← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

مآكل الدنيا. ولأهل الرفاهيّة بذلك فرحة، وتتغالى فيه في ابتدائه مع أنه يجتمع في الحين الواحد من الفواكه والرياحين ما لا يحتاج معه في زمنه إلى غيره. قال المهذّب بن ممّاتي «١» في «قوانين الدواوين» : بعثت غلاما لي ليحضر من فكّاهى القاهرة ما وجد بها من أنواع الفاكهة والرياحين فأحضر لي منها الورد، والنّرجس، والبنفسج، والياسمين، والمنثور، والمرسين، والرّيحان، والطّلح، والبلح والجمّار «٢» والخيار، والبطّيخ الأخضر، والباقلّى، والتّفّاح، والفقّوس، والأترجّ، والنّارنج، والأشباه «٣» ، واللّيمون، والتّمر هندي الأخضر، والعنب، والحصرم. وقال بعض الجوّالين في الآفاق: طفت أكثر المعمور من الأرض فلم أر مثل ما بمصر من ماء طوبه «٤» ، ولبن أمشير، وخرّوب برمهات، وورد برموده، ونبق بشنس، وتين بؤنة، وعسل أبيب، وعنب مسرى، ورطب توت، ورمّان بابه، وموز هتور، وسمك كيهك. المقصد الثامن في ذكر مواشيها، ووحوشها، وطيورها أما مواشيها - فمنها الإبل المستجادة، والبقر العظيمات القدود، والأغنام المستطابة اللحوم، والخيول المسوّمة، والبغال النفيسة، والحمر الفارهة مما ليس له نظير في إقليم من الأقاليم، ولا مصر من الأمصار. وأما وحوشها - ففي براريّها: الغزلان، والنّعام، والأرانب، والثّعالب،

стр. 1437

والضّباع، والذّئاب، وغير ذلك. ويجلب إلى سلطانها الفيلة، والزّرافات، وغيرها من الوحوش من البلاد القاصية، والسّباع من بلاد الشام من مملكته لتكون في إصطبلاته زينة لمملكته. وأما طيورها - ففيها من الطيور الدّواجن في البيوت: الدّجاج، والإوزّ، والحمام؛ ومن الطيور البرّيّة: الصّقر، والعقاب، والنّسر، والكرّكيّ «١» ، واللّغلغ «٢» ، والإوزّ التّركي، والمرزم «٣» ، والبجع، والبلشون «٤» ، والحبرج «٥» ، والحجل، والكروان، والسّماني، والبلبل، وسائر أنواع العصافير، والأنواع المختلفة من طيور الماء. ويجلب إلى سلطانها سائر أنواع الجوارح الصائدة على اختلاف أجناسها من أقاصي البلدان، ويقع التغالي في أثمانها للغاية القصوى على ما يأتي ذكره في الكلام على أوصافها إن شاء الله تعالى. المقصد التاسع في ذكر حدودها قد اضطربت عبارات المصنّفين في المسالك والممالك في تحديدها، [حدّها الشّماليّ] والذي عليه الجمهور أن حدّها الشّماليّ، وهو المعبّر عنه عند المصريين بالبحري، يبتديء مما بين الزعقة ورفح عند حدّها من الشام والبحر شماله، ويمتدّ غربا على ساحل البحر المذكور حيث الشجرتان عند الشجرة التي يعلق فيها

стр. 1438

العوامّ الخرق وتقول هذه مفاتيح الرمل، عند الكثب المجنبة عن البحر الروميّ، إلى رفح ثم إلى العريش آخذا على الجفار «١» ، إلى الفرما، إلى الطينة، إلى دمياط، إلى ساحل رشيد، إلى الإسكندرية، وهي آخر العمارة بهذا الحدّ. ثم يأخذ على اللينونة، على العميدين، إلى برقة، إلى العقبة الفاصلة بين الديار المصرية وإفريقيّة على ما تقدّم ذكره في الكلام على سواحل البحر الروميّ. وحدّها الغربي - يبتديء من ساحل البحر الروميّ حيث العقبة، ويمتدّ جنوبا، وأرض إفريقيّة غربيه، على ظاهر الفيّوم والواحات حتّى يقع على صحراء الحبشة على ثمان مراحل من أسوان. وحدّها الجنوبيّ - وهو المعبر عنه عند المصريين بالقبليّ، يبتديء من آخر هذا الحدّ بصحراء الحبشة ويمتدّ شرقا، وبلاد الروم من بلاد البرّيّة جنوبيّه حتّى يأتي إلى أسوان، ثم يمتدّ من أسوان شرقا حتّى ينتهي إلى بحر القلزم مقابل أسوان على خمس عشرة مرحلة منها. وحدّها الشرقي - يبتديء من آخر هذا الحدّ ويمتدّ شمالا وبحر القلزم شرقيّه، إلى عيذاب، إلى القصير «٢» ، إلى القلزم، إلى السّويس، ثم يأخذ شرقا عن بركة الغرندل التي أغرق الله تعالى فيها فرعون من بحر القلزم إلى تيه بني إسرائيل؛ ثم يعطف شمالا ويمرّ على أطراف الشام حتّى ينحطّ على ما بين الزعقة ورفح ساحل البحر الروميّ حيث وقعت البداءة. وعلى هذا التحديد جرى السلطان عماد الدين صاحب حماة في «تقويم البلدان» والمقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» إلا أنه في «تقويم البلدان»

стр. 1439

جعل ابتداء الحدّ الشماليّ نفس رفح، ونهاية الحدّ الغربيّ حدود بلاد النّوبة؛ وفي «التعريف» جعل ابتداء الحدّ الشمالي ما بين الزعقة ورفح، ونهاية الحدّ الغربي صحراء بلاد الحبشة على ما تقدم في التحديد، والأمر في ذلك قريب. وخالف في ذلك القضاعيّ فجعل ابتداء الحدّ الشّماليّ من العريش، وليس فيه بعد عن رفح بل في الآثار ما يدل عليه، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وجعل الحدّ الجنوبيّ يقطع بحر القلزم وينتهي إلى ساحل الحجاز بالحوراء «١» : أحد منازل طريق الحجاز من مصر؛ والحدّ الشرقيّ يمتدّ على ساحل البحر الشرقيّ إلى مدين، إلى أيلة، إلى تيه بني إسرائيل «٢» ، إلى العريش. فأدخل بحر القلزم من حدّ الحوراء إلى نهايته في الشّمال، وما على ساحله من برّ الحجاز مما يسامت العريش كأيلة ومدين ونحوها في أرض مصر. قلت: وفيه نظر، والظاهر ما تقدّم لأن البر الشرقيّ من القلزم معدود من ساحل الحجاز من جملة جزيرة العرب، وهي ناحية على انفرادها؛ وكأن الذي حمل القضاعيّ على ذلك مسامتة هذا الساحل لحدّها بساحل البحر الروميّ على ما تقدّم. واعلم أن جميع المحدّدين لها وإن اختلفت عباراتهم في ابتداء الحدّ الشّمالي الفاصل بينها وبين الشام، هل هو من العريش أو من رفح، أو بين الزعقة ورفح، متفقون على أن ابتداء الحدّ حيث الشجرتان «٣» ، وكأنهما شجرتان قديمتان حدّد في الأصل بهما.

стр. 1440

قال في «التعريف» : وما إخال الآن بقاء الشجرتين، وإنما هو موضع الشجرة التي تعلّق فيها العوامّ الخرق، ويقولون هذه مفاتيح الرمل عند الكثب المجنبة عن البحر الروميّ قريبا من الزّعقة. قال: فأما الأشجار التي بالمكان المعروف الآن بالخرّوبة «١» ، ويعرف قديما بالعشّ، فهي وإن عظمت محدثة من زمن من حدّد الأقاليم، وليست في موضع ما ذكروه. ثم لها طول وعرض، فطولها ما بين جهتي الشّمال والجنوب، وعرضها ما بين جهتي المشرق والمغرب. وقد قيل: إن طولها مسيرة شهر وعرضها مسيرة شهر. وذكر القضاعي أن ما بين العريش إلى برقة أربعون ليلة. المقصد العاشر في ابتداء عمارتها، وتسميتها مصر، وتفرّع الأقاليم التي حولها عنها: أما ابتداء عمارتها - فقد ذكر المؤرّخون أنها عمرت مرتين: المرّة الأولى- قبل الطّوفان ؛ وأوّل من عمرها قبل الطوفان نقراووس بن مصريم بن براجيل «٢» بن رزائيل بن غرباب بن آدم ﵇، نزلها في سبعين رجلا من بني غرباب جبابرة، فعمرها. وهو الذي هندس نيلها وحفره حتّى أجراه ووجه إلى البرية جماعة هندسوه وأصلحوه، وبنى المدن وأثار المعادن، وعمل الطلسمات «٣» .

стр. 1441

المرّة الثانية- بعد الطّوفان ، وأوّل من عمرها بعد الطوفان مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، قدم إليها هو وأبوه بيصر في ثلاثين رجلا من قومه حين قسم نوح الأرض بين بنيه، فنزلوا بسفح المقطّم، ونقروا فيه منازل كبيرة نزلوا بها ثم ابتنوا مدينة منف وسكنوها على ما يأتي ذكره في الكلام على قواعد مصر القديمة إن شاء الله تعالى. قال ابن لهيعة: وكان نوح ﵇ قد دعا لمصر أن يسكنه الله تعالى الأرض الطيّبة المباركة التي هي أمن البلاد وغوث العباد، ونهرها أفضل الأنهار، ويجعل له فيها أفضل البركات، ويسخّر له الأرض ولولده ويذلّلها لهم، ويقوّيهم عليها. فسأله عنها فوصفها له، وأخبره بها. وأما تسميتها مصر - فقيل: إن نقراووس بن مصريم أوّل ملوكها قبل الطوفان حين عمرها سماها باسم أبيه مصريم تبركا، وإن مصر بن بيصر إنما سمّي باسمه. وأكثر المؤرّخين على أنها سميت بمصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وعلى الوجهين تكون علما منقولا عن اسم رجل. وقال الجاحظ في رسالة له في مدح مصر: إنما سميت مصر [بمصر] «١» لمصير الناس إليها. قلت: ويجوز أن تكون سميت مصر لكونها حدّا فاصلا بين بلاد المشرق والمغرب، إذ المصر «٢» في أصل لغة العرب اسم للحدّ بين الأرضين كما قاله القضاعي، ومنه قول أهل هجر «٣» : اشتريت الدار بمصورها، أي بحدودها.

стр. 1442

قال القضاعيّ: وكيف ما ... «١» أما إن أريد بالمصر البلد العظيم فإنه ينصرف ويجمع على أمصار. وأما تفرّع الأقاليم التي حولها عنها - فعن ابن لهيعه أنه لما استقرّ مصر بن بيصر بهذه البلاد هو وأبوه بيصر وإخوته: فارق، وماح، وياح وكثر أولادهم، قال له إخوته: قد علمت أنك أكبرنا وأفضلنا، وأن هذه الأرض أسكنك إياها جدّك نوح، ونحن نضيّق عليك أرضك، ونحن نطلب إليك بالبركة التي جعلك فيها جدّك نوح أن تبارك لنا في أرض نلحق بها ونسكنها، وتكون لنا ولأولادنا، فقال: نعم عليكم بأقرب البلاد إليّ، لا تباعدوا منيّ، فإن لي في بلادي هذه مسيرة شهر من أربعة وجوه أحوزها لنفسي، وتكون لي ولولدي وأولادهم. فحاز مصر لنفسه ما بين الشجرتين اللتين بالعريش إلى أسوان طولا، ومن برقة إلى أيلة عرضا. وحاز فارق لنفسه ما بين برقة إلى إفريقيّة، فكان ولده الأفارقة، وبذلك سميت «٢» إفريقيّة، وذلك مسيرة شهر. وحاز ماح ما بين الشجرتين من منتهى حدّ مصر إلى الجزيرة، مسيرة شهر، وهو أبو نبط الشام. وحاز ياح ما وراء الجزيرة كلها من البحر إلى الشرق مسيرة شهر، فهو أبو نبط العراق. وقد قال القضاعي بعد ذكر حدود مصر الأربعة: وما كان بعد هذا من

стр. 1443

الجانب الغربي فهو من فتوح أهل مصر وثغورهم من برقة إلى الأندلس. قلت: وذلك أن المسلمين بعد فتح مصر توجهت طائفة «١» منهم إلى إفريقيّة ففتحتها، ثم توجهت طائفة من إفريقيّة إلى الأندلس ففتحته «٢» على ما سيأتي ذكره في الكلام على مكاتبات ملوك الغرب إن شاء الله تعالى. المقصد الحادي عشر في ذكر قواعدها القديمة، والمباني العظيمة الباقية على ممرّ الأزمان، والقواعد المستقرّة، وما فيها من الأبنية الحسنة وقواعدها القديمة على ضربين: الضرب الأوّل ما قبل الطوفان والمعروف لها إذ ذاك قاعدتان: القاعدة الأولى- مدينة «أمسوس» وهي أوّل مدينة بنيت بالديار المصرية قبل الطوفان، بناها نقراووس بن مصريم بن براجيل بن رزائيل بن غرباب بن آدم عليه

стр. 1444

السلام، أوّل ملوك مصر قبل الطوفان، وموضعها خارج الإسكندرية تحت البحر الرومي كما ذكره بعض المؤرّخين، وشقّ لها نهرا يتّصل بها من النيل. القاعدة الثانية- مدينة «برسان» وهي مدينة بناها نقراووس المتقدّم ذكره لابنه مصرايم وأسكنه فيها، ولم أقف على مكانها. الضرب الثاني قواعدها فيما بعد الطوفان والمشهور منها ثلاث قواعد: القاعدة الأولى- مدينة «منف» قال في «تقويم البلدان» : (بكسر الميم وسكون النون وفاء في الآخر) والجاري على الألسنة منف (بفتح الميم) وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» «١» : طولها ثلاث وخمسون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها ثلاثون درجة وعشرون دقيقة، وهي أوّل مدينة بنيت بمصر بعد الطوفان، بناها مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ حين نزل مصر. قال في «الروض المعطار» : وأصلها بالسريانية مافه، ومعناها بالعربية ثلاثون؛ وذلك أن مصر حين نزلها كان في ثلاثين رجلا من أهل بيته، فسماها بعددهم. قال ابن الأنباري في كتابه «الزاهر» «٢» : وهي على اثني عشر ميلا من الفسطاط. قلت: ومنف هذه في جنوبي الفسطاط على القرب من البلدة المعروفة

стр. 1445

بالبدرشين من عمل الجيزة، وهي المعروفة بمصر القديمة، وقد خربت وصارت كيمانا «١» ، وبها آثار بنيان من الحجر الكذّان «٢» يوجد تحت الردم، على القرب من أحجار الأهرام في العظمة والمقدار، وبوسطها آثار برباة «٣» بها صنمان عظيمان من حجر صوّان أبيض، طول كل صنم منهما نحو عشرين ذراعا، وهما مطروحان على الأرض، وقد غطّى الطين أسفلهما. وكان على القرب منهما بيت عظيم من حجر أخضر، قطعة واحدة: جوانبه الأربعة وأرضه وسقفه، ولم يزل على ذلك إلى الدولة الناصرية حسن بن الناصر محمد بن قلاوون، وأراد الأمير شيخو أتابك العساكر نقله إلى القاهرة صحيحا فعولج فانكسر فأمر بأن تنحت منه أعتاب فنحتت وجعل منها أعتاب خانقاه «٤» وجامعه بصليبة الجامع الطولوني؛ وشرقي هذه المدينة معالم سور مبني بالحجر الكذّان النحيت فصوصا صغارا بالطين والجير الذي قد علمت، لونه لون الحجر. ويقال: إنه سور الأهراء التي بناها يوسف ﵇ لادخار الحنطة في سنبلها. ويذكر بعض أهل البلاد أنه يوجد بعض السّنبل الذي أخبر به يوسف ﵇ تحت تلك الأرض إلى الآن. وأنه في المقدار فوق مقدار الحنطة المتعارفة بقليل.

стр. 1446

وفي شماليّ هذه المدينة بلدة صغيرة تعرف بالعزيزية، يقال إنها كانت منزلة العزيز وزير الملك، وهناك مكان على القرب منها يعرف بزليخا، وفي غربيّها إلى الشّمال في سفح جبل مصر الغربيّ سجن يوسف ﵇، وإلى جانبه مسجد موسى ﵇، وعلى القرب من السّور المقدّم ذكره مسجد يعقوب ﵇. ويقال: إن النيل كان تحت هذا السّور، وهناك مكان يعرف بالمقياس إلى الآن. القاعدة الثانية- مدينة «الإسكندرية» نسبة إلى الإسكندر بن فيلبس المقدوني ملك اليونان المقدّم ذكره. وقد ذكر القضاعي: أنه كان بها عدة عجائب، من أعجبها المنارة «١» ، وهي منارة مبنية بالحجر والرصاص ارتفاعها في الهواء ثلاثمائة ذراع كل ذراع ثلاثة أشبار، وقيل أربعمائة ذراع، وقيل مائة وثمانون ذراعا، وقيل بالحجر «٢» لغلبة الجير فيه، وعلى رأسها مرآة من أخلاط يرى فيها من حضر إليها على بعد؛ وتهتدي بها المراكب السائرة إلى الإسكندرية إذ برها منخفض لا جبال فيها، تحرق بشعاعها ما أرادوا إحراقه من المراكب الواصلة، احتال عليها النصارى في أوائل الإسلام في خلافة الوليد بن عبد الملك الأمويّ فكسروها «٣» ، وتداعى هدم المنارة شيئا فشيئا إلى أوساط المائة الثامنة فاستؤصلت وبقي أثرها.

стр. 1447

(ومنها) الملعب الذي كانوا يجتمعون فيه في يوم من السنة ثم يرمون بكرة فلا تقع في حجر أحد إلا ملك مصر؛ وإن حضر فيه ألف ألف من الناس كان كل منهم ناظرا في وجه صاحبه، وإن قريء كتاب، سمعوه جميعا، أو أتي بنوع من اللعب رأوه عن آخرهم لا يتظالمون فيه بأكثر من مراتب العلية والسّفلة. وكان من غريب هذا الملعب أن عمرو بن العاص ﵁ حضر فيه في الجاهلية في يوم لعب الكرة فوقعت الكرة في حجره، وهم لا يعرفونه، فتعجب القوم منه وقالوا: ما رأينا هذه الكرة كذبت قطّ إلا هذه المرة، فاتفق أن ملكها في الإسلام. و (عمود السّواري) «١» الذي بظاهر الإسكندرية الآن أحد عمد هذا الملعب، وهو عمود عظيم يرمي الرجل القويّ السهم عن قوس قويّ فلا يبلغ رأسه. (ومنها) عمودا الإعياء، وهما عمودان ملقيان وراء كل منهما جبل حصباؤه كصبر «٢» الجمار يقبل العييّ بسبع حصيات حتّى يستلقي على أحدهما، ثم يرمي وراءه بالسبع ويقوم ولا يلتفت، ويمضي لطلبته فلا يحسّ بشيء من تعبه. (ومنها) القبة الخضراء «٣» ، وهي قبة ملبسة نحاسا كأنه ذهب إبريز لا يبليه القدم ولا تخلقه الدهور. (ومنها) المسلّتان «٤» ، وهما جبلان «٥» قائمان على سرطانات نحاس في

стр. 1448

أركانهما كل ركن على سرطان، فلو أراد مريد أن يدخل تحتها شيئا إلى الجانب الآخر لفعل. قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» : وهاتان المسلّتان إحداهما في الركن الشرقي من البلد، والثانية ببعض البلد، وهما عمودان مربّعان من حجر أحمر، وعرض قواعدهما من الجهات الأربع أربعون شبرا، طول كل واحدة منهما خمس قامات، وأعلاها مستدقّ، وعرض «١» قاعدتهما من الجهات الأربع أربعون شبرا. ويقال: إن عليهما مكتوب بالسريانية: «أنا يعمر بن شدّاد، بنيت هذه المدينة وأردت أن أجعل فيها من الآثار المعجزة، والعجائب الباهرة، فأرسلت البتون بن مرة العاديّ ومقدام بن يعمر بن أبي رغال الثمودي إلى جبل بريم الأحمر، فاقتطعوا منه حجرين وحملاهما على أعناقهما، فانكسرت ضلع البتون، فوددت أن أهل مملكتي كانوا فداء له، فأقامهما القطن بن حازم «٢» المؤتفكي في يوم السعادة» . وقد قيل فيها: إنها إرم ذات العماد، ولم تزل عامرة إلى الفتح الإسلامي، فلما فتحها «٣» عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁: «أما بعد. فإني فتحت مدينة لا أصف ما فيها، غير أني أصبت فيها أربعة آلاف بنية، وأربعة آلاف حمّام، وأربعون ألف يهودي عليهم الجزية، وأربعمائة ملهى للملوك» «٤» . ويقال: إنه وجد فيها أربعة آلاف بقّال يبيعون البقل،

стр. 1449

وكان فيها من الروم يومئذ مائة ألف من أهل القوّة لحقوا بأرض الروم في المراكب وكان من بقي ستمائة ألف سوى النساء والصبيان. قلت: وقد ذهب جلّ ذلك وزال أكثره، ولم يبق من عجائبها ظاهرا إلا عمود السّواري، وهو عمود عظيم من حجر صوّان خارج المدينة لا يكاد يكون له نظير في الدنيا، ويقال: إنه كان قبلها مدينة في مكانها تسمّى رقودة «١» بناها مصر بن بيصر بن حام بن نوح المتقدّم ذكره حين بنى مدينة منف، وعلى منوالها نسج الإسكندر مدينته. القاعدة الثالثة- «قصر الشّمع» الذي هو داخل مدينة الفسطاط الآن، وهو المعبر عنه في كتب الفتوح بالحصن، بناه كسرجوس الفارسي أحد نواب ملك الفرس عند استيلائهم على مصر بعد غلبة بخت نصّر الآتي ذكره في الكلام على ملوكها. قال القضاعيّ: ولم يكمله وإنما كمله الروم، بعد ذلك «٢» ... التي فتحت مصر وهي مقرّة الملوك بها. وقد قيل: إن المقوقس كان يقيم بالإسكندرية أربعة أشهر من السنة، وبمدينة منف أربعة أشهر، وبقصر الشمع أربعة أشهر. واعلم أنه قد كان بالديار المصرية مستقرّات أخرى عظام كانت قواعد

стр. 1450

لبعض ملوكها في بعض الأزمان، ومدن دون ذلك يأتي الكلام على جميعها بعد ذكر الكور القديمة والأعمال المستقرّة إن شاء الله تعالى. وأما المباني العظيمة الباقية على ممرّ الأزمان - فاعلم أن ملوك مصر الأقدمين كان لهم من العناية بالبناء ما ليس لغيرهم، وكانوا يتفاخرون بذلك لإخباره على طول الزمن بعظمة ملكهم واقتدارهم على ما لم يبلغه غيرهم. ومن أعظم أبنيتهم (الأهرام) «١» وهي قبور اتخذوها في غاية الوثاقة حفظا لأجسامهم، وكان لهم بها العناية التامة، وابتنوا منها عدة بالجبل الغربي من النيل، بعضها مقابل الفسطاط، وبعضها ببوصير السّدر وسقّارة ودهشور من الأعمال الجيزية، وبعضها بميدوم من البهنساوية؛ وأعظمها خطرا وأجلّها قدرا الهرمان المقابلان للفسطاط «٢» ، يقال إن طول عمود كل هرم منهما ثلاثمائة وسبعة عشر ذراعا «٣» ، تحيط بها أربعة سطوح متساوية الأضلاع، طول كل ضلع منها أربعمائة وستون ذراعا. قال أبو الصلت: ليس على وجه الأرض بناء باليد حجر على حجر بهذا المقدار. ويقال: إن لها أبوابا في أزج «٤» في الأرض طول كل درج مائة وخمسون ذراعا. وباب الهرم الشرقي من الجهة البحرية، وباب الهرم الغربي من الناحية الغربية. والصابئة «٥» تحجّ هذين الهرمين ويقولون: إن أحدهما قبر إدريس ﵇، والآخر قبر ابنه صابىء الذي إليه ينتسبون.

стр. 1451

وقد اختلف في بانيها فأكثر المؤرخين على أن بانيها سوريد «١» بن سهلوق أحد ملوك مصر قبل الطوفان، الآتي ذكره في الكلام على ملوكها فيما بعد إن شاء الله تعالى، جعلها قبورا لأجسادهم، وكنوزا لأموالهم، حين أخبره منجّموه وكهنته بما دلهم عليه الرّصد النجوميّ من حدوث حادثة تعمّ الأرض؛ ورجحه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وقال: لو بنيت الأهرام بعد الطوفان، لكان علمها عند الناس. وذكر ابن عفير عن أشياخه أن بانيها جيّاد بن مياد بن شمر بن شدّاد بن عاد ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇. قال: ولم تزل مشايخ مصر يقولون: إن الذي بناها شدّاد بن عاد، وذهب المسعودي وغيره إلى أنه بناها يوسف ﵇. وقال ابن شبرمة: بنتها العمالقة حين ملكوا مصر. وبالجملة فهما من أعظم الآثار وأقدمها وأجلّ المباني وأدومها؛ ولله القائل: انظر إلى الهرمين واسمع منهما ... ما يرويان عن الزّمان الغابر لو ينطقان لخبّرانا بالّذي ... صنع الزمان بأوّل وبآخر

стр. 1452

وكيفما كان فمآلهما إلى الخراب، شأن الدنيا ومبانيها. وقد كان المأمون، أحد خلفاء بني العباس، حين دخل إلى مصر في سنة ست عشرة ومائتين قصد هدمهما فلم يقدر، فأعمل الحيلة في فتح طاقة في أحدهما يتوصل منها إلى مزلقان «١» ، يصعد في أعلاه إلى قاعة بأعلى الهرم، بها ناووس «٢» من حجر، وينزل في أسفله إلى بئر تحت الأرض لم يعلم ما فيها. ويقال: إنه وجد في أعلاه مالا فاعتبره فإذا هو قدر المال الذي صرفه من غير زيادة ولا نقص «٣» ؛ وقد أخذ الآن في قطع حجارتهما الظاهرة لاتخاذ البلاط منها، فإن طال الزمان يوشك أن يخربا كغيرهما من المباني. ولله المتنبي حيث يقول: أين الذي الهرمان من بنيانه؟ ... ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟ تتخلّف الآثار عن أصحابها ... دهرا، ويدركها الفناء فتتبع قال إبراهيم بن وصيف شاه في كتاب «العجائب» : وقد قيل إن هوجيب أحد ملوك مصر قبل الطوفان أيضا بنى الهرم الكبير الذي بدهشور «٤» ؛ والثاني بناه قفطريم، بن قفط، بن قبطيم، بن مصر، بن بيصر، بن حام، بن نوح ﵇ بعد الطّوفان. قال القضاعيّ: أما الهرم الذي بدير أبي هرميس «٥» ، وهو الهرم المدرّج، يعني الذي شماليّ أهرام دهشور؛ فإنه قبر قرياس، وهو فارس أهل مصر، كان يعدّ

стр. 1453

فيهم بألف فارس، فلما مات جزع عليه ملكه وبنى له هذا الهرم فدفنه فيه. قال: وقبر الملك نفسه الهرم الكبير من الأهرام التي غربيّ دير أبي هرميس، وعلى بابه لوح من الحجر الكذّان طوله ذراع في ذراع مكتوب بالخط البرباويّ «١» . ومن عظيم بنيانهم أيضا ولطيف حكمهم (البرابي) «٢» وهي بيوت عبادة كانت لهم، زبروا «٣» فيها حكمهم، ورقموا تواريخ ملوكهم، وصوّروا فيها صور الأمم التي حولهم. فمتى قصدتهم أمة من الأمم، أوقعوا بصورهم المصوّرة من النّكال ما أرادوا، فيصيب تلك الأمة على البعد ما أوقعوه بتلك الصور، إلى غير ذلك من الحكم التي أودعوها والطّلّسمات التي وضعوها بجدرانها. ويقال: إن أوّل من بنى البرابي بمصر دلوكة العجوز، التي ملكت مصر بعد فرعون لعنه الله!. قال في «مسالك الأبصار» : وقد أخبرني الحكيم شمس الدين محمد بن سعد الدمشقيّ «٤» أنه رآها وتأملها، فوجدها مشتملة على جميع أشكال الفلك، وأن الذي ظهر له أنه لم يعملها حكيم واحد بل تولّى عليها قوم بعد قوم حتّى تكاملت في دور، وهو ثلاثون ألف سنة، لأن مثل هذه الأعمال لا تعمل إلا بالأرصاد ولا يكمل رصد المجموع في أقل من هذه المدّة. قلت: ويجوز أن يكون الرّصد حصل على الوجه المذكور، وزبر ورقم في الكتب، فلما بنى الثاني هذه البرابي، نقل منها ما زبر فى الكتب من ذلك الزمن المتقدّم.

стр. 1454

واعلم أن أكثر البرابي بالوجه القبليّ من الديار المصرية، وبالوجه البحري القليل منها، وقد استولى الخراب على جميعها، وذهبت معالمها ولم يبق إلا آثارها، والذي وقفت عليه في التواريخ، ووقفت على آثار غالبه ورسومه سبع براب: (منها) بربا سمنّود «١» ؛ كانت بظاهر سمنّود من الأعمال الغربية بالوجه البحريّ. قال الكنديّ: رأيتها وقد خزّن فيها بعض عمّالها قرضا «٢» فرأيت الجمل إذا دنا من بابها بحمله وأراد أن يدخلها، سقط كل دبيب «٣» في القرظ «٤» فلا يدخل منها شيء إلى البربا. قال القضاعي: ثم خربت عند الخمسين وثلاثمائة. (ومنها) بربا تميّ «٥» بالمرتاحية من الوجه البحري على القرب من مدينة تميّ الخراب، وعامة أهل تلك الناحية يقولون بربا عاد، وهي باقية بجدرانها، وسقوفها من أعظم الحجارة العظيمة، إلى الآن باقية، وبأعلى بابها قطعة مبنية بالطوب الآجرّ والجصّ، وداخلها أحواض عظيمة من الصوّان غريبة الشأن. (ومنها) بربا إخميم «٦» ، وهي بربا بظاهر مدينة إخميم من الوجه القبليّ؛ كانت من أعظم البرابي وأحسنها صنعة وأكبرها حكمة، ولم تزل عامرة إلى أوساط

стр. 1455

المائة الثامنة، فأخذ في هدمها والعمارة بأحجارها خطيب إخميم، ولم يبق إلا آثارها، وبعض جدرانها قائمة إلى الآن. (ومنها) بربا دندرة «١» من الأعمال القوصية. قال القضاعي: وهي بربا عجيبة فيها مائة وثمانون كوّة تدخل الشمس في كل يوم في كوّة منها، ثم تكرّ راجعة إلى الموضع الذي بدأت منه، وهي الآن خراب لم يبق إلا آثارها. (ومنها) بربا الأقصر «٢» : وكانت بربا عظيمة فهدمت أيضا، ولم يبق منها إلا آثارها. ومن بقايا الآثار بها صنم عظيم من حجر صوّان أملس، قائم على باب ضريح الشيخ أبي الحجاج الأقصريّ «٣» على حاله إلى الآن، ومر عليه زمن الشيخ وهو على ذلك، ولعله إنما أراد ببقائه التنبيه على ضعف عقول عبدة الأصنام لكونهم يعبدون حجرا مثل هذا. (ومنها) بربا أرمنت «٤» ، وهي بربا صغيرة قد ذهبت معالمها، ولم يبق بها إلا عمد صوّان قائمة من غير شيء محمول عليها. (ومنها) بربا إسنا «٥» ، وهي متوسطة القدر بين الكبر والصغر، وقد بقي منها

стр. 1456

قطعة جيدة جعلت شونة «١» للغلال، وأهل إسنا يذكرون أن الفأر لا يدخلها، وإن دخلها مات. ومن الآثار العجيبة بمصر أيضا مسلّتان بعين شمس على القرب من المطريّة من ضواحي القاهرة من حجر صوّان أحمر محدّدتا الرأسين. ذكر القضاعي: أن الشمس تطلع على الجنوبية منهما في أقصر يوم في السنة، وعلى الشّمالية في أطول يوم في السنة، وتتردّد فيما بينهما في بقية السنة. وذكر أنه كان عليهما صومعتان «٢» من نحاس، إذا كان زمن زيادة النيل تقاطر الماء من أعلاهما إلى أسفلهما، فينبت حولهما العوسج، وما في معناه من الحشيش. ومن العجائب حائط العجوز، وهو حائط من لبن، بنتها دلوكة ملكة مصر بعد فرعون، من العريش إلى أسوان، دائرة على أراضي مصر من شرقيّها وغربيّها في لحف جبليها؛ وجعلت بين كل ثلاثة أميال محرسا، وشقّت خليجا من النيل إلى جانبها، وآثارها باقية إلى الآن بالجانب الشرقي والجانب الغربي. المقصد الثاني عشر في ذكر قواعدها المستقرّة وهي ثلاث قواعد، قد تقاربت واختلطت حتّى صارت كالقاعدة الواحدة . القاعدة الأولى مدينة الفسطاط (بفاء مضمومة وسين مهملة ساكنة وطاء مهملة مفتوحة بعدها ألف ثم طاء ثانية في الآخر) . ويقال فيه فسطاط بإبدال الطاء الأولى تاء وفسّاط. قال الجوهري:

стр. 1457

وكسر الفاء لغة فيهن؛ وهي المدينة المعروفة بين العامة بمصر واسمها القديم باب أليون «١» . قال أبو السعادات بن الأثير «٢» في نهايته: (بفتح الهمزة وسكون اللام وضم الياء المثناة تحت وسكون الواو ونون في الآخر) . قال القضاعي: وهو اسمها بلغة الرّوم والسّودان ولذلك يعرف القصر الذي بالشرق بباب أليون، وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة. قال في «كتاب الأطوال» : وطولها ثلاث وخمسون درجة، وعرضها ثلاثون درجة وعشر دقائق. وقال في «القانون» «٣» : طولها أربع وخمسون درجة وأربعون دقيقة، وعرضها تسع وعشرون درجة وخمس وخمسون دقيقة. وقال ابن سعيد: طولها ثلاث وخمسون درجة وخمسون دقيقة، وعرضها تسع وعشرون درجة وخمس وخمسون دقيقة. وقال في «رسم المعمور» : طولها أربع وخمسون درجة وأربعون دقيقة والذي عليه عمل أهل زماننا في وضع الآلات وغيرها طول خمس وخمسين درجة، وعرض ثلاثين.

стр. 1458

واختلف في سبب «١» تسميتها بالفسطاط، فقال ابن قتيبة: إن كل مدينة تسمّى فسطاطا ولذلك سميت مصر الفسطاط. وقال الزّمخشريّ: الفسطاط اسم لضرب من الأبنية، في القدر دون السّرادق «٢» والذي عليه الجمهور أنه يسمّى بذلك لمكان فسطاط عمرو بن العاص ﵁ يعني خيمته، وذلك أن عمر لما فتح الحصن المعروف بقصر الشمع في سنة إحدى وعشرين من الهجرة واستولى عليه ضرب فسطاطه على القرب منه، فلما قصد التوجه إلى الإسكندرية لفتحها، أمر بنزع فسطاطه للرحيل، فإذا بحمام قد أفرخ فيه فقال: لقد تحرّم منا بحرم، وأمر بإقرار الفسطاط مكانه، وأوصى على الحمام، وسار إلى الإسكندرية ففتحها، ثم عاد إلى فسطاطه ونزل به ونزل الناس حوله، وابتنى داره الصغرى التي هي على القرب من الجامع العتيق مكان فسطاطه وأخذ الناس في الاختطاط حوله فتنافست القبائل في المواضع والاختطاط، فولّى عمرو على الخطط معاوية بن حديج التّجيبيّ، وشريك بن سميّ الغطيفيّ، وعمرو بن قحزم الخولانيّ، وحيويل بن ناشرة المعافري، ففصلوا بين القبائل وأنزلوا الناس منازلهم «٣» ، فاختطّوا «٤» الخطط «٥» وبنوا الدور والمساجد، وعرفت كل خطة بالقبيلة أو الجماعة التي اختطتها أو بصاحبها الذي اختطها. فأما الخطط والآدر التي عرفت بالقبائل والجماعات: (فمنها) خطّة أهل الراية، وهم جماعة من قريش، والأنصار، وخزاعة، وأسلم، وغفار، ومزينة، وأشجع، وجهينة، وثقيف، ودوس، وعبس بن

стр. 1459

بغيض، وجرش من بني كنانة، وليث بن بكر «١» ؛ لم يكن لكل منهم من العدد ما ينفرد به بدعوة من الديوان فجعل لهم عمرو بن العاص راية لم ينسبها إلى أحد، وقال: يكون وقوفكم تحتها، فكانت لهم كالنسب الجامع، وكان ديوانهم عليها فعرفوا بأهل الراية، وانفردوا بخطّة وحدهم، وخطّتهم من أعظم الخطط وأوسعها. (ومنها) خطّة مهرة، وهم بنو مهرة بن حيدان بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة ابن مالك بن حمير، من قبائل اليمن. (ومنها) خطّة تجيب، وهم بنو عديّ وسعد ابني الأشرس بن شبيب بن السّكن بن الأشرس بن كندة؛ وتجيب اسم أمهما عرفت القبيلة بها. (ومنها) خطط لخم، وهي ثلاث: الأولى، بنو لخم «٢» بن عديّ «٣» بن مرّة بن أدد، ومن خالطهم من جذام «٤» . والثانية، بنو عبد ربه بن عمرو بن الحارث بن وائل بن راشدة بن لخم. والثالثة، بنو راشدة بن أذبّ بن «٥» جزيلة بن لخم. (ومنها) خطط اللّفيف، وهم جماعة من القبائل تسارعوا إلى مراكب الرّوم حين بلغ عمرا قدومهم الإسكندرية عند فتحها، فقال لهم عمرو «٦» ، وقد استكثرهم: إنكم لكما قال الله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً «٧» فسمّوا اللّفيف من يومئذ.

стр. 1460

(ومنها) خطط أهل الظاهر، وهم جماعة من القبائل قفلوا من الإسكندرية بعد قفول عمرو بن العاص، فوجدوا الناس قد أخذوا منازلهم، فتحاكموا إلى معاوية بن حديج الذي جعله عمرو على الخطط، فقال لهم: إني أرى لكم أن تظهروا على هذه القبائل فتتخذوا لكم منازل، فسميت منازلهم الظاهر «١» . (ومنها) خطط غافق «٢» ، وهم بنو غافق بن الحارث «٣» بن عكّ بن عدثان بن عبد الله بن الأزد. (ومنها) خطط الصّدف (بفتح الصاد وكسر الدال المهملتين) . وهم بنو مالك ابن سهل بن عمرو بن حمير من قبائل اليمن، وقيل بنو مالك بن مرقّع بن كندة، سمّي الصّدف لأنه صدف بوجهه عن قومه حين أتاهم سيل العرم. (ومنها) خطط خولان، وهم بنو خولان بن عمرو بن «٤» مالك بن زيد بن عريب. (ومنها) خطط الفارسيين «٥» ، وهم بقايا جند باذان، عامل كسرى ملك الفرس على اليمن. (ومنها) خطط مذحج، وهم بنو مالك «٦» بن مرّة بن أدد بن زيد بن كهلان بن عبد الله.

стр. 1461

(ومنها) خطّة يحصب، وهم بنو يحصب بن «١» مالك بن أسلم بن زيد بن غوث بن حمير. (ومنها) خطّة رعين، وهم بنو رعين بن زيد بن سهل بن يعفر بن مرّة بن أدد. (ومنها) خطّة بني الكلاع، وهو الكلاع بن شرحبيل بن سعد بن حمير. (ومنها) خطّة المعافر، وهم بنو المعافر بن يعفر «٢» بن مرّة بن أدد. (ومنها) خطط سبإ؛ وهم بنو مالك بن زيد بن «٣» وليعة بن معبد بن سبإ. (ومنها) خطّة بني وائل، وهو وائل بن زيد مناة بن أفصى بن إياس بن حرام ابن جذام بن عديّ. (ومنها) خطّة القبض، وهم بنو القبض بن مرثد. (ومنها) خطط الحمراوات، وهي ثلاث «٤» ، سميت بذلك لنزول الروم «٥» بها، وهم حمر الألوان: الأولى- الحمراء الدّنيا، وبها خطة بليّ، وهم بنو بليّ بن عمرو بن إلحاف بن قضاعة إلا من كان منهم في أهل الراية، وخطّة ثراد من الأزد، وخطة فهم، وهم بنو فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان، وخطة بني بحر بن سوادة من الأزد «٦» . الثانية- الحمراء الوسطى، وبها خطة بني نبه، وهم قوم من الروم حضروا

стр. 1462

الفتح؛ وخطّة هذيل، وهم بنو هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر وخطّة بني سلامان «١» من الأزد. الثالثة- الحمراء القصوى، وهي خطة بني الأزرق من الرّوم وحضر الفتح منهم أربعمائة رجل، وخطّة بني يشكر بن جزيلة «٢» من لخم، وإليهم ينسب جبل يشكر الذي بني عليه جامع أحمد بن طولون الآتي ذكره مع جوامع الفسطاط إن شاء الله تعالى. (ومنها) خطط حضر موت، وهم بنو حضر موت بن عمرو بن قيس بن معاوية بن حمير إلى غير ذلك من الخطط «٣» التي درست قبل الاهتمام بالتأليف في الخطط. واعلم أنه كان في خلال هذه الخطط دور جماعة كثيرة من الصحابة رضوان الله عليهم ممن حضر الفتح. (منها) دار عمرو بن العاص «٤» ، ودار الزّبير بن العوام «٥» ، ودار قيس بن سعد بن عباد الأنصاري «٦» ، ودار مسلمة بن مخلّد الأنصاري «٧» ، ودار عبد

стр. 1463

الرحمن بن عديس البلويّ «١» ، ودار وهب بن عمير بن وهب بن خلف الجمحي، ودار نافع بن عبد القيس بن لقيط الفهري، ودار سعد بن أبي وقّاص «٢» ، ودار عقبة بن عامر الجهنيّ «٣» ، ودار القاسم وعمرو ابني قيس بن عمرو، ودار عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامريّ، ودار مسعود بن الأسود بن عبد شمس بن حرام البلويّ، ودار المستورد بن شداد الفهريّ، ودار حييّ بن حرام اللّيثيّ، (وفي صحبته خلاف) ، ودار الحارث بن مالك اللّيثي المعروف بابن البرصاء، ودار بشر بن أرطاة العامريّ، ودار أبي ثعلبة الخشني، ودار إياس بن البكير الليثيّ، ودار معمر بن عبد الله بن نضلة القرشيّ العدويّ، ودار أبي الدّرداء الأنصاريّ، ودار يعقوب القبطيّ «٤» رسول المقوقس إلى رسول الله ﷺ مع مارية: أم ولده إبراهيم وأختها شيرين، ودار مهاجر مولى أم سلمة زوج النبيّ ﷺ ، ودار علبة بن زيد الأنصاريّ، ودار محمد بن مسلمة الأنصاريّ، ودار أبي الأسود مسروح بن سندر الخصيّ «٥» ، ودار عبد الله بن عمر «٦» بن الخطّاب، ودار خارجة بن حذافة بن غانم العدويّ «٧» ، ودار عقبة بن الحارث «٨» ، ودار عبد الله بن حذافة السهميّ «٩» ، ودار محمية بن جزء الزّبيديّ، ودار المطّلب بن أبي

стр. 1464

وداعة السّهميّ، ودار هبيب بن معقل الغفاريّ، وبه يعرف وادي هبيب بالقرب من الإسكندرية، ودار عبد الله بن السائب المخزوميّ، ودار جبر القبطيّ رسول المقوقس إلى رسول الله ﷺ ، ودار يزيد بن زياد الأسلميّ، ودار عبد الله بن ريّان الأسلميّ «١» ، (وفي صحبته خلاف) ، ودار أبي عميرة رشيد بن مالك المزنيّ، ودار سباع بن عرفطة الغفاريّ «٢» ، ودار نضلة بن الحارث الغفاريّ، ودار الحارث بن أسد الخزاعيّ (وفي صحبته خلاف) ، ودار عبد الله بن هشام بن زهرة «٣» من ولد تميم بن مرّة، ودار خارجة «٤» بن حذافة بن غانم العدويّ، وهو أوّل من ابتنى غرفة بالفسطاط، فكوتب عمر بن الخطاب ﵁ في أمرها فكتب إلى عمرو بن العاص: أن ادخل غرفة خارجة وانصب فيها سريرا، وأقم عليه رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، فإن اطّلع من كواها فاهدمها، ففعل عمرو فلم يبلغ الكوى فأقرّها، ودار محمد بن حاطب الجمحي «٥» ، ودار رفاعة الدّوسيّ، ودار فضالة بن عبيد الأنصاريّ، ودار المطلب «٦» بن أبي وداعة السهميّ. إلى غير ذلك من الدور التي أغفلت ذكرها أصحاب الخطط «٧» . قلت: وكان أمراء مصر القائمون مقام ملوكها الآن ينزلون بالفسطاط، ولم يكن لهم في ابتداء الأمر مقرّة معيّنة، ولا دار للإمارة مخصوصة. فنزل عمرو بن

стр. 1465

العاص أوّل أمرائها بداره على القرب من الجامع، ولم يزل كلّ أمير بعده ينزل بالدار التي يكون بها سكنه إلى آخر الدولة الأمويّة، وكان عبد العزيز بن مروان، وهو أمير مصر في خلافة أخيه عبد الملك بن مروان قد بنى دارا عظيمة بالفسطاط سنة سبع وستين من الهجرة وسماها دار الذهب، وجعل لها قبّة مذهبة إذا طلعت عليها الشمس لا يستطيع الناظر التأمل فيها خوفا على بصره، وكانت تعرف بالمدينة لسعتها وعظمها وكان عبد العزيز ينزلها، ثم نزلها بنوه بعده، فلما هرب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة إلى مصر، نزل هذه الدار فلما رهقه القوم، أمر بإحراقها، فلامه في ذلك بعض بني عبد العزيز بن مروان فقال: إن أبق، أبنها لبنة من ذهب ولبنة من فضّة، وإلا فما تصاب به في نفسك أعظم، ولا يتمتع بها عدوّك من بعدك. فلما غلب بنو العبّاس على بني أميّة وهرب مروان بن محمد آخر خلفاء بني أميّة إلى الديار المصرية، وتبعه عليّ بن صالح بن عليّ الهاشميّ إلى أن أدركه بمصر وقتله «١» واستقر أميرا على مصر في خلافة السّفّاح أوّل خلفاء بني العباس، ابتنى دارا للإمارة ونزلها، وصارت منزلة للأمراء بعده إلى أن ولي «٢» أحمد بن طولون الديار المصرية فنزل بها في أوّل أمره، ثم اختطّ بعد ذلك قصره المعروف بالميدان فيما بين قلعة الجبل الآن والمشهد النّفيسي وما يلي ذلك في سنة ست وخمسين ومائتين، وكان له عدّة أبواب: بعضها عند المشهد النفيسيّ، وبعضها «٣» عند جامعه الآتي ذكره، واختطّ الناس حوله واقتطع كل أحد قطيعة ابتنى بها، فكان يقال: قطيعة هارون بن خمارويه، وقطيعة السّودان، وقطيعة الفرّاشين، فعرف ذلك المكان بالقطائع، وتزايدت العمارة حتّى اتّصلت بالفسطاط، وصار الكلّ بلدا واحدا، ونزل أحمد بن طولون بقصره المذكور، وكذلك بنوه بعده، وأهملت

стр. 1466

دار الإمارة التي ابتناها عليّ بن صالح بالفسطاط، واستقرّ الأمر على ذلك بعده أيام ابنه خمارويه «١» وولديه جيش وهارون، وزادت العمارة بالقطائع في أيامهما، وكثرت الناس فيها حتّى قتل هارون بن خمارويه بعد قتل أبيه وأخيه، وسار محمد بن سليمان «٢» الكاتب بالعساكر من العراق من قبل المستكفي بالله، ووصل إلى مصر في سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وقد ولّى الطّولونيّة عليهم ربيعة بن أحمد بن طولون، فتسلم البلد منه وخرّب القطائع وهدم القصر وقلع أساسه، وخرب موضعه حتّى لم يبق له أثر. وكان بدر الخفيفي غلام أحمد بن طولون قد بنى دارا عظيمة بالفسطاط عند المصلّى القديمة، وقيل اشتراها له أحمد بن طولون، ثم سخط عليه أحمد فنكبه، وسكنها بعده طاهر بن خمارويه ثم سكنها بعده الحمامي غلام أحمد بن طولون. فلما هدم محمد بن سليمان الكاتب قصر بني طولون بالقطائع، سكن هذه الدار، ثم سكنها عيسى النّوشريّ «٣» أمير مصر بعده، واستقرّت منزلة للأمراء إلى أن ولي الإخشيد «٤» مصر فزاد فيها وعظّمها، وعمل لها ميدانا وجعل له بابا من حديد، وذلك في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، ولم تزل منزلة للأمراء إلى أن غلبت الخلفاء الفاطميون الإخشيديّة على مصر وبنى القائد جوهر القاهرة والقصر فنقل باب هذه الدار إلى القاهرة، وصار القصر منزلة لهم على ما سيأتي ذكره في الكلام على خطط القاهرة إن شاء الله تعالى.

стр. 1467

وصار الفسطاط في كل وقت تتزايد عمارته حتّى صار في غاية العمارة ونهاية الحسن، به الآدر الأنيقة، والمساجد القائمة، والحمامات الباهية، والقياسر الزاهية، والمستنزهات الرائقة، ورحل الناس إليه من سائر الأقطار، وقصدوه من جميع الجهات، وغصّ بسكّانه، وضاق فضاؤه الرحيب عن قطّانه، حتّى حكى صاحب «إيقاظ المتغفّل» «١» عن بعض سكّان الفسطاط أنه دخل حمّاما من بناء الروم في أيام خمارويه بن طولون في سنة سبع وثلاثمائة فلم يجد فيها صانعا يخدمه، وكان فيها سبعون صانعا قلّ منهم من معه ثلاثة نفر يغسلهم، وأنه دخل بعدها حمّاما ثم حمّاما فلم يجد من يخدمه إلا في الحمّام الرابعة «٢» ، وكان الذي خدمه معه ثان «٣» . وحكى في موضع آخر عمن يثق به عن أبيه أنه شاهد من مسجد الوكرة «٤» بالفسطاط إلى جامع ابن طولون قصبة سوق متصلة، فعدّ ما بها من مقاعد الحمّص المصلوق «٥» فكانت ثلاثمائة وتسعين مقعدا غير الحوانيت وما بها. وحكى أيضا عمن أخبره أنه عدّ الأسطال النّحاس المؤبدة في البكر لاستقاء الماء في الطاقات المطلّة على النيل، فكانت ستة عشر ألف سطل. قال: وبلغ أجرة مقعد يكرى عند البيمارستان الطولونيّ «٦» بالفسطاط في كل يوم اثني عشر درهما.

стр. 1468

وذكر ابن حوقل «١» أنه كان بالفسطاط في زمانه دار تعرف بدار ابن عبد العزيز بالموقف «٢» يصبّ لمن فيها من السكان في كل يوم أربعمائة راوية ماء، وفيها خمسة مساجد وحمّامان وفرنان. قلت: ولم يزل الفسطاط زاهي البنيان، باهي السّكّان إلى أن كانت دولة الفاطميين بالديار المصرية، وعمرت القاهرة على ما سيأتي ذكره فتقهقر حاله وتناقص، وأخذ الناس في الانتقال عنه إلى القاهرة وما حولها، فخلا من أكثر سكّانه، وتتابع الخراب في بنيانه، إلى أن غلب «٣» الفرنج على أطراف الديار المصرية في أيام العاضد، آخر خلفاء الفاطميين، ووزيره يومئذ شاور السعديّ «٤» ، فخاف على الفسطاط أن يملكه الفرنج ويتحصنوا به، فأضرم في مساكنه النار فأحرقها فتزايد الخراب فيه وكثر الخلق. ولم يزل الأمر على ذلك في تقهقر أمره إلى أن كانت دولة الظاهر بيبرس أحد ملوك التّرك بالديار المصرية، فصرف الناس همتهم إلى هدم ما خلا من أخطاطه

стр. 1469

والبناء بنقضه بساحل النيل بالفسطاط والقاهرة، وتزايد الهدم فيه واستمرّ إلى الآن، حتّى لم يبق من عمارته إلا ما بساحل النيل، وما جاوره إلى ما يلي الجامع العتيق وما دانى ذلك، ودثرت أكثر الخطط القديمة وعفا رسمها، واضمحلّ ما بقي منها وتغيرت معالمه. وإذا نظرت إلى خطط الكنديّ والقضاعي والشريف النّسّابة، عرفت ما كان الفسطاط عليه من العمارة وما صار إليه الآن؛ وإنما أجرينا ذكر بعض الخطط المتقدّمة، حفظا لأسمائها وتنبيها على ما كانت عليه، إلا أن في ساحله المطلّ على النيل الآن وما جاور ذلك المباني الحسنة، والدور العظيمة، والقصور العالية، التي تبهج الناظر، وتسرّ الخاطر. وكان أكثر بنيانه بالآجرّ المحكوك والجبس والجير من أوثق بناء وأمكنه، وآثاره الباقية تشهد له بذلك، وقد صار ما خرب منه ودثر كيمانا كالجبال العظيمة، وهجر غالبها وترك، وسكن في بعضها رعاع الناس ممن لا يعبأ به في جوانب منها لا تعدّ في العامر. ومن كيمانه المشهورة التي ذكرها القضاعيّ: كوم الجارح، وكوم دينار «١» ، وكوم السمكة «٢» ، وكوم الزينة «٣» ، وكوم الترمس؛ وزاد صاحب «إيقاظ المتغفل» كوم بني وائل، وكوم ابن غراب، وكوم الشقاق، وكوم المشانيق «٤» . ويقابل الفسطاط من الجهة البحرية جزيرة الصّناعة المعروفة الآن بالرّوضة «٥» ، كانت صناعة العمائر «٦» أوّلا بها فنسبت إليها.

стр. 1470

قال الكندي: وكان بناؤها في سنة أربع وخمسين ثم غلب عليها اسم الروضة لحسنها ونضارتها وإطافة الماء بها، وما بها من البساتين والقصور، وهي جزيرة قديمة كانت موجودة في زمن الروم. وكان بها حصن عليه سور وأبراج، وبين الفسطاط وبينها جسر ممتدّ من المراكب على وجه النيل كما في جسر بغداد على الدجلة ولم يزل قائما إلى أن قدم المأمون مصر فأحدث عليه جسرا من خشب تمر عليه المارة وترجع، وبعد خروج المأمون من مصر هبّت ريح عاصفة في الليل فقطعت الجسر القديم، وصدمت بسفنه الجسر المحدث فذهبا جميعا، ثم أعيد الجسر المحدث وبطل القديم. وقد ذكر القضاعيّ: أنه كان موجودا إلى زمنه، وكان في الدولة الفاطمية، ثم جدّد الحصن المذكور أحمد بن طولون أمير مصر في خلافة المعتمد في سنة ثلاث ومائتين، ثم استهدم بعد ذلك بتأثير النيل في أبراجه ومرور الزمان عليه، ثم بنى الصالح نجم الدين أيوب قلعة مكانه في سنة ثمان وثلاثين وستمائة «١» ، وبقيت حتّى هدمها المعز أيبك التركماني أوّل ملوك الترك. وعمر من نقضها مدرسته المعزّية برحبة الخروب، واتخذ الناس مكانها أملاكا، وهي على ذلك إلى زماننا، ولم يبق بها إلا بعض أبراج اتخذها الناس أملاكا وعمروا عليها بيوتا. فلما ملك الظاهر بيبرس، همّ بإعادتها فلم يتفق له ذلك وبقيت على حالها. قلت: وكانت أرفة «٢» النيل التي بين جزيرة الصناعة وبين الفسطاط هي أقوى الفرقتين والتي بين الجزيرة والجيزة هي الضعيفة، ثم انعكس الأمر إلى أن صار ما بين الجزيرة والفسطاط يجف ولا يعلوه الماء إلا في زيادة النيل، ويبدو بين آخر الفسطاط وهذه الجزيرة على فوّهة خليج القاهرة. [ويوجد في أوّل

стр. 1471

الخليج] «١» حيث السدّ الذي يفتح عند وفاء النيل مكان كالجزيرة، يعرف بمنشأة المهراني كان كوما يحرق فيه الآجرّ يعرف بالكوم الأحمر، عدّه القضاعي في جملة كيمان الفسطاط. قال صاحب «إيقاظ المتغفل» : وأوّل من ابتدأ فيه العمارة بلبان المهراني «٢» في الدولة الظاهرية بيبرس فنسبت المنشأة إليه. ويلي الفسطاط من غربيّه بركة تعرف ببركة الحبش «٣» ، وهي أرض مزدرعة، قال القضاعيّ: كانت تعرف ببركة المعافر وحمير، وكان في شرقيها جنّات تعرف بالحبش فنسبت إليها. وذكر ابن يونس «٤» في تاريخه: أن تلك الجنات تعرف بقتادة بن قيس بن حبشي الصدفي، وهو ممن شهد فتح مصر. قلت: وهي الآن موقوفة على الأشراف من ولد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وقفها عليهم الصالح طلائع بن رزيك وزير الفائز والعاضد من الخلفاء الفاطميين. ويليه من قبليّه حيث القرافة المكان المعروف بالخندق، كان قد احتفره عبد الرحمن بن عيينة خندقا في سنة خمس وستين من الهجرة عند مسير مروان بن الحكم إلى مصر، فعرف بذلك.

стр. 1472

وأما جوامعه فستة: الأول الجامع العتيق المعروف بجامع عمرو «١» وذلك أن عمرا لما بني داره الصغرى مكان فسطاطه على ما تقدّم ذكره، اختط الجامع المذكور في خطّة أهل الراية المتقدّمة الذكر. قال القضاعيّ: وكان جنانا فيما ذكر الليث بن سعد «٢» . قال: وكان الذي حاز موضعه قيسبة بن كلثوم التّجيبيّ أحد بني سوم، فنزله في حصار الحصن المعروف بقصر الشّمع، فلما رجع عمرو من الإسكندرية، سأل قيسبة فيه ليجعله مسجدا فسلمه إليه، وقال: تصدّقت به على المسلمين، واختط له خطّة مع قومه في بني سوم في تجيب «٣» ؛ فبني في سنة إحدى وعشرين، وكان طوله خمسين ذراعا في عرض ثلاثين ذراعا، ويقال: إنه وقف على قبلته ثمانون رجلا من الصحابة رضوان الله عليهم: منهم الزّبير بن العوّام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصّامت، وأبو الدّرداء، وأبو ذرّ الغفاريّ، وأبو بصرة الغفاريّ وغيرهم؛ ولم يكن له يومئذ محراب مجوّف بل عمد قائمة بصدر الجدار، وكان له بابان يقابلان دار عمرو بن العاص، وبابان في بحريّه، وبابان في غربيّه، وطوله من قبليّه إلى بحريّه «٤» مثل

стр. 1473

طول دار عمرو، وبينه وبين دار عمرو سبعة أذرع. ولما فرغ من بنائه، اتخذ عمرو بن العاص له منبرا يخطب عليه، فكتب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يعزم عليه في كسره، ويقول: أما يكفيك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس تحت عقبيك؟ فكسره. ويقال: إنه أعاده إليه بعد وفاة أمير المؤمنين عمر ﵁. وقيل إن زكريا بن مرقيا «١» ملك النّوبة أهدى لعبد الله بن أبي سرح العامريّ في إمارته على مصر منبرا «٢» فجعله في الجامع؛ ثم زاد فيه مسلمة بن مخلّد الأنصاري «٣» في سنة ثلاث وخمسين من الهجرة، وهو يومئذ أمير مصر من قبل معاوية بن أبي سفيان زيادة من بحريّه، وزخرفه؛ وهو أول من صلّى على الموتى داخل الجامع «٤» ، وتوالت فيه الزيادات والتجديدات إلى زماننا. وأول من رتب فيه قراءة المصحف عبد العزيز بن مروان «٥» في إمارته في سنة ست وسبعين، ورفع عبد الله بن عبد الملك سقفه في سنة تسع وثمانين بعد أن كان مطأطأ، ثم جعل فيه المحراب المجوّف قرّة بن شريك العبسيّ اتّباعا لعمر بن عبد العزيز في

стр. 1474

محراب مسجد رسول الله ﷺ في المدينة، وأحدث فيه المقصورة تبعا لمعاوية حيث فعل ذلك بالشأم. وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة أمر موسى بن نصير اللخميّ وهو أمير «١» مصر باتخاذ المنابر في جميع جوامع قرى مصر. وأول من نصب اللوح الأخضر فيه عبد الله بن طاهر «٢» ، وهو أمير مصر في سنة اثنتي عشرة ومائتين؛ ثم احترق الرّواق الذي فيه اللوح الأخضر في ولاية خمارويه بن أحمد بن طولون، فعمره «٣» خمارويه في سنة خمس وسبعين ومائتين. ثم جدّد اللوح «الظاهر بيبرس» في سنة ست وستين وستمائة. ثم جدّد اللوح الأخضر برهان الدين المحلّي التاجر في سلطنة «الظاهر برقوق» في أواخرها «٤» . وقد وصف صاحب «إيقاظ المتغفل» الجامع على ما كان في زمانه في حدود ثلاث عشرة وسبعمائة فقال: إن ذرعه ثمانية وعشرون ألفا بذراع العمل «٥» ، مقدّمه ثمانية آلاف ذراع وتسعمائة ذراع وخمسون ذراعا، ومؤخّره ثمانية آلاف ذراع وتسعمائة وخمسون ذراعا، وصحنه خمسة آلاف ذراع، جانبه الشرقيّ ألفا ذراع وخمسمائة ذراع وخمسون ذراعا، وجانبه الغربيّ كذلك؛ وأبوابه ثلاثة عشر بابا لكل باب منها اسم يخصّه في جانبه القبلي باب واحد «٦» ، وبه أربعة وعشرون

стр. 1475

رواقا، سبعة في مقدمه، وسبعة في مؤخّره، وخمسة في شرقيه، وخمسة في غربيّه؛ وفيه ثلاثمائة عمود وثمانية وستون «١» عمودا، بعضها منفرد وبعضها مضاف مع غيره؛ وبصدره ثلاثة محاريب: المحراب الكبير المجاور للمنبر، والمحراب الأوسط، ومحراب الخمس؛ وفيه خمس صوامع «٢» : إحداها في ركنه القبليّ مما يلي الغربي، وهي الغرفة، والثانية في ركنه القبلي مما يلي الشرقيّ، وهي المنارة الكبرى، والثالثة في ركنه البحريّ مما يلي الشرقيّ، وتعرف بالجديدة؛ والرابعة فيما بين هذه المنارة والمنارة الآتي ذكرها، وتعرف بالسعيدة؛ والخامسة في الركن البحريّ مما يلي الغربي «٣» مقابل باب السطح، وتعرف بالمستجدّة. وهو على هذه الصفة إلى الآن لكنه قد استهدم رواق اللوح الأخضر والرواقات التي داخله، فأمر السلطان الملك الظاهر ببنيانها، فعلقت جدره على الخشب، فاخترمته «٤» المنية قبل الشروع في البناء، وأخذ القاضي برهان الدين المحلّي تاجر الخاص في عمارة ذلك، فهدم رواق اللوح الأخضر وما داخله، وجدّد اللوح الذي كان قد نصبه الظاهر بيبرس، وعمر الرواقات المستهدمة أنفس عمارة وأحسنها. قلت: ومما يجب التنبيه عليه أنه قد تقدّم أنه وقف على إقامة محراب هذا الجامع ثمانون رجلا من الصحابة، وحينئذ فيلحق بمحاريب البصرة والكوفة على الوجه الصائر إليه بعض أصحابنا الشافعية في أنه لا يجتهد في التيامن والتياسر «٥» في محاريبهما كما نبه عليه الشيخ تقيّ الدين السبكي «٦» في شرح منهاج النوويّ في
следующие страницы →