Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الخليج] «١» حيث السدّ الذي يفتح عند وفاء النيل مكان كالجزيرة، يعرف بمنشأة المهراني كان كوما يحرق فيه الآجرّ يعرف بالكوم الأحمر، عدّه القضاعي في جملة كيمان الفسطاط.
قال صاحب «إيقاظ المتغفل» : وأوّل من ابتدأ فيه العمارة بلبان المهراني «٢» في الدولة الظاهرية بيبرس فنسبت المنشأة إليه.
ويلي الفسطاط من غربيّه بركة تعرف ببركة الحبش «٣» ، وهي أرض مزدرعة، قال القضاعيّ: كانت تعرف ببركة المعافر وحمير، وكان في شرقيها جنّات تعرف بالحبش فنسبت إليها. وذكر ابن يونس «٤» في تاريخه: أن تلك الجنات تعرف بقتادة بن قيس بن حبشي الصدفي، وهو ممن شهد فتح مصر.
قلت: وهي الآن موقوفة على الأشراف من ولد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وقفها عليهم الصالح طلائع بن رزيك وزير الفائز والعاضد من الخلفاء الفاطميين.
ويليه من قبليّه حيث القرافة المكان المعروف بالخندق، كان قد احتفره عبد الرحمن بن عيينة خندقا في سنة خمس وستين من الهجرة عند مسير مروان بن الحكم إلى مصر، فعرف بذلك.
стр. 1472
وأما جوامعه فستة:
الأول الجامع العتيق المعروف بجامع عمرو «١»
وذلك أن عمرا لما بني داره الصغرى مكان فسطاطه على ما تقدّم ذكره، اختط الجامع المذكور في خطّة أهل الراية المتقدّمة الذكر.
قال القضاعيّ: وكان جنانا فيما ذكر الليث بن سعد «٢» . قال: وكان الذي حاز موضعه قيسبة بن كلثوم التّجيبيّ أحد بني سوم، فنزله في حصار الحصن المعروف بقصر الشّمع، فلما رجع عمرو من الإسكندرية، سأل قيسبة فيه ليجعله مسجدا فسلمه إليه، وقال: تصدّقت به على المسلمين، واختط له خطّة مع قومه في بني سوم في تجيب «٣» ؛ فبني في سنة إحدى وعشرين، وكان طوله خمسين ذراعا في عرض ثلاثين ذراعا، ويقال: إنه وقف على قبلته ثمانون رجلا من الصحابة رضوان الله عليهم: منهم الزّبير بن العوّام، والمقداد بن الأسود، وعبادة بن الصّامت، وأبو الدّرداء، وأبو ذرّ الغفاريّ، وأبو بصرة الغفاريّ وغيرهم؛ ولم يكن له يومئذ محراب مجوّف بل عمد قائمة بصدر الجدار، وكان له بابان يقابلان دار عمرو بن العاص، وبابان في بحريّه، وبابان في غربيّه، وطوله من قبليّه إلى بحريّه «٤» مثل
стр. 1473
طول دار عمرو، وبينه وبين دار عمرو سبعة أذرع. ولما فرغ من بنائه، اتخذ عمرو بن العاص له منبرا يخطب عليه، فكتب إليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ يعزم عليه في كسره، ويقول: أما يكفيك أن تقوم قائما والمسلمون جلوس تحت عقبيك؟ فكسره. ويقال: إنه أعاده إليه بعد وفاة أمير المؤمنين عمر ﵁.
وقيل إن زكريا بن مرقيا «١» ملك النّوبة أهدى لعبد الله بن أبي سرح العامريّ في إمارته على مصر منبرا «٢» فجعله في الجامع؛ ثم زاد فيه مسلمة بن مخلّد الأنصاري «٣» في سنة ثلاث وخمسين من الهجرة، وهو يومئذ أمير مصر من قبل معاوية بن أبي سفيان زيادة من بحريّه، وزخرفه؛ وهو أول من صلّى على الموتى داخل الجامع «٤» ، وتوالت فيه الزيادات والتجديدات إلى زماننا. وأول من رتب فيه قراءة المصحف عبد العزيز بن مروان «٥» في إمارته في سنة ست وسبعين، ورفع عبد الله بن عبد الملك سقفه في سنة تسع وثمانين بعد أن كان مطأطأ، ثم جعل فيه المحراب المجوّف قرّة بن شريك العبسيّ اتّباعا لعمر بن عبد العزيز في
стр. 1474
محراب مسجد رسول الله ﷺ في المدينة، وأحدث فيه المقصورة تبعا لمعاوية حيث فعل ذلك بالشأم.
وفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة أمر موسى بن نصير اللخميّ وهو أمير «١» مصر باتخاذ المنابر في جميع جوامع قرى مصر. وأول من نصب اللوح الأخضر فيه عبد الله بن طاهر «٢» ، وهو أمير مصر في سنة اثنتي عشرة ومائتين؛ ثم احترق الرّواق الذي فيه اللوح الأخضر في ولاية خمارويه بن أحمد بن طولون، فعمره «٣» خمارويه في سنة خمس وسبعين ومائتين. ثم جدّد اللوح «الظاهر بيبرس» في سنة ست وستين وستمائة. ثم جدّد اللوح الأخضر برهان الدين المحلّي التاجر في سلطنة «الظاهر برقوق» في أواخرها «٤» .
وقد وصف صاحب «إيقاظ المتغفل» الجامع على ما كان في زمانه في حدود ثلاث عشرة وسبعمائة فقال: إن ذرعه ثمانية وعشرون ألفا بذراع العمل «٥» ، مقدّمه ثمانية آلاف ذراع وتسعمائة ذراع وخمسون ذراعا، ومؤخّره ثمانية آلاف ذراع وتسعمائة وخمسون ذراعا، وصحنه خمسة آلاف ذراع، جانبه الشرقيّ ألفا ذراع وخمسمائة ذراع وخمسون ذراعا، وجانبه الغربيّ كذلك؛ وأبوابه ثلاثة عشر بابا لكل باب منها اسم يخصّه في جانبه القبلي باب واحد «٦» ، وبه أربعة وعشرون
стр. 1475
رواقا، سبعة في مقدمه، وسبعة في مؤخّره، وخمسة في شرقيه، وخمسة في غربيّه؛ وفيه ثلاثمائة عمود وثمانية وستون «١» عمودا، بعضها منفرد وبعضها مضاف مع غيره؛ وبصدره ثلاثة محاريب: المحراب الكبير المجاور للمنبر، والمحراب الأوسط، ومحراب الخمس؛ وفيه خمس صوامع «٢» : إحداها في ركنه القبليّ مما يلي الغربي، وهي الغرفة، والثانية في ركنه القبلي مما يلي الشرقيّ، وهي المنارة الكبرى، والثالثة في ركنه البحريّ مما يلي الشرقيّ، وتعرف بالجديدة؛ والرابعة فيما بين هذه المنارة والمنارة الآتي ذكرها، وتعرف بالسعيدة؛ والخامسة في الركن البحريّ مما يلي الغربي «٣» مقابل باب السطح، وتعرف بالمستجدّة.
وهو على هذه الصفة إلى الآن لكنه قد استهدم رواق اللوح الأخضر والرواقات التي داخله، فأمر السلطان الملك الظاهر ببنيانها، فعلقت جدره على الخشب، فاخترمته «٤» المنية قبل الشروع في البناء، وأخذ القاضي برهان الدين المحلّي تاجر الخاص في عمارة ذلك، فهدم رواق اللوح الأخضر وما داخله، وجدّد اللوح الذي كان قد نصبه الظاهر بيبرس، وعمر الرواقات المستهدمة أنفس عمارة وأحسنها.
قلت: ومما يجب التنبيه عليه أنه قد تقدّم أنه وقف على إقامة محراب هذا الجامع ثمانون رجلا من الصحابة، وحينئذ فيلحق بمحاريب البصرة والكوفة على الوجه الصائر إليه بعض أصحابنا الشافعية في أنه لا يجتهد في التيامن والتياسر «٥» في محاريبهما كما نبه عليه الشيخ تقيّ الدين السبكي «٦» في شرح منهاج النوويّ في
стр. 1476
الفقه، لكن قد ذكر القضاعي في خططه عن الليث بن سعد وابن لهيعة أنهما كانا يتيامنان في صلاتهما فيه، وأن محرابه كان مشرقا جدّا، وأن قرّة بن شريك حين هدمه وبناه، تيامن به قليلا.
وقد حكى الشيخ تقيّ الدين السبكي في شرح المنهاج أيضا عن بعض علماء الميقات: أنه أخبره أن فيه الآن انحرافا قليلا. قال: ولعله من تغيير البناء، وقد سألت بعض علماء هذا الشأن عن ذلك، فأخبرني عن الشيخ تقيّ الدين أبي الطاهر رأس علماء الميقات في زماننا أنه كان يقول: من الدلالة على صحة عملنا في استخراج القبلة موافقته لمحراب الجامع العتيق.
الثاني الجامع الطّولوني «١»
بناه أحمد بن طولون في سنة «٢» تسع وخمسين ومائتين على الجبل المعروف بجبل يشكر.
قال القضاعيّ: وينسب إلى يشكر بن جزيلة «٣» من لخم، كان خطّة لهم.
قال ابن عبد الظاهر: وهو جبل مبارك معروف بإجابة الدعاء فيه.
стр. 1477
قال: ويقال: إن الله تعالى كلم موسى ﵇ عليه. ويقال: إن ابن طولون أنفق على هذا الجامع مائة ألف دينار وعشرين ألفا من كنز وجده. ويقال:
إنه لما فرغ من بنائه أمر بتسمع ما يقوله الناس فيه من العيوب، فسمع رجل يقول:
محرابه صغير، وآخر يقول: ليس فيه عمود، وآخر يقول: ليس فيه ميضأة، فقال:
أما المحراب، فإني رأيت النبيّ ﷺ ، وقد خطه لي، فأصبحت فرأيت النّمل قد أطافت بالمكان الذي خطه لي. وأما العمد، فإني بنيته من مال حلال، وهو الكنز الذي وجدته فما كنت لأشوبه بغيره، والعمد لا تكون إلا من مسجد أو كنيسة فنزهته عن ذلك. وأما الميضأة، فأردت تطهيره من النجاسات، وها أنا أبنيها خلفه، ثم أمر ببنائها على القرب.
ويحكى أنه كان لا يبعث بشيء قط، وأنه أخذ يوما درج ورق أبيض وأخرجه ومده كالحلزون، ثم استيقظ لنفسه وظن أنه فطن له، فأمر بعمارة المنارة على تلك الهيئة، وعلى نظير العشاري الذي على رأسها عمل العشاري على رأس قبة الإمام الشافعي ﵁. ولما فرغ من بناء الجامع رأى في منامه كأن نارا نزلت من السماء فأحرقت الجامع دون ما حوله فقصّ «١» رؤياه على عابر فقال له: بشراك قبوله، فإن الأمم الخالية كانوا إذا قرّبوا قربانا فتقبّل، نزلت نار من السماء فأكلته، كما في قصة هابيل وقابيل؛ ورأى مرة أخرى كأن الحق تجلّى على ما حول الجامع فعبره له عابر بأنه يخرب ما حول الجامع ويبقي هو، بدليل قوله تعالى: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
«٢» وكان الأمر كذلك، فهدمت «٣» منازل بني طولون في نكبتهم ولم يبق منها إلا الجامع.
стр. 1478
الثالث جامع راشدة «١»
بناه الحاكم بأمر الله الفاطميّ جنوبيّ الفسطاط، على القرب من الرصد «٢» ، وأدخله في وقفه مع الجامع الأزهر وجامع المقس «٣» .
قال في «إيقاظ المتغفل» : ليس هو بجامع راشدة حقيقة، وإنما جامع راشدة كان بالقرب منه، وهو جامع قديم بنته قبيلة يقال لها راشدة «٤» عند الفتح الإسلامي، فلما بنى الحاكم هذا سمي باسمه. قال: وقد أدركت بعضه ومحرابه، وكان فيه شجر كثير من شجر المقل «٥» .
الرابع جامع الرصد
بناه الأمير عز الدين أيبك الأفرم «٦» أمير جاندار «٧» الصالحيّ النجميّ في
стр. 1479
شهور سنة ثلاث وستين وستمائة، عمر منظرته المعروفة به هناك، وعمر رباطا «١» بجانبه قرّر فيه عددا تنعقد به الجمعة مقيمين فيه ليلا ونهارا.
الخامس جامع الشعيبية «٢» بظاهر مصر أيضا
بناه الأمير عز الدين الأفرم المذكور في سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وسكنه الشيخ شمس الدين بن اللبان الفقيه الشافعيّ الصوفيّ فعرف به الآن.
السادس الجامع الجديد «٣»
بناه السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون بالقرب من موردة الحلفاء «٤» ، وبدأ بعمارته في التاسع من المحرّم في سنة إحدى عشر «٥» وسبعمائة، وانتهت عمارته في ثامن صفر سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، وخطب به قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعي «٦» ، وصلّى فيه الجمعة في التاسع «٧» من الشهر المذكور، ورتب فيه صوفية يحضرونه بعد العصر كما في الخوانق «٨» ، وهو من
стр. 1480
أحسن الجوامع وأنزهها بقعة خصوصا في أيام زيادة النيل.
وأما مساجد الخمس
- فكانت على العدد «١» الذي لا يحصى لكثرتها، وخطط القضاعي شاهدة بذلك.
وقد رأيت في بعض التواريخ أن الفناء وقع في أيام كافور الإخشيدي حتى لم يجدوا من يقبل الزكاة، فأتوا بها إلى كافور فلم يقبلها، وقال: ابنوا بها المساجد واتخذوا لها الأوقاف، فكان ذلك سبب زيادة الكثرة فيها، ولكنها الآن قد خربت بخراب الفسطاط ودثرت ولم يبق إلا آثار القليل منها.
وأما المدارس
«٢» - فكان المتقدّمون يجلسون للعلم بالجامع العتيق؛ وأول من أحدث المدارس بالفسطاط بنو أيوب، فعمر السلطان صلاح الدين ﵀ مدرستين:
إحداهما- مدرسة المالكية
«٣» ، المعروفة بالقمحية في المحرم سنة ست وستين وخمسمائة، وسميت بالقمحية لأن معلومها يصرف للمدرسين والطلبة قحما.
стр. 1481
قال العماد الكاتب «١» : وكانت قبل ذلك سوقا يباع فيه الغزل «٢» .
والثانية- المدرسة المعروفة «٣» بابن زين التجار
، وكانت سجنا يسجن فيه فبناها السلطان صلاح الدين مدرسة ووقفها «٤» على الشافعية، ووقف عليها الصاغة المجاورة لها ثم عمر الملك المظفر تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب بالمكان المعروف بمنازل العز بالقرب من باب القنطرة قبلي الفسطاط مدرسة «٥» ووقف عليها أوقافا من جملتها جزيرة الصّناعة المعروفة بالرّوضة.
ثم بنى السلطان الملك المعزّ أيبك التركماني أول ملوك الترك مدرسته المعزية برحبة الخرّوب في شهور سنة أربع وخمسين وستمائة.
وعمر الصاحب شرف الدين بن الفائزي مدرسته الفائزية قبل وزارته في شهور سنة سبع وثلاثين وستمائة.
وعمر الصاحب بهاء الدين بن حنّا المدرسة الصاحبية بزقاق القناديل بعد «٦» ذلك.
وأما الخوانق والرّبط
- فلم «٧» تعهد بالفسطاط، غير أن الصاحب بهاء الدين
стр. 1482
ابن حنّا عمر رباط الآثار الشريفة النبوية بظاهر قبليّ الفسطاط واشترى الآثار الشريفة وهي ميل «١» من نحاس، وملقط من حديد، وقطعة من العنزة «٢» ، وقطعة من القصعة بجملة مال وأثبتها بالاستفاضة وجعلها بهذا الرباط للزيارة.
وأما البيمارستان
«٣» - فأول من أنشأه بالفسطاط أحمد بن طولون في سنة تسع وخمسين ومائتين «٤» وأنفق عليه ستين ألف دينار.
قال القضاعيّ: ولم يكن قبله بيمارستان بمصر، وشرط ألا يعالج فيه جنديّ ولا مملوك.
القاعدة الثانية القاهرة
(بألف ولام لازمين في أولها وقاف مفتوحة بعدها ألف ثم هاء مكسورة وراء مهملة مفتوحة ثم هاء في الآخر) ويقال فيها القاهرة المعزّيّة نسبة إلى المعزّ الفاطميّ الذي بنيت له، وربما قيل المعزية القاهرة، سميت بذلك تفاؤلا، وهي المدينة العظمى التي ليس لها نظير في الآفاق، ولا يسمع بمثلها في مصر من الأمصار.
بناها القائد جوهر المعزيّ لمولاه المعزّ لدين الله أبي تميم معدّ بن المنصور أبي الطاهر إسماعيل بن القائم أبي القاسم محمد بن المهديّ بالله أبي محمد عبيد الله الفاطميّ في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، عند وصوله إلى الديار المصرية
стр. 1483
من المغرب، واستيلائه عليها، وموقعها شمالي الفسطاط المتقدّم ذكره على القرب منه.
قال في «الروض المعطار» : وبينهما ثلاثة أميال. وكأنه يريد ما كان عليه الحال في ابتداء عمارة القاهرة وهو ما بين سور الفسطاط وسور القاهرة.
أما الآن فقد انتشرت الأبنية واتصلت العمارة حتى كادت المدينتان تتصلان أو اتصلتا.
قال القاضي محي الدين بن عبد الله الظاهر في خطط القاهرة: والذي استقرّ عليه الحال أن حدّ القاهرة من السبع سقايات إلى مشهد السيدة رقيّة عرضا، وكان قبل ذلك من المجنونة.
قال ابن سعيد: وكان مكانها قبل العمارة بستانا لبني «١» طولون على القرب من منازلهم المعروفة بالقطائع. وكيفما كان، فطولها وعرضها في معنى طول الفسطاط وعرضه أو أكثر عرضا بقليل، وكان ابتداء عمارتها أنّ أمر إفريقيّة وغيرها من بلاد المغرب كان قد أفضى إلى المعزّ المذكور، وقوي طمعه في مصر بعد موت كافور الإخشيدي وهي يومئذ والشأم والحجاز بيد أحمد بن علي بن الإخشيد أستاذ كافور وهو صبيّ لم يبلغ الحلم، والمتكلم في المملكة أهل دولته، والحسين بن عبد الله في الشأم كالنائب أو الشريك له، يدعى له بعده على المنابر.
وكانت مصر قد ضعف عسكرها لما دهمها من الغلاء والوباء، فجهز المعزّ قائده جوهر. المتقدّم ذكره، فبرز جوهر إلى مدينة رقّادة «٢» من بلاد إفريقيّة في أكثر من مائة ألف وما يزيد على ألف صندوق من المال، وخرج المعزّ لتشييعه، فقال للمشايخ الذين معه: «والله لو خرج جوهر هذا وحده لفتح مصر، وليدخلنها
стр. 1484
بالأردية من غير حرب، ولينزلن في خرابات ابن طولون، ويبني مدينة تسمّى القاهرة تقهر الدنيا» وكان للمعز غلام ببرقة اسمه أفلح، فكتب إليه المعزّ أن يترجّل لجوهر إذا عبر عليه ويقبل يديه، فبذل مائة ألف دينار على أن يعفى من ذلك، فأبى المعزّ إلا ذلك، فترجّل من مكانه وقبّل يديه، وسار جوهر حتّى دخل مصر وتسلمها لسبع عشرة ليلة بقيت من شعبان سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، ونزل في مناخه من سفره موضع القاهرة الآن ليلا، واختط القصر في بنائه وعمارة القاهرة، واختط الناس حوله.
فأما القصر [وكان له تسعة أبواب]
- فإنه اختطه في الليلة التي أناخ فيها قبل أن يصبح، فلما أصبح رأى فيه ازورارات غير معتدلة فلم يعجبه، ثم قال: قد حفر في ليلة مباركة وساعة سعيدة، فتركه على حاله وتمادي في بنيانه حتّى أكمله.
ومكانه الآن المدرسة الصالحية بين القصرين إلى رحبة الأيدمريّ طولا، ومن السبع خوخ إلى رحبة باب العيد عرضا، والحدّ الجامع لذلك أن تجعل باب المدرسة الصالحية على يسارك وتمضي إلى السبع خوخ، ثم إلى مشهد الحسين، ثم إلى رحبة الأيدمري، ثم إلى الركن المخلّق، ثم إلى بين القصرين حتّى تأتي إلى باب المدرسة الصالحية من حيث ابتدأت؛ فما كان على يسارك في جميع دورتك فهو موضع القصر.
وكان له تسعة أبواب بعضها أصلي وبعضها مستحدث:
أحدها- باب الذهب
«١» ، ويقال إنه كان مكان المدرسة الظاهرية الآن.
الثاني- باب البحر
، ويقال إن مكانه باب قصر بشتاك «٢» . قال ابن عبد الظاهر
стр. 1485
وهو من بناء الحاكم.
الثالث- باب الزّهومة
، ومكانه قاعة شيخ الحنابلة بالمدرسة الصالحية، وكانت الصاغة مطبخا للقصر، وكانوا يدخلون بالطعام إلى القصر من ذلك الباب فسمي باب الزهومة لذلك، والزّهومة: الذّفر.
الرابع- باب التربة
؛ ويقال إن مكانه بين باب الزّهومة المتقدّم الذكر ومشهد الحسين.
الخامس- باب الدّيلم
، وهو باب مشهد الحسين.
السادس- باب قصر الشوك
، ومكانه بالموضع المعروف بقصر الشوك على القرب من رحبة الأيدمريّ.
السابع- باب العيد
، وهو باب البيمارستان العتيق، سمي بذلك لأن الخليفة كان يخرج منه لصلاة العيد، وإليه تنسب رحبة باب العيد.
الثامن- باب الزّمرّد
، وهو إلى جانب باب العيد المتقدّم ذكره.
التاسع- باب الريح
، وقد ذكر ابن الطّويّر أنه كان في ركن القصر الذي يقابل سور دار سعيد السعداء التي هي الخانقاه الآن.
ثم استجد المأمون بن البطائحي وزير الآمر تحت القوس الذي بين باب الذهب وباب البحر ثلاث مناظر، وسمى إحداها الزاهرة، والثانية الفاخرة، والثالثة الناضرة. وكان «الآمر» يجلس فيها لعرض العساكر في عيد الغدير، والوزير واقف في قوس باب الذهب، وكان مكان السيوفيين الآن سلسلة ممتدّة إلى ما يقابلها تعلق في كل يوم من وقت الظهر حتى لا يجوز تحت القصر راكب، ولذلك يعرف هذا المكان بدرب السلسلة.
ومما هو داخل في حدود القصر «مشهد الحسين» .
وسبب بنائه أن رأس الإمام الحسين ﵇ كانت بعسقلان، فخشي الصالح طلائع بن رزّيك عليها من الفرنج فبني جامعه خارج باب زويلة، وقصد
стр. 1486
نقل الرأس إليه فغلبه الفائز على ذلك، وأمر بابتناء هذا المشهد، ونقل الرأس إليه في سنة تسع وأربعين وخمسمائة.
ومن غريب ما اتفق من بركة هذه «١» الرأس الشريفة ما حكاه القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب حتى استولى على هذا القصر بعد موت العاضد، آخر خلفاء الفاطميين بمصر، قبض على خادم من خدّام القصر وحلق رأسه وشدّ عليها طاسا داخله خنافس فلم يتأثر بها، فسأله السلطان صلاح الدين عن ذلك وما السر فيه، فأخبر أنه حين أحضرت الرأس الشريفة إلى المشهد حملها على رأسه، فخلّى عنه السلطان وأحسن إليه.
وكان بجوار القصر قصر صغير يعرف بالقصر النافعيّ من جهة السبع خوخ فيه عجائز الفاطميين.
قلت: ولم يزل هذا القصر منزلة الخلفاء الفاطميين من لدن المعزّ أوّل خلفائهم بمصر وإلى آخر أيام العاضد آخر خلفائهم، وكان الوزراء ينزلون بدار الوزارة التي ابتناها أمير الجيوش بدر الجمالي داخل باب النصر مكان الخانقاه الركنية بيبرس الآن. فلما ولي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الوزارة عن العاضد بعد عمه أسد الدين شير كوه، نزل بدار الوزارة المذكورة، وبقي بها حتّى مات العاضد فتحوّل إلى القصر وسكنه؛ ثم سكنه بعده أخوه العادل أبو بكر. فلما ملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر انتقل منه إلى قلعة الجبل على ما سيأتي ذكره في الكلام على القلعة إن شاء الله تعالى. وصارت دار الوزارة المتقدّمة الذكر منزلا للرسل الواردين من الممالك إلى أن عمر مكانها السلطان الملك المظفر بيبرس الجاشنكير الخانقاه المعروفة به، وخلا القصر من حينئذ من ساكنيه، وأهمل أمره فخرب.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: قال لي بوّاب لباب الزّهومة اسمه
стр. 1487
مرهف في سنة ثلاثين وستمائة: كان لي على هذا الباب المدّة الطويلة ما رأيته دخل فيه حطب ولا رمي منه تراب. قال: وهذا أحد أسباب خرابه لوقود أخشابه وتكويم ترابه؛ ثم أخذ الناس بعد ذلك في تملكه واستحكاره، وعمرت فيه المدارس والآدر، فبنى السلطان الملك الصالح «نجم الدين أيوب» فيه مدرسته الصالحية، ثم بنى «الظاهر بيبرس» فيه مدرسته الظاهرية، وبنى فيه بشتاك أحد أمراء الدولة الناصرية محمد بن قلاوون فيه قصره المعروف به، وجعلت دار الضرب في وسطه، ولم يبق من آثاره إلا البيمارستان العتيق، فإنه كان قاعة بناها العزيز بالله بن المعزّ الفاطمي على ما سيأتي ذكره.
وكذلك القبة التي على رأس السالك من هذا البيمارستان إلى رحبة باب العيد، وبعض جدر لا يعتدّ بها قد دخلت في جملة الأملاك.
وأما (أبواب القاهرة وأسوارها) فإن القائد جوهرا حين اختطّها جعل لها أربعة أبواب: بابين متقاربين، وبابين متباعدين. فالمتقاربان (باب زويلة) نسبة إلى زويلة: قبيلة من قبائل البربر الواصلين مع جوهر من المغرب، ولذلك يقع في عبارة الموثّقين وغيرهم بابا زويلة؛ وأحد هذين البابين القوس الموجود الآن المجاور للمسجد المعروف بسام بن نوح ﵇. والثاني كان موضع الحوانيت التي يباع فيها الجبن على يسرة القوس المتقدّم ذكره يدخل منه إلى المحمودية. وكان سبب إبطاله وسدّه أن المعزّ الذي بنيت له القاهرة لما دخلها عند وصوله من المغرب، دخل من القوس الموجود الآن هناك فازدحم الناس فيه وتجنبوا الدخول من الباب الآخر، واشتهر بين الناس أن من دخل منه لم تقض له حاجة، فرفض وسدّ وجعل زقاق جنوبيّه يتوصل منه إلى المحمودية، وزقاق شماليّه يتوصل منه إلى الأنماطيين وما يليها.
والبابان المتباعدان هما القوس الذي داخل باب الفتوح خارج حارة بهاء الدين وقوس آخر كان على حياله داخل باب النصر بالقرب من وكالة قيسون الآن،
стр. 1488
فهدم ثم ابتنى أمير الجيوش بدر الجمالي المتقدّم ذكره في سنة ثمانين وأربعمائة سورا من لبن دائرا على القاهرة، وبعضه باق إلى زماننا بخط سوق الغنم داخل الباب المحروق؛ ثم ابتنى «١» الأفضل بن أمير الجيوش باب زويلة، وباب النصر، وباب الفتوح الموجودين الآن فيما ذكره القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في خططه، إلا أنه ذكر في مواضع أخر منها أن باب زويلة بناه «٢» العزيز بالله وأكمله بدر الجمالي، وهو من أعظم الأبواب وأشمخها، وليس له باشورة «٣» على الأبواب، وفيه يقول علي بن محمد النيلي:
يا صاح لو أبصرت باب زويلة ... لعلمت قدر محلّه بنيانا
باب تأزّر بالمجرّة وارتدى الشّعرى ... «٤» ولاث برأسه كيوانا
لو أنّ فرعونا رآه لم يرد ... صرحا ولا أوصى به هامانا
قال ابن عبد الظاهر: (وباب سعادة) ربما ينسب إلى سعادة بن حيان غلام المعزّ، وكان قد ورد من عنده في جيش إلى جوهر وولي الرملة بعد ذلك.
قال: (وباب القنطرة) منسوب إلى القنطرة التي أمامه، وهي من بناء القائد جوهر بناها عند خوفه من القرامطة ليجوز عليها إلى المقس. والقوس الذي بالشارع الأعظم خارج باب زويلة على رأس المنجبية عند الطيوريين الآن كان بابا بناه الحاكم بأمر الله خارج القاهرة، وكان يعرف بالباب الجديد.
стр. 1489
(وباب الخوخة) الذي على القرب من قنطرة الموسكي أظنه من بناء الفاطميين أيضا. ولما ملك السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» الديار المصرية انتدب لعمارة أسوار القاهرة ومصر في سنة تسع وستين وخمسمائة الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي الرومي على كثرة من أسرى الفرنج عندهم يومئذ، بنى سورا دائرا عليها وعلى قلعة الجبل والفسطاط، ولم يزل البناء به حتّى توفي السلطان صلاح الدين ﵀ وهو الموجود الآن؛ وجعل فيها عدّة أبواب:
منها: باب البحر، وباب الشعرية، وباب البرقية، والباب المحروق؛ وابتنى برجين عظيمين أحدهما بالمقس على القرب من جامع باب البحر، وهو الذي هدمه الصاحب شمس الدين المقسيّ وزير الأشرف شعبان بن حسين على رأس السبعين والسبعمائة، وأدخله في حقوق الجامع المذكور حين جدّد بناءه؛ والثاني بباب القنطرة جنوبي الفسطاط.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: وقياس هذا السور من أوّله إلى آخره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة وذراعان بالهاشميّ، من ذلك من باب البحر إلى البرج بالكوم الأحمر «١» ، يعني رأس منشأة المهراني المتقدّم ذكرها في الكلام على خطط الفسطاط عند فوّهة خليج القاهرة عشرة آلاف ذراع؛ ومن الكوم الأحمر المذكور إلى قلعة الجبل من جهة مسجد سعد الدولة سبعة آلاف ذراع ومائتا ذراع؛ ومن مسجد سعد الدولة المذكور إلى باب البحر ثمانية آلاف ذراع وثلاثمائة واثنان وتسعون ذراعا، ودائرة القلعة ثلاثة آلاف ذراع ومائة وعشرة أذرع.
стр. 1490
واقتصر السلطان عماد الدين صاحب حماة في تاريخه على ذرع السّور من غير تفصيل ولم يتعرّض للذراعين الزائدين.
قلت: وهذا السور قد دثر أكثره، وتغيرت معالم غالبه، للصوق عمائر الأملاك به حتّى إنه لا يتميز في غالب الأماكن من الأملاك، وسقط ما بين باب البحر إلى الكوم الأحمر حتّى لم يبق له أثر. على أن ما هو داخل سور القاهرة الأوّل من الأماكن أرضه سبخة وماؤه زعاق «١» .
قال ابن عبد الظاهر: ولذلك عتب المعزّ عند وصوله إلى الديار المصرية ودخوله القاهرة على جوهر لكونه لم يعمرها مكان المقس على القرب من باب البحر أو جنوبي الفسطاط على القرب من الرصد لتكون قريبة من النيل، عذبة مياه الآبار.
واعلم أن خطط القاهرة قد اتسعت وزادت العمارة حولها، وصار ما هو خارج سورها أضعاف ما هو داخله. ثم منها ما هو منسوب إلى دولة الفاطميين ومنها ما هو منسوب إلى من تقدّمهم من الملوك، إما لدروس اسمه الأوّل وغلبة اسمه الثاني عليه، وإما لاستحداثه بعد أن لم يكن؛ ومنها ما هو مجهول لانقطاع شهرته بطول الأيام ومرور الليالي. وإنما يقع التعرّض هنا للأماكن الظاهرة الشّهرة، الدائرة على الألسنة دون غيرها؛ وأنا أذكرها على ترتيب الأماكن لا على ترتيب القدم والحدوث.
أما خططها المشهورة داخل السور
: (فمنها) «حارة بهاء الدين»
داخل باب الفتوح، وتعرف بالطواشي بهاء الدين قراقوش باني سور القاهرة المتقدّم ذكره، وكانت في دولة الفاطميين تعرف
стр. 1491
ببين الحارتين؛ ثم اختطها قوم في الدولة الفاطمية يعرفون بالرّيحانية والعزيزية فعرفت بهم. فلما سكنها بهاء الدين قراقوش المذكور، اشتهرت به ونسي ما قبل ذلك.
(ومنها) «حارة برجوان»
وتعرف ببرجوان الخادم، كان خادم القصور في أيام العزيز بالله من المعزّ ثاني خلفاء الفاطميين بمصر، ووصّاه على ابنه الحاكم فعظم شأنه، ثم قتله الحاكم بعد ذلك. ويقال إنه خلف في تركته ألف سراويل بألف تكة حرير.
وبهذه الحارة كانت دار المظفر ابن أمير الجيوش بدر الجمالي.
(ومنها) «خط الكافوريّ»
كان بستانا لكافور الإخشيديّ، وبنيت القاهرة وهو بستان، وبقي إلى سنة إحدى وخمسين وستمائة، فاختطته طائفة البحرية والعزيزية إصطبلات، وأزيلت أشجاره وبقيت نسبته إلى كافور على ما كانت عليه.
(ومنها) «خط الخرنشف»
«١» كان ميدانا للخلفاء الفاطميين، وكان لهم سرداب تحت الأرض إليه من باب القصر يمرون فيه إلى الميدان المذكور راكبين، ثم جعل مصرفا للماء لما بنيت المدرسة الصالحية، ثم بنى به الغزّ بعد الستمائة إصطبلات بالخرنشف وسكنوها فسمي بذلك.
(ومنها) «درب شمس الدولة»
على القرب من باب الزّهومة، وكان في الدولة الفاطمية يعرف بحارة الأمراء، وبها كانت دار الوزير عباس وزير الظافر، وبها المدرسة المسرورية بناها مسرور الخادم، وكان أحد خدّام القصر في الدولة الفاطمية وبقي إلى الدولة الأيوبية، واختص بالسلطان صلاح الدين وتقدّم عنده،
стр. 1492
ثم سكنها شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخو السلطان صلاح الدين يوسف، وعمر بها دربا فعرف به ونسب إليه.
(ومنها) «حارة زويلة»
وتنسب إلى زويلة: قبيلة من البربر الواصلين صحبة «١» القائد جوهر على ما تقدّم ذكره في الكلام على باب زويلة، وهي حارة عظيمة متشعبة.
(ومنها) «الجودرية»
وتعرف بطائفة يقال لهم الجودريّة من الدولة الفاطمية نسبة إلى جودر خادم عبيد الله المهدي أبي الخلفاء الفاطميين، اختطوها وسكنوها حين بنى جوهر القاهرة، ثم سكنها اليهود بعد ذلك إلى أن بلغ الحاكم الفاطميّ أنهم يهزأون بالمسلمين ويقعون في حق الإسلام، فسدّ عليهم أبوابهم وأحرقهم ليلا، وسكنوا بعد ذلك حارة زويلة المتقدّمة الذكر.
(ومنها) «الوزيرية»
وتعرف بالوزير أبي الفرج يعقوب بن كلّس وزير المعز بالله الفاطمي، وكان يهوديّ الأصل يخدم في الدولة الإخشيدية، ثم هرب إلى المعزّ الفاطميّ بالمغرب لمال لزمه، فلقي عسكر المعز مع جوهر فرجع معه، وعظمت مكانته عند المعزّ حتّى استوزره، وكانت داره مكان مدرسة الصاحب صفيّ الدين بن شكر، وزير العادل أبي بكر بن أيوب، المعروفة بالصاحبية بسويقة الصاحب، وكانت قبل ذلك تعرف بدار الديباج.
(ومنها) «المحموديّة»
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: ولعلها منسوبة إلى الطائفة المعروفة بالمحمودية القادمة في أيام العزيز بالله الفاطميّ إلى مصر.
(ومنها) «حارة الروم»
داخل بابي زويلة، اختطها الرّوم الواصلون صحبة جوهر القائد حين بنائه القاهرة فعرفت بهم ونسبت إليهم إلى الآن.
(ومنها) «الباطلية»
قال ابن عبد الظاهر: تعرف بقوم أتوا المعزّ باني
стр. 1493
القاهرة وقد قسم العطاء في الناس فلم يعطهم شيئا، فقالوا: نحن على باطل؟
فسميت الباطلية.
(ومنها) «حارة الدّيلم»
وتعرف بالديلم الواصلين صحبة أفتكين المعزّي غلام المعز بن بويه الديلميّ، وكان قد تغلب على الشام أيام المعزّ الفاطميّ وقاتل القائد جوهرا واستنصر بالقرامطة، وخرج إليهم العزيز بالله فأسره في الرملة وقدم به إلى القاهرة فأجزل له العطاء، وأنزله هو وأصحابه بهذه الخطّة.
وبها كانت دار الصالح طلائع بن رزّيك باني الجامع الصالحيّ خارج باب زويلة، وكان يسكنها قبل الوزارة؛ وخوخته بها معروفة إلى الآن بخوخة الصالح.
(ومنها) «حارة كتامة»
على القرب من الجامع الأزهر بجوار الباطلية، وتعرف بقبيلة كتامة من البربر الواصلين صحبة جوهر من الغرب.
(ومنها) «إصطبل الطارمة»
بظاهر مشهد الحسين، كان إصطبلا للقصر، وبهذا الخط كانت دار الفطرة «١» التي يعمل فيها فطرة العيد، بناها المأمون بن البطائحي وزير الآمر، وكانت الفطرة قبل ذلك تعمل أبواب القصر، وسيأتي الكلام على الفطرة مستوفى في الكلام على ترتيب المملكة في الدولة الفاطمية فيما بعد إن شاء الله تعالى.
(ومنها) «حارة الصالحية»
قبليّ مشهد الحسين، كانت طائفة من غلمان الصالح طلائع بن رزّيك قد سكنوها فعرفت بهم ونسبت إليهم.
(ومنها) «البرقية»
قال ابن عبد الظاهر: اختطها قوم من أهل برقة قدموا صحبة جوهر فعرفت بهم. ورأيت بخطّ بعض الفضلاء بحاشية خطط ابن عبد الظاهر أن الصالح طلائع بن رزّيك لما قتل عباسا وزير الظافر وتقلد الوزارة عن
стр. 1494
الآمر، أقام جماعة من الأمراء يقال لهم البرقية عونا له وأسكنهم هذه الخطّة فنسبت إليهم.
(ومنها) «قصر الشوك»
على القرب من رحبة الأيدمري، قال ابن عبد الظاهر: كان قبل عمارة القاهرة منزلة لبني عذرة تعرف بقصر الشوك.
(ومنها) [ «خزانة البنود»
«١» ] وكانت خزانة السلاح في الدولة الفاطمية، ثم جعلت سجنا في الأيام المستنصرية، ثم احتكرت بعد ذلك وجعلت آدرا.
(ومنها) «رحبة باب العيد»
تنسب إلى باب العيد: أحد أبواب القصر المسمى بباب العيد المقدّم ذكره.
(ومنها) «درب ملوخيّة»
ينسب لملوخيّة صاحب ركاب الحاكم، وبه مدرسة القاضي الفاضل وزير السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وبه كانت داره.
(ومنها) «العطوف»
وأصل اسمها العطوفية: نسبة إلى عطوف خادم الحاكم.
(ومنها) «الجوّانية»
قال ابن عبد الظاهر: وهي صفة لمحذوف، وأصلها حارة الرّوم الجوّانية، وذلك أن الرّوم الواصلين صحبة جوهر اختطوا حارة الروم المتقدّمة الذكر وهذه الحارة، وكان الناس يقولون: حارة الروم الجوّانية فثقل ذلك عليهم، فأطلقوا على هذه الجوّانية وقصروا اسم حارة الروم على تلك.
стр. 1495
قال: والورّاقون إلى هذا الوقت يقولون حارة الروم السفلى، وحارة الروم العليا المعروفة بالجوّانية، ثم قال: ويقال إنها منسوبة إلى الأشراف الجوّانيين الذين منهم الشريف الجوّاني النّسّابة.
وأما خططها المشهورة خارج السور:
(فمنها) «الحسينيّة»
كانت في الأيام الفاطمية ثماني حارات خارج باب الفتوح أوّلها: الحارة المعروفة بحارة بهاء الدين المتقدّم ذكرها، وهي حارة حامد، والمنشأة الكبرى، والحارة الكبيرة، والمنشأة الصغيرة، وحارة عبيد الشراء، والحارة الوسطى، وسوق الكبير بمصر، والوزيرية، وكان يسكنها الطائفة المعروفة بالوزيرية والريحانية من الأرمن والعجمان وعبيد الشراء.
قال ابن عبد الظاهر: وكان بها من الأرمن قريب من سبعة آلاف نفس، ثم سكنها جماعة من الأشراف الحسينيين قدموا في أيام الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب من الحجاز إلى مصر، فنزلوا بهذه الأمكنة واستوطنوها فسميت «١» بهم، ثم سكنها الأجناد بعد ذلك وبنوا بها الأبنية العظيمة والآدر الضخمة.
قال ابن عبد الظاهر: هي أعظم حارات الأجناد.
قلت: وذلك بحسب ما كان الحال عليه في زمانه، ولكنها قد خربت في زماننا هذا، وانتقل الأجناد إلى الأماكن القريبة من القلعة بصليبة الجامع الطولوني ونحوها.
وبنى بهاء الدين قراقوش خانا للسبيل تنزله المارّة وأبناء السبيل فعرف خطه به.
стр. 1496
(ومنها) «الخندق»
خارج الحسينية بالخندق؛ كان عنده خندق احتفره العزيز بالله الفاطمي، وكان المعزّ قد أسكن المغاربة هناك في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة حين تبسطوا في القرافة والقاهرة وأخرجوا الناس من منازلهم، وأمر مناديا ينادي لهم كل ليلة: من بات منهم في المدينة استحقّ العقوبة.
(ومنها) «أرض الطّبّالة»
«١» منسوبة لامرأة مغنية اسمها نشب «٢» ، وقيل طرب، كانت مغنية للمستنصر الفاطميّ واسمه معدّ.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: ولما ورد الخبر عليه بأنه خطب له ببغداد في نوبة «٣» البساسيري قريب السنة غنته نشب هذه:
يا بني العبّاس صدّوا ... قد ولي الأمر معدّ
ملككم كان معارا ... والعواري تستردّ
فوهبها هذه الأرض في سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة فحكرت وبنيت آدرا فعرفت بها. قال: وكانت من ملح القاهرة وبهجتها؛ وفيها يقول ابن سعيد المغربي مجانسا بين القرط الذي ترعاه الدوابّ والقرط الذي يكون في الأذن:
стр. 1497
سقى الله أرضا كلّما زرت روضها ... كساها وحلّاها بزينته القرط
تجلّت عروسا والمياه عقودها ... وفي كلّ قطر من جوانبها قرط
(ومنها) «خط باب القنطرة»
قال ابن عبد الظاهر: ذكر لي علم الدين بن ممّاتي أنه في كتب الأملاك القديمة يسمّى بالمرتاحية.
(ومنها) «المقس»
«١» قال القضاعي في «خططه» : كانت ضيعة تعرف بأمّ دنين وكان العاشر الذي يأخذ المكس يقعد بها لاستخراج المال، فقيل المكس بالكاف ثم أبدلت الكاف في الألسنة قافا.
قال ابن عبد الظاهر: ومن الناس من يقول فيه المقسم لأن قسمة الغنائم في الفتوح كانت فيه. قال: ولم أر ذلك مسطورا، وكانت الدكة من نواحيه بستانا إذا ركب الخليفة من الخليج يوم الكسر أتى إليه في البر الغربي من الخليج في مركبة ويدخله بمفرده فيسقي منه فرسه، ثم يخرج إلى قصره على ما سيأتي ذكره في الكلام على ترتيب المملكة في الدولة الفاطمية، إن شاء الله تعالى.
قال ابن عبد الظاهر: والدكة الآن آدر وحارات شهرتها تغني عن وصفها فسبحان من لا يتغير.
قلت: وقد خرب أكثر تلك الآدر والحارات حتّى لم يبق منها إلا الرسوم، وبعضها باق يسكنه آحاد الناس.
(ومنها) «ميدان القمح»
كان قديما بستانا سلطانيّا يسمّى بالمقسيّ يدخل الماء إليه من الخليج المعروف بالخليج الذكر الذي بناه كافور الإخشيدي، ثم أمر الظاهر الفاطميّ بنقل أنشابه «٢» وحفره وجعله بركة قدّام اللؤلؤة، وأبقى الخليج
стр. 1498
المذكور مسلطا على البركة ليستنقع الماء فيها. فلما ضعف أمر الخلافة الفاطمية، وهجرت رسومها القديمة في التفرج في اللؤلؤة وغيرها، بنت السّودان المعروفون بالطائفة الفرحية الساكنون بالمقس عند ضيقه عليهم قبالة اللؤلؤة حارة سميت حارة اللّصوص بسبب تعدّيهم فيها مع غيرهم، ثم تنقلت بها الحال حتّى صار على ما هو عليه الآن.
(ومنها) «بر ابن التبان»
غربيّ خليج القاهرة، وينسب إلى ابن التبان رئيس حرّاقة «١» الخلافة الفاطمية، وكان الآمر الفاطميّ قد أمر بالعمارة قبالة الخرق غربيّ الخليج، فأوّل من عمر به ابن التّبّان المذكور، أنشأ به مسجدا وبستانا ودارا فعرفت الخطّة به إلى الآن.
(ومنها) «خط اللوق»
وهو خط قديم متسع ينتهي إلى الميدان المعدّ لركوب السلطان عند وفاء النيل، قد عمر بالأبنية وسكنه رعاع الناس وأوباشهم والمكان المعروف الآن بباب اللّوق جزء منه.
(ومنها) «بركة الفيل»
«٢» وهي بركة عظيمة متّسعة جنوبيّ سور القاهرة عليها الأبنية العظيمة المستديرة بها.
قال ابن عبد الظاهر: وتنسب إلى رجل من أصحاب ابن طولون يعرف بالفيل؛ وما أحسن قول ابن سعيد المغربيّ:
أنظر إلى بركة الفيل التي اكتنفت ... بها المناظر كالأهداب للبصر
стр. 1499
كأنّما هي والأبصار ترمقها ... كواكب قد أداروها على القمر
(ومنها) «خط الجامع الطولوني»
من الصليبة وما والاها، وقد تقدّم في الكلام على خطط الفسطاط أن هذه الأرض كانت منازل لأحمد بن طولون وعسكره، والجبل الذي في جانبها البحريّ يعرف بجبل يشكر، وعليه بناء الجامع الطولوني المذكور، واستحدث الملك الصالح نجم الدين أيوب ﵀ عليه قصورا جاءت في نهاية الحسن والإتقان، وهي المعروفة بالكبش، ولم يزل يسكنها أكابر الأمراء إلى أن خرّبها العوامّ في وقعة الجلبان قبل السبعين والسبعمائة، وهي على ذلك إلى الآن، وقد شرع الناس الآن في استحكار أماكنها للعمارة فيها في حدود سنة ثمانمائة.
(ومنها) «خط حارة المصامدة»
وتنسب لطائفة المصامدة من البربر الذين قدموا مع المعزّ من المغرب، وكان المقدّم عليهم عبد الله المصموديّ، وكان المأمون بن البطائحيّ وزير الآمر قد قدّمه ونوّه بذكره، وسلم إليه أبوابه للمبيت عليها، وأضاف إليه جماعة من أصحابه.
(ومنها) «الهلالية»
قال ابن عبد الظاهر: أظنها الحارة التي بناها المأمون بن البطائحيّ خارج الباب الجديد الذي بناه الحاكم بالشارع على يسرة الخارج منه للمصامدة لما قدّمهم ونوّه بذكرهم، وحذر أن يبني بينها وبين بركة الفيل حتّى صارت هذه الحارة مشرفة على شاطيء بركة الفيل إلى بعض أيام الحافظ.
(ومنها) «المنتجبية»
قال ابن عبد الظاهر: بلغني أنها منسوبة لشخص في الدولة الفاطمية يعرف بمنتجب الدولة.
(ومنها) «اليانسيّة»
قال ابن عبد الظاهر: أظنها منسوبة ليانس وزير الحافظ، وكان يلقب بأمير الجيوش سيف الإسلام، ويعرف بيانس الفاصد لأنه فصد حسن ابن الحافظ، وتركه محلول الفصادة حتّى مات.
стр. 1500
قال: وكان في الدولة من اسمه يانس العزيزي، واليانسيّة: جماعة كانوا في زمن العزيز بالله، ومنهم يانس الصقلّي، ونسبة هذه الحارة محتملة لأن تكون لكل منهم، وقد ذكر ابن عبد الظاهر عدة حارات كانت للجند خارج باب زويلة غير ما لعله ذكره سردا، منها ما هو مشهور معروف، وهو حارة حلب، والحبانية، ومنها ما ليس كذلك وهو الشوبك، والمأمونية، والحارة الكبيرة، والمنصورة الصغيرة، وحارة أبي بكر.
وأما جوامعها
- فأقدمها
[الجامع الأول] «الجامع الأزهر»
«١» بناه القائد جوهر بعد دخول مولاه المعزّ إلى القاهرة وإقامته بها، وفرغ من بنائه وجمّعت فيه الجمعة في شهر رمضان لسبع خلون من سنة إحدى وستين وثلاثمائة، ثم جدّد العزيز بن المعزّ فيه أشياء وعمر به أماكن وهو أوّل جامع عمر بالقاهرة.
قال صاحب «نهاية الأرب» : وجدّده العزيز بن المعزّ، ولما عمر الحاكم جامعه نقل الخطبة إليه وبقي الجامع الأزهر شاغرا، ثم أعيدت إليه الخطبة وصلي فيه الجمعة في ثامن شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين وستمائة في سلطنة الظاهر بيبرس، وتزايد أمره حتّى صار أرفع الجوامع بالقاهرة قدرا.
стр. 1501
قال ابن عبد الظاهر: وسمعت جماعة يقولون إن به طلسما لا يسكنه عصفور «١» .
الجامع الثاني الجامع الحاكمي
بناه الحاكم الفاطميّ على القرب من باب الفتوح وباب النصر، وفرغ من بنائه في سنة ست وتسعين وثلاثمائة، وكان حين بنائه خارج القاهرة إذ كان بناؤه قبل بناء باب الفتوح وباب النصر الموجودين الآن، وكان هو خارج القوسين اللذين هما باب الفتوح وباب النصر الأوّلان.
ثم قال: وفي سيرة العزيز أنه اختط أساسه في العاشر من رمضان سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وفي سيرة الحاكم أنه ابتدأه بعض الوزراء وأتمه الحاكم؛ وعلى البدنة «٢» المجاورة لباب الفتوح أنها بنيت في زمن المستنصر في أيام أمير الجيوش سنة ثمانين وأربعمائة، ثم استولى عليها من ملكها والزيادة التي إلى جانبه بناها الظاهر بن الحاكم ولم يكملها، ثم ثبت في الدولة الصالحية نجم الدين أيوب أنها من الجامع وأن بها محرابا، فانتزعت ممن هي معه وأضيفت للجامع، وبني بها ما هو موجود الآن في الأيام المعزية أيبك التّركمانيّ ولم تسقف.
الجامع الثالث الجامع الأقمر «٣»
بناه الآمر الفاطميّ بوساطة وزيره المأمون بن البطائحي؛ وكمل بناؤه في
стр. 1502
سنة تسع عشرة وخمسمائة؛ ويذكر أن اسم الآمر والمأمون عليه.
قلت: ولم يكن به خطبة إلى أن جدّد الأمير يلبغا السالمي، أحد أمراء الظاهر برقوق عمارته في سنة إحدى وثمانمائة ورتّب فيه خطبة.
الجامع الرابع الجامع بالمقس بباب البحر
، وهو المعروف بالجامع الأنور بناه الحاكم الفاطميّ أيضا في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة.
الجامع الخامس الجامع الظافريّ، وهو المعروف الآن بجامع الفكّاهين «١»
بناه الظفر الفاطميّ داخل بابي زويلة في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وكان زريبة للكباش، وسبب بنائه جامعا أن خادما كان في مشترف «٢» على الزريبة فرأي ذبّاحا وقد أخذ رأسين من الغنم فذبح أحدهما ورمى سكّينه وذهب لقضاء حاجة له، فأتى رأس الغنم الآخر فأخذ السكين بفمه ورماها في البالوعة، وجاء الذّبّاح فلم يجد السكّين، فاستصرخ الخادم وخلصه منه، فرفعت القصة إلى أهل القصر فأمروا بعمارته.
الجامع السادس الجامع الصالحي
بناه الصالح طلائع بن رزّيك وزير الفائز والعاضد من الفاطميين خارج باب زويلة، بقصد نقل رأس الحسين ﵇ من عسقلان إليه، عند خوف هجوم الفرنج عليها، فلما فرغ منه لم يمكّنه الفائز من ذلك، وابتنى له المشهد المعروف بمشهد الحسين بجوار القصر، ونقله إليه في سنة تسع وأربعين وخمسمائة؛ وبنى
стр. 1503
به صهريجا وجعل له ساقية تنقل الماء إليه من الخليج أيام النيل على القرب من باب الخرق. ولم يكن به خطبة، وأوّل ما أقيمت الجمعة فيه في الأيام المعزّيّة أيبك التّركمانيّ في سنة اثنتين وخمسين وستمائة، وخطب به أصيل الدين أبو بكر الإسعرديّ؛ ثم كثرت عمارة الجوامع بالقاهرة في الدولة التركية خصوصا في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون وما بعدها، فعمر بها من الجوامع ما لا يكاد يحصى كثرة: كجامع المارديني، وجامع قوصون خارج باب زويلة وغيرهما من الجوامع، وأقميت الجمعة في كثير من المدارس والمساجد الصّغار المتفرّقة في الأخطاط لكثرة الناس وضيق الجوامع عنهم.
وأما مدارسها
- فكانت في الدولة الفاطمية وما قبلها قليلة الوجود بل تكاد أن تكون معدومة، غير أنه كان بجوار القصر دار تعرف «بدار العلم» «١» خلف خان مسرور، كان داعي الشيعة «٢» يجلس فيها، ويجتمع إليه من التلامذة من يتكلم في العلوم المتعلقة بمذهبهم، وجعل الحاكم لها جزءا من أوقافه التي وقفها على الجامع الأزهر وجامع المقس وجامع راشدة؛ ثم أبطل الأفضل بن أمير الجيوش هذه الدار لاجتماع الناس فيها والخوض في المذاهب خوفا من الاجتماع على
стр. 1504
المذهب النّزاريّ؛ ثم أعادها لآمر بواسطة خدام القصر بشرط أن يكون متولّيها رجلا ديّنا والداعي هو الناظر فيها، ويقام فيها متصدّرون برسم قراءة القرآن.
وقد ذكر المسبحيّ «١» في تاريخه: أن الوزير أبا الفرج يعقوب بن كلّس «٢» سأل العزيز بالله في حمله رزق جماعة من العلماء، وأطلق لكل منهم كفايته من الرزق، وبنى لهم دارا بجانب الجامع الأزهر، فإذا كان يوم الجمعة حلقوا بالجامع بعد الصلاة وتكلموا في الفقه، وأبو يعقوب قاضي الخندق رئيس الحلقة والملقي عليهم إلى وقت العصر، وكانوا سبعة وثلاثين نفرا.
ثم جاءت الدولة الأيوبية فكانت الفاتحة لباب الخير، والغارسة لشجرة الفضل، فابتنى الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر «٣» (دار الحديث الكاملية) «٤» بين القصرين في سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وقرّر بها مذاهب الأئمة الأربعة وخطبة، وبقي إلى جانبها خراب حتّى بني آدرا في الأيام المعزّيّة
стр. 1505
أيبك التّركمانيّ في سني خمسين وستمائة، ووقف على المدرسة المذكورة، وبنى من بنى من أكابر دولتهم مدارس لم تبلغ شأو هذه، وشتّان بين الملوك وغيرهم.
ثم جاءت الدولة التركية فأربت على ذلك وزادت عليه، فابتنى الظاهر بيبرس (المدرسة الظاهرية) «١» بين القصرين بجوار المدرسة الصالحية، ثم ابتنى المنصور قلاوون (المدرسة المنصورية) «٢» من داخل بيمارستانه الآتي ذكره وجعل قبالتها تربة سنية.
ثم ابتنى الناصر محمد بن قلاوون (المدرسة الناصرية) بجوار البيمارستان المذكور.
ثم ابتنى الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون (مدرسته العظمى) «٣» تحت القلعة، وهي التي لم يسبق إلى مثلها، ولا سمع في مصر من الأمصار بنظيرها، ويقال إن إيوانها يزيد في القدر على إيوان كسرى بأذرع.
стр. 1506
ثم ابتنى ابن أخيه الأشرف شعبان بن حسين (المدرسة الأشرفية) «١» بالصّوّة تحت القلعة ومات ولم يكملها، ثم هدمها الناصر فرج بن الظاهر برقوق لتسلطها على القلعة في سنة أربع عشرة وثمانمائة، ونقل أحجارها إلى عمارة القاعات التي أنشأها بالحوش بقلعة الجبل؛ ولم تعهد مدرسة قصدت بالهدم قبلها.
ثم ابتنى الظاهر برقوق (مدرسته الظاهرية) بين القصرين بجوار المدرسة الكاملية فجاءت في نهاية الحسن والعظمة، وجعل فيها خطبة، وقرر فيها صوفية على عادة الخوانق ودروسا للأئمة، وتغالى «٢» في ضخامة البناء؛ ونظم الشعراء فيها، فكان مما أتى به بعضهم من أبيات:
وبعض خدّامه طوعا لخدمته ... يدعو الصّخور فتأتيه على عجل
وتواردوا كلهم على هذا المعنى، فاقترح عليّ بعض الأكابر نظم شيء من هذا المعنى فنظمت أبياتا جاء منها:
وبالخليليّ قد راجت عماراتها ... في سرعة بنيت من غير ما مهل
كم أظهرت عجبا أسواط حكمته ... وكم غدت مثلا ناهيك من مثل
وكم صخور تخال الجنّ تنقلها ... فإنّها بالوحا «٣» تأتي وبالعجل
وفي خلال ذلك ابتنى أكابر الأمراء وغيرهم من المدارس ما ملأ الأخطاط وشحنها.
стр. 1507
وأما الخوانق والرّبط
- فمما لم يعهد بالديار المصرية قبل الدولة الأيوبية، وكان المبتكر لها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀، فابتنى (الخانقاه الصلاحية) المعروفة بسعيد السعداء، وسعيد السعداء لقب لخادم للمستنصر الفاطميّ اسمه قنبر كانت الدار له، ثم صارت آخر الأيام سكن الصالح طلائع بن رزّيك، ولما ولي الوزارة فتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض، وسكنها شاور السعدي وزير العاضد ثم ولده الكامل. فلما ملك السلطان صلاح الدين جعلها خانقاه، ووقف عليها قيساريّة الشّرب داخل القاهرة، وبستان الحبّانية بزقاق البركة.
وأما مساجد الصلوات الخمس
- فأكثر من أن تحصى وأعزّ من أن تستقصى، بكل خط منها مسجد أو مساجد لكل منها إمام راتب ومصلّون.
وأما البيمارستان
- فقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: بلغني أن البيمارستان كان أوّلا بالقشّاشين، يعني المكان المعروف الآن بالخرّاطين على القرب من الجامع الأزهر، وهناك كانت دار الضرب بناها المأمون بن البطائحي وزير الآمر قبالة البيمارستان المذكور، وقرر دور الضرب بالإسكندرية وقوص وصور وعسقلان؛ ثم لما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الديار المصرية واستولى على القصر، كان في القصر قاعة بناها العزيز بن المعزّ في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، فجعلها السلطان صلاح الدين بيمارستانا، وهو البيمارستان العتيق الذي داخل القصر، وهو باق على هيئته إلى الآن، ويقال إن فيها طلسما لا يدخلها نمل، وإن ذلك هو السبب الموجب لجعلها بيمارستانا.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: ولقد سألت المباشرين
стр. 1508
بالبيمارستان المذكور عن ذلك في سنة سبع وخمسين و [ستما] «١» ئة فقالوا صحيح.
ثم ابتنى السلطان الملك «المنصور قلاوون» ﵀ دار ستّ الملك أخت الحاكم، المعروفة «بالدار القطبية» بيمارستانا في سنة ثلاث وثمانين وستمائة بمباشرة الأمير علم الدين الشجاعيّ، وجعل من داخله المدرسة المنصورية والتربة المتقدّم ذكرهما، فبقّى معالم بعض الدار على ما هو عليه، وغيّر بعضها. وهو من المعروف العظيم الذي ليس له نظير في الدنيا، ونظره رتبة سنية يتولاه الوزراء ومن في معناهم.
قال في «مسالك الأبصار» : وهو الجليل المقدار، الجليل الآثار، الجميل الإيثار، العظيم بنائه، وكثرة أوقافه، وسعة إنفاقه، وتنوع الأطباء والكحّالين والجرائحية فيه «٢» .
قلت: ولم تزل القاهرة في كل وقت تتزايد عمارتها، وتتجدّد معالمها، خصوصا بعد خراب الفسطاط، وانتقال أهله إليها على ما تقدّم ذكره حتّى صارت على ما هي عليه في زماننا: من القصور العليّة، والدور الضخمة، والمنازل الرحيبة، والأسواق الممتدّة، والمناظر النزهة، والجوامع البهجة، والمدارس
стр. 1509
الرائقة، والخوانق الفاخرة، مما لم يسمع بمثله في قطر من الأقطار، ولا عهد نظيره في مصر من الأمصار. وغالب مبانيها بالآجرّ؛ وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت، مفروشة الأرض بالرخام، مؤزّرة الحيطان به، وغالب أعاليها من أخشاب النخل والقصب المحكم الصنعة؛ وكلها أو أكثرها مبيّضة الجدر بالكلس الناصع البياض، ولأهلها القوّة العظيمة في تعلية بعض المساكن على بعض حتّى إن الدار تكون من طبقتين إلى أربع طبقات «١» بعضها على بعض، في كل طبقة مساكن كاملة بمنافعها ومرافقها، وأسطحة مقطعة بأعلاها بهندسة محكمة، وصناعة عجيبة.
قال في «مسالك الأبصار» : لا يرى مثل صنّاع مصر في هذا الباب، وبظاهرها البساتين الحسان، والمناظر النّزهة، والآدر المطلّة على النيل، والخلجان الممتدّة منه ومن مدّه؛ وبها المستنزهات المستطابة، خصوصا زمن الربيع لغدرانها الممتدّة من مقطعات النيل وما حولها من الزروع المختلفة وأزهارها المائسة التي تسرّ الناظر وتبهج الخاطر.
قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» : وأجمع المسافرون برّا وبحرا أنه لم يكن أحسن منها منظرا، ولا أكثر ناسا، وإليها يجلب ما في سائر أقاليم الأرض من كل شيء غريب وزيّ عجيب؛ وملكها ملك عظيم، كثير الجيوش،
стр. 1510
حسن الزّيّ لا يماثله في زيّه ملك من ملوك الأرض؛ وأهلها في رفاهية عيش وطيب مأكل ومشرب؛ ونساؤه في غاية الجمال والظّرف.
قال في «مسالك الأبصار» : أخبرني غير واحد ممن رأى المدن الكبار أنه لم ير مدينة اجتمع فيها من الخلق ما اجتمع في القاهرة.
قال: وسألت الصدر مجد الدين إسماعيل عن بغداد وتوريز «١» هل يجمعان خلقا مثل مصر؟ فقال: في مصر خلق قدر من في جميع البلاد.
قال في «التعريف» : (والقاهرة اليوم أمّ الممالك، وحاضرة البلاد، وهي في وقتنا دار الخلافة، وكرسيّ الملك، ومنبع الحكماء، ومحطّ الرحال، ويتبعها كل شرق وغرب خلا الهند فإنه نائي المكان، بعيد المدى، يقع لنا من أخباره ما نكبره، ونسمع من حديثه ما لا نألفه.
قال: وكان يخلق لنا أن نجعل كل النطق بالقاهرة دائرة، وإنما نفردها بما اشتملت عليه حدود الديار المصرية، ثم ندير بأمّ كل مملكة نطاقها، ثم إليها مرجع الكل وإلى بحرها مصب تلك الخلج) .
قال في «مسالك الأبصار» : إلا أن أرضها سبخة، ولذلك يعجل الفساد إلى مبانيها.
وذكر القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر نحو ذلك وأن المعزّ لام القائد جوهرا على بنائها في هذا الموضع، وترك جانب النيل عند المقس أو جنوبيّ الفسطاط حيث الرصد الآن.
следующие страницы →