Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
وغيرهم، وبلغ من الملك الصالح أيوب منزلة، ثم حصل عند الملك المعز أيبك التّركماني على الدرجة الرفيعة، وقدّمه على عرب الديار المصرية، ولم يزل على ذلك حتّى قتله غلمانه، فجعل المعز ابنيه: سلمى ودغش عوضه، فكانا له نعم الخلف، ثم قدم دغش دمشق فأمّره الملك الناصر صاحب دمشق يومئذ من بني أيوب ببوق وعلم، وأمّر الملك أيبك أخاه سلمى كذلك.
الخامس- بيت مفرّج بن سالم بن راضي من هلبا بعجة، ابن زيد، بن سويد، بن بعجة، من بني زيد بن حرام بن جذام، أمره المعزّ أيبك التركماني بالبوق والعلم. وذلك أنه حين أراد المعزّ تأمير سلمى بن خثعم المقدّم ذكره امتنع أن يؤمّر حتى يؤمّر مفرّج بن غانم «١» فأمّر.
العمل الثاني- المنوفية. والأمرة فيها لأولاد نصير الدين من لواتة، ولكن إمرتهم في معنى مشيخة العرب.
العمل الثالث- الغربية. والامرة فيه في أولاد يوسف من الخزاعلة من سنبس من طيّء من كهلان من القحطانية، ومقرّتهم مدينة سخا من الغربية.
العمل الرابع- البحيرة. وقد ذكر في «التعريف» : أن الإمرة في الدولة الناصرية ابن قلاوون كانت لخالد بن أبي سليمان وفائد بن مقدم. قال في «مسالك الأبصار» : وكانا أميرين سيدين جليلين ذوي كرم وإفضال وشجاعة وثبات رأي وإقدام.
العمل الخامس- برقة. قال في «التعريف» : ولم يبق من أمراء العرب ببرقة يعني في زمانه إلا جعفر بن عمر، وكان لا يزال بين طاعة وعصيان، ومخاشنة وليان، والجيوش في كل وقت تمدّ اليه، وقلّ أن تظفر منه بطائل أو رجعت منه بمغنم، وإن أصابته نوبة من الدهر. قال: وآخر أمره أن ركب طريق الواح حتى خرج من الفيّوم وطرق باب السلطان لائذا بالعفو، ووصل ولم يسبق به خبر، ولم
стр. 1787
يعلم السلطان به حتى أستأذن له عليه وهو في جملة الوقوف بالباب، فأكرم أتمّ الكرامة وشرّف بأجلّ التشاريف، وأقام مدّة في قرى الإحسان وإحسان القرى وأهله لا يعلمون ما جرى، ولا يعلمون أين يمّم ولا أيّ جهة نحا، حتى أتتهم وافدات البشائر وجاءت منه. فقال له السلطان: لم لا أعلمت أهلك بقصدك إلينا؟
قال: خفت أن يقولوا: يفتك بك السلطان فأتثبّط، فاستحسن قوله، وأفاض عليه طوله، ثم أعيد إلى أهله، فانقلب بنعمة من الله لم يمسسه سوء ولا رثى له صاحب ولا شمت به عدوّ.
قلت: والإمرة اليوم في برقة في عمر بن عريف، وهو رجل ديّن وكان أبوه [عريف ذا دين متين رأيته] «١» في الإسكندرية بعد الثمانين والسبعمائة، واجتمعت به فوجدت آثار الخير ظاهرة عليه.
стр. 1788
الفصل الثاني من المقالة الثانية في المملكة الشامية، وما يتصل بها: من بلاد الأرمن والروم وبلاد الجزيرة بين الفرات والدّجلة مما هو مضاف إلى هذه المملكة، وفيه أربعة أطراف
الطرف الأول في فضل الشام وخواصّه وعجائبه؛ وفيه مقصدان
المقصد الأول في فضل الشام
أعظم شاهد لذلك ما أخرجه الترمذيّ «١» من حديث زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: «كنّا يوما عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع. فقال رسول الله ﷺ : طوبى لأهل الشام. فقلت: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن الملائكة باسطة أجنحتها عليه» . هذا وقد بعث به الكثير من الأنبياء ﵈، وفيه ضرائحهم الشريفة، والمسجد الأقصى الذي هو أحد المساجد الثلاثة التي تشدّ إليها الرّحال، وهو أول القبلتين؛ وبه ينزل المسيح ﵇ بمنارة جامع دمشق، وبه يقتل الدجّال بمدينة لدّ «٢» . وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «إن الله بارك فيما
стр. 1789
بين العريش إلى الفرات وخصّ فلسطين بالتقديس» .
المقصد الثاني في خواصّه وعجائبه
أما خواصّه فإنّ به الأماكن التي تعظّمها الأمم على اختلاف عقائدهم كالصّخرة التي هي قبلة اليهود، والقمامة «١» التي يحجّها النصارى من سائر أقطار الأرض، وطور نابلس «٢» الذي تحجّه السامرة؛ وبمدينة صور كنيسة تعتقد طائفة من النصارى أنه لا يصح تمليك ملوكهم إلا منها، على ما سيأتي ذكره في الكلام على أعمال صفد إن شاء تعالى، وغير ذلك مما تنقاد به الأمم إلى صاحب هذه المملكة وتذعن لمسالمته.
وأما عجائبه فكثيرة.
منها: (حمّة طبريّة) المشهورة: وهي عين تنبع ماء شديد الحرارة يكاد يسلق البيضة، يقصدها المتردّدون للاستشفاء بالاغتسال فيها. قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» «٣» : وليس فيها حمّام يوقد فيه النار إلا الحمّام الصغير.
ومنها: (قبّة العقارب) بمدينة حمص. وهي قبّة بالقرب من مسجدها الجامع، إذا أخذ شيء من تراب حمص وجبل بالماء وألصق بداخل تلك القبّة وترك حتّى يجفّ ويسقط بنفسه من غير أن يلقيها «٤» أحد ثم أخذت ووضع منها
стр. 1790
شيء في بيت لم يدخله عقرب، أو في قماش لم يقربه، وإن ذرّ على عقرب منه شيء أخذها مثل السّكر فربما زاد عليها فقتلها، بل قيل إن ذلك لا يختصّ بالقبة بل عامّة أرض البلد كذلك حتّى لا يدخلها عقرب إلا مات، بل لا يقرب ثيابا ولا أمتعة عليها غبارها، وإلى ذلك أشار القاضي الفاضل «١» في البشرى بفتوحها بقوله:
«ودبّت إليها عقارب المجانيق فخالفت عادة حمص في العقارب، ورميت الحجارة بالحجارة فوقعت العداوة المعروفة بين الأقارب» .
ومنها: (عين فوّارة) داخل البحر الملح على القرب من ساحل مدينة طرابلس على قدر رمية حجر عن البئر، تنبع ماء عذبا يطفو على وجه الماء قدر ذراع أو أكثر يتبين عند سكون الريح.
ومنها: (وادي الفوّار) وهو واد بالقرب من حصن الأكراد من عمل طرابلس غربا عنه بشمال على الطريق السالكة. قال في «مسالك الأبصار» :
وهي صفة بئر قائمة في الأرض، وفي سفل الأرض سرداب ممتدّ إلى الشّمال يفور في كل أسبوع يوما واحدا لا غير، فتسقى به أرض ومزدرعات، وينزل عليه التّركمان ويردونه؛ ويسمع له قبل فورانه دويّ كالرعد، وهو في بقية الأيام يابس لا ماء فيه. قال: وذكر لي من دخل السّرداب أن في نهايته نهرا كبيرا آخذا من الغرب إلى الشرق تحت الأرض؛ له جريان قويّ، وبه موج وريح عاصف، لا يعرف إلى أين يجري ولا من أيّ جهة يأتي.
ومنها: (حمّام القدموس) «٢» من قلاع الدعوة من عمل طرابلس يخرج منها «٣» أنواع كثيرة من الحيات تظهر من أنابيب مائها وتدخل في ثياب داخلها، ولم يشتهر أنها أضرّت أحدا قطّ على ممرّ الدّهور وتطاول الأزمنة، حكاه
стр. 1791
في «مسالك الأبصار» .
ومنها: (صدع) في سور الخوابي «١» من قلاع الدعوة من عمل طرابلس أيضا. إذا لدغ أحد بحيّة فأتى إلى ذلك الموضع فشاهده بعينه أو أرسل رسوله فشاهده، سلم من تلك اللّدغة، ولم يضره السّمّ. إلى غير ذلك من العجائب الظاهرة والمندرسة بمرور الزمان عليها.
قال ابن الأثير: وبقرى حلب قرية تسمّى براق، يقال إن بها معبدا يقصده أصحاب الأمراض ويبيتون به. فإما أن يرى المريض في منامه من يقول له استعمل كذا وكذا فيبرأ، أو يمسح عليه بيده فيبرأ. قال في تاريخه: وبقرية مبرون من قرى صفد مغارة يظهر فيها الماء في يوم من السنة تجتمع إليه اليهود في ذلك اليوم، ويجلبون منه الماء إلى البلاد البعيدة؛ وبوادي دلسه من عملها عين تعرف بعين الجن تفور لحظة كالنهر ثم تغور حتّى لا يبقى فيها ماء، ثم تفور كذلك ليلا ونهارا؛ وبقرية بكوزا من قرى صفد عنب داخل العنبة عنبة أخرى؛ وبقرية عدشيب من قراها بلّوط يؤخذ الواحد منه من الشجرة فيوجد حضنها حجر؛ وبقرية عياض تراب الجير إذا عمل منه كوز وسقي فيه الكسير من آدميّ أو غيره، جبر عظمه؛ وبالناصرة من أعمالها كنيسة بها عمود إذا اجتمع عنده جماعة وعملوا سماعا عرق العمود حتّى يظهر عرقه.
الطّرف الثاني في حدوده، وابتداء عمارته، وتسميته شاما؛ وفيه مقصدان
المقصد الأوّل في حدوده
وقد اختلف في تحديده، فذكر في «التعريف» أن حدّه من القبلة إلى البرّ المقفر: تيه بني إسرائيل وبرّ الحجاز والسّماوة إلى مرمى الفرات بالعراق. قال:
стр. 1792
وهذه المحادّات كلّها من جزيرة العرب.
وحدّه من الشرق طرف السّماوة والفرات.
وحدّه من الشّمال البحر الروميّ «١» .
وحدّه من الغرب حدّ مصر المتقدّم ذكره، وذكر في «تقويم البلدان» :
أن حدّه من الجنوب من أوّل رفح التي في أوّل الجفار بين مصر والشام إلى حدود تيه بني إسرائيل إلى ما بين الشّوبك وأيلة من البلقاء؛ وحدّه من الشرق من البلقاء إلى مشاريق صرخد، آخذا على أطراف الغوطة، إلى سلمية، إلى مشاريق حلب، إلى بالس؛ وحدّه من الشمال من بالس مع الفرات إلى قلعة نجم، إلى البيرة، إلى سميساط إلى حصن منصور، إلى بهسنى، إلى مرعش، إلى بلاد سيس، إلى طرسوس، إلى بحر الروم؛ وحدّه من الغرب من طرسوس المذكورة آخذا على ساحل البحر الروميّ إلى رفح المتقدّمة الذكر حيث وقع الابتداء.
قلت: والخلف بينهما في شيئين:
أحدهما- أنه في «التعريف» جعل حدّه الشّماليّ إلى البحر الروميّ، وحدّه الغربيّ حدّ مصر المتقدّم ذكره، وفي «تقويم البلدان» جعل حدّه الشماليّ البلاد التي بين الفرات والبحر الروميّ، وحدّه الغربيّ البحر الروميّ من طرسوس إلى رفح فيدخل حدّ مصر الذي حدّ به الجانب الغربيّ في «التعريف» في هذا الحدّ، وكأن الموقع لهما في ذلك أن البحر الروميّ عن الشام غربا بشمال، فجنح كل منهما إلى جهة.
الثاني- أنه في «تقويم البلدان» أدخل بلاد الأرمن المتصلة بآخر بلاد حلب من الشمال في حدود الشام، وفي «التعريف» أخرجها وهو التحقيق. وقد صرّح بذلك في «التعريف» فيما بعد فقال بعد أن أفرد الفتوحات الجاهانيّة التي هي أوّل بلاد الأرمن من جهة حلب بالذكر: «وأتيت بها ههنا إذ لم يكن لها تعلّق
стр. 1793
بمملكة تذكر فيها، وليست من الشامات في شيء وإنما هي من بلاد الأرمن المسماة قديما ببلاد العواصم والثّغور» ، وسيأتي الكلام على بلاد الأرمن بمفردها في جملة أعمال حلب في الكلام على قواعد المملكة الشامية إن شاء الله تعالى.
على أن ما ذكره من التحديد في «التعريف» و «تقويم البلدان» لا يخلو عن تساهل، فقد قال في «التعريف» بعد ذكر الحدود التي أوردها: وهذه الحدود هي الجامعة على ما يحتاج إليه، وإذا فصّلت تحتاج إلى زيادة إيضاح.
وقال في «تقويم البلدان» بعد ذكر الحدود التي أوردها أيضا: وبعض هذه الحدود قد تقع شرقيّة عن بعض الشام وهي بعينها جنوبيّة عن بعض آخر، مثل البلقاء فإنها جنوبية عن حلب وما على سمتها، وشرقيّة عن مثل غزّة وما على سمتها فليعلم العذر في ذلك «١» .
قال ابن حوقل «٢» : وطول الشام من ملطية إلى رفح «٣» خمس وعشرون مرحلة «٤» . فمن ملطية إلى منبج أربع مراحل، ومن منبج إلى حلب مرحلتان، ومن حلب إلى حمص خمس مراحل، ومن حمص إلى دمشق خمس مراحل، ومن دمشق إلى طبريّة أربع مراحل، ومن طبريّة إلى الرملة ثلاث مراحل، ومن الرملة إلى رفح مرحلتان.
стр. 1794
قال التيفاشيّ في «سرور النفس» «١» : وطوله أكثر من شهر. قال ابن حوقل: وأعرض ما فيه طرفاه. فأحد طرفيه من الفرات من جسر منبج على منبج على قورس في حدّ قنّسرين؛ ثم على العواصم في حدّ إنطاكية، ثم يقع على جبل اللّكام، ثم على المصّيصة، ثم على أذنة، ثم على طرسوس، وذلك نحو عشر مراحل وهذا هو السّمت المستقيم. والطرف الآخر يأخذ في البحر من حدّ يافا من جند فلسطين حتّى ينتهي إلى الرملة إلى بيت المقدس، ثم إلى أريحا، ثم إلى زغر، ثم إلى جبل الشّراة إلى أن يأتي إلى معان، وتقدير ذلك ستّ مراحل. ثم قال:
أما ما بين هذين الطرفين من الشام فلا يكاد بين الأردنّ ودمشق وحمص يزيد على أكثر من ثلاثة أيام، لأن من دمشق إلى طرابلس على بحر الروم غربا يوما وإلى أقصى الغوطة شرقا حتّى يتصل بالبادية يوما، ومن حمص إلى أنطرطوس على بحر الروم غربا يومين، ومن حمص إلى سلمية على البادية شرقا يوما، ومن طبريّة من جند الأردنّ إلى صور على البحر الروميّ غربا يوما، ومنها إلى أريحا على حدود بني فزارة شرقا يوما.
المقصد الثاني في ابتداء عمارته وتسميته شاما وما يلتحق بذلك
أما إبتداء عمارته، فقد روى الحافظ بن عساكر «٢» في تاريخ الشام عن هشام
стр. 1795
ابن محمد عن أبيه: أن نوحا ﵇ لما قسم الأرض بين بنيه لحق قوم من بني كنعان بن حام بن نوح ﵇ بالشام فسميت الشام، حين تشاءموا إليها، يعني من أرض بابل كما جاء في الرواية الأخرى. قال: فكانت الشأم يقال لها لذلك أرض كنعان: وجاء بنو إسرائيل فأجلوهم عنها، وبقيت الشام لبني إسرائيل إلى أن غلب عليه الروم وانتزعوه منهم فأجلوهم إلى العراق إلا قليلا منهم، ثم جاء العرب فغلبوا على الشام (يعني في الفتح الإسلاميّ) ثم الشأم مهموز مقصور.
قال النّوويّ «١» في «تهذيب الأسماء واللغات» وغيره: ويجوز فيه فتح الشين والمدّ. قال: وهي ضعيفة وإن كانت مشهورة قال الجوهريّ: ويجوز فيه التذكير والتأنيث. قال النوويّ: والمشهور التذكير. وقد اختلف في سبب تسميته شاما فقيل لتشاؤم بني كنعان إليه كما تقدّم في كلام ابن عساكر، وقيل سمي بسام بن نوح لأنه نزل به، واسمه بالسريانية شام بشين معجمة، والعرب تنقلها إلى السين المهملة. وقيل لأن أرضه مختلفة الألوان بالحمرة والسّواد والبياض فسمّي شاما لذلك كما يسمّى الخال في بدن الإنسان شامة. وقيل سميت شاما لأنها عن شمال الكعبة، والشام لغة في الشمال. قال أبو بكر بن محمد «٢» : ويجوز فيه وجهان، أحدهما أن يكون من اليد الشؤمى وهي اليسرى، والثاني أن يكون فعلا من الشّؤم «٣» .
стр. 1796
الطّرف الثالث في أنهاره وبحيراته وجباله المشهورة وزروعه وفواكهه ورياحينه ومواشيه، ووحوشه وطيوره؛ وفيه ستة مقاصد
المقصد الأوّل في ذكر الأنهار العظام بالشام وما هو مضاف إليه مما يتكرر ذكره بذكر البلدان، وهي أربعة «١» أنهار
الأوّل- نهر الفرات وهو أعظمها، وقد تقدّم في الكلام على النيل أنه شقيقه في الخروج من الجنّة. وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبيّ ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتّى يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون، ويقول كلّ رجل منهم لعلّي أنا الذي أنجو به» وأوّل ابتدائه من شماليّ مدينة (أرزن الرّوم) «٢» وشرقيّها، وهي آخر بلاد الروم من جهة الشرق حيث الطول أربع وستون درجة والعرض اثنتان وأربعون درجة ونصف، ثم يأخذ إلى قرب (ملطية) ثم يأخذ إلى (سميساط) «٣» ثم يأخذ مشرقا ويتجاوز (قلعة الروم) من شماليّها وشرقيها، ثم يسير إلى (البيرة) من جنوبيها، ثم يمرّ مشرقا حتّى يجاوز بالس، ثم قلعة جعبر ويتجاوزها إلى الرّقّة، ثم يسير مشرّقا ويتجاوز الرّحبة من شماليّها ويسير إلى عنّة، ثم يمتدّ إلى هيت، ويمتدّ حتّى يجاوز مخرج (نهر كوثى) الآتي ذكره، فينقسم قسمين ويمرّ أحدهما: وهو الجنوبيّ إلى (الكوفة) ويتجاوزها، ويصبّ في بطائح العراق، ويمرّ الآخر: وهو أعظمها بإزاء (قصر ابن هبيرة) ويعرف هذا القسم بنهر سورا (بضم السين المهملة وآخره ألف يمدّ ويقصر) وهي قرية على النهر نسب إليها،
стр. 1797
ويتجاوز قصر ابن هبيرة ويسير جنوبا إلى (مدينة بابل) القديمة، ويتفرّع منه بعد أن يجاوز بابل عدة أنهر، ويمرّ عموده إلى (مدينة النيل) «١» ويجاوزها حتّى يصب في دجلة ويسمّى من بعد مجاوزة النيل (نهر الصّراة) . وعلى الفرات أنهار تصبّ فيه وأنهار تخرج منه ليس بنا حاجة إلى تفصيلها.
الثاني- نهر حماة: ويسمّى العاصي «٢» لأن غالب الأنهر تسقي الأرض بغير دواليب ولا نواعير بل تركب البلاد بأنفسها، ونهر حماة لا يسقي إلا بنواعير تنزع الماء منه، ويسمّى أيضا النهر المقلوب: لجريه من الجنوب إلى الشمال، وغالب الأنهر إنما تجري من الشمال إلى الجنوب، واسمه القديم نهر الأرنط «٣» ، وأوّله نهر صغير من ضيعة قريبة من بعلبكّ في الشمال عنها على نحو مرحلة، تسمّى الرأس «٤» ، ويمتدّ من الرأس شمالا حتّى يصل إلى مكان يسمّى قائم الهرمل بين قرية جوسية والرأس، ويمرّ في واد هناك وينبع من هناك أكثر ماء النهر من موضع يسمّى مغارة الراهب، ويمتدّ شمالا حتّى يتجاوز (جوسية) ويمتدّ حتّى يصب في (بحيرة قدس) «٥» غربيّ حمص، ويخرج من البحيرة ويتجاوز حمص إلى الرّستن، ويمتدّ إلى حماة، ثم إلى شيزر، ثم إلى بحيرة أفامية، ثم يخرج من بحيرة أفامية، ويمرّ على دركوش، ويمتدّ إلى جسر الحديد، وذلك جميعه شرقيّ جبل اللّكام. فإذا وصل إلى جسر الحديد انقطع الجبل المذكور هناك، ويستدير النهر المذكور ويرجع ويسير جنوبا بغرب ويمرّ على سور أنطاكية، ويسير كذلك مغرّبا بجنوب حتّى يصب في بحر الروم عند السّويديّة «٦» .
ويصب في العاصي عدّة أنهر:
стр. 1798
منها: نهر منبعه من تحت أفامية «١» يسير مغرّبا حتّى يصل إلى بحيرة أفامية ويختلط بالعاصي.
ومنها: نهر في شمال أفامية على نحو ميلين يعرف بالنهر الكبير يسير مدى قريبا ويصب في بحيرة أفامية، ويخرج منها مع العاصي.
ومنها: النهر الأسود، يجري من الشمال ويمرّ تحت دربساك ويمتدّ حتّى يصبّ في بحيرة أنطاكية ويخرج منها ويصب في العاصي.
ومنها: نهر يغرا- بفتح الياء المثناة تحت وسكون الغين المعجمة وفتح الراء المهملة ثم ألف مقصورة- بلدة هناك يمرّ عليها ويصب في النهر الأسود المذكور.
ومنها: عفرين- بكسر العين المهملة وسكون الفاء وكسر الراء المهملة ثم ياء مثناة تحت ونون في الآخر- وهو نهر يأتي من بلاد الروم ويمرّ على الرّاوندان إلى الجومة ويمرّ في الجومة إلى العمق ويختلط بالنهر الأسود.
الثالث- نهر الأردنّ. والأردنّ بضم الهمزة وسكون الراء المهملة وضم الدال المهملة أيضا وتشديد النون. كذا ضبطه السمعانيّ في «اللّباب» «٢» قال:
وهي بلدة من بلاد الغور من الشام نسب إليها النهر ويسمى الشريعة أيضا، وأصله من أنهار تصب من جبل الثلج إلى بحيرة بانياس، ثم يخرج من البحيرة المذكورة ويصب في بحيرة طبريّة، ويمتدّ جنوبا، وهناك يصب في اليرموك بين بحيرة طبريّة المذكورة وبين القصير، ويمتدّ في وسط الغور جنوبا حتّى يجاوز بيسان، ويمتدّ في الجنوب كذلك إلى أريحا، ولا يزال يمتدّ في الجنوب حتّى يصب في بحيرة زغر
стр. 1799
وهي البحيرة المنتنة المعروفة ببحيرة لوط.
الرابع- نهر العوجاء- بفتح العين المهملة وسكون الواو وفتح الجيم وبعدها ألف- ويسمّى نهر أبي فطرس (بضم الفاء وبالطاء والراء والسين المهملات) وهو نهر شماليّ مدينة الرملة من فلسطين باثني عشر ميلا، ومنبعه من تحت جبل الخليل ﵇ مقابل قلعة خراب هناك تسمّى مجد اليابا «١» ، ويجري هذا النهر من الشرق إلى الغرب، ويصب في بحر الروم جنوبيّ غابة أرسوف، ومن منبعه إلى مصبه دون مسافة يوم. قال في «العزيزي» : وما التقى عليه جيشان إلا غلب الغربيّ وانهزم الشرقيّ؛ وسيأتي الكلام على أنهار دمشق في الكلام على حاضرتها إن شاء الله تعالى إذ لا يتعدّاها إلى غيرها من البلاد.
الخامس- نهر جيحان «٢» . بفتح الجيم وسكون الياء المثناة تحت وفتح الحاء المهملة وبعد الألف نون- وتسميه العامّة جهان- بجيم وهاء مفتوحتين وألف ثم نون، وربما زادوا ألفا بعد الجيم فقالوا جاهان «٣» ، وإليه تنسب الفتوحات الجاهانية «٤» الآتي ذكرها. قال: في «رسم المعمور» «٥» : وأوّله عند طول ستين درجة وعرض أربعين درجة، وهو نهر يقارب الفرات في الكبر، ويمرّ بسيس، ويسير من الشّمال إلى الجنوب بين جبال في حدود الروم حتّى يبلغ المصيّصة من شماليّها حيث الطول تسع وخمسون وكسر والعرض ست وثلاثون درجة، وعرض «٦» خمس عشرة؛ وجريانه عندها من المشرق إلى المغرب، ويتجاوز
стр. 1800
المصّيصة ويصبّ بالقرب منها في بحر الروم.
السادس- نهر سيحان. بفتح السين المهملة وسكون الياء المثناة تحت وفتح الحاء المهملة وبعدها ألف ثم نون. قال في «رسم المعمور» : وأوّله عند طول ثمان وخمسين، وعرض أربع وأربعين؛ ويمرّ ببلاد الروم إلى الجنوب عند مجرى جيحان المتقدّم ذكره، ويسير حتّى يمرّ ببلاد الأرمن، ويمرّ على سور أذنة من شرقيها حيث الطول تسع وخمسون بغير كسر، والعرض ست وثلاثون درجة وخمسون دقيقة، ويتجاوز أذنة ويلتقي مع جيحان المتقدّم ذكره ويصيران نهرا واحدا، ويصبّان في بحر الروم بين آياس وطرسوس على ما تقدّم ذكره.
المقصد الثاني في ذكر بحيراته، وهي ثمان بحيرات
الأولى- بحيرة طبريّة. قال الزجاجي «١» : سميت طبريّة بطباري ملك من ملوك الروم، وهي في أول الغور، يدخل إليها نهر الشريعة المنصبّ في بحيرة بانياس الآتي ذكرها، ودورها نحو مسيرة يومين، ووسطها حيث الطول ثمان وخمسون درجة، والعرض اثنتان وثلاثون، وهي قرعاء، ليس بها قصب نابت.
وطبريّة مدينة خراب على شاطيء البحيرة المذكورة من جانبها الغربيّ، قال العثماني «٢» في «تاريخ صفد» : ويقال إن قبر سليمان بن داود ﵉ بهذه البحيرة.
الثانية- بحيرة زغر وتعرف ببحيرة سدوم وبحيرة لوط، وهي بحيرة منتنة ليس لها سمك ولا يأوي إليها طير، وفيها مصب نهر الأردنّ المسمّى بالشريعة عند
стр. 1801
نهايته، ويغيض الماء فيها ولا يخرج منها شيء من الأنهار، وهي في آخر الغور من جهة الجنوب، ودورها فوق مسيرة يومين، ووسطها حيث الطول تسع وخمسون درجة والعرض إحدى وثلاثون.
الثالثة- بحيرة بانياس. وهي بحيرة بالقرب من بانياس من مقابلة دمشق تصبّ فيها عدّة أنهار من جبل هناك، ويخرج منها نهر الشريعة ويصبّ في بحيرة البريّة المتقدّم ذكرها، وبها غابة قصب.
الرابعة- بحيرة البقاع. وهي مستنقع ماء في جهة الغرب عن بعلبك على مسيرة يوم منها. بها هيش «١» وغابات قصب.
الخامسة- بحيرة دمشق. وهي بحيرية في شرقيّ غوطة دمشق بميلة يسيرة إلى الشمال يصب إليها فضلة نهر بردى وغيره، وتتسع في أيام الشتاء وتضيق في أيام الصيف، وبها غابات قصب، وفيها أماكن تحمي من العدوّ.
السادسة- بحيرة قدس. بفتح القاف والدال وفي آخرها سين مهملة.
وهي بحيرة في أرض مستوية، عن حمص في جهة الغرب على بعض يوم منها، وطولها من الشمال إلى الجنوب نحو ثلث مرحلة وفي طرفها الشمالي سدّ ممتدّ في طولها مبنيّ بالحجر من بناء الأوائل ينسب بناؤه إلى الإسكندر طوله شرقا وغربا ألف ومائتان وسبعة وثمانون ذراعا، وعرضه ثمانية عشر ذراعا ونصف ذراع، وعلى وسط السدّ برجان من حجر أسود.
السابعة- بحيرة أفامية. وهي عدّة بطائح في الغرب بميلة إلى الشمال عن أفامية بين غابات من القصب، يصب فيها النهر العاصي من جهة الجنوب. وبها بحيرتان جنوبية وشمالية يصاد فيهما السمك، فالجنوبية منهما بحيرة أفامية المذكورة، وسعتها بالتقريب نحو نصف فرسخ، وقعرها قريب قامة، وأرضها
стр. 1802
موحلة لا يقدر الإنسان على الوقوف فيها، وبوسطها جمم قصب وبرديّ وحولها القصب والصّفصاف، وبها من أنواع الطير مالا يحصى كثرة، وينبت بها في زمن الربيع اللّينوفر الأصفر حتّى يستر الماء عن آخره بورقه وزهره. والبحيرة الشمالية من عمل حصن برزوية بقدر بحيرة أفامية أربع مرات، ووسطها مكشوف، وينبت اللّينوفر بجانبيها الجنوبيّ والشماليّ وبينها وبين بحيرة أفامية المذكورة زقاق تسير فيه المراكب من إحداهما إلى الأخرى. قال في «تقويم البلدان» : ويعتبر طول هذه البطائح وعرضها بأفامية.
الثامنة- بحيرة أنطاكية. وهي بحيرة بين أنطاكية وبغراس وحارم في أرض تعرف بالعمق (بفتح العين المهملة وسكون الميم) من معاملة حلب شماليّ أنطاكية على مسيرة يومين من حلب في جهة الغرب عنها. وفيها مصبّ نهر عفرين والنهر الأسود ونهر يغرا المتقدّم ذكرها، ودورها نحو مسيرة يوم، وآجام القصب محيطة بها وفيها من الطير والسمك نحو ما تقدّم ذكره في بحيرة أفامية. قال في «تقويم البلدان» : وطولها طول أنطاكية تقريبا، وعرضها أكثر من عرضها بدقائق.
المقصد الثالث في ذكر جباله المشهورة التي يتعلق بها كثير من المقاصد؛ وهي عدة أجبل
منها: (جبل الثّلج) بالثاء المثلثة والجيم، وما يتصل به. قال في «تقويم البلدان» : والطرف الجنوبيّ لهذا الجبل بالقرب من صفد. قال في «رسم المعمور» حيث الطول تسع وخمسون درجة وخمس وأربعون دقيقة، والعرض اثنتان وثلاثون درجة. قال: في «تقويم البلدان» : ثم يمتدّ إلى الشمال ويتجاوز دمشق. فإذا صار في شماليّها، سمّي جبل (سنير) ويسمى جانبه المطل على دمشق جبل (قاسيون) ويتجاوز دمشق ويمرّ غربيّ بعلبكّ، ويسمى الجبل المقابل لبعلبك جبل (لبنان) بلام «١» مكسورة وباء موحدة ساكنة ونون مفتوحة
стр. 1803
بعدها ألف ونون ثانية- وإذا تجاوز بعلبكّ وصار شرقيّ طرابلس سمي جبل (عكّار) بعين مهملة مفتوحة وكاف مشدّدة وراء مهملة في الآخر- إضافة إلى حصن بأعلاه يسمى عكّارا، ثم يمرّ شمالا ويتجاوز طرابلس إلى حصن الأكراد من عمل طرابلس، ويسامت حمص من غربيها على مسيرة يوم ويمتدّ حتى يجاوز سمت حماة، ثم سمت شيزر، ثم سمت أفامية، ويسمّى قبالة هذه البلاد جبل (اللّكام) «١» بضم اللام. قال في «رسم المعمور» : وجبل اللّكام يمتدّ إلى أن يصير بينه وبين جبل شحشبو، اتساعه نصف يوم حتى يتجاوز صهيون والشّغر وبكاس والقصير؛ وينتهي إلى أنطاكية فينقطع هناك ويصير قبالة جبال الأرمن.
قال في «تقويم البلدان» : ويقابل جبل اللّكام المذكور عند مسامتته لأفامية المتقدّمة الذكر جبل آخر من شرقيه، يسمّى جبل (شحشبو) بشين معجمة مفتوحة وحاء مهملة ساكنة وشين ثانية مفتوحة بعدها باء موحدة مضمومة ثم واو- إضافة إلى قرية هناك تسمّى بذلك، ويمرّ من الجنوب إلى الشّمال على غربيّ المعرّة وسرمين وحلب، ثم يأخذ غربا ويتصل بجبال الروم.
ومنها: (جبل عاملة) وهو جبل ممتدّ في شرقيّ ساحل بحر الروم وجنوبيّة، حتّى يقرب من مدينة صور، وعليه شقيف أرنون «٢» ، نزله بنو عاملة بن سبإ من عرب اليمن عند تفرّقهم بسيل العرم فعرف بهم.
ومنها: (جبل عوف) وهو جبل بالقرب من عجلون. كان ينزله قوم من بني عوف من جرم قضاعة فعرف بهم، وكانوا عصاة لا يدخلون تحت طاعة حتّى بنى عليهم أسامة أحد أمراء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب قلعة عجلون فدخلوا تحت الطاعة على ما سيأتي ذكره.
ومنها: (جبل الصّلت) إضافة إلى مدينة الصّلت الآتي ذكرها في أعمال
стр. 1804
دمشق. وهو جبل في شرقيّ جبل عوف وشماليّه، كان أهله عصاة حتى بنى عليهم المعظّم عيسى بن العادل حصن الصّلت فدخلوا في الطاعة.
المقصد الرابع في ذكر زروعه وفواكهه ورياحينه
أما زروعه فغالبها على المطر. قال في «مسالك الأبصار» : ومنها ما هو على سقي الأنهار وهو قليل، وفيه من الحبوب من كل ما يوجد في مصر من البرّ والشعير والذرة والأرزّ والباقلّا والبسلّة والجلبان، واللّوبياء والحلبة، والسّمسم والقرطم، ولا يوجد فيه الكتان والبرسيم، وبه من أنواع البطّيخ والقثّاء ما يستطاب ويستحسن، وكذلك غيرها من المزدرعات كالقلقاس والملوخيّا والباذنجان واللّفت والجزر والهليون والقنّبيط والرّجلة «١» والبقلة اليمانية، وغير ذلك من أنواع الخضروات المأكولة؛ وقصب السّكّر في أغواره إلا أنه لم يبلغ في الكثرة حدّ مصر.
وأما فواكهه، ففيه من كل ما يوجد في مصر كالتين والعنب والرّمّان والقراصيا والبرقوق والمشمش والخوخ- وهو المسمّى بالدّراقن- والتوت والفرصاد، ويكثر بها «٢» التّفّاح والكمّثرى والسّفرجل مع كونها أكثر أنواعا وأبهج منظرا، ويزيد عليه فواكه أخر لا توجد بمصر، وربما وجد بعضها في مصر على الندور الذي لا يعتدّ به كالجوز والبندق والإجّاص والعنّاب والزّعرور، والزّيتون فيه الغاية في الكثرة، ومنه يعتصر الزيت وينقل إلى أكثر البلدان وغير ذلك، وبأغوارها أنواع المحمّضات كالأترجّ «٣» واللّيمون والكبّاد «٤» والنّارنج ولكنه لا يبلغ
стр. 1805
في ذلك حدّ مصر، وكذلك الموز ولا يوجد البلح والرّطب فيه أصلا. قال في «مسالك الأبصار» : وفيه فواكه تأتي في الخريف وتبقى إلى الربيع كالسّفرجل والتّفّاح والعنب.
وأما رياحينه، ففيه كلّ ما في مصر من الآس والورد والنّرجس والبنفسج والياسمين والنّسرين، ويزيد على مصر في ذلك خصوصا الورد حتى إنه يستقطر منه ماء الورد وينقل منه إلى سائر البلدان. قال في «مسالك الأبصار» : وقد نسي به ما كان يذكر من ماء ورد جور ونصيبين.
المقصد الخامس في ذكر مواشيه ووحوشه وطيوره
أما مواشيه ففيه جميع ما تقدّم من مواشي مصر من الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير، إلا أن أبقاره لا تبلغ في العظم مبلغ أبقار مصر، وأغنامه لا تبلغ في طيبة اللحم مبلغ أغنامها، وحميرة لم تبلغ في الفراهة مبلغ حميرها.
وأما وحوشه، ففيه الغزلان والأرانب والأسود وكثير من أنواع الوحوش المختلفة مما لا يوجد مثله في مصر.
وأما طيوره، ففيه الإوزّ والدّجاج والحمام وأنواع طيور الماء المختلفة الأنواع. قال في «مسالك الأبصار» : ولا تكون الفراريج فيها إلا بحضانة ولا تنجع فيها المعامل التي تعمل لإخراج الفراريج في مصر. قال: ويذكر أن رجلا من أهل مصر عمل فيها معملا في حاضرة العقيبة فصعد له العمل فيه في الصيف دون الخريف.
المقصد السادس في ذكر النفيس من مطعوماتها
فيها العسل بقدر متوسط، ويعمل فيها السّكّر الوسط والمكرر، والشراب
стр. 1806
موجود فيها دون مصر، وأكثر حلواها من العسل والمنّ «١» .
الطّرف الرابع في ذكر جهاته وكوره القديمة وقواعده المستقرّة وأعمالها، وفيه مقصدان
المقصد الأول في ذكر جهاته وكوره القديمة
قد قسّم المتقدّمون الشام إلى خمسة أجناد- جمع جند بضم الجيم وإسكان النون ودال مهملة في الآخر كما ضبطه الجوهريّ وغيره.
الأول- (جند فلسطين) وفلسطين بكسر الفاء وفتح اللام وسكون السين وكسر الطاء المهملتين وسكون الياء المثناة تحت ونون في الآخر. قال الزجاجيّ:
سميت بفلسطين بن كلثوم من ولد فلان بن نوح، بلدة كانت قديما نسبت الكورة إليها. قال ابن حوقل: وهو أول الأجناد الخمسة من جهة الغرب من رفح إلى حدّ اللّجّون، وعرضه من يافا إلى أريحا نحو يومين. قال ابن الأثير: هي كورة كبيرة تشتمل على بلاد المقدس وغزّة وعسقلان. قال ابن حوقل: وهي أرخى بلاد الشام.
الثاني- (جند الأردنّ) والأردنّ بلدة قديمة من بلاد الغور نسبت الكورة إليها، وقد مرّ ضبطها في الكلام على نهر الأردنّ عند ذكر الأنهار، وقد نسبت الكورة إليها كما نسب إليها النهر المتقدّم ذكره. قال ابن حوقل: وديار قوم لوط والبحيرة المنتنة وزغر إلى بيسان وإلى طبريّة تسمّى الغور: لأنه بين جبلين، وسائر بلاد الشام مرتفعة عليه. قال: وبعضها من الأردنّ وبعضها من فلسطين.
الثالث- (جند دمشق) وسيأتي الكلام عليها في قواعد الشام المستقرّة.
الرابع- (جند حمص) وسيأتي الكلام عليها في الصفقة الشرقية من
стр. 1807
صفقات دمشق.
الخامس- (جند قنّسرين) . قال في «اللّباب» : بكسر القاف وفتح النون المشددة وسكون السين وكسر الراء المهملتين ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ونون في الآخر. قال الزجاجيّ: وقد روي أنها سميت برجل من قيس «١» يقال له ميسرة، نزلها فمرّ به رجل فقال له: ما أشبه هذا الموضع بقنّ سيرين «٢» ! فبني منه اسم للمكان فقيل: قنّسرين. وقيل: دعا أبو عبيدة ميسرة بن مسروق القيسيّ «٣» فوجهه في ألف فارس في أثر العدوّ فمرّ على قنّسرين فجعل ينظر إليها فقال: ما هذه؟
فسمّيت له بالرومية. فقال: والله كأنها قنّسرين. قال: وهذا يدل على أن قنّسرين اسم مكان آخر عرفه ميسرة فشبّه به هذا فسميت به.
قال ابن الأنباريّ: وفي إعرابها قولان:
أحدهما- أنها تجري مجرى قولك الزيدون فتجعلها في الرفع بالواو فيقول هذه قنّسرون وفي الخفض والنصب بالياء فتقول مررت بقنّسرين ودخلت قنسرين.
القول الثاني- أن تجعلها بالياء على كل حال وتجعل الإعراب في النون ولا تصرفها.
وهي قاعدة من قواعد الشأم القديمة على القرب من حلب؛ كان الجند ينزلها في ابتداء الإسلام، ثم ضعفت بحلب وخربت وصارت قرية على ما سيأتي ذكره في الكلام على حلب إن شاء الله تعالى.
قال ابن الأثير: وكل جند منها عرضه من ناحية الفرات إلى ناحية فلسطين، وطوله من الشرق إلى البحر، وحكاه في «التعريف» على وجه آخر فقال: للناس
стр. 1808
في الشأم أقوال، فمنهم من لا يجعله إلا شاما واحدا [ومنهم من يجعله شامات، فيجعلون بلاد فلسطين والأرض المقدّسة إلى الأردنّ شاما] «١» ويقولون الشام الأعلى؛ ويجعلون دمشق وبلادها من الأردنّ إلى الجبال المعروفة بالطّوال شاما، ويقع على قرية النّبك وما هو على خطها؛ ويجعلون سوريّا: وهي حمص وبلادها إلى رحبة مالك بن طوق شاما، ويجعلون حماة وشيزر من مضافاتها. وثمّ من يجعل منها حماة دون شيزر؛ ويجعلون قنّسرين وبلادها وحلب مما يدخل في هذا إلى جبال الروم وبلاد العواصم والثّغور وهي بلاد سيس شاما. ثم قال: أما عكّا وطرابلس وكل ما هو على ساحل البحر فكلّ ما قابل منه شيئا من الشامات حسب منه. قال: ونبهنا على ذلك كله ليعرف. ثم قال: أما ما هو في زماننا وعليه قانون ديواننا فإنه إذا قال سلطاننا بلاد الشام ونائب الشام لا يريد به إلا دمشق ونائبها.
وسيأتي الكلام على حدود ولايته في الكلام على نيابة دمشق إن شاء الله تعالى.
المقصد الثاني في ذكر قواعده المستقرّة وأعمالها، وهي ستّ قواعد، كلّ قاعدة منها تعدّ مملكة بل كانت كلّ قاعدة منها مملكة مستقلة بسلطان في زمن بني أيوب
القاعدة الأولى دمشق؛ وفيها جملتان
الجملة الأولى في حاضرتها
وهي بكسر الدال المهملة وفتح الميم وسكون الشين المعجمة وقاف في الآخر. وتسمى أيضا جلّق- بجيم مكسورة ولام مشدّدة مفتوحة وقاف في الآخر.
وبذلك ذكرها حسّان بن ثابت ﵁ في مدحه لبني غسّان: ملوك العرب بالشأم بقوله:
стр. 1809
لله درّ عصابة نادمتهم ... يوما بجلّق في الزّمان الأوّل
وحكى في «الروض المعطار» تسميتها جيرون- بفتح الجيم وسكون الياء المثناة تحت وضم الراء المهملة وسكون الواو ونون في الآخر- وسماها في موضع آخر العذراء- بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة وفتح الراء المهملة وألف بعدها- وموقعها في أواخر الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة. قال في «القانون» «١» : وطولها ستون درجة وعرضها ثلاث وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة.
وقد اختلف في بانيها: فقيل بناها نوح ﵇؛ وذلك أنه لما نزل من السفينة أشرف فرأى تلّ حراف «٢» بين نهري حراف وديصاف «٣» ، فأتاه فبنى حراف، ثم سار فبنى دمشق، ثم رجع إلى بابل فبناها. وقيل بناها جيرون بن سعد بن عاد، وبه سميت جيرون. ويقال إن جيرون وبريدا كانا أخوين وهما ابنا سعد بن لقمان بن عاد، وبهما يعرف باب جيرون وباب البريد من أبوابها. وقيل بناها العازر: غلام إبراهيم الخليل عليه أفضل الصلاة والسلام، وكان حبشيّا وهبه له نمرود بن كنعان حين خرج إبراهيم من النار، وكان اسمه دمشق فسماها باسمه.
وفي «كتاب فضائل الفرس» لأبي عبيد «٤» أن بيوراسب ملك الفرس بناها. وقيل إن الذي بناها ذو القرنين عند فراغه من السدّ ووكّل بعمارتها غلاما له اسمه دمشقش وسكنها دمشقش ومات فيها فسميت به. وهي مدينة عظيمة البناء ذات سور «٥» شاهق ولها سبعة «٦» أبواب: باب كيسان، وباب شرقيّ، وباب توما،
стр. 1810
وباب الصغير، وباب الجابية، وباب الفراديس، والباب المسدود.
وروى الحافظ بن عساكر عن أبي القاسم تمّام بن محمد «١» : أن بانيها جعل كل باب من هذه لكوكب من الكواكب السبعة، وصوّر عليه صورته، فجعل باب كيسان لزحل، وباب شرقيّ للشمس، وباب توما للزّهرة، وباب الصغير للمشتري، وباب الجابية للمرّيخ، وباب الفراديس لعطارد، والباب المسدود للقمر. وعلى كل حال فهي مدينة حسنة الترتيب، جليلة الأبنية، ذات حواجز بنيت من جهاتها الأربع؛ وغوطتها أحد مستنزهات الدنيا العجيبة المفضلة على سائر مستنزهات الأرض، وكذلك الرّبوة وهي كهف في فم واديها الغربيّ، عنده تنقسم مياهها، يقال إن به مهد عيسى ﵇. وبها الجوامع والمدارس، والخوانق والرّبط والزوايا والأسواق المرتبة والديار الجليلة المذهبة السّقف المفروشة بالرخام المنوّع، ذات البرك والماء الجاري. وربما جرى الماء في الدار الواحدة في أماكن منها والماء محكّم عليها من جميع نواحيها بإتقان محكم؛ وهي في وطاءة مستوية من الأرض بارزة عن الوادي المنحطّ عن منتهى ذيل الجبل، مكشوفة الجوانب لممر الهواء إلا من الشّمال فإنه محجوب بجبل قاسيون، وبذلك تعاب وتنسب إلى الوخامة. قال في «مسالك الأبصار» : ولولا جبلها الغربيّ «٢» الملبّس بالثلوج صيفا وشتاء، لكان أمرها في ذلك أشدّ، وحال سكّانها أشقّ؛ ولكنه درياق «٣» ذلك السم، ودواء ذلك الداء. وهي مستديرة به من جميع نواحيه. قال في «مسالك الأبصار» : وغالب بنائها بالحجر ودورها أصغر مقادير من دور مصر لكنها أكثر زخرفة منها وإن كان الرخام بها أقل، وإنما هو أحسن أنواعا. قال:
وعناية أهلها بالمباني كثيرة، ولهم في بساتينهم منها ما تفوق به وتحسن بأوضاعه؛ وإن كانت حلب أجلّ بناء لعنايتهم بالحجر، فدمشق أزين وأكثر رونقا لتحكم الماء على مدينتها وتسليطه على جميع نواحيها، ويستعمل في عماراتها خشب
стр. 1811
الحور- بالحاء والراء المهملتين- بدلا من خشب النخل إلا أنه لا يغشّى بالبياض ويكتفى بحسن ظاهره. وأشرف دورها ما قرب، وأجلّ حاضرتها ما هو في جانبيها:
الغربيّ والشّماليّ.
فأما جانبها الغربيّ ففيه قلعتها؛ وهي قلعة حسنة مرجلة على الأرض، تحيط بها وبالمدينة جميعها أسوار عالية، يحيط بها خندق يطوف الماء منه بالقلعة. وإذا دعت الحاجة إليه أطلق على جميع الخندق المحيط بالمدينة فيعمها؛ وتحت القلعة ساحة فسيحة بها سوق الخيل، على جانب واد ينتهي فيه مما يلي القلعة إلى شرفين محيطين به في جهتي القبلة والشّمال، في ذيل كل منهما ميدان ممرّج بالنجيل الأخضر، والوادي يشق بينهما. وفي الميدان القبليّ منهما القصر الأبلق- وهو قصر عظيم مبنيّ من أسفله إلى أعلاه بالحجر الأسود والأصفر بتأليف غريب، وإحكام عجيب؛ بناه الظاهر بيبرس البندقداريّ في سلطنته، وعلى مثاله بنى الناصر محمد بن قلاوون القصر الأبلق بقلعة الجبل بمصر، وأمام هذا القصر دركاه «١» يدخل منها إلى دهليز القصر، وهو دهليز فسيح يشتمل على قاعات ملوكية مفروشة بالرّخام الملون البديع الحسن، مؤزّر بالرخام المفصل بالصّدف والفصّ المذهب إلى سجف السقوف، وبالدار الكبرى به إيوانان متقابلان تطل شبابيك شرقيهما على الميدان الأخضر، وغربيهما على شاطىء واد أخضر يجري فيه نهر، وله رفارف عالية تناغي السّحب، تشرف من جهاتها الأربع على جميع المدينة والغوطة.
والوادي كامل المنافع بالبيوت الملوكية والإصطبلات السلطانية والحمّام وغير ذلك من سائر ما يحتاج إليه؛ وبالدركاه التي أمام القصر المتقدّم ذكرها جسر معقود على جانب الوادي يتوصّل منه إلى إيوان برانيّ يطلّ منه على الميدان القبليّ، استجدّه أقوش الأفرم في نيابته في الأيام الناصرية ابن قلاوون، وتجاه باب القصر
стр. 1812
باب يتوصّل من رحبته إلى الميدان الشماليّ؛ وعلى الشرفين المتقدّم ذكرهما أبنية جليلة من بيوت ومناظر ومساجد ومدارس وربط وخوانق وزوايا وحمّامات ممتدة على جانبين ممتدّين طول الوادي.
ولهذه القلعة نائب بمفردها غير نائب بمفردها غير نائب دمشق يحفظها للسلطان ولا يمكّن أحدا من طلوعها من النائب أو غيره. وإذا دخل السلطان دمشق نزل بها. وبها تخت ملك لغيرها من ديار الملك.
وأما جانبها الشّماليّ ويسمّى العقيبة، فهو مدينة مستقلة بذاتها ذات أبنية جليلة وعمائر ضخمة، يسكنها كثير من الأمراء والجند، وبإزاء المدينة في سفح جبل قاسيون مدينة (الصالحية) : وهي مدينة ممتدّة في سفح الجبل بإزاء المدينة في طول مدى يشرف على دمشق وغوطتها، ذات بيوت «١» ومدارس وربط وأسواق وبيوت جليلة، وبأعاليها مع ذيل الجبل مقابر دمشق العامّة، ولكل من دمشق والصالحية البساتين الأنيقة بتسلسل جداولها وتغنّي دوحاتها، وبتمايل أغصانها وتغرّد أطيارها، وفي بساتين النّزهة بها العمائر الضّخمة، والجواسق «٢» العليّة، والبرك العميقة، والبحيرات الممتدّة، تتقابل بها الأواوين والمجالس، وتحفّ بها الغراس والنصوب المطرّزة بالسّر والملتفّ، والحور الممشوق القدّ والرياحين المتأرجة الطيب، والفواكه الجنيّة، والثمرات الشّهيّة، والأشياء البديعة، التي تغني شهرتها عن الوصف، ويقوم الإيجاز فيها مقام الإطناب.
ومسقى دمشق وبساتينها من نهر يسمّى بردى- بفتح الباء الموحدة والراء والدال المهملتين وبآخره ألف. أصل مخرجه من عينين: البعيدة منهما دون قرية تسمّى الزّبدانيّ، ودونها عين بقرية تسمّى الفيجة، بذيل جبل يخرج الماء من صدع في نهاية سفله قد عقد على مخرج الماء منه عقد روميّ البناء، ثم ترفده منابع في مجرى النهر؛ ثم يقسم النهر على سبعة أنهر: أربعة غربية: وهي نهر داريّا،
стр. 1813
ونهر المزّة، ونهر القنوات، ونهر باناس. واثنان شرقية وهما نهر يزيد، ونهر ثورا؛ ونهر بردى ممتدّ بينهما.
فأما نهر باناس ونهر القنوات، فهما نهرا المدينة حاكمان عليها ومسلّطان على ديارها، يدخل نهر باناس القلعة، ثم ينقسم قسمين: قسم للجامع وقسم للقلعة، ثم ينقسم كلّ قسم منهما على أقسام كثيرة ويتفرّق في المدينة بأصابع مقدّرة معلومة، وكذلك ينقسم نهر القنوات في المدينة، ولا مدخل له في القلعة ولا الجامع، ويجري في قنيّ مدفونة في الأرض إلى أن يصل إلى مستحقاتها بالدور والأماكن على حسب التقسيم، ثم تنصبّ فضلات الماء والبرك ومجاري الميضآت «١» إلى قنيّ معقودة تحت الأرض، ثم تجتمع وتتنهّر «٢» وتخرج إلى ظاهر المدينة لسقي البساتين.
وأما نهر يزيد، فإنه يجري في ذيل الصالحية المتقدّم ذكرها ويشقّ في بعض عمارتها.
وأما بقية الأنهار، فإنها تتصرف إلى البساتين والغيطان لسقيها، وعليها القصور والبنيان خصوصا ثورا فإنه نيل دمشق، عليه جلّ مبانيها وبه أكثر تنزهات أهلها، من يخاله يراه زمرّدة خضراء، لالتفاف الأشجار عليه من الجانبين «٣» .
وبها (جامع بني أميّة) وهو جامع عظيم، بناه الوليد بن عبد الملك بن مروان في سنة ثمان وثمانين من الهجرة، وأنفق فيه أموالا جمّة حتّى يقال إنه أنفق فيه أربعمائة صندوق في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار، وإنه اجتمع في ترخيمه اثنا عشر ألف مرخّم. قال في «الروض المعطار» : وذرعه في الطول من المشرق إلى المغرب مائتا خطوة وهي ثلاثمائة ذراع، وعرضه من القبلة إلى الشمال مائة خطوة وخمس وثلاثون خطوة وهي مائتا ذراع، وقد زخرف بأنواع الزّخرفة من
стр. 1814
الفصوص المذهبة والمرمر المصقول، وتحت نسره عمودان مجزّعان «١» بالحمرة لم ير مثلهما، يقال إن الوليد اشتراهما بألف وخمسمائة دينار، وفي المحراب عمودان صغيران يقال إنهما كانا في عرش بلقيس، وعند منارته الشرقية حجر يقال إنه قطعة من الحجر الذي ضربه موسى ﵇ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.
وقد ورد أن المسيح ﵇ ينزل على المنارة الشرقية منه، ويقال إن القبّة التي فيها المحراب لم تزل معبدا لابتداء عمارتها وإلى آخر وقت. بناها الصابئة متعبّدا لهم، ثم صارت إلى اليونانيين فكانوا يعظّمون فيها دينهم، ثم انتقل إلى اليهود فقتل يحيى بن زكريا ﵇، ونصب رأسه على باب جيرون من أبوابه فأصابته بركته، ثم صار إلى النصارى فجعلتها كنيسة، ثم افتتح المسلمون دمشق فاتخذوه جامعها، وعلق رأس الحسين ﵇ عند قتله في المكان الذي علق عليه رأس يحيى بن زكريا إلى أن جدّده الوليد، ويقال إن رأس يحيى ﵇، مدفون به، وبه مصحف عثمان الذي وجّه به إلى الشام.
قال في «الروض المعطار» : ويقال إن أول من وضع جداره الأول هود ﵇. وقد ورد في أثر أنه يعبد الله تعالى فيه بعد خراب الدنيا أربعين سنة.
الجملة الثانية في نواحيها وأعمالها وما يدخل تحت حكم الولايات
وقد ذكر في «التعريف» أن ولايتها من لدن العريش: حدّ مصر إلى آخر سلمية مما هو شرق بشمال وإلى الرّحبة مما هو شرق بجنوب. قال: وقد أضيف إليها في زمن سلطاننا بلاد جعبر «٢» ، وكان من حقها أن تكون مع حلب. وحينئذ فتكون ولايتها مشتملة على الشام الأعلى المتقدّم ذكره وما يليه وما يلي ما يليه،
стр. 1815
وبعض الشام الأدنى، وليس يخرج عنه من ذلك إلا حماة وما خرج مع صفد وطرابلس والكرك. قال: ويكون في نيابة نائبها نيابة غزّة ونيابة حمص وبعض شيء مما يقتضي الحقّ أن يكون مع حلب.
وتشتمل على برّ وأربع صفقات «١» :
فأما البرّ فالمراد به ضواحيها. قال في «التعريف» : وحدّها من القبلة قرية الخيارة المجاورة للكسوة وما هو على سمتها طولا، ومن الشرق الجبال الطّوال إلى النّبك وما على سمتها من القرى آخذا على عسّان «٢» وما حولها من القرى إلى الزّبدانيّ، ومن الغرب ما هو من الزّبدانيّ إلى قرى القران المسامتة للخيارة المقدّم ذكرها. قال: ويدخل في ذلك مرج دمشق وغوطتها.
وأما صفقاتها، فأربع صفقات:
الصفقة الأولى الساحلية والجبلية
وهي الصّفقة الغربية عن دمشق. قال في «مسالك الأبصار» : وهي عبارة عن بلاد غزّة وما جاورها سهلا ووعرا.
قال في «التعريف» : وهذه الصفقة هي الشام الأعلى، ينتقص منه ما هو من نهر الأردن إلى حدّ قاقون «٣» . ثم هذه الصفقة لها جهتان:
стр. 1816
الجهة الأولى الساحلية؛ وهي التي بساحل بحر الروم المتقدّم ذكره، وتشتمل على أربعة أعمال
الأول- (عمل غزّة) - بفتح الغين المعجمة وتشديد الزاي المعجمة أيضا وفي آخرها هاء- وهي مدينة من جند فلسطين، في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» «١» : طولها ست وخمسون درجة وعشر دقائق، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة. وقال ابن سعيد «٢» : طولها سبع وخمسون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة، وهي على طرف الرمل بين مصر والشأم؛ آخذة بين البر والبحر بجانبيها، مبنية على نشز عال على نحو ميل من البحر الروميّ، متوسطة في العظم، ذات جوامع، ومدارس، وزوايا، وبيمارستان، وأسواق؛ صحيحة الهواء؛ وشرب أهلها من الآبار؛ وبها أمكنة يجتمع بها المطر إلا أنه يستثقل في الشرب فيعدل منه إلى الآبار لخفّة مائها؛ وبساحلها البساتين الكثيرة، وأجلّ فاكهتها العنب والتّين؛ وبها بعض النخيل، وبرّها ممتد إلى تيه بني إسرائيل من قبليها، وهو موضع زرع وماشية إلا أن أهل برّها عشران «٣» بعضهم أعداء بعض، ولولا خوف سطوة السلطنة لما أغمد سيف الفتنة بينهم ولا جتاحوا المدينة ومن فيها.
قلت: والحال فيها مختلف: فأكثر الأحيان هي تقدمة عسكر مضافة إلى دمشق، يأتمر مقدّم العسكر فيها بأمر نائب السلطنة القائم بدمشق، ولا يمضي أمرا دون مراجعته وإن كانت ولايته من الأبواب السلطانية، وتارة تكون نيابة مستقلّة
стр. 1817
وتضاف إليها الصفقة الساحلية بكمالها فيكون لها حكم النيابات.
الثاني- (عمل الرّملة) . بفتح الراء المهملة وسكون الميم وفتح اللام وفي آخرها هاء- وهي مدينة من جند الأردنّ، موقعها في الإقليم الثالث. قال في «الأطوال» : طولها ست وخمسون درجة وخمسون دقيقة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وعشر دقائق. وقال في «القانون» : طولها ست وخمسون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وأربعون دقيقة. وقال في «تقويم البلدان» : القياس أن طولها ست وخمسون درجة وست وعشرون دقيقة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وثلاث وعشرون دقيقة.
وهي مدينة إسلامية بناها سليمان بن عبد الملك في خلافة أبيه عبد الملك.
قال في «الروض المعطار» : وسميت الرّملة لغلبة الرمل عليها. وقال في «مسالك الأبصار» : سميت بامرأة اسمها رملة، وجدها سليمان بن عبد الملك هناك في بيت شعر حين نزل مكانها يرتاد بناءها، فأكرمته وأحسنت نزله، فسألها عن اسمها فقالت رملة، فبنى البلد وسماها باسمها. قال في «العزيزي» «١» :
وهي قصبة فلسطين، وهي في سهل من الأرض، وبينها وبين القدس مسيرة يوم.
قال في «الروض المعطار» : وبينها وبين نابلس يوم، وبينها وبين قيساريّة مرحلة، وكان عبد الملك قد أجرى إليها قناة ضعيفة للشرب منها، وأكثر شربهم الآن من الآبار ومن صهاريج يجتمع فيها ماء المطر، وهي مقرّة الكاشف بتلك الناحية.
وميناها مدينة يافا- بفتح المثناة من تحت وألف وفاء ثم ألف في الآخر- وهي مدينة صغيرة بالساحل، وهي في الغرب عن الرملة وبينهما ستة أميال.
الثالث- (عمل لدّ) - بضم اللام وتشديد الدال المهملة- وهي بلدة من
стр. 1818
جند فلسطين واقعة في الإقليم الثالث شرقا بشمال عن الرملة، وبينهما ثلاثة فراسخ، ولم يتحرّر لي طولها وعرضها، غير أنها نحو الرّملة في ذلك: لقربها منها أو أطول وأعرض بقليل. وهي مدينة قديمة كانت هي قصبة فلسطين في الزمن الأول إلى أن بنيت الرّملة فتحوّل الناس إليها وتركوا لدّا، وقد ثبت في الصحيح أن المسيح ﵇ يقتل الدّجّال ببابها.
الرابع- (عمل قاقون) - بفتح القاف وبعدها ألف ثم قاف ثانية مضمومة- وهي مدينة لطيفة غير مسوّرة، بها جامع وحمّام وقلعة لطيفة، وشربها من ماء الآبار، ولم يتحرّر لي طولها وعرضها، إلا أن بينها وبين لدّ مسيرة يوم فلتعتبر بها بالتقريب.
الجهة الثانية الجبليّة، وبها ثلاثة أعمال
الأول- (عمل القدس) . والقدس بضم القاف والدال لفظ غلب على مدينة بيت المقدس- بفتح الميم وسكون القاف وكسر الدال المهملة- وهو المسجد الأقصى، وأصل التقديس التطهير، والمراد المطهّر من الأدناس. وهي مدينة من جند فلسطين واقعة في الإقليم الثالث. قال في «الأطوال» : طولها ست وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها إحدى وثلاثون درجة وخمسون دقيقة.
قال في «تقويم البلدان» : والقياس أن طولها سبع وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها ثلاثون درجة. وهي مبنية على جبل مستدير، وعرة المسلك؛ وبناؤها بالحجر والكلس؛ وغالب حجرها أسود؛ وشرب أهلها من ماء المطر المجتمع بصهاريج المسجد الأقصى وعين تجري إليها عن بعد، وكذلك عين سلوان وليس ماؤها بالكثير، وكان بها آثار قلعة قديمة خربت فجدّدها الناصر «محمد بن قلاوون» في سنة ستّ عشرة وسبعمائة، وليس بها حصانة، وكانت المدينة كلّها قد غلب عليها الخراب من حين استيلاء الفرنج عليها، ثم تراجع أمرها للعمارة، وصارت في نهاية الحسن، بها المدارس والرّبط والحمّامات
стр. 1819
والأسواق وغيرها. والمسجد الأقصى هو أحد المساجد الثلاثة التي تشدّ إليها الرحال، وهو القبلة الأولى.
قال في «الروض المعطار» : وأول من بنى بيت المقدس وأري موضعه يعقوب ﵇، وقيل داود. والذي ذكره في «تقويم البلدان» أن الذي بناه سليمان بن داود ﵉ وبقي حتّى خرّبه بختنصّر، فبناه بعض ملوك الفرس وبقي حتّى خرّبه طيطوس ملك الروم، ثم بقي ورمّم؛ وبقي حتّى تنصر قسطنطين ملك الروم وأمّه هيلانة وبنت أمّه قمامة على القبر الذي يزعم النصارى أن المسيح ﵇ دفن فيه، وخرّبت البناء الذي كان على الصخرة وجعلتها مطرحا لقمامات البلد عنادا لليهود؛ وبقي الأمر على ذلك حتّى فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁ القدس فدلّ على الصخرة فنظّف مكانها وبنى مسجدا، وبقي حتّى ولي الوليد بن عبد الملك الخلافة فبناه على ما هو عليه الآن، على أن المسجد الأقصى على الحقيقة جميع ما هو داخل السور، وعلى القرب من المسجد الصخرة التي ربط النبيّ ﷺ بها البراق ليلة الإسراء، وهي حجر مرتفع مثل الدكة ارتفاعها من الأرض نحو قامة، وتحتها بيت طوله بسطة في مثلها، ينزل إليها بسلّم وعليها قبة عالية، بناها الوليد بن عبد الملك حين بنى المسجد الأقصى.
قال المهلّبي في كتابه «العزيزي» : ولما بناها الوليد بنى هناك عدّة قباب وسمّى كل واحد منها باسم: وهي قبّة المعراج، وقبة الميزان، وقبّة السّلسلة، وقبة المحشر.
قال في «مسالك الأبصار» : وإلى الصخرة المتقدّمة الذكر قبلة اليهود الآن، وإليها حجّهم. وبه القمامة التي تحجها النصارى من أقطار الأرض، وبيت لحم الذي هو من أجلّ أماكن الزيارة عندهم، وكان به كنيسة للروم يقال إن بها قبر حنّة أمّ مريم بنت عمران ﵍ ثم صارت في الإسلام دار علم. فلما ملك الفرنج القدس في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة أعادوها كنيسة، فلما فتح السلطان
стр. 1820
صلاح الدين القدس بنى بها مدرسة. وكان اسمها في الزمن الأول إيليا. والأرض المقدّسة مشتملة على بيت المقدس وما حوله، إلى نهر الأردنّ المسمّى بالشريعة، إلى مدينة الرّملة طولا، ومن البحر الشاميّ إلى مدائن لوط ﵇، وغالبها جبال وأودية إلا ما هو في جنباتها.
الثاني- (عمل بلد الخليل ﵇ . واسمها بيت حبرون بإضافة بيت واحد البيوت إلى حبرون (بحاء مفتوحة وباء موحدة ساكنة وراء مهملة مضمومة بعدها واو ساكنة ونون) كذا ضبطه في «تقويم البلدان» . وفي كلام صاحب «الروض المعطار» ما يدل على إبدال «١» الحاء بجيم والباء الموحدة بمثناة تحت، فإنه ذكرها في حرف الجيم في سياقة الكلام على تسمية دمشق جيرون. وهي بلدة من جند فلسطين في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة، طولها في بعض الأزياج ست وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وبها قبر «٢» إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈ ونسائهم، وهي إحدى القرى التي أقطعها «٣» النبيّ ﷺ لتميم الداريّ كما سيأتي ذكره في الكلام على المناشير إن شاء الله تعالى.
الثالث- (عمل نابلس) - بفتح النون وألف وضم الباء الموحدة واللام
стр. 1821
وسين مهملة في آخرها- مدينة من جند الأردنّ من الإقليم الثالث. قال في «كتاب الأطوال» : طولها سبع وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها ثلاثون درجة.
وقال في «تقويم البلدان» : القياس أن طولها ست وخمسون درجة وأربع وعشرون دقيقة، وعرضها على ما تقدّم. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مدينة يحتاج إليها ولا تحتاج إلى غيرها. قال ابن حوقل: وليس بفلسطين بلدة فيها ماء جار سواها، وباقي ذلك شرب أهله من المطر وزرعهم عليه، وبها البئر التي حفرها يعقوب ﵇؛ وهي مدينة السامرة، وكانت السامرة في الزمن المتقدّم لا توجد إلا بها؛ وبها الجبل الذي يحج إليه السامرة، وسيأتي الكلام على الموجب لتعظيمه عندهم عند الكلام على تحليفهم في باب الأيمان إن شاء الله تعالى.
الصفقة الثانية القبلية
سميت بذلك لأنها قبليّ دمشق. قال في «مسالك الأبصار» : وتشتمل على بلاد حوران والغور وما مع ذلك. قال في «التعريف» : وحدّها من القبلة جبال الغور القبلية المجاورة لمرج بني عامر، ومن الشرق البرّيّة؛ ومن الشّمال حدود ولاية برّ دمشق القبليّ؛ ومن الغرب الأغوار إلى بلاد الشّقيف «١» . قال: والأغوار كلّها داخلة في هذه الصفقة خلا ما يختص بالكرك.
وتشتمل هذه الصفقة على عشرة أعمال:
الأول- (عمل بيسان) - بفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة تحت وفتح السين المهملة وألف ونون- مدينة من جند الأردنّ من الإقليم الثالث. قال في «الأطوال» : طولها ثمان وخمسون درجة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وخمسون دقيقة. وقال في «تقويم البلدان» : القياس أن طولها سبع وخمسون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها اثنتان وثلاثون درجة وسبع وعشرون دقيقة. وهي
стр. 1822
مدينة صغيرة بلا سور، ذات بساتين وأشجار وأنهار وأعين، كثيرة الخصب واسعة الرزق، ولها عين تشقّ المدينة، وهي على الجانب الغربيّ من الغور.
قال في «التعريف» : وهي مدينة الغور، وبها مقرّ الولاية. قال في «مسالك الأبصار» : ولها قليعة من بناء الفرنج. قال في «الروض المعطار» :
ويقال إن طالوت قتل جالوت هنالك.
الثاني- (عمل بانياس) - بباء موحدة وألف ونون وياء مثناة تحت وألف ثم سين مهملة- مدينة من جند دمشق واقعة في الإقليم الثالث. قال في «تقويم البلدان» : طولها ثمان وخمسون درجة، وعرضها ثلاث وثلاثون درجة. قال:
وهي على مرحلة ونصف من دمشق من جهة الغرب بميلة إلى الجنوب. قال في «العزيزي» : وهي في لحف جبل الثلج، وهو مطلّ عليها والثلج على رأسه كالعمامة لا يعدم منه شتاء ولا صيفا. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مدينة الجولان، وبها قلعة الصّبيبة (بضم الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء المثناة تحت وفتح الباء الموحدة وهاء في الآخر) . قال في «التعريف» :
وهي من أجلّ القلاع وأمنعها.
الثالث- (عمل الشّعرا) - بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة وفتح الراء المهملة وبعدها ألف- وهي عن بانياس المتقدّمة الذكر شرق بجنوب، وطوله ما بين بانياس إلى جبل الثلج. قال في «التعريف» : والولاية بها تكون تارة بقرية حان (بالحاء المهملة) وتارة بقرية القنيطرة تصغير قنطرة، ولم يتحرّر لي طولهما وعرضهما فلتعتبرا بما قاربهما من الأعمال.
الرابع- (عمل نوى) «١» - بفتح النون والواو وألف في الآخر- وهي بلدة صغيرة، عن دمشق في جهة الغرب إلى الجنوب على نحو مرحلة، وهي مدينة قديمة من أعمال دمشق، بها قبر أيوب النبيّ ﵇، وإليها ينسب الشيخ
стр. 1823
محيي الدين النوويّ «١» الشافعيّ ﵀، ولم يتحرّر لي طولها وعرضها فلتعتبر بما قاربها أيضا، وهي عن يمين الشّعرا المتقدّم ذكرها شرق بجنوب أيضا.
الخامس- (عمل أذرعات) - بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح «٢» الراء والعين المهملتين وألف ثم تاء مثناة من فوق في الآخر- قال في «الروض المعطار» : ويجوز فيها الصرف وعدمه. قال: والتاء في الحالين مكسورة. وقال الخليل بن أحمد: من كسر الألف لم يصرف «٣» ؛ وهذا صريح في حكاية كسر الألف في أوّلها. ويقال لها يذرعات بياء مثناة تحت بدل الألف- وهي مدينة من أعمال دمشق من الإقليم الثالث. قال في «كتاب الأطوال» : طولها ستون درجة، وعرضها إحدى وثلاثون درجة وخمس وأربعون دقيقة- وهي مدينة البثنيّة، وبينها وبين الصّنمين ثمانية عشر ميلا. قال في «التعريف» : وبها ولاية الحاكم على مجموع الصّفقة، وقد كان قديما بغيرها.
السادس- (عمل عجلون) - بفتح العين وسكون الجيم وضم اللام وسكون الواو ونون في آخره- قلعة من جند الأردنّ في الإقليم الثالث، طولها ثمان وخمسون درجة وعشر دقائق، وعرضها ثلاثون درجة وعشر دقائق. مبنية على جبل يعرف بجبل عوف المتقدّم ذكره في جبال الشام المشهورة تشرف على الغور. وهي محدثة البناء بناها عزّ الدين أسامة بن منقذ: أحد أكابر أمراء السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة ثمانين وخمسمائة. قال في «مسالك الأبصار» : وكان مكانها [ديربه] راهب اسمه عجلون فسميت به. قال في «التعريف» : وهو حصن جليل على صغره، وله حصانة ومنعة منيعة. ومدينة هذه القلعة الباعونة (بفتح الباء الموحدة وألف بعدها ثم عين مضمومة وواو ساكنة ونون مفتوحة وفي آخرها هاء) وهي على شوط فرس من عجلون. قال في «المسالك» : وكان مكانها دير أيضا به راهب اسمه باعونة فسميت المدينة به، وهما شرقيّ بيسان
стр. 1824
المتقدّم ذكرها.
السابع- (عمل البلقاء) . قال في «الروض المعطار» : سميت بالبلقاء ابن سورية من بني عمّان «١» بن لوط، وهو الذي بناها. قال في «تقويم البلدان» :
وهي إحدى كور الشّراة؛ وهي عن أريحا في جهة الشرق على مرحلة، ومدينة هذا العمل حسبان (بضم الحاء وإسكان السين المهملتين وفتح الباء وبعدها ألف ونون) وهي بلدة صغيرة ولها واد وأشجار وأرحية وبساتين وزروع.
قال في «مسالك الأبصار» : ومن هذا العمل (الصّلت) - وهي بألف ولام لازمين في أوله وفتح الصاد المهملة المشدّدة وسكون اللام وبعدها تاء مثناة- بلدة لطيفة من جند الأردنّ في جبل الغور الشرقيّ في جنوب عجلون على مرحلة منها، وبها قلعة بناها المعظم عيسى بن العادل أبي بكر بن أيوب، وتحت القلعة عين واسعة يجري ماؤها حتّى يدخل البلد، وهي بلدة عامرة آهلة ذات بساتين وفواكه. قلت: وكلامه في «التعريف» قد يخالف كلامه في «مسالك الأبصار» في جعل الصّلت من عمل حسبان، فإنه قال: وأولها من جهة القبلة البلقاء ومدينتها حسبان، ثم الصّلت، ثم عجلون؛ وعجلون عمل مستقلّ كما تقدّم، ومقتضاه أن يكون الصّلت أيضا عملا مستقلّا. وكذا رأيته في «التذكرة الآمدية» نقلا عن شهاب الدين بن الفارقيّ أحد كتّاب الإنشاء بدمشق في الدولة الناصرية ابن قلاوون؛ وأخبرني بعض كتّاب الإنشاء أن المستقرّ الصّلت فقط والبلقاء مضافة إليها، وعليه يدل كلام القاضي تقيّ الدين بن ناظر الجيش في «التثقيف» «٢» فإنه قال: وممن كتب إليه من الولاة بالممالك الشامية في قديم الزمان- ولعله في الأيام الشهيدية- والي الصّلت والبلقاء فيما نقل عن خط المرحوم نصر الدين بن النشائي كاتب الدست الشريف.
стр. 1825
الثامن- (عمل صرخد) - بفتح الصاد وإسكان الراء المهملتين وفتح الخاء المعجمة ودال مهملة في آخره- بلدة صغيرة ذات بساتين وكروم وليس بها ماء سوى ما يجتمع من ماء المطر في الصهاريج والبرك. قال ابن سعيد: وليس وراء عملها من جهة الجنوب وإلى الشرق إلا البرّيّة، ومنها تسلك طريق تعرف بالرصيف إلى العراق يصل المسافرون منها إلى بغداد في نحو عشرة أيام. قال في «التعريف» : وبها قلعة وكان بها ملك من المماليك المعظمية. قال في «مسالك الأبصار» : وهي محدثة البناء بدئت قبل نور الدين الشهيد بقليل، ولما وصلت عساكر هولاكو ملك التتار إلى الشأم هدموا شرفاتها وبعض جدرانها فجدّدها الظاهر بيبرس، وهي على ذلك إلى الآن.
التاسع- (عمل بصرى) - بضم الباء الموحدة وسكون الصاد المهملة وألف في الآخر- هكذا هو مقيد بالشكل في كتب اللغة والحديث والمسالك والممالك وجار على الألسنة، ووقع في «تقويم البلدان» ضبطه بفتح «١» أوله فلا أدري أهو سبق قلم أو غلط من النسخة أو أخذه من كلام غيره، وهي مدينة بحوران من أعمال دمشق واقعة في الإقليم الثالث. قال في «كتاب الأطوال» و «القانون» : طولها تسع وخمسون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها إحدى وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. قال في «مسالك الأبصار» : وهي مدينة حوران السفلى، بل حوران كلها «٢» ، بل الصفقة جميعها؛ وكلامه في «التعريف» يوافقه، وهي مدينة أزليّة مبنية بالحجارة السود، ولها قلعة ذات بناء متين شبيه ببناء قلعة دمشق. قال في «التعريف» : وكانت دار ملك لبني أيوب، وقد ثبت في الصحيح من حديث الخندق أنه ﷺ قال «ثم ضربت الضربة الثالثة فلاحت لي منها قصور بصرى كأنها أنياب الكلاب» وهي التي وجد النبي ﷺ بها بحيرا الراهب وآمن به حين قدم تاجرا لخديجة بنت خويلد قبل البعثة، وقبر بحيرا هناك
следующие страницы →