Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
والحمّص بالحبوب، ثم الغالب أن يؤخذ عن خراج كل فدّان من الأصناف المذكورة ما بين إردبين إلى ثلاثة بكيل تلك الناحية، وربما زاد أو نقص عن ذلك، وفي الغالب يؤخذ مع كل إردب درهم أو درهمان أو ثلاثة، ونحو ذلك بحسب قطائع البلاد وضرائبها في الزيادة والنقص في الأرادب والدراهم؛ وربما كان الخراج في بعض هذه البلاد دراهم، وما بار من أرض كل بلد يباع ما ثبت فيه من المرعى مناجزة «١» ، وربما أخذ فيه العداد «٢» على حسب عرف البلاد.
والوجه البحري غالب خراج بلاده دراهم وليس فيه ما خراج بلاده غلة إلا القليل على العكس من الوجه القبلي.
ثم الذي كان عليه الحال إلى نحو التسعين والسبعمائة في غالب البلاد أن يؤجر أثر الباق كلّ فدّان بأربعين درهما فما حولها والبرايب كلّ فدّان بثلاثين درهما فما حولها، ثم غلا السعر بعد ذلك حتّى جاوز الباق المائة والبرايب الثمانين، وبلغ البرش نحو المائتين وذلك عند غلوّ الغلال وارتفاع سعرها.
قلت: ثم تزايد الحال في ذلك بعد الثمانمائة إلى ما بعد العشر والثمانمائة حتّى صار يؤخذ في الباق عن كل فدّان نحو الأربعمائة درهم، وربما زادت الأرض الطيبة حتّى بلغت ستمائة درهم، وفي البرايب ونحوه دون ذلك بالنسبة ثم إنه إذا كان المقرّر في خراج بلد من بلاد الديار المصرية غلالا وأعوز صنف من الأصناف أن يؤخذ البدل عنها من صنف آخر من الغلّة.
وقد ذكر في «قوانين الدواوين» أن قاعدة البدل أن يؤخذ عن القمح بدل كل إردب من الشعير إردبان، ومن الفول إردب واحد ونصف، ومن الحمّص إردب، ومن الجلبان إردبّ ونصف، والشعير يؤخذ عن كل إردب منه نصف إردب
стр. 1612
من القمح أو ثلثا إردب من الفول أو نصف إردب من الحمّص أو ثلثا إردب من الجلبان، وفي الفول يؤخذ عن كل إردب منه ثلث إردب من القمح أو [إردب و] «١» نصف إردب من الشعير أو ثلثي «٢» إردب من الحمّص أو إردب من الجلبان، وفي الحمّص يؤخذ عن كل إردب منه إردب من القمح أو إردبان من الشعير أو إردب ونصف من الفول أو إردب ونصف من الجلبان، وفي الجلبان يؤخذ عن كل إردب منه ثلثي «٣» إردب من القمح أو إردب ونصف من الشعير أو إردب من الفول أو ثلثي «٤» إردب من الحمّص؛ ثم قال: والسّمسم والسّلجم والكتّان ما رأيت لها بدلا، والاحتياط في جميع ذلك الرجوع إلى سعره الحاضر، فإنه أسلم طريقة وأحسن عاقبة.
واعلم أن بلاد الديار المصرية بالوجهين: القبلي والبحري بجملتها جارية في الدواوين السلطانية وإقطاعات الأمراء وغيرهم من سائر الجند إلا النزر اليسير مما يجري في وقف من سلف من ملوك الديار المصرية ونحوهم على الجوامع والمدارس والخوانق ونحوها مما لا يعتدّ به لقلته.
والجاري في الدواوين على ضربين:
الضرب الأوّل ما هو داخل في الدواوين السلطانية، وهو الآن على أربعة أصناف:
الصنف الأوّل ما هو جار في ديوان الوزارة «٥» ؛ وأعظمه خطرا وأرفعه قدرا جهتان:
إحداهما- عمل الجيزية
المتقدّم ذكره في أعمال الديار المصرية ولها
стр. 1613
مباشرون بمفردها من ديوان الوزارة ما بين ناظر «١» ومستوف «٢» وشهود «٣» وصيرفيّ «٤» وغيرهم، وغالب خراجه مبلغ دراهم تحمل إلى بيت المال فتثبت فيه وتصرف منه في جملة مصارف بيت المال، وربما حمل من بعضها الغلّة اليسيرة من القمح وغيره للأهراء السلطانية بالفسطاط ومن أرضها تفرد الإطلاقات، ويبذر فيها البرسيم لربيع الخيول بالإصطبلات السلطانية والأمراء والمماليك السلطانية.
الثانية- عمل منفلوط
، وله مباشرون كما تقدّم في الجيزيّة بل هي أرفع قدرا وأكثر متحصّلا، وغالب خراجه غلال: من قمح وفول وشعير، وغلالها تحمل إلى الأهراء السلطانية بالفسطاط ويصرف منها في جملة مصارف الأهراء على الطواحين السلطانية والمناخات وغير ذلك، وربما حمل منها المبلغ اليسير إلى بيت المال فيثبت فيه ويصرف منه على ما تقدّم في الأعمال الجيزية، وما عدا هاتين الجهتين من البلاد الجارية في ديوان الوزارة مفرّقة في الأعمال بالوجهين: القبلي والبحري، وهي في الوجه القبلي أكثر، ولكنها قد تناقصت في هذا الزمن حتّى لم يبق فيها إلا بعض بلاد بالوجه القبلي.
الصنف الثاني ما هو جار في ديوان الخاص
وهو الديوان الذي أحدثه السلطان «الملك الناصر محمد بن قلاوون» حين أبطل الوزارة على ما سيأتي ذكره، وأعظم بلاده وأرفعها قدرا مدينة الإسكندريّة فإنها في الغالب مضافة إليه وبها مباشرون من ناظر ومستوف
стр. 1614
وشادّين «١» وغيرهم، وربما أخّرت عنه في جهات أخرى جارية فيه، ويليها تروجة وفوّة ونستروه، ومال جميعها يحمل إلى خزانة الخاص الآتي ذكرها تحت نظر ناظر الخاصّ الآتي ذكره.
الصنف الثالث ما هو جار في الديوان المفرد «٢»
وهو ديوان أحدثه «الظاهر برقوق» في سلطنته، وأفرد له بلادا، وأقام له مباشرين وجعل الحديث فيه لأستاذ داره «٣» الكبير، ورتّب عليه نفقة مماليكه من جامكيات «٤» وعليف «٥» وكسوة وغير ذلك.
قلت: وليس هو المخترع لهذا الاسم بل رأيت في ولايات الدولة الفاطمية بالديار المصرية ما يدل على أنه كان للخليفة ديوان يسمى: «الديوان المفرد» .
الصنف الرابع ما هو جار في ديوان الأملاك
وهو ديوان أحدثه «الظاهر برقوق» المتقدّم ذكره، وأفرد له بلادا سماها أملاكا، وأقام لها أستاذ دار ومباشرين بمفردها، وهذا الديوان خاص بالسلطان ليس عليه مرتب نفقة ولا كلفة.
стр. 1615
الضرب الثاني ما هو جار في الإقطاعات
وهو جلّ البلاد بالوجهين القبليّ والبحريّ، والبلاد النفيسة الكثيرة المتحصّل في الغالب تقطع للأمراء على قدر درجاتهم، فمنهم من يجتمع له نحو العشر بلاد إلى البلد الواحدة، وما دون ذلك من البلدان يقطع للمماليك السلطانية يشترك الاثنان فما فوقهما في البلدة الواحدة في الغالب، وربما انفرد الواحد منهم بالبلد الواحد. وما دون ذلك يكون لأجناد الحلقة «١» تجتمع الجماعة منهم في البلد الواحد بحسب مقداره وحال مقطعيه، وفي معنى أجناد الحلقة المقطعون من العربان بالبحيرة والشرقية من أرباب الأدراك «٢» وملتزمي خيل البريد وغيرهم.
ثم اعلم أن لبلاد الديار المصرية حالين:
الحال الأوّل
- أن تنجّز إجارة طين البلد بقدر معين لا يزيد ولا ينقص وطلب الخراج على حكمها.
الحال الثاني
- أن تكون البلاد مما جرت العادة بمساحة أرضها لسعة طينها واختلاف الريّ فيه بالكثرة والقلة في السنين؛ وقد جرت العادة في ذلك أنّ كاتب خراج الناحية يطلب خولة القانون بذلك البلد وتوريخ الأحواض على المزارعين بفدن مقدّرة، وتكتب بها أوراق تسمّى أوراق المسجل، وتحمل نسختها إلى ديوان صاحب الإقطاع فتخلد فيه، فإذا طلع الزرع خرج من باب صاحب الإقطاع مباشرون، فيمسحون أرض تلك البلد في كل قبالة بأسماء المزارعين، ويكتب
стр. 1616
أصل ذلك في أوراق تسمّى الفنداق «١» ، ثم تجمع القبائل «٢» بأوراق تسمّى تأريج «٣» القبائل، ثم تجمع أسماء المزارعين بأوراق تسمّى تأريج «٤» الأسماء، ويقابل بين ما اشتملت عليه أوراق المسجل وما اشتملت عليه مساحته، وفي الغالب يزيد عن أوراق المسجل، ويجمع ذلك وتنظم به أوراق تسمّى المكلّفة «٥» ، ويكتب عليها الشهود وحاكم العمل، وتحمل لديوان المقطع نسخا.
النوع الثاني ما يتحصّل مما يستخرج من المعادن
وقد تقدّم في الكلام على خواصّ الديار المصرية أن الموجود الآن بها ثلاثة معادن:
الأول- «معدن الزّمرّد»
على القرب من مدينة قوص، ولم يزل مستمرّ الاستخراج إلى أواخر الدولة الناصرية «محمد بن قلاوون» ، ثم أهمل لقلّة ما يتحصّل منه مع كثرة الكلف وبقي مهملا إلى الآن. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنه كان له مباشرون وأمناء من جهة السلطان يتولّون استخراجه وتحصيله، ولهم جوامك «٦» على ذلك. ومهما تحصل منه حمل إلى الخزائن السلطانية فيباع ما يباع، ويبقّى ما يصلح للخزائن الملوكية.
стр. 1617
الثاني- «معدن الشّبّ»
(بالباء الموحدة في آخره) قال في «قوانين الدواوين» : ويحتاج إليه في أشياء كثيرة، أهمّها صبغ الأحمر، وللرّوم فيه من الرغبة بمقدار ما يجدون من الفائدة، وهو عندهم مما لا بدّ منه ولا مندوحة عنه؛ ومعادنه بأماكن من بلاد الصعيد والواحات على ما تقدّم في الكلام على خواصّ الديار المصرية.
قال: وعاد الديوان أن ينفق في تحصيل كل قنطار «١» منه باللّيثي ثلاثين درهما، وربما كان دون ذلك، وتهبط به العرب [من معدنه] «٢» إلى ساحل قوص، وساحل إخميم، وساحل أسيوط، وإلى البهنسى إن كان الإتيان به من الواحات، ثم يحمل من هذه السواحل إلى الإسكندريّة ولا يعتدّ للمباشرين فيه إلا بما يصح فيها عند الاعتبار. قال ابن مماتي: وأكثر ما يباع منه في المتجر بالإسكندرية خمسة آلاف قنطار بالجروي، وبيع منه في بعض السنين ثلاثة عشر ألف قنطار. وسعره من خمسة دنانير إلى خمسة دنانير وربع وسدس كلّ قنطار.
قال: أما القاهرة، فأكثر ما يباع فيها في كل سنة ثمانون قنطارا كل قنطار بسبعة دنانير ونصف؛ ثم قال: وليس لأحد أن يبيعه، ولا يشتريه سوى الديوان السلطاني، ومتى وجد مع أحد شيء من صنفه استهلك. قلت: وقد تغير غالب حكم ذلك.
الثالث- «معدن النّطرون»
«٣» وقد تقدّم في الكلام على خواص الديار المصرية أن النّطرون يوجد في معدنين: أحدهما بعمل البحيرة مقابل بلدة تسمّى
стр. 1618
الطرّانة على مسيرة يوم منها، وتقدّم في كلام صاحب «التعريف» أنه لا يعلم في الدنيا بقعة صغيرة يستغلّ منها أكثر مما يستغلّ منها، فإنها نحو مائة فدّان تغل نحو مائة ألف دينار كل سنة. والمعدن الثاني بالفاقوسية على القرب من الخطارة، ويعرف بالخطاريّ، وهو غير لاحق في الجودة بالأوّل.
قال في «نهاية الأرب» : وأوّل من احتجر النّطرون أحمد بن محمد بن مدبّر «١» نائب مصر قبل أحمد بن طولون، وكان قبل ذلك مباحا. قال في «قوانين الدواوين» : وهو في طور محدود لا يتصرف فيه غير المستخدمين من جهة الديوان، والنفقة على كل قنطار منه درهمان، وثمن كل قنطار منه بمصر والإسكندرية لضيق الحاجة إليه سبعون درهما، قال: والعادة المستقرّة أنه متى أنفق من الديوان في العربان عن أجرة حمولة عشرة آلاف قنطار، ألزموا بحمل خمسة عشر ألف قنطار، حسابا عن كل قنطار قنطار ونصف. ثم قال: وأكثره مصروف في نفقة الغزاة.
قلت: أما في زماننا فقد تضاعفت قيمة النّطرون وغلا سعره لاحتجار السلطان له، وأفرط حتّى خرج عن الحدّ، حتّى إنه ربما بلغ القنطار منه مبلغ ثلاثمائة درهم أو نحوها. وقد كان على النّطرون مرتّبون من كتّاب دست وكتّاب درج وأطباء وكحالين «٢» وغيرهم وجماعة من أرباب الصدقات يستأدون ذلك، وينفقون على حمولته إلى ساحل النيل بالبلدة المعروفة بالطّرّانة المتقدّمة الذكر، ويبيعونه على من يرغب فيه ليتوجه به في المراكب إلى الوجه القبليّ، ولم يكن لأحد أن يبيع شيئا بالوجه البحريّ جملة، ثم بطل ذلك في أواخر الدولة الظاهرية برقوق، وصار النطرون بجملته خالصا للسلطان جاريا في الديوان المفرد تحت نظر أستاذ دار، يحمل إلى الإسكندرية والقاهرة فيخزن في شون ثم يباع منها،
стр. 1619
وعليه مباشرون يحضرون الواصل والمبيع، ويعملون الحسبانات بذلك، وتميّز بذلك متحصّله للغاية القصوى.
النوع الثالث الزكاة «١»
قد تقرّر في كتب الفقه أن من وجبت عليه زكاة كان مخيرا بين أن يدفعها إلى الإمام أو نائبه، وبين أن يفرّقها بنفسه. والذي عليه العمل في زماننا بالديار المصرية أن أرباب الزكوات المؤدّين لها يفرّقونها بأنفسهم، ولم يبق منها ما يؤخذ على صورة الزكاة إلا شيئين:
أحدهما- ما يؤخذ من التجار وغيرهم
على ما يدخلون به إلى البلد من ذهب أو فضة، فإنهم يأخذون على كل مائتي درهم خمسة دراهم، ثم إذا اشترى بها شيئا وخرج به وعاد بنظير المبلغ الأوّل لا يؤخذ منه شيء عليه حتّى يجاوز سنة. إلا أنهم انتقصوا سنة ذلك فجعلوها عشرة أشهر، وخصّوه بما إذا لم يزد في المدّة المذكورة على أربع مرار، فإن زاد عليها استأنفوا له المدّة، ثم إنه إذا كان بالبلد متجر لأحد من تجار الكارم «٢» من بهار ونحوه وحال عليه الحول بالبلد، أخذوا عليه الزكاة أيضا. ومجرى ذلك جميعه مجرى سائر متحصّل الإسكندرية في المباشرة وغيرها.
الثاني- ما يؤخذ من العداد من مواشي أهل برقة من الغنم والإبل
عند وصولهم إلى عمل البحيرة بسبب المرعى، وفي الغالب يقطع لبعض الأمراء، ويخرج قصّادهم لأخذه.
стр. 1620
النوع الرابع الجوالي «١»
وهي ما يؤخذ من أهل الذّمّة عن الجزية المقرّرة على رقابهم في كل سنة، وهي على قسمين: ما في حاضرة الديار المصرية من الفسطاط والقاهرة، وما هو خارج عن ذلك. فأما ما بحاضرة الديار المصرية، فإن لهذه الجهة بها ناظرا يولّى من جهة السلطان بتوقيع شريف، ويتبعه مباشرون من شادّ وعامل وشهود، وتحت يده حاشر لليهود وحاشر «٢» للنصارى يعرف أرباب الأسماء الواردة في الديوان ومن ينضم إليهم ممن يبلغ في كل عام من الصّبيان، ويعبّر عنهم بالنّشو ومن يقدم إلى الحاضرة من البلاد الخارجة عنها، ويعبّر عنهم بالطارىء، ومن يهتدي أو يموت ممن اسمه وارد الديوان. ويملي على كتّاب الديوان ما يتجدّد من ذلك.
قال في «قوانين الدواوين» : إن الجزية كانت في زمانه على ثلاث طبقات: عليا، وهي أربعة دنانير وسدس عن كل رأس في كل سنة، ووسطى وهي ديناران وقيراطان، وسفلى وهي دينار واحد وثلث وربع دينار وحبتان من دينار، وإنه أضيف إلى جزية كل شخص درهمان وربع عن رسم الشادّ والمباشرين. ثم قال: وقد كانت العادة جارية باستخراجها في أوّل المحرّم من كل سنة، ثم صارت تستخرج في أيام من ذي الحجة. قلت: أما الآن فقد نقصت حتّى صار أعلاها خمسة وعشرين درهما، وأدناها عشرة دراهم، ولكنها صارت تستأدى معجّلة في شهر رمضان، ثم ما يتحصّل منها يحمل منه قدر معين في كل سنة لبيت المال،
стр. 1621
وباقي ذلك عليه مرتبون من القضاة وأهل العلم والديانة يوزّع عليهم على قدر المتحصّل.
وأما ما هو خارج عن حاضرة الديار المصرية من سائر بلدانها فإن جزية أهل الذمة في كل بلد تكون لمقطع تلك البلد من أمير أو غيره تجري مجرى مال ذلك الإقطاع، وإن كانت تلك البلد جارية في بعض الدواوين السلطانية، كان ما يتحصّل من الجزية من جهل الذمة بها جاريا في ذلك الديوان.
النوع الخامس ما يؤخذ من تجّار الكفّار الواصلين في البحر إلى الديار المصرية
واعلم أن المقرّر في الشرع أخذ العشر من بضائعهم التي يقدمون بها من دار الحرب إلى بلاد الإسلام إذا شرط ذلك عليهم. والمفتى به في مذهب الشافعيّ ﵁ أن للإمام أن يزيد في المأخوذ عن العشر وأن ينقص عنه إلى نصف العشر للحاجة إلى الازدياد من جلب البضاعة إلى بلاد المسلمين، وأن يرفع ذلك عنهم رأسا إذا رأى فيه المصلحة. وكيفما كان الأخذ فلا يزيد فيه على مرّة من كل قادم بالتجارة في كل سنة، حتّى لو رجع إلى بلاد الكفر ثم عاد بالتجارة في سنته لا يؤخذ منه شيء إلا أن يقع التراضي على ذلك؛ ثم الذي ترد إليه تجّار الكفار من بلاد الديار المصرية ثغر الإسكندرية. وثغر دمياط المحروستين، تأتي إليهما مراكب الفرنج والرّوم بالبضائع فتبيع فيهما أو تمتار منهما ما تحتاج إليه من البضائع، وقد تقرّر الحال على أن يؤخذ منهم الخمس وهو ضعف العشر عن كل ما يصل بهم في كل مرة، وربما زاد ما يؤخذ منهم على الخمس أيضا» «١» .
قال ابن مماتي في «قوانين الدواوين» : وربما بلغ قيمة ما يستخرج عما قيمته مائة دينار ما يناهز خمسة وثلاثين دينارا، وربما انحط عن العشرين دينارا.
قال: ويطلق على كليهما خمس، قال: ومن الروم من يستأدى منه العشر، إلا أنه
стр. 1622
لما كان الخمس أكثر، كانت النسبة إليه أشهر. ولذلك ضرائب مستقرّة في الدواوين وأوضاع معروفة.
النوع السادس المواريث الحشرية «١»
وهي مال من يموت وليس له وارث خاص: بقرابة أو نكاح أو ولاء، أو الباقي بعد الفرض من مال من يموت وله وارث ذو فرض لا يستغرق جميع المال ولا عاصب له «٢» .
وهذه الجهة أيضا على قسمين: ما في حاضرة الديار المصرية، وما هو خارج عنها.
فأمّا ما بحاضرة الديار المصرية فإن لهذه الجهة ناظرا يولّى من قبل السلطان بتوقيع شريف ومعه مباشرون من شادّ وكاتب ومشارف وشهود، وهي مضافة إلى ما تحت نظر الوزارة من سائر المباشرات، ومتحصّلها يحمل إلى بيت المال، وربما كان عليها مرتّبون من أرباب جوامك وغيرهم، وقد جرت عادة هذا الديوان أنّ كاتبه في كل يوم يكتب تعريفا بمن يموت بمصر والقاهرة من حشريّ أو أهلي وتفصيله من رجال ونساء وصغار ويهود ونصارى، وتكتب منه نسخ لديوان الوزارة،
стр. 1623
ولنظر الدواوين ومستوفي الدولة، ويسدّ من وقت العصر، فمن أطلق بعد العصر، أضيف إلى النهار القابل.
وأما ما هو خارج عن حاضرة الديار المصرية، فلها مباشرون يحصّلونها ويحملون ما يتحصّل منها إلى الديوان السلطانيّ.
النوع السابع ما يتحصّل من باب الضرب بالقاهرة
والذي يضرب فيها ثلاثة أصناف:
الصنف الأوّل الذهب
وأصله مما يجلب إلى الديار المصرية من التّبر من بلاد التّكرور وغيرها مع ما يجتمع إليه من الذهب. قال في «قوانين الدواوين» : وطريق العمل فيها أن يسبك ما يجتمع من أصناف الذهب المختلفة حتّى يصير ماء واحدا، ثم يقلب قضبانا ويقطع من أطرافها قطع بمباشرة النائب في الحكم، ويحرّر بالوزن ويسبك سبيكة واحدة، ثم يؤخذ من بعضها أربعة مثاقيل ويضاف إليها من الذهب الحائف المسبوك بدار الضرب أربعة مثاقيل، ويعمل كل منها أربع ورقات وتجمع الثمان ورقات في قدح فخار بعد تحرير وزنها. ويوقد عليها في الأتّون ليلة، ثم تخرج الورقات وتمسح ويعبّر الفرع «١» على الأصل، فإن تساوى الوزن وأجازه النائب في الحكم، ضرب دنانير، وإن نقص أعيد إلى أن يتساوى ويصح التعليق فيضرب حينئذ دنانير.
قال ابن الطّويّر في الكلام على ترتيب الدولة الفاطمية بالديار المصرية في سياقه الكلام على وظيفة قضاء القضاة: وسبب خلوص الذهب بالديار المصرية ما
стр. 1624
حكى أن أحمد بن طولون صاحب مصر كان له إلمام بمدينة عين شمس الخراب على القرب من المطريّة من ضواحي القاهرة، حيث ينبت البلسان، وأن يد فرسه ساخت بها يوما في أرض صلدة، فأمر بحفر ذلك المكان فوجد فيه خمسة نواويس فكشفها فوجد في الأوسط منها ميتا مصبّرا في عسل، وعلى صدره لوح لطيف من ذهب فيه كتابة لا تعرف، والنواويس الأربعة مملوءة بسبائك الذهب، فنقل ذلك الذهب ولم يجد من يقرأ ما في اللوح، فدلّ على راهب شيخ بدير العربة بالصعيد له معرفة بخط الأوّلين، فأمر بإحضاره فأخبره بضعفه عن الحركة، فوجّه باللوح إليه، فلما وقف عليه قال: إن هذا يقول: أنا أكبر الملوك؛ وذهبي أخلص الذهب. فلما بلغ ذلك أحمد بن طولون، قال: قبح الله من يكون هذا الكافر أكبر منه أو ذهبه أخلص من ذهبه، فشدّد في العيار في دور الضرب، وكان يحضر ما يعلّق من الذهب ويختم بنفسه فبقي الأمر على ما قرّره في ذلك من التشديد في العيار. وكانت دار الضرب في الدولة الفاطمية لا يتولاها إلا قاضي القضاة تعظيما لشأنها، وتكتب في عهده في جملة ما يضاف إلى وظيفة القضاء، ويقيم لمباشرة ذلك من يختاره من نوّاب الحكم، وبقي الأمر على ذلك زمنا بعد الدولة الفاطمية أيضا. أما في زماننا، فنظرها موكول لناظر الخاصّ الذي استحدثه «الملك الناصر محمد بن قلاوون» عند تعطيله الوزارة على ما سيأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
والسّكّة السلطانية «١» بالديار المصرية فيما هو مشاهد من الدنانير أن يكتب على أحد الوجهين: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره الكافرون) «٢» وعلى الوجه الآخر اسم السلطان الذي ضرب في زمنه وتاريخ سنة ضربه.
стр. 1625
الصنف الثاني الفضّة النّقرة
وقد ذكر ابن ممّاتي في «قوانين الدواوين» في عيارها أنه يؤخذ ثلاثمائة درهم فضة فتضاف إلى سبعمائة درهم من النحاس الأحمر، ويسبك ذلك حتّى يصير ماء واحدا فيقلب قضبانا ويقطع من أطرافها خمسة عشر درهما، ثم تسبك، فإن خلص منها أربعة دراهم فضة ونصف حسابا عن كل عشرة دراهم ثلاثة دراهم، وإلا أعيدت إلى أن تصح. وكأن هذا ما كان الأمر عليه في زمانه، والذي ذكره المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» : أن عيارها الثلثان من فضّة والثلث من نحاس، وهذا هو الذي عليه قاعدة العيار الصحيح كما كان في أيام الظاهر بيبرس وما والاها، وربما زاد عيار النحاس في زماننا على الثلث شيئا يسيرا بحيث يظهره النّقد، ولكنه يروج في جملة الفضة، وربما حصل التوقف فيه إذا كان بمفرده.
قلت: أما بعد الثمانمائة فقد قلّت الفضة، وبطل ضرب الدراهم بالديار المصرية إلا في القليل النادر لاستهلاكها في السروج والآنية ونحوها، وانقطاع واصلها إلى الديار المصرية من بلاد الفرنج وغيرها، ومن ثمّ عزّ وجود الدراهم في المعاملة بل لم تكد توجد. ثم حدث بالشأم ضرب دراهم رديئة فيها الثلث فما دونه فضة والباقي نحاس أحمر، وطريقة ضربها أن تقطع القضبان قطعا صغارا كما تقدم في الدنانير، ثم ترصع إلا أن الدنانير لا تكون إلا صحاحا مستديرة والفضة ربما كان فيها القراضات الصغار المتفاوتة المقادير فيما دون الدرهم إلى ربع درهم وما حوله؛ وصورة السكة على الفضة كما في الذهب من غير فرق.
الصنف الثالث الفلوس المتخذة من النحاس الأحمر
وقد تقدّم أنه كان في الزمن الأوّل فلوس صغار كل ثمانية وأربعين فلسا منها معتبرة بدرهم من النّقرة إلى سنة تسع وخمسين وسبعمائة في سلطنة الناصر حسن
стр. 1626
ابن محمد بن قلاوون الثانية، فأحدثت فلوس عبّر عنها بالجدد زنة كل فلس منها مثقال، وهو قيراط من أربعة وعشرين قيراطا من الدرهم، ثم تناقص مقدارها حتّى كادت تفسد وهي على ذلك. وطريق عملها: أن يسبك النّحاس الأحمر حتّى يصير كالماء، ثم يخرج فيضرب قضبانا، ثم يقطّع قطعا صغارا، ثم ترصع وتسك بالسكة السلطانية وسكتها أن يكتب على أحد الوجهين اسم السلطان ولقبه ونسبه، وعلى الآخر اسم بلد ضربه وتاريخ السنة التي ضرب فيها.
الضرب الثاني من الأموال الديوانية بالديار المصرية غير الشرعي، وهو المكوس، وهي على نوعين
النوع الأوّل ما يختص بالديوان السلطاني وهو صنفان
الصنف الأوّل ما يؤخذ على الواصل المجلوب، وأكثره متحصّلا جهتان
الجهة الأولى ما يؤخذ على واصل التجار الكارمية من البضائع في بحر القلزم من جهة الحجاز واليمن وما والاهما، وذلك بأربعة سواحل بالبحر المذكور
الساحل الأوّل- «عيذاب»
وقد كان أكثر السواحد واصلا لرغبة رؤساء المراكب في التعدية من جدّة إليه، وإن كانت باحته متسعة لغزارة الماء وأمن اللّحاق بالشعب الذي ينبت في قعر هذا البحر، ومن هذا الساحل يتوصل إلى قوص بالبضائع ومن قوص إلى فندق الكارم بالفسطاط في بحر النيل.
الساحل الثاني- «القصير»
وهو في جهة الشمال عن عيذاب، وكان يصل إليه بعض المراكب لقربه من قوص وبعد عيذاب منها؛ وتحمل البضائع منه إلى
стр. 1627
قوص؛ ثم من قوص إلى فندق الكارم بالفسطاط على ما تقدّم، وإن لم يبلغ في كثرة الواصل حدّ عيذاب.
الساحل الثالث- «الطّور»
وهو ساحل في جانب الرأس الداخل في بحر القلزم بين عقبة أيلة وبين بر الديار المصرية، وقد كان هذا الساحل كثير الواصل في الزمن المتقدّم، لرغبة بعض رؤساء المراكب في السير إليه، لقرب المراكب فيه من برّ الحجاز حتّى لا يغيب البر عن المسافر فيه وكثرة المراسي في بره، متى تغير البحر على صاحب المركب وجد مرساة يدخل إليها، ثم ترك قصد هذا الساحل والسفر منه بعد انقراض بني بدير العباسية التجار، ورغب المسافرون عن السفر فيه لما فيه من الشعب الذي يخشى على المراكب بسببه، ولذلك لا يسافر فيه إلا نهارا، وبقي على ذلك إلى حدود سنة ثمانين وسبعمائة، فعمر فيه الأمير صلاح الدين «١» بن عرّام ﵀، وهو يومئذ حاجب الحجّاب «٢» بالديار المصرية مركبا وسفّرها، ثم أتبعها بمركب آخر فجسر الناس على السفر فيه وعمروا المراكب فيه، ووصلت إليه مراكب اليمن بالبضائع، ورفضت عيذاب والقصير، وحصل بواسطة ذلك حمل الغلال إلى الحجاز، وغزرت فوائد التجار في حمل الحنطة إليه.
الساحل الرابع- «السّويس»
على القرب من مدينة القلزم الخراب بساحل الديار المصرية. وهو أقرب السواحل إلى القاهرة والفسطاط إلا أن الدخول إليه نادر، والعمدة على ساحل الطّور كما تقدّم.
стр. 1628
قلت: وهذه السواحل على حدّ واحد في أخذ المرتّب السلطاني، وقد ذكر في «قوانين الدواوين» : أن واصل عيذاب كان استقرّ فيه الزكاة. أما الذي عليه الحال في زماننا، فإنه يؤخذ من بضائع التجار العشر مع لواحق أخرى تكاد أن تكون نحو المرتب السلطاني أيضا.
واعلم أنه قد تصل البضائع للتجار المسلمين إلى ساحل الإسكندرية ودمياط المتقدّم ذكرهما، فيؤخذ منها المرتّب السلطاني على ما توجبه الضرائب.
الجهة الثانية ما يؤخذ على واصل التجار بقطيا «١» في طريق الشام إلى الديار المصرية
وعليها يرد سائر التجار الواصلين في البر من الشام والعراق وما والاهما، وهي أكثر الجهات متحصّلا وأشدّها على التجار تضييقا وعندهم ضرائب مقرّرة لكل نوع يؤخذ عن نظيرها.
الصنف الثاني ما يؤخذ بحاضرة الديار المصرية: بالفسطاط والقاهرة
وهو جهات كثيرة، يقال إنها تبلغ اثنتين وسبعين جهة «٢» ؛ منها ما يكثر متحصّله ومنها ما يقلّ، ثم بعضها ما يتحصّل من قليل وكثير، وبعضها له ضمان «٣» بمقدار معين لكل جهة، يطلب بذلك المقدار إن زادت الجهة فله وإن نقصت فعليه.
قلت: وقد عمت البلوى بهذه المكوس، وخرجت في التزيّد عن الحدّ، ودخلت الشبهة في أموال الكثير من الناس بسببها. وقد كان السلطان صلاح الدين
стр. 1629
يوسف بن أيوب ﵀ في سلطنته قد رفع «١» هذه المكوس ومحا آثارها، وعوّضه الله عنها بما حازه من الغنائم وفتحه من البلاد والأقاليم، وربما وقع الإلهام من الله تعالى لبعض ملوك المملكة برفع المظلمة الحاصلة منها. ومن أعظم ذلك خطرا وأرفعه أجرا ما فعله السلطان الملك الأشرف «شعبان بن حسين» ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون تغمده الله تعالى برحمته من بطلان مكوس الملاهي «٢» والقراريط على الأملاك المبيعة.
النوع الثاني ما لا اختصاص له بالديوان السلطانيّ
وهي المكوس المتفرقة ببلاد الديار المصرية فتكون تابعة للإقطاع إن كانت تلك البلد جارية في ديوان من الدواوين السلطانية فمتحصّلها لذلك الديوان، أو جارية في إقطاع بعض الأمراء ونحوهم فمتحصّلها لصاحب الإقطاع، ويعبّر عنها في الدواوين بالهلالي «٣» كما يعبّر عما يؤخذ من أجرة الأرضين بالخراجيّ.
المقصد الثالث «٤»
في ترتيب المملكة، ولها ثلاث حالات:
الحالة الأولى
- ما كانت عليه في زمن عمّال الخلفاء من حين الفتح
стр. 1630
إلى آخر الدولة الإخشيدية «١» ؛ ولم يتحرر لي ترتيبها، والظاهر أنه لم يزل نوّابها وأمراؤها حينئذ على هيئة العرب إلى أن وليها أحمد بن طولون وبنوه وأحدثوا فيها ترتيب الملك. على أنه كان أكثر عسكره من السودان، حتّى يقال إنه كان في عسكره اثنا عشر ألف أسود، وتبعتهم الدولة الإخشيدية على ذلك إلى آخر دولتهم.
الحالة الثانية
- من أحوال الديار المصرية ما كانت عليه في زمن الخلفاء الفاطميين؛ وينحصر المقصود من ترتيب مملكتهم في سبع «٢» جمل.
الجملة الأولى في الآلات الملوكية المختصة بالمواكب العظام
وهي على أصناف متعدّدة:
منها «التاج» «٣» . وكان ينعت عندهم بالتاج الشريف، ويعرف بشدّة الوقار.
وهو تاج يركب به الخليفة في المواكب العظام، وفيه جوهرة عظيمة تعرف باليتيمة زنتها سبعة دراهم ولا يقوّم عليها لنفاستها؛ وحولها جواهر أخرى دونها؛ يلبس الخليفة هذا التاج في المواكب العظام مكان العمامة.
ومنها «قضيب الملك» . وهو عود طول شبر ونصف، ملبّس بالذهب المرصّع بالدرّ والجوهر، يكون بيد الخليفة في المواكب العظام.
ومنها «السيف الخاص» . الذي يحمل مع الخليفة في المواكب. يقال إنه كان من صاعقة وقعت وحصل الظّفر بها فعمل منها هذا السيف، وحليته من ذهب
стр. 1631
مرصعة بالجواهر، وهو في خريطة مرقومة بالذهب لا يظهر إلا رأسه، وله أمير من أعظم الأمراء يحمله عند ركوب الخليفة في الموكب.
ومنها «الدواة» . وهي دواة متخذة من الذهب وحليتها مصنوعة من المرجان على صلابته ومناعته، تلف في منديل شرب «١» أبيض [مذهب] «٢» ، ويحملها شخص من الأستاذين «٣» في الموكب أمام الخليفة تكون بينه وبين السرج، ثم جعل حملها لعدل من العدول المعتبرين.
ومنها «الرمح» . وهو رمح لطيف في غلاف منظوم باللؤلؤ؛ وله سنان مختصر بحلية الذهب؛ وله شخص مختص بحمله.
ومنها «الدّرقة» «٤» . وهي درقة كبيرة بكوابج «٥» من ذهب؛ يقولون إنها درقة حمزة عمّ النبيّ ﷺ ، وعليها غشاء من حرير؛ ويحملها في الموكب أمير من أكابر الأمراء، له عندهم جلالة.
ومنها «الحافر» . وهي قطعة ياقوت أحمر في شكل الهلال، زنتها أحد عشر مثقالا، ليس لها نظير في الدنيا، تخاط خياطة حسنة على خرقة من حرير، وبدائرها قضب زمرد ذبابيّ «٦» عظيم الشأن، تجعل في وجه فرس الخليفة عند ركوبه في المواكب.
стр. 1632
ومنها «المظلّة» التي تحمل على رأس الخليفة عند ركوبه. وهي قبّة على هيئة خيمة على رأس عمود كالمظلّة التي يركب بها السلطان الآن. وكانت اثني عشر شوزكا عرض سفل كل شوزك شبر، وطوله ثلاثة أذرع وثلث، وآخره من أعلاه دقيق للغاية بحيث يجتمع الاثنا عشر شوزكا في رأس عمود بدائرة، وعمودها قنطارية «١» من الزّان ملبّسة بأنابيب الذهب، وفي آخر أنبوبة ثلثي رأس العمود فلكة «٢» بارزة مقدار عرض إبهام تشدّ آخر الشوازك «٣» في حلقة من ذهب، وتنزل في رأس الرمح. ولها عندهم مكانة جليلة لعلوّها رأس الخليفة، وحاملها من أكبر الأمراء.
قال ابن الطوير: وكان من شرطها عندهم أن تكون على لون الثياب التي يلبسها الخليفة في ذلك الموكب، لا تخالف ذلك.
ومنها «الأعلام» . وأعلاها اللواءان المعروفان بلواءي الحمد، وهما رمحان طويلان ملبّسان بأنابيب من ذهب إلى حدّ أسنّتهما، وبأعلاهما رايتان من الحرير الأبيض المرقوم بالذهب، ملفوفتان على الرمحين غير منشورتين، يخرجان لخروج المظلة إلى أميرين معدّين لحملها، ودونهما رمحان برؤوسهما أهلّة من ذهب صامت، في كل واحد منهما سبع من ديباج أحمر وأصفر، وفي فمه طارة مستديرة يدخل فيها الرمح فيفتحان فيظهر شكلهما، يحملهما فارسان من صبيان الخاصّ، ووراءهما رايات لطاف ملوّنة من الحرير المرقوم ومكتوب عليها: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ
«٤» طول كلّ راية منها ذراعان في عرض ذراع ونصف، في كل
стр. 1633
واحدة ثلاث طرازات على رماح من القنا، عدّتها أبدا إحدى وعشرون راية؛ يحملها أحد وعشرون فارسا من صبيان الخليفة؛ وحاملها أبدا راكب بغلة.
ومنها «المذبّتان» وهما مذبّتان عظيمتان كالنخلتين ملويتان محمولتان عند رأس فرس الخليفة في الركوب.
ومنها «السلاح» الذي يحمله الركابية «١» حول الخليفة. وهو صماصم «٢» مصقولة، ودبابيس ملبّسة بالكيمخت «٣» الأحمر والأسود، ورؤوسها مدوّرة، ولتوت «٤» حديد كذلك ورؤوسها [مستطيلة وآلات يقال لها المستوفيات] «٥» وهي عمد حديد طول ذراعين مربعات الأشكال بمقابض مدوّرة بعدّة معلومة من كل صنف، وستّمائة حربة بأسنة مصقولة، تحتها جلب «٦» الفضة؛ وثلاثمائة درقة بكوابج فضة؛ يحمل ذلك في الموكب ثلاثمائة عبد أسود كل عبد حربتان ودرقة واحدة؛ وستون رمحا طول كل واحد منها سبع أذرع، برأسها طلعة وعقبها من حديد؛ يحملها قوم يقال لهم «السريرية» يفتلونها بأيديهم اليمنى فتلا متدارك الدوران؛ ومائة درقة لطيفة؛ ومائة سيف بيد مائة رجل، كل رجل درقة وسيف يسيرون رجّالة في الموكب؛ وعشرة سيوف في خرائط ديباج أحمر وأصفر بشراريب يقال لها سيوف الدم، تكون في أعقاب الموكب برسم ضرب الأعناق إذا أراد الخليفة قتل أحد. وذلك كله خارج عما يخرج من خزانة التجمل برسم الوزير وأكابر الأمراء وأرباب الرتب وأزمّة «٧» العساكر لتجملهم في الموكب، وهي نحو أربعمائة راية
стр. 1634
مرقومة الأطراف، وبأعلاها رمامين الفضة المذهبة، وعدة من العمّاريّات «١» ، وهي شبه الكنجاوات ملبسة بالحرير الأحمر والأصفر والقرمزيّ وغير ذلك، وعليها كوابج «٢» الفضة المذهبة، لكل أمير من أصحاب القضب منها عمّاريّة، ويختص لواءان على رمحين منقوشين بالذهب غير منشورين يكونان أمامه في الموكب الى غير ذلك من الآلات التي يطول ذكرها، ويعسر استيعابها.
ومنها «النّقّارات» «٣» . وكانت على عشرين بغلا، على كل بغل ثلاث مثل نقارات الكوسات «٤» بغير كوسات، تسير في الموكب اثنتين اثنتين ولها حسّ حسن.
ومنها «الخيام والفساطيط» وكان من أعظم خيمهم خيمة تعرف بالقاتول، طول عمودها سبعون ذراعا، بأعلاه سفرة «٥» فضة تسع راوية «٦» ماء، وسعتها ما يزيد على فدانين في التدوير، وسميت بالقاتول لأن فرّاشا «٧» سقط من أعلاها فمات.
قلت: ولعمري إن هذه لأثرة عظيمة تدل على عظيم مملكة وقوّة قدرة، وأنّى
стр. 1635
يتأتي مثل هذه الخيمة لملك من الملوك وإن جلّ قدره وعظم شأنه.
الجملة الثانية في حواصل الخليفة، وهي على خمسة أنواع
النوع الأوّل الخزائن، وهي ثمان «١» خزائن:
الأولى- «خزانة الكتب»
. وكانت من أجل الخزائن وأعظمها شأنا عندهم، وكان فيها من المصاحف الشريفة المكتوبة بالخطوط المنسوبة الفائقة عدّة كثيرة، ومن الكتب ما يزيد على مائة ألف مجلد، مشتملة على أنواع العلوم مما يدهش الناظر ويحيره، وربما اجتمع من المصنّف الواحد فيها عشر نسخ فما دونها «٢» ، وكان فيها من الدّروج المكتتبة بالخطوط المنسوبة كخط ابن مقلة وابن البوّاب، ومن جرى مجراهما.
الثانية- «خزانة الكسوة»
وهي في الحقيقة خزانتان،
إحداهما- الخزانة الظاهرة
، وهي المعبر عنها في زماننا بالخزانة الكبرى على ما كانت عليه أوّلا، والمعبر عنها بخزانة الخاصّ على ما استقرّ عليه الحال آخرا، وكان فيها من الحواصل من الديباج الملوّن على اختلاف ضروبها، والشرب الخاص الدّبيقيّ «٣»
стр. 1636
والسّقلاطون «١» ، وغير ذلك من أنواع القماش الفاخرة ما يدل على عظم المملكة، وإليها يحمل ما يعمل بدار الطّراز «٢» بتنّيس ودمياط والإسكندريّة من مستعملات الخاص، وفيها يفصّل ما يؤمر به من لباس الخليفة، وما يحتاج إليه من الخلع والتشاريف وغير ذلك.
الثانية- معدّة للباس الخليفة خاصة
، وهي المعبر عنها في زماننا بالطشت خاناه، وإليها ينقل القماش المفصّل بالخزانة الأولى من قماش الخليفة وغيره.
الثالثة- «خزانة الشراب»
. وهي المعبر عنها في زماننا بالشراب خاناه، وكان فيها من أنواع الأشربة والمعاجين النفيسة والمربيات الفاخرة وأصناف الأدوية والعطريّات الفائقة التي لا توجد إلا فيها؛ وفيها من الآلات النفيسة والآنية الصّينيّ من الزبادي «٣» والصّحون والبرانيّ «٤» والأزيار «٥» ما لا يقدر عليه غير الملوك.
الرابعة- «خزانة الطّعم»
. وهي المعبّر عنها في زماننا بالحوائج خاناه، وكانت تحتوي على عدّة أصناف من جميع أصناف القلويّات من الفستق وغيره والسّكّر والقند «٦» والأعسال على أصنافها والزيت والشّمع وغير ذلك، ومنها يخرج راتب المطابخ خاصّا وعامّا، وينفق لأرباب الخدم وأصحاب التوقيعات في
стр. 1637
كل شهر، ولا يحتاج إلى غيرها إلا في اللحم والخضر.
الخامسة- «خزانة السّروج»
. وهي المعبّر عنها في زماننا بالرّكاب خاناه، وكانت قاعة كبيرة بالقصر، بها السروج واللّجم من الذهب والفضّة، وسائر آلات الخيل مما يختص بالخليفة؛ ثم منها ما هو قريب من الخاص، ومنها ما هو وسط برسم من هو من أرباب الرّتب العالية، ومنها ما هو دون برسم من هو برسم العواري أيام المواكب لأرباب الخدم.
السادسة- «خزانة الفرش»
. وهي المعبّر عنها في زماننا بالفراش خاناه؛ وكان موضعها بالقصر بالقرب من دار الملك؛ وكان الخليفة يحضر إليها من غير جلوس ويطوف فيها، ويسأل عن أحوالها، ويأمر بإدامة عمل الاحتياجات وحملها إليها «١» .
السابعة- «خزانة السلاح»
. وهي المعبّر عنها في زماننا بالسلاح خاناه، فيها من أنواع السلاح المختلفة ما لا نظير له: من الزّرديّات المغشّاة بالديباج المحكمة الصّنعة المحلّاة بالفضة، والجواشن «٢» المذهبة، والخوذ المحلّاة بالذهب والفضة، والسيوف العربيات والقلجوريّة، والرّماح القنا والقنطاريات المدهونة والمذهبة، والأسنّة العظيمة والقسيّ المخبورة المنسوبة إلى أفاضل الصّنّاع، وقسيّ الرجل والركاب، وقسيّ اللولب التي تبلغ زنة نصله خمسة أرطال بالمصري، والنّبل الذي يرمى به عن القسيّ العربية في المجاري المصنوعة لذلك.
قال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: كان يصرف فيها في كل سنة سبعون ألف دينار إلى ثمانين ألف دينار.
стр. 1638
الثامنة- «خزانة التجمّل»
«١» . وهي خزانة فيها أنواع من السلاح يخرج منها للوزير والأمراء في المواكب الألوية والقضب الفضة والعمّاريّات وغيرها. قال ابن الطوير: هي من حقوق خزائن السلاح.
وأما «خزائن المال» فكان فيها من الأموال والجواهر النفيسة، والذخائر العظيمة، والأقمشة الفاخرة ما لا تحصره الأقلام.
وناهيك أن المستنصر لما وقع الغلاء العظيم بمصر، أخرج من خزانته في سنة اثنتين وستين وأربعمائة ذخائر تسعها للإعانة على قيام أمر المملكة والجند، فكان مما أخرجه ثمانون ألف قطعة بلّور كبار، وسبعون ألف قطعة من الدّيباج، وعشرون ألف سيف محلّى. ولما استولى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب على القصر بعد وفاة العاضد، آخر خلفائهم، وجد فيه من الأعلاق الثمينة والتّحف ما يخرج عن حدّ الإحصاء، من جملته الحافر الياقوت المقدّم ذكره. ويقال إنه وجد فيه قضيب زمرّد يزيد على قامة الرجل على ما تقدّم ذكره في الكلام على الأحجار الملوكية في أثناء المقالة الأولى، ووجد فيه أيضا الهرم العنبر الذي عمله الأمين زنته ألف رطل بالمصريّ.
النوع الثاني حواصل المواشي المعبر عنها عند كتّاب زماننا بالكراع «٢» ؛ وهي حاصلان:
الأوّل- «الإصطبلات»
. وهي حواصل الخيول والبغال وما في معناها، قال ابن الطوير: وكان لهم إصطبلان «٣» . قال: وكان للخليفة برسم الخاصّ في كل
стр. 1639
إصطبل ما يقرب من الألف رأس، النصف من ذلك برسم الخاصّ، والنصف برسم العواري في المواكب لأرباب الرّتب والمستخدمين، وكان لكل ثلاثة أرؤس منها سائس واحد، لكل واحد منها شدّاد برسم تسييرها، وبكل من الإصطبلين رائض كأمير آخور «١» . ومن غريب ما يحكى أن أحدا من خلفاء الفاطميين لم يركب حصانا أدهم قطّ، ولا يرون إضافته إلى دوابّهم بالإصطبلات.
الثاني- «المناخات»
«٢» . وهي حواصل «٣» الجمال، وكان لهم من الجمال الكثيرة بالمناخات وعددها الفائقة ما يقصر عند الحدّ.
النوع الثالث حواصل الغلال وشون الأتبان
أما الغلال
- فكانت لهم الأهراء في عدّة أماكن: بالقاهرة، وبالفسطاط، والمقسم؛ ومنها تصرف الإطلاقات لأرباب الرواتب والخدم والصدقات وأرباب الجوامع والمساجد والجرايات والطواحين السلطانية، وجرايات رجال الأسطول وغير ذلك، وربما طال زمن الغلال فيها حتّى تقطع بالمساحي «٤» .
وأما شون الأتبان
- فكان بطريق الفسطاط شونتان عظيمتان مملوءتان بالتبن معبأتان تعبئة المراكب كالجبلين الشاهقين، وينفق منها للإصطبلات والمواشي
стр. 1640
الديوانية وعوامل بساتين الملك، وكانت ضريبة كل شليف «١» عندهم ثلاثمائة وستين رطلا.
النوع الرابع حواصل البضاعة
قال ابن الطوير: وكان فيها ما لا يحصره إلا القلم من الأخشاب والحديد والطواحين النجدية والغشيمة، وآلات الأساطيل من القنّب والكتّان، والمنجنيقات والصّنّاع الكثيرة من الفرنج وغيرهم من أهل كل صنعة، وكانت الصناعة أوّلا بالجزيرة المعروفة الآن بالرّوضة، ولذلك كانت تعرف بينهم بجزيرة الصّناعة قاله القضاعيّ.
النوع الخامس ما في معنى الحواصل، لوقوع الصرف والتفرقة منه، وهو الطواحين، والمطبخ «٢» ، ودار الفطرة «٣»
فأما الطواحين
- فإنها كانت معلقة، مداراتها أسفل وطواحينها فوق كما في السواقي حتّى لا يقارب الدقيق زبل الدوابّ الدائرة لاختصاصه بالخليفة.
وأما المطبخ
- فقد تقدّم في الكلام على خطط القاهرة، وكان يدخل بالطعام
стр. 1641
منه إلى القصر من باب الزّهومة مكان قاعة الحنابلة من المدرسة الصالحية الآن على ما تقدّم في خطط القاهرة. قال ابن الطوير: ولم يكن لهم أسمطة عامّة في سوى العيدين وشهر رمضان.
الجملة الثالثة في ذكر جيوش الدولة الفاطمية، وبيان مراتب أرباب السيوف وهم على ثلاثة أصناف:
الصنف الأوّل الأمراء وهم على ثلاث مراتب
المرتبة الأولى- مرتبة الأمراء المطوّقين
. وهم الذين يخلع عليهم بأطواق الذهب في أعناقهم، وكأنهم بمثابة الأمراء مقدّمي الألوف في زماننا.
المرتبة الثانية- مرتبة أرباب القضب
، وهم الذين يركبون في المواكب بالقضب الفضّة التي يخرجها لهم الخليفة من خزانة التجمل تكون بأيديهم، وهم بمثابة الطبلخاناه في زماننا.
المرتبة الثالثة- أدوان الأمراء ممن لم يؤهّل لحمل القضب
. وهم بمثابة أمراء العشرات والخمسات في زماننا.
الصنف الثاني خواص الخليفة، وهم على ثلاثة أنواع:
النوع الأوّل الأستاذون
وهم المعروفون الآن بالخدّام وبالطواشيّة، وكان لهم في دولتهم المكانة الجليلة، ومنهم كان أرباب الوظائف الخاصة بالخليفة، وأجلهم المحنّكون، وهم الذين يدوّرون عمائمهم على أحناكهم كما تفعل العرب والمغاربة الآن،
стр. 1642
وهم أقربهم إليه وأخصهم به، وكانت عدّتهم تزيد على ألف. قال ابن الطوير:
وكان من طريقتهم أنه متى ترشح أستاذ منهم للحنك وحنك «١» ، حمل إليه كل أستاذ من المحنّكين بدلة كاملة من ثيابه وسيفا وفرسا فيصبح لاحقا بهم، وفي يده مثل ما في أيديهم.
النوع الثاني صبيان الخاص
وهم جماعة من أخصاء الخليفة نحو خمسمائة نفر منهم أمراء وغيرهم، ومقامهم مقام المعروفين بالخاصكية «٢» في زماننا.
النوع الثالث صبيان الحجر
وهم جماعة من الشّباب يناهزون خمسة آلاف نفر مقيمون في حجر منفردة لكل حجرة منها اسم يخصها، يضاهون مماليك الطباق السلطانية الآن المعبر عنهم بالكتانية إلا أن عدّتهم كاملة وعللهم مزاحة، ومتى طلبوا لمهمّ لم يجدوا عائقا، وللصّبيان منهم حجرة منفردة يتسلمها بعض الأستاذين؛ وكانت حجرتهم بمعزل عن القصر داخل باب النصر مكان الخانقاه الركنية بيبرس الآن.
الصنف الثالث طوائف الأجناد
وكانوا عدّة كثيرة، تنسب كلّ طائفة منهم إلى من بقي من بقايا خليفة من
стр. 1643
الخلفاء الماضين منهم، كالحافظية والآمرية من بقايا الحافظ والآمر، أو إلى من بقي من بقايا وزير من الوزراء الماضين كالجيوشية والأفضلية من بقايا أمير الجيوش بدر الجماليّ وولده الأفضل، أو إلى من هي منتسبة إليه في الوقت الحاضر كالوزيرية أو غير ذلك من القبائل والأجناس كالأتراك والأكراد والغز والدّيلم والمصامدة، أو من المستصنعين كالروم والفرنج والصّقالبة، أو من السّودان من عبيد الشراء، أو العتقاء وغيرهم من الطوائف، ولكل طائفة منهم قوّاد ومقدّمون يحكمون عليهم.
الجملة الرابعة في ذكر أرباب الوظائف بالدولة الفاطمية، وهم على قسمين:
القسم الأوّل ما بحضرة الخليفة، وهم أربعة أصناف
الصنف الأوّل أرباب الوظائف من أرباب السيوف، وهم نوعان:
النوع الأوّل وظائف عامّة الجند، وهي تسع وظائف:
الوظيفة الأولى- «الوزارة»
وهي أرفع وظائفهم وأعلاها رتبة. واعلم أن الوزارة في الدولة الفاطمية كانت تارة تكون في أرباب السّيوف، وتارة في أرباب الأقلام، وفي كلا الجانبين تارة تعلو فتكون وزارة تفويض تضاهي السلطنة الآن أو قريبا منها، ويعبر عنها حينئذ بالوزارة؛ وتارة تنحطّ فتكون دون ذلك، ويعبر عنها حينئذ بالوساطة.
قال في «نهاية الأرب» «١» : وأوّل من خوطب منهم بالوزارة يعقوب بن كلّس
стр. 1644
وزير العزيز، وأوّل وزارتهم من عظماء أرباب السيوف بدر الجماليّ وزير المستنصر، وآخرهم صلاح الدين يوسف بن أيوب، ومنها استقل بالسلطنة على ما تقدّم.
الوظيفة الثانية- وظيفة «صاحب الباب»
وهي ثاني رتبة الوزارة. قال ابن الطوير: وكان يقال لها الوزارة الصغرى، وصاحبها في المعنى يقرب من النائب الكافل في زماننا، وهو الذي ينظر في المظالم إذا لم يكن وزير صاحب سيف، فإن كان ثمّ وزير صاحب سيف، كان هو الذي يجلس للمظالم بنفسه، وصاحب الباب من جملة من يقف في خدمته.
الوظيفة الثالثة- «الاسفهلارية»
«١» . قال ابن الطوير: وصاحبها زمام كلّ زمام، وإليه أمر الأجناد والتحدّث فيهم، وفي خدمته وخدمة صاحب الباب تقف الحجّاب على اختلاف طبقاتهم.
الوظيفة الرابعة- «حمل المظلّة»
في المواسم العظام: كركوب رأس العام ونحوه. وهي من الوظائف العظام، وصاحبها يسمّى حامل المظلة، وهو أمير جليل، وله عندهم التقدّم والرفعة، لحمل ما يعلو رأس الخليفة.
الوظيفة الخامسة- «حمل سيف الخليفة»
في المواكب التي تحمل فيها المظلة، ويعبر عن صاحبها بحامل السيف.
الوظيفة السادسة- «حمل رمح الخليفة»
في المواكب التي تحمل فيها المظلة. وهو رمح صغير يحمل مع الخليفة في المواكب، وصاحبها يعبر عنه بحامل الرمح.
الوظيفة السابعة- «حمل السّلاح»
حول الخليفة في المواكب. وأصحاب هذه الوظيفة يعبر عنهم لزيهم بالركابية وبصبيان الركاب الخاص أيضا، وهم الذين
стр. 1645
يعبر عنهم في زماننا بالسّلاح دارية والطّبردارية «١» ، وكانت عدّتهم تزيد على ألفي رجل، ولهم اثنا عشر مقدّما، وهم أصحاب ركاب الخليفة، ولهم نقباء موكّلون بمعرفتهم، والأكابر من هؤلاء الرّكابيّة تندب في الأشغال السلطانية، وإذا دخلوا عملا كان لهم فيه الصّيت المرتفع.
الوظيفة الثامنة- «ولاية «٢» القاهرة»
. وكان لصاحبها عندهم الرتبة الجليلة والحرمة الوافرة، وله مكان في الموكب يسير فيه.
الوظيفة التاسعة- «ولاية مصر»
. وهي دون ولاية القاهرة في الرتبة كما هي الآن، إلا أن مصر كانت إذ ذاك عامرة آهلة، فكان مقدارها أرفع مما هي عليه في زماننا.
النوع الثاني وظائف خواصّ الخليفة من الأستادين؛ وهي عدة وظائف؛ وهي على ضربين:
الضرب الأوّل ما يختص بالأستاذين المحنّكين، وهي تسع وظائف:
الأولى- «شدّ التاج»
. وموضوعها أن صاحبها يتولّى شدّ تاج الخليفة الذي يلبسه في المواكب العظيمة بمثابة اللّفّاف في زماننا، وله ميزة على غيره بلمسه التاج الذي يعلو رأس الخليفة، وكان لشدّه عندهم ترتيب خاص لا يعرفه كل أحد، يأتي به في هيئة مستطيلة، ويكون شده بمنديل من لون لبس الخليفة، ويعبّر عن هذه الشدّة بشدّة الوقار كما تقدّم.
стр. 1646
الثانية- وظيفة «صاحب المجلس»
. وهو الذي يتولّى أمر المجلس الذي يجلس فيه الخليفة الجلوس العامّ في الموكب، ويخرج إلى الوزير والأمراء بعد جلوس الخليفة على سرير الملك يعلمهم بذلك، وينعت (بأمين الملك) ، وهو بمثابة أمير خازندار في زماننا.
الثالثة- وظيفة «صاحب الرسالة»
. وهو الذي يخرج برسالة الخليفة إلى الوزير وغيره.
الرابعة- وظيفة «زمام القصور»
«١» . وهو بمثابة زمام الدّور في زماننا.
الخامسة- وظيفة «صاحب بيت المال»
«٢» . وهو بمثابة الخازندار في زماننا.
السادسة- وظيفة «صاحب الدفتر»
«٣» المعروف بدفتر المجلس. وهو المتحدّث على الدواوين الجامعة لأمور الخلافة.
السابعة- وظيفة «حامل الدواة»
. وهي دواة الخليفة المتقدّم ذكرها، وصاحب هذه الوظيفة يحمل الدواة المذكورة قدّامه على السّرج ويسير بها في المواكب.
الثامنة- وظيفة «زمّ الأقارب»
. وصاحبها يحكم على طائفة الأشراف الذين هم أقارب الخليفة وكلمته نافذة فيهم.
стр. 1647
التاسعة- «زمّ الرجال»
. وهو الذي يتولى أمر طعام الخليفة كأستادار الصحبة.
الضرب الثاني ما يكون من غير المحنّكين، ومن مشهوره وظيفتان:
[الوظيفة] الأولى- «نقابة الطالبيّين»
. وهي بمثابة نقابة الأشراف الآن، ولا يكون إلا من شيوخ هذه الطائفة وأجلّهم قدرا؛ وله النظر في أمورهم، ومنع من يدخل فيهم من الأدعياء؛ وإذا ارتاب بأحد أخذه بإثبات نسبه. وعليه أن يعود مرضاهم، ويمشي في جنائزهم، ويسعى في حوائجهم، ويأخذ على يد المتعدّي منهم، ويمنعه من الاعتداء، ولا يقطع أمرا من الأمور المتعلقة بهم إلا بموافقة مشايخهم ونحو ذلك.
الوظيفة الثانية- «زم الرجال»
. وصاحبها يتحدّث على طوائف الرجال والأجناد كزمّ صبيان الحجر، وزمّ الطائفة الآمرية والطائفة الحافظية، وزمّ السودان وغير ذلك؛ وهو بمثابة مقدّم المماليك في زماننا.
الصنف الثاني من أرباب الوظائف بحضرة الخليفة أرباب الأقلام، وهم على ثلاثة أنواع:
النوع الأول أرباب الوظائف الدينية، والمشهور منهم ستة:
الأول- «قاضي القضاة»
. وهو عندهم من أجلّ أرباب الوظائف وأعلاهم شأنا وأرفعهم قدرا. قال ابن الطوير: ولا يتقدّم عليه أحد أو يحتمي عليه، وله النظر في الأحكام الشرعية ودور الضّرب وضبط عيارها، وربما جمع قضاء الديار المصرية وأجناد الشأم وبلاد المغرب لقاض واحد وكتب له به عهد واحد كما سيأتي في الكلام على الولايات إن شاء الله تعالى.
ثم إن كان الوزير صاحب سيف، كان تقليده من قبله نيابة عنه، وإن لم
стр. 1648
يكن، كان تقليده من الخليفة.
ويقدّم له من إصطبلات الخليفة بغلة شهباء يركبها دائما، وهو مختص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة، ويخرج له من خزانة السروج مركب ثقيل وسرج برادفتين من الفضة، وفي المواسم الأطواق، وتخلع عليه الخلع المذهبة؛ وكان من مصطلحهم أنه لا يعدّل شاهدا إلا بأمر الخليفة، ولا يحضر إملاكا ولا جنازة إلا بإذن، وإذا كان ثمّ وزير لا يخاطب بقاضي القضاة لأن ذلك من نعوت الوزير، ويجلس يوم الاثنين والخميس بالقصر أول النهار للسلام على الخليفة، ويوم السبت والثلاثاء يجلس بزيادة الجامع العتيق بمصر، وله طرحة ومسند للجلوس وكرسيّ توضع عليه دواته. وإذا جلس بالمجلس، جلس الشهود حواليه يمنة ويسرة على مراتبهم في تقدّم تعديلهم. قال ابن الطوير: حتى يجلس الشابّ المتقدّم التعديل أعلى من الشيخ المتأخر التعديل، وبين يديه أربعة موقعون اثنان مقابل اثنين، وببابه خمسة حجّاب: اثنان بين يديه واثنان على باب المقصورة وواحد ينفذ الخصوم. ولا يقوم لأحد وهو في مجلس الحكم البتّة.
الثاني- «داعي الدّعاة»
«١» . وكان عندهم يلي قاضي القضاة في الرتبة ويتزيّا بزيه في اللباس وغيره. وموضوعه عندهم أنه يقرأ عليه مذاهب أهل البيت بدار تعرف بدار العلم، ويأخذ العهد على من ينتقل إلى مذهبهم.
الثالث- «المحتسب»
. وكان عندهم من وجوه العدول وأعيانهم، وكان من شأنه أنه إذا خلع عليه قريء سجلّه بمصر والقاهرة على المنبر؛ ويده مطلقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قاعدة الحسبة؛ ولا يحال بينه وبين مصلحة أرادها؛ ويتقدّم إلى الولاة بالشدّ منه، ويقيم النوّاب عنه بالقاهرة ومصر
стр. 1649
وجميع الأعمال كنوّاب الحكم؛ ويجلس بجامعي القاهرة ومصر يوما بيوم، وباقي أمره على ما الحال عليه الآن.
قلت: ورأيت في بعض سجلاتهم إضافة الحسبة بمصر والقاهرة إلى صاحبي الشّرطة بهما أحيانا.
الرابع- «وكالة بيت المال»
. وكانت هذه الوكالة لا تسند إلا لذوي الهيبة من شيوخ العدول، ويفوّض إليه عن الخليفة بيع ما يرى بيعه من كل صنف يملك ويجوز التصرف فيه شرعا، وعتق المماليك، وتزويج الإماء، وتضمين ما يقتضي الضمان، وابتياع ما يرى ابتياعه، وإنشاء ما يرى إنشاءه من البناء والمراكب وغير ذلك مما يحتاج إليه في التصرف عن الخليفة.
الخامس- «النائب»
. والمراد نائب صاحب الباب المتقدّم ذكره المعبّر عنه في زماننا بالمهمندار «١» . قال ابن الطوير: ويعبّر عن هذه النيابة بالنيابة الشريفة. قال وهي رتبة جليلة، يتولاها أعيان العدول وأرباب الأقلام؛ وصاحبها ينوب عن صاحب الباب في تلقّي الرّسل الواردين على الخليفة على مسافة وقفة نوّاب الباب في خدمته، وينزل كلّا منهم في المكان اللائق به، ويرتّب لهم ما يحتاجون إليه، ولا يمكّن أحدا من الاجتماع بهم، ويتولّى افتقادهم، ويذكّر صاحب الباب بهم، ويسعى في نجاز أمرهم، وهو الذي يسلّم بهم على الخليفة أو الوزير ويتقدّمهم ويستأذن عليهم، ويدخل الرسول وصاحب الباب قابض على يده اليمنى، والنائب قابض على يده اليسرى فيحفظ ما يقولون وما يقال لهم، ويجتهد في انفصالهم على أحسن الوجوه، وإذا غاب أقام عنه نائبا إلى أن يعود.
ومن شريطته أنه لا يتناول من أحد من الرسل تقدمة ولا طرفة إلا بإذن.
стр. 1650
قال ابن الطوير: وهو المسمّى الآن بالمهمندار، وسيأتي في الكلام على ترتيب المملكة المستقّر أن المهمندار الآن من أصحاب السيوف، وكأنّ ذلك لموافقة الدولة في اللسان والهيئة.
السادس- «القرّاء»
. وكان لهم قرّاء يقرأون بحضرة الخليفة في مجالسه وركوبه في المواكب وغير ذلك، وكان يقال لهم «قرّاء الحضرة» يزيدون في العدّة على عشرة نفر، وكانوا يأتون في قراءتهم في المجالس ومواكب الركوب بآيات مناسبة للحال بأدنى ملابسة، قد ألفوا ذلك وصار سهل الاستحضار عليهم، وكان ذلك يقع منهم موقع الاستحسان عند الخليفة والحاضرين، حتّى إنه يحكى أن بعض الخلفاء غضب على أمير فأمر باعتقاله، فقرأ قاريء الحضرة: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
«١» فاستحسن ذلك وأطلقه إلا أنهم كانوا ربما آتوا بآيات إذا روعي قصدهم فيها، أخرجت القرآن عن معناه: كما يحكى أنه لما استوزر المستنصر بدر الجماليّ قرأ قارئهم: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ
«٢» ولما استوزر الحافظ رضوان قرأ قارئهم: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ
«٣» إلى غير ذلك من الوقائع.
النوع الثاني من أرباب الأقلام أصحاب الوظائف الديوانية، وهي على أربعة «٤» أضرب:
الضرب الأول الوزارة إذا كان الوزير صاحب قلم
اعلم أن أكثر وزرائهم في ابتداء دولتهم إلى أثناء خلافة المستنصر كانوا من
следующие страницы →