← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وجدّدت له البيعة يوم قتله، وخلع «١» في منتصف ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة. وقام بالأمر بعده «المقتفي لأمر الله» أبو عبد الله محمد بن المستظهر المتقدّم ذكره؛ بويع بالخلافة يوم خلع الراشد بالله، وتوفي ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «المستنجد بالله» أبو المظفّر يوسف؛ بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه المقتفي، وتوفي تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. وقام بالأمر بعد ابنه «المستضيء بالله» أبو محمد الحسن؛ بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه المستنجد من أقاربه بيعة خاصة، وفي عشره «٢» بيعة عامة، وتوفي ثاني ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «الناصر لدين الله» أبو العباس أحمد؛ بويع له بالخلافة يوم موت أبيه المستضيء، وتوفي أول شوّال سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «الظاهر بأمر الله» أبو نصر محمد؛ بويع له بالخلافة يوم موت أبيه الناصر، وتوفي رابع عشر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وقام بالأمر بعد ابنه «المستنصر بالله» أبو جعفر المنصور؛ بويع له بالخلافة يوم موت أبيه الظاهر، وتوفي لعشر خلون من جمادى الأولى سنة أربعين وستمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «المستعصم بالله» أبو أحمد عبد الله؛ بويع له

стр. 1367

بالخلافة يوم موت أبيه المستنصر بالله، وقتله هولاكو «١» ملك التّتار في العشرين من المحرّم سنة ست وخمسين وستمائة. وبقتله انقرضت الخلافة العباسية من بغداد «٢» ؛ وهو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس ببغداد إذا عدّت خلافة ابن المعتز، وحسبت خلافة القاهر أولا وثانيا خلافة واحدة. الطبقة الرابعة خلفاء بني العبّاس بالديار المصرية من بقايا بني العبّاس وأول من قام بأمر الخلافة بها «المستنصر بالله» أبو القاسم أحمد بن الظاهر بالله «٣» أبي نصر محمد المتقدّم ذكره، وذلك أنه لما قتل التتر المستعصم المتقدّم ذكره، وبقيت الخلافة شاغرة نحوا من ثلاث سنين ونصف ثم قدم جماعة من عرب الحجاز إلى مصر في رجب سنة تسع وخمسين وستمائة أيام الظاهر بيبرس «٤» ، ومعهم المستنصر المذكور، وذكروا أنه خرج من دار الخلافة ببغداد لمّا ملكها التّتر، فعقد الملك الظاهر له مجلسا حضره جماعة من العلماء، منهم الشيخ عز الدّين بن عبد السلام «٥» شيخ الشافعية، وقاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز

стр. 1368

الشافعي «١» وهو يومئذ قاضي الديار المصرية بمفرده، وشهد أولئك العرب بنسبه، ثم شهد جماعة من الشهود على شهادتهم بحكم الاستفاضة، وأثبت ابن بنت الأعز نسبه، ثم بايعه الملك الظاهر بالخلافة وأهل الحلّ والعقد، واهتم الملك الظاهر بأمره، واستخدم له عسكرا عظيما، وتوجه الملك الظاهر إلى الشام وهو صحبته فجهّزه من هناك بعسكره إلى بغداد طمعا أن يستولي عليها وينتزعها من التتار، فخرج إليه التتار قبل أن يصل بغداد فقتلوه، وقتلوا غالب عسكره في العشر الأول من المحرم سنة ستين وستمائة، فكانت خلافته دون السنة؛ وهو أوّل خليفة لقب بلقب خليفة قبله، وكانوا قبل ذلك يلقبون بألقاب مرتجلة. وقام بالأمر بعده «الحاكم بأمر الله» أبو العباس أحمد بن حسين بن أبي بكر ابن الامير أبي علي القبّي ابن الأمير حسن بن الراشد بالله أبي جعفر المنصور المتقدّم ذكره في الخلفاء ببغداد. قدم مصر سنة تسع وخمسين وستمائة، وهو ابن خمس عشرة سنة في سلطنة الظاهر بيبرس، وقيل إن الظاهر بعث من أحضره إليه من بغداد، وجلس له مجلسا عامّا أثبت فيه نسبه، وبايعه بالخلافة في سنة ست وستين وستمائة، وأشركه معه في الدعاء في الخطبة على المنابر، إلا أنه منعه التصرف والدخول والخروج. ولم يزل كذلك إلى أن ولي السلطنة الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، فأسكنه بالكبش بخط الجامع الطولوني «٢» ، فكان يخطب أيام الجمعة في جامع القلعة ويصلي، ولم يطلق تصرفه إلى أن تسلطن المنصور لاجين «٣» ، فأباح له التصرف حيث شاء وأركبه معه في الميادين؛ وتوفي

стр. 1369

في شهور سنة إحدى وسبعمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «المستكفي بالله» أبو الربيع سليمان بالعهد من أبيه الحاكم، وبويع له بالخلافة يوم موت أبيه، واستقرّ على ما كان عليه أبوه من الركوب والنزول وركوب الميادين مع السلطان إلى أن أعيد السلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون «١» إلى السلطنة المرّة الثانية بعد خلع الملك المظفر بيبرس الجاشنكير «٢» في شهور سنة تسع وسبعمائة، فحصل عند السلطان منه وحشة، فجهزه إلى قوص «٣» ليقيم بها، وبقي بقوص حتّى توفي في سنة أربعين وسبعمائة. وولي الخلافة بعده ابنه «المستعصم بالله» أبو العباس أحمد بعهد من أبيه المستكفي بأربعين شاهدا بمدينة قوص، ودعي له على المنابر في العشر الأخير من شوال سنة أربعين وسبعمائة. ثم خلعه الناصر محمد بن قلاوون، وبايع بالخلافة «الواثق بالله» أبا إسحاق إبراهيم بن الحاكم بأمر الله المتقدّم ذكره، وأمر بأن يدعي له على المنابر، وتحمل له راية الخلافة، فجرى الأمر على ذلك. وكان قد هم بمبايعته بعد موت المستكفي فلم يتم له. فلما توفي الملك الناصر في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، أعيد المستعصم بالله أحمد المتقدّم ذكره إلى الخلافة

стр. 1370

بعد خلع الواثق إبراهيم، وبقي حتّى توفي رابع شعبان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ثم ولي الخلافة بعده أخوه «المعتضد بالله» أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان سابع عشر شعبان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة؛ وتوفي عاشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة. وولي الخلافة بعده ابنه «المتوكل على الله» أبو عبد الله محمد بن المعتضد بالله المتقدّم ذكره بالعهد من أبيه المعتضد، واستقرّ له الأمر بعد وفاة أبيه يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وبقي حتّى خلعه الأمير أيبك «١» أتابك «٢» العساكر في سلطنة الملك المنصور «٣» عليّ بن الأشرف شعبان بن حسين. وولي الخلافة مكانه «المستعصم بالله» أبو يحيى زكريا بن الواثق إبراهيم المتقدّم ذكره، فأقام في الخلافة دون ثلاثة أشهر. ثم أعيد المتوكل على الله محمد ابن أبي بكر إلى الخلافة ثانيا في أواخر المحرّم أو أوائل صفر سنة تسع وسبعين وسبعمائة، واستمر حتّى قبض عليه الظاهر برقوق «٤» واعتقله بقلعة الجبل «٥» في

стр. 1371

مستهلّ شهر رجب سنة خمس وثمانين وسبعمائة. وولّى الخلافة مكانه «الواثق بالله» «١» أبو حفص عمر بن الواثق بالله إبراهيم المتقدم ذكره، فبقي حتّى توفي في العشر الأول من شوال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة، فأعاد الظاهر برقوق المستعصم بالله زكريا المتقدم ذكره ثانيا إلى الخلافة، والمتوكل على الله في الاعتقال والناس لا يرون في كل ذلك الخليفة غيره. ثم عنّ للملك الظاهر برقوق بعد ذلك فأطلق المتوكّل على الله من الاعتقال، وأكرمه وأحسن إليه في ثاني جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وبقي في الخلافة حتى توفي سابع عشري شهر رجب الفرد سنة ثمان وثمانمائة. وولي الخلافة بعده ابنه «أبو الفضل العباس ولقّب المستعين بالله» وبقي في الخلافة على سنن من تقدّمه من الخلفاء العبّاسيين بالديار المصرية من قصور أمره على العهد إلى السلطان والدعاء له على المنابر قبل السلطان إلى أن قبض على الناصر فرج بن برقوق «٢» بالشام في الثاني عشر من ربيع الأوّل من سنة خمس عشرة

стр. 1372

وثمانمائة، فاستقلّ بالأمر واستبدّبه، وأجمع له أمر الخلافة: من ضرب اسمه على السّكّة «١» في الدّنانير والدراهم والدعاء له على المنابر بمفرده، والعلامة «٢» على التقاليد والتواقيع والمكاتبات وغيرها، وفوّض أمر تدبير دولته للأمير «شيخ» «٣» وكتب له تفويض في ورق، عرضه ذراع ونصف بذراع البز، يزيد عما كان يكتب فيه للسلاطين نصف ذراع بقلم مختصر الطومار. وكان المتولي لأمر كتابته المقرّ الشمسيّ محمد العمري عين أعيان كتّاب الدّست «٤» الشريف بالأبواب الشريفة «٥» السلطانية، ونائب كاتب السر «٦» . وسيأتي

стр. 1373

ذلك في الكلام على التواقيع في المقالة الخامسة إن شاء الله تعالى. وأما مقرّات الخلفاء، فهي أربع مقرّات: المقرّة الأولى المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام كانت مقرّة الخلفاء الراشدين إلى حين انقراضهم؛ وذلك أن مبدأ النبوة كان بمكة ثم هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة، وأقام بها حتّى توفّي في الثالث «١» عشر من ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة. ثم كان بعده في الخلافة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ، ثم الحسن إلى حين سلّم الأمر لمعاوية، وإنما كان مقام عليّ والحسن بالعراق زمن القتال بينهما وبين معاوية. المقرّة الثانية الشأم وهي دار خلفاء بني أميّة إلى حين انقراضهم قد تقدّم أن معاوية كان أميرا على الشأم قبل الخلافة، ثم استقل بالأمر حين سلّم إليه الحسن، وبقي في الشام هو ومن بعده إلى حين انقراض خلافتهم، فقتل مروان بن محمد على ما تقدّم ذكره. وكانت دار إقامتهم دمشق، وإن نزلوا غيرها فليس لإقامة.

стр. 1374

المقرّة الثالثة العراق وهي دار خلفاء بني العباس وكان أوّل مبايعة السّفّاح به بالكوفة على ما تقدّم، ثم بنى بعد ذلك بالأنبار مدينة وسماها الهاشمية «١» ونزلها. فلما ولي أخوه أبو جعفر المنصور الخلافة بعده بنى بغداد وسكنها وصارت منزلا لخلفاء بني العباس بعده إلى حين انقراض الخلافة منها بقتل التتر المستعصم آخر خلفائهم بها. المقرّة الرابعة الديار المصرية وهي دار الخلافة الآن وقد تقدّم سبب انتقال الخلافة إليها بعد انقراضها من بغداد في الكلام على من ولي الخلافة من الخلفاء، فأغنى عن إعادته هنا. وقد تقدّم أن الحاكم بأمر الله ثاني خلفائهم بمصر أسكنه الأشرف خليل بن قلاوون بالكبش بخط الجامع الطّولونيّ «٢» . أما الآن فاستقرّت دار الخلافة بخطّ المشهد النفيسيّ «٣» بين مصر والقاهرة، ولا أخلى الله هذه المملكة من آثار النبوّة.

стр. 1375

الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الثانية فيما انطوت عليه الخلافة من الممالك في القديم، وما كانت عليه من الترتيب، وما هي عليه الآن أما ما انطوت عليه من الممالك، فاعلم أن النبيّ ﷺ قد فتح مكة وما حول المدينة من القرى كخيبر ونحوها. وفتح خالد بصرى من الشام في خلافة أبي بكر ﵁، وهي أوّل فتح فتح بالشام، ثم كانت الفتوح الكثيرة في خلافة عمر ﵁، ففتح بلاد الشام، وكور دجلة والأبلّة، وكور الأهواز، وإصطخر، وأصبهان، والسّوس، وأذربيجان، والرّي، وجرجان، وقزوين، وزنجان، وبعض أعمال خراسان، وكذلك فتحت مصر، وبرقة، وطرابلس الغرب. ثم فتح في خلافة عثمان ﵁: كرمان، وسجستان، ونيسابور، وفارس، وطبرستان، وهراة، وبقية أعمال خراسان. وفتحت أرمينية، وحرّان، وكذلك فتحت إفريقية، والأندلس، وسد الإسلام ما بين المشرق والمغرب، وكانت الأموال تجبى من هذه الأقطار النائية والأمصار الشاسعة، فتحمل إلى الخليفة، وتوضع في بيت المال بعد تكفية الجيوش وما يجب صرفه من بيت المال. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أثناء خلافة بني العباس، ما عدا الأندلس فإن بقايا خلفاء بني أمية استولوا عليه حتّى يقال: إن الرشيد كان يستلقى على ظهره وينظر إلى السحابة مارّة يقول: «اذهبي إلى حيث شئت يأتني خراجك» ثم اضطرب أمر الخلافة بعد ذلك وتقاصر شأنها واستبدّ أكثر أهل الأعمال بعمله من خلافة الراضي على ما سيأتي ذكره في الكلام على ترتيب الخلافة فيما بعد إن شاء الله تعالى.

стр. 1376

وأما ترتيب الخلافة، فله حالتان: الحالة الأولى ما كان عليه الحال في الزمن القديم اعلم أن الخلافة لابتداء الأمر كانت جارية على ما ألف من سيرة النبيّ ﷺ : من خشونة العيش، والقرب من الناس، واطّراح الخيلاء، وأحوال الملوك، مع ما فتح الله تعالى على خلفاء السلف من الأقاليم، وجبى إليهم من الأموال التي لم يفز عظماء الملوك بجزء من أجزائها. وناهيك أنهم فتحوا عدّة من الممالك العظيمة التي كانت يضرب بها المثل في عظم قدرها، وارتفاع شأن ملوكها، من ممالك المشرق والمغرب، حتّى ذكر عظماء الملوك عند بعض السلف فقال: «إنما الملك الذي يأكل الشعير ويعسّ «١» على رجليه بالليل ماشيا وقد فتحت له مشارق الأرض ومغاربها» يريد عمر بن الخطاب ﵁. ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن سلّم الحسن ﵁ الأمر لمعاوية؛ وإلى ذلك الإشارة بقوله ﷺ : «الخلافة في أمّتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك» فكان آخر الثلاثين خلافة الحسن. فلما سلّم الحسن ﵁ لمعاوية بعد وقوع الاختلاف وتباين الآراء، اقتضى الحال في زمانه إقامة شعار الملك، وإظهار أبهة الخلافة، فأخذ في ترتيب أمور الخلافة على نظام الملك لما في ذلك من إرهاب العدو وإخافته. بل كان ذلك شأنه وهو أمير بالشأم قبل أن يلي الخلافة، حتّى حكى صاحب «العقد» وغيره أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قدم الشأم في خلافته، وهو راكب على حمار، ومعه عبد الرحمن بن عوف، ومعاوية أمير على

стр. 1377

الشام، فخرج معاوية لملاقاته في موكب عظيم، فلقيه في طريقه في خفّ «١» من القوم فلم يشعر به وتعدّاه طالبا له؛ ثم عرّف ذلك فيما بعد، فرجع وسلّم على أمير المؤمنين عمر، ومشى إلى جانبه، فلم يلتفت إليه وطال به ذلك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: أتعبت الرجل يا أمير المؤمنين، فالتفت إليه حينئذ، وقال: أنت صاحب الموكب الآن مع ما يبلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك؟ - فقال: يا أمير المؤمنين، إنا بأرض يكثر فيها جواسيس العدوّ فأحتاج أن أظهر لهم من أبّهة الملك والسلطان ما يزعهم «٢» ، فإن أمرتني به، ائتمرت، وإن نهيتني عنه، انتهيت- فقال: إن كان ما قلت حقّا، فإنّه لرأي أديب، وإن كان غير حق، فإنه لخدعة أريب، لا آمرك ولا أنهاك- فقال عبد الرحمن: لحسن يا أمير المؤمنين، ما صدر به هذا الفتى عما أوردته فيه- فقال: لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشمناه. فلما صارت الخلافة إليه، زاد في حسن الترتيب وإظهار الأبّهة، وأخذ الخلفاء بعده في مضاعفة ذلك والاحتفال به حتّى أمست الخلافة في أغي «٣» ما يكون من ترتيب الملك، وفاقت في ذلك الأكاسرة والقياصرة، بل اضمحلّ في جانب الخلافة سائر الممالك العظام، وانطوى في ضمنها ممالك المشارق والمغارب، خصوصا في أوائل الدولة العباسية في زمن الرشيد ومن والاه. حتّى يحكى أن صاحب عمّوريّة من ملوك الروم كانت عنده شريفة مأسورة في خلافة المعتصم فعذّبها، فصاحت وامعتصماه! فقال لها: لا يأتي المعتصم لخلاصك إلا على أبلق «٤» . فبلغ ذلك المعتصم، فنادى في عسكره بركوب الخيل البلق، وخرج وفي مقدّمة عسكره أربعة آلاف أبلق، وأتى عمّوريّة فحاصرها

стр. 1378

وخلص الشريفة، وقال: اشهدي لي عند جدّك المصطفي ﷺ أني جئت لخلاصك، وفي مقدّمة عسكري أربعة آلاف أبلق. وقد حكى ابن الأثير في تاريخه: أنه لما وصلت رسل ملك الروم إلى بغداد في سنة خمس وثلاثمائة في خلافة المقتدر، رتّب من العسكر في دار الخلافة مائة وستون ألفا ما بين راكب وراجل، ووقف بين يدي الخليفة سبعمائة حاجب، وسبعة آلاف خادم خصيّ: أربعة آلاف بيض وثلاثة آلاف سود، ووقف الغلمان المجريّة الذين هم بمثابة مماليك الطباق «١» الآن بالباب، بتمام الزينة والمناطق «٢» المحلّاة، وزينت دار الخلافة بأنواع الأسلحة، وغرائب الزينة، وغشّيت جدرانها بالستور، وفرشت أرضها بالبسط، وكان عدّة البسط اثنين وعشرين ألف بساط، وعدّة الستور المعلقة ثمانية وثلاثين ألف ستر، منها اثنا عشر ألف ستر من الديباج المذهب «٣» ؛ وكان من جملة الزينة شجرة من الذهب والفضة بأغصانها وأوراقها، وطيور الذهب والفضة على أغصانها، وأغصانها تتمايل بحركات موضوعة، والطيور تصفّر بحركات مرتبة، وألقيت المراكب والدبادب «٤» في دجلة

стр. 1379

بأحسن زينة. وكان هناك مائة سبع مع مائة سبّاع، إلى غير ذلك من الأحوال الملوكية التي يطول شرحها. هذا مع تقهقر الخلافة وانحطاط رتبتها يومئذ. ولم تزل الخلافة قائمة على ترتيب واحد في النفقة والجرايات والمطابخ وإقامة العساكر إلى آخر أيام الراضي بالله. فلما ولي المتّقي لله، تقاصر أمر الخلافة وتناقص، وقنع الخلفاء من الخلافة بالدعاء على المنابر وضرب اسمهم على الدنانير والدراهم، وربما خطب الواحد منهم بنفسه، ومع ذلك فكان الخليفة هو الذي يولّي أرباب الوظائف من القضاة وغيرهم، وتكتب عنه العهود والتقاليد وغيرها لا يشاركه في ذلك سلطان. وأما شعار الخلافة: فمنها «الخاتم» : والأصل فيه ما ثبت في الصحيح «أن النبيّ ﷺ قيل له: إن الملوك لا يقرأون كتابا غير مختوم فاتّخذ خاتما من ورق، وجعل نقشه محمد رسول الله» فلما توفّي رسول الله ﷺ ، لبسه أبو بكر بعده ثم لبسه عمر بعد أبي بكر، ثم لبسه عثمان بعد عمر، فوقع منه في بئر فلم يقدر عليه. واتخذ الخلفاء بعد ذلك خواتيم، لكل خاتم نقش يخصه، وبقي الأمر على ذلك إلى انقراض الخلافة من بغداد. ومنها «البردة» «١» وهي بردة النبي ﷺ التي كان الخليفة يلبسها في المواكب.

стр. 1380

قال ابن الأثير: «١» وهي شملة مخطّطة، وقيل كساء أسود مربّع فيه صغر؛ وقد اختلف في وصولها إلى الخلفاء. فحكى الماورديّ «٢» في الأحكام السلطانية عن أبان بن تغلب «٣» أن النبيّ ﷺ كان وهبها لكعب بن زهير حين امتدحه بقصيدته التي أوّلها: «بانت سعاد» «٤» فاشتراها منه معاوية. والذي ذكره غيره أن كعبا لم يسمح ببيعها لمعاوية، وقال: لم أكن لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدا. فلما مات كعب اشتراها معاوية من ورثته بعشرة آلاف درهم. وحكى الماوردي أيضا عن حمزة بن ربيعة أن هذه البردة كان النبيّ ﷺ أعطاها لأهل أيلة «٥» أمانا لهم، فأخذها منهم عبد الله بن خالد بن أبي أوفى وهو عامل من قبل مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة وبعث بها إليه، وكانت في

стр. 1381

خزانته حتّى أخذت بعد قتله. وقيل اشتراها أبو العبّاس السفّاح، أوّل خلفاء بني العبّاس بثلاثمائة دينار. ومنها «القضيب» : وهو عود كان النبيّ ﷺ يأخذه بيده. قال الماورديّ: وهو من تركة النبيّ ﷺ التي هي صدقة. قلت: وكان القضيب والبردة المتقدّما الذكر عند خلفاء بني العبّاس ببغداد إلى أن انتزعهما السلطان سنجر السّلجوقيّ «١» من المسترشد بالله، ثم أعادهما إلى المقتفي عند ولايته في سنة خمس وثلاثين وخمسمائة. والذي يظهر أنها بقيت عندهم إلى انقضاء الخلافة من بغداد سنة ست وخمسين وستمائة فإن مقدار ما بينهما مائة وإحدى وعشرون سنة، وهي مدة قريبة بالنسبة إلى ما تقدم من مدتهما. ومنها «ثياب الخلافة» : وقد ذكر السلطان عماد الدين صاحب حماة «٢» في تاريخه في الكلام على ترجمة الملك السعيد إسماعيل أحد ملوك بني أيوب باليمن أنه كان به هوج فادّعى أنه من بني أمية ولبس ثياب الخلافة، ثم قال: وكان طول الكم يومئذ عشرين شبرا، فيحتمل أنه أراد زمن بني أمية، وأنه أراد زمن بني أيوب. ومنها «اللون» في الأعلام والخلع ونحوها. وكان شعار بني أمية من الألوان الخضرة، فقد حكى صاحب حماة عن الملك السعيد إسماعيل المتقدم ذكره: أنه حين ادّعى الخلافة وأنه من بني أميّة لبس الخضرة؛ وهذا صريح في أنه شعارهم.

стр. 1382

أما بنو العباس فشعارهم السّواد؛ وقد اختلف في سبب اختيارهم السّواد فذكر القاضي الماورديّ في كتابه «الحاوي الكبير» في الفقه: أن السبب في ذلك أن النبي ﷺ في يوم حنين ويوم الفتح عقد لعمه العبّاس ﵁ راية سوداء. وحكى أبو هلال العسكريّ «١» في كتابه «الأوائل» : أن سبب ذلك أن مروان ابن محمد آخر خلفاء بني أميّة حين أراد قتل إبراهيم بن محمد العبّاسيّ أوّل القائمين من بني العبّاس بطلب الخلافة قال لشيعته: لا يهولنكم قتلي، فإذا تمكنتم من أمركم فاستخلفوا عليكم أبا العبّاس يعني السّفّاح؛ فلما قتله مروان، لبس شيعته عليه السّواد، فلزمهم ذلك وصار شعارا لهم. ومن غريب ما وقع مما يتعلق بذلك ما حكاه ابن سعيد في «المغرب» «٢» أن الظافر الفاطميّ «٣» أحد خلفاء مصر لما قتله وزيره عباس، بعث نساء الخليفة شعورهن طيّ الكتب إلى الصالح طلائع بن رزيك «٤» ، وهو يومئذ وال بمنية بني خصيب «٥» ، فحضر إليهم وقد رفع تلك الشعور على الرماح، وأقام الرايات السود

стр. 1383

إظهارا للحرب على الظافر، ودخل القاهرة على ذلك، فكان ذلك من الفأل العجيب، وهو أن مصر انتقلت إلى بني العباس بعد خمسة عشرة سنة، ورفعت راياتهم السّود بها. وأما تولية الملوك عن الخلفاء، فكان الحال فيه مختلفا باعتبار السلطان بحضرة الخلافة وغيره، فإن كان الذي يوليه الخليفة هو السلطان الذي بحضرة الخلافة، كبني بويه وبني سلجوق وغيرهم، فقد حكى ابن الأثير وغيره أن السلطان طغرلبك بن ميكائيل السّلجوقيّ لما تقلد السلطنة عن «القائم بأمر الله» «١» في سنة تسع وأربعين وأربعمائة، جلس له الخليفة على كرسيّ ارتفاعه عن الأرض نحو سبعة أذرع، وعليه البردة، ودخل عليه طغرلبك في جماعة، وأعيان بغداد حاضرون، فقبّل طغرلبك الأرض ويد الخليفة، ثم جلس على كرسيّ نصب له، ثم قال رئيس الرؤساء وزير الخليفة عن لسان الخليفة: «إن أمير المؤمنين قد ولّاك جميع ما ولّاه الله تعالى من بلاده، وردّ إليك أمر عباده، فاتق الله فيما ولّاك، واعرف نعمته عليك» ثم خلع على طغرلبك سبع جبّات سود بزيق واحد «٢» ، وعمامة سوداء، وطوّق بطوق من ذهب، وسوّر بسوارين من ذهب وأعطى سيفا بغلاف من ذهب، ولقبه الخليفة، وقريء عهده عليه فقبل الأرض ويد الخليفة ثانيا وانصرف، وقد جهّز له فرس من إصطبلات الخليفة بمركب من ذهب مقندس فركب وانصرف إلى داره، وبعث إلى الخليفة خمسين ألف دينار، وخمسين مملوكا من

стр. 1384

الترك بخيولهم وسلاحهم مع ثياب وغيرها. ولعل هذا كان ترتيبهم في لبس جميع ملوك الحضرة «١» . وإن كان الذي يوليه الخليفة من ملوك النواحي البعيدة عن حضرة الخليفة كملوك مصر إذ ذاك ونحوهم، جهز له التشريف من بغداد صحبة رسول من جهة الخليفة، وهو جبّة أطلس أسود بطراز مذهب وطوق من ذهب يجعل في عنقه، وسواران من ذهب يجعلان في يده، وسيف قرابه ملبّس بالذهب، وفرس بمركب من ذهب، وعلم أسود مكتوب عليه بالبياض اسم الخليفة ينشر على رأسه، كما كان يبعث إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ثم أخيه العادل. فإذا وصل ذلك إلى سلطان تلك الناحية، لبس الخلعة والعمامة، وتقلد السيف وركب الفرس وسار في موكبه حتى يصل إلى محل ملكه. وربما جهز مع خلعة السلطان خلع أخرى لولده أو وزيره أو أحد من أقاربه بحسب ما يقتضيه الحال حينئذ. وآخر من وصلت إليه الخلعة والطوق والتقليد من ملوك بني أيوب من بغداد الناصر يوسف بن العزيز بن السلطان صلاح الدين عن المستعصم في سنة خمس وخمسين وستمائة. وأما الوظائف المعتبرة عندهم، فعلى ضربين:

стр. 1385

الضرب الأوّل وظائف أرباب السيوف؛ وهي عدّة وظائف منها «الوزارة» «١» في بعض الأوقات دون بعض. وقد ذكر القضاعيّ «٢» وغيره أن أوّل من لقّب بالوزارة في الإسلام، أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال «٣» وزير أبي العبّاس السّفّاح أوّل خلفاء بني العبّاس، ولم يكن ذلك قبله، ثم جرى الأمر على ذلك في اتخاذ الخلفاء الوزراء إلى

стр. 1386

انقراض الخلافة ببغداد بقتل التتار المستعصم في سنة ست وخمسين وستمائة، ووزيره يومئذ مؤيد الدين بن العلقميّ، وقتله «١» هولاكو ملك التتار بعد قتل المستعصم لممالأته على المستعصم مع التتار، وهو آخر وزراء الخلافة ببغداد. ومنها «الحجابة» «٢» : وكان موضوعها عندهم حفظ باب الخليفة والاستئذان للداخلين عليه، لا التّصدي للحكم في المظالم كما هو الآن. وقد ذكر القضاعيّ في «تاريخ الخلائف» «٣» ما يقتضي أن الخلفاء لم تزل تتخذ الحجّاب من لدن الصّدّيق ﵁ فمن بعده، خلا الحسن بن عليّ فإنه لم يكن له حاجب.

стр. 1387

ومنها «ولاية المظالم» «١» : وموضوعها قود المتظالمين إلى التناصف بالرّهبة، وزجر المتنازعين عن التجاحد بالهيبة، كما قاله الماورديّ في «الأحكام السلطانية» وهي شبيهة بالحجوبية «٢» الآن في هذا المعنى؛ وكانت عندهم من أعلى الوظائف وأرفعها رتبة لا يتولّاها إلا ذوو الأقدار الجليلة، والأخطار الحفيلة. ومنها «النّقابة على ذوي الأنساب» «٣» : كالطالبيين والعباسيين ومن في معناهم، كما في نقابة الأشراف الآن بالديار المصرية وأعمالها؛ وكانت لديهم من وظائف أرباب السيوف، ولذلك استصحب هذا المعنى في نقيب الأشراف الآن، فيكتب في ألقابه الأميريّ، وإن كان من أرباب الأقلام على ما سيأتي ذلك في كتابة

стр. 1388

توقيعه إن شاء الله تعالى. الضرب الثاني وظائف أرباب الأقلام، وهي نوعان: دينية وديوانية فأما الديوانية - فأجلّها «الوزارة» إذا كان الوزير صاحب قلم. وقد مرّ القول في ابتداء وزارة الخلفاء وانتهائها في الكلام على وزارة أرباب السيوف في الضرب الأوّل. وأما الدينية - فمنها «القضاء» «١» وكانت ولاية القضاء عن الخليفة تارة تكون عامّة لبغداد وأعمالها، وتارة قاصرة على بغداد أو أحد جانبيها. ومنها «الحسبة» «٢» وأمرها معروف. ومنها «ولاية «٣» الأوقاف» والنظر عليها. ومنها «الولاية على المساجد» والنظر في أمر الصلاة.

стр. 1389

ومن الوظائف الخارجة عن حضرة الخلافة لأرباب السيوف الإمارة على الجهاد، والإمارة على الحج وغيرها. ومن الوظائف الخارجة عن الحضرة لأرباب الأقلام ولاية قضاء النواحي، والحسبة بها إلى غير ذلك من ولايات زعماء الذمة وغيرهم. الحالة الثانية ما صار إليه الأمر بعد انتقال الخلافة إلى الديار المصرية عند استيلاء التتار على بغداد لما بايع الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ في سنة تسع وخمسين وستمائة «المستنصر بن الظاهر» أوّل الخلفاء بمصر على ما تقدم ذكره وكتب له عهد عنه بالسلطنة من إنشاء القاضي محي الدين بن عبد الظاهر، «١» وعمل له السلطان الدّهاليز «٢» وآلات الخلافة ورتب له الجمدارية «٣» ، واستخدم له عسكرا عظيما وجهزه إلى بغداد للاستيلاء عليها فقتله التتار على ما تقدّم.

стр. 1390

ثم لما بايع الظاهر «١» أيضا الإمام «الحاكم بأمر الله» ثاني خلفائهم أيضا في سنة تسع وخمسين وستمائة على ما تقدّم ذكره، بقي مدّة، ثم أشركه معه في الدّعاء في الخطبة على المنابر في سنة ست وستين وستمائة، إلا أنه منعه من التصرف والدخول والخروج. ولم يزل كذلك إلى أن ولي السلطنة الملك الأشرف «خليل ابن المنصور قلاوون» فأطلق سبيله، وأسكنه في الكبش على القرب من الجامع الطّولونيّ؛ وكان يخطب أيام الجمع بجامع القلعة إلى أن ولي السلطنة الملك المنصور حسام الدّين لاجين، فأباح له التصرف والركوب إلى حيث شاء؛ وبقي الأمر على ذلك إلى أن ولي الخلافة «المستعصم بالله» أبو العباس أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان المرّة الثانية بعد موت الملك الناصر محمد بن قلاوون، ففوّض إليه السلطان نظر المشهد النفيسيّ «٢» واستقرّ بأيدي الخلفاء إلى الآن. والذي استقرّ عليه حال الخلفاء بالديار المصرية أن الخليفة يفوّض الأمور العامة إلى السلطان، ويكتب له عنه عهد بالسلطنة ويدعى له قبل السلطان على المنابر إلا في مصلّى السلطان خاصة في جامع مصلاه بقلعة الجبل المحروسة، ويستبد السلطان بما عدا ذلك: من الولاية والعزل وإقطاع الإقطاعات حتى للخليفة نفسه، ويستأثر بالكتابة في جميع ذلك. قلت: ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن قبض على السلطان الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق بالشام في أوائل سنة خمس عشرة وثمانمائة على ما تقدّم ذكره، فاستقل الإمام «المستعين بالله» خليفة العصر بأمر الخلافة: من الكتابة على العهود ومناشير الإقطاعات، والتقاليد، والتواقيع، والمكاتبات وغيرها، وأفرد

стр. 1391

بالدعاء على المنابر، وضرب اسمه على الدنانير والدراهم والطرز «١» على ما تقدّم ذكره في الكلام على ترتيب الخلفاء، وهيئته في لبسه عند ركوبه المدينة في المواكب أو غيرها. فعمامته مدوّرة لطيفة عليها رفرف من خلفه تقدير نصف ذراع في ثلث ذراع مرسل من أعلى عمامته إلى أسفلها، وفوق ثيابه كاملية «٢» ضيقة الكمّ مفرّجة الذيل من خلف وتحتها قباء ضيق الكمّ. أما تقليده السلطان السلطنة، فالذي رأيته في بعض التواريخ في عهد الإمام الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد بن أبي الربيع سليمان، إلى السلطان الملك المنصور أبي بكر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون بعد مبايعة الحاكم المذكور عند موت أبيه في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة: أنه طلع القضاة والأمراء إلى القلعة واجتمعوا بدار العدل، وجلس الخليفة على الدرجة الثالثة من التخت، وعليه خلعة خضراء، وعلى رأسه طرحة سوداء مرقومة بالبياض، وخرج السلطان من القصر إلى الإيوان من باب السرّ على العادة، فقام له الخليفة والقضاة والأمراء، وجاء السلطان فجلس على الدرجة الأولى من التخت دون الخليفة، ثم قام الخليفة فقرأ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ «٣» إلى آخر الآية، وأوصى السلطان بالرفق بالرعية، وإقامة الحق، وإظهار شعائر الإسلام ونصرة الدّين؛ ثم قال: «فوّضت إليك جميع أمر المسلمين، وقلّدتك ما تقلدته من أمور الدين» . ثم قرأ: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ «٤» إلى آخر الآية، ثم أتي الخليفة بخلعة سوداء وعمامة

стр. 1392

سوداء مرقومة الطرف بالبياض، فألبسها السلطان وقلّده سيفه، ثم أتي بالعهد المكتوب عن الخليفة للسلطان فقرأه القاضي علاء الدين بن فضل الله «١» كاتب السر إلى آخره، فلما فرغ من قراءته، تناوله الخليفة فكتب عليه ما صورته- فوّضت إليه ذلك- وكتب- أحمد بن عم محمد ﷺ وكتب القضاة الأربعة شهادتهم بالتولية، ثم أتي بالسماط على العادة. وأخبرني من حضر تقليد السلطان الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق عن الإمام المتوكل على الله أبي الفتح محمد المشار إليه فيما تقدّم: أنه حضر الخليفة وشيخ الإسلام سراج الدين البلقينيّ «٢» ، والقضاة «٣» الأربعة وأهل العلم، وأمراء الدولة إلى مقعد بالإصطبلات السلطانية يعرف بالحرّاقة، وجلس الخليفة في صدر المكان على مقعد مفروش له، ثم أتى السلطان وهو يومئذ حدث، فجلس بين يديه، وسأله شيخ الإسلام عن بلوغه الحلم فأجاب بالبلوغ، فخطب الخليفة خطبة، ثم خاطب السلطان بتفويض الأمر إليه على نحو ما تقدّم ذكره، ثم أتي الخليفة بخلعة سوداء وعمامة سوداء مرقومة فوقها طرحة سوداء مرقومة، ثم جلس الخليفة في مكانه الذي كان جالسا فيه، ونصب للسلطان كرسيّ إلى جانب مقعد الخليفة فجلس عليه، وجلس الأمراء والقضاة حوله على قدر منازلهم، وقد استقرت جائزة تقليد السلطنة للخليفة ألف دينار مع قماش سكندري.

стр. 1393

أما حضوره بمجلس السلطان في عامة الأيّام، عند حضوره إلى السلطان لسلام أو مهمّ أو غير ذلك، فقد أخبرني بعض جماعة الخليفة أن الإمام المتوكل المتقدّم ذكره كان إذا حضر إلى مجلس السلطان الظاهر، قام له، وربما مشى إليه خطوات وجلس على طرف المقعد وأجلس الخليفة إلى جانبه.

стр. 1394

الباب الثالث من المقالة الثانية في ذكر مملكة الدّيار المصرية ومضافاتها، وفيه ثلاثة فصول الفصل الأوّل في مملكة الدّيار المصرية ومضافاتها، وفيه طرفان الطرف الأوّل في الدّيار المصرية، وفيه اثنا عشر مقصدا المقصد الأوّل في فضلها ومحاسنها أما فضلها فقد ورد في الكتاب والسنة ما يشهد لها بالفضيلة، ويقضي لها بالفخر، قال تعالى: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها «١» يريد بالقوم بني إسرائيل، وبالأرض أرض مصر؛ ووصفها بالبركة إما بمعنى الفضل كما في قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ «٢» . وإما من الخصب وسعة الرزق بدليل قوله تعالى مخبرا عن قوم فرعون: فأخرجناهم مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ «٣» . وقال جل

стр. 1395

وعز: وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً «١» فأمر بالعبادة في بيوتها إشارة إلى شرف أرضها ورفعة قدرها. وقد ذكر الله تعالى اسمها في غير موضع من كتابه العزيز في ضمن قصص الأنبياء ﵈، فقال تعالى إخبارا عن يوسف ﵇: وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ «٢» وفي موضع آخر: وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «٣» وقال حكاية عن فرعون لعنه الله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «٤» وفي معناه قوله تعالى خطابا لبني إسرائيل: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ «٥» على قراءة الحسن «٦» والأعمش «٧» مصر غير مصروف. قال القضاعيّ: وكذلك قراءة من قرأ اهْبِطُوا مِصْراً مصروفا بناء على أن مصر مذكر سمي به مذكرا فلم يمنع الصرف فيه، والتصريح بذكرها دون غيرها من الأقاليم دليل الشرف والفضل. وقد ورد أن النبيّ ﷺ قال «٨» : «إنّكم ستفتحون بلادا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لأهلها نسبا وصهرا» أراد بالنسب هاجر أم إسماعيل ﵇، وكان بعض ملوك مصر قد وهبها لزوجته سارة وأراد بالصّهر مارية أمّ إبراهيم، ولد النبيّ ﷺ ، كان المقوقس قد أهداها للنبيّ ﷺ في جملة هديته.

стр. 1396

ويروى أن النبيّ ﷺ قال: «إذا فتح الله عليكم مصر فاتّخذوا بها جندا كثيفا، فذاك خير جند الأرض، قيل: ولم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأنهم في رباط إلى يوم القيامة» . وعن أبي هريرة» ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: «مصر أطيب الأرضين ترابا وعجمها أكرم العجم نصابا» «٢» . ويقال في التوراة: «مصر خزائن الله، فمن أرادها بسوء قصمه الله» . وقال عمرو بن العاص ﵁ «ولاية مصر جامعة تعدل الخلافة» . ومن كلام كعب الأحبار «٣» : «مصر بلد معافى من الفتن، فمن أرادها بسوء كبّه الله على وجهه» . ووصفها الكنديّ «٤» فقال: «جبلها مقدس، ونيلها مبارك، وبها الطّور الذي كلّم الله تعالى عليه موسى ﵇» . قال كعب الأحبار: «كلم الله تعالى موسى من الطور إلى طوى» وفي التوراة «واد مقدّس أفيح» «٥» يريد وادي موسى ﵇. ودخلها جماعة من الأنبياء ﵈، منهم إبراهيم ويعقوب، ويوسف، وإخوته ﵈.

стр. 1397

ونقل في «الروض المعطار» عن الجاحظ أن عيسى بن مريم ﵇ ولد بها بكورة «١» أهناس الآتي ذكرها في كور مصر المقدّسة، وأن نخلة مريم كانت بأهناس قائمة إلى زمانه. وذكر أيضا أن موسى ﵇ ولد بها بمدينة أسكر شرقيّ النيل، وهي الآن قرية من الأعمال الإطفيحية الآتي ذكرها في أعمال الدّيار المصرية. وبها سجن يوسف ﵇ بمدينة بوصير الخراب «٢» من الأعمال الجيزية على القرب من البدرشين «٣» . قال القضاعيّ: أجمع أهل المعرفة من أهل مصر على صحة هذا المكان، وأن الوحي كان ينزل عليه به، وسطحه معروف بإجابة الدّعاء. سأل كافور الإخشيديّ «٤» الإمام أبا بكر بن الحدّاد «٥» الفقيه الشافعي عن موضع يستجاب فيه الدّعاء فأشار عليه بالدّعاء على سطح هذا السجن.

стр. 1398

قال القضاعيّ: وعلى القرب منه مسجد موسى ﵇، وهو مسجد مبارك. وبسفح المقطّم بالقرافة الصغرى «١» قبر (يهوذا وروبيل) من إخوة يوسف ﵇. وقد روي أنه دخلها من الصحابة رضوان الله عليهم ما يزيد على مائة رجل، ودفن بقرافتها جماعة «٢» منهم فيما ذكره ابن عبد الحكم «٣» عن ابن لهيعة «٤» خمسة نفر، وهم: عمرو بن العاص، وعبد الله بن حذافة، وأبو بصرة الغفاريّ، وعقبة بن عامر الجهنيّ، وعبد الله بن الحارث الزبيديّ وهو آخرهم موتا «٥» . قال القضاعي: وذكر غير ابن لهيعة أن مسلمة بن مخلّد الأنصاري «٦» أيضا مات بها، وهو أميرها. أما محاسنها، فلا شك أن مصر مع ما اشتملت عليه من الفضائل، وحفّت به

стр. 1399

من المآثر أعظم الأقاليم خطرا، وأجلّها قدرا، وأفخمها مملكة، وأطيبها تربة، وأخفّها ماء وأخصبها زرعا، وأحسنها ثمارا، وأعدلها هواءا، وألطفها ساكنا. ولذلك ترى الناس يرحلون إليها وفودا، ويفدون عليها من كل ناحية، وقلّ أن يخرج منها من دخلها، أو يرحل عنها من ولجها مع ما اشتملت عليه من حسن المنظر، وبهجة الرّونق لا سيما في زمن الربيع، وما يبدو بها من الزروع التي تملأ العين وسامة وحسنا، وتروق صورة ومعنى. قال المسعوديّ «١» : وصف الحكماء مصر فقالوا: ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء، وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمرّدة خضراء، وثلاثة أشهر سبيكة حمراء. فاللؤلؤة البيضاء، زمان النيل، والمسكة السوداء، زمان نضوب الماء عن أرضها والزّمرّدة الخضراء، زمان طلوع زروعها، والسّبيكة الحمراء، زمان هيج الزرع واكتهاله. وقد قيل: لو ضرب بينها وبين غيرها من البلاد سور، لغني أهلها بها عما سواها ولما احتاجوا إلى غيرها من البلاد، وناهيك ما أخبر الله تعالى به عن فرعون مع عتوّه وتجبّره وادعائه الربوبية بافتخاره بملكها بقوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ «٢» . قال ابن الأثير «٣» في «عجائب المخلوقات» «٤» : وهي إقليم العجائب،

стр. 1400

ومعدن الغرائب؛ كان أهلها أهل ملك عظيم، وعز قديم؛ وإقليمها أحسن الأقاليم منظرا، وأوسعها خيرا؛ وفيها من الكنوز العظيمة، ما لا يدخله الإحصاء، حتّى يقال إنه ما فيها موضع إلا وفيه كنز. قلت: أما ما ذكره أحمد بن يعقوب الكاتب «١» في كتابه في «المسالك والممالك» «٢» من ذمّه مصر بقوله: هي بين بحر رطب عفن كثير البخارات الرديئة، يولد الأدواء ويفسد الغذاء، وبين جبل وبرّ يابس صلد، لشدّة يبسه لا تنبت فيه خضراء، ولا تتفجر فيه عين ماء؛ فكلام متعصّب خرق الإجماع، وأتى من سخيف القول بما تنفر عنه القلوب وتمجّه الأسماع؛ وكفى به نقيصة أن ذمّ النيل الذي شهد العقل والنقل بتفضيله، وغضّ من المقطّم الذي وردت الآثار بتشريفه. المقصد الثاني في ذكر خواصها وعجائبها، وما بها من الآثار القديمة أما خواصّها، فمن أعظمها خطرا معدن الزّمرّد «٣» الذي لا نظير له في سائر أقطار الأرض، وهو في مغارة في جبل على ثمانية أيام من مدينة قوص، يوجد عروقا خضرا في تطابيق حجر أبيض، وأفضله الذّبابيّ وهو أقل من القليل، بل لا يكاد يوجد. ولم يزل هذا المعدن يستخرج منه الزّمرّد إلى أثناء الدولة الناصرية

стр. 1401

«محمد بن قلاوون» فأهمل أمره وترك. قال في «مسالك الأبصار» «١» : وجميع ملوك الأرض وأهل الآفاق تستمدّ منه. وقد مرّ القول عليه في جملة الأحجار الملوكية في أواخر المقالة الأولى. وأعظم خطرا منه وأرفع شأنا البلسان الذي تسميه العامّة البلسم «٢» ، وهو نبات يزرع ببقعة مخصوصة بأرض المطريّة من ضواحي القاهرة على القرب من عين شمس، ويسقى من بئر مخصوصة هناك، يقال إن المسيح ﵇ اغتسل بها حين قدمت به أمّه إلى مصر، والنصارى تزعم أنه حفرها بعقبه وهو طفل حين وضعته أمّه هناك. ومن خاصتها أن البلسان لا يعيش إلا بمائها ولا يوجد في بقعة من بقاع الأرض غير هذه البقعة. قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» : وطول هذه الأرض ميل في ميل، وشأنه أنه يفصد «٣» في شهر كيهك «٤» من شهور القبط، ويجمع ما يسيل من دهنه ويصفى ويطبخ ويحمل إلى خزانة السلطان، ثم ينقل منه قدر معلوم إلى قلاع

стр. 1402

الشام والبيمارستان «١» ليستعمل في بعض الأدوية؛ وملوك النصارى من الحبشة والروم والفرنج يستهدونه من صاحب مصر ويهادونه بسببه، لما يعتقدونه فيه من أثر المسيح ﵇ في البئر، وله عليهم بذلك اليد الطّولى والمنّة العظمى، لا يساويه عندهم ذهب ولا جوهر. قال في «مسالك الأبصار» : والنصارى كافّة تعتقد فيه ما تعتقد، وترى أنه لا يتم تنصّر نصرانيّ حتّى يوضع شيء من هذا الدهن في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها. وبها معدن النّطرون «٢» ، وهو منها في مكانين: أحدهما- بركة النّطرون «٣» التي بالجبل الغربي غربيّ عمل البحيرة «٤» الآتي ذكره في جملة أعمالها المستقرّة، وهي من أعظم المعادن وأكثرها متحصّلا على حقارة النطرون وقلة ثمنه. قال في «التعريف» «٥» : لا يعرف في الدنيا بركة صغيرة يستغلّ منها نظيرها، فإنها نحو مائة فدّان تغل نحو مائة ألف دينار.

стр. 1403

والثاني- مكان بالخطّارة من الشرقية، ولا يبلغ في الجودة مبلغ البركة الأولى، ولا يبلغ في المتحصّل قريبا من ذلك. وبها أيضا معدن الشّبّ «١» على القرب من أسوان، وهو من المعادن الكثيرة المتحصّل أيضا إلى غير ذلك من الخواصّ. وبها معدن النّفط على ساحل بحر القلزم، يسيل دهنه من أعلى جبل قليلا قليلا وينزل إلى أسفله فيتحصل في دبار قد وضعها له الأوّلون، وتأتي العرب فتحمله إلى خزائن السلاح السلطانية. وأما عجائبها فكثيرة: (منها) جبل الطير «٢» شرقيّ النيل، مقابل منية أبي خصيب، فيه صدع يأتي إليه جنس البواقير من الطير، وهو المعروف بالبحّ في يوم من السنة فيضعون مناقيرهم في ذلك الصدع واحدا بعد واحد حتى يتعلق منها واحد في ذلك الصدع فيتركونه ويذهبون «٣» . قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» : قال أبو بكر الموصلي: سمعت من أعيان تلك البلاد أنه إذا كان العام مخصبا، يقبض على طائرين، وإن كان متوسطا، يقبض على طائر واحد، وإن كان جدبا، لم يقبض على شيء.

стр. 1404

(ومنها) مكان بالجبل الشرقيّ عن النيل، على القرب من أنصنا «١» به تلال رمل إذا صعد إلى أعلاها وكسح الرمل إلى أسافلها سمعت له أصوات كالرعد، يسمع من البر الغربيّ من النيل. وقد أخبرني بعض أهل تلك البلاد أنه إذا كان الذي صعد على ذلك المكان جنبا أو كانوا جماعة فيهم جنب، لم يسمع شيء من تلك الأصوات لو كسح الرمل. (ومنها) مكان بالجبل المذكور على القرب من إخميم به تلال رمل إذا كسحها الإنسان من أعلى إلى أسفل، عادت إلى ما كانت عليه وارتفع الرمل من أسفلها إلى أعلاها. قال في «الروض المعطار» : وعلى النيل جبل يراه أهل تلك الناحية من انتضى سيفه وأولجه فيه وقبض على مقبضه بيديه جميعا، اضطرب السيف في يديه وارتعد فلا يقدر على إمساكه ولو كان أشدّ الناس؛ وإذا حدّ بحجارة هذا الجبل سكّين أو سيف لا يؤثر فيه حديد أبدا، وجذب الإبر والمسالّ أشدّ جذبا من المغناطيس، ولا يبطل فعلها بالثوم كما يبطل المغناطيس، أما الحجر نفسه فإنه لا يجذب. قال القضاعيّ: وبجبل زماخير الساحرة «٢» يقال إن فيه خلقة من الجبل ظاهرة مشرفة على النيل لا يصل إليها أحد يلوح فيها خط مخلوق «باسمك اللهم» . وعلى القرب من الطّور عين ماء في أجمة رمل ينبع الماء من وسطها فوّارات لطيفة وينبسط ماؤها حولها نحو الذراع، ثم يغوص في الرمل فلا يظهر له

стр. 1405

أثر، ولا يعرف أحد إلى أين يذهب، وهي على ذلك مدى الدهور والأيام لا ينقطع نبعها، ولا يجتمع ماؤها في مكان يدركه البصر؛ وعجائبها أكثر من أن تذكر. المقصد الثالث في ذكر نيلها ومبدئه وانتهائه، وزيادته ونقصه وما تنتهي إليه زيادته، وما تصل إليه في النقص، وقاعدته أمّا ابتداؤه وانتهاؤه، فاعلم أن ابتداءه من أوّل الخراب الذي هو جنوبي خط الاستواء المقدّم ذكره، ولذلك عسر «١» الوقوف على حقيقة خبره. وقد ذكر الحكماء أنه ينحدر من جبل القمر، إما (بفتح القاف والميم كما هو المشهور، وإما بضم وسكون الميم) كما نقله في «تقويم البلدان» «٢» عن ضبط ياقوت «٣» في «المشترك» وابن سعيد في «معجمه» . قال في «رسم المعمور» «٤» : وطرفه الغربي عند طول [ست وأربعين] ونصف وعرض إحدى عشرة ونصف في الجنوب، وطرفه الشرقي حيث الطول إحدى وستون درجة ونصف والعرض بحاله. قال في الرسم: ولونه أحمر. وذكر الطوسيّ «٥» أنهم شاهدوه على بعد، ولونه أبيض لما غلب عليه من الثلج. واعترضه
следующие страницы →