Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
ثم ابتنى ابن أخيه الأشرف شعبان بن حسين (المدرسة الأشرفية) «١» بالصّوّة تحت القلعة ومات ولم يكملها، ثم هدمها الناصر فرج بن الظاهر برقوق لتسلطها على القلعة في سنة أربع عشرة وثمانمائة، ونقل أحجارها إلى عمارة القاعات التي أنشأها بالحوش بقلعة الجبل؛ ولم تعهد مدرسة قصدت بالهدم قبلها.
ثم ابتنى الظاهر برقوق (مدرسته الظاهرية) بين القصرين بجوار المدرسة الكاملية فجاءت في نهاية الحسن والعظمة، وجعل فيها خطبة، وقرر فيها صوفية على عادة الخوانق ودروسا للأئمة، وتغالى «٢» في ضخامة البناء؛ ونظم الشعراء فيها، فكان مما أتى به بعضهم من أبيات:
وبعض خدّامه طوعا لخدمته ... يدعو الصّخور فتأتيه على عجل
وتواردوا كلهم على هذا المعنى، فاقترح عليّ بعض الأكابر نظم شيء من هذا المعنى فنظمت أبياتا جاء منها:
وبالخليليّ قد راجت عماراتها ... في سرعة بنيت من غير ما مهل
كم أظهرت عجبا أسواط حكمته ... وكم غدت مثلا ناهيك من مثل
وكم صخور تخال الجنّ تنقلها ... فإنّها بالوحا «٣» تأتي وبالعجل
وفي خلال ذلك ابتنى أكابر الأمراء وغيرهم من المدارس ما ملأ الأخطاط وشحنها.
стр. 1507
وأما الخوانق والرّبط
- فمما لم يعهد بالديار المصرية قبل الدولة الأيوبية، وكان المبتكر لها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀، فابتنى (الخانقاه الصلاحية) المعروفة بسعيد السعداء، وسعيد السعداء لقب لخادم للمستنصر الفاطميّ اسمه قنبر كانت الدار له، ثم صارت آخر الأيام سكن الصالح طلائع بن رزّيك، ولما ولي الوزارة فتح من دار الوزارة إليها سردابا تحت الأرض، وسكنها شاور السعدي وزير العاضد ثم ولده الكامل. فلما ملك السلطان صلاح الدين جعلها خانقاه، ووقف عليها قيساريّة الشّرب داخل القاهرة، وبستان الحبّانية بزقاق البركة.
وأما مساجد الصلوات الخمس
- فأكثر من أن تحصى وأعزّ من أن تستقصى، بكل خط منها مسجد أو مساجد لكل منها إمام راتب ومصلّون.
وأما البيمارستان
- فقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: بلغني أن البيمارستان كان أوّلا بالقشّاشين، يعني المكان المعروف الآن بالخرّاطين على القرب من الجامع الأزهر، وهناك كانت دار الضرب بناها المأمون بن البطائحي وزير الآمر قبالة البيمارستان المذكور، وقرر دور الضرب بالإسكندرية وقوص وصور وعسقلان؛ ثم لما ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الديار المصرية واستولى على القصر، كان في القصر قاعة بناها العزيز بن المعزّ في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، فجعلها السلطان صلاح الدين بيمارستانا، وهو البيمارستان العتيق الذي داخل القصر، وهو باق على هيئته إلى الآن، ويقال إن فيها طلسما لا يدخلها نمل، وإن ذلك هو السبب الموجب لجعلها بيمارستانا.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: ولقد سألت المباشرين
стр. 1508
بالبيمارستان المذكور عن ذلك في سنة سبع وخمسين و [ستما] «١» ئة فقالوا صحيح.
ثم ابتنى السلطان الملك «المنصور قلاوون» ﵀ دار ستّ الملك أخت الحاكم، المعروفة «بالدار القطبية» بيمارستانا في سنة ثلاث وثمانين وستمائة بمباشرة الأمير علم الدين الشجاعيّ، وجعل من داخله المدرسة المنصورية والتربة المتقدّم ذكرهما، فبقّى معالم بعض الدار على ما هو عليه، وغيّر بعضها. وهو من المعروف العظيم الذي ليس له نظير في الدنيا، ونظره رتبة سنية يتولاه الوزراء ومن في معناهم.
قال في «مسالك الأبصار» : وهو الجليل المقدار، الجليل الآثار، الجميل الإيثار، العظيم بنائه، وكثرة أوقافه، وسعة إنفاقه، وتنوع الأطباء والكحّالين والجرائحية فيه «٢» .
قلت: ولم تزل القاهرة في كل وقت تتزايد عمارتها، وتتجدّد معالمها، خصوصا بعد خراب الفسطاط، وانتقال أهله إليها على ما تقدّم ذكره حتّى صارت على ما هي عليه في زماننا: من القصور العليّة، والدور الضخمة، والمنازل الرحيبة، والأسواق الممتدّة، والمناظر النزهة، والجوامع البهجة، والمدارس
стр. 1509
الرائقة، والخوانق الفاخرة، مما لم يسمع بمثله في قطر من الأقطار، ولا عهد نظيره في مصر من الأمصار. وغالب مبانيها بالآجرّ؛ وجوامعها ومدارسها وبيوت رؤسائها مبنية بالحجر المنحوت، مفروشة الأرض بالرخام، مؤزّرة الحيطان به، وغالب أعاليها من أخشاب النخل والقصب المحكم الصنعة؛ وكلها أو أكثرها مبيّضة الجدر بالكلس الناصع البياض، ولأهلها القوّة العظيمة في تعلية بعض المساكن على بعض حتّى إن الدار تكون من طبقتين إلى أربع طبقات «١» بعضها على بعض، في كل طبقة مساكن كاملة بمنافعها ومرافقها، وأسطحة مقطعة بأعلاها بهندسة محكمة، وصناعة عجيبة.
قال في «مسالك الأبصار» : لا يرى مثل صنّاع مصر في هذا الباب، وبظاهرها البساتين الحسان، والمناظر النّزهة، والآدر المطلّة على النيل، والخلجان الممتدّة منه ومن مدّه؛ وبها المستنزهات المستطابة، خصوصا زمن الربيع لغدرانها الممتدّة من مقطعات النيل وما حولها من الزروع المختلفة وأزهارها المائسة التي تسرّ الناظر وتبهج الخاطر.
قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» : وأجمع المسافرون برّا وبحرا أنه لم يكن أحسن منها منظرا، ولا أكثر ناسا، وإليها يجلب ما في سائر أقاليم الأرض من كل شيء غريب وزيّ عجيب؛ وملكها ملك عظيم، كثير الجيوش،
стр. 1510
حسن الزّيّ لا يماثله في زيّه ملك من ملوك الأرض؛ وأهلها في رفاهية عيش وطيب مأكل ومشرب؛ ونساؤه في غاية الجمال والظّرف.
قال في «مسالك الأبصار» : أخبرني غير واحد ممن رأى المدن الكبار أنه لم ير مدينة اجتمع فيها من الخلق ما اجتمع في القاهرة.
قال: وسألت الصدر مجد الدين إسماعيل عن بغداد وتوريز «١» هل يجمعان خلقا مثل مصر؟ فقال: في مصر خلق قدر من في جميع البلاد.
قال في «التعريف» : (والقاهرة اليوم أمّ الممالك، وحاضرة البلاد، وهي في وقتنا دار الخلافة، وكرسيّ الملك، ومنبع الحكماء، ومحطّ الرحال، ويتبعها كل شرق وغرب خلا الهند فإنه نائي المكان، بعيد المدى، يقع لنا من أخباره ما نكبره، ونسمع من حديثه ما لا نألفه.
قال: وكان يخلق لنا أن نجعل كل النطق بالقاهرة دائرة، وإنما نفردها بما اشتملت عليه حدود الديار المصرية، ثم ندير بأمّ كل مملكة نطاقها، ثم إليها مرجع الكل وإلى بحرها مصب تلك الخلج) .
قال في «مسالك الأبصار» : إلا أن أرضها سبخة، ولذلك يعجل الفساد إلى مبانيها.
وذكر القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر نحو ذلك وأن المعزّ لام القائد جوهرا على بنائها في هذا الموضع، وترك جانب النيل عند المقس أو جنوبيّ الفسطاط حيث الرصد الآن.
стр. 1511
القاعدة الثالثة القلعة
(بفتح القاف) ويعبر عنها بقلعة الجبل، وهي مقرّة السلطان الآن ودار مملكته.
بناها الطواشي بهاء الدين قراقوش المتقدّم ذكره للملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀، وموقعها بين ظاهر القاهرة والجبل المقطّم والفسطاط، وما يليه من القرافة المتصلة بعمارة القاهرة والقرافة «١» وطولها وعرضها على ما تقدم في الفسطاط أيضا، وهي على نشز «٢» مرتفع من تقاطيع الجبل المقطّم، ترتفع في موضع وتنخفض في آخر.
وكان موضعها قبل أن تبنى، مساجد من بناء الفاطميين «٣» : منها مسجد رديني الذي هو بين آدر الحريم السلطانية.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: قال لي والدي ﵀: عرض عليّ الملك الكامل إمامته، فامتنعت لكونه بين آدر الحريم. ولم يسكنها «٤» السلطان صلاح الدين ﵀، ويقال: إن ابنه الملك العزيز سكنها مدّة في حياة أبيه، ثم انتقل منها إلى دار الوزارة.
стр. 1512
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: قال لي والدي ﵀: كنا نطلع إليها قبل أن تسكن في ليالي الجمع نبيت متفرّجين كما نبيت في جواسق «١» الجبل والقرافة.
وأول من سكنها الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب انتقل إليها من قصر الفاطميين سنة أربع وستمائة، واستقرّت بعده سكنا للسلاطين إلى الآن.
ومن غريب ما يحكى أن السلطان صلاح الدين ﵀ طلع إليها ومعه أخوه العادل أبو بكر، فقال السلطان لأخيه العادل: هذه القلعة بنيت لأولادك، فثقل ذلك على العادل وعرف السلطان صلاح الدين ذلك منه، فقال: لم تفهم عني إنما أردت أني أنا نجيب فلا يكون لي أولاد نجباء، وأنت غير نجيب فتكون أولادك نجباء فسرّي عنه، وكان الأمر كما قال السلطان صلاح الدين، وبقيت خالية حتّى ملك العادل مصر والشام، فاستناب ولده الملك الكامل محمدا في الديار المصرية فسكنها.
وذكر في «مسالك الأبصار» أن أول من سكنها العادل أبو بكر، ولما سكنها الكامل المذكور، احتفل بأمرها واهتم بعمارتها وعمر بها أبراجا، منها البرج الأحمر وغيره.
وفي أواخر سنة اثنتين وثمانين وستمائة عمر بها السلطان الملك المنصور قلاوون برجا عظيما على جانب باب السر الكبير، وبنى عليه مشترفات حسنة البنيان، بهجة الرخام، رائقة الزّخرفة. وسكنها في صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
ثم عمر بها السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ثلاثة أماكن، كملت بها معانيها، واستحق بها القلعة على بانيها:
стр. 1513
أحدها- القصر الأبلق «١» الذي يجلس به السلطان في عامة أيامه، ويدخل عليه فيه أمراؤه وخواصّه، وقد استجدّ به السلطان الملك الأشرف «شعبان بن حسين» ﵀ في جانبه مقعدا بإزاء الإسطبلات السلطانية جاء في نهاية من الحسن والبهجة.
والثاني- الإيوان الكبير الذي يجلس فيه السلطان في أيام المواكب للخدمة العامة وإقامة العدل في الرعية.
والثالث- جامع الخطبة الذي يصلي فيه السلطان الجمعة، وستأتي صفة هذه الأماكن كلها.
وهذه القلعة ذات سور وأبراج، فسيحة الأفنية، كثيرة العمائرة، ولها ثلاثة أبواب يدخل منها إليها:
أحدها- من جهة القرافة والجبل المقطّم، وهو أقل أبوابها سالكا وأعزّها استطراقا.
والثاني- باب السر. ويختص الدخول والخروج منه بأكابر الأمراء وخواصّ الدولة: كالوزير وكاتب السر ونحوهما، يتوصل إليه من الصوّة «٢» ، وهي بقية النّشر الذي بنيت عليه القلعة من جهة القاهرة، بتعريج يمشي فيه مع جانب جدارها البحري حتّى ينتهي إليه بحيث يكون مدخله منه مقابل الإيوان الكبير الذي يجلس فيه السلطان أيام المواكب، وهذا الباب لا يزال مغلقا حتى ينتهي إليه من يستحق الدخول أو الخروج منه فيفتح له ثم يغلق.
والثالث- وهو بابها الأعظم الذي يدخل منه باقي الأمراء وسائر الناس، يتوصل إليه من أعلى الصوّة المتقدّم ذكرها، يرقى إليه في درج متناسبة حتّى يكون
стр. 1514
مدخله في أول الجانب الشرقيّ من القلعة؛ ويتوصل منه إلى ساحة مستطيلة ينتهي منها إلى دركاه «١» جليلة يجلس بها الأمراء حتّى يؤذن لهم بالدخول؛ وفي قبليّ هذه الدركاه (دار النيابة) «٢» وهي التي يجلس بها النائب الكافل «٣» للحكم إذا كان ثمّ نائب، و (قاعة الصاحب) «٤» وهي التي يجلس بها الوزير وكتّاب الدولة، و (ديوان الإنشاء) وهو الذي يجلس فيه كاتب السر وكتّاب ديوانه، وكذلك (ديوان الجيش) وسائر الدواوين السلطانية.
وبصدر هذه الدّركاه باب يقال له «باب القلّة» يدخل منه إلى دهاليز فسيحة، على يسرة الداخل منها باب يتوصل منه إلى جامع الخطبة المتقدّم «٥» ذكره؛ وهو من أعظم الجوامع، وأحسنها وأبهجها نظرا، وأكثرها زخرفة، متسع الأرجاء، مرتفع البناء، مفروش الأرض بالرخام الفائق، مبطّن السّقوف بالذهب؛ في وسطه قبة يليها مقصورة يصلّي فيها السلطان الجمعة، مستورة هي والرواقات المشتملة عليها بشبابيك من حديد محكمة الصنعة، يحفّ بصحنه رواقات من جميع جهاته ويتوصل من ظاهر هذا الجامع إلى باب الستارة، ودور الحريم السلطانية.
стр. 1515
وبصدر الدهاليز المتقدّمة الذكر مصطبة يجلس عليها مقدّم المماليك «١» ، وعندها مدخل باب السر المتقدّم ذكره، وفي مجنبة ذلك ممرّ يدخل منه إلى ساحة يواجه الداخل إليها باب الإيوان الكبير المتقدّم ذكره، وهو إيوان عظيم عديم النظير، مرتفع الابنية، واسع الأفنية، عظيم العمد، عليه شبابيك من حديد عظيمة الشأن محكمة الصنعة؛ وبصدره سرير الملك، وهو منبر من رخام مرتفع، يجلس عليه السلطان في أيام المواكب العظام لقدوم رسل الملوك ونحو ذلك.
ويتامن عن هذا الإيوان إلى ساحة لطيفة بها باب القصر الأبلق المتقدّم ذكره، وبنواحيها مصاطب يجلس عليها خواصّ الأمراء قبل دخولهم إلى الخدمة؛ ويدخل من باب القصر إلى دهاليز عظيمة الشأن، نبيهة القدر، يتوصّل منها إلى القصر المذكور، وهو قصر عظيم البناء، شاهق في الهواء، به إيوانان في جهتي الشّمال والجنوب، أعظمهما الشّماليّ، يطلّ منهما على الإصطبلات السلطانية، ويمتدّ النظر منهما إلى سوق الخيل والقاهرة والفسطاط وحواضرها، إلى مجرى النيل، وما يلي ذلك من بلاد الجيزة والجبل وما والى ذلك؛ وبصدره منبر من رخام كالذي في الإيوان الكبير يجلس عليه السلطان أحيانا في وقت الخدمة على ما يأتي ذكره.
والإيوان الثاني وهو القبليّ خاص بخروج السلطان وخواصّه منه، من باب السر إلى الإيوان الكبير خارج القصر للجلوس فيه أيام المواكب العامّة، ويدخل من القصر المتقدّم ذكره إلى ثلاثة قصور جوّانية: واحد منها مسامت لأرض القصر الكبير، واثنان مرفوعان، يصعد إليهما بدرج؛ في جميعها شبابيك من حديد تشرف على ما يشرف عليه القصر، ويدخل من القصور الجوّانية إلى دور الحريم وأبواب الستور السلطانية؛ وهذه القصور جميعها ظاهرها بالحجر الأسود
стр. 1516
والأصفر، وداخلها مؤزّر بالرخام والفصّ المذهب المشجر بالصّدف وأنواع الملونات، والسقوف المبطّنة بالذهب واللّازورد تخرق لضوء «١» في جدرانها بطاقات من الزجاج القبرسيّ الملوّن كقطع الجوهر المؤلفة في العقود، وجميع أرضها مفروشة بالرخام المنقول من أقطار الأرض مما لا يوجد مثله.
قال في «مسالك الأبصار» : فأما الآدر السلطانية فعلى ما صح عندي خبره أنها ذوات بساتين وأشجار ومناخات للحيوانات البديعة والأبقار والأغنام والطيور الدّواجن.
وخارج هذه القصور طباق واسعة للماليك السلطانية، ودور عظام لخواص الأمراء من مقدّمي الألوف، ومن عظم قدره من امراء الطّبلخاناه والعشرات، ومن خرج عن حكم الخاصكية إلى حكم البرانيين.
وبها بيوت ومساكن لكثير من الناس، وسوق للمآكل؛ ويباع بها النّفيس من السلاح والقماش مع الدّلالين يطوفون به.
وبهذه القلعة مع ارتفاع أرضها وكونها مبنية على جبل بئر ماء «٢» معين منقوبة في الحجر، احتفرها بهاء الدين قراقوش المتقدّم ذكره حين بناء القلعة، وهي من أعجب الآبار، بأسفلها سواق تدور فيها الأبقار، وتنقل الماء في وسطها، وبوسطها سواق تدور فيها الأبقار أيضا وتنقل الماء إلى أعلاها؛ ولها طريق إلى
стр. 1517
الماء ينزل البقر فيه إلى معينها في مجاز، وجميع ذلك نحت في الحجر ليس فيه بناء.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: وسمعت من يحكي من المشايخ أنها لما نقرت، جاء ماؤها عذبا فأراد قراقوش أو نوّابه الزيادة في مائها فوسع نقرا في الجبل، فخرجت منه عين مالحة غيرت عذوبتها. ويقال: إن أرضها تسامت أرض بركة الفيل؛ وهذه البئر ينتفع بها أهل القلعة فيما عدا الشرب من سائر أنواع الاستعمالات. أما شربهم فمن الماء العذب المنقول إليها من النيل بالرّوايا «١» على ظهور الجمال والبغال مع ما ينساق إلى السلطان ودور أكابر الأمراء المجاورين للسلطان من ماء النيل في المجاري، بالسواقي النّقّالات والدواليب التي تديرها الأبقار وتنقل الماء من مقرّ إلى آخر حتّى ينتهي إلى القلعة، ويدخل إلى القصور والآدر في ارتفاع نحو خمسمائة ذراع.
وقد استجدّ السلطان الملك الظاهر برقوق بهذه القلعة صهريجا عظيما يملأ في كل سنة زمن النيل من الماء المنقول إلى القلعة من السواقي النّقّالات، ورتب عليه سبيلا بالدّركاه التي بها دار النيابة يسقى فيه الماء وحصل به للناس رفق عظيم.
وتحت مشترف هذه القلعة مما يلي القصور السلطانية ميدان عظيم يحول بين الإصطبلات السلطانية وسوق الخيل، ممرّج بالنجيل الأخضر، فسيح المدى، يسافر النظر في أرجائه، به أنواع من الوحوش المستحسنة المنظر، وتربط به الخواصّ من الخيول السلطانية للتفسح؛ وفيه يصلي السلطان العيدين على ما سيأتي ذكره؛ وفيه تعرض الخيول السلطانية في أوقات الإطلاقات ووصول التقادم والمشترى، وربما أطعم فيه الجوارح السلطانية؛ وإذا أراد السلطان النزول إليه خرج من باب إيوان القصر وركب من درج تليه إلى إصطبل الخيول الخاص، ثم
стр. 1518
نزل إليه راكبا وخواصّ الأمراء في خدمته مشاة، ثم يعود إلى القصر كذلك.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في «خططه» : وكان هذا الميدان وما حوله يعرف قديما بالميدان، وبه قصر أحمد بن طولون وداره التي يسكنها، والأماكن المعروفة بالقطائع حوله على ما تقدّم ذكره في خطط الفسطاط، ولم يزل كذلك حتّى بنى الملك الكامل بن العادل بن أيوب هذا الميدان تحت القلعة حين سكنها، وأجرى السواقي النّقالات من النيل إليه، وعمر إلى جانبه ثلاث برك تملأ لسقيه؛ ثم تعطل في أيامه مدّة، ثم اهتم به الملك العادل ولده، ثم اهتم به الصالح نجم الدين أيوب اهتماما عظيما، وجدّد له ساقية أخرى، وغرس في جوانبه أشجارا فصار في نهاية الحسن. فلما توفّي الصالح تلاشى حاله إلى أن هدم في سنة خمسين وستمائة، أو سنة إحدى وخمسين في الأيام المعزّيّة أيبك التركماني، وهدمت السواقي والقناطر وعفت آثارها، وبقي كذلك حتّى عمره «١» السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون ﵀، فأحسن عمارته ورصّفه أبدع ترصيف، وهو على ذلك إلى الآن.
أما الميدان السلطانيّ الذي بخطّ اللوق، وهو الذي يركب إليه السلطان عند وفاء النيل للعب الكرة، فبناه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجعل به المناظر الحسنة ونصب الطّوارق على بابه كما تنصب على باب القلاع وغيرها، ولم تزل الطوارق منصوبة عليه إلى ما بعد السبعمائة؛ وسيأتي الكلام على كيفية الركوب إليه في المواكب في الكلام على ترتيب المملكة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
والقلعة التي بالرّوضة تقدم الكلام عليها [في الكلام] «٢» على خطط الفسطاط.
стр. 1519
ومما يتصل بهذه القواعد الثلاث ويلتحق بها «القرافة» التي هي مدفن أمواتها، وهي تربة عظيمة ممتدّة في سفح المقطّم، موقعها بين المقطم والفسطاط وبعض القاهرة، تمتدّ من قلعة الجبل المتقدّم ذكرها آخذة في جهة الجنوب إلى بركة الحبش وما حولها. وكان سبب جعلها مقبرة ما رواه ابن الحكم عن الليث بن سعد: أن المقوقس سأل عمرو بن العاص أن يبيعه سفح المقطم بسبعين ألف دينار، فتعجب عمرو من ذلك، وكتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فكتب إليه عمر: أن سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء ولا ينتفع بها؛ فسأله، فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب أن فيها غراس الجنة، فكتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ في ذلك، فكتب إليه عمر: «إنّي لا أرى غرس الجنة إلا للمؤمنين فاقبر بها من مات قبلك من المسلمين ولا تبعها بشيء» فقال المقوقس لعمر: ما على ذا عاهدتنا، فقطع لهم قطعة تدفن فيها النصارى، وهي التي على القرب من بركة الحبش، وكان أول من قبر بسفح المقطم من المسلمين رجلا من المعافر اسمه عامر، فقيل عمرت.
ويروى أن عيسى ﵇ مرّ على سفح المقطم في سياحة ومعه أمّه، فقال: «يا أمّاه! هذه مقبرة أمّة محمد ﷺ » . وفيها ضرائح الأنبياء ﵈ كإخوة يوسف وغيرهم. وبها قبر آسية امرأة فرعون، ومشاهد جماعة من أهل البيت والصحابة والتابعين والعلماء والزّهّاد والأولياء.
وقد بنى الناس بها الأبنية الرائقة، والمناظر البهجة، والقصور البديعة، يسرح الناظر في أرجائها، ويبتهج الخاطر برؤيتها؛ وبها الجوامع والمساجد والزوايا والرّبط والخوانق، وهي في الحقيقة مدينة عظيمة إلا أنها قليلة الساكن «١» .
стр. 1520
الفصل الثاني من المقالة الثانية في ذكر كور الديار المصرية؛ وهي على ضربين
الضرب الأول في ذكر كورها القديمة
وقد جعلها القضاعيّ في «خططه» ثلاثة أحياز، وتشتمل على خمس وخمسين كورة، إلا أنه ذكرها سردا غير مبنيّة ولا مرتّبة، وقد أوردتها هنا مبيّنة مرتبة، ونبهت على ما هو مستمرّ منها على حكمه، وما تغيّر حكمه بإضافته إلى غيره من الأعمال المستمرة مع بقاء أسمائه، وما درس اسمه ونسي، أو تغير ولم تعلم له حقيقة.
الحيّز الأول أعلى الأرض، وهو الصعيد
والمراد ما هو من كورها جنوبيّ الفسطاط إلى نهايته في الجنوب، وسمي صعيدا لأن أرضه كلّما ولجت في الجنوب، أخذت في الصّعود والارتفاع.
وقد ذكر القضاعيّ فيه عشرين كورة:
الأولى- (كورة الفيوم)
وهي كورة باقية مستمرة الحكم إلى الآن، وسيأتي ذكرها في الكلام على الأعمال المستقرة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
الثانية- (كورة منف)
«١» ومنف هي مدينة مصر القديمة المتقدّمة الذكر،
стр. 1521
التي بناها مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇. وقد تقدّم أنها على اثني عشر ميلا من الفسطاط في جنوبيّه على القرب من البلدة المعروفة الآن بالبدرشين.
الثالثة- (كورة وسيم)
ووسيم بفتح الواو وكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة تحت وميم في الآخر، بلدة من عمل الجيزة معروفة؛ والثابت في الدواوين أو سيم بزيادة ألف في أولها وسكون الواو «١» .
الرابعة- (كورة الشرقية)
وكأن المراد بها عمل إطفيح الآن إذ هو شرقيّ النيل وليس بالوجه القبليّ عمل مستقلّ شرقيّ النيل سواه.
الخامسة- (كورة دلاص وبوصير)
أما دلاص فبدال مهملة مفتوحة ولام ألف ثم صاد مهملة؛ قال في «الروض المعطار» : كانت مدينة عظيمة بها عجائب الأبنية وبها كان مجتمع سحرة مصر. وأما بوصير فالمراد هنا بوصير قوريدس التي قتل بها مروان الحمار، آخر خلفاء بني أميّة، ودلاص وبوصير هذه كلاهما الآن من عمل البهنسى، وسيأتي ذكره في الأعمال المستقرّة.
قال في «الروض المعطار» : قال الجاحظ: بها ولد عيسى بن مريم ﵇. وذكر أن نخلة مريم كانت قائمة بها إلى زمانه.
قلت: والمعروف أن مولد عيسى ﵇ كان بالقدس من أرض الشام على ما سيأتي ذكره في الكلام على الإيمان في أواخر الكتاب إن شاء الله تعالى.
السادسة- (كورة أهناس)
وأهناس بفتح الهمزة، وسكون الهاء وفتح النون وألف وسين مهملة في الآخر، وتعرف بأهناس المدينة، كانت مدينة في القديم، وهي الآن من جملة عمل البهنسى الآتي ذكره في الأعمال المستقرّة.
стр. 1522
السابعة- (كورة القيس)
والقيس بفتح القاف وسكون الياء المثناة تحت وسين مهملة في الآخر، كانت مدينة في القديم، وهي الآن قرية معدودة من عمل البهنسى أيضا.
الثامنة- (كورة البهنسى)
وهي ذات عمل مستقرّ، وسيأتي ذكرها في الكلام على الأعمال المستقرّة فيما بعد إن شاء الله تعالى.
التاسعة- (كورة طحا وجير «١» شنودة)
. أما طحا فبفتح الطاء والحاء المهملتين وألف في الآخر، كانت في القديم مدينة ذات عمل، ولذلك تعرف بطحا المدينة، وهي الآن من عمل الأشمونين الآتي ذكرها في الكلام على الأعمال المستقرّة، وإليها ينسب أبو جعفر الطّحاويّ إمام الحنيفة ومحدّثهم.
وأما جير «٢» شنودة، فمن الأسماء التي درست ولم تعلم حقيقتها.
العاشرة- (كورة بويط)
قال ابن خلكان: بويط بضم الباء الموحدة وفتح الواو وسكون الياء المثناة تحت وطاء مهملة في الآخر. وقال في «تقويم البلدان» بهمزة مفتوحة في أوّله وباء ساكنة، وهو اسم واقع على بلدتين بالديار المصرية:
إحداهما بعمل البهنسى في لحف الجبل على طريق المارّة، وإليها ينسب أبو يعقوب البويطي: أحد رواة الجديد عن الإمام الشافعيّ ﵁. والثانية من عمل سيوط وتعرف ببويط البتينة، وإليها ينسب شرق بويط والظاهر أنها المرادة هنا.
الحادية عشرة- (كورة الأشمونين وأنصنا وشطب)
. أما مدينة الأشمونين، فذات عمل مستقرّ، وسيأتي ذكرها في الكلام على الأعمال المستقرّة فيما بعد أن شاء الله تعالى.
стр. 1523
وأما (أنصنا) فقال في «تقويم البلدان» : هي بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الصاد المهملة وفتح النون وألف في الآخر، وهي مدينة قديمة خراب في البر الشرقي من النيل قبالة الأشمونين.
وقد ذكر ابن هشام في السيرة: أن ماريّة القبطية التي أهداها المقوقس النبيّ ﷺ من كورتها من قرية يقال لها حفن، وأنصنا الآن من جملة عمل الأشمونين.
وأما (شطب) فبضم الشين المعجمة وسكون الطاء المهملة، وباء موحدة في الآخر، وهي مدينة قديمة بنيت في زمن شدّاد بن عديم أحد ملوك مصر بعد الطوفان قد خربت وعمر عليها قرية صغيرة سميت باسمها، وهي الآن من جملة عمل سيوط الآتي ذكره في الأعمال المستقرّة.
الثانية عشرة- (كورة سيوط)
وهي مستقرّ الحكم وسيأتي ذكرها في الأعمال المستقرّة.
الرابعة عشرة- (كورة قهقوه)
وهي من الأسماء التي درست ونسيت ولم أعلم بالصعيد بلدة تسمى الآن بهذا الاسم «١» .
الخامسة عشرة- (كورة إخميم والدّير وأبشاية)
أما كورة إخميم، فمن الكور المستمرّة الحكم، وسيأتي الكلام عليها في الكور المستقرّة.
وأما (الدير) فيجوز أن يكون المراد به الدّير والبلّاص «٢» ، وهي بلدة في شرقيّ النيل شماليّ قنا، هي الآن من عمل قوص الآتية الذكر.
стр. 1524
وأما (أبشاية) فمن الأسماء التي جهلت.
السادسة عشرة- (كورة هو ودندرة وقنا)
أما هو، فبضم الهاء وسكون الواو، وهي مدينة صغيرة على ساحل البر الغربيّ الجنوبيّ من النيل، ويضاف إليها في الدواوين الكوم الأحمر، فيقال هو والكوم الأحمر.
وأما (دندرة) فبفتح الدال المهملة وسكون النون وفتح الدال الثانية والراء المهملة وهاء في الآخر، وهي مدينة قديمة خراب على الساحل الغربيّ الجنوبي من النيل في شرقيّ هو، وبها كانت «١» البرباة العظيمة المتقدّم ذكرها في عجائب الديار المصرية.
وأما (قنا) فبكسر القاف وفتح النون وألف في الآخر، وهي مدينة شرقيّ النيل، وبها ضريح السيد الجليل عبد الرحيم القنائي «٢» ، المعروف بالبركة وإجابة الدعاء عنده وهذه البلاد الثلاث الآن من جملة عمل قوص الآتي ذكره في الكلام على الأعمال المستقرّة.
السابعة عشرة- (كورة قفط والأقصر)
. أما قفط، فبكسر القاف وسكون الفاء وطاء مهملة في الآخر، كانت مدينة قديمة بالبر الشرقي من النيل جنوبي قنا المتقدّمة الذكر، بناها قفط بن قبطيم بن «٣» مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇ أحد ملوك مصر بعد الطوفان، فخربت وبقيت آثارها وعمرت على القرب منها مدينة صغيرة سميت باسمها.
стр. 1525
وأما (الأقصر) فبضم الهمزة وسكون القاف وضم الصاد المهملة وراء مهملة في الآخر، وتسمّى الأقصرين أيضا على التثنية، وهي مدينة خراب بالبر الشرقي من النيل، قد عمر على القرب منها قرية سميت باسمها، وبها ضريح السيد الجليل أبو الحجّاج الأقصري «١» ، وكانت بها بربارة عظيمة فخربت «٢» ، واعلم أن بين قفط والأقصر مدينة قوص، وقد ذكر القضاعيّ كورتها في جملة الكور، فكيف يستقيم أن تذكر قفط والأقصر كورة واحدة!
الثامنة عشرة- (كورة قوص)
وهي مستمرّة الحكم، وسيأتي الكلام عليها في جملة الأعمال المستقرّة إن شاء الله تعالى.
التاسعة عشرة- (كورة أسنا وأرمنت)
أما أسنا، فبفتح «٣» الهمزة وسكون السين المهملة وفتح النون وألف في الآخر، وهي مدينة حسنة بالبر الغربيّ من النّيل، ويقال: إنه لم يسلم من تخريب بخت نصّر من مد «٤» الديار المصرية سواها، وذلك أن أهلها هربوا منه إلى الجبل بالقرب منها فتبعهم وقتلهم هناك وترك البلد على حالها.
وأما (أرمنت) فبفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح الميم وسكون النون وتاء مثناة فوق في الآخر، وهي مدينة صغيرة بالبرّ الغربيّ الشّماليّ من النيل بينها وبين أسنا مرحلة، وكلاهما الآن من عمل قوص، وقد جرى على الألسنة
стр. 1526
الجمع بينهما في اللفظ فيقال: أسنا وأرمنت، وكان ذلك لكثرة اجتماعهما في إقطاع واحد.
العشرون- (كورة أسوان)
وسيأتي ذكرها في الكلام على الأعمال المستقرّة مع الأعمال القوصية إن شاء الله تعالى.
الحيّز الثاني أسفل الأرض
وقد ذكر القضاعيّ: أنها ثلاث وثلاثون كورة في أربع نواح:
الناحية الأولى كور الحوف الشرقيّ، وبها ثمان كور
الأولى- (كورة عين شمس)
وعين شمس مدينة قديمة خراب على القرب من المطريّة من ضواحي القاهرة الآتي ذكرها في الأعمال المستقرّة.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: رأيت على حاشية بعض كتب التواريخ أن ملكها كان عظيم الشأن، وعاش إلى زمن يوسف ﵇ وتزوّج ابنته.
الثانية- (كورة أتريب)
وأتريب مدينة خراب على القرب من بنها العسل من أعمال الشرقية الآتي ذكرها في الأعمال المستقرّة، بناها أتريب بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇.
الثالثة- (كورة نتا «١» وتميّ)
أمانتا، فلا يعرف بالحوف الآن بلدة اسمها نتا، وإنما نتا بعمل الغربية، وسيأتي ذكرها مع بوصير هناك.
وأمّا (تميّ) فبضم التاء المثناة فوق وفتح الميم وياء مثناة تحت في آخرها،
стр. 1527
وهي مدينة خراب بعمل المرتاحيّة، بها آثار عظام رأيت فيها أبوابا من حجر صوّان قطعة واحدة، ارتفاعها نحو عشرة أذرع قائمة على قاعدة من صوّان أيضا.
الرابعة- (كورة بسطة)
وبسطة بفتح الباء الموحدة وسكون السين وفتح الطاء المهملتين وهاء في الآخر، وهي مدينة خراب تعرف الآن بتلّ بسطة من عمل الشرقية.
الخامسة- (كورة طرابية)
«١» وهي من الأسماء التي درست ولم تعرف.
السادسة- (كورة فربيط)
«٢» وهي من المجهول أيضا.
السابعة- (كورة صان وإبليل)
«٣» وهي من المجهول.
الثامنة- (كورة الفرما والعريش)
. أما الفرما، فقال في «تقويم البلدان» : هي بفاء وراء مهملة وميم مفتوحات ثم ألف، وهي بلدة خراب على شاطيء بحر الروم، على بعد يوم من قطية. قال ابن حوقل: وبها قبر جالينوس الحكيم.
وأما (العريش) فبفتح العين المهملة وكسر الراء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وشين معجمة في الآخر قال في «الروض المعطار» : كانت مدينة ذات جامعين مفترقي البناء، وثمار وفواكه.
قال في «تقويم البلدان» : وهي الآن منزلة على شطّ بحر الرّوم، وبها آثار قديمة من الرّخام وغيره.
стр. 1528
قال في «الروض المعطار» : وكان بينها وبين قبرس «١» طريق مسلوكة في البر.
الناحية الثانية بطن الريف
وأصل الرّيف في لغة العرب موضع الزّرع والشجر، إلا أنه غلب بالديار المصرية على أسفل الأرض منها؛ وفيها سبع كور:
الأولى- (كورة بنا وبوصير)
أمّا بنا، فبفتح الباء الموحدة والنون وألف في الآخر. وبوصير تقدّم ضبطها في الكلام على بوصير المعروفة بمصر يوسف بالجيزيّة عند ذكر قواعد مصر القديمة، وبنا وبوصير هذه كلاهما من عمل الغربية الاتي ذكره في الأعمال المستقرّة.
الثانية- (كورة سمنّود)
وسمنود بفتح السين المهملة وضم النون المشدّدة والواو ودال مهملة في الآخر وهي مدينة صغيرة من الأعمال الغربية، كان لها عمل مستقرّ في أوّل الأمر ثم أضيفت إلى عمل الغربية.
الثالثة- (كورة نوسا)
ونوسا بفتح النون والواو والسين المهملة «٢» في الآخر، وهي الآن قرية من قرى المرتاحية.
الرابعة- (كورة الأوسيّة)
وهي من الأسماء التي درست وجهلت.
الخامسة- (كورة البجوم)
بالباء الموحدة والجيم، وهي من الأسماء المندرسة أيضا، ولا يعرف مكان بالديار المصرية اسمه البجوم إلا أرض بأسفل
стр. 1529
عمل البحيرة على القرب من الإسكندرية صارت مستنقعا للمياه المنصرفة عن البحيرة.
السادسة- (كورة دقهلة)
ودقهلة بفتح الدال المهملة والقاف وسكون الهاء وفتح اللام وهاء في الآخر، وهي مدينة قديمة بالجزيرة بين فرقة النيل المارّة إلى دمياط والفرقة التي تصب ببحيرة تنّيس، وإليها ينسب عمل الدقهلية، وهي الآن قرية من عمل أشموم الآتي ذكرها في الأعمال المستقرّة، وإن كان العمل في الأصل منسوبا إليها.
السابعة- (كورة تنّيس ودمياط)
أمّا تنيس، فقال في اللّباب: هي بكسر المثناة فوق والنون المشدّدة وسكون الياء المثناة تحت وسين مهملة في الآخر، والجاري على الألسنة فتح التاء؛ كانت مدينة عظيمة فطمى عليها الماء قبل الفتح الإسلامي بمائة سنة، فأغرق ما حولها وصارت بحيرة وسيأتي الكلام عليها في الكلام على بحيرتها، وهي الآن قرية صغيرة بوسط البحيرة والماء محيط بها.
قال في «الروض المعطار» : وكانت تربتها من أطيب التّرب، وبها تحاك الثياب النفيسة التي ليس لها نظير في الدنيا، وقد قيل: إن الجنتين اللتين أخبر الله تعالى عنهما في سورة الكهف بقوله: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ
«١» الآية، كانتا بتنيس.
وأمّا دمياط، فسيأتي ذكرها في الكلام على الأعمال المستقرّة ان شاء الله تعالى.
الناحية الثالثة الجزيرة بين فرقتي النيل الشرقية والغربية، وفيها خمس كور:
الأولى- (كورة دمسيس «٢» ومنوف)
أمّا دمسيس، فبفتح الدال المهملة
стр. 1530
وسكون الميم وكسر السين المهملة وسكون الياء المثناة تحت وسين مهملة في الآخر، وهي الآن بلدة من عمل الغربية.
وأمّا منوف «١» فمن الأسماء التي نسيت وجهلت.
الثانية- (كورة طوّة منوف)
وهي من الأسماء التي جهلت ولا يعلم بالديار المصرية الآن بلدة اسمها طوّة غير بلدين بالوجه القبليّ إحداهما بالأشمونين، والثانية بالبهنساوية.
الثالثة- (كورة سخا وتيدة والفرّاجون)
. أما سخا، فبفتح السين المهملة والخاء المعجمة وألف في آخرها، وهي بلد حسنة كانت ذات عمل، ثم استقرت من عمل الغربية الآن.
وأما تيدة، فبفتح التاء المثناة فوق وسكون الياء المثناة تحت وفتح الدال المهملة وهاء في آخرها، وهي الآن قرية من قرى الغربية.
وأما الفرّاجون، فبالألف واللام في أوّلها، ثم فاء مفتوحة وراء مهملة مشدّدة بعدها ألف وجيم مضمومة وواو ساكنة ونون في الآخر؛ وهي بلدة مضافة إلى تيدة، فيقال: تيدة والفرّاجون.
الرابعة- (كورة نقيزة «٢» وديصا)
وهما من الأسماء التي نسيت وجهلت.
الخامسة- (كورة البشرود)
وهي من الأسماء التي جهلت «٣» .
стр. 1531
الناحية الرابعة الحوف الغربيّ وفيها إحدى عشرة كورة:
الأولى- (كورة صا)
وصا بصاد مهملة مفتوحة وألف في الآخر، وهي مدينة خراب شرقيّ الفرقة الغربية من النيل، بناها صا بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، أحد ملوك مصر بعد الطوفان، وبها الآن آثار عظيمة، وقد عمرت بالقرب منها قرية سميت باسمها، وكأن عملها كان من البرّ الغربيّ.
الثانية- (كورة شباس)
وشباس بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة وألف ثم سين مهملة اسم لثلاث بلاد من عمل الغربية الآن، وهي شباس الملح وشباس أنبارة، وشباس سنقر، وتعرف بشباس الشهداء، وكأنّ المراد الثالثة فإنها أعظمها.
الثالثة- (كورة البذقون)
وهي من الأسماء التي درست وجهلت.
الرابعة- (كورة الخيس والشّراك)
أما الخيس فلا تعرف بالبحيرة الآن بلدة تسمّى الخيس، وإنما الخيس بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء وسين مهملة في الآخر، بلدة من عمل الشرقية.
وأما الشّراك فبكسر الشين المعجمة المشدّدة وفتح الراء المهملة وألف ثم كاف، وهي بلدة من عمل البحيرة.
الخامسة- (كورة خربتا)
بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة وكسر الباء الموحدة وفتح التاء المثناة فوق وهي قرية معروفة من عمل البحيرة، ومنها سار من سار من المصريين لقتل عثمان بن عفان ﵁.
السادسة- (كورة قرطسا ومصيل)
. أما قرطسا فبفتح القاف وسكون الراء المهملة وفتح الطاء والسين المهملتين وألف في الآخر، وهي قرية من عمل البحيرة الآن، وأما مصيل، فمن الأسماء التي جهلت.
стр. 1532
السابعة- (كورة المليدس) وهي من الأسماء التي جهلت.
الثامنة- (كورة إجنا «١» ورشيد والبحيرة)
أما إجنا، فمن الأسماء التي جهلت ولا يعرف بالبحيرة بلد اسمها إجنا، وإنما أخنويه من عمل الغربية، والعامّة تقول إخنا «٢» .
وأما رشيد، بفتح الراء المهملة وكسر الشين المعجمة وسكون الياء المثناة تحت ودال مهملة في الآخر، فبلدة عند مصبّ الفرقة الغربية التي يقع الاعتناء بحفظها.
وفي ذلك نظر لاعتباره الغربية ورشيد من سواحل البحيرة، وبينهما بعد يبعد معه أن يجتمعا في كورة واحدة.
وأما البحيرة، فالظاهر أنه يريد بحيرة بوقير المتقدّم ذكرها في الكلام على القواعد القديمة، ويأتي بقية الكلام عليها في الأعمال المستقرّة إن شاء الله تعالى.
العاشرة «٣» - (كورة مريوط)
ومريوط بفتح الميم وسكون الراء المهملة وضم الياء المثناة تحت وسكون الواو وطاء مهملة في الآخر، وهي ناحية غربيّ الاسكندرية داخلة الآن في عملها بها الأشجار والبساتين، وفواكهها تحمل للإسكندرية.
الحادية عشرة- (كورة لوبية ومراقية) أما لوبية فبلام وواو وباء موحدة ثم
стр. 1533
ياء مثناة تحت وهاء في الآخر قال في «الروض المعطار» : وهي كورة من كور مصر الغربية، متصلة بالإسكندرية. قال: وقد قيل: إن الاسكندر كان منها.
وأما مراقية، فبميم وراء مهملة وألف وقاف وياء مثناة تحت وهاء في الآخر.
وقد ذكر القضاعي في تحديد الديار المصرية ما يقتضي أنهما بجوار برقة، فقال إن الذي يقع عليه اسم مصر من العريش إلى لوبية ومراقية، ثم قال: وفي آخر أرض مراقية تلقى أرض انطابلس، وهي برقة، والظاهر أن لوبية غربيّ مريوط، ومراقية غربي لوبية، وهي آخر أرض الديار المصرية من جهة الغرب.
الحيّز الثالث كور القبلة، وفيها خمس كور:
الأولى- (كورة الطّور وفاران)
. أما الطّور فضبطه معروف. قال في المشترك: والطور في اللغة العبرانية اسم لكل جبل، ثم صار علما لجبال بعينها، منها: جبل طور زيتا بلفظ الزيت، وهو اسم لجبل برأس عين من بلاد الجزيرة «١» ، وجبل بالقدس، وجبل مطلّ على طبريّة، وطور هارون بالقدس، وطور سينا، وهو المراد هنا، وهو جبل داخل في بحر القلزم على رأسه دير عظيم، وفي واديه بساتين وأشجار، وهو على مرحلة من فرضة الطور المتقدّمة الذكر في تحديد بحر القلزم، وكأنها سميت باسمه لقربها منه. قال ابن الأنباريّ في «كتابه الزاهر» : وسمى الطّور بطور بن إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
وأما فاران، فبفاء مفتوحة بعدها ألف ثم راء مهملة بعدها ألف ثانية ثم نون، قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة صغيرة من بر الحجاز على جون على
стр. 1534
البحر. قال: ولجبال فاران ذكر في التوراة «١» .
الثانية- (كورة راية والقلزم)
. أما راية فمن الأسماء التي جهلت، وقد ذكرها ابن سعيد مقرونة بالقلزم فقال: وراية والقلزم من كور مصر.
وأما القلزم، فقال في المشترك: هو بضم القاف وسكون اللام وضم الزاي المعجمة ثم ميم في الآخر، وهي مدينة قديمة على ساحل بحر القلزم وإليها ينسب البحر المذكور.
قال في «القانون» : وطولها ست وخمسون درجة وثلاثون دقيقة وعرضها ثمان وعشرون درجة وعشرون دقيقة، وعلى القرب منها غرق فرعون.
الثالثة- (كورة أيلة وحيّزها، ومدين وحيّزها، والعونيد وحيّزها، والحوراء وحيّزها) .
أما أيلة، فقال في «تقويم البلدان» : وهي بفتح الهمزة وسكون الياء المثناة تحت وفتح اللام وهاء في الآخر، قال: وهي كانت مدينة صغيرة خرابا على ساحل بحر القلزم.
قال في «القانون» : طولها ست وخمسون درجة وأربعون دقيقة.
قال في «تقويم البلدان» : وبها زرع يسير، وهي مدينة اليهود الذين جعل منهم القردة والخنازير، وعليها طريق حجّاج مصر. قال: وهي في زماننا برج وبه وال من مصر وليس بها مزدرع، وكان بها قلعة البحر فبطلت ونقل الوالي إلى البرج.
وأما مدين، فضبطها معروف؛ وهي في الأصل اسم لقبيلة شعيب ﵇ وكانوا مقيمين بها فسميت البلد بهم، وهي مدينة خراب على بحر القلزم
стр. 1535
محاذية لتبوك من بلاد الشام على نحّوست مراحل منها، وعدّها في «الروض المعطار» من بلاد الشام، وبها البئر التي استقى منها موسى ﵇ لبنات شعيب وسقى غنمهنّ.
قال ابن سعيد: وسعة البحر عندها نحو مجرى.
وأما العونيد، فبعين مهملة وواو وياء مثناة تحت ونون ودال. قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة قريبة من نصف الطريق بين جدّة والقلزم. قال:
وعلى القرب منها مرسى صنا، ينحدر الماء بها عن أثر قدم من أوسط الأقدام بينة الكعب والأخمص والأصابع لم يعفها الزمان، ولا تنمحي بمرور الماء عليها.
وأما الحوراء، فبحاء مهملة مفتوحة بعدها واو ساكنة وراء مهملة مفتوحة ثم ألف في الآخر. قال في «الروض المعطار» «١» : وهي مدينة على ساحل وادي القرى بها مسجد جامع، وبها ثمانية آبار عذبة، وبها ثمار ونخل وأهلها عرب من جهينة وبليّ.
قلت: والمعروف في زماننا أن الحوراء منزلة بطريق حجّاج مصر، ولعلها على القرب منها.
الرابعة- كورة بدا
«٢» يعقوب وشعيب، ولم أعلم حقيقة مكانهما.
قلت: ذكر القضاعي أيلة ومدين وما والاهما مما على ساحل بحر القلزم من بر الحجاز في أعمال مصر جريا على ما قدّمه من إدخال ذلك في تحديد الديار المصرية، على أنه قد أهمل من جملة الديار المصرية حيّزين آخرين:
стр. 1536
[الحيّز الرابع] الحيّز الأوّل بلاد ألواح
إذ هي داخلة في حدود الديار المصرية على ما حدّده هو وغيره.
قال في «اللّباب» : «١» وهي بفتح الهمزة وسكون اللام وفتح الواو وفي آخره حاء مهملة، وقال في «المشترك» »
: واح بغير ألف ولام ويجمع على واحات، وهي ناحية غربيّ بلاد الصعيد منقطعة عنه خلف الجبل الغربيّ من جبلي مصر المتقدّم ذكرهما.
قال في «مسالك الأبصار» : وهي بين مصر والإسكندرية والصعيد والنّوبة والحبشة. قال في «تقويم البلدان» «٣» : والبراري محيطة بها من جميع جهاتها، وهي بينها كالجزيرة، بين رمال ومفاوز.
قال البكريّ: وهو إقليم مستقلّ غير مفتقر إلى سواه قال في «الروض المعطار» : وهي آخر بلاد الإسلام، وبينها وبين بلاد النّوبة ستّ مراحل. قال:
وفي هذه الأرض «٤» شبّية وزاجيّة وعيون حامضة الطعوم، ولكل نوع منها منفعة وخاصة، وبها العيون الجارية، والبساتين، والثمار، والتمر الكثير؛ وبها مدن كثيرة مسوّرة وغير مسوّرة.
قال في «المشترك» : وهي ثلاث كور: واح الأولى، وواح الوسطى، وواح القصوى.
стр. 1537
قلت:
و الأولى منها- مقابل الأعمال البهنساوية
، وهي أعمرها وأكثرها ثمرة، ومنها يجلب التمر والزبيب الكثير، وتعرف بواح البهنسى وبألواح الخاصّ.
والثانية- مقابل شماليّ الأعمال الأسيوطية
، وتعرف بألواح الداخلة، وهي تلو ألواح الأولى في العمارة؛ بها مدن مشهورة، منها السلمون والهنداو والقلمون والقصير وغيرها.
والثالثة- مقابل جنوبيّ ألواح الثانية
، وتعرف بألواح الخارجة؛ وبين ريف الصعيد وبين جميعها عرض جبل مصر الغربي، ومسيرته ثلاث مراحل فما دونها بحسب اختلاف الأماكن والطرق.
قال في «التعريف» : وهي جارية في إقطاع أمراء مصر، وهم يولّون عليها من قبلهم. قال: ومغلّها كأنه مصالحة لعدم التمكن من استغلاله أسوة بقية ديار مصر، لوقوعه منقطعا في البلاد النائية والقفار النازحة.
قال في «مسالك الأبصار» : ولا تعدّ في الولايات ولا الأعمال، ولا يحكم عليها من قبل السلطان «١» .
[الحيز الخامس] الحيّز الثاني برقة
بفتح الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح القاف وهاء في الآخر. قال في «تقويم البلدان» : وهي من الإقليم الثالث. قال في «كتاب الأطوال» : وطولها اثنتان وأربعون درجة وخمس وأربعون دقيقة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة.
стр. 1538
وهي أرض متّسعة الأرجاء، مديدة الفضاء، وهي من أزكى الأراضي دوابّ، وأمراها مرعى.
قال في «مسالك الأبصار» : أخبرني بعض من رآها أنها شبيهة بأطراف الشام وجبال نابلس في منابت أشجارها وكيفية أرضها وما هي عليه، وأنها لو عمرت بالسكان وتأهلت بالزّرّاع، كانت إقليما كبيرا يقارب نصف الشأم، قال: وبها الماشية والسائمة الكثيرة: من الإبل والغنم والخيل، وخيلها من أقوى الخيل وأصلبها حوافر، وصورها بين العراب «١» والبراذين، وقد جمعت بين حسن العراب وكمال تخاطيطها، وصلابة البراذين وثباتها على الوعور، وهي إلى محاسن العراب أقرب، ولكنها لا تبلغ شأو خيل البحرين والحجاز؛ وفحولها أنجب من إناثها. قال: وكذلك بها المدن المبنية، والقصور العلية، والآثار الدالة على ما كانت عليه من الجلالة.
قال ابن سعيد: وهي سلطنة طويلة، وإن لم يكن لها استقلال لاستيلاء العرب عليها، وهي إلى إفريقيّة أقرب منها إلى مصر. قال: وكان سريرها في القديم بمدينة (طبرقة) «٢» . وذكر صاحب «الروض المعطار» : أن قاعدتها كانت مدينة (أنطابلس) ، وقد تقدّم من كلام القضاعيّ في تحديد الديار المصرية في آخر الحدّ الشمالي ما يوافقه.
قال في «مسالك الأبصار» : ومن مدنها طلميثا. قلت: والتحقيق أن برقة قسمان: قسم محسوب من الديار المصرية، وهو ما دون العقبة الكبرى إلى الشرق، وقسم محسوب من إفريقيّة، وهو ما فوق العقبة المذكورة إلى الغرب، وهذه المدن الثلاث مما يلي جهة المغرب، والقسمان كلاهما اليوم بيد العرب
стр. 1539
أصحاب الماشية. قال في «مسالك الأبصار» : وربما زرع بعضهم في بعض أرضها فأنجب، ولكنهم أهل بادية لا عناية لهم بعمارة ولا زرع. قال: وأمرها إلى صاحب مصر يقطعها بالمناشير تارة لبعض الأمراء وتارة للعرب يأخذون عدادها، وكأنه يريد القسم الذي هو من مصر «١» .
الضرب الثاني من كور الديار المصرية نواحيها وأعمالها المستقرّة، ولها وجهان:
الوجه الأوّل القبليّ
وهو المعبر عنه بالصعيد؛ وقد تقدّم بيانه في الكلام على الكور القديمة، وبه تسعة أعمال:
العمل الأوّل- الجيزيّة
. وهو أقربها إلى الفسطاط والقاهرة، ومقرّ ولايته مدينة الجيزة (بكسر الجيم وإسكان الياء المثناة تحت وفتح الزاى المعجمة وبعدها هاء) وموقعها في الإقليم موقع الفسطاط، وطولهما وعرضهما واحد؛ وإليها ينسب الربيع الجيزيّ «٢» راوي الأمّ عن الشافعيّ ﵁.
قال في «الروض المعطار» : ويقال إن بها قبر كعب الأحبار، وهي مدينة لطيفة على ضفّة النيل الغربية مقابل جزيرة المقياس المتقدّمة الذكر والنيل بينهما، وبعض هذا العمل يأخذ في جهة الشّمال إلى الوجه البحريّ الآتي ذكره.
стр. 1540
قال في «الروض المعطار» : والجيزة اختطها عمرو بن العاص ﵁ «١» .
العمل الثاني- الإطفيحيّة
. وهو شرقيّ النيل في جنوب الفسطاط، مصاقب بركة الحبش وبساتين الوزير. ومقرّ ولايته مدينة «إطفيح» (بكسر الهمزة وإسكان الطاء المهملة والفاء والياء والحاء المهملة) وربما قلبت الطاء تاء مثناة فوق، وهي مدينة لطيفة في البر الشرقيّ، وموقعها في الإقليم الثالث، ولم يتحرّر لي «٢» طولها وعرضها، وعملها ما بين المقطم والنيل آخذا عنها جنوبا وشمالا، وليس لعملها كبير ذكر.
العمل الثالث- البهنساويّة
. وهو مما يلي عمل الجيزة من الجهة الجنوبية، ومقرّ ولايته مدينة البهنسى. قال في «المشترك» : (بفتح الباء وسكون الهاء وفتح النون وسين مهملة مفتوحة وألف مقصورة) وهي مدينة لطيفة قديمة بالصعيد الأدنى بالبر الغربيّ من النيل تحت الجبل بطوق المزدرع مركبة على ضفّة بحر الفيوم.
وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة.
قال في «الأطوال» : طولها إحدى وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها ثمان وعشرون درجة.
العمل الرابع- الفيّوميّة
. وهو مصاقب لعمل البهنسى من غربيه، وبينهما منقطع رمل. وهو من أعظم الأعمال وأحسنها عمارة، كثير البساتين، غزير الفواكه، دارّ الأرزاق. ويقال إنه كان مصل «٣» مياه الديار المصرية فاستخرجه
стр. 1541
يوسف ﵇ وجعله ثلاثمائة وستين قرية لتمير «١» كلّ قرية منها بلد مصر يوما من أيام السنة.
قلت: وأما الآن فقد نقصت عدّة قراه بسبب ما عراها من ركوب ماء البركة التي هي مصل «٢» مياهه، المتقدّم ذكرها في جملة بحيرات الديار المصرية، وركوب مائها على أكثر القرى المجاورة لها، ولولا ما هو شامل له من بركة الصدّيق ﵇، لكانت قد غطّت جميع بلاده، إذ المياه تنصبّ إليها شتاء وصيفا على ممرّ الدهور وتعاقب الأيام، وليس لها مصرف تتصرف منه ضرورة إحاطة الجبال بها من الجهات التي هي بصدد أن تصرف منها، ولقد اجتهد بعض حكّام الزمان على أن يتحيل في عمل مصرف يقطع في الجبل لتتصرف منه مياهها فلم يجد إلى ذلك سبيلا. ولو كان ذلك في حيّز الإمكان، لفعله يوسف ﵇.
قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» : ويقال إنه على جميع الفيّوم سور دائر، ومقرّ ولايته (مدينة الفيّوم) وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة.
قال في «القانون» : وطولها أربع وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها ثمان وعشرون درجة وعشرون دقيقة.
وقال في «تقويم البلدان» : القياس أن طولها ثلاث وخمسون درجة، وعرضها تسع وعشرون درجة، وهي مدينة حسنة على ضفّة البحر المنهى «٣» حسنة الأبنية، زاهية المعالم. وبها الجوامع والرّبط والمدارس، وهي راكبة على الخليج المنهى من جانبيه، وهو مخترق وسطها. قال في «العزيزي» «٤» : وبين الفيّوم
стр. 1542
والفسطاط ثمانية وأربعون ميلا.
العمل الخامس- عمل الأشمونين والطحاوية
. وهو مضاقب لعمل البهنسي من جنوبيه، وهو عمل واسع كثير الزرع، واسع الفضاء، متقارب القرى. ومقرّ الولاية به (مدينة الأشمونين) «١» بضم الألف وسكون الشين المعجمة وضم الميم وسكون الواو في الآخر نون. وموقعها في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة على ما ذكره في «تقويم البلدان» والإقليم الثاني على ما يقتضيه كلام المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» حيث جعل آخر الإقليم الثاني دهروط من البهنساوية.
قال في «القانون» : طولها ست وخمسون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها ست وعشرون درجة؛ وهي مدينة لطيفة بالبر الغربيّ من النيل، كانت في الأصل مدينة قديمة بناها أشمون «٢» بن قبطيم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، ثم خربت ودثرت؛ وبنيت هذه المدينة على القرب منها. وكان هذا العمل فيما تقدّم عملين: أحدهما عمل الأشمونين هذا، والثاني عمل طحا المدينة (بفتح الطاء والحاء المهملتين وألف في الآخر) وقد تقدّم ذكرها في الأعمال القديمة، ثم أضيفا وجعلا عملا واحدا.
العمل السادس- المنفلوطيّة
«٣» . وهو مصاقب لعمل الأشمونين من جنوبيه، وهو من أخصّ خاصّ السلطان الجاري في ديوان وزارته، ومنه يحمل
стр. 1543
أكثر الغلال إلى الأهراء السلطانية «١» بالفسطاط. ومقرّ ولايته (مدينة منفلوط) . قال في «تقويم البلدان» : (بفتح الميم وسكون النون وفتح الفاء وضم اللام ثم واو وطاء مهملة في الآخر) . وموقعها الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة فيما ذكره في «تقويم البلدان» ومن أواخر الإقليم الثاني على ما يقتضيه كلام «مسالك الأبصار» .
قال في «كتاب الأطوال» : وطولها اثنتان وخمسون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها سبع وعشرون درجة وأربعون دقيقة. وهي مدينة لطيفة بالبرّ الغربيّ من النيل بالقرب من شطّه.
العمل السابع- الأسيوطيّة
«٢» وهو عمل جليل، ومقرّ الولاية به (مدينة أسيوط) «٣» بضم «٤» الألف وسكون السين وضم المثناة تحت وفي آخرها طاء مهملة. هكذا ضبطه السمعاني «٥» في «كتاب الأنساب» : وذكرها «في الروض المعطار» في حرف الهمزة، ووقعت في شعر ابن الساعاتي «٦» بغير ألف في قوله:
لله يوم في سيوط وليلة ... عمر الزّمان بمثلها لا يغلط
стр. 1544
بتنا بها، والبدر في غلوائه ... وله بجنح الليل فرع أشمط «١»
والطّير تقرأ، والغدير صحيفة؛ ... والرّيح تكتب «٢» ، والغمام ينقّط
وإثبات الألف فيها هو الجاري على ألسنة العامة بالديار المصرية، والثابت في الدواوين حذفها. موقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة.
قال في «الأطوال» : وطولها إحدى وخمسون درجة وخمس وأربعون دقيقة، وعرضها أثنتان وعشرون درجة وعشر دقائق. وهي مدينة حسنة في البر الغربي من النيل على مرحلة من منفلوط، وبها مساجد ومدارس وأسواق وقياسر وحمّامات «٣» .
العمل الثامن- (الإخميميّة)
. وهو مصاقب لعمل أسيوط من جنوبيّه، وهو عمل ليس بالكبير، وبلاده أكثرها بالبر الغربي عن النيل، وحاضرته (مدينة إخميم) . قال في «تقويم البلدان» : (بكسر «٤» الألف وسكون الخاء المعجمة والمثناة تحت بين الميمين، والأولى منهما مكسورة) وموقعها في أواخر الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة.
قال في «الأطوال» : وطولها إحدى «٥» وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها ست «٦» وعشرون درجة. وهي مدينة لطيفة بالبر الشرقي عن النيل على مرحلتين من أسيوط، وبها كانت البرابي العظام المتقدّمة الذكر، ويقال إن ذا
стр. 1545
النّون»
المصريّ العابد الزاهد منها، وولايتها مضافة إلى قوص «٢» .
العمل التاسع- القوصيّة
«٣» . وهو مصاقب لعمل أسيوط من جنوبه، وهو عمل متسع الفضاء بعيد ما بين القرى، ينتهي آخره إلى أسوان، آخر الديار المصرية في البرّ الشرقيّ والغربيّ، وهي بلاد الثّمر، ومنها يجلب إلى سائر البلاد المصرية، ومقرّ ولايته (مدينة قوص) . قال في «المشترك» : (بضم القاف وسكون الواو، وفي الآخر صاد مهملة) وموقعها في الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة.
قال ابن سعيد: طولها سبع وخمسون درجة، وعرضها ست وعشرون درجة «٤» وهي مدينة جليلة في البر الشرقيّ عن النيل، ذات ديار فائقة، ورباع أنيقة، ومدارس وربط وحمّامات، يسكنها العلماء والتّجار وذوو الأموال، وبها البساتين والحدائق المستحسنة إلا أنها شديدة الحرّ، كثيرة العقارب، حتّى إنه يقيّض لها من يدور في الليل في شوارعها بالمسارج لقتلها، ويقاربها في الكثرة أيضا سامّ أبرص «٥» .
قال المقر الشهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» : أخبرني عز الدين حسن بن أبي المجد الصّفديّ أنه عدّ في يوم صائف على حائط الجامع بها سبعين سامّ أبرص على صفّ واحد. ومما يدخل في عملها مما له ولاية مستقلة مدينة أسوان قال السمعاني: (بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح الواو وبعدها ألف
следующие страницы →