← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

ثم يمتدّ حتى يجاوز مدينة (موسى الخرز) «١» الذي به مغاص المرجان شرقيّ قسنطينة «٢» : آخر مملكة بجاية من الشرق، ثم يتجاوز مملكة بجاية إلى أول حدود إفريقية، ويمرّ في سمت وسط المشرق حتّى يقابل مدينة (تونس) قاعدة إفريقية من شماليها، ويدخل منه خور «٣» إلى تونس المذكورة. ثم يمتدّ بعد أن يتجاوز تونس نحو تسعين ميلا شرقا نصّا، ثم يعطف جنوبا حتّى يصير له دخلة كبيرة في الجنوب، وفي فم هذه الدخلة حيث يعطف البحر عن الشرق إلى الجنوب جزيرة (قوصرة) «٤» مقابلة لجزيرة صقلية. ثم يمتدّ في الجنوب إلى قريب من مدينة (سوسة) «٥» ؛ ثم يشرق إلى سوسة المذكورة ثم يأخذ شرقا وجنوبا إلى مدينة (المهديّة) «٦» ؛ ثم يمر شرقا وجنوبا حتى يتجاوز مدينة (صفاقس) «٧» ، ويمتدّ حتى يجاوز جزيرة (جربة) «٨» ؛ ثم يعطف شمالا ويصير للبر الجنوبي دخلة في البحر، ويمتدّ شرقا وشمالا حتى يبلغ مدينة (طرابلس) وهي آخر مدن إفريقية؛ ثم يمتدّ شرقا حتّى يجاوز حدود إفريقية عند طول إحدى وأربعين درجة، ثم يمتدّ شمالا على سواحل

стр. 1332

(برقة) «١» الآتي ذكرها في جملة نواحي الديار المصرية إلى (طلميثا) «٢» ثم ينعطف إلى جهة الشمال، ويكون للبّر في البحر دخلة إلى (رأس أوثان) وهو جبل داخل في البحر، ثم يشرق من رأس أوثان (إلى رأس تنبي) وهو جبل في البحر قبالة رأس أوثان من جهة الشرق؛ ثم يعطف إلى الجنوب ويمتدّ جنوبا حتّى يسامت (عقبة برقة) وهي أول حدود الديار المصرية، على ما يأتي ذكره في تحديدها. ثم يمتدّ على سواحل مصر، ويمرّ شرقا وجنوبا إلى مدينة (الإسكندرية) من قواعد الديار المصرية. ثم يأخذ شرقا إلى عند مصبّ فرقة النيل الشرقية، ويأخذ مشرّقا إلى (رشيد) [عند مصب فرقة النيل الغربية، ويمتدّ كذلك إلى مدينة (دمياط) عند مصب فرقة النيل الشرقية، ويأخذ شرقا إلى الطينة «٣» ] ثم إلى (الفرما) «٤» ثم إلى (العريش) ثم إلى (رفح) وهي منزلة في طرف رمل الديار المصرية من جهة الشام على مرحلة من غزّة، حيث الطّول نحوستّ وخمسين درجة ونصف والعرض اثنتان وثلاثون درجة؛ ومن هنا ينقطع تشريقه.

стр. 1333

ثم ينعطف ويأخذ شمالا على (سواحل الشام) الآتي ذكرها في الكلام على المملكة الشامية فيمتدّ إلى مدينة (غزّة) ، ثم إلى (عسقلان) ، ثم إلى (يافا) ميناء الرملة من أعمال الصّفقة «١» الساحلية من دمشق؛ ثم إلى (قيساريّة) (بفتح القاف) وهي مدينة خراب تعدّ من جند فلسطين، كانت من أمّهات المدن، ثم إلى (عثليث) «٢» من أعمال صفد، ثم إلى (عكّا) من أعمالها، ثم إلى (صور) من أعمالها، ثم إلى (بيروت) من أعمال الصفقة الشمالية من دمشق، ثم إلى (جبيل) وهي مدينة قديمة خراب، ثم إلى (أنفة) من أعمال طرابلس، ثم إلى مدينة (طرابلس) «٣» ، ثم إلى (أنطرطوس) «٤» من أعمالها، ثم إلى (بلنياس) «٥» من أعمالها، ثم إلى (جبلة) من أعمالها، ثم إلى (اللّاذقيّة) من أعمالها، ثم إلى (السّويدية) ميناء أنطاكية من أعمال حلب، ثم يأخذ البحر غربا بشمال (إياس) ، مدينة الفتوحات الجاهانية «٦» ، ثم إلى (المصّيصة) ثم إلى (أذنة) ثم إلى (طرسوس) ثم يتمد شمالا بغرب حتى يجاوز حدود بلاد الأرمن، ويمتدّ على سواحل بلاد الروم التي هي الآن بيد التركمان الآتي ذكرها في مكاتبات ملوكهم إلى (الكرك) (بضم الكاف وسكون الراء المهملة) وهي بلدة بساحل بلاد المسلمين هي الآن بيد صاحب قبرس، ثم يمرّ شمالا إلى (العلايا) ، ويقابلها من البرّ الآخر (دمياط) من

стр. 1334

سواحل الديار المصرية تقريبا، ثم يمرّ إلى (أنطالية) «١» ثم إلى (بلاط) «٢» ، ثم إلى (طنفزلو) «٣» ، ثم إلى (إياس لوق) «٤» ، ثم إلى (مغنيسيا) «٥» ، ثم إلى مدينة (ابزو) وهي بلدة على فم الخليج القسطنطيني من الشرق، وبها يعرف الخليج فيقال فم ابزو، ويقابلها من البر الآخر غربيّ مدينة الإسكندرية، فيما بينها وبين برقة، ثم يجاوز الخليج المذكور، ويمتدّ مغرّبا بميلة إلى الجنوب على سواحل الروم والفرنجة، فيمرّ على بلاد المرا، وهي مملكة أولها فم الخليج القسطنطيني المتقدّم ذكره من جانبه الغربيّ. كانت في الأيام الناصرية (ابن قلاوون) مشتركة بين صاحب القسطنطينية وبين طائفة الكيتلان «٦» من الفرنج، وقد فتحها الآن ابن عثمان «٧» واستملكها من الروم.

стр. 1335

ثم يأخذ بين الغرب والجنوب حتى يجاوز بلاد (الملفجوط) «١» وهم جنس من الروم لهم لسان ينفردون به. ويقابلها من البر الآخر شرقيّ برقة، ثم يمتدّ في الغرب إلى بلاد إقليرنس، ثم إلى بلاد الباسليسة، وهي امرأة ملكت هذه البلاد بعد السبعمائة فعرفت بها. ويقابلها من البر الآخر أوساط برقة. وبآخر هذه المملكة من جهة الغرب (جون البنادقة) «٢» وهو خليج يخرج من بحر الروم هذا؛ ويمتدّ غربا بشمال حتّى يصير طرفه غربيّ رومية، وعلى طرفه مدينة (البندقية) ومن فمه إلى منتهاه نحو سبعمائة ميل، ثم يجاوز فم الخور المذكور إلى مملكة بولية «٣» ، وأولها فم خور البنادقة من الجانب الغربيّ. ويقابلها من البحر الآخر (طلميثا) فرضة برقة المتقدّمة الذكر، ثم يمتد في الغرب إلى بلاد (قلفرية) من جملة مملكة بولية المتقدّمة الذكر. ويقابلها من البر الآخر بلاد أطرابلس «٤» من بلاد إفريقية، ثم يمتد إلى ساحل (رومية) ، المدينة المعظمة المشهورة. ويقابلها من البر الآخر شرقيّ تونس من إفريقية. ثم ينقطع تغريبه ويأخذ جنوبا حتّى يجاوز سواحل بلاد رومية المذكورة إلى بلاد التّسقان «٥» ، وهم جنس من الفرنج وبلادهم معروفة بنبات الزّعفران. ويقابلها من البر الآخر مدينة تونس: قاعدة إفريقية المتقدّمة الذكر، ويمتدّ في الجنوب إلى بلاد (بيزة) وهي بلدة على الركن الشماليّ من جزيرة الأندلس إليها ينسب الفرنج البيازنة والحديد البيزانيّ.

стр. 1336

ويقابلها من البرّ الآخر (مرسى الخرز) آخر مملكة بجاية من الشرق على ما تقدّم ذكره. ثم يمتدّ إلى بلاد (جنوة) الآتي ذكرها في الكلام على البلاد الشمالية، ثم يأخذ غربا إلى جبل البرت، وهو الجبل الفاصل بين جزيرة الأندلس وبين الأرض الكبيرة ذات الأمم المختلفة، ثم ينقطع تغريبه ويعطف مشرّقا ويدخل الركن الشرقيّ من الأندلس فيه؛ ويمتدّ في الشرق، ويستدير على الركن المذكور، ثم يعطف غربا ويمتد على (سواحل الأندلس) إلى مدينة (برشلونة) إلى مدينة (طرطوشة) «١» . قال في «الروض المعطار» : ويقابلها من البر الآخر مدينة بجاية. قال في (تقويم البلدان) : وعرض البحر بينهما ثلاثة مجار، ثم يمتدّ كذلك بين الغرب والجنوب إلى مدينة بلنسية «٢» ، ثم يعطف غربا إلى دانية «٣» ؛ ثم يمتدّ غربا بجنوب إلى مدينة مالقة «٤» ثم يمرّ إلى الجزيرة، وهي مقابلة لساحل سبتة وطنجة حيث وقع الابتداء. وسيأتي الكلام على ضبط ما لم يضبط من البلاد على ساحل هذا البحر بالحروف مع ذكر صفاتها عند التعرّض لذكرها في الكتاب في مواضعها إن شاء الله تعالى. وطول هذا البحر من البحر المحيط إلى ساحل الشام فيما يذكر ألف فرسخ ومائة وسبعون فرسخا، وغاية عرضه في بعض الأماكن ستمائة ميل.

стр. 1337

وأما ما يتصل بالبحر الروميّ المتقدّم الذكر فبحر نيطش «١» (بنون مكسورة وياء مثناة تحت ساكنة وطاء مهملة مكسورة وشين معجمة في الآخر) وهو المعروف في زماننا ببحر القرم، لتركّب بلاد القرم على ساحله، ويعرف أيضا بالبحر الأرمنيّ، لتركّب بعض بلاد أرمينية على بعض سواحله، وربما قيل فيه البحر الأسود، وهو متصل ببحر الروم المذكور من شماليه ويتركب عليه من آخره (بحر ما نيطش) «٢» بزيادة لفظ «ما» في أوّله وباقي الضبط على ما تقدّم وهو المعروف في زماننا ببحر الأزق، لتركّب بلاد الأزق «٣» على ساحله الشرقيّ وليس وراءه بحر متصل به، ولذلك يعبر عنه بعضهم ببحيرة ما نيطش، وهو يصبّ في بحر نيطش، وبحر نيطش يصب في بحر الروم؛ ولذلك تسرع المراكب في سيرها من القرم إلى بحر الروم، وتبطىء في سيرها من بحر الروم إلى القرم لاستقبالها جريان الماء. وأوّل بحر نيطش المذكور مما يلي بحر الروم. (الخليج القسطنطيني) المتقدّم ذكره في تحديد بحر الروم، وهو خليج ضيق للغاية بحيث يرى الإنسان صاحبه من البر الآخر. قال ابن سعيد: وطول هذا الخليج نحو خمسين ميلا. وذكر في «تقويم البلدان» عن بعض المسافرين أن طوله سبعون ميلا واتصاله بالبحر الروميّ من جانبه الشمالي، ويمتدّ شمالا (على سواحل بلاد الروم) من البر الشرقيّ منه إلى (قلعة الجرون) ، وهي قلعة خراب على ساحل هذا الخليج مقابل القسطنطينية، ويمتدّ من الجرون شمالا بميلة يسيرة إلى الشرق إلى مدينة كربى على خليج القسطنطينية على القرب من الجرون المذكورة، ثم

стр. 1338

يمتدّ شرقا بشمال إلى مدينة (كترو) وهي آخر مدن القسطنطينية التي على هذا الساحل، ثم يمتدّ إلى مدينة (كينولي) وهي بلدة على الخليج القسطنطيني، ثم يأخذ بين الشّمال والغرب، ويكون للبرّ دخلة في البحر إلى جهة الغرب، وعلى طرف هذه الدّخلة فرضة (سنوب) من سواحل الروم الآتي ذكرها في مكاتبات ملوك الكفر؛ ثم يأخذ في الاتساع الى مدينة (سامسون) وهي بلدة من سواحل بلاد الروم، ثم يأخذ مشرّقا إلى مدينة (طرابزون) وهي فرضة للروم بهذا الساحل، ثم يمتدّ شمالا بميلة إلى مدينة (سخوم) وهي مدينة على ثلاثة أيام عن طرابزون شرقا بشمال وبينها وبين بلاد الكرج «١» يوم واحد، ويقال إنها من بلاد الكرج، ثم يمتدّ شرقا بشمال إلى مدينة (أبخاس) وهي مدينة في جبل على ساحل البحر على القرب من سخوم، ثم يتضايق البحر مغرّبا ويضيق من البر الآخر حتى يتقارب البرّان ويصير الماء بينهما مثل الخليج، وهو مصب بحر مانيطش في بحر نيطش وعلى جانب هذا الخليج مدينة (الطامان) من سواحل الروم، وهي حدّ بلاد الروم، من مملكة بركة المشتملة على القرم، ودشت «٢» القبجاق، والسراي، وخوارزم على ما سيأتي بيانه في مكاتبات القانات، ثم يأخذ في الاتساع شرقا وشمالا وغربا ويصير كالبركة، ويمتدّ على سواحل الأزق الآتي ذكرها في مكاتبات حاكمها إلى مدينة (الشقراق) وهي أوّل بلاد الأزق، ومنها ينتهي تشريقه؛ ثم يعطف إلى الشّمال ويأخذ إلى مدينة (الأزق) ثم يستدير من الأزق حتّى يصير إلى الغرب، وينتهي إلى الخليج الذي بين بحر نيطش وبحر ما نيطش المتقدّم ذكره. وهناك مدينة الكرش من بلاد الأزق، مقابل مدينة الطّامان المتقدّمة الذكر

стр. 1339

من البر الآخر، ثم يمرّ جنوبا ويمتدّ على سواحل القرم الآتية الذكر في مكاتبة حاكمها، فيمرّ إلى مدينة (الكفا) فرضة القرم. ويقابلها من البر الآخر مدينة (طرابزون) «١» المتقدّمة الذكر؛ ثم يمتدّ كذلك إلى مدينة صوداق، وهي فرضة ببلاد القرم أيضا. ويقابلها من البرّ الآخر مدينة (سامسون) المتقدّمة الذكر، ثم يأخذ في الانضمام جنوبا ويعطف مشرّقا بحيث يكون للبر دخلة في البحر، ويمتدّ على سواحل بلاد البلغار إلى مدينة (صاري كرمان) من بلاد البلغار، وبينها وبين صلغات مدينة (القرم) خمسة أيام. ويقابلها من البر الآخر مدينة (سنوب) المتقدّمة الذكر، ثم يأخذ في الاتساع غربا بميلة إلى الجنوب ويمتدّ كذلك إلى مدينة (أقجا كرمان) من بلاد البلغار، ثم يأخذ جنوبا ويمتدّ على (سواحل بلاد القسطنطينيّة) إلى بلدة صقجى، وعندها يصب نهر طنا (بطاء مهملة مضمومة بعدها نون وألف) وهو نهر عظيم بقدر مجموع دجلة والفرات، ثم يتضايق ويأخذ شرقا حتّى ينتهي إلى أوّل الخليج القسطنطينيّ المتقدّم ذكره؛ ثم يأخذ جنوبا ويتقارب البرّان ويمتدّ كذلك إلى مقابل مدينة كربى المتقدّمة الذكر، ثم يمتدّ كذلك إلى مدينة (القسطنطينيّة) قاعدة ملك الروم الآتي ذكرها في مكاتبة ملكها. ويقابلها من البر الآخر قلعة الجرون المتقدّمة الذكر، ثم يمتدّ حتّى يصبّ في بحر الروم حيث وقع الابتداء. وسيأتي الكلام على ضبط ما لم يضبط من البلاد التي على ساحل هذا البحر المتقدّمة الذكر مع ذكر صفاتها عند الكلام على مكاتبات ملوكها وحكّامها إن شاء الله تعالى.

стр. 1340

وببحر نيطش المتقدّم ذكره على القرب من الخليج القسطنطينيّ جزيرة (مرمرا) الآتي ذكرها عند الكلام على مكاتبة ملكها في جملة ملوك الكفر إن شاء الله. البحر الثاني الخارج من المحيط الشرقيّ إلى جهة الغرب وهو بحر يخرج عند أقصى بلاد الصّين الشرقية الجنوبية مما يلي خط الاستواء حيث لا عرض، وقيل: على عرض ثلاث عشرة درجة في الجنوب، ويمتدّ غربا بشمال على (سواحل بلاد الصّين) الجنوبية، ثم على المفاوز التي بين الصّين والهند حتّى ينتهي إلى (جبال قامرون) الفاصلة بين الصّين والهند «١» . قال ابن سعيد: ومدينة الملك بها في شرقيها، ثم يجاوز (جبال قامرون) المذكورة ويمتدّ على سواحل بلاد (الهند) من الجنوب، ويمرّ على (سفالة الهند) وهي سوفارة، ويمتدّ حتّى ينتهي إلى آخر الهند، ثم يمتدّ على مفازة السّند الفاصلة بينه وبين البحر، ويمرّ حتّى ينتهي إلى فم بحر فارس الخارج من هذا البحر إلى جهة الشّمال «٢» على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ويجاوزه إلى بلاد اليمن فيمرّ على (ساحل مهرة) : أوّل بلاد اليمن؛ ويمتدّ من شماليها على سواحل اليمن من جنوبيه حتّى ينتهي إلى مدينة (عدن) فرضة اليمن، ثم يمرّ من عدن إلى الشّمال بميلة إلى الغرب نحو مجرا حتّى ينتهي إلى (باب المندب) وهو فرضة بين جبلين، ويخرج منه ويمدّ غربا «٣» بميلة إلى

стр. 1341

الشّمال اثنى عشر ميلا، ثم يعطف شمالا ويمتدّ على سواحل اليمن الغربية إلى (علافقة) فرضة مدينة (زبيد) ؛ ثم يمتدّ شمالا أيضا إلى مدينة (حلي) من أطراف اليمن من جهة الحجاز، وهي المعروفة بحلي ابن يعقوب، ثم يمتد شمالا على (ساحل الحجاز) إلى (جدّة) فرضة على بحر القلزم، ثم يمتد شمالا إلى (الجحفة) ميقات الإحرام لأهل مصر «١» ؛ ثم يمتدّ شمالا بميلة إلى الغرب حتّى يتصل بساحل (ينبع) ثم يأخذ بين الغرب والشّمال حتّى يجاوز (مدين) الآتي ذكرها في كور مصر القديمة؛ ويمتد شمالا بجنوب حتّى يقارب (أيلة) «٢» الآتي ذكرها في كور مصر القديمة أيضا؛ ثم يعطف إلى الجنوب حتّى يجاوز أيلة المذكورة الى مكان يعرف (برأس أبي محمد) ويكون للبرّ دخلة في البحر في جهة الجنوب، ثم يعطف شمالا حتّى ينتهي إلى فرضة (الطّور) وهي مكان حطّ وإقلاع لمراكب الديار المصرية، وما يصل إليها من اليمن وغيرها؛ ويمرّ في الشّمال حتى يصل الى فرضة (السّويس) وهي مكان حطّ وإقلاع للديار المصرية أيضا، وعنده ينتهي بر العرب ببحر القلزم ويبتديء بر العجم. وهناك يقرب هذا البحر من بحر الروم على ما تقدّم ذكره في الكلام على أصل هذا البحر. ثم من السّويس يعطف إلى الجنوب على ساحل مصر، ويمتدّ موازيا لبلاد الصعيد حتّى ينتهي إلى مدينة (القلزم) التي ينسب إليها هذا البحر الآتي ذكرها في الكلام على كور مصر القديمة، ويقابلها من بر الحجاز أيلة ثم يأخذ عن القلزم جنوبا بميلة إلى الشرق حتّى يسامت فرضة الطّور المتقدّم ذكرها، وتصير فرضة

стр. 1342

الطّور بين أيلة والقلزم غربيّ الدخلة المتقدّم ذكرها؛ ثم يمتدّ كذلك حتّى ينتهي إلى (القصير) ، فرضة قوص؛ ثم يتسع في جهتي الجنوب والشرق حتّى يكون اتساعه تسعين ميلا، وتسمّى تلك القطعة المتسعة بركة الغرندل، وهي التي أغرق الله تعالى فيها فرعون؛ ثم يأخذ جنوبا بميلة يسيرة إلى الغرب إلى (عيذاب) فرضة قوص أيضا. ويقابلها من برّ الحجاز جدّة، فرضة مكة المشرّفة، ثم يمتدّ في سمت الجنوب على (سواحل بلاد السودان) حتّى يصير عند (سواكن) من بلاد البجاة «١» ؛ ثم يمتدّ كذلك حتّى يحيط (بجزيرة دهلك) وهي جزيرة قريبة من ساحل هذا البحر الغربيّ، وأهلها من الحبشة المسلمين. ويقابلها من البرّ الآخر جنوبيّ حلي ابن يعقوب من بلاد اليمن، ويمتدّ حتى يصل إلى رأس (جبل المندب) المتقدّم ذكره. وهناك يضيق البحر حتّى يرى الرجل صاحبه من البرّ الآخر. ويقال: إنه بقدر رميتي سهم، وترى جبال عدن من جبال المندب في وقت الصحو، ثم يتجاوز باب المندب ويأخذ شرقا وجنوبا، ويتسع قليلا قليلا ويمرّ على بقية سواحل الحبشة حتّى يمرّ بمدينة (زيلع) من بلاد الحبشة المسلمين. ويقابلها عدن من برّ اليمن، وهي عن عدن في الغرب بميلة إلى الجنوب ثم يمرّ إلى مدينة مقدشو «٢» ؛ ثم يمتدّ كذلك حتّى ينتهي إلى (خليج بربرا) الخارج من بحر الهند في جانبه الجنوبيّ على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. ويتجاوز فم هذا الخليج ويمتدّ على (سواحل بلاد الزّنج) حتّى ينتهي إلى آخرها، ثم يمتدّ على (سواحل بلاد الواق واق) «٣» على أماكن مجهولة حتّى ينتهي

стр. 1343

إلى مبدئه من البحر المحيط الشرقيّ. على أنه في تقويم البلدان لم يتعرّض لساحل هذا البحر الجنوبيّ فيما هو شرقيّ باب المندب لعدم تحققه. واعلم أن هذا البحر يسمّى في كل مكان باسم ما يسامته من البلدان، أو باسم بعض البلدان التي عليه، فيسمّى فيما يقابل بلاد الصّين: بحر الصّين، وفيما يقابل بلاد الهند إلى ما جاورها إلى بلاد اليمن شرقيّ باب المندب: بحر الهند، وفيما دون باب المندب إلى غايته في الشمال والغرب: بحر القلزم نسبة إلى مدينة القلزم المتقدّمة الذكر في ساحل الديار المصرية. قال في «تقويم البلدان» : وطول هذا البحر من طرف بلاد الصّين الشرقيّ إلى القلزم ألفان وسبعمائة وثمانية وأربعون فرسخا بالتقريب، ومقتضى كلام ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» أن طوله أربعة آلاف وتسعمائة وستة وستون فرسخا وثلثان، فإنه قد ذكر أن طول بحر الصين والهند إلى باب المندب أربعة آلاف وخمسمائة فرسخ، ثم ذكر أن طول بحر القلزم ألف وأربع مائة ميل، وهي أربعمائة وستة وستون فرسخا وثلثان وبين الكلامين بون. وكلام صاحب تقويم البلدان أقرب إلى الصواب، فإنه استخرجه من تضريب الدّرج واستخراج أميالها وفراسخها. وبآخر بحر القلزم من الذراع الآخذ إلى جهة السّويس على ميل من مدينة القلزم موضع يعرف (بذنب التّمساح) يتقارب بحر القلزم وبحر الروم فيما بينه وبين الفرما حتى يكون بينهما نحو سبعين ميلا فيما ذكره ابن سعيد. قال في «الروض المعطار» : وكان بعض الملوك قد حفره «١» ليوصل ما بين

стр. 1344

القلزم وبحر الروم فلم يتأت له ذلك لارتفاع القلزم وانخفاض بحر الروم، والله تعالى قد جعل بينهما حاجزا كما ذكر تعالى في كتابه. قال: ولما لم يتأت له ذلك احتفر خليجا آخر مما يلي بلاد تنّيس ودمياط وجرى الماء فيه من بحر الروم إلى موضع يعرف بقيعان (؟) . فكانت المراكب تدخل من بحر الروم إلى هذه القرية وتدخل من بحر القلزم إلى ذنب التمساح فيقرب ما في كل بحر إلى الآخر، ثم ارتدم ذلك على طول الدهر. وقد ذكر ابن سعيد أن عمرو بن العاص كان قد أراد أن يخرق بينهما من عند ذنب التمساح المتقدّم ذكره فنهاه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقال: إذن يتخطّف الروم الحجّاج. وذكر صاحب «الروض المعطار» أن الرشيد همّ أن يوصل ما بين هذين البحرين من أصل مصبّ النيل من بحر بلاد الحبشة وأقاصي صعيد مصر فلم يتأت له قسمة ماء النيل، فرام ذلك مما يلي بلاد الفرما فقال له يحيى بن خالد: إن تمّ هذا تتخطّف الناس من المسجد الحرام ومكة، واحتجّ عليه بمنع عمر بن الخطاب عمرو بن العاص من ذلك، فأمسك عنه. ويتفرّع من البحر الهنديّ بحران عظيمان مشهوران، وهما (بحر فارس «١» ، والخليج البربريّ «٢» ) . فأما بحر فارس، فهو بحر ينبعث من بحر الهند المتقدّم ذكره من شماليّه، ويمتدّ شمالا بميلة إلى الغرب غربيّ (مفازة السّند) الفاصلة بينه وبين بحر الهند،

стр. 1345

ثم على غربيّ بلاد السند، ثم على أرض (مكران) من نواحي الهند، ويخرج منه من آخر مكران خور «١» يمتدّ شرقا وجنوبا على ساحل مكران والسّند حتّى يصير السند غربيّه، ثم ينعطف آخره على (ساحل بلاد كرمان) من شماليها حتّى يعود إلى أصل بحر فارس، فيمتدّ شمالا حتّى ينتهي إلى مدينة (هرموز) وينتهي إلى آخر كرمان فيخرج منه خور يمتدّ على ساحل كرمان من شماليها، ثم يرجع من آخره على ساحل بلاد فارس من جنوبيها حتى يتصل بأصل بحر فارس، ويمتدّ شمالا ثم يعطف ويمتدّ مغرّبا الى (حصن ابن عمارة) من بلاد فارس وقيل من بلاد كرمان، وهو اليوم خراب؛ ثم يمتدّ مغرّبا في جبال منقطعة ومفاوز إلى مدينة (سيراف) ثم يمتدّ كذلك إلى (سيف البحر) بكسر السين، وهو ساحل من سواحل فارس، فيه مزارع وقرى مجتمعة، ثم يمتدّ إلى (جنّابة) من بلاد فارس، ثم يمتدّ إلى (سينيز) من بلاد فارس، وقيل من الأهواز، ثم يمتدّ إلى مدينة (مهروبان) من سواحل خوزستان، وقيل من سواحل فارس، وهي فرضة (أرّجان) وما والاها، ثم يمتدّ مغرّبا بميلة يسيرة نحو الشّمال إلى مدينة (عبّادان) من أواخر بلاد العراق من الشرق على القرب من البصرة عند مصبّ دجلة في هذا البحر ثم ينعطف ويمتدّ جنوبا إلى (كاظمة) وهي جون على ساحل البحرين مما يلي البصرة على مسيرة يومين منها؛ ثم يمتد إلى (القطيف) من بلاد البحرين ثم يمتدّ كذلك إلى مدينة (عمان) فرضة بلاد البحرين، وإليها تنتهي مراكب السند والهند والزّنج ويخرج على القرب منها عن يمين المقلع من ساحلها في جهة الغرب بحر ببلاد (الشّحر) من اليمن أيضا، وإليها ينسب العنبر الشّحريّ الطّيّب كما تقدّم ذكره في النوع الخامس فيما يحتاج إليه من نفيس الطيب؛ ثم يمرّ على سواحل (مهرة) من شرقيّ بلاد اليمن حتّى ينتهي إلى مبدئه من بحر الهند.

стр. 1346

قال في «تقويم البلدان» : وبفم هذا البحر ثلاثة أجبل يخشاها المسافرون يقال لأحدها كسير، والثاني عوير، والثالث ليس فيه خير «١» . قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» : وطول هذا البحر أربعمائة فرسخ وأربعون فرسخا، وعمقه ثمانون باعا. وأما الخليج البربري، فهو ينبعث من بحر الهند المتقدّم ذكره في جنوبي جبل المندب المتقدّم الذكر، ويمتد في جنوبي بلاد الحبشة، ويأخذ غربا حتّى ينتهي إلى مدينة بربرا (بباءين موحدتين مفتوحتين وراءين مهملتين الأولى منهما ساكنة) وهي قاعدة الزّغاوة من السّودان، حيث الطول ثمان وستون درجة، والعرض ست درج ونصف. قال في «تقويم البلدان» : وطوله من المشرق الى المغرب نحو خمسمائة ميل. قال الشريف الإدريسيّ: وموجه كالجبال الشواهق ولكنه لا ينكسر، قال: يركب فيه الى جزيرة قنبلو، ويقال قنبلة، وهي جزيرة للزّنج في هذا البحر. قال في «القانون» «٢» : وطولها اثنتان وخمسون درجة، وعرضها في الجنوب ثلاث درج. قال الإدريسيّ: وأهلها مسلمون. البحر الثالث الخارج من المحيط الشمالي، المعروف ببحر برديل (بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الدال المهملة وسكون

стр. 1347

الياء المثناة تحت ولام في الآخر) . قال ابن سعيد: ويقال له بحر برطانية «١» أيضا، وهو بحر يخرج من شماليّ الأندلس ويأخذ شرقا إلى خلف جبل الأبواب الفاصل بين الأندلس والأرض الكبيرة «٢» ، ويقرب طرفه الشرقي «٣» حتّى يبقي بينه وبين بحر الروم المتقدّم ذكره أربعون ميلا، وهناك مدينة (برديل) «٤» التي يضاف البحر إليها. الضرب الثاني من البحار المنبثّة في أقطار الأرض ما ليس له اتصال بالبحر المحيط وهو بحر الخزر «٥» (بفتح الخاء والزاي المعجمتين، وراء مهملة في الآخر) . ويسمّى بحر جرجان لوقوع مدينة جرجان على ساحله، وبحر طبرستان لوقوع ناحية طبرستان على ساحله أيضا، وهذا البحر بحر ملح منفرد عن البحار لا اتصال له بغيره البتة. قال ابن حوقل: وهو مظلم القعر، ويقال: إنه متصل ببحر نيطش من تحت الأرض.

стр. 1348

قال المسعوديّ: وهو غلط لا أصل له، ولم أدر من أين أخذه قائله، أمن طريق الحسّ، أم من طريق الاستدلال والقياس. قال الشريف الإدريسيّ: وهو مدوّر الشكل إلى الطّول، وقيل مثلث الشكل كالقلع، وعلى ساحله الجنوبيّ بلاد الجيل والدّيلم، وعلى جانبه الشرقيّ بلاد جرجان والمفازة التي بين جرجان وخوارزم، وعلى جانبه الشّمالي بلاد التّرك والخزر وجبال سياه كوه، وعلى جانبه الغربيّ بلاد إيلاق «١» وجبال الفتيق، وابتداؤه من جهة الغرب عند مدينة (باب الحديد) المعروف بباب الأبواب من بلاد أرّان «٢» ، حيث الطول ست وستون درجة والعرض نحو إحدى وأربعين درجة على القرب من دربند شروان «٣» ، ثم يمتدّ جنوبا من باب الحديد أحدا وخمسين فرسخا، وهناك مصب نهر الكرّفيه، ثم يمتدّ مشرقا بانحراف إلى الجنوب ستة عشر فرسخا، فيمرّ على أراضي موقان من عمل أردبيل من أذربيجان، ثم يمتدّ جنوبا وشرقا حتّى تبلغ غايته في الجنوب حيث العرض سبع وثلاثون درجة قبالة مدينة (آمل) قصبة طبرستان؛ ثم ينعطف ويمتدّ شرقا حتّى يجاوز بلاد الجيل إلى مدينة آبسكون، وهي فرضة جرجان، ثم يمتدّ إلى نهايته في الشرق حيث الطول ثمانون درجة والعرض نحو أربعين عند مدينة جرجان؛ وهي في الشرق منه قريبة من ساحله؛ ثم ينعطف ويمتدّ شمالا وغربا حتّى يبلغ نهايته في الشمال حيث العرض نحو خمسين درجة، والطول تسع وسبعون درجة؛ وفي شماليّه وغربيّه يصبّ نهر إتل «٤» الذي عليه مدينة السراي قاعدة مملكة أزبك الآتي ذكرها في مكاتبة قانهم إن شاء الله تعالى. قال في «تقويم البلدان» : وليس في هذا البحر جزيرة مسكونة.

стр. 1349

الفصل الثالث من الباب الأول من المقالة الثانية في كيفية استخراج جهات البلدان والأبعاد الواقعة بينها، وفيه طرفان الطرف الأوّل في كيفية استخراج جهات البلدان إذا كنت في بلد وأردت أن تعرف جهة بلد آخر عن البلد الذي أنت فيه، فالذي أطلقه كثير من المصنّفين أنك تعرف طول «١» البلد الذي أنت فيه وعرضه «٢» ، وطول البلد الآخر وعرضه، وتقابل بين الطولين وبين العرضين، فإن كان ذلك البلد أعرض من بلدك مع مساواته له في الطول، فهو عنك في جهة الجنوب، وإن كان أطول من بلدك مع مساواته له في العرض، فهو عنك في جهة الشرق. وإن كان أقلّ طولا مع مساواته في العرض، فهو عنك في جهة الغرب. وإن كان أطول وأعرض من بلدك، فهو عنك بين الشرق والشّمال. وإن كان أقلّ طولا وعرضا، فهو عنك بين المغرب والجنوب. وإن كان أقلّ طولا وأكثر عرضا، فهو عنك بين الجنوب والشّمال. وإن كان أكثر طولا وأقل عرضا، فهو عنك بين الشرق والجنوب. والذي ذكره المحققون من علماء الهيئة أن البلد إذا كان أطول من بلدك مع مساواته له في العرض، يكون عنك في جهة الشرق بميلة إلى الشّمال. وإذا كان

стр. 1350

أقلّ طولا مع مساواته له في العرض، يكون في جهة الغرب بميلة إلى الشّمال أيضا. وإذا كان أقلّ طولا وعرضا، يكون بين المغرب والجنوب على ما تقدّم، إلا أن يقلّ الفصل بينهما بأن يكون أقل من درجة، فإنه يحتمل أن يكون كذلك وأن يكون على وسط المغرب، وإذا كان أقلّ طولا وأكثر عرضا، فإنه يكون بين المشرق والمغرب على ما تقدّم، إلا أن يقلّ الفصل بينهما فيحتمل أن يكون كذلك وأن يكون على وسط المشرق. الطرف الثاني في معرفة الأبعاد الواقعة بين البلدان قد تقدّم أن الأطوال والعروض في الأمكنة والبلدان تعتبر بالدّرج والدقائق وأن الدّرجة مقسومة بستين دقيقة، ثم الذي حققه القدماء كبطليموس «١» صاحب المجسطي وغيره تقدير الدرجة بستة وستين ميلا وثلثي ميل، وبه أخذ أكثر المتأخرين وعليه العمل. وما وقع لأصحاب الرّصد المأمونيّ مما يخالف ذلك بنقص عشر درج مما لا تعويل عليه. وقد نقل علاء الدين بن الشاطر من المتأخرين في «زيجه» «٢» عن القدماء أنهم قدروا الدرجة بالتقريب بعشرين فرسخا، وبستين ميلا «٣» ، وبمائتي ألف وأربعين ألف ذراع، وبخمسة برد، وبمسير يومين. وقدّر الشافعيّ ﵁ ذلك بسير يومين بالأيام المعتدلة دون لياليهما، وقدّر السير بالسير المعتدل؛ وتقدير الدرجة كما بين الفسطاط ودمياط، فإنّ عرض

стр. 1351

دمياط يزيد على عرض الفسطاط بدرجة وكسر يسير على ما سيأتي ذكره. فإذا أردت أن تعرف كم بين البلد الذي أنت فيه وبين بلد آخر الخط المستقيم، فلك حالتان: الحالة الأولى- أن يكون ذلك البلد على سمت بلدك الذي أنت فيه في الطول أو العرض ، فانظر كم درجة بينهما بالزيادة والنقص فاضربه في ست وستين، وهو ما لكل درجة من الأميال، فما خرج من الضرب فهو بعد ما بينهما من الأميال على الخط المستقيم، فاعتبره بما شئت من المراحل والفراسخ والبرد على ما تقدّم بيانه. الحالة الثانية- ألّا يكون ذلك البلد على سمت بلدك الذي أنت فيه ، فطريقك أن تقابل بين عرض بلدك وطوله، وبين عرض البلد الآخر وطوله، وتنظر كم فضل ما بين الطولين وبين العرضين، وهو ما يزيده أحد الطولين أو أحد العرضين على الآخر فتضرب كلّا من فضل الطولين وفضل العرضين في مثله، وتجمع الحاصل من الضربين فما كان خذ جذره، وهو القدر الذي إذا ضربته في مثله حصل عنه ذلك العدد، فما بلغ مقدار ما بين بلدك والبلد الآخر من الدرج، فاضربه في ست وستين وثلثين على ما تقدّم، فما بلغ فهو أميال، فاعتبره بما شئت من المراحل والفراسخ والبرد على ما تقدّم. مثال ذلك- أن الفسطاط طوله خمس وخمسون درجة، وعرضه ثلاثون درجة ودمشق طولها ستون درجة، وعرضها ثلاث وثلاثون درجة ونصف درجة، ففضل ما بين طوليهما خمس درج، وفضل ما بين عرضيهما ثلاث درج ونصف درجة، فتضرب فضل ما بين الطولين، وهو خمس درج في مثله يبلغ خمسا وعشرين، وتضرب فضل ما بين العرضين، وهو ثلاث ونصف فى مثله يبلغ اثني عشر وربعا، فتجمع ما حصل من الضّربين، وهو خمس وعشرون واثنا عشر وربع ويكون سبعا وثلاثين وربعا فخذ جذرها يكن ستاّ ونصف سدس تقريبا، وهو ما بين الفسطاط ودمشق من الدّرج، فاضربه في ست وستين وثلثين، وهي ما

стр. 1352

للدرجة الواحدة من الأميال يكن أربعمائة وخمسة أميال وثلث سدس ميل، فإذا اعتبرت كل أربعة وعشرين ميلا بمرحلة على ما تقدّم، كانت سبع عشرة مرحلة تقريبا، وهو القدر الذي بين الفسطاط ودمشق على الخط المستقيم. أما الطرق المسلوكة إلى البلدان على التعاريج بسبب البحار والجبال والأودية وغيرها، فإنها تقتضي الزيادة على ذلك. وقد ذكر أبو الرّيحان البيرونيّ في كتابه «القانون» : أن زيادة التعاريج على الاستواء يكون بقدر الخمس تقريبا. فإذا كان بين البلدين أربعون ميلا على الخط المستقيم، كانت بحسب سير السائر خمسين ميلا. قلت: وفيه نظر لطول بعض التعاريج على بعض في الزيادة بالبحار والجبال عن الخط المستقيم على ما هو مشاهد في الأسفار، اللهم إلا أن يريد الغالب كما تقدّم بين الفسطاط ودمشق، فقد مرّ أن بينهما على الخط المستقيم سبع عشرة مرحلة بالتقريب، فإذا أضيف إليها مثل خمسها، وهو ثلاثة وخمسان، كانت عشرين مرحلة، وهو القدر المعتاد في سيرها بالسير المعتدل. واعلم أن طول البلدان وعروضها قد وقع في الكتب المصنفة فيها ككتاب «الأطوال» المنسوب للفرس، و «رسم المعمور» «١» ، المترجم للمأمون من اللغة اليونانية، «والزيجات» وغير ذلك اختلاف كثير وتباين فاحش. وممن صرح بذكر ذلك أبو الريحان البيروني في كتابه «القانون» فقال عند ذكرها: ولم يتهيأ لي تصحيح جميعها، وقد صححت ما أمكن منها. قال في «تقويم البلدان» : إلا أن معرفة ذلك بالتقريب خير من الجهل بالكلية.

стр. 1353

الباب الثاني من المقالة الثانية في ذكر الخلافة «١» ومن وليها من الخلفاء، ومقرّاتهم في القديم والحديث، وما انطوت عليه الخلافة من الممالك في القديم، وما كانت عليه من الترتيب، وما هي عليه الآن، وفيه فصلان الفصل الأوّل في ذكر الخلافة ومن وليها من الخلفاء : من خلفاء بني أميّة بالشام، وخلفاء بنى العبّاس بالعراق، وخلفاء الفاطميّين بمصر، وخلفاء بني أميّة بالأندلس أما الخلافة، فسيأتي في المقالة الخامسة في الكلام على الولايات أن المراد بها خلافة النبيّ ﷺ بعده في أمته، ولذلك كان يقال لأبي بكر الصّدّيق ﵁: خليفة رسول الله ﷺ ، وأن الراجح أنه لا يجوز أن يقال في الخليفة خليفة الله إلى تمام القول فيما سيأتي ذكره هناك، إن شاء الله تعالى. وأما من وليها من الخلفاء، فعلى أربع طبقات:

стр. 1354

الطبقة الأولى الخلفاء من الصحابة رضوان الله عليهم وأوّلهم: «أبو بكر الصدّيق ﵁» بويع بالخلافة في اليوم الذي مات فيه النبي ﷺ ، على ما سيأتي ذكره في الكلام على البيعات من المقالة الخامسة إن شاء الله تعالى. وبقي حتّى توفّي لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة ودفن مع النبي ﷺ ، في حجرة عائشة ﵂. وبويع بعده «عمر بن الخطاب ﵁» في اليوم الذي مات فيه أبو بكر ﵁ بعد أن عهد له بالخلافة، وتوفّي يوم السبت سلخ «١» ذي الحجة الحرام سنة ثلاث وعشرين بطعنة أبي لؤلؤة: غلام المغيرة بن شعبة «٢» ، ودفن مع النبيّ ﷺ وأبي بكر ﵁. وفي أيامه فتحت الأمصار: ففتحت دمشق على يد خالد بن الوليد وأبي عبيدة ابن الجرّاح، وتبعها في الفتح سائر بلاد الشام ففتحت بيسان وطبريّة، وقيساريّة، وفلسطين، وعسقلان، وبعلبكّ، وحمص، وحلب، وقنّسرين، وانطاكيّة؛ وسار إلى بيت المقدس في خلال ذلك، ففتحه صلحا «٣» .

стр. 1355

وفتح من بلاد الجزيرة الفراتية: الرّقّة، وحرّان، والموصل، ونصيبين، وآمد، والرّها. وفتح من العراق: القادسيّة، والمدائن، على يد سعد بن أبي وقّاص، وزال ملك الفرس، وانهزم ملكهم يزدجرد إلى فرغانة من بلاد التّرك «١» . وفتحت أيضا كور دجلة، والأبلّة «٢» ، على يد عتبة بن غزوان «٣» . وفتحت كور الأهواز على يد أبي موسى الأشعري «٤» . وفتحت نهاوند، وإصطخر، وأصبهان، وتستر، والسّوس، وأذربيجان، وبعض أعمال خراسان. وفتحت مصر، والإسكندريّة، وأنطابلس «٥» ، وهي برقة، وطرابلس الغرب، على يد عمرو بن العاص. وبويع بالخلافة بعده «عثمان بن عفّان ﵁» لثلاث بقين من المحرّم سنة أربع وعشرين؛ وقتل بالمدينة لثمان عشرة ليلة خلت من ذي الحجة

стр. 1356

سنة خمس وثلاثين، وقيل يوم الأضحى، وقيل غير ذلك. وبويع بالخلافة بعده «عليّ كرّم الله وجهه» يوم قتل عثمان، وقتل لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة أربعين من الهجرة بالعراق، ودفن بالنّجف على الصحيح المشهور. وبويع بالخلافة لابنه «الحسن» بالكوفة من العراق يوم قتل أبيه، وسلم الأمر لمعاوية لخمس بقين من ربيع الأوّل سنة إحدى وأربعين، وقيل في ربيع الآخر، وقيل في جمادى الأولى، ولحق بالمدينة فأقام بها إلى توفي بها في ربيع الأوّل سنة تسع وأربعين، وقيل ست وخمسين. الطبقة الثانية خلفاء بني أمية أوّلهم: «معاوية بن أبي سفيان» كان أميرا على الشام في خلافة عمر بن الخطّاب ﵁، واستمر بها إلى أن سلّم الحسن إليه الأمر، فاستقلّ بالخلافة وبقي حتّى توفّي بدمشق مستهلّ رجب الفرد سنة ستين من الهجرة، وقيل في النصف من رجب، وهو أوّل من رتب أمور الملك في الإسلام «١» . وقام بالأمر بعده ابنه «يزيد» بالعهد من أبيه، وبويع له بعد وفاته في رجب سنة ستين، وتوفي لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين. وقام بالأمر بعده ابنه «معاوية» وبويع له بالخلافة في النصف من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين، فأقام بالخلافة أربعين يوما، وقيل ثلاثة أشهر، وقيل عشرين يوما «٢» .

стр. 1357

وقام بالأمر بعده «مروان بن الحكم» وبويع له بالخلافة بالجابية «١» في رجب سنة أربع وستين، ثم جدّدت له البيعة في ذي القعدة من السنة المذكورة وتوفّي بالطاعون بدمشق في شهر رمضان سنة خمس وستين. وقام بالأمر بعده ابنه «عبد الملك» بالعهد من أبيه، وبويع له بالخلافة في الثالث من شهر رمضان المذكور، وتوفي بدمشق منتصف شوّال سنة ست وثمانين. وقام بالأمر بعده ابنه «الوليد» بالعهد من أبيه، وبويع له بالخلافة يوم موت أبيه، وتوفي بدمشق في منتصف جمادى الآخرة سنة ست وتسعين. وقام بالأمر بعده أخوه «سليمان بن عبد الملك» وبويع له يوم موت أخيه الوليد، وكان أبوه قد عهد أن يكون هو الخليفة بعد أخيه الوليد، وتوفي بدابق «٢» لعشر خلون من صفر سنة تسع وتسعين. وقام بالأمر بعده ابن عمه «عمر بن عبد العزيز» بعهده له؛ وبويع له بالخلافة يوم موته؛ وتوفيّ بخناصرة «٣» لخمس وقيل لستّ بقين من رجب سنة إحدى ومائة. وقام بالأمر بعده «يزيد بن عبد الملك بن مروان» بعهد من أخيه سليمان أن يكون له الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز، وقيل: بعهد من أبيه أن يكون له الأمر بعد أخيه سليمان، ولكنه سلم لابن عمه عمر؛ وبويع له يوم موت عمر، وتوفي بجولان «٤» لخمس بقين من شعبان سنة خمس ومائة.

стр. 1358

وقام بالأمر بعده أخوه «هشام بن عبد الملك» بعهد من أخيه يزيد، بويع له بالخلافة في يوم موته، وتوفي بالرّصافة «١» لستّ خلون من ربيع الأوّل سنة خمس وعشرين ومائة. وقام بالأمر بعده «الوليد بن يزيد بن عبد الملك» بويع له بالخلافة لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وقيل لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين «٢» . وقام بالأمر بعده ابنه «يزيد» المعروف بالناقص؛ سمي بذلك لنقصه الجند ما كان زادهم يزيد؛ بويع له بالخلافة يوم قتل الوليد، وتوفي بدمشق لعشر بقين من ذي الحجة من السنة المذكورة. وقام بالأمر بعده أخوه «إبراهيم بن الوليد» بويع له بالخلافة بعد وفاة أخيه في ذي الحجة المذكور، فمكث أربعة أشهر، وقيل أربعين يوما ثم خلع نفسه. وقام بالأمر بعده «مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الجعدي» «٣» بتسليم إبراهيم بن الوليد الأمر إليه؛ وفي أيامه ظهرت دعوة بني العبّاس، وقصدته جيوشهم فهرب إلى مصر، فأدرك وقتل بقرية يقال لها بوصير من الفيّوم، وبزواله زالت دولة بني أمية. الطبقة الثالثة خلفاء بني العبّاس بالعراق وأوّل من قام بالأمر منهم بعد خلفاء بني أميّة «السّفّاح» وهو أبو العبّاس عبد

стр. 1359

الله بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، عمّ النبيّ ﷺ ؛ بويع له بالخلافة بالكوفة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وتوفي بالأنبار «١» لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة. وقام بالأمر بعده أخوه «المنصور» أبو جعفر عبد الله؛ بويع له بالخلافة يوم موت أخيه السّفّاح، وتوفي بطريق مكة وهو محرم بالحج سنة ثمان وخمسين ومائة، ودفن بالحجون «٢» . وقام بالأمر بعده ابنه «المهديّ» أبو عبد الله محمد؛ بويع له بالخلافة يوم مات أبوه بطريق مكة وهو يومئذ ببغداد، وتوفي «٣» بماسبذان في المحرّم سنة تسع وستين ومائة. وقام بالأمر بعده ابنه «الهادي» «٤» أبو محمد موسى؛ بويع له بعد أبيه يوم موته وهو غائب، فسار إلى بغداد ودخلها بعد عشرين يوما، وتوفي لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأوّل سنة سبعين ومائة. وقام بالأمر بعده «الرشيد» أبو محمد هرون بن المهديّ؛ بويع له بالخلافة ليلة مات أخوه الهادي، وتوفي «٥» ليلة السبت لثلاث خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وقام بالأمر بعده ابنه «الأمين» أبو عبد الله محمد، ويقال أبو موسى،

стр. 1360

ويقال أبو العبّاس، بالعهد من أبيه هرون الرشيد؛ وبويع له صبيحة الليلة التي توفي فيها أبوه الرشيد، وقتل لخمس بقين من المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة «١» . ثم قام بالأمر بعده أخوه «المأمون» أبو العباس، ويقال أبو جعفر عبد الله، بالعهد له من أبيه الرشيد أن يكون له الأمر بعد أخيه الأمين، وبويع له بالخلافة يوم قتل أخيه الأمين ببغداد وهو غائب؛ وبويع له البيعة العامة لخمس بقين من المحرّم سنة ثمان وتسعين ومائة، وتوفي بأرض الروم «٢» لليلة بقيت من رجب، وقيل لثمان خلون منه سنة ثماني عشرة ومائتين، ودفن بطرسوس. وقام بالأمر بعده أخوه «المعتصم بالله» أبو إسحاق محمد بن هرون الرشيد؛ بويع له بالخلافة يوم موت أخيه المأمون وهو يومئذ بطرسوس، فسار إلى بغداد، فدخلها مستهل رمضان سنة ثماني عشرة ومائتين، وتوفي بسامرّا «٣» لثماني عشرة ليلة مضت من ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين. وقام بالأمر بعده ابنه «الواثق بالله» أبو جعفر هرون؛ بويع له بالخلافة يوم موت أبيه، وتوفّي بسرّ من رأى لستّ بقين من ذي الحجة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.

стр. 1361

وقام بالأمر بعده أخوه «المتوكل على الله» أبو الفضل جعفر، بويع له بالخلافة يوم موت أخيه الواثق، وقتل «١» لثلاث خلون من شوّال سنة سبع وأربعين ومائتين. وقام بالأمر بعده ابنه «المستنصر بالله» «٢» أبو جعفر محمد؛ بويع له بالخلافة صبيحة قتل أبيه المتوكل، وتوفي بسامرّا لثلاث خلون من ربيع الآخر، وقيل لخمس خلون من ربيع الأوّل سنة ثمان وأربعين ومائتين. وقام بالأمر بعده «المستعين بالله» أبو العباس أحمد بن المعتصم بالله المتقدّم ذكره؛ بويع له بالخلافة في اليوم الثاني من موت المستنصر، وخلع نفسه لأربع خلون من ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومائتين، وجهّز إلى واسط، فقتل بها «٣» في آخر رمضان من السنة المذكورة. وقام بالأمر بعده «المعتزّ بالله» أبو عبد الله محمد، وقيل أبو الزبير بن المتوكل على الله المتقدّم ذكره؛ بويع له ببغداد حين خلع المستعين نفسه، وبايعه المستعين فيمن بايع، وخلع لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين، ثم قتل «٤» بعد ذلك.

стр. 1362

وقام بالأمر بعده «المهتدي بالله» أبو عبد الله، ويقال أبو جعفر محمد بن الواثق بالله المتقدّم ذكره؛ بويع له بالخلافة بعد ليلتين من خلع المعتز بالله، وقتل «١» لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين، وكان يقال هو في بني العباس مثل عمر بن عبد العزيز في بني أميّة «٢» . وقام بالأمر بعده «المعتمد على الله» أبو العباس، ويقال أبو جعفر أحمد ابن جعفر المتوكل المتقدّم ذكره؛ بويع له بالخلافة يوم قتل المهتدي بالله، وتوفي «٣» لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين. وقام بالأمر بعده «المعتضد بالله» «٤» أبو العباس أحمد بن الموفق، طلحة ابن جعفر المتوكل؛ بويع له بالخلافة يوم قتل المعتمد على الله، وتوفي ببغداد لسبع وقيل لثمان بقين من شهر ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين. وقام بالأمر بعده ابنه «المكتفي بالله» أبو محمد علي؛ بويع له بالخلافة يوم موت أبيه المعتضد وهو غائب بالرّقّة، وكتب إليه بذلك فأخذ البيعة على من عنده وسار إلى بغداد، فدخلها لثمان خلون من جمادى الأولى من سنته، وتوفي ببغداد

стр. 1363

لثلاث عشرة ليلة، وقيل لثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين. وقام بالأمر بعده أخوه «المقتدر بالله» أبو الفضل جعفر بن المعتضد بالله المتقدم ذكره، وخلع «١» لعشر بقين من ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين. وبويع «المرتضى بالله» أبو محمد عبد الله بن المعتز، فأقام يوما وليلة ثم اضطرب عليه الأمر فاختفى، وعاد الأمر إلى المقتدر «٢» فظفر بابن المعتز فصادره، ثم أخرج من دار السلطان ميّتا لليلتين خلتا من ربيع الآخر من السنة المذكورة، ثم خلع المقتدر بالله نفسه «٣» ؛ وبويع بالخلافة أخوه القاهر بالله أبو منصور محمد بن المعتضد فأقام يومين، ثم عاد الأمر «٤» إلى المقتدر بالله وبقي حتّى قتل لثلاث خلون من شوال سنة عشرين وثلاثمائة. وقام بالأمر بعده أخوه «القاهر بالله» المتقدّم ذكره، لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة، ثم خلع وسملت عيناه لستّ خلون من جمادى الأولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة «٥» .

стр. 1364

وقام بالأمر بعده ابن أخيه «الراضي بالله» أبو العباس أحمد بن المقتدر بالله المتقدّم ذكره، وتوفي لست عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وقام بالأمر بعده أخوه «المتقي بالله» أبو إسحاق إبراهيم بن المقتدر بالله المتقدّم ذكره؛ بويع له بالخلافة لعشر بقين من ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. وخلع وسملت عيناه «١» لعشر بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة. وقام بالأمر بعده ابن عمه «المستكفي بالله» أبو القاسم «٢» عبد الله بن المكتفي بالله المتقدّم ذكره؛ بويع له بالخلافة يوم خلع المتقي بالله بمشاركته له، ثم خلع «٣» وسملت عيناه في جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة. وقام بالأمر بعده ابن عمه «المطيع لله» أبو القاسم، ويقال أبو العباس الفضل بن المقتدر بالله المتقدّم ذكره، بويع له بالخلافة يوم خلع المستكفي، وخلع نفسه منها للعجز بالمرض في الثالث عشر من ذي القعدة سنة ثلاث وستين وثلاثمائة «٤» . وولي الخلافة بعده ابنه «الطائع لله» أبو بكر عبد الكريم؛ بويع له بالخلافة يوم خلع أبيه المطيع لله، وقبض عليه لاثنتي عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة فخلع نفسه «٥» .

стр. 1365

وقام بالأمر بعده «القادر بالله» أبو العباس أحمد بن إسحاق؛ بويع له بالخلافة يوم خلع الطائع، وكان غائبا بالبطائح فأحضر، وجددت له البيعة ببغداد في شهر رمضان من السنة المذكورة، وتوفي حادي عشر ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «القائم بأمر الله» أبو جعفر عبد الله بالعهد من أبيه، وجدّدت له البيعة بعد موت أبيه، توفي ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة. وقام بالأمر بعده ابن ابنه «المقتدي بأمر الله» عبد الله [بن] «١» ذخيرة الدّين محمد بن القائم بأمر الله المتقدّم ذكره، وتوفي فجأة في الخامس والعشرين من المحرّم سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «المستظهر بالله» أبو العباس أحمد؛ بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه، وتوفي سادس عشر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وخمسمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «المسترشد بالله» أبو منصور الفضل؛ بويع له بالخلافة بعد وفاة أبيه المستظهر، وقتل في قتال الباطنية «٢» سابع عشر ذي القعدة سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «الراشد بالله» أبو جعفر المنصور، بالعهد من أبيه،

стр. 1366

وجدّدت له البيعة يوم قتله، وخلع «١» في منتصف ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة. وقام بالأمر بعده «المقتفي لأمر الله» أبو عبد الله محمد بن المستظهر المتقدّم ذكره؛ بويع بالخلافة يوم خلع الراشد بالله، وتوفي ثاني ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «المستنجد بالله» أبو المظفّر يوسف؛ بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه المقتفي، وتوفي تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. وقام بالأمر بعد ابنه «المستضيء بالله» أبو محمد الحسن؛ بويع له بالخلافة يوم وفاة أبيه المستنجد من أقاربه بيعة خاصة، وفي عشره «٢» بيعة عامة، وتوفي ثاني ذي القعدة سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «الناصر لدين الله» أبو العباس أحمد؛ بويع له بالخلافة يوم موت أبيه المستضيء، وتوفي أول شوّال سنة اثنتين وعشرين وستمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «الظاهر بأمر الله» أبو نصر محمد؛ بويع له بالخلافة يوم موت أبيه الناصر، وتوفي رابع عشر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة. وقام بالأمر بعد ابنه «المستنصر بالله» أبو جعفر المنصور؛ بويع له بالخلافة يوم موت أبيه الظاهر، وتوفي لعشر خلون من جمادى الأولى سنة أربعين وستمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «المستعصم بالله» أبو أحمد عبد الله؛ بويع له

стр. 1367

بالخلافة يوم موت أبيه المستنصر بالله، وقتله هولاكو «١» ملك التّتار في العشرين من المحرّم سنة ست وخمسين وستمائة. وبقتله انقرضت الخلافة العباسية من بغداد «٢» ؛ وهو الثامن والثلاثون من خلفاء بني العباس ببغداد إذا عدّت خلافة ابن المعتز، وحسبت خلافة القاهر أولا وثانيا خلافة واحدة. الطبقة الرابعة خلفاء بني العبّاس بالديار المصرية من بقايا بني العبّاس وأول من قام بأمر الخلافة بها «المستنصر بالله» أبو القاسم أحمد بن الظاهر بالله «٣» أبي نصر محمد المتقدّم ذكره، وذلك أنه لما قتل التتر المستعصم المتقدّم ذكره، وبقيت الخلافة شاغرة نحوا من ثلاث سنين ونصف ثم قدم جماعة من عرب الحجاز إلى مصر في رجب سنة تسع وخمسين وستمائة أيام الظاهر بيبرس «٤» ، ومعهم المستنصر المذكور، وذكروا أنه خرج من دار الخلافة ببغداد لمّا ملكها التّتر، فعقد الملك الظاهر له مجلسا حضره جماعة من العلماء، منهم الشيخ عز الدّين بن عبد السلام «٥» شيخ الشافعية، وقاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز

стр. 1368

الشافعي «١» وهو يومئذ قاضي الديار المصرية بمفرده، وشهد أولئك العرب بنسبه، ثم شهد جماعة من الشهود على شهادتهم بحكم الاستفاضة، وأثبت ابن بنت الأعز نسبه، ثم بايعه الملك الظاهر بالخلافة وأهل الحلّ والعقد، واهتم الملك الظاهر بأمره، واستخدم له عسكرا عظيما، وتوجه الملك الظاهر إلى الشام وهو صحبته فجهّزه من هناك بعسكره إلى بغداد طمعا أن يستولي عليها وينتزعها من التتار، فخرج إليه التتار قبل أن يصل بغداد فقتلوه، وقتلوا غالب عسكره في العشر الأول من المحرم سنة ستين وستمائة، فكانت خلافته دون السنة؛ وهو أوّل خليفة لقب بلقب خليفة قبله، وكانوا قبل ذلك يلقبون بألقاب مرتجلة. وقام بالأمر بعده «الحاكم بأمر الله» أبو العباس أحمد بن حسين بن أبي بكر ابن الامير أبي علي القبّي ابن الأمير حسن بن الراشد بالله أبي جعفر المنصور المتقدّم ذكره في الخلفاء ببغداد. قدم مصر سنة تسع وخمسين وستمائة، وهو ابن خمس عشرة سنة في سلطنة الظاهر بيبرس، وقيل إن الظاهر بعث من أحضره إليه من بغداد، وجلس له مجلسا عامّا أثبت فيه نسبه، وبايعه بالخلافة في سنة ست وستين وستمائة، وأشركه معه في الدعاء في الخطبة على المنابر، إلا أنه منعه التصرف والدخول والخروج. ولم يزل كذلك إلى أن ولي السلطنة الملك الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، فأسكنه بالكبش بخط الجامع الطولوني «٢» ، فكان يخطب أيام الجمعة في جامع القلعة ويصلي، ولم يطلق تصرفه إلى أن تسلطن المنصور لاجين «٣» ، فأباح له التصرف حيث شاء وأركبه معه في الميادين؛ وتوفي

стр. 1369

في شهور سنة إحدى وسبعمائة. وقام بالأمر بعده ابنه «المستكفي بالله» أبو الربيع سليمان بالعهد من أبيه الحاكم، وبويع له بالخلافة يوم موت أبيه، واستقرّ على ما كان عليه أبوه من الركوب والنزول وركوب الميادين مع السلطان إلى أن أعيد السلطان الملك الناصر محمد ابن قلاوون «١» إلى السلطنة المرّة الثانية بعد خلع الملك المظفر بيبرس الجاشنكير «٢» في شهور سنة تسع وسبعمائة، فحصل عند السلطان منه وحشة، فجهزه إلى قوص «٣» ليقيم بها، وبقي بقوص حتّى توفي في سنة أربعين وسبعمائة. وولي الخلافة بعده ابنه «المستعصم بالله» أبو العباس أحمد بعهد من أبيه المستكفي بأربعين شاهدا بمدينة قوص، ودعي له على المنابر في العشر الأخير من شوال سنة أربعين وسبعمائة. ثم خلعه الناصر محمد بن قلاوون، وبايع بالخلافة «الواثق بالله» أبا إسحاق إبراهيم بن الحاكم بأمر الله المتقدّم ذكره، وأمر بأن يدعي له على المنابر، وتحمل له راية الخلافة، فجرى الأمر على ذلك. وكان قد هم بمبايعته بعد موت المستكفي فلم يتم له. فلما توفي الملك الناصر في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، أعيد المستعصم بالله أحمد المتقدّم ذكره إلى الخلافة

стр. 1370

بعد خلع الواثق إبراهيم، وبقي حتّى توفي رابع شعبان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة. ثم ولي الخلافة بعده أخوه «المعتضد بالله» أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان سابع عشر شعبان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة؛ وتوفي عاشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة. وولي الخلافة بعده ابنه «المتوكل على الله» أبو عبد الله محمد بن المعتضد بالله المتقدّم ذكره بالعهد من أبيه المعتضد، واستقرّ له الأمر بعد وفاة أبيه يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وبقي حتّى خلعه الأمير أيبك «١» أتابك «٢» العساكر في سلطنة الملك المنصور «٣» عليّ بن الأشرف شعبان بن حسين. وولي الخلافة مكانه «المستعصم بالله» أبو يحيى زكريا بن الواثق إبراهيم المتقدّم ذكره، فأقام في الخلافة دون ثلاثة أشهر. ثم أعيد المتوكل على الله محمد ابن أبي بكر إلى الخلافة ثانيا في أواخر المحرّم أو أوائل صفر سنة تسع وسبعين وسبعمائة، واستمر حتّى قبض عليه الظاهر برقوق «٤» واعتقله بقلعة الجبل «٥» في
следующие страницы →