم بالهمزة بعدها. ونازعه في ذلك الشيخ أبو عمر الدانيّ. والحق أن ذلك يختلف باختلاف اللام ألف على ما رتّبه متأخّر والكتّاب الآن، ففي المضفورة على ما تقدّم، وفي المصوّرة بهذه الصورة «لا» بالعكس.
وإن كانت الهمزة غير مصوّرة بحرف من الحروف كالهمزة في جزء وخبء، جعلت العلامة في محل الهمزة من الكلمة مع علامة الإعراب: من سكون، وفتح، وضم، وكسر. فإن عرض للهمزة مع حركة من الحركات الثلاث تنوين، جعل مع الهمزة علامة التنوين: من نصبتين أو رفعتين أو خفضتين على ما مرّ في غير الهمزة.
قال الشيخ أبو عمرو الدانيّ ﵀: وتمتحن الهمزة في موضعها من الكلام بالعين، فحيث وقعت العين وقعت الهمزة مكانها، وسواء كانت متحركة أو ساكنة لحقها التنوين أو لم يلحقها، فتقول في آمنوا عامنوا، وفي وآتى المال وعاتى المال، وفي مستهزئين مستهزعين، وفي خاسئين خاسعين، وفي مبرّئون مبرعون، وفي متكئون متكعون، وفي ماء ماع، وفي سوء سوع، وفي أولياء أولياع، وفي تنوء تنوع، وفي لتنوء لتنوع، وفي أن تبوّأ أن تبوّعا، وفي تبوء تبوع، وفي من شاطيء من شاطع، وكذلك ما أشبهه حيث وقع فالقياس فيه مطّرد.
السابعة علامة الصلة في ألفات الوصل
أما المتقدّمون فإنهم رسموا لها جرّة بالحمرة في سائر أحوالها، وجعلوا محلها تابعا للحركة التي قبل ألف الوصل. فإن وليها فتحة كما في قوله تعالى: تَتَّقُونَ الَّذِي
جعلت الصلة جرّة حمراء على رأس الألف على هذه الصورة (آ) وإن وليها كسرة كما في قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ*
جعلت الصلة جرّة تحت الألف على هذه الصورة (ا) وإن وليها ضمة كما في قوله تعالى: نَسْتَعِينُ اهْدِنَا
جعلت
стр. 1256
الصلة جرّة حمراء في وسطها على هذه الصورة (+) ، فإن لحق شيئا من الحركات التنوين جعلت الصلة أبدا تحت الألف، لأن التنوين مكسور للساكنين ما لم يأت بعد الساكن الواقع بعد ألف الوصل ضمة لازمة نحو قوله تعالى: فَتِيلًا انْظُرْ
وعُيُونٍ ادْخُلُوها
. قال بعضهم: يضم التنوين فتجعل الجرّة على ذلك في وسط الألف.
وأما المتأخرون [فإنهم رسموا لذلك صادا لطيفة إشارة إلى الوصل] «١» وجعلوها بأعلى الحرف دائما ولم يراعوا في ذلك الحركات، اكتفاء باللفظ.
تنبيه
قد تقدّم في ... «٢» ... الأوّل من الهجاء أن اللفظ قد يتعين في الهجاء إلى الزيادة والنقصان، ولا شكّ أن الشكل يتعير بتغير ذلك، ونحن نذكر من ذلك ما يختص بالهجاء العرفيّ دون الرسميّ باعتبار الزيادة والنقص.
أما الزيادة، فمثل أولئك، وأولو، وأولات ونحوها.
قال الشيخ أبو عمرو الدانيّ: وسبيلك أن تجعل علامة الهمزة نقطة بالصّفرة في وسط ألف أولئك وأولو وأولات، وتجعل نقطة بالحمرة أمامها في السطر لتدل على الضمة. قال: وإن شئت جعلتها في الواو الزائدة لأنها صورتها، وهو قول عامّة أهل النقط. هذه طريقة المتقدّمين.
أما المتأخرون، فإنهم يجعلون علامة الهمزة على الواو وهو مخالف لما تقدّم من اعتبار الهمزة بالعين فإنها لو امتحنت بالعين، لكان لفظها عولئك وكذلك البواقي.
وأما النقص فمثل النبئين إذا كتبت بياء واحدة، وهؤلاء، ويا آدم إذا كتبتا.
.
стр. 1257
بحذف الألف بعد الهاء في هؤلاء والألف الثانية في يا آدم فترسم علامة الهمزة من النقطة الصفراء وحركتها على رأي المتقدّمين، وصورة العين على رأي المتأخرين قبل الياء الثانية في النبيين، وتجعل ذلك على الألف الثانية في يا آدم لأنها صورتها وعلى الواو في هؤلاء لأنها صورتها.
ووراء ما تقدّم من الشكل أمور تتعلق بالإدغام، والإظهار، والإخفاء، والإقلاب، والمدّ، وغيرها من متعلقات القراءة ليس هذا موضع ذكرها؛ والله أعلم.
فائدة
قال الشيخ عماد الدين بن العفيف ﵀: ولا بدّ من تناسب الشكل والنقط وتناسب البياضات في ذلك للحروف.
стр. 1258
الفصل الرابع من الباب الثاني من المقالة الأولى في الهجاء؛ وفيه مقصدان
المقصد الأول في مصطلحه الخاص؛ وهو على ضربين
الضرب الأوّل المصطلح الرسميّ
وهو ما اصطلح عليه الصحابة رضوان الله عليهم في كتابة المصحف عند جمع القرآن الكريم، على ما كتبه زيد بن ثابت ﵁، ويسمّى الاصطلاح السّلفي أيضا، ونحن نورد منه ما جرّ إليه الكلام، أو وافق المصطلح العرفيّ.
الضرب الثاني المصطلح العروضيّ
وهو ما اصطلح عليه أهل العروض في تقطيع الشعر؛ واعتمادهم في ذلك على ما يقع في السمع دون المعنى، إذ المعتدّ به في صنعة العروض إنما هو اللفظ، لأنهم يريدون به عدد الحروف التي يقوم بها الوزن متحرّكا وساكنا فيكتبون التنوين نونا، ولا يراعون حذفها في الوقف، ويكتبون الحرف المدغم بحرفين، ويحذفون اللام وغيره مما يدغم في الحرف الذي بعده: كالرحمن والذاهب والضارب، ويعتمدون في الحروف على أجزاء التفعيل، فقد تتقطع الكلمة بحسب ما يقع من تبيين الأجزاء كما في قول الشاعر:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد
стр. 1259
فيكتبونه على هذه الصورة:
ستبدي، لكالأييا، مماكن تجاهلن ... ويأتي، كبالأخبار، ملّم، تزوّدي
المقصد الثاني في المصطلح العام
وهو ما اصطلح عليه الكتّاب في غير هذين الاصطلاحين.
وهو المقصود من الباب؛ وفيه جملتان.
الجملة الأولى في الإفراد، والحذف، والإثبات، والإبدال، وفيه مدركان
المدرك الأوّل في بيان الأصل المعتمد في ذلك، وما يكتب على الأصل
واعلم أن الأصل في الكتابة مطابقة المنطوق المفهوم، وقد يزيدون في وزن الكلمة [ما ليس في وزنها ليفصلوا بالزيادة بينه وبين المشبه له، وينقصون من الكلمة] «١» عمّا هو في وزنها استخفافا واستغناء بما أبقي عما انتقص إذا كان فيه دليل على ما يحذفون، كما أن العرب تتصرف في الكلمة بالزيادة والنقصان، ويحذفون ما لا يتم الكلام في الحقيقة إلا به استخفافا وإيجازا إذا عرف المخاطب ما يقصدون.
قال ابن قتيبة «٢» : وربّما تركوا الاشتباه على حاله، ولم يفصلوا بين المتشابهين واكتفوا بما يدل عليه من متقدّم أو متأخر: كقولك للرجل الواحد:
..
стр. 1260
يغزوا، وللاثنين لن يغزوا، وللجميع لن يغزوا بالواو والألف في الجميع من غير تفريق بين الواحد والاثنين والجمع، وبقّوه على أصله.
إذا علمت ذلك، فالمكتوب على المصطلح المعروف هو على قسمين:
القسم الأوّل ما له صورة تخصّه من الحروف؛ وهو على ضربين
الضرب الأوّل ما هو على أصله المعتبر فيه ذوات الحروف وعددها بتقدير الابتداء بها والوقوف عليها، سواء بقى لفظه على حاله أم انقلب النطق به إلى حرف آخر
فيكتب لفظ «امّحى» بغير نون بعد الألف، وإن كان أصله انمحى على وزن انفعل من المحو، لأن الإدغام من كلمة واحدة؛ بخلاف ما إذا كان الإدغام من كلمتين، فيكتب لفظ «من مال» بنون في «من» منفصلة من ميم مال وإن كانت النون الساكنة تدغم في الميم.
ويكتب لفظ خنق مصدر خنق ولفظ أنت وما أشبهها بنون، وإن كانت النون مخفاة في القاف من خنق وفي التاء من أنت. وكذلك حالة التركيب نحو من كافر.
ويكتب عنبر وما أشبهها بنون أيضا وإن كانت النون الساكنة تنقلب عند الباء ميما، وكذلك في حالة التركيب نحو من بعد. ويكتب مثل اضربوا القوم ويغزو الرجل بواو، وكذلك كلّ ما فيه حرف مدّ حذف لساكن يليه لأنه لولا التقاء الساكنين لثبتت هذه الواو لفظا. ويكتب أنا بألف بعد النون وإن كانت في وصل الكلام لا إشباع في الفتحة لأن الوقف عليه بألف، ومن أجل ذلك كتبت لكِنَّا هُوَ اللَّهُ
بألف بعد النون في لكنا إذ أصله لكن أنا. ويكتب المنوّن المنصوب مثل زيدا وعمرا من قولك: «رأيت زيدا وضربت عمرا» بالألف، لأنه يوقف عليه بالألف بخلاف المنوّن المرفوع والمجرور نحو جاء زيد ومررت بزيد، إذ الوقف عليه بحذف نون
стр. 1261
التنوين وإسكان الآخر على الصحيح. وتكتب إذا المنوّنة بالألف على رأي المازني «١» ﵀ ومن تابعه، لأن الوقف عليها بالألف لضعفها، والمبرّد «٢» والأكثرون على أنها تكتب بالنون. قال الأستاذ ابن عصفور: «٣» وهو الصحيح، لأن كل نون يوقف عليها بالألف كتبت بالألف وما يوقف عليها نفسها كما توصل كتبت بالنون وهذه يوقف عليها عنده بالنون؛ وأيضا فإنها إذا كتبت بالنون كانت فرقا بينها وبين إذا الطرفية لئلا يقع الإلباس. وفصّل الفرّاء فقال: إن ألغيت كتبت بالألف، وإن أعملت كتبت بالنون لقوّتها. ويحكى عن أبي العبّاس محمد بن يزيد «٤» أنه كان يقول: أشتهي أن أكوي يد من يكتب إذن بالألف لأنها مثل أن ولن، ولا يدخل التنوين في الحروف.
ويكتب نحو لنسفعا بالألف لأن الوقف عليها بالألف، وكذلك يكتب اضربا زيدا ولا تضربا عمرا بالألف على رأي من ادّعى أنه الأكثر، ووجّهه بأن النون الخفيفة تنقلب ألفا إذا كان ما قبلها مفتوحا في الوقف.
وذهب بعضهم إلى أنها تكتب بالنون تشبيها لنونه «٥» بنون الجمع نحو اضربن للجمع المذكّر، وبه جزم الشيخ أثير الدين أبو حيّان، ووجّهه بأنه لو كتب بالألف لالتبس بأمر الاثنين ونهيهما في الخط، وإن كنت إذا وقفت عليه وقفت بالألف، فلم تراع حالة الوقف في ذلك، لأن الوقف منع من اعتباره ما عرض فيه
стр. 1262
من كثرة الإلباس، لأنهم لو أرادوا (على الوقف بالألف) كتابته بالألف، كثر اللبس بالوقف والخط، فتجنبوا ما كثر به الإلباس. ويكتب كل اسم في آخره ياء نحو قاضي وغازي وداعي وحادي وساري ومشتري ومهتدي ومستدعي ومفتري في حالتي الرفع والجرّ بغير ياء، كما في قولك: جاء قاض ومررت بقاض، وكذا في الباقيات؛ وفي حالة النصب بالياء مع زيادة ألف بعدها كما في قولك: رأيت قاضيا وغازيا وداعيا وما أشبهه. وإن كان جمعا، فإن كان غير منصرف كتب في حالتي الرفع والخفض بغير ياء على ما تقدّم، فيكتب في الرفع: هؤلاء جوار وغواش وسوار ودواع، وفي الخفض: مررت بجوار وسوار وغواش ودواع بغير ياء في الحالتين.
ويكتب في النصب بالياء إلا أنه لا تزاد الألف بعدها، فتكتب رأيت جواري وسواري ودواعي.
فإذا دخلت الألف واللام في جميع هذه الأسماء، أثبتت فيها الياء سواء المنصرف وغير المنصرف؛ فيكتب هذا الداعي والغازي والقاضي والمستدعي وهؤلاء الجواري والسواري والدواعي بالياء في الجميع.
قال ابن قتيبة: وقد يجوز حذفها، وليس بمستعمل إلا في كتابة المصحف.
ويكتب نحو: ره أمرا بالرؤية، ولم يره نفيا للرؤية، وقه أمرا بالوقاية، ولم يقه نفيا لذلك وما أشبهه بالهاء وإن كانت الهاء تسقط منه حالة الدّرج، لأن الوقف عليها بالهاء؛ وكذلك قولهم: ممّه أتيت، ومجيء مه جئت، لأن الوقف على «ما» الاستفهامية بعد حذف ألفه بالهاء فيكتب بالهاء، بخلاف ما إذا وقعت «ما» المحذوف ألفها بعد الجار نحو: حتّام وإلام وعلام، فإنه لا تلحقها الهاء لشدّة الاتصال فلا تكتب بالهاء. وتكتب تاء التأنيث في نحو: رحمة ونعمة ونقمة وقسمة وخدمة وطلحة وقمحة بالهاء، لأن الوقف عليها بالهاء على الصحيح؛ وبعضهم
стр. 1263
يقف عليها بالتاء، وهي لغة قليلة فتكتب بالتاء، موافقة للوقف. وقد وقع في رسم المصحف الكريم مواضع من ذلك نحو قوله تعالى: أفبنعمت الله يكفرون «١» كتبوا أفبنعمت بالتاء، والأكثر ما تقدّم.
قال ابن قتيبة: وأجمع الكتّاب على كتابة «السّلام عليك ورحمت الله وبركاته» في أوّل الكتاب وآخره بالتاء. قال: فإن أضفت تاء التأنيث إلى مضمر، صارت تاء فتكتب: شجرتك وناقتك ورحمتك وما أشبهه بالتاء.
أما أخت وبنت، وجمع المؤنث السالم مثل: قائمات وصائمات وتائبات، وتاء التأنيث الساكنة في آخر الفعل نحو: قامت وقعدت، وما أشبه ذلك، فإنه يكتب جميع ذلك بالتاء لأن الوقف عليها بالتاء.
قال ابن قتيبة: وهيهات يوقف عليها بالهاء والتاء، والإجماع على كتابتها بالتاء ثم اللفظ الذي يكتب على نوعين:
النوع الأوّل أن يكون اسما لحرف من حروف الهجاء؛ وهو على وجهين
: الوجه الأوّل أن يكون اسما قاصرا على الحرف لم يسمّ به غيره، وله حالان
أحدهما- أن يقصد اسم ذلك الحرف لا مسمّاه فيكتب الملفوظ به
نحو:
جيم إذا سئل كتابته فيكتب بجيم وياء وميم.
والثاني- أن يقصد مسماه لا اسمه فيجب الاقتصار في الكتابة على أوّل حرف في الكلمة
، ويكتب بصورة ذلك الحرف مثل: ق ن ص، ولذلك كتبت الحروف المفتتح بها السور على نحو ما كتبوا حروف المعجم، وذلك لأنهم أرادوا أن يضعوا أشكالا لهذه الحروف تتميز بها، فهي أسماء مدلولاتها اشكال خطّية،.
стр. 1264
ولو لم يضعوا لها هذه الأشكال الخطية، لم يكن للخط دلالة على المنطوق، ولو اقتصروا على كتبها على حسب النطق ولم يضعوا لها أشكالا مفردة تتميز بها لم يمكن ذلك، لأن الكتابة بحسب النطق متوقفة على معرفة كل حرف حرف وشكل كل حرف حرف غير موضوع، فاستحال كتبها على حسب النطق. ألا ترى أنك إذا قيل لك: اكتب جيم، عين، فاء، راء! فإنما تكتب هذه الصورة «جعفر» والملفوظ بلسان الآمر بالكتابة جيم والمكتوب ج، ولو كان تصوير اللفظ بصور هجائه، لكان المكتوب «جيم» كالملفوظ على قياس غيره من الألفاظ.
ويشهد لذلك ما حكي أن الخليل ﵀ قال يوما لطلبته: كيف تنطقون بالجيم من جعفر؟ فقالوا جيم فقال: إنما نطقتم بالاسم ولم تلفظوا بالمسؤول عنه، ثم قال: الجواب جه لأنه المسمّى من الكتاب (يريد جيما مفتوحة، وإنما أتى فيها بالهاء ليمكن الوقف عليها) .
الوجه الثاني ألّا يكون الاسم قاصرا على الحرف بأن يسمّى به غيره أيضا
كما إذا سمّي رجل بقاف أو بياسين، فللكتّاب فيه مذهبان:
أحدهما
- أن تكتب صورة الحرف هكذا ق ويس.
والثاني
- أن يكتب الملفوظ به هكذا «قاف» و «ياسين» وهو اختيار أبي عمرو ابن الحاجب «١» ﵀.
النوع الثاني ألا يكون اسما لحرف من حروف المعجم
، وهو على وجهين أيضا
стр. 1265
الوجه الأول أن يكون له معنى واحد فقط
فيكتب هكذا (زيد) إذا طلب كتابة زاي، ياء، دال.
الوجه الثاني أن يكون له أكثر من معنى واحد
فيكتب بحسب القرينة كما إذا قيل لك: اكتب شعرا! فإن دلت القرينة على أن المراد هذا اللفظ كتب هكذا (شعرا) وإلا فيكتب ما ينطبق عليه الشعر إذ هو معنى الشعر.
الضرب الثاني ما تغير عن أصله، وهو على ثلاثة أنواع
النوع الأول ما تغير بالزيادة. والزيادة تقع في الكتابة بثلاثة أحرف
الحرف الأول الألف، وتزاد في مواضع
(منها) تزاد بعد الميم في مائة فتكتب على هذه الصورة (مائة) فرقا بينها وبين «منه» وإنما كانت الزيادة من حروف العلة دون غيرها لأنها تكثر زيادتها، وكان حرف العلة ألفا لأنها تشبه الهمزة، ولأن الفتحة من جنس الألف؛ ولم تكن الزيادة ياء، لأنه يستثقل في الخط أن يجمع بين حرفين مثلين في موضع مأمون فيه اللبس، ألا ترى إلى كتابتهم خطيئة على وزن فعلية بياء واحدة ولو كتبت على صيغة لفظها، لوجب أن تكتب بياءين ياء لبناء فعلية، وياء هي صورة الهمزة؛ ولم تكن الزيادة واوا لاستثقال الجمع بين الياء والواو؛ وجعل الفرق في «مائة» ولم يجعل في «منه» لأن مائة اسم ومنه حرف والاسم أحمل للزيادة من الحرف، ولأن المائة محذوفة اللام بدليل قولهم: أمأيت الدراهم، فجعل الفرق في مائة بدلا من المحذوف مع كثرة
следующие страницы →