← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الثانية- وظيفة «صاحب المجلس» . وهو الذي يتولّى أمر المجلس الذي يجلس فيه الخليفة الجلوس العامّ في الموكب، ويخرج إلى الوزير والأمراء بعد جلوس الخليفة على سرير الملك يعلمهم بذلك، وينعت (بأمين الملك) ، وهو بمثابة أمير خازندار في زماننا. الثالثة- وظيفة «صاحب الرسالة» . وهو الذي يخرج برسالة الخليفة إلى الوزير وغيره. الرابعة- وظيفة «زمام القصور» «١» . وهو بمثابة زمام الدّور في زماننا. الخامسة- وظيفة «صاحب بيت المال» «٢» . وهو بمثابة الخازندار في زماننا. السادسة- وظيفة «صاحب الدفتر» «٣» المعروف بدفتر المجلس. وهو المتحدّث على الدواوين الجامعة لأمور الخلافة. السابعة- وظيفة «حامل الدواة» . وهي دواة الخليفة المتقدّم ذكرها، وصاحب هذه الوظيفة يحمل الدواة المذكورة قدّامه على السّرج ويسير بها في المواكب. الثامنة- وظيفة «زمّ الأقارب» . وصاحبها يحكم على طائفة الأشراف الذين هم أقارب الخليفة وكلمته نافذة فيهم.

стр. 1647

التاسعة- «زمّ الرجال» . وهو الذي يتولى أمر طعام الخليفة كأستادار الصحبة. الضرب الثاني ما يكون من غير المحنّكين، ومن مشهوره وظيفتان: [الوظيفة] الأولى- «نقابة الطالبيّين» . وهي بمثابة نقابة الأشراف الآن، ولا يكون إلا من شيوخ هذه الطائفة وأجلّهم قدرا؛ وله النظر في أمورهم، ومنع من يدخل فيهم من الأدعياء؛ وإذا ارتاب بأحد أخذه بإثبات نسبه. وعليه أن يعود مرضاهم، ويمشي في جنائزهم، ويسعى في حوائجهم، ويأخذ على يد المتعدّي منهم، ويمنعه من الاعتداء، ولا يقطع أمرا من الأمور المتعلقة بهم إلا بموافقة مشايخهم ونحو ذلك. الوظيفة الثانية- «زم الرجال» . وصاحبها يتحدّث على طوائف الرجال والأجناد كزمّ صبيان الحجر، وزمّ الطائفة الآمرية والطائفة الحافظية، وزمّ السودان وغير ذلك؛ وهو بمثابة مقدّم المماليك في زماننا. الصنف الثاني من أرباب الوظائف بحضرة الخليفة أرباب الأقلام، وهم على ثلاثة أنواع: النوع الأول أرباب الوظائف الدينية، والمشهور منهم ستة: الأول- «قاضي القضاة» . وهو عندهم من أجلّ أرباب الوظائف وأعلاهم شأنا وأرفعهم قدرا. قال ابن الطوير: ولا يتقدّم عليه أحد أو يحتمي عليه، وله النظر في الأحكام الشرعية ودور الضّرب وضبط عيارها، وربما جمع قضاء الديار المصرية وأجناد الشأم وبلاد المغرب لقاض واحد وكتب له به عهد واحد كما سيأتي في الكلام على الولايات إن شاء الله تعالى. ثم إن كان الوزير صاحب سيف، كان تقليده من قبله نيابة عنه، وإن لم

стр. 1648

يكن، كان تقليده من الخليفة. ويقدّم له من إصطبلات الخليفة بغلة شهباء يركبها دائما، وهو مختص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة، ويخرج له من خزانة السروج مركب ثقيل وسرج برادفتين من الفضة، وفي المواسم الأطواق، وتخلع عليه الخلع المذهبة؛ وكان من مصطلحهم أنه لا يعدّل شاهدا إلا بأمر الخليفة، ولا يحضر إملاكا ولا جنازة إلا بإذن، وإذا كان ثمّ وزير لا يخاطب بقاضي القضاة لأن ذلك من نعوت الوزير، ويجلس يوم الاثنين والخميس بالقصر أول النهار للسلام على الخليفة، ويوم السبت والثلاثاء يجلس بزيادة الجامع العتيق بمصر، وله طرحة ومسند للجلوس وكرسيّ توضع عليه دواته. وإذا جلس بالمجلس، جلس الشهود حواليه يمنة ويسرة على مراتبهم في تقدّم تعديلهم. قال ابن الطوير: حتى يجلس الشابّ المتقدّم التعديل أعلى من الشيخ المتأخر التعديل، وبين يديه أربعة موقعون اثنان مقابل اثنين، وببابه خمسة حجّاب: اثنان بين يديه واثنان على باب المقصورة وواحد ينفذ الخصوم. ولا يقوم لأحد وهو في مجلس الحكم البتّة. الثاني- «داعي الدّعاة» «١» . وكان عندهم يلي قاضي القضاة في الرتبة ويتزيّا بزيه في اللباس وغيره. وموضوعه عندهم أنه يقرأ عليه مذاهب أهل البيت بدار تعرف بدار العلم، ويأخذ العهد على من ينتقل إلى مذهبهم. الثالث- «المحتسب» . وكان عندهم من وجوه العدول وأعيانهم، وكان من شأنه أنه إذا خلع عليه قريء سجلّه بمصر والقاهرة على المنبر؛ ويده مطلقة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قاعدة الحسبة؛ ولا يحال بينه وبين مصلحة أرادها؛ ويتقدّم إلى الولاة بالشدّ منه، ويقيم النوّاب عنه بالقاهرة ومصر

стр. 1649

وجميع الأعمال كنوّاب الحكم؛ ويجلس بجامعي القاهرة ومصر يوما بيوم، وباقي أمره على ما الحال عليه الآن. قلت: ورأيت في بعض سجلاتهم إضافة الحسبة بمصر والقاهرة إلى صاحبي الشّرطة بهما أحيانا. الرابع- «وكالة بيت المال» . وكانت هذه الوكالة لا تسند إلا لذوي الهيبة من شيوخ العدول، ويفوّض إليه عن الخليفة بيع ما يرى بيعه من كل صنف يملك ويجوز التصرف فيه شرعا، وعتق المماليك، وتزويج الإماء، وتضمين ما يقتضي الضمان، وابتياع ما يرى ابتياعه، وإنشاء ما يرى إنشاءه من البناء والمراكب وغير ذلك مما يحتاج إليه في التصرف عن الخليفة. الخامس- «النائب» . والمراد نائب صاحب الباب المتقدّم ذكره المعبّر عنه في زماننا بالمهمندار «١» . قال ابن الطوير: ويعبّر عن هذه النيابة بالنيابة الشريفة. قال وهي رتبة جليلة، يتولاها أعيان العدول وأرباب الأقلام؛ وصاحبها ينوب عن صاحب الباب في تلقّي الرّسل الواردين على الخليفة على مسافة وقفة نوّاب الباب في خدمته، وينزل كلّا منهم في المكان اللائق به، ويرتّب لهم ما يحتاجون إليه، ولا يمكّن أحدا من الاجتماع بهم، ويتولّى افتقادهم، ويذكّر صاحب الباب بهم، ويسعى في نجاز أمرهم، وهو الذي يسلّم بهم على الخليفة أو الوزير ويتقدّمهم ويستأذن عليهم، ويدخل الرسول وصاحب الباب قابض على يده اليمنى، والنائب قابض على يده اليسرى فيحفظ ما يقولون وما يقال لهم، ويجتهد في انفصالهم على أحسن الوجوه، وإذا غاب أقام عنه نائبا إلى أن يعود. ومن شريطته أنه لا يتناول من أحد من الرسل تقدمة ولا طرفة إلا بإذن.

стр. 1650

قال ابن الطوير: وهو المسمّى الآن بالمهمندار، وسيأتي في الكلام على ترتيب المملكة المستقّر أن المهمندار الآن من أصحاب السيوف، وكأنّ ذلك لموافقة الدولة في اللسان والهيئة. السادس- «القرّاء» . وكان لهم قرّاء يقرأون بحضرة الخليفة في مجالسه وركوبه في المواكب وغير ذلك، وكان يقال لهم «قرّاء الحضرة» يزيدون في العدّة على عشرة نفر، وكانوا يأتون في قراءتهم في المجالس ومواكب الركوب بآيات مناسبة للحال بأدنى ملابسة، قد ألفوا ذلك وصار سهل الاستحضار عليهم، وكان ذلك يقع منهم موقع الاستحسان عند الخليفة والحاضرين، حتّى إنه يحكى أن بعض الخلفاء غضب على أمير فأمر باعتقاله، فقرأ قاريء الحضرة: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «١» فاستحسن ذلك وأطلقه إلا أنهم كانوا ربما آتوا بآيات إذا روعي قصدهم فيها، أخرجت القرآن عن معناه: كما يحكى أنه لما استوزر المستنصر بدر الجماليّ قرأ قارئهم: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ «٢» ولما استوزر الحافظ رضوان قرأ قارئهم: يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ «٣» إلى غير ذلك من الوقائع. النوع الثاني من أرباب الأقلام أصحاب الوظائف الديوانية، وهي على أربعة «٤» أضرب: الضرب الأول الوزارة إذا كان الوزير صاحب قلم اعلم أن أكثر وزرائهم في ابتداء دولتهم إلى أثناء خلافة المستنصر كانوا من

стр. 1651

أرباب الأقلام: تارة وزارة تامة وتارة وساطة «١» ، وهي رتبة دون الوزارة؛ وممن اشتهر من وزرائهم أرباب الأقلام فيما ذكره ابن الطوير: يعقوب بن كلّس «٢» وزير العزيز، والحسن بن عبد الله اليازوريّ «٣» وزير المستنصر، وأبو سعيد التّستري «٤» ، والجرجراني «٥» ، وابن أبي كدينة «٦» ، وأبو الطاهر أحمد بن بابشاذ «٧» صاحب المقدّمة في النحو، ووزير الوزراء علي بن فلاح «٨» ، والمغربيّ وزير

стр. 1652

المستنصر «١» ، وهو آخر من وزّر لهم من أصحاب الأقلام، وعليه قدّم أمير الجيوش بدر الجماليّ «٢» فوزّر للمستنصر على ما تقدّم ذكره؛ وربما تخلل تلك المدّة الأولى في الوساطة أرباب السيوف، كبرجوان «٣» الخادم، وقائد القوّاد الحسين بن جوهر «٤» ، وثقة ثقات السيف والقلم عليّ بن صالح «٥» كلهم في أيام الحاكم. وربما ولي الوساطة بعض النصارى، كعيسى بن نسطورس «٦» في أيام العزيز، ومنصور بن عبدون «٧» الملقب بالكافي، وزرعة بن نسطورس «٨» الملقب بالشافي كلاهما في أيام الحاكم. وربما كان الأمر شورى في أهل المروادني «٩» ؛ وكان من زيّ وزرائهم أصحاب الأقلام أنهم يلبسون المناديل الطبقيات بالأحناك تحت حلوقهم كالعدول، وينفردون بلبس الدراريع مشقوقة من النحر إلى أسفل الصدر بأزرار وعرى؛ وهذه علامة الوزارة؛ ومنهم من تكون أزراره من ذهب مشبك، ومنهم من تكون أزراره من لؤلؤ، وعادته أن تحمل له الدواة المحلاة بالذهب من خزانة الخليفة ويقف بين يديه الحجّاب، وأمره نافذ في أرباب السيوف من الأجناد وفي أرباب الأقلام.

стр. 1653

الضرب الثاني ديوان الإنشاء، وكان يتعلق به عندهم ثلاث وظائف: الأولى- «صحابة ديوان الإنشاء والمكاتبات» وكان لا يتولّاه إلا أجل كتاب البلاغة، ويخاطب بالأجلّ؛ وكان يقال له عندهم كاتب الدّست الشريف، وإليه تسلّم المكاتبات الواردة مختومة فيعرضها على الخليفة من يده، وهو الذي يأمر بتنزيلها والإجابة عنها؛ ويستشيره الخليفة في أكثر أموره؛ ولا يحجب عنه متى قصد المثول بين يديه، وربما بات عنده الليالي، ولا سبيل إلى أن يدخل إلى ديوانه ولا يجتمع بكتّابه أحد إلا خواصّ الخليفة. وله حاجب من أمراء الشّيوخ، وله مرتبة عظيمة للجلوس عليها بالمخادّ والمسند، ودواته من أخصّ الدّويّ وأحسنها إلا أنه ليس لها كرسيّ توضع عليه كدواة قاضي القضاة، ويحملها له أستاذ من الأستاذين المختصين بالخليفة إذا أتى إلى حضرته «١» . الثانية- «التوقيع بالقلم الدقيق في المظالم» وهي رتبة جليلة تلي رتبة صاحب ديوان الإنشاء والمكاتبات، يكون صاحبها جليسا للخليفة في أكثر أيام الاسبوع في خلوته، يذاكره ما يحتاج إليه من كتاب الله تعالى أو أخبار الأنبياء والخلفاء الماضين، ويقرأ عليه ملح السّير، ويكرر عليه ذكر مكارم الأخلاق، ويقوّي يده في تجويد الخط وغير ذلك. وصحبته للجلوس دواة محلّاة، فإذا فرغ من المجالسة ألقى في الدواة كاغدة فيها عشرة دنانير، وقرطاس فيه ثلاثة مثاقيل ندّ مثلّث خاصّ ليتبخر به عند دخوله على الخليفة ثاني دفعة. وإذا جلس الوزير صاحب السيف للمظالم، كان إلى جانبه يوقّع بما يأمر به في المظالم. وله موضع من حقوق ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن، وفرّاش لتقديم القصص؛ ويرفع إليه هناك قصص المظالم ليوقّع عليها بما يقتضيه الحال كما يفعل كاتب السر الآن.

стр. 1654

الثالثة- «التوقيع بالقلم الجليل» وكان يسمّى عندهم الخدمة الصغيرة لجلالتها، ولصاحبها الطّرّاحة والمسند في مجلسه بغير حاجب. وموضوعها الكتابة بتنفيذ ما يوقّع به صاحب القلم الدقيق، وبسطه. وصاحب القلم الدقيق في المعنى ككاتب السر أو كاتب الدّست في زماننا، وصاحب القلم الجليل ككاتب الدّرج. فإذا رفعت قصص المظالم، حملت إلى صاحب القلم الدقيق فيوقّع عليها بما يقتضيه الحال بأمر الخليفة أو أمر الوزير أو من نفسه، ثم تحمل إلى الموقّع بالقلم الجليل لبسط ما أشار إليه صاحب القلم الدقيق، ثم تحمل في خريطة إلى الخليفة فيوقّع عليها، ثم تخرج في خريطتها إلى الحاجب فيقف على باب القصر، ويسلّم كلّ توقيع لصاحبه. أمّا توقيع الخليفة بيده على القصص، فإنه إن كان ثمّ وزير صاحب سيف وقّع الخليفة على القصة بخطه: «وزيرنا السيد الأجل (ونعته بالمعروف به) أمتعنا الله تعالى ببقائه يتقدّم بكذا وكذا إن شاء الله تعالى» ويحمل إلى الوزير فإن كان يحسن الكتابة، كتب تحت خط الخليفة: «أمتثل أمر مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه» وإن كان لا يحسن الكتابة، كتب أمتثل فقط؛ وإن لم يكن وزير صاحب سيف: فإن أراد الخليفة نجاز الأمر لوقته، وقّع في الجانب الأيمن من القصة «يوقّع بذلك» فتخرج إلى صاحب ديوان المجلس فيوقّع عليها بالقلم الجليل ويخلى موضع العلامة «١» ، ثم تعاد إلى الخليفة فيكتب في موضع العلامة (يعتمد) وتثبت في الدواوين بعد ذلك. وإن كان يوقع في مساحة أو تسويغ أو تحبيس، كتبت لرافعها بذلك «وقد أمضينا ذلك» وإن أراد علم حقيقة القصة، وقّع على جانب القصة «ليخرج الحال في ذلك» وتحمل إلى الكاتب فيكتب الحال وتعاد إلى الخليفة فيفعل فيها ما أراد من توقيع ومنع، والله أعلم.

стр. 1655

الضرب الثالث ديوان الجيش والرواتب، وهو على ثلاثة أقسام: الأول- «ديوان الجيش» . ولا يكون صاحبه إلا مسلما، وله الرتبة الجليلة والمكانة الرفيعة؛ وبين يديه حاجب، وإليه عرض الأجناد وخيولهم، وذكر حلاهم وشيات خيولهم. وكان من شرط هذا الديوان عندهم ألا يثبت لأحد من الأجناد إلا الفرس الجيد من ذكور الخيل وإناثها دون البغال والبراذين، وليس له تغيير أحد من الأجناد ولا شيء من إقطاعهم إلا بمرسوم. وبين يدي صاحب هذا الديوان نقباء الأمراء، يعرّفونه أحوال الأجناد من الحياة والموت والغيبة والحضور وغير ذلك، على ما الحال عليه الآن. وكان قد فسح للأجناد في المقايضة بالإقطاعات لما لهم في ذلك من المصالح كما هو اليوم، بتوقيعات من صاحب ديوان المجلس من غير علامة؛ ولم يكن لأمير من أمرائهم بلد كاملة، وإن علا قدره إلا في النادر. ومن هذا الديوان كان يعمل أوراق أرباب الجرايات، وله خازنان برسم رفع الشواهد. الثاني- «ديوان الرواتب» . وكان يشتمل على اسم كل مرتزق في الدولة وجار وجراية «١» ؛ وفيه كاتب أصيل بطرّاحة ونحو عشرة معينين «٢» ، والتعريفات واردة عليه من كل عمل باستمرار من هو مستمرّ ومباشرة من استجدّ وموت من مات، وفيه عدّة عروض يأتي ذكرها في الكلام على إجراء الأرزاق والعطاء. الثالث- «ديوان الإقطاع» . وكان مختصّا عندهم بما هو مقطع للأجناد، وليس للمباشرين فيه تنزيل حلية جنديّ ولا شية دابته، وكان يقال لإقطاعات العربان في أطراف البلاد وغيرها الاعتداد، وهي دون عبرة الأجناد.

стр. 1656

الضرب الرابع نظر الدواوين وصاحب هذه الوظيفة هو رأس الكل، وله الولاية والعزل، وإليه عرض الأرزاق في أوقات معروفة على الخليفة والوزير، وله الجلوس بالمرتبة والمسند، وبين يديه حاجب من أمراء الدولة؛ وتخرج له الدواة من خزانة الخليفة بغير كرسيّ، وإليه طلب الأموال واستخراجها والمحاسبة عليها، ولا يعترض فيما يقصده من أحد من الدولة. قال ابن الطوير: ولم ير في هذا الوظيفة نصرانيّ إلا الأحرم «١» . الثانية «٢» - «ديوان التحقيق» . وموضوعه المقابلة على الدواوين، وكان لا يتولاه إلا كاتب خبير، وله الخلع ومرتبة يجلس عليها وحاجب بين يديه، ويفتقر إليه في كثير من الأوقات، ويلحق برأس الدواوين المتقدّم ذكره. الثالثة- «ديوان المجلس» . قال ابن الطوير: وهو أصل الدواوين قديما، وفيه معالم «٣» الدولة بأجمعها، وفيه عدّة كتّاب، وعنده «٤» معين أو معينان، وصاحب هذا الديوان هو المتحدّث في الإقطاعات، ويخلع عليه وينشأ له سجلّ بذلك لا حق بديوان النظر، وله دواة تخرج له من خزانة الخليفة وحاجب يقف بين يديه، وكان يتولاه عندهم أحد كتّاب الدولة ممن يكون مترشحا لأن يكون رأس الدواوين، ويسمى استيماره «٥» دفتر المجلس، وهو متضمن للعطاء والظاهر من الرسوم التي تقرّر في غرّة السنة والضحايا، وما ينفق في دار الفطرة في عيد الفطر،

стр. 1657

وفي فتح الخليج والأسمطة المستعملة في رمضان وغيره، وسائر المآكل والمشارب والتشريفات، وما يطلق من الأهراء من الغلّات، وما لأولاد الخليفة وأقاربه وأرباب الرواتب على اختلاف الطبقات من المرتّب، وما يرد من الملوك من الهدايا والتحف، وما يبعث به إليه من الملاطفات، ومقادير صلات الرسل الواردين بالمكاتبات، وما يخرج من الاكفان لمن يموت من الحريم، وضبط ما ينفق في الدولة من المهمّات ليعلم ما بين السنة والأخرى من التفاوت وغير ذلك من الأمور المهمة. وهذا الديوان في زماننا قد تفرق إلى عدّة دواوين كالوزارة ونظر الخاص والجيش وغيرها. الرابعة- «ديوان خزائن الكسوة» . وكان لها عندهم رتبة عظيمة في المباشرات. وقد تقدّم ذكر حواصلها في جملة الخزائن فيما سبق. الخامسة- «الطّراز» . وكان يتولاه الأعيان من المستخدمين، من أرباب الأقلام، وله اختصاص بالخليفة دون كافة المستخدمين، ومقامه بدمياط وتنّيس وغيرهما من مواضع الاستعمالات، ومن عنده تحمل المستعملات إلى خزانة الكسوة المقدّمة الذكر. السادسة- «الخدمة في ديوان الأحباس» قال ابن الطوير: وهي أوكد الدواوين مباشرة ولا يخدم فيها إلا أعيان كتّاب المسلمين من الشهود المعدّلين، وفيها عدّة مدراء بسبب أرباب الرواتب، وكان فيه كاتبان ومعينان لنظم الاستيمارات، ويورد في استيماره كل ما في الرقاع والرواتب، وما يجبى له من جهات كلّ من الوجهين القبليّ والبحريّ. السابعة- «الخدمة بديوان الرواتب» . وفيه مرتّبات الوزير فمن دونه إلى الضوّي «١» قال ابن الطوير: بلغ في بعض السنين ما يزيد على مائة ألف دينار ونحوا من مائتي ألف، ومن القمح والشعير عشرة آلاف إردب، وكان استيمار الرواتب يعرض في كل سنة على الخليفة فيزيد من يزيد، وينقص من ينقص، وإنه عرض

стр. 1658

سنة على المستنصر بالله فلم يعترض أحدا من المرتّبين بنقص، ووقّع على ظاهر الاستيمار بخطه «الفقر مرّ المذاق، والحاجة تذلّ الأعناق، وحراسة النّعم بإدرار الأرزاق، فليجروا على رسومهم في الإطلاق، ما عندكم ينفد، وما عند الله باق» وأمر وليّ الدولة ابن خيران «١» كاتب الإنشاء بإمضاء ذلك. الثامنة- «الخدمة في ديوان الصعيد» من الصعيد الأعلى والصعيد الأدنى. وكان فيه عدة كتّاب فروع، والاستيفاء مقسوم بينهم، وعليهم عمل التذاكر بطلب ما تأخر من الحساب. وصاحب هذا الديوان يترجمها بخطه، ويحملها إلى صاحب الديوان الكبير فيوقّع عليها بالاسترفاع، ويندب لها من الحجّاب أو غيرهم من يراه، وله مياومة يأخذها من المستخدمين مدّة بقائه عندهم ويحضرها نسخا للدّواوين الأصول. التاسعة- «الخدمة في ديوان أسفل الأرض» . وهو الوجه البحريّ خلا الثّغور، وحكمه فيما تقدّم من الكتّاب وما يلزم كلّا منهم حكم ديوان الصعيد المتقدّم الذكر من غير فرق. العاشرة- «الخدمة في ديوان الثّغور» . وهي الإسكندرية ودمياط ونستروه والبرلّس والفرما، وحكمه حكم ما تقدّم من ديوان الصعيد وأسفل الأرض. الحادية عشرة- «الخدمة في الجوالي والمواريث الحشرية» . قال ابن الطوير: كان لا يتولاه إلا عدل، وفيه جماعة من الكتّاب على ما تقدّم في غيره من الدواوين أيضا. الثانية عشرة- «الخدمة في ديواني الخراجيّ والهلاليّ» وتجري فيه الرباع والمكوس وعليه حوالات أكثر المرتزقين. الثالثة عشرة- «الخدمة في ديوان الكراع» . وفيه معاملة الإصطبلات،

стр. 1659

وما فيها من الدوابّ الخاص وغيرها والبغال والجمال ودوابّ المرمّة «١» المرصدة للعمائر ورباع الديوان، وعدد ذلك وآلاته، وعلوفات ذلك مع ما ينضم إليه من علوفة الفيلة والزّراريف «٢» والوحوش وراتب من يخدمها. وكان في هذا الديوان كاتبا أصل ومستوفي ومعينان. الرابعة عشرة- «الخدمة في ديوان الجهاد» . ويقال له ديوان العمائر، وكان محله بالصّناعة «٣» بمصر، وفيه إنشاء المراكب للأسطول وحمل الغلال السلطانية والأحطاب وغيرها، ومنه ينفق على رؤساء المراكب ورجالها، وإذا لم يف ارتفاقه بما يحتاج إليه استدعي له من بيت المال بما يكفيه. الصنف الثالث من أرباب الوظائف أصحاب الوظائف الصناعية وأعظمها وظائف الأطباء، وكان للخليفة طبيب يعرف بطبيب الخاصّ يجلس على باب دار الخليفة كلّ يوم، ويجلس على الدكك التي بالقاعة المعروفة بقاعة الذهب بالقصر دونه أربعة أطباء أو ثلاثة فيخرج الأستاذون فيستدعون منهم من يجدونه للدخول على المرضى بالقصر لجهات الأقارب والخواص فيكتب لهم رقاعا على خزانة الشراب فيأخذون ما فيها، وتبقى الرقاع عند مباشريها شاهدا لهم. ولكل منهم الجاري والراتب على قدره. الصنف الرابع الشعراء وكانوا جماعة كثيرة من أهل ديوان الإنشاء وغيره، وكان منهم أهل سنّة لا

стр. 1660

يغلون في المديح؛ وشيعة يغلون فيه. فمن أحسن مدح فيهم لسنّيّ قول عمارة «١» اليمنى ﵀: أفاعليهم في الجود أفعال سنّة ... وإن خالفوني في اعتقاد التّشيّع ومن الذي وقعت فيه المغالاة قول بعضهم «٢» : هذا أمير المؤمنين بمجلس ... أبصرت فيه الوحي والتّنزيلا وإذا تمثّل راكبا في موكب ... عانيت تحت ركابه جبريلا قلت: وهذه المغالاة من المغالاة الفاحشة التي لا يجوز الإقدام عليها لسنيّ ولا متشيّع، وإنما هي من اقتحام الشعراء البوائق «٣» . القسم الثاني من أرباب الوظائف بالدولة الفاطمية ما هو خارج عن حضرة الخلافة، وهو صنفان: الصنف الأوّل النّوّاب والولاة واعلم أن مملكتهم كانت قد [انحصرت] في ثلاث ممالك فيها نوّابهم وولاتهم: المملكة الأولى «الديار المصرية» وهي التي كانت قد استقرّت قاعدة ملكهم، ومحطّ رحالهم، وكان بها أربع ولايات: الأولى- «ولاية قوص» وكانت هي أعظم ولايات الديار المصرية، وواليها يحكم على جميع بلاد الصعيد، وربما ولّي بالأشمونين ونحوها من يكون دونه.

стр. 1661

الثانية- «ولاية الشّرقية» وكانت دون ولاية قوص في الرتبة، وكان متوليها يحكم على عمل بلبيس وعمل قليوب وعمل أشموم. الثالثة- «ولاية الغربية» وكانت دون ولاية الشرقية في المرتبة، وكان متوليها يحكم على عمل المحلّة، وعمل منوف، وعمل أبيار. الرابعة- «ولاية الإسكندريّة» وهي دون الغربية في الرتبة، وكان متوليها يحكم على أعمال البحيرة بأجمعها. قال ابن الطوير: وهؤلاء الأربعة كان يخلع عليهم من خزانة الكسوة بالبدنة، وهو النوع الذي يلبسه الخليفة في يوم فتح الخليج «١» . قلت: لعل هذه الولايات الأربع ولايات الولاة التي تدخل تحت حكمها الولايات الصّغار، أو تكون هي التي استقرّ عليه الحال في آخر دولتهم، وإلا فقد رأيت في تذكرة أبي الفضل الصوريّ، أحد كتّاب الإنشاء في أيام القاضي الفاضل سجلات كثيرة لولاة الوجهين القبليّ والبحريّ «٢» . الجملة الخامسة من ترتيب مملكتهم، في هيئة الخليفة في مواكبه وقصوره؛ وهي على ثلاثة أضرب الضرب الأوّل جلوسه في المواكب، وله ثلاثة جلوسات: الجلوس الأوّل جلوسه في المجلس العامّ أيام المواكب واعلم أن جلوس الخليفة أوّلا كان بالإيوان الكبير الذي كان بالقصر على

стр. 1662

سرير الملك الذي كان بصدره إلى آخر أيام المستعلي «١» . فلما ولي ابنه الآمر الخلافة بعده، نقل الجلوس من الإيوان الكبير إلى القاعة المعروفة بقاعة الذهب بالقصر أيضا، وصار يجلس من مجالسها على سرير الملك به، وجعل الإيوان الكبير خزانة للسلاح، ولم يتعرّض لإزالة سرير الملك منه حتّى جاءت الدولة الأيوبية، وهو باق، وكان جلوس الخليفة في هذه الحالة لا يتعدّى يومي الاثنين والخميس، وليس ذلك على الدوام بل على التقرير بحسب ما يقتضيه الحال. فإذا أراد الجلوس فإن كان في الشتاء علّق المجلس الذي يجلس فيه بستور الديباج، وفرش بالبسط الحرير؛ وإن كان في الصيف، علق بالستور الدّبيقية وفرش بطبريّ طبرستان المذهب الفائق، وهيئت المرتبة المعدّة لجلوسه على سرير الملك بصدر المجلس، وغشّي السرير بالقرقوبيّ «٢» ، ثم يستدعى الوزير من داره بصاحب الرسالة على حصان رهوان «٣» في أسرع حركة على خلاف الحركة المعتادة، فيركب الوزير في هيئته وجماعته وبين يديه الأمراء، فإذا وصل إلى باب القصر ترجّل الأمراء، وهو راكب إلى أوّل باب باب من الدّهاليز الطّوال عند دهليز يعرف بدهليز العمود، ويمشي وبين يديه أكابر الأمراء إلى مقطع الوزارة بقاعة الذهب، فإذا تهيأ جلوس الخليفة، استدعى الوزير من مقطع الوزارة إلى باب المجلس الذي فيه الخليفة وهو مغلق، وعلى بابه ستر معلّق، فيقف زمام القصر عن يمين باب المجلس وزمام بيت المال عن يساره، والوزير واقف أمام باب المجلس وحواليه الأمراء المطوّقون «٤» وأرباب الخدم الجليلة، وفي خلال القوم قرّاء الحضرة؛ ويضع صاحب المجلس الدواة مكانها من المرتبة أمام الخليفة، ثم

стр. 1663

يخرج كم من أكمامه يعرف بفرد الكم ويشير إلى زمام القصر وزمام بيت المال الواقفين بباب المجلس، فيرفع كل منهما جانب الستر فيظهر الخليفة جالسا على سرير الملك مستقبل القول بوجهه، ويستفتح القرّاء بالقرآن، ويدخل الوزير المجلس ويسلم بعد دخوله، ثم يقبّل يدي الخليفة ورجليه، ويتأخر مقدار ثلاثة أذرع ويقف ساعة زمانية، ثم تخرج له مخدّة عن الجانب الأيمن من الخليفة ويؤمر بالجلوس إليها، ويقف الأمراء في أماكنهم المقرّرة لهم، فصاحب الباب واسفهسلار من جانبي الباب يمينا ويسارا، ويليهم من خارجه ملاصقا للعتبة زمام الآمرية والحافظية وباقي الأمراء على مراتبهم إلى آخر الرواق، وهو إفريز عال عن أرض القاعة، ثم أرباب القضب «١» والعماريّات يمنة ويسرة كذلك، ثم الأماثل والأعيان من الأجناد المترشحين للتقدمة، ويقف مستندا بالقدر الذي يقابل باب المجلس نوّاب الباب والحجاب، فإذا انتظم الأمر على ذلك، فأوّل ماثل للخدمة بالسلام قاضي القضاة والشهود المعروفون بالاستخدام فيجيز صاحب الباب القاضي دون من معه فيسلم على الخليفة بأدب الخلافة، بأن يرفع يده اليمنى ويشير بالمسبحة، ويقول بصوت مسموع: «السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته» يتخصص بهذا الكلام دون غيره من أهل السلام، ثم يسلم بالأشراف الأقارب زمامهم، وبالأشراف الطالبيين نقيبهم، فتمضي عليهم كذلك ساعتان زمانيتان أو ثلاث، ثم يسلم عليه من خلع عليه بقوص أو الشرقية أو الغربية أو الإسكندرية، ويشرّفون بتقبيل العتبة، وإذا دعت حاجة الوزير إلى مخاطبة الخليفة في أمر، قام من مكانه وقرّب منه منحنيا على سيفه، ويخاطبه مرة أو مرتين أو ثلاثا، ثم يأمر الحاضرون بالانصراف فينصرفون، ويكون آخرهم خروجا الوزير بعد تقبيل يد الخليفة ورجله. فإذا خرج إلى الدهليز الذي ترجل فيه، ركب

стр. 1664

منه إلى داره، وفي خدمته من حضر في خدمته إلى القصر، ويدخل الخليفة إلى سكنه مع خواصّ الأستاذين، ثم يغلق باب المجلس ويرخى الستر إلى أن يحتاج إلى حضور موكب آخر فيكون الأمر كذلك. الجلوس الثاني جلوسه للقاضي والشهود في ليالي الوقود «١» الأربع من كل سنة وهي: ليلة أوّل رجب، وليلة نصفه، وليلة أوّل شعبان، وليلة نصفه. إذا مضى النصف من جمادى الآخرة حمل إلى القاضي من حواصل الخليفة ستون شمعة، زنة كل شمعة منها سدس قنطار بالمصري ليركب بها في أوّل ليلة من شهر رجب؛ فإذا كان أوّل ليلة منه جلس الخليفة في منظرة عالية كانت عند باب الزّمرّد من أبواب القصر المتقدّم ذكره، وبين يديه شمع يوقد في العلوّ يتبيّن شخصه على إرتفاعه. ويركب القاضي من داره بعد صلاة المغرب وبين يديه الشمع المحمول إليه من خزانة الخليفة موقودا، من كل جانب ثلاثون شمعة، وبين الصّفّين مؤذنو الجوامع، يعلنون بذكر الله تعالى، ويدعون للخليفة والوزير بترتيب مقرّر محفوظ ويحجبه ثلاثة من نوّاب الباب، وعشرة من حجّاب الخليفة، خارجا عن حجّاب الحكم المستقرّين وهم خمسة في زيّ الأمراء؛ وفي ركابه القرّاء يقرأون القرآن، والشهود وراءه على ترتيب جلوسهم بمجلس الحكم الأقدم فالأقدم؛ وحول كل منهم ثلاث شمعات أو شمعتان أو شمعة واحدة إلى بين القصرين في جمع عظيم حتى يأتي باب الزّمرّد من أبواب القصر، فيجلسون في رحبة تحت المنظرة التي فيها الخليفة، ويحضر بين يديه بسمت ووقار وتشوّف لانتظار ظهور الخليفة، فيفتح الخليفة إحدى طاقات المنظرة فيظهر منها رأسه

стр. 1665

ووجهه وعلى رأسه عدة من خواص الأستاذين من المحنّكين وغيرهم، فيفتح بعض الأستاذين طاقة أخرى فيخرج منها رأسه ويده اليمنى، ويشير بكمه قائلا: «أمير المؤمنين يردّ عليكم السلام» فيسلم بقاضي القضاة أوّلا بنعوته، وبصاحب الباب بعده كذلك، وبالجماعة الباقية جملة من غير تعيين أحد؛ ويستفتح قرّاء الحضرة بالقراءة وهم قيام في الصّدر، ظهورهم إلى حائط المنظرة ووجوههم للحاضرين. ثم يتقدّم خطيب الجامع الأنور (وهو الذي بباب البحر) فيخطب كما يخطب فوق المنبر، وينبه على فضيلة ذلك الشهر، وأن ذلك الركوب علامته ثم يختم كلامه بالدعاء للخليفة؛ ثم يتقدّم خطيب الجامع الأزهر فيخطب كذلك؛ ثم يتقدّم خطيب جامع الحاكم فيخطب كذلك، والقرّاء في خلال تلك الخطب يقرأون، فإذا انتهت خطابة الخطباء، أخرج الأستاذ الأوّل يده من تلك الطاقة فيرد على الجماعة السلام؛ ثم تغلق الطاقاتان وينفضّ الناس، ثم يركب القاضي والشهود إلى دار الوزير فيجلس لهم ليسلموا عليه، ويخطب الخطباء الثلاثة عنده بأخّف من مقام الخليفة ويدعون له، ثم ينصرفون ويذهب القاضي والشهود صحبته إلى مصر، ووالي القاهرة في خدمته، ويمرّ بجامع ابن طولون فيصلّي فيه ويخرج منه فيجد والي مصر في تلقّيه فيمضي في خدمته، ويمرّ على المشاهد فيتبرك بها، ويمضي إلى الجامع العتيق ويدخل من باب الزيادة التي يحكم فيها فيصلى في الجامع ركعتين، ويوقد له التنّور «١» الفضة الذي بالجامع، وهو تنّور عظيم حسن التكوين، فيه نحو ألف وخمسمائة براقة، وبسفله نحو مائة قنديل؛ ثم يخرج من الجامع فإن كان ساكنا بمصر استقرّ بها، وإن كان ساكنا بالقاهرة انتظره والي القاهرة في مكانه حتّى يعود من مصر فيذهب في خدمته إلى داره. وكذلك يركب في ليلة الخامس عشر من رجب إلا أنه بعد صلاته في جامع

стр. 1666

مصر يتوجه إلى القرافة فيصلّي في جامعها؛ ثم يركب في أوّل شعبان كذلك، ثم في نصفه كذلك. الجلوس الثالث جلوسه في مولد النبي ﷺ في الثاني عشر من شهر ربيع الأوّل وكان عادتهم فيه أن يعمل في دار الفطرة عشرون قنطارا من السّكّر الفائق حلوى من طرائف الأصناف، وتعبّى في ثلاثمائة صينية نحاس. فإذا كان ليلة ذلك المولد، تفرّق في أرباب الرسوم: كقاضي القضاة، وداعي الدعاة، وقرّاء الحضرة، والخطباء، والمتصدّرين بالجوامع القاهرة ومصر، وقومة المشاهد وغيرهم ممن له اسم ثابت بالديوان، ويجلس الخليفة في منظرة قريبة من الأرض مقابل الدار القطبيّة المتقدّمة الذكر (وهي البيمارستان المنصوريّ الآن) ثم يركب القاضي بعد العصر ومعه الشهود إلى الجامع الأزهر ومعهم أرباب تفرقة الصواني المتقدّمة الذكر، فيجلسون في الجامع مقدار قراءة الختمة الكريمة، وتسدّ الطريق تحت القصر من جهة السّيوفيين وسويقة أمير الجيوش، ويكنس ما بين ذلك ويرشّ بالماء رشّا، ويرشّ تحت المنظرة بالرمل الأصفر. ويقف صاحب الباب ووالي القاهرة على رأس الطّرق لمنع المارّة، ثم يستدعي القاضي ومن معه فيحضرون ويترجّلون على القرب من المنظرة ويجتمعون تحتها وهم متشوّفون لانتظار ظهور الخليفة، فيفتح إحدى طاقات المنظرة فيظهر منها وجهه، ثم يخرج أحد الاستاذين المحنّكين يده ويشير بكمه بأن الخليفة يردّ عليكم السلام، ويقرأ القرّاء ويخطب الخطباء كما تقدّم في ليالي الوقود فإذا انتهت خطابة الخطباء أخرج الأستاذ يده مشيرا بردّ. السلام كما تقدّم، ثم تغلق الطاقتان وينصرف الناس إلى بيوتهم، وكذلك شأنهم في مولد عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه الخاص في أوقات معلومة عندهم من السنة.

стр. 1667

الضرب الثاني ركوبه في المواكب، وهو على نوعين النوع الأوّل ركوبه في المواكب العظام، وهي ستة مواكب الموكب الأوّل ركوب أوّل العام وكان من شأنهم فيه أنه إذا كان العشر الآخر من ذي الحجة من السنة، وقع الاهتمام بإخراج ما يحتاج إليه في المواكب من حواصل الخليفة، فيخرج من خزائن السلاح ما يحمله الرّكابية وغيرهم حول الخليفة كالصّماصم، والدّبابيس، واللّتوت، وعمد الحديد، والسيوف، والدّرق، والرماح، والألوية، والأعلام. ومن خزانة التجمل برسم الوزير والأمراء وأرباب الخدم الألوية والقضب، والعماريات، وغير ذلك مما تقدّم ذكره. ومن الإصطبلات مائة فرس مسوّمة برسم ركوب الخليفة وما بجنبه. ويخرج من خزانة السروج مائة سرج بالذهب والفضة مرصّع بعضها بالجواهر بمراكب من ذهب، وفي أعناق الخيل أطواق الذهب وقلائد العنبر، وفي أرجل أكثرها خلاخل الذهب والفضة مسطحة، قيمة كل فرس وما عليها من العدّة ألف دينار، يدفع للوزير منها عشرة بعدّتها برسم ركوبه وركوب أخصّائه، وتسلّم إلى المناخات أغشية العماريات لتحمل على الجمال، إلى غير ذلك من الآلات المستعملة في المواكب مما تقدّم ذكره في الكلام على الخزائن، ويبعث إلى أرباب الخدم من الإصطبلات بخيول عادية ليركبوها في الموكب. فإذا كان يوم التاسع والعشرين من ذي الحجة، استدعى الخليفة الوزير من داره على الرسم المعتاد في الإسراع، فإذا عاد صاحب الرسالة من استدعاء الوزير، خرج الخليفة من مكانه راكبا في القصر، فينزل في السدلّى «١» ، بدهليز باب الملك

стр. 1668

الذي فيه الشباك، وعليه ستر من ظاهره، فيقف من جانبه الأيمن زمام القصر، ومن جانبه الأيسر صاحب بيت المال؛ ويركب الوزير من داره وبين يديه الأمراء، فإذا وصل إلى باب القصر ترجّل الأمراء وهو راكب، ويدخل من باب العيد، ولا يزال راكبا إلى أوّل باب من الدهاليز الطّوال، فينزل ويمشي فيها وحواليه حاشية ومن يرابّه «١» من أولاده وأقاربه. فإذا وصل إلى الشّبّاك، وجد تحته كرسيّا كبيرا من حديد فيجلس عليه ورجلاه تطأ الأرض، فإذا جلس، رفع كلّ من زمام القصر وصاحب بيت المال الستر من جانبه فيرى الخليفة جالسا على مرتبة عظيمة، فيقف ويسلم ويخدم بيده في الأرض ثلاث مرّات، ثم يؤمر بالجلوس على كرسيه فيجلس. ويستفتح القرّاء بقراءة آيات لائقة بذلك المكان مقدار نصف ساعة؛ ثم يسلم الأمراء، ويشرع في عرض خيول الخاص المقدّم ذكرها واحدة واحدة إلى آخرها. فإذا تكمل عرضها، قرأ القرّاء ما يناسب ختم ذلك المجلس. فإذا فرغوا أرخى الستر وقام الوزير فدخل عليه فقبل يديه ورجليه، ثم ينصرف عنه فيركب من مكان نزوله ويخرج الأمراء معه إلى خارج فيمضون معه إلى داره ركبانا ومشاة على حسب مراتبهم. فإذا صلّى الخليفة الظهر، جلس لعرض خزانة الكسوة الخاص وتعيين ما يلبس في ذلك الموكب ولباسه فيه، فيعين منديلا لشدّ التاج وبدلة من هذا النوع، والجوهرة الثمينة وما معها من الجواهر المتقدّمة الذكر لشدّ التاج وتشدّ مظلّة تشبه تلك البذلة، وتلف في منديل دبيقيّ فلا يكشفها إلا حاملها عند ركوب الخليفة، ثم يشدّ لواءي الحمد المتقدّمي الذكر. فإذا كان أوّل يوم من العام، بكّر أرباب الرّتب من ذوي السيوف والأقلام فلا يصبح الصبح إلا وهم بين القصرين منتظرين ركوب الخليفة (وهو يومئذ فضاء واسع خال من البناء) ويبكر الأمراء إلى دار الوزير ليركبوا معه، فيخرج من داره ويركب إلى القصر من غير استدعاء وأمامه ما شرّفه به الخليفة من الألوية والأعلام، والأمراء بين يديه ركبانا ومشاة، وأولاده وإخوته قدّامه، وكل منهم مرخى الذؤابة بلا حنك، وهو في هيئة عظيمة

стр. 1669

من الثياب الفاخرة والمنديل والحنك متقلدا بالسيف الذهب. فإذا وصل إلى باب القصر، ترجّل الأمراء ودخل هو راكبا إلى محل نزوله بدهليز القصر المعروف بدهليز العمود فيترجّل هناك ويمشي في بقية الدهاليز حتّى يصل إلى مقطع الوزارة بقاعة الذهب هو وأولاده وإخوته وخواصّ حاشيته، ويجلس الأمراء بالقاعة على دكك معدّة لهم، ويدخل فرس الخليفة إلى باب المجلس الذي هو فيه، وعلى باب المجلس كرسيّ يركب من عليه. فإذا استوت الدابة إلى ذلك الكرسيّ، أخرجت المظلة إلى حاملها فيكشفها مما هي ملفوفة فيه ويتسلمها بإعانة أربعة معدّين لخدمتها فيركزها في آلة من حديد تشبه القرن المصطحب مشدودة في ركاب حاملها الأيمن بقوّة، ويمسك العمود بحاجز فوق يده؛ ثم يخرج السيف فيتسلمه حامله، فإذا تسلمه أرخى ذؤابته فلا تزال مرخاة ما دام حاملا له، ثم تخرج الدواة فيتسلمها حاملها ويجعلها قدّامه بينه وبين السرج، ثم يخرج الوزير عن المقطع وينضم إليه الأمراء ويقفون إلى جانب فرس الخليفة، ويرفع صاحب المجلس الستر فيخرج من كان عند الخليفة للخدمة من الأستاذين، ويخرج الخليفة في أثرهم في ثيابه المختصة بذلك اليوم وعلى رأسه التاج الشريف والدرّة اليتيمة على جبهته، وهو محنّك مرخيّ الذؤابة مما يلي جانبه الأيسر متقلد بالسيف العربيّ وقضيب الملك بيده، ويسلم على الوزير قوم مرتّبون لذلك، ثم على القاضي وعلى الأمراء بعدهما، ثم يخرج الأمراء وبعدهم الوزير فيركب ويقف قبالة باب القصر، ويخرج الخليفة راكبا وفرسه ماشية على بسط خشية أن تزلق على الرخام والأستاذون حوله. فإذا قارب الباب وظهر وجهه، ضرب رجل ببوق لطيف معوجّ الرأس متّخذ من الذهب يقال له الغريبة مخالف لصوت الأبواق، فتضرب البوقات في المواكب، وتنشر المظلة، ويخرج الخليفة من باب القصر فيقف وقفة يسيرة بمقدار ركوب الأستاذين المحنكين وغيرهم من أرباب الرتب الذين كانوا في الخدمة بالقاعة، ثم يسير الخليفة في الموكب وصاحب المظلة على يساره، وهو يحرص ألّا يزول ظلها عن الخليفة، ثم يكتنف الخليفة مقدّمو صبيان الركاب،

стр. 1670

اثنان منهم في شكيمتي لجام «١» فرسه، واثنان في عنق الفرس من الجانبين، واثنان في ركابه من الجانبين أيضا، والأيمن منهما هو صاحب المقرعة «٢» الذي يناولها للخليفة ويتناولها منه، وهو الذي يؤدي عن الخليفة مدّة ركوبه الأوامر والنواهي، واللواءان المعروفان بلواءي الحمد «٣» عن جانبيه، والمذبّتان عند رأس فرس الخليفة، والركابية «٤» يمينه وشماله نحو ألف رجل مقلد والسيوف مشدود والأوساط بالمناديل والسلاح، وهم من جانبي الخليفة كالجناحين المادّين، بينهما فرجة لوجه الفرس ليس فيها أحد، وبالقرب من رأسها الصقلبيان الحاملان للمذبتين، وهما مرفوعتان كالنخلتين «٥» . (ويترتب الموكب) : أجناد الأمراء وأولادهم وأخلاط العسكر أمام الموكب وأدوان الأمراء يلونهم، وبعدهم أرباب القضب الفضة من الأمراء، ثم أرباب الأطواق منهم، ثم الأستاذون المحنكون، ثم أهل الوزير المتقدّم ذكرهم، ثم الحاملان للواءي الحمد من الجانبين، ثم حامل الدواة وحامل السيف بعده، وهما من الجانب الأيسر، وكل واحد ممن تقدّم ذكره بين عشرة إلى عشرين من أصحابه، ثم الخليفة بين الركابية، وهو سائر على تؤدة ورفق، وفي أوائل العسكر ومتقدّميه والي القاهرة ذاهبا وعائدا لفسح الطرقات وتسيير من يقف، وفي وسط العسكر اسفهسلار يحث الأجناد على الحركة ويزجر المتازحمين والمعترضين في العسكر ذاهبا وعائدا، وفي زمرة الخليفة صاحب الباب لترتيب العسكر وحراسة طرقات الخليفة ذاهبا وعائدا، يلقى صاحب الباب اسفهسلار، واسفهسلار يلقى والي القاهرة، وفي يد كل منهم دبّوس، وخلف الخليفة جماعة من الركابية لحفظ أعقابه، ثم عشرة يحملون عشرة سيوف في

стр. 1671

خرائط ديباج أحمر وأصفر يقال لها سيوف الدم برسم ضرب الأعناق، وبعدهم الحاملون للسلاح الصغير المتقدّم الذكر؛ ووراءه الوزير في هيئة عظيمة، وفي ركابه نحو خمسمائة رجل ممن يختاره لنفسه من أصحابه «١» ، وقوم يقال لهم صبيان الزّرد من أقوياء الأجناد من جانبيه بفرجة لطيفة أمامه دون فرجة الخليفة مجتهدا ألّا يغيب الخليفة عن نظره، وخلفه الطّبول والصّنوج والصفافير في عدّة كثيرة تدوي من أصواتها الدنيا، ووراء ذلك حامل الرمح المقدّم ذكره والدرقة المنسوبة إلى حمزة «٢» ، ثم رجال الأساطيل مشاة ومعهم القسيّ العربية، وتسمّى قسيّ الرّجل والركاب، ما يزيد على خمسمائة رجل؛ ثم طوائف الرجال من المصامدة، ثم الريحانية والجيوشية، ثم الفرنجية، ثم الوزيرية «٣» : زمرة بعد زمرة في عدة وافرة تزيد على أربعة آلاف؛ ثم أصحاب الرايات والسبعين، ثم طوائف العساكر: من الآمرية والحافظية والحجرية الكبار والحجريّة الصّغار والأفضلية والجيوشية، ثم الأتراك المصطنعون، ثم الديلم، ثم الأكراد، ثم الغزّ المصطنعة وغيرهم ما يزيد على ثلاثة آلاف فارس. قال ابن الطوير: وهذا كله بعض من كلّ. وإذا ترتب الموكب على ذلك، سار من باب القصر الذي خرج منه بين القصرين، يسير بموكبة حتّى يخرج من باب النصر ويصل إلى حوض كان هناك يعرف بعزّ الملك على القرب من باب

стр. 1672

النصر، ثم ينعطف على يساره طالبا باب الفتوح، وربما عطف عند خروجه من باب النصر على يساره، وسار بجانب السّور حتّى يأتي باب الفتوح فيدخل منه. وكيفما كان فإنه يدخل منه، ويسير الموكب حتّى ينتهي بين القصرين فيقف العسكر هناك على ما كان عليه عند الركاب ويترجّل الأمراء. فإذا انتهى الخليفة إلى الجامع الأقمر وقف هناك في جماعته وينفرج الموكب للوزير فيتحرّك مسرعا ليصير أمام الخليفة. فإذا مرّ بالخليفة، سكع «١» له سكعة ظاهرة، فيشير الخليفة بالسلام عليه إشارة خفيفة، وهذه أعظم كرامة تصدر من الخليفة، ولا تكون إلا للوزير صاحب السيف. فإذا جاوز الوزير الخليفة، سبقه إلى باب القصر ودخل راكبا على عادته والأمراء أمامه مشاة إلى الموضع الذي ركب منه بدهليز العمود المقدّم ذكره، فيترجل هناك ويقف هو والأمراء لانتظار الخليفة. فإذا انتهى الخليفة إلى باب القصر، ترجل الأستاذون المحنّكون ودخل الخليفة القصر وهو راكب والأستاذون محدقون به. فإذا انتهى إلى الوزير، مشى الوزير أمام وجه فرسه إلى الكرسيّ الذي ركب من عليه فيخدمه الوزير والأمراء، وينصرفون ويدخل الخليفة إلى دوره. فإذا خرج الوزير إلى مكان ترجّله ركب، والأمراء بين يديه، وأقاربه حواليه إلى خارج باب القصر، فيركب منهم من يستحق الركوب، ويمشي من يستحق المشي، ويسيرون في خدمته إلى داره، فيدخل راكبا وينزل على كرسيّ فيخدمه الجماعة وينصرفون، وقد رأى الناس من حسن الموكب ما أبهجهم وراق خواطرهم، ويتفرّق الناس إلى أماكنهم فيجدون الخليفة قد أرسل إليهم الغرّة: وهي دنانير رباعية ودراهم خفاف مدوّرة، ويكون الخليفة قد أمر بضربها في العشر الأخير من ذي الحجة برسم التفرقة في هذا اليوم، لكل واحد من الوزير والأمراء وأرباب المراتب من حملة السيوف والأقلام قدر مخصوص من ذلك، فيقبلونها على سبيل التبرك من الخليفة، ويكتب إلى البلاد والأعمال مخلّقات بالبشائر بركوب أوّل العام كما يكتب بوفاء النيل وركوب الميدان الآن.

стр. 1673

الموكب الثاني ركوب أول شهر مضان وهو قائم عند الشيعة مقام رؤية الهلال، والأمر في العرض واللباس والآلات والركوب والموكب وترتيبه والطرق المسلوكة على ما تقدّم في أوّل العام من غير فرق، ويكتب فيه المخلّقات بالبشائر كما يكتب في أوّل العام. الموكب الثالث ركوبه في أيام الجمع الثلاث من شهر رمضان وهي الجمعة الثانية [والثالثة] «١» والرابعة، وذلك أنه إذا ركب إلى الجامع الأنور بباب البحر، بكّر صاحب بيت المال إلى الجامع بالفرش المختص بالخليفة محمولا على أيدي أكابر الفرّاشين ملفوفا في العراضي الدبيقية «٢» ، فيفرش في المحراب ثلاث طرّاحات إمّا شاميات، وإمّا دبيقي أبيض، منقوشة بالحمرة، وتفرش واحدة فوق واحدة، ويعلّق ستران يمنة ويسرة، في الستر الأيمن مكتوب برقم حرير أحمر سورة الفاتحة وسورة الجمعة، وفي الستر الأيسر سورة الفاتحة وسورة المنافقين كتابة واضحة مضبوطة، ويصعد قاضي القضاة المنبر، وفي يده مدخنة لطيفة خيزران يحضرها إليه صاحب بيت المال وفيها ندّ «٣» مثلّث لا يشم مثله إلا هناك، فيبخر ذروة المنبر التي عليها القنا كالقبة لجلوس الخليفة للخطابة ثلاث دفعات، ويركب الخليفة في هيئة ما تقدّم في أوّل العام وأوّل رمضان: من المظلّة والآلات، ولباسه فيه الثياب البياض غير المذهبة توقيرا للصلاة، والمنديل والطيلسان المقوّرة. وحول ركابه خارج الركابية قرّاء الحضرة من الجانبين يرفعون أصواتهم بالقراءة نوبة بعد نوبة من حين ركوبه من القصر إلى حين دخوله قاعة الخطابة، فيدخل من باب الخطابة فيجلس فيها، وإن احتاج إلى تجديد وضوء

стр. 1674

فعل، وتحفظ المقصورة من خارجها بترتيب أصحاب الباب واسفهسلار وصبيان الخاصّ، وغيرهم ممن يجري مجراهم من أوّلها إلى آخرها، وكذلك من داخلها من باب خروجه إلى المنبر. فإذا أذّن للجمعة دخل إليه قاضي القضاة، فقال: «السلام على أمير المؤمنين الشريف القاضي الخطيب ورحمة الله وبركاته، الصلاة يرحمك الله» فيخرج ماشيا وحواليه الأستاذون المحنّكون والوزير وراءه، ومن يليهم من الأمراء من صبيان الخاص، وبأيديهم الأسلحة حتّى ينتهي إلى المنبر فيصعد حتّى يصل إلى الذّروة تحت القبة المبخّرة، والوزير على باب المنبر ووجهه إليه. فإذا استوى جالسا أشار إلى الوزير بالصعود فيصعد إلى أن يصل إليه، فيقبّل يديه ورجليه بحيث يراه الناس، ثم يزرّ عليه تلك القبة وتصير كالهودج، ثم ينزل مستقبلا للخليفة ويقف ضابطا للمنبر فإن لم يكن وزير صاحب سيف، كان الذي يزرّ عليه قاضي القضاة، ويقف صاحب الباب ضابطا للمنبر، فيخطب خطبة قصيرة من سفط يأتي إليه من ديوان الإنشاء، ويقرأ فيها آية من القرآن الكريم، ثم يصلي فيها على أبيه وجده يعني النبي ﷺ ، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ويعظ الناس وعظا بليغا قليل اللفظ، ويذكر من سلف من آبائه حتّى يصل إلى نفسه فيقول: «اللهم وأنا عبدك وابن عبديك لا أملك لنفسي ضرّا ولا نفعا» ويتوسل بدعوات فخمة تليق به، ويدعو للوزير إن كان ثمّ وزير وللجيوش بالنصر والتآلف، وللعساكر بالظّفر، وعلى الكافرين والمخالفين بالهلاك والقهر، ثم يختم بقوله اذكروا الله يذكركم «١» فيطلع إليه من زرّ عليه فيفكّ ذلك التزرير عنه، وينزل القهقرى، فيدخل المحراب ويقف على تلك الطراحات إماما والوزير وقاضي القضاة صفّا، ومن ورائهما الأستاذون المحنكون والأمراء المطوّقون وأرباب الرّتب من أصحاب السيوف والأقلام والمؤذّنون وقوف وظهورهم لحائط المقصورة، والجامع مشحون بالعالم للصلاة وراءه فيقرأ في الركعة الأولى ما هو مكتوب في الستر الأيمن، وفي الثانية ما في الستر الأيسر. فإذا

стр. 1675

سمّع الخليفة، سمّع القاضي المؤذنين، فيسمّع المؤذّنون الناس. فإذا فرغ خرج «١» الناس وركبوا أوّلا فأوّلا وعاد إلى القصر والوزير وراءه حتّى يأتي إلى القصر، والطبول والبوقات تضرب ذهابا وإيابا. فإذا كانت الجمعة الثالثة من الشهر، ركب إلى الجامع الأزهر كذلك وفعل كما فعل في الجمعة الأولى، لا يختلف في ذلك غير الجامع. فإذا كانت الجمعة الرابعة منه، ركب إلى الجامع العتيق بمصر ويزيّن له أهل القاهرة من باب القصر إلى الجامع الطّولوني، ويزين له أهل مصر من الجامع الطولوني إلى الجامع العتيق، وقد ندب الواليان بالبلدين من يحفظ الناس والزينة ويركب من باب القصر ويسير في الشارع الأعظم بمصر، يمشي في شارع واحد بين العمارة إلى الجامع العتيق بمصر فيفعل كما فعل في الجامعين الأوّلين من غير مخالفة. فإذا قضى الصلاة، عاد إلى القاهرة من طريقه تلك إلى أن يصل إلى قصره، وفي خلال ذلك كلّه لا يمرّ بمسجد إلا أعطى أهله دينارا على كثرة المساجد في طريقه. الموكب الرابع ركوبه لصلاة عيدي الفطر والأضحى أما عيد الفطر - فيقع الاهتمام بركوبه في العشر الأخير من رمضان، وتعبّى أهبة المواكب على ما تقدّم في أوّل العام وغيره، وكان خارج باب النصر مصلّى على ربوة وجميعها مبنيّ بالحجر، ولها سور دائر عليها وقلعة على بابها، وفي صدرها قبّة كبيرة في صدرها محراب، والمنبر إلى جانب القبة وسط المصلّى مكشوفا تحت السماء، ارتفاعه ثلاثون درجة وعرضه ثلاثة أذرع، وفي أعلاه مصطبة. فإذا كمل رمضان، وهو عندهم ثلاثون يوما من غير نقص، فإذا كان اليوم الأوّل من شوّال، سار صاحب بيت المال إلى المصلّى خارج باب النصر، وفرش

стр. 1676

الطراحات بمحراب المصلّى، كما تقدّم في الجوامع في أيام الجمع، ويعلق سترين يمنة ويسرة، في الأيمن الفاتحة وسبّح اسم ربّك الأعلى، وفي الأيسر الفاتحة، وهل أتاك حديث الغاشية، ويركز في جانبي المصلّى لواءين مشدودين على رمحين ملبسين بأنابيب الفضة، وهما منشوران مرخيان، ويوضع على ذروة المنبر طرّاحة من شاميات أو دبيقي، ويفرش باقيه بستر من بياض، على مقداره في تقاطيع درجه مضبوطة لا تتغيّر بالمشي وغيره، ويجعل في أعلاه لواءان مرقومان بالذهب يمنة ويسرة، ثم سار الوزير من داره إلى قصر الخليفة على عادته المتقدّمة الذكر، ويركب الخليفة بهيئة المواكب العظيمة على ما تقدّم في أوّل العام: من المظلّة والتاج وغير ذلك من الآلات، ويكون لباسه في هذا اليوم الثياب البيض الموشّحة المجومة «١» ، وهي أجلّ لباسه ومظلته كذلك، ويخرج من باب العيد على عادته في ركوب المواكب إلا أن العساكر في هذا اليوم من الأمراء والأجناد والركبان والمشاة تكون أكثر من غيره، وينتظم القوم له صفّين من باب القصر إلى المصلّى، ويركب الخليفة إلى المصلّى فيدخل من شرقيّها إلى مكان يستريح فيه دقيقة، ثم يخرج محفوظا بحاشيته كما في صلاة الجمع المتقدّمة الذكر فيصير إلى المحراب، والوزير والقاضي وراءه كما تقدّم، فيصلي صلاة العيد بالتكبيرات المسنونة، ويقرأ في الركعة الأولى ما في الستر الذي على يمينه، وفي الثانية ما في الستر الذي على يساره. فإذا فرغ وسلم، صعد المنبر لخطابة العيد، فإذا انتهى إلى ذروة المنبر، جلس على تلك الطرّاحة بحيث يراه الناس، ويقف أسفل المنبر الوزير، وقاضي القضاة، وصاحب الباب واسفهسلار، وصاحب السيف، وصاحب الرسالة «٢» ، وزمام القصر، وصاحب دفتر المجلس، وصاحب المظلّة، وزمام الأشراف الأقارب، وصاحب بيت المال، وحامل الرمح، ونقيب الأشراف

стр. 1677

الطالبيين. ووجه الوزير إليه [فيشير إليه فيصعد ويقرب وقوفه منه ويكون وجهه موازيا رجليه] «١» فيقبلهما بحيث يراه الناس، ثم يقوم فيقف على يمنة الخليفة. فإذا وقف أشار إلى قاضي القضاة بالصعود فيصعد إلى سابع درجة، ثم يتطلع إليه منتظرا ما يقول، فيشير إليه فيخرج من كمّه درجا قد أحضر إليه في أمسه من ديوان الإنشاء بعد عرضه على الخليفة والوزير، فيعلن بقراءة مضمونة [ويقول] «٢» بعد البسملة: [ثبت بمن] «٣» شرّف بصعود [٥] «٤» المنبر الشريف في يوم كذا، وهو عيد الفطر من سنة كذا من عند أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين بعد صعود السيد الأجل ... » (يذكر نعوت الوزير المقررة والدعاء له) ثم ذكر من يشرّفه الخليفة بصعود المنبر من أولاد الوزير «٥» ، ثم ذكر القاضي ولكنه يكون هو القاريء للثّبت فلا يسعه ذكر نعوته فيقول: المملوك فلان بن فلان ونحو ذلك، ثم الواقفين على باب المنبر ممن تقدّم ذكره بنعوتهم واحدا واحدا، وكلما ذكر واحدا استدعاه وطلع المنبر، كل منهم يعرف مقامه في المنبر يمنة ويسرة. فإذا لم يبق أحد ممن أطلع إلى المنبر، أشار الوزير إليهم فأخذ كل من هو في جانب بيده نصيبا من اللواء الذي بجانبه فيستتر الخليفة ويستترون، وينادي في الناس بالإنصات، فيخطب الخليفة خطبة بليغة مناسبة لذلك المقام، يقرؤها من السّفط «٦» الذي يحضر إليه مسطّرا من ديوان الإنشاء كما جمع رمضان المتقدّمة الذكر. فإذا فرغ من الخطبة، ألقى كلّ من في يده شيء من اللواء خارج المنبر، فينكشفون وينزلون القهقرى أوّلا بأوّل الأقرب فالأقرب. فإذا خلا المنبر للخليفة، هبط ودخل المكان الذي خرج منه، فيلبث قليلا ثم يركب في هيئته التي أتى فيها إلى المصلّى، ويعود في طريقه التي أتى

стр. 1678

منها. فإذا قرب من القصر، تقدّمه الوزير على العادة، ثم يدخل من باب العيد الذي خرج منه، فيجلس في الشّبّاك الذي في الإيوان الكبير، وقد مدّ منه إلى فسقية «١» في وسط الإيوان مقدار عشرين قصبة سماط فيه من الخشكنان «٢» والبستندود «٣» ، وغير ذلك مما يعمل في العيد مثل الجبل الشاهق، كل قطعة ما بين ربع قنطار إلى رطل واحد، فيأكل من يأكل وينقل من ينقل لا حجر عليه ولا مانع دونه، ثم يقوم من الإيوان فيركب إلى قاعة الذهب فيجد سرير الملك قد نصب، ووضع له مائدة من فضة، ومدّ السماط تحت السرير فيترجل عن السرير، ويجلس على المائدة، ويستدعي الوزير فيجلس معه، ويجلس الأمراء على السّماط ولا يزال كذلك حتّى يستهدم «٤» السّماط قريب صلاة الظهر؛ ثم يقوم وينصرف الوزير إلى داره والأمراء في خدمته فيمدّ لهم سماطا يأكلون منه وينصرفون. وأما عيد الأضحى - فإنه إذا دخل ذو الحجة وقع الاهتمام بركوبه. فإذا كان يوم العيد، ركب الخليفة على ما تقدم في عيد الفطر من الزّيّ والترتيب والركوب إلى المصلّى، ويكون لباس الخليفة فيه الاحمر الموشح، ومظلّته كذلك، ويخرج إلى المصلّى خارج باب النصر ويخطب، ثم يعود إلى القصر كما في عيد الفطر من غير زيادة ولا نقص؛ ثم بعد دخوله إلى القصر يخرج من باب الفرج، وهو باب القصر الذي كان مسامتا لدار سعيد السّعداء «٥» التي هي الخانقاة الآن، فيجد

стр. 1679

الوزير راكبا على الباب المذكور، فيترجّل الوزير، ويمشي في خدمته إلى المنحر «١» ، وهو خارج الباب المذكور. وكان إذ ذاك الفضاء واسعا لابناء فيه، وهناك مصطبة مفروشة فيطلع عليها الخليفة والوزير وقاضي القضاة والأستاذون المحنّكون وأكابر الدولة، ويكون قد سبق إلى المنحر أحد وثلاثون فصيلا وناقة للأضحية، وبيده حربة، وقاضي القضاة ممسك بأصل سنانها، وتقدم إليه الأضحية رأسا رأسا فيجعل القاضي السنان في نحر النحيرة ويطعن به الخليفة في لبّتها «٢» ، فتخرّ بين يديه حتّى يأتي على الجميع، ثم يسيّر رسوم الأضحية إلى أرباب الرسوم المقررة، وفي اليوم الثاني يساق إلى المنحر سبعة وعشرون رأسا، ويركب الخليفة فيفعل بها كذلك، وفي اليوم الثالث يساق إليه ثلاث وعشرون رأسا فيفعل بها كذلك. فإذا انقضى ذلك في اليوم الثالث وعاد الخليفة إلى القصر خلع على الوزير ثيابه الحمر التي كانت عليه يوم العيد، ومنديلا بغير اليتيمة والعقد المنظوم بالجوهر، ويركب الوزير بالخلعة من القصر، ويشق القاهرة بالشارع سالكا إلى الخليج فيسير عليه حتّى يدخل من باب القنطرة إلى دار الوزارة، وبذلك انفصال العيد. ثم أول نحيرة تنحر تقدّد وتسيّر إلى داعي اليمن فيفرّقها على المعتقدين من وزن نصف درهم إلى وزن ربع درهم، وباقي ذلك يفرّق على أرباب الرسوم في أطباق للبركة، وأكثره يفرّقه قاضي القضاة وداعي الدّعاة على الطلبة بدار العدل والمتصدّرين بجوامع القاهرة، وفي اليوم الأول يمدّ السماط بقاعة الذهب على ما تقدّم في عيد الفطر من غير فرق.

стр. 1680

الموكب الخامس ركوبه لتخليق المقياس عند وفاء النيل قد تقدّم عند ذكر النيل في الكلام على الديار المصرية ابتداء زيادة النيل ووفاؤه وانتهاؤه، وذكر المناداة عليه على ما الأمر مستقرّ عليه. إلا أنه في زمن هؤلاء الخلفاء لم يكن ينادى عليه قبل الوفاء، وإنما يؤخذ قاعه وتكتب به رقعة للخليفة والوزير، ثم ينزل بديوان الرسائل في مسير معدّ له في الديوان، ويستمر الحال على ذلك في كل يوم ترفع رقعة إلى ديوان الإنشاء بالزيادة لا يطّلع عليها غير الخليفة والوزير، وأمره مكتوم إلى أن يبقى من ذراع الوفاء (وهو السادس عشر) أصبع أو أصبعان، فيؤمر بأن يبيت في جامع المقياس تلك الليلة قرّاء الحضرة والمتصدرون بالجوامع بالقاهرة ومصر ومن يجري مجراهم لختم القرآن الكريم في تلك الليلة هناك، ويمدّ لهم السماط بالأطعمة الفاخرة، وتوقد عليهم الشموع إلى الصبح. فإذا أصبح الصبح وأذن الله تعالى بوفاء النيل في تلك الليلة، طلعت رقعة ابن أبي الردّاد إلى الخليفة، فتحضر إليه بالقصر، فيركب الخليفة في هيئة عظيمة من الثياب الفاخرة والموكب العظيم، إلا أنه لا يلبس التاج الذي فيه اليتيمة، ولا يخلّي المظلة على رأسه في ذلك اليوم؛ ويركب الوزير وراءه في الجمع العظيم على ترتيب الموكب؛ ويخرج من القصر شاقّا القاهرة إلى باب زويلة فيخرج منه، ويسلك الشارع إلى أن يجاوز البستان المعروف بعباس عند رأس الصّليبة بالقرب من الخانقاه الشيخونية الآن، فيعطف سالكا على الجامع الطولونيّ والجسر الأعظم حتّى يأتي مصر، ويدخل من الصناعة، وهي يومئذ في غاية العمارة، وبها دهليز ممتد بمصاطب مفروشة بالحصر العبداني مؤزّر بها، ويخرج من بابها شاقّا مصر حتّى يأتي المنظرة المعروفة برواق الملك على القرب من باب القنطرة، فيدخلها من الباب المواجه له والوزير معه ماشيا إلى المكان المعدّ له، ويكون العشاريّ «١» الخاصّ المعبر عنه الآن بالحرّاقة واقفا هناك

стр. 1681

بشاطيء النيل، وقد حمل إليه من القصر بيت مثمن من العاج والآبنوس كل جانب منه ثلاثة أذرع، وطوله قامة رجل تام، فيركب في العشاريّ المذكور وعليه قبة من خشب محكم الصنعة، وهو وقبّته ملبّس صفائح الفضة المذهبة، ثم يخرج الخليفة من دار الملك المذكور ومعه من الاستاذين المحنّكين من يختاره من ثلاثة إلى أربعة، ثم يطلع خواصّ الخليفة إلى العشاريّ والوزير ومعه من خواصّه اثنان أو ثلاثة لا غير، فيجلس الوزير في رواق بظاهر البيت المذكور، بفوانيس من خشب مخروط مدهونة مذهبة، بستور مسدلة عليه، ويسير العشاريّ من باب المنظرة إلى باب المقياس العالي على الدّرج، فيطلع من العشاريّ، ويدخل إلى الفسقية التي فيها المقياس، والوزير والأستاذون المحنكون بين يديه، فيصلّي هو والوزير كلّ منهما ركعتين بمفرده، ثم يؤتى بالزّعفران والمسك فيديفه في إناء بيده بآلة معه، ويتناوله صاحب بيت المال فيناوله لابن أبي الرّداد، فيلقي نفسه في الفسقية بثيابه فيتعلق في العمود برجليه ويده اليسرى ويخلّقه بيده اليمنى، وقرّاء الحضرة من الجانب الآخر يقرأون القرآن؛ ثم يخرج على فوره راكبا في العشاري المذكور، ثم يعود إلى دار الملك، ويركب منها عائدا إلى القاهرة؛ وتارة ينحدر في العشاريّ إلى المقس، ويتبعه الموكب فيسير من هناك إلى القاهرة. ويكون في البحر ذلك اليوم نحو ألف مركب مشحونة بالناس للتفرّج وإظهار الفرح. فإذا كان اليوم الثاني من التخليق أتى ابن أبي الردّاد إلى الإيوان الكبير الذي فيه الشّبّاك بالقصر فيجد خلعة مذهبة بطيلسان مقوّر، ويدفع إليه خمسة أكياس في كل كيس خمسمائة درهم مهيأة له، فيلبس الخلعة، ويخرج من باب العيد المتقدّم ذكره في أبواب القصر، وقد هييء له خمسة بغال على ظهورها الأحمال المزيّنة بالحليّ، على ظهر كل منها راكب وبيده أحد الأكياس الخمسة المتقدّمة الذكر ظاهر في يده، وأقاربه وبنو عمه يحجبونه وأصدقاؤه حوله، وأمامه حملان من النّقّارات

стр. 1682

السلطانية، والأبواق تضرب أمامه، والطبل وراءه مثل الأمراء؛ فيشق بين القصرين، وكلما مر على باب من أبواب القصر يدخل منه الخليفة أو يخرج، نزل فقبّله، ويخرج من باب زويلة في الشارع الأعظم حتّى يأتي مصر فيشقّ وسطها ويمرّ بالجامع العتيق، ويجاوزه إلى شاطىء النيل فيعدّي إلى المقياس بخلعته وما معه من الأكياس، فيأخذ من الأكياس قدرا مقرّرا له، ويفرّق باقي ذلك على أرباب الرسوم الجارية من قديم الزمان من بني عمه وغيرهم. الموكب السادس ركوبه لفتح الخليج وهو في اليوم الثالث أو الرابع من يوم التخليق المتقدّم ذكره، وليس كما في زماننا من فتحه في يوم التخليق؛ وكان يقع الاهتمام عندهم بركوب هذا اليوم من حين يأخذ النيل في الزيادة، وتعمل في بيت المال موائد من التماثيل المختلفة: من الغزلان، والسباع، والفيلة، والزّراريف عدّة وافرة، منها ما هو ملبّس بالعنبر، وما هو ملبّس بالصندل «١» ، مفسرة الأعين والأعضاء بالذهب، وكذلك يعمل أشكال التّفّاح والأترجّ وغير ذلك، وتخرج الخيمة العظيمة المعروفة بالقاتول المتقدّمة الذكر فتنصب للخليفة في برّ الخليج الغربيّ على حافته عند منظرة يقال لها السكّرة على القرب من فم الخليج، ويلفّ عمود الخيمة بديباج أحمر أو أبيض أو أصفر من أعلاه إلى أسفله، وينصب فيها سرير الملك مستندا إليه ويغشّى بقرقوبي، وعرانيسه «٢» ذهب ظاهرة، ويوضع عليه مرتبة عظيمة من الفرش للخليفة؛ ويضرب لأرباب الرّتب من الأمراء بحريّ هذه الخيمة خيم كثيرة على قدر مراتبهم في المقدار والقرب من خيمة الخليفة؛ ثم يركب الخليفة على عادته في المواكب العظيمة بالمظلّة وتوابعها من السيف والرمح والألوية والدواة وسائر الآلات، ويزاد

стр. 1683

فيه أربعون بوقا: عشرة من الذهب وثلاثون من الفضة، يكون المنفّرون بها ركبانا، والمنفّرون بالأبواق النّحاس مشاة، ومن الطبول العظام عشرة طبول. فإذا كان يوم الركوب، حضر الوزير من دار الوزارة راكبا في هيئة عظيمة، ويركب حينئذ إلى باب القصر الذي يخرج منه الخليفة، ويخرج الخليفة من باب القصر راكبا والأستاذون المحنّكون مشاة حوله، وعليه ثوب يسمّى البدنة حرير مرقوم بذهب، لا يلبسه غير ذلك اليوم، والمظلة بنسبته؛ فيركب الأستاذون المحنّكون ويسير الموكب على الترتيب المتقدّم في ركوب أول العام سائرا في الطريق التي ذهب فيها للتخليق حتى يأتي الجامع الطولوني؛ ويكون قاضي القضاة وأعيان الشهود جلوسا ببابه من هذه الجهة، فيقف لهم الخليفة وقفة لطيفة، ويسلم على القاضي، فيتقدّم القاضي ويقبّل رجله التي من جانبه، ويأتي الشهود أمام وجه فرس الخليفة، ويقفون بمقدار أربعة أذرع عن الخليفة فيسلم عليهم، ثم يركبون ويسير الموكب حتّى يأتي ساحل الخليج، فيسير حتّى يقارب الخليفة الخيمة، فيتقدّمه الوزير على العادة، فيترجل على باب الخيمة، ويجلس على المرتبة الموضوعة له فوقه «١» ويحيط به الأستاذون المحنكون والأمراء المطوّقون بعدهم؛ ويوضع للوزير كرسيّه الجاري به العادة على ما تقدّم في جلوسه في القصر، فيجلس ورجلاه يحكّان الأرض، ويقف أرباب الرّتب صفّين من سرير الملك إلى باب الخيمة، وقرّاء الحضرة يقرأون القرآن ساعة زمانية. فإذا فرغوا من القراءة، استأذن صاحب الباب على حضور الشعراء للخدمة، فيؤذن لهم فيتقدّمون واحدا بعد واحد على مقدار منازلهم المقرّرة لهم، وينشد كلّ منهم ما وقع له نظمه مما يناسب الحال. فإذا فرغ أتى غيره وأنشد ما نظمه إلى أن يفرغ إنشادهم، والحاضرون ينتقدون على كل شاعر ما يقوله، ويحسّنون منه ما حسن ويوهّون منه وما هى. فإذا انقضى هذا المجلس، قام الخليفة عن السرير فركب إلى المنظرة المعروفة بالسكّرة بقرب الخيمة والوزير بين يديه، وقد فرشت بالفرش المعدّة لها، فيجلس الخليفة بمكان

стр. 1684

معدّ له منها، ويجلس الوزير بمكان منها بمفرده، ويجلس القاضي والشهود في الخيمة البيضاء الدبيقية، فيطلّ منها أستاذ من الأستاذين المحنكين فيشير بفتح السدّ فيفتح بالمعاول، وتضرب الطبول والأبواق من البّرين، وفي أثناء ذلك يصل السّماط من القصر صحبة صاحب المائدة القائم مقام أستاذ دار الصحبة الآن، وعدّتها مائة شدّة في الطيافير الواسعة في القواوير «١» الحرير، وفوقها الطرّاحات النفيسة، وريح المسك والأفاويه تفوح منها، فتوضع في خيمة وسيعة معدّة لذلك؛ ويحمل منها للوزير وأولاده ما جرت به عادتهم، ثم لقاضي القضاة والشهود، ثم إلى الأمراء على قدر مراتبهم: على أنواع الموائد من التماثيل المقدّمة الذكر خلا القاضي والشهود، فإنه لا يكون في موائدهم تماثيل. فإذا اعتدل الماء في الخليج دخلت فيه العشاريات اللطاف ووراءها العشاريات الكبار، وهي سبعة: الذهبيّ المختص بالخليفة، وهو الذي يركب فيه يوم التخليق، والفضّيّ، والأحمر، والأصفر، والأخضر، واللّازورديّ، والصّقلّي، وهو عشاريّ أنشأه نجّار من صقلّية على الإنشاء المعتاد فنسب إليه، وعليها الستور الدبيقي الملونة، وفي أعناقها الأهلة وقلائد العنبر والخرز الأزرق، وتسير حتّى ترسو على بر المنظرة التي فيها الخليفة. فإذا صلّى الخليفة العصر، ركب لابسا غير الثياب التي كانت عليه في أول النهار، ومظلّته مناسبة لثيابه التي لبسها، وباقي الموكب على حاله، ويسير في البر الغربيّ من الخليج شاقّا للبساتين حتّى يصل إلى باب القنطرة فيعطف على يمينه ويسير إلى القصر، والوزير تابعه على الرسم المعتاد، فيدخل الخليفة قصره، ويمرّ الوزير إلى داره على عادته في مثل ذلك اليوم. وذكر القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر: أنه إذا ركب من المنظرة المعروفة بالسكرة، سار في بر الخليج الغربيّ على ما تقدم ذكره حتّى يأتي بستان

стр. 1685

الدكة «١» ، وقد علّقت دهاليزه بالزينة فيدخله وحده ويسقي منه فرسه، ثم يخرج حتّى يقف على الرعنة «٢» المعروفة بخليج الدار، ويدخل من باب القنطرة ويسير إلى قصره. النوع الثاني من مواكبهم المواكب المختصرة في أثناء السنة وهي أربعة أيام أو خمسة فيما بين أول العام ورمضان ولا يتعدّى ذلك يومي السبت والثلاثاء. فإذا عزم على الركوب في يوم من هذه الأيام، قدّم تفرقة السلاح على الركابية على ما تقدم ذكره في أول العام، وأكثر ما يكون ركوبه إلى مصر، فيركب والوزير وراءه على أخصر من النظام المتقدّم له في المواكب العظام وأقلّ جمعا، ولبسه في هذه الأيام الثياب المذهبة من البياض والملون ومنديل من نسبة ذلك مشدودة بشدّة غير شدّات غيره، وذوائبه مرخاة تقرب من جانبه الأيسر، وهو مقلد بالسيف العربي المجوهر بغير حنك ولا مظلة، ويخرج شاقّا القاهرة في الشارع الأعظم حتّى يجاوز الجامع الطولوني على المشاهد «٣» إلى الجامع العتيق. فإذا وصل إلى بابه، وجد الخطيب قد وقف على مصطبة بجانبه فيها محراب، مفروشة بحصير وعليها سجادة معلقة، وفي يده المصحف الكريم المنسوب خطه إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، فيناوله المصحف من يده فيقبله ويتبرك به ويأمر له بعطاء يفرّق على أهل الجامع. الضرب الثالث من هيئة الخليفة هيئته في قصوره قال ابن الطوير: كان له ثياب يلبسها في الدور أكمامها على النصف من
следующие страницы →