Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
الدين أبو حفص عمر بن عبد الله بن صالح السبكيّ قضاء المالكية، والقاضي بدر الدين بن سلمان قضاء الحنفية، والقاضي شمس الدين محمد ابن الشيخ عماد الدين إبراهيم القدسيّ قضاء الحنابلة، وجعل لهم الأربعة أن يولّوا النوّاب بأعمال الديار المصرية، وأفرد القاضي تاج الدين بالنظر في مال الأيتام والأوقاف، وكتب له بذلك تقليد من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر أوله «الحمد لله مجرّد سيف الحق على من اعتدى» . ثم كل من الأربعة له التحدّث فيما يقتضيه مذهبه بالقاهرة والفسطاط، ونصب النوّاب، وإجلاس الشهود، ويستقلّ الشافعيّ منهم بتولية النوّاب بنواحي الوجهين القبليّ والبحريّ لا يشاركه فيه غيره.
الوظيفة الثانية- قضاء العسكر. وهي وظيفة جليلة قديمة كانت في زمن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان قاضي عسكره بهاء الدين بن «١» وموضوعها أن صاحبها يحضر بدار العدل مع القضاة المتقدّم ذكرهم، ويسافر مع السلطان إذا سافر؛ وهم ثلاثة نفر: شافعيّ، وحنفيّ، ومالكيّ، وليس للحنابلة منهم حظ، وجلوسهم في دار العدل دون القضاة الأربعة المتقدّمي الذكر على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
الوظيفة الثالثة- إفتاء دار العدل. وموضوعها على نحو ما تقدّم في قضاء العسكر، وبها أربعة نفر، من كل مذهب واحد، وجلوسهم دون قضاة العسكر على ما يأتي ذكره.
الوظيفة الرابعة- وكالة بيت المال. وهي وظيفة عظيمة الشأن رفيعة القدر، وموضوعها التحدّث فيما يتعلق بمبيعات بيت المال ومشترياته من أراض وآدر وغير ذلك، والمعاقدة على ذلك وما يجري هذا المجرى. قال في «مسالك
стр. 1752
الأبصار» : ولا يليها إلا أهل العلم والديانة، ومجلسه بدار العدل: تارة يكون دون المحتسب، وتارة فوقه بحسب رفعة قدر كل منهما في نفسه.
الوظيفة الخامسة- الحسبة. وهي وظيفة جليلة رفيعة الشأن، وموضوعها التحدّث في الأمر والنهي، والتحدّث على المعايش والصنائع، والأخذ على يد الخارج عن طريق الصلاح في معيشته وصناعته. وبالحضرة السلطانية محتسبان:
أحدهما بالقاهرة، وهو أعظمهما قدرا وأرفعهما شأنا؛ وله التصرف بالحكم والتولية بالوجه البحري بكماله خلا الإسكندريّة، فإن لها محتسبا يخصها، والثاني بالفسطاط ومرتبته منحطة عن الأول؛ وله التحدّث والتولية بالوجه القبليّ بكماله، والذي يجلس منهما بدار العدل في أيام المواكب محتسب القاهرة فقط دون محتسب مصر؛ ومحلّ جلوسه دون وكيل بيت المال، وربما جلس أعلى منه إذا كان أرفع منه بعلم أو نحوه.
الصنف الثاني من أرباب الوظائف الدينية من لا مجلس له بالحضرة السلطانية
وهذه الوظائف لا حصر لعددها على التفصيل، ولا سبيل إلى استيفاء ذكرها على تفاوت المراتب فوجب الاقتصار على ذكر المهمّ منها.
ثم هذه الوظائف منها ما هو مختصّ بشخص واحد، ومنها ما هو عامّ في أشخاص.
فأما التي هي مختصة بشخص واحد.
فمنها (نقابة الأشراف) وهي وظيفة شريفة، ومرتبة نفيسة؛ موضوعها التحدّث على ولد عليّ بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه من فاطمة بنت رسول الله ﷺ وهم المراد بالأشراف، في الفحص عن أنسابهم والتحدّث في أقاربهم والأخذ على يد المتعدّي منهم ونحو ذلك، وكان يعبّر عنها في زمن الخلفاء المتقدّمين بنقابة الطالبيّين.
стр. 1753
ومنها (مشيخة الشيوخ) والمراد بها مشيخة الخانقاه «١» التي أنشأها الملك الناصر محمد بن قلاوون بسرياقوس من ضواحي القاهرة.
أما مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقاهرة المعروفة بسعيد السعداء، فإنها وإن قدم زمنها وعظم قدرها دون تلك في المشيخة.
ومنها (نظر الأحباس المبرورة) وهي وظيفة عالية المقدار، وموضوعها أن صاحبها يتحدّث في رزق الجوامع والمساجد والرّبط والزوايا والمدارس من الأرضين المفردة لذلك من نواحي الديار المصرية خاصة، وما هو من ذلك على سبيل البرّ والصدقة لأناس معيّنين، وأصل هذه الوظيفة أن اللّيث بن سعد «٢» ﵀ اشترى أراضي من بيت المال في نواح من البلدان وحبّسها على وجوه البرّ، وهي المسماة بديوان الأحباس بوجوه العين، ثم أضيف إلى ذلك الرّباع والدور المعروفة بالفسطاط وغيره، ثم أضيف إليها رزق الخطابات «٣» ، ثم كثرت الرّزق من الأرضين في الدولة الظاهرية بيبرس بواسطة الصاحب بهاء الدين بن حنا وأخذت في الزيادة إلى زماننا؛ وهي تارة يتحدّث فيها السلطان بنفسه، وتارة النائب، وفي غالب الوقت يتحدّث فيها الدّوادار الكبير على ما استقرّ عليه الحال آخرا.
ومنها (نظر البيمارستان) والمراد البيمارستان المنصوريّ الذي أنشأه المنصور قلاوون بين القصرين، وكان دارا لستّ الملك أخت الحاكم الفاطميّ فغيّر معالمه وزاد فيه، وليس له نظير في الدنيا في برّه ومعروفه؛ وهي من أجلّ
стр. 1754
الوظائف وأعلاها؛ وعادة النظر فيه من أصحاب السيوف لأكبر الأمراء بالديار المصرية.
وأما التي هي عامّة في أشخاص.
فمنها (الخطابة) وهي في الحقيقة أجلّ الوظائف وأعلاها رتبة، إذ كان النبي ﷺ يفعلها بنفسه، ثم فعلها الخلفاء الراشدون فمن بعدهم، وهي على كثرة الجوامع بالديار المصرية بحيث إنها لا تحصى كثرة- لا يتعلق منها بولاية السلطان إلا القليل النادر: كجامع القلعة إلا إذا كان مفردا عن القضاء ونحو ذلك مما لا ناظر له خاصّ.
ومنها (التداريس) «١» وهي على اختلاف أنواعها من الفقه والحديث والتفسير والنحو واللغة وغير ذلك لا يولّي السلطان فيها إلا فيما يعظم خطره ويرتفع شأنه مما لا ناظر له خاصّ كالمدرسة الصلاحية «٢» بجوار تربة الإمام الشافعي ﵁، والزاوية الصلاحية «٣» بالجامع العتيق بالفسطاط، وهي المعروفة بالخشابية، والمدرسة المنصورية «٤» بالبيمارستان المنصوريّ المتقدّم ذكره بين القصرين؛ ودرس الجامع الطولوني «٥» ونحو ذلك.
стр. 1755
المقصد الرابع في زيّ أعيان المملكة من أرباب المناصب السلطانية بالديار المصرية في لبسهم وركوبهم، وهم أربع طوائف
الطائفة الأولى أرباب السّيوف، وزيّهم راجع إلى أمرين
الأمر الأول (لبسهم) . ويختلف الحال فيه باعتبار مواضع اللّبس من البدن.
فأما ما به تغطية رؤوسهم، فقد تقدّم أنهم كانوا في الدولة الأيوبية يلبسون كلّوتات صفر بغير عمائم، وكانت لهم ذوائب شعر يرسلونها خلفهم. فلما كانت الدولة الأشرفية «خليل بن قلاوون» ﵀، غير لونها من الصّفرة إلى الحمرة وأمر بالعمائم من فوقها، وبقيت كذلك حتّى حجّ الملك الناصر «محمد بن قلاوون» ﵀ في أواخر دولته فحلق رأسه فحلق الجميع رؤوسهم، واستمرّوا على الحلق إلى الآن، وكانت عمامتهم صغيرة فزيد في قدرها في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» فحسنت هيئتها وجادت، وهي على ذلك إلى زماننا.
وأما ثياب أبدانهم فيلبسون الأقبية التتريّة والتكلاوات فوقها ثم القباء الإسلاميّ فوق ذلك، يشدّ عليه السيف من جهة اليسار والصولق «١» والكزلك من جهة اليمين.
قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في «تاريخه» : وأول من أمر بذلك غازي بن زنكي أخو العادل نور الدين الشهيد حين ملك الموصل بعد أبيه، ثم
стр. 1756
الأمراء والمقدّمون وأعيان الجند تلبس فوقه أقبية قصيرة الأكمام أقصر من القباء التحتانيّ بلا تفاوت كبير في قصر الكمّ وطوله، مع سعة الكم القصير وضيق الأكمام الطويلة.
ثم إن كان زمن الصيف كان جميع القماش من الفوقانيّ وغيره أبيض من النصافي ونحوه، وتشدّ فوق القباء الإسلاميّ المنطقة، وهي الحياصة «١» ، ومعظم مناطقهم من الفضة المطلية بالذهب، وربما جعلت من الذهب، وقد ترصّع باليشم «٢» . قال في «مسالك الأبصار» : ولا ترصّع بالجواهر إلا في خلع السلطان لأكابر أمراء المئين.
وإن كان زمن الشتاء كانت فوقانياتهم ملوّنة من الصوف النفيس والحرير الفائق، تحتها فراء السّنجاب الغض. ويلبس أكابر الأمراء السّمّور، والوشق «٣» ، والقاقم «٤» والفنك «٥» ، ويجعل في المنطقة منديلا لطيفا مسدلا على الصولق، ومعظمهم يلبس المطرّز على الكمّين من الزركش أو الحرير الأسود المرقوم. قال في «مسالك» : ولا يلبس المطرّز إلا من له إقطاع في الحلقة، أما من هو بعد بالجامكية «٦» ، فلا يتعاطى ذلك.
стр. 1757
وأما ما يجعل في أرجلهم، فإن كان في الصيف لبسوا الخفاف البيض العلوية، وإن كان في الشتاء لبسوا الخفاف الصفر من الأديم الطائفيّ، ويشدّون المهاميز المسقّطة بالفضة في القدم على الخف. قال في «مسالك الأبصار» : ولا يكفّت «١» مهمازه بالذهب إلا من له إقطاع في الحلقة على ما تقدّم في لبس المطرّز.
الأمر الثاني (ركوبهم) . أما ما يركبون، فالخيل المسوّمة النفيسة الأثمان خصوصا الأمراء ومن يلحق بشأوهم، ولا يركبون البغال بحال بل تركبها غلمانهم خلفهم بالقماش النفيس والهيئة الحسنة والقوالب المحلّاة بالفضة، وربما غشّي جميعها بالفضة بل ربما غشّي جميعها بالذهب للسلطان وأعيان الأمراء، ومعها العبي السابلة الملوّنة من الصوف الفائق، وربما جعلت من الحرير لأعيانهم، وقد يتخذ بدلها الكنابيش بالحواشي المخايش «٢» ، وربما كانت زركشا للسلطان والأمراء، وتحلّى لجمهم وتسقّط بالفضة بحسب اختيار صاحبها، ويجعل الدّبّوس في حلقة متصلة بالسرج تحت ركبته اليمنى. قال صاحب حماة: وأول من أمرهم بذلك غازي بن زنكي حين أمرهم بشدّ السيوف في أوساطهم على ما تقدّم ذكره.
قال في «مسالك الأبصار» : وعلى الجملة فزيّهم ظريف وعددهم فائقة نفيسة.
الطائفة الثانية أرباب الوظائف الدينية من القضاة وسائر العلماء، وزيّهم راجع أيضا إلى أمرين
الأمر الأول (ملبوسهم) ويختلف ذلك باختلاف مراتبهم، فالقضاة والعلماء منهم يلبسون العمائم من الشاشات الكبار للغاية، ثم منهم من يرسل بين
стр. 1758
كتفيه ذؤابة تلحق قربوس «١» سرجه إذا ركب، ومنهم من يجعل عوض الذّؤابة الطيلسان الفائق، ويلبس فوق ثيابه دلقا «٢» متسع الأكمام طويلها مفتوحا فوق كتفيه بغير تفريج، سابلا على قدميه. ويتميز قضاة القضاة الشافعيّ والحنفيّ بلبس طرحة تستر عمامته وتنسدل على ظهره، وكان قبل ذلك مختصّا بالشافعيّ؛ ومن دون هذه منهم تكون عمامته ألطف، ويلبس بدل الدلق فرجيّة مفرجة من قدّامه من أعلاها إلى أسفلها مزرّرة بالأزرار، وليس فيهم من يلبس الحرير، ولا ما غلب فيه الحرير؛ وإن كان شتاء كان الفوقاني من ملبوسهم من الصوف الأبيض المطليّ، ولا يلبسون الملوّن إلا في بيوتهم، وربما لبسه بعضهم من الصوف في الطرقات، ويلبسون الخفاف من الأديم الطائفيّ بغير مهاميز.
الأمر الثاني (مركوبهم) . أما أعيان هذه الطائفة من القضاة ونحوهم فيركبون البغال النفيسة المساوية في الأثمان لمسوّمات الخيول، بلجم ثقال وسروج مدهونة غير محلّاة بشيء من الفضة، ويجعلون حول السرج قرقشينا من جوخ. قال في «مسالك الأبصار» : وهو شبيه بثوب السرج مختصر منه، ويجعلون بدل العبي الكنابيش من الصوف المرقوم محاذية لكفل البغلة، ويمتاز قضاة القضاة بأن يجعل بدل ذلك الزناريّ من الجوخ، وهو شبيه بالعباءة مستدير من وراء الكفل ولا يعلوه بردعة ولا قوش، وربما ركبوا بالكنابيش «٣» . وأما من دون هؤلاء من هذه الطائفة فربما ركبوا الخيول بالكنابيش والعبي.
الطائفة الثالثة مشايخ الصوفية
وهم مضاهون لطائفة العلماء في لبس الدلق إلا أنه يكون غير سابل، ولا
стр. 1759
طويل الكمّ؛ ويرخون ذؤابة لطيفة على الأذن اليسرى لا تكاد تلحق الكتف، ويركبون البغال بالكنابيش على نحو ما تقدّم.
الطائفة الرابعة أرباب الوظائف الديوانية
أما أعيانهم كالوزراء ومن ضاهاهم، فيلبسون الفراجي المضاهية لفراجي العلماء المتقدّمة الذكر، وربما لبسوا الجباب المفرجة من ورائها. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» : أن أكابرهم كانوا يجعلون في أكمامهم بادهنجات «١» مفتوحة، وقد صار ذلك الآن قاصرا على ما يلبسونه من التشاريف. ومن دون هؤلاء يلبسون الفرجيات المفرجة من ورائها على ما تقدّم.
وأما ركوبهم فيضاهي ركوب الجند أو يقاربه. قال في «مسالك الأبصار» :
وتجمّل هذه الطائفة بمصر أكمل مما هم بالشام في زيّهم وملبوسهم،، إلا ما يحكى عن قبط مصر في بيوتهم من اتساع الأحوال والنفقات، حتّى إن الواحد منهم يكون في ديوانه بأدنى اللباس ويأكل أدنى المآكل، ويركب الحمار، حتّى إذا صار في بيته انتقل من حال إلى حال وخرج من عدم إلى وجود، قال: ولقد تبالغ الناس فيما تحكي من ذلك عنهم.
المقصد الخامس في هيئة السلطان في ترتيب الملك، وله ثلاث «٢» هيئات
الهيئة الأولى هيئته في جلوسه بدار العدل لخلاص المظالم
عادة هذا السلطان إذا كان بالقلعة في غير شهر رمضان أن يجلس بكرة يوم
стр. 1760
الاثنين بإيوانه الكبير المسمّى بدار العدل المتقدّم ذكره مع ذكر القلعة في الكلام على حاضرة الديار المصرية؛ ويكون جلوسه على الكرسيّ الذي هو موضوع تحت سرير الملك. قال في «مسالك الأبصار» : ويجلس على يمينه قضاة القضاة من المذاهب الأربعة، ثم وكيل بيت المال، ثم الناظر في الحسبة.
ويجلس على يساره كاتب السّر، وقدّامه ناظر الجيش وجماعة الموقّعين تكملة حلقة دائرة. قال: وإن كان الوزير من أرباب الأقلام، كان بينه وبين كاتب السر، وإن كان من أرباب السيوف، كان واقفا على بعد مع بقية أرباب الوظائف. وكذلك إن كان ثمّ نائب وقف مع أرباب الوظائف. ويقف من وراء السلطان مماليك صغار عن يمينه ويساره من السلاح دارية والجمدارية والخاصكية؛ ويجلس على بعد بقدر خمسة عشر ذراعا عن يمنته ويسرته ذو والسنّ من أكابر أمراء المئين، وهم أمراء المشورة؛ ويليهم من أسفل منهم أكابر الأمراء، وأرباب الوظائف وقوف، وباقي الأمراء وقوف من وراء المشورة؛ ويقف خلف هذه الحلقة المحيطة بالسلطان الحجّاب والدّوادارية لإحضار قصص أرباب الضرورات وإحضار المساكين، وتقرأ عليه القصص فما احتاج فيه إلى مراجعة القضاة راجعهم فيه، وما كان متعلقا بالعسكر تحدّث فيه مع الحاجب وناظر الجيش، ويأمر في البقية بما يراه.
قلت: وقد استقرّ الحال على أن يكون عن يمينه قاضيان من القضاة الأربعة: وهما الشافعيّ والمالكيّ، وعن يساره قاضيان وهما الحنفيّ ثم الحنبليّ؛ ويلي القاضي المالكيّ من الجانب الأيمن قضاة العسكر الثلاثة المتقدّم ذكرهم الشافعيّ ثم الحنفيّ ثم المالكي؛ ويليهم مفتو دار العدل على هذا الترتيب؛ ويليهم وكيل بيت المال ثم الناظر في الحسبة بالقاهرة، وربما جلس المحتسب فوق وكيل بيت المال إذا علا قدره عليه بعلم أو رياسة. وكل هؤلاء صفّ واحد عن يمين السلطان مستدبرين جدار صدر الإيوان مستقبلين بابه، والقاضيان الحنفيّ والحنبليّ كذلك من الجانب الأيسر، والوزير إن كان من أرباب الأقلام إلى جانب الكرسيّ من الجانب الأيسر بانحراف، وكاتب السرّ يليه، وتستدير
стр. 1761
الحلقة حتّى يصير الجالس بها مستدبرا باب الإيوان على ما تقدّمت الإشارة إليه في كلام «مسالك الأبصار» .
الهيئة الثانية هيئته في بقيّة الأيام
عادته فيما عدا الاثنين والخميس من الأيام أن يخرج من قصوره الجوّانية المتقدّم ذكرها إلى قصره الكبير المشرف على إصطبلاته، ثم تارة يجلس على تخت الملك الذي بصدره، وتارة يجلس على الأرض، ويقف الأمراء حوله على ما تقدّم في الجلوس في الإيوان، خلا أمراء المشورة والغرباء منه فليس لهم عادة بحضور هذا المجلس إلا من دعت الحاجة إلى حضوره، ثم يقوم في الثالثة من النهار فيدخل إلى قصوره الجوّانية لمصالح ملكه، ويعبر عليه خاصته من أرباب الوظائف كالوزير، وكاتب السر، وناظر الخاص، وناظر الجيش في الأشغال المتعلقة به على ما تدعو الحاجة إليه.
الهيئة الثالثة هيئته في صلاة الجمعة والعيدين
أما صلاة الجمعة فإن عادته أن يخرج إلى الجامع المجاور لقصره المتقدّم ذكره من القصر، ومعه خاصة أمرائه، فيدخل من أقرب أبواب الجامع للقصر، ويصلّي في مقصورة في الجامع عن يمين المحراب خاصة، ويصلّي عنده فيها أكابر خاصته، ويجيء بقية الأمراء: خاصّتهم وعامّتهم فيصلون خارج المقصورة عن يمينها ويسارها على مراتبهم، فإذا فرغ من الصلاة دخل إلى دور حريمه وذهب الأمراء كلّ أحد إلى مكانه.
وأما صلاة العيدين، فعادته أن يركب من باب قصره وينزل من منفذة من الإصطبل إلى الميدان الملاصق له، وقد ضرب له فيه دهليز على أكمل ما يكون من الهيئة، ويحضر خطيب جامع القلعة إلى الميدان فيصلي به العيد ويخطب؛ فإذا فرغ من سماع الخطبة ركب وخرج من باب الميدان والأمراء والمماليك
стр. 1762
يمشون حوله، وعلى رأسه العصائب السلطانية، والغاشية محمولة أمامه، والچتر وهو المظلة محمول على رأسه مع أحد أكابر الأمراء المقدّمين وهو راكب فرسا إلى جانبه، والأوشاقيّان الجفتة المتقدّم ذكرهما راكبان أمامه، وخلفه الجنائب، وعلى رأسه «١» العصائب السّلطانية، وأرباب الوظائف من السلاح دارية كلّهم خلفه، والطّبردارية أمامه مشاة بأيديهم الأطبار، ويطلع من باب الإصطبل ويطلع إلى الإيوان الكبير المقدّم ذكره، ويمدّ السماط ويخلع على حامل الچتر، وأمير سلاح، والأستادار، والجاشنكير، وجماعة من أرباب الوظائف ممن لهم خدمة في مهمّ العيد كنوّاب أستادار، وصغار الجاشنكيرية «٢» ، وناظر البيوت ونحوهم.
الهيئة الرابعة هيئته للعب الكرة بالميدان الأكبر
عادته أن يركب لذلك بعد وفاء النيل ثلاثة مواكب متوالية في كل سبت ينزل من قصره أوّل النهار من باب الإصطبل، وهو راكب على الهيئة المذكورة في العيد ما عدا الچتر فإنه لا يحمل على رأسه، وتحمل الغاشية «٣» أمامه في أوّل الطريق وآخره، ويصير إلى الميدان فينزل في قصوره، وينزل الأمراء منازلهم على قدر طبقاتهم، ثم يركب للعب الكرة بعد صلاة الظهر والأمراء معه، ثم ينزل فيستريح، ويستمرّ الأمراء في لعب الكرة إلى أذان العصر، فيصلي العصر ويركب على الهيئة التي كان عليها في أوّل النهار ويطلع إلى قصره.
الهيئة الخامسة هيئته في الركوب لكسر الخليج عند وفاء النيل
واعلم أن السلطان قد يركب لكسر الخليج، ولم تجر العادة بركوبه فيه بمظلة ولا رقبة فرس، ولا غاشپة، ولا ما في معنى ذلك مما تقدّم ذكره في ركوب
стр. 1763
الميدان والعيدين، بل يقتصر على السناجق، والطّبردارية، والجاويشية «١» ونحو ذلك؛ ويركب من القلعة عند طلوع صاحب المقياس بالوفاء في أيّ وقت كان، ويتوجه إلى المقياس فيدخله من بابه ويمدّ هناك سماطا يأكل منه من معه من الأمراء والمماليك، ثم يذاب زعفران في إناء ويتناوله صاحب المقياس ويسبح في فسقيّة «٢» المقياس حتّى يأتي العمود والإناء الزعفران بيده فيخلّق «٣» العمود، ثم يعود ويخلّق جوانب الفسقية وتكون حرّاقة السلطان قد زيّنت بأنواع الزينة، وكذلك حراريق «٤» الأمراء، وقد فتح شبّاك المقياس المطلّ على النيل من جهة الفسطاط وعلّق عليه ستر، فيؤتى بحرّاقة السلطان إلى ذلك الشباك فينزل منه ويسبح وحراريق الأمراء حوله وقد شحن البحر بمراكب المتفرّجين، ويسيرون خلف الحراريق حتّى يدخل إلى فم الخليج، وحراقة السلطان العظمى المعروفة بالذّهبيّة وحراريق الأمراء يلعب بها في وسط امتدادها، ويرمى بمدافع النّفط على مقدامها، ويسير السلطان في حراقته الصغيرة حتّى يأتي السدّ فيقطع بحضوره، ويركب وينصرف إلى القلعة.
الهيئة السادسة هيئته في أسفاره
ولم تجر العادة فيها بإظهار ما تقدّم من الزينة في موكب العيد والميدان، بل يركب في عدّة كبيرة من الأمراء: الأكابر والأصاغر، والخواصّ، والغرباء،
стр. 1764
وخواصّ مماليكه. ولا يركب في السّير برقبة ولا عصائب، ولا تتبعه جنائب، ويقصد في الغالب تأخير النزول إلى الليل. فإذا دخل الليل حملت أمامه فوانيس كثيرة ومشاعل، فإذا قارب مخيّمه، تلقّي بالشموع المركبة في الشمعدانات المكفّتة، وصاحت الجاويشية بين يديه، وترجل الناس كافة إلا حملة السلاح والأوشاقية وراءه، ومشت الطبردارية حوله حتّى يدخل الدهليز الأوّل من مخيّمه فينزل ويدخل إلى الشقة، وهي خيمة مستديرة متسعة، ثم منها إلى شقة مختصرة، ثم إلى لاجوق «١» . وبدائر كل خيمة من جميع جوانبها من داخلها سور خركاه «٢» من خشب، وفي صدر اللاجوق قصر صغير من خشب ينصب للمبيت فيه، وينصب بإزاء الشقة حمّام بقدور من رصاص وحوض على هيئة الحمامات بالمدن إلا أنه مختصر. فإذا نام طافت به المماليك دائرة وطاف بالجميع الحرس، وتدور الزّفّة حول الدهليز في كل ليلة مرتين: عند نومه وعند استيقاظه من النوم، ويطوف مع الزّفّة أمير من أكابر الأمراء وحوله الفوانيس والمشاعل، ويبيت على باب الدهليز أرباب الوظائف من النقباء وغيرهم. فإذا دخل إلى المدينة، ركب على هيئة ركوبه لصلاة العيد بالمظلة وغيرها، هذا ما يتعلق بخاصته.
أما موكبه الذي يسير فيه جمهور مماليكه، فشعاره أن يكون معهم مقدّم المماليك والأستادار، وأمامهم الخزائن «٣» والجنائب «٤» والهجن، ويكون بصحبته في السفر من كل ما تدعو الحاجة إليه من الأطباء والكحّالين والجرائحية وأنواع
стр. 1765
الأدوية والأشربة والعقاقير وما يجري مجرى ذلك، يصرف ذلك لمن يعرض له مرض بالطريق.
الهيئة السابعة النوم
وقد جرت العادة أنه يبيت عنده خواصّ مماليكه من الأمراء وأرباب الوظائف من الجمدارية وغيرهم، يسهرون بالنّوبة بقسمة بينهم على بناكيم الرمل «١» ، كلما انقضت نوبة قوم أيقظوا أصحاب النوبة الذين يلونهم، ويتعانى كل منهم ما يشاغله عن النوم فقوم يقرأون في المصاحف، وقوم يلعبون بالشّطرنج والأكل «٢» وغير ذلك.
المقصد السادس في عادته في إجراء الأرزاق؛ وهو على ضربين
الضرب الأوّل الجاري المستمرّ؛ وهو على نوعين
النوع الأوّل الإقطاعات
والإقطاعات في هذه المملكة تجري على الأمراء والجند، وعامّة إقطاعاتهم بلاد وأراض يستغلّها مقطعها ويتصرف فيها كيف شاء، وربما كان فيها نقد يتناوله من جهات وهو القليل، وتختلف باختلاف حال أربابها.
فأما الأمراء بالديار المصرية فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أنّ أكابر الأمراء
стр. 1766
يبلغ إقطاع الواحد منهم مائتي ألف دينار جيشية «١» ، وربما زاد على ذلك.
ويتناقص باعتبار انحطاط الرتبة إلى ثمانين ألف دينار وما حولها، ويبلغ إقطاع الواحد من أمراء الطبلخاناه ثلاثين ألف دينار فأكثر، وينقص إلى ثلاثة وعشرين ألف دينار؛ ويبلغ إقطاع الواحد من أمراء العشرات تسعة آلاف دينار إلى ما دون ذلك؛ ويبلغ إقطاع الواحد من مقدّمي الحلقة إلى ألف وخمسمائة دينار، وكذلك أعيان جند الحلقة إلى مائتين وخمسين دينارا.
وأما إقطاعات الشام فلا تقارب هذا المقدار بل تكون بقدر الثلثين في جميع ما تقدم، خلا أكابر المقدّمين بالديار المصرية، فليس بالشام من يبلغ شأوهم إلا نائب الشام فإنه يقاربهم في ذلك. قال في «مسالك الأبصار» : وليس للنوّاب في الممالك مدخل في تأمير أمير عوض أمير بل إذا مات أمير صغير أو كبير طولع به السلطان فأمّر مكانه من أراد ممن في خدمته، ويخرجه إلى مكان الخدمة، وأما من كان في مكان الخدمة أو ينقل إليه من بلد آخر فعلى ما يراه في ذلك.
أما جند الحلقة، فمن مات منهم استخدم النائب عوضه، وكتب بذلك رقعة في ديوان جيش تلك المملكة، ويجهّز مع بريديّ إلى الأبواب السلطانية فيقابل عليها من ديوان الجيش بالحضرة، ثم إن أمضاها السلطان كتب عليها (يكتب) ويكتب بها مربعة «٢» من ديوان الجيش، ويكتب عليها منشور.
ولجميع الأمراء بحضرة السلطان الرواتب الجارية في كل يوم: من اللحم، والتّوابل، والخبز، والعليق، والزيت؛ ولأعيانهم الكسوة والشّمع؛ وكذلك
стр. 1767
المماليك السلطانية وذوو الوظائف من الجند مع تفاوت مقادير ذلك بحسب مراتبهم وخصوصيّتهم عند السلطان وقربهم إليه. قال في «مسالك الأبصار» :
وإذا نشأ لأحد الأمراء ولد، أطلق له دنانير وخبز ولحم وعليق إلى أن يتأهل للإقطاع في جملة الحلقة، ثم منهم من ينقل إلى العشرة أو الطبلخاناه على حسب الحظوظ والأرزاق.
النوع الثاني رزق أرباب الأقلام
وهو مبلغ يصرف إليهم مشاهرة. قال في «مسالك الأبصار» : وأكبرهم كالوزير له في الشهر مائتان وخمسون دينارا جيشية، ومن الرواتب والغلّة ما إذا بسط وثمن كان نظير ذلك، ثم دون ذلك ودون دونه، ولأعيانهم الرواتب الجارية: من اللحم، والخبز، والعليق، والشّمع، والسّكّر، والكسوة ونحو ذلك، إلى غير ذلك مما هو جار على العلماء وأهل الصلاح من الرواتب والأراضي المؤبدة، وما يجري مجراها مما يتوارثه الخلف عن السلف مما لا يوجد بمملكة من الممالك، ولا مصر من الأمصار.
الضرب الثاني الإنعام وما يجري مجراه: مما يقع في وقت دون وقت؛ وهو على خمسة أنواع
النوع الأوّل الخلع والتّشاريف «١»
قال في «المسالك» : ولصاحب مصر في ذلك اليد الطّولى حتّى بقي بابه سوقا ينفق فيه كل مجلوب، ويحضر الناس إليه من كل قطر حتّى كاد ذلك ينهك
стр. 1768
المملكة ويودي بمتحصّلاتها عن آخرها. قال: وغالب هذا مما قرّره هذا السلطان، ولقد أتعب من يجيء بعده من كثرة الإحسان.
وهي على ثلاثة أصناف:
الصنف الأوّل تشاريف أرباب السيوف
وهي على طبقات، أعلاها ما هو مختص بالأمراء المقدّمين من النوّاب وغيرهم فوقانيّ أطلس أحمر بطرز زركش مفرّى بسنجاب، بدائرة سجف من ظاهره مع غشاء قندس، وتحته قباء أطلس أصفر، وكلوتة زركش بكلاليب ذهب، وشاش رفيع موصول به طرفان من حرير أبيض، مرقومان بألقاب السلطان مع نقوش باهرة من الحرير الملوّن، ومنطقة ذهب مركّبة على حاشية حرير تشدّ في وسطه؛ ويختلف حال المنطقة بحسب المراتب. فأعلاها أن يعمل من عمدها [بواكير] «١» وسطا ومحبسين، مرصّعة بالبلخش «٢» والزّمرّد واللّؤلؤ، ثم ما كان ببيكارية واحدة من غير ترصيع، فإن كان التشريف لتقليد ولاية مفخّمة، زيد سيفا محاّى بذهب وفرسا مسرجا ملجما بكنبوش زركش؛ وربما زيد أكابر النوّاب كنائب الشام تركيبة زركش على الفوقاني، وشاش حرير سكندريّ مموّج بالذهب. ويعرف ذلك بالمتمر. وعلى ذلك كان شاش صاحب حماة، ويكون عوض كنبوشه زناريّ أطلس أحمر؛ ودون ذلك من التشاريف أقبية طرد وحش من عمل الإسكندرية ومصر والشام، مجوّخ:
جاخات مكتوبة بألقاب السلطان، وجاخات صور وحوش أو طيور صغار، وجاخات ملوّنة مموّجة بقصب مذهب، يفصل بين جاخاته نقوش، يركب على القباء طراز زركش، وعليه السنجاب والقندس كما تقدّم، وتحته قباء من الطرح السكندريّ المفرج، وكلوتة زركش بكلاليب وشاش كما تقدّم، وحياصة ذهب تارة
стр. 1769
تكون ببيكارية وتارة لا تكون، وهذه لأصاغر أمراء المئين ومن يلحق بهم، وكذلك أصحاب الوظائف المختصة بذلك كالجوكندار «١» والولاة ومن يجري مجراهم «٢» .
ثم للتشاريف أماكن:
منها إذا ولي أمير أو صاحب منصب وظيفة فإنه يلبس تشريفا يناسب ولايته التي وليها على حسب ما تقتضيه الرتبة علوّا وهبوطا.
ومنها عيد الفطر، يخلع فيه على جميع أرباب الوظائف: من الأمراء وأرباب الأقلام كالأستادار والدّوادار وأمير سلاح والوزير وكاتب السر وناظر الخاص وناظر الجيش ونحوهم، كلّ منهم بما يناسبه.
قال في «مسالك الأبصار» : ومن عادة السلطان أن يعدّ لكل عيد خلعة على أنها لملبوسه من نسبة خلع أكابر المئين فلم يلبسها، ولكن يختص بها بعض أكابر المئين يخلعها عليه.
ومنها الميادين، يخلع فيها على أكابر الأمراء كل ميدان يختص بأمير أو أكثر يلبس فيه خلعة من المفرّج المذهب.
ومنها دوران المحمل «٣» في شوّال، يخلع فيه على أرباب الوظائف بالمحمل كالقاضي والناظر والمحتسب والشاهد والمقدّمين والأدلة وناظر الكسوة ومباشريها ومن في معناهم.
стр. 1770
النوع الثاني الخيول
قد جرت عادة صاحب مصر أن ينعم على أمرائه بالخيول مرتين في كل سنة:
المرة الأولى عند خروجه إلى مرابط خيوله على القرط «١» في أواخر ربيعها، فينعم على الأخصّاء من أمرائه بما يختاره من الخيول على قدر مراتبهم، وتكون خيول المقدّمين منهم مسرجة ملجمة بكنابيش من زركش، وخيول أمراء الطبلخانات عريا من غير قماش. المرة الثانية عند لعبه الكرة بالميدان، وتكون خيول المقدّمين والطبلخانات مسرجة ملجمة بفضة يسيرة بلا كنابيش؛ وكذلك يرسل إلى نوّاب الممالك الشامية كل أحد بحسبه، وليس لأمراء العشرات في ذلك حظ إلا ما يتفقدهم به على سبيل الإنعام.
قال المقرّ الشهابيّ بن فضل الله: ولخاصة المقرّبين من الأمراء المقدّمين والطبلخانات زيادات كثيرة في ذلك بحيث يصل بعضهم إلى فرس في كل سنة؛ وله أوقات أخرى يفرّق فيها الخيل على مماليكه وربما أعطى بعض مقدّمي الحلقة؛ وكلّ من مات له فرس من ممالكيه دفع إليه عوضه، وربما أنعم بالخيول على ذوي السّنّ من أكابر الأمراء عند الخروج إلى الصيد ونحوه.
ولخيول الأمراء في كل سنة إطلاقات أراض بالأعمال الجيزية لزرع القرط لخيولهم من غير خراج؛ وللمماليك السلطانية البرسيم المزدرع على قدر مراتبهم، وما يدفع إليهم من القرط يكون بدلا من عليق الشعير المرتّب لهم في غير زمن الربيع عوضا عن كل عليقة نصف فدّان من القرط القائم على أصله في مدّة ثلاثة أشهر.
النوع الثالث الكسوة والحوائص
قد جرت عادة السلطان أنه ينعم على ممالكيه وخواصّ أهل المناصب من
стр. 1771
حملة الأقلام في كل سنة بكسوة في الشتاء وكسوة في الصيف على قدر مراتبهم، ومن عاداته أنه إذا ركب للعب الكرة بالميدان فرّق حوائص «١» من ذهب على بعض الأمراء المقدّمين، يفرّق في كل موكب ميدان على أميرين بالنّوبة حتّى يأتي على آخرهم في ثلاث سنين أو أربع بحسب ما تقع نوبته في ذلك. قال في «المسالك» : أما أمراء الشأم فلا حظّ لهم من الإنعام في أكثر من قباء واحد يلبس في وقت الشتاء إلا من تعرّض لقصد السلطان فإنه ينعم عليه بما يقتضيه حاله.
النوع الرابع الإنعام والأوقاف
وأكثر الأوقات لا ضابط لعطائه إنما يكون بحسب مزية المنعم عليه عند السلطان وقربه منه. قال في «مسالك الأبصار» : ولخاصة الأمراء المقدّمين أنواع من الإنعامات كالعقار والأبنية الضّخمة التي ربما أنفق على بعضها فوق مائة ألف دينار، وكساوي القماش المنوّع، وفي أسفارهم في وقت خروجهم إلى الصيد وغيره العلوفات والأموال.
النوع الخامس المأكول والمشروب
أعظم أسمطة هذا السلطان تكون بالإيوان الكبير أيام المواكب. إذا خرجت القضاة وسائر أرباب الأقلام من الخدمة، مدّ السماط بالإيوان الكبير من أوّله إلى آخره بأنواع الأطعمة المنوّعة الفاخرة، ويجلس السلطان على رأس الخوان والأمراء يمنة ويسرة على قدر مراتبهم من القرب من السلطان، فيأكلون أكلا خفيفا ثم يقومون، ويجلس من دونهم طائفة بعد طائفة، ثم يرفع الخوان. وأما في بقية الأيام فيمدّ الخوان في طرفي النهار لعامّة الأمراء خلا البرّانيين فإنه لا يحضره منهم
стр. 1772
إلا القليل النادر.
ففي أوّل النهار يمدّ سماط أوّل لا يأكل منه السلطان شيئا، ثم سماط ثان بعده قد يأكل منه السلطان وقد لا يأكل، ثم سماط ثالث بعده يسمى الطاريء، ومنه مأكول السلطان.
وفي أخريات النهار يمدّ سماطان الأوّل والثاني المسمى بالخاص، ثم إن استدعي بطاريء حضر، وإلا فبحسب ما يؤمر به، وفي كل هذه الأسمطة يسقى بعدها المشروب من الأقسما السكّرية عقب الأكل. وأما في الليل فيبيت بالقرب من مبيته أطباق من أنواع المآكل المختلفة والمشروب الفائق ليتشاغل أصحاب النّوب بالمأكول والمشروب عن النوم. قال في «مسالك الأبصار» : ولكل ذي إمرة بمصر من خواص السلطان عليه السكر والحلوى في شهر رمضان، والضّحية على مقادير رتبهم.
المقصد السابع في اختصاص صاحب هذه المملكة بأماكن داخلة في نطاق مملكته، يمتاز بها على ملوك الأرض من المسلمين وغيرهم
منها الكعبة المعظمة داخلة في نطاق هذه المملكة، واختصاصه بكسوتها ودوران المحمل في كل سنة.
أما كسوة الكعبة، فإنها كانت في الزمن الأوّل مختصّة بالخلفاء، وكانت خلفاء بني العبّاس يجهزونها من بغداد في كل سنة، ثم صارت إلى ملوك الديار المصرية يجهزونها في كل سنة، واستقرّت على ذلك إلى الآن. ولا عبرة بما وقع من استبداد بعض ملوك اليمن في بعض الأعصار بذلك في بعض السنين، وهذه الكسوة تنسج بالقاهرة المحروسة بمشهد الحسين من الحرير الأسود مطرّزة بكتابة بيضاء في نفس النسج، فيها: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
«١» الآية.
стр. 1773
ثم في آخر الدولة الظاهرية برقوق استقرّت الكتابة صفراء مشعّرة بالذهب. ولهذه الكسوة ناظر مستقلّ بها، ولها وقف أرض بيسوس من ضواحي القاهرة يصرف منها على استعمالها.
وأما دوران المحمل، فقد جرت العادة أنه يدور في السنة مرتين: المرّة الأولى في شهر رجب بعد النصف منه، يحمل وينادى لأصحاب الحوانيت التي في طريق دورانه بتزيين حوانيتهم قبل ذلك بثلاثة أيام، ويكون دورانه في يوم الاثنين أو الخميس لا يتعدّاهما، ويحمل المحمل على جمل وهو في هيئة لطيفة من خركاه وعليه غشاء من حرير أطلس أصفر، وبأعلاه قبّة من فضة مطلية ويبيت في ليلة دورانه داخل باب النصر بالقرب من باب جامع الحاكم، ويحمل بعد الصبح على الجمل المذكور ويسير إلى تحت القلعة، فيركب أمامه الوزير والقضاة الأربعة والمحتسب والشهود وناظر الكسوة وغيرهم، ويركب جماعة من المماليك السلطانية الرمّاحة ملبسين المصفّات «١» الحديد المغشّاة بالحرير الملوّن، وخيولهم ملبسة البركستوانات «٢» والوجوه الفولاذ كما في القتال، وبأيديهم الرماح، عليها الشطفات السلطانية فيلعبون تحت القلعة كما في حالة الحرب، ومنهم جماعة صغار بيد كل منهم رمحان يديرهما في يده وهو واقف على ظهر الفرس، وربما كان وقوفه في نعل من خشب على ذباب سيفين من كل جهة؛ وهو يفعل كذلك ويهيئوا من أزيار النفط وغيرها جملة مستكثرة، ويطلق تحت القلعة في خلال ذلك، ثم يذهب إلى الفسطاط فيمرّ في وسطه، ثم يعود إلى تحت القلعة ويفعل كما في الأوّل إلّا أنه أقل من ذلك؛ ثم يحمل من «٣» من جامع الحاكم ويوضع في مكان هناك إلى شوّال؛ وفي خلال ذلك كله الطبلخانات والكوسات السلطانية تضرب خلفه، ويخلع فيه على جماعة مستكثرة؛ وكذلك يفعل في نصف شوّال إلا
стр. 1774
أنه يرجع من تحت القلعة إلى باب النصر ويخرج إلى الرّيدانيّة للسفر ولا يتوجه إلى الفسطاط.
المقصد الثامن في انتهاء الأخبار إليه، وهو على ثلاثة أنواع
النوع الأوّل أخبار الملوك الواردة عليه مكاتبات منهم
وقد جرت العادة أنه إذا وصل رسول من ملك من الملوك إلى أطراف مملكته كاتب نائب تلك الجهة السلطان عرّفه بوفوده، واستأذنه في إشخاصه إليه، فتبرز المراسيم السلطانية بحضوره فيحضر. فإذا وقع الشّعور بحضوره فإن كان مرسله ذا مكانة عظيمة من الملوك: كأحد القانات من ملوك الشرق، خرج بعض أكابر الأمراء كالنائب وحاجب الحجّاب ونحوهما للقائه، وأنزل بقصور السلطان بالميدان الذي يلعب فيه بالكرة، وهو أعلى منازل الرسل. وإن كان دون ذلك تلقاه المهمندار واستأذن عليه الدّوادار وأنزله دار الضيافة أو ببعض الأماكن على قدر رتبته، ثم يرتقب يوم موكب فيجلس السلطان بإيوانه، وتحضر أعيان المملكة الذين شأنهم الحضور من أرباب السيوف والأقلام، ويحضر ذلك الرسول وصحبته الكتاب الوارد معه، فيقبّل الأرض ويتناول الدوادار الكتاب منه فيمسحه بوجه الرسول، ثم يدفعه إلى السلطان فيفضّه ويدفعه إلى كاتب السر فيقرؤه على السلطان ويأمر فيه أمره.
النوع الثاني الأخبار التي ترد عليه من جهة نوّابه
عادة هذا السلطان أن يطالعه نوّابه في مملكته بكل ما يتجدّد عندهم من مهمّات الأمور أو ما قاربها، وتؤخذ أوامره وتعود أجوبته عليهم من ديوان الإنشاء بما يراه في ذلك، أو يبتدئهم هو بما يقتضيه رأيه، وينفّذ على البرد أو أجنحة
стр. 1775
الحمام الرسائليّ على ما يأتي ذكره في المقالة الثالثة من الكتاب إن شاء الله تعالى.
وقد جرت العادة أنه إذا ورد بريد من بلد من بلاد المملكة أو عاد المجهّز من الأبواب الشريفة بجواب، أحضره أمير جاندار والدوادار وكاتب السر بين يدي السلطان فيقبّل الأرض، ثم يأخذ الدوادار الكتاب فيمسحه بوجه البريديّ، ثم يناوله للسلطان فيفضّه ويجلس كاتب السر فيقرؤه عليه ويأمر بأمره.
وأما بطائق الحمام، فإنه إذا وقع طائر من الحمام الرسائليّ ببطاقة أخذها البرّاج وأتى بها الدّوادار، فيقطع الدوادار البطاقة عن الحمام بيده، ثم يحملها إلى السلطان ويحضر كاتب السرّ فيقرؤها كما تقدّم.
النوع الثالث أخبار حاضرته
جرت العادة أن والي الشّرطة يستعلم متجدّدات ولاياته من قتل أو حريق كبير أو نحو ذلك في كل يوم من نوّابه، ثم تكتب مطالعة جامعة بذلك وتحمل إلى السلطان صبيحة كل يوم فيقف عليها. قال في «مسالك الأبصار» : وأما ما يقع للناس في أحوال أنفسهم فلا.
المقصد التاسع في هيئة الأمراء بالديار المصرية وترتيب إمرتهم
واعلم أن كل أمير من أمراء المئين أو الطبلخانات سلطان مختصر في غالب أحواله، ولكل منهم بيوت خدمة كبيوت خدمة السلطان من الطّشت خاناه، والفراش خاناه، والرّكاب خاناه، والزّردخاناه، والمطبخ، والطبلخاناه، خلا الحوائج خاناه فإنها مختصة بالسلطان، ولكل واحد من هذه البيوت مهتار متسلم حاصله، وتحت يده رجال وغلمان لكل منهم وظيفة تخصه، وكذلك لكل منهم الحواصل من إصطبلات الخيول ومناخات الجمال وشون الغلال؛ وله من أجناده
стр. 1776
أستادار، ورأس نوبة «١» ، ودوادار، وأمير مجلس، وجمدارية، وأمير اخور، وأستادار صحبة، ومشرف. وتوصف البيوت في دواوين الأمراء بالكريمة، فيقال البيوت الكريمة كما يقال في بيوت السلطان البيوت الشريفة، وكذلك كل فرد منها فيقال: الطّشت خاناه الكريمة والفراش خاناه الكريمة، وكذا في الباقي؛ ويوصف الإصطبل بالسعيد فيقال: الإصطبل السعيد، وكذلك المناخ؛ وتوصف الشّون بالمعمورة فيقال للشّونة المعمورة. قال في «مسالك الأبصار» : ومن رسم الأمراء أن يركب الأمير منهم حيث ركب وخلفه جنيب «٢» مسرج ملجم، وربما ركب الأمير من أكابرهم بجنيبين سواء في ذلك الحاضرة والبرّ. قال: ويكون لكل منهم طلب مشتمل على أكثر مماليكه، وقدّامهم خزانة محمولة للطبلخاناه على جمل واحد، يجرّه راكب على جمل آخر، والألف على جملين وربما زاد بعضهم على ذلك. وأمام الخزانة عدّة جنائب تجرّ على أيدي مماليك ركّاب خيل وهجن، وركّابه من العرب على هجن، وأمامهم الهجن بأكوارها مجنوبة، للطبلخاناه قطار واحد وهو أربعة، ومركوب الهجّان والألف قطاران وربما زاد بعضهم. قال: وعدد الجنائب في كثرتها وقلتها إلى رأي الأمير وسعة نفسه، والجنائب المذكورة منها ما هو مسرج ملجم، ومنها ما هو بعباءة لا غير. انتهى كلامه.
ومن عادتهم أيضا أن الأمير إذا ركب يكون أكابر أجناده من أرباب الوظائف: كرأس نوبة والدّوادار، وأمير مجلس، ومشاة الخدمة أمامه؛ وكلّ من كان منهم أكبر كان إليه أقرب؛ وتكون الجمدارية من مماليكه الصّغار خلفه وأميراخوره خلف الجميع، ومعه الجنائب والأوشاقية على قاعدة السلطان في ذلك.
ومن عادة أكابر مجالس بيوتهم أنه ينصب للأمير بشتميخ «٣» خلف ظهره من
стр. 1777
الجوخ الأحمر المزهر بالجوخ الملوّن، برنك «١» ذلك الأمير وطراز فيه ألقابه، ويجلس على مقعد مسندا ظهره إلى البشتميخ، وربما جلس أكابرهم على مدوّرة من جلد ورجلاه على الأرض، وتكون الناس في مجلسه في القرب إليه على حسب مراتبهم.
ومن عادة كل أمير من كبير أو صغير أن يكون له رنك يخصه ما بين هناب أو دواة أو بقجة أو فرنسيسية ونحو ذلك، بشطفه واحدة أو شطفتين، بألوان مختلفة، كل أمير بحسب ما يختاره ويؤثره من ذلك، ويجعل ذلك دهانا على أبواب بيوتهم والأماكن المنسوبة إليهم كمطابخ السّكّر، وشون الغلال، والأملاك والمراكب وغير ذلك، وعلى قماش خيولهم من جوخ ملوّن مقصوص، ثم على قماش جمالهم من خيوط صوف ملوّنة تنقش على العبي والبلاسات ونحوها، وربما جعلت على السيوف والأقواس والبركصطوانات «٢» للخيل وغيرها.
ومن عوائد أمراء العسكر بالحضرة السلطانية أنهم يركبون في يومي الاثنين والخميس في المواكب منضمين على نائب السلطنة الكافل «٣» إن كان، وإلا فعلى حاجب الحجّاب، ويسيرون تحت القلعة مرّات، ثم يقفون بسوق الخيل وتعرض عليهم خيول المناداة، وربما نودي على كثير من آلات الخيل والخيم والخركاوات والأسلحة. قال في «مسالك الأبصار» : وقد ينادى على كثير من العقارات، ثم يطلعون إلى الخدمة السلطانية على ما تقدّم.
ومن قاعدة هذه المملكة أن أجناد الأمراء كافة تعرض بديوان الجيوش السلطانية وتثبت أسماؤهم مفصّلة فيه، وكانوا فيما تقدّم يحلون بالديوان. أما
стр. 1778
الآن، فقد ترك ما هنالك واكتفي بأوراق تكتب من دواوين الأمراء بأسماء أجناده وتخلّد بديوان الجيوش، ثم كلما مات واحد منهم أو فصل من الخدمة عرض بديوان الجيش واحد مكانه يعبر فيه عرض من ديوان ذلك الأمير.
ومن عادتهم أن من مات من الأمراء والجند قبل استكمال سنة خدمته حوسب في مستحق إقطاعه على مقدار مدّته، وكتب له بذلك محاسبة من ديوان الجيوش، ويكون ما يتحصّل من المغل شركة بين المستقرّ وبين الميت أو المنفصل على حسب استحقاق القراريط، كل شهر من السنة بقيراطين.
ومن عادة الأمراء أنه إذا مر السلطان في متصيّداته بإقطاع أمير كبير، قدّم له من الإوزّ والدّجاج وقصب السكر والشعير ما تسمو إليه همة مثله فيقبله منه، ثم ينعم عليه بخلعة كاملة يلبسها، وربما أمر لبعضهم بشيء من المال فيقبضه.
المقصد العاشر في ولاة الأمور من أرباب السيوف بأعمال الديار المصرية، وهم على أربع طبقات
الطبقة الأولى النّواب، والمستقرّ بها ثلاث نيابات
الأولى- نيابة الإسكندريّة: وهي نيابة جليلة، نائبها من الأمراء المقدّمين يضاهي في الرتبة نيابة طرابلس وما في معناها أو يقاربها، وبها حاجب أمير عشرة، وحاجب جنديّ، ووال للمدينة، وأجناد حلقة عدّتهم مائتا نفر، يعبر عنهم بأجناد المائتين، وبها قاضي قضاة مالكيّ، وقاض حنفيّ مستحدث، وربما كان بها قاض شافعيّ، والمالكيّ أكبر الكل بها، وهو المتحدّث في أموال الأيتام والأوقاف. على أنه ربما ولي قضاء قضاتها في الزمن الماضي شافعيّ، وبها موقّع يعبر عنه في البلد بكاتب السر، وناظر متحدّث في الأموال الديوانية، ومعه مستوف، وتحت يده كتّاب وشهود؛ وبها محتسب؛ وليس بها قضاة عسكر ولا مفتو دار عدل؛ ووكيل بيت المال بها نائب عن نائب بيت المال بالقاهرة، وتركّز بها أمراء المقدّمين والطبلخانات في غير الزمن الذي يمتنع سير المراكب الحربية في البحر بشدّة
стр. 1779
الريح منها، ووال للتركيز يسمّى الحاجب. وقد مرّ القول على معاملتها، وذكر أحوالها في الكلام على قواعد الديار المصرية المستقرة فأغنى عن إعادته هنا.
وهذه النيابة مع جلالة قدرها ورفعة محلّها ليس لها عمل يحكم فيه نائبها ولا قاضيها ومحتسبها، بل حكمهم قاصر على المدينة وظواهرها لا يتعدّى ذلك، بخلاف غيرها من سائر نيابات المملكة؛ وبها كرسيّ سلطنة بدار النيابة؛ وعادة الخدمة السلطانية بها في أيام المواكب أن يركب نائب السلطنة من دار النيابة وفي خدمته مماليكه وأجناد المائتين المتقدّم ذكرهم، ويخرج من دار النيابة عند طلوع الشمس، ويسير في موكبه والشّبّابة السلطانية بين يديه حتّى يخرج من باب البحر، ويخرج الأمراء المركّزون على حدتهم أيضا، ويجتمعون في الموكب ويسيرون خارج باب البحر ساعة ثم يعودون، ويتوجه النائب إلى دار النيابة في مماليكه وأجناد المائتين، وقد فارقه الأمراء المركّزون وتوجه كلّ منهم إلى منزله. فإذا صار إلى دار النيابة: فإن كان في ذلك الموكب سماط، وضع الكرسيّ في صدر الإيوان مغشّى بالأطلس الأصفر ووضع عليه سيف نمجاة سلطانية ومدّ السماط تحته وأكل مماليك النائب وأجناد المائتين وجلس النائب بجنبة من الإيوان والشباك مطلّ على مينا البلد، ويجلس القاضي المالكيّ عن يمينه، والقاضي الحنفيّ عن يساره، والناظر تحته، والموقّع بين يديه، ورؤوس البلد على قدر منازلهم، وترفع القصص فيقرؤها الموقّع على النائب فيفصلها بحضرة القضاة ثم ينصرف الموكب.
قلت: وهذه النيابة مستحدثة، وكان ابتداء ترتيبها في سنة سبع وستين وسبعمائة في الدولة الأشرفية شعبان بن حسين حين طرقها الفرنج وفتكوا بأهلها وقتلوا ونهبوا وأسروا، وكانت قبل ذلك ولاية تعدّ في جملة الولايات الطبلخاناه، وكان لواليها الرتبة الجليلة والمكانة العلية.
الثانية- نيابة الوجه البحريّ. وهي مما استحدث في الدولة الظاهرية برقوق، ونائبها من الأمراء المقدّمين، وهو في رتبة مقدّم العسكر بغزّة الآتي ذكره في المماليك الشامية، ومقرّ نيابتها مدينة دمنهور بالبحيرة، وحكمه على جميع بلاد
стр. 1780
الوجه البحريّ المتقدّم ذكرها في الكلام على أعمال الديار المصرية المستقرة خلا الإسكندريّة، وليست على قاعدة النيابات في ركوب المواكب وما في معناها؛ بل نائبها في الحقيقة كاشف كبير «١» ، وليس فيها من رسوم النيابة سوى لبس التشريف وكتابة التقليد والمكاتبة بما يكاتب به مثل نائبها من النوّاب، وقد كان القائم بها في الزمن الأول قبل استقرارها نيابة يعبر عنه بوالي الولاة.
الثالثة- نيابة الوجه القبليّ. وهي مما استحدث في الدولة الظاهرية برقوق أيضا، وكان مقرّ نائبها مدينة أسيوط، وحكمه على جميع بلاد الوجه القبليّ، وهي في الترتيب والرتبة على ما تقدّم من نيابة الوجه البحريّ، غير أنها أعظم خطرا في النفوس وكان القائم بها قبل ذلك يسمّى والي الولاة كما تقدّم في الوجه البحريّ.
الطبقة الثانية الكشّاف
قد تقدّم أنه قبل استحداث النيابة بالوجهين القبليّ والبحريّ كان بهما كاشفان يعبّر عن كل منهما بوالي الولاة، ولما استقرّا نيابتين جعل للوجه البحريّ كاشف من أمراء الطبلخاناه على العادة المتقدّمة، وهو في الحقيقة تحت أمر نائب الوجه البحريّ، ومقرّته منية غمر من الشرقية، وجعل كاشف آخر للبهنساوية والفيّوم، وعطّل الفيّوم من الوالي، وباقي الوجه القبليّ أمره راجع إلى نائبه؛ وللجيزية كاشف يتحدث في جسورها وسائر متعلّقاتها، ولا يتعدّى أمره إلى غيرها من النواحي.
الطبقة الثالثة الولاة بالوجهين القبليّ والبحريّ
وقد تقدّم ذكر أعمالها؛ ومراتب الولاة بهما لا تخرج عن مرتبتين:
стр. 1781
المرتبة الأولى- الولاة من أمراء الطبلخاناه. وهي سبع «١» ولايات بالوجهين القبليّ والبحريّ على ما استقرّ عليه الحال.
فأما الوجه القبليّ ففيه أربع ولايات من هذه الرتبة: وهي ولاية البهنسى، وولاية الأشمونين، وولاية قوص، وهي أعظمها حتّى إن واليها كان يركب بالشبّابة أسوة النوّاب بالممالك، وولاية أسوان: وهي مستحدثة في الدولة الظاهرية برقوق، وكانت قبل ذلك مضافة إلى والي قوص يجعل فيها نائبا من تحت يده، وكانت ولاية الفيّوم طبلخاناه، ثم استقرّت كشفا على ما تقدّم.
أما أسيوط، فلم يكن بها وال لكونها مقرّ نائب الوجه القبليّ ومقرّ والي الولاة من قبله، وسيأتي ما كان ولاية طبلخاناه من الوجه القبليّ ثم نقل.
وأما الوجه البحريّ ففيه أربع ولايات من هذه الرتبة، وهي ولاية الشرقية، ومقرّ واليها بلبيس؛ وولاية المنوفية ومقرّ واليها مدينة منوف؛ وولاية الغربية، ومقرّ واليها المحلة الكبرى؛ وهي تضاهي ولاية قوص من الوجه القبليّ إلا أن واليها لم يركب بالشبابة قط؛ وولاية البحيرة، ومقرّ واليها مدينة دمنهور، وربما عطلت ولايتها لكونها مقرّة النائب، وقد تقدّم أن ولاية النائب قبل أن تستقرّ نيابة كانت ولاية طبلخاناه.
المرتبة الثانية- من الولاة أمراء العشرات. وهي سبع ولايات بالوجهين:
فأما القبليّ ففيه من هذه الرتبة ثلاث ولايات: ولاية الجيزة، وكانت قبل ذلك طبلخاناه؛ وولاية إطفيح ولم تزل عشرة؛ وولاية منفلوط وولايتها عشرون، وكانت قبل ذلك ولاية طبلخاناه، وقد كان بعيذاب في الأيام الناصرية ابن قلاوون وما بعدها وال أمير عشرة يولّى من قبل السلطان ويراجع والي قوص في الأمور المهمة.
وأما الوجه البحريّ، ففيه أربع ولايات من هذه الرتبة، ولاية منوف، وولاية
стр. 1782
أشموم، وولاية دمياط، وولاية قطيا، وكانت قبل ذلك طبلخاناه.
الطبقة الرابعة أمراء العربان بنواحي الديار المصرية
قد تقدّم في الكلام على ما يحتاج إليه الكاتب في المقالة الأولى ذكر أصول أنساب العرب، وانقسامهم إلى قحطانيّة وهم العاربة، وإلى عدنانيّة وهم المستعربة، وبيان رجوع كل بطن من بطون العرب الموجودين الآن بالديار المصرية وغيرها إلى قبيلتهم التي إليها ينتسبون، وبيان من بوجهي الديار المصرية القبليّ والبحريّ من القبائل، وأفخاذ كل قبيلة المتشعّبة منها. والمقصود بيان أمراء العربان بالوجهين المذكورين في القديم والحديث.
فأما الوجه القبليّ، فقد ذكر الحمداني «١» أن الإمرة كانت بالوجه القبليّ في ثلاثة أعمال:
العمل الأول- عمل قوص، وكانت الإمرة به في بيتين من بليّ «٢» من قضاعة بن حمير بن سبإ من القحطانيّة.
الأول- بنو شاد المعروفون ببني شادي «٣» . وكانت منازلهم بالقصر الخراب المعروف بقصر بني شادي بالأعمال القوصيّة، وتقدّم هناك أنه قيل إنهم من بني أميّة بن عبد شمس من قريش.
стр. 1783
الثاني- العجالة. وهم بنو العجيل بن الذئب منهم أيضا، وكانوا معهم هناك.
العمل الثاني- عمل الأشمونين. وكانت الإمرة به في بني ثعلب من السّلاطنة، وهم أولاد أبي جحيش من الحيادرة من ولد إسماعيل بن جعفر الصادق، من عقب الحسين السّبط ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكانت منازلهم بدروت سربام «١» ، وغلب عليها الشريف حصن الدين بن ثعلب فعرفت بدروت الشّريف من يومئذ، واستولى عليها وعلى بلاد الصعيد. وقد تقدم أنه كان في آخر الدولة الأيوبية. فلما ولي المعزّ أيبك التّركمانيّ: أول ملوك الترك بالديار المصرية السلطنة، أنف من سلطته وسمت نفسه إلى السلطنة فجهز إليه المعز جيوشا، فجرت بينهم حروب لم يظفروا به فيها، وبقي على ذلك إلى أن كانت دولة الظاهر بيبرس، فنصب له حبائل الحيل وصاده بها وشنقه بالإسكندريّة.
العمل الثالث- البهنسى، وكانت الإمرة فيه في بيتين:
الأول- أولاد زعازع. (بضم الزاي) من بني جديدي من بني بلار من لواثة «٢» من البربر أو من قيس عيلان على الخلاف السابق عند ذكر نسبهم في المقالة الأولى. قال الحمدانيّ: وهم أشهر من في الصعيد.
الثاني- أولاد قريش. قال الحمدانيّ: وهم أمراء بني زيد، ومساكنهم نويرة دلاص.
قال: وكان قريش هذا عبدا صالحا كثير الصدقة، ومن أولاده سعد الملك المشهور بنوه هناك.
стр. 1784
وذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» : أن الإمرة بالوجه القبليّ في زمانه (وهو سلطنة الناصر محمد بن قلاوون وما وليها) كانت لناصر الدين عمر بن فضل، ولم يذكر مقرّته ولا من أيّ العرب هو، وذكر أيضا أن إمرة فيما فوق أسوان كانت في عرب يقال لهم الحدارية «١» في سميرة بن مالك. قال: وهو ذو عدد جمّ وشوكة منكية، يغزو الحبشة وأمم السودان ويأتي بالنهاب والسبايا، وله أثر محمود وفضل مأثور، وفد على السلطان «٢» فأكرم مثواه، وعقد له لواء وشرّف بالتّشريف، وقلّد، وكتب إلى ولاة الوجه القبليّ عن آخرهم وسائر العربان بمساعدته ومعاضدته والركوب للغزو معه متى أراد، وكتب له منشور بما يفتحه من البلاد، وتقليد بإمرة عربان القبلة مما يلي قوص إلى حيث تصل غايته، وتركز رايته.
قلت: أما في زماننا فمذ وجّهت عرب هوّارة «٣» وجوهها من عمل البحيرة إلى الوجه القبليّ ونزلت به انتشرت في أرجائه انتشار الجراد، وبسطت يدها من الأعمال البهنساوية إلى منتهاه حيث أسوان وما والاها، وأذعنت لهم سائر العربان بالوجه القبليّ قاطبة، وانحازوا إليهم وصاروا طوع قيادهم.
والإمرة الآن فيهم في بيتين:
الأول- بنو عمر: محمد وإخوته. ومنازلهم بجرجا ومنشأة إخميم، وأمرهم نافذ إلى أسوان من القبلة وإلى آخر بلاد الأشمونين من بحري.
الثاني- أولاد غريب. وبيدهم بلاد البهنسى، ومنازلهم دهروط وما حولها.
стр. 1785
وأما الوجه البحريّ، فقد ذكر الحمدانيّ أن الإمرة فيهم في خمسة أعمال:
العمل الأول- الشرقيّة. قال: والإمرة فيها في قبيلتين.
الأولى- ثعلبة «١» ، وذكر أن الإمرة كانت فيهم في شقير بن جرجي من المصافحة من بني زريق، وفي عمر بن نفيلة من العليميين «٢» .
الثانية- جذام «٣» : وقد ذكر أن الإمرة كانت فيهم في خمسة بيوت.
الأول- بيت أبي رشد بن حبشي، بن نجم، بن إبراهيم من العقيليّين: بني عقيل بن قرّة، بن موهوب، بن عبيد، بن مالك، بن سويد، من بني زيد بن حرام، بن جذام؛ أمّر بالبوق والعلم.
الثاني- طريف بن مكنون «٤» ، من بني الوليد، بن سويد المقدّم ذكره، وإلى طريف هذا ينسب بنو طريف من بلاد الشرقية. قال الحمدانيّ: وكان من أكرم العرب، كان في مضيفته أيام الغلاء اثنا عشر ألفا تأكل عنده، وكان يهشم الثريد في المراكب. قال: ومن بنيه فضل بن سمح بن كمّونة، وإبراهيم بن عالي؛ أمّر كل منهما بالبوق والعلم.
الثالث- بيت أولاد منازل من ولد الوليد المذكور، كان منهم معبد بن مبارك، أمّر بالبوق والعلم.
الرابع- بيت نميّ بن خثعم من بني مالك، بن هلبا بن مالك بن سويد، أقطع خثعم بن نميّ المذكور وأمّر، واقتنى عددا من المماليك الأتراك والروم
стр. 1786
وغيرهم، وبلغ من الملك الصالح أيوب منزلة، ثم حصل عند الملك المعز أيبك التّركماني على الدرجة الرفيعة، وقدّمه على عرب الديار المصرية، ولم يزل على ذلك حتّى قتله غلمانه، فجعل المعز ابنيه: سلمى ودغش عوضه، فكانا له نعم الخلف، ثم قدم دغش دمشق فأمّره الملك الناصر صاحب دمشق يومئذ من بني أيوب ببوق وعلم، وأمّر الملك أيبك أخاه سلمى كذلك.
الخامس- بيت مفرّج بن سالم بن راضي من هلبا بعجة، ابن زيد، بن سويد، بن بعجة، من بني زيد بن حرام بن جذام، أمره المعزّ أيبك التركماني بالبوق والعلم. وذلك أنه حين أراد المعزّ تأمير سلمى بن خثعم المقدّم ذكره امتنع أن يؤمّر حتى يؤمّر مفرّج بن غانم «١» فأمّر.
العمل الثاني- المنوفية. والأمرة فيها لأولاد نصير الدين من لواتة، ولكن إمرتهم في معنى مشيخة العرب.
العمل الثالث- الغربية. والامرة فيه في أولاد يوسف من الخزاعلة من سنبس من طيّء من كهلان من القحطانية، ومقرّتهم مدينة سخا من الغربية.
العمل الرابع- البحيرة. وقد ذكر في «التعريف» : أن الإمرة في الدولة الناصرية ابن قلاوون كانت لخالد بن أبي سليمان وفائد بن مقدم. قال في «مسالك الأبصار» : وكانا أميرين سيدين جليلين ذوي كرم وإفضال وشجاعة وثبات رأي وإقدام.
العمل الخامس- برقة. قال في «التعريف» : ولم يبق من أمراء العرب ببرقة يعني في زمانه إلا جعفر بن عمر، وكان لا يزال بين طاعة وعصيان، ومخاشنة وليان، والجيوش في كل وقت تمدّ اليه، وقلّ أن تظفر منه بطائل أو رجعت منه بمغنم، وإن أصابته نوبة من الدهر. قال: وآخر أمره أن ركب طريق الواح حتى خرج من الفيّوم وطرق باب السلطان لائذا بالعفو، ووصل ولم يسبق به خبر، ولم
стр. 1787
يعلم السلطان به حتى أستأذن له عليه وهو في جملة الوقوف بالباب، فأكرم أتمّ الكرامة وشرّف بأجلّ التشاريف، وأقام مدّة في قرى الإحسان وإحسان القرى وأهله لا يعلمون ما جرى، ولا يعلمون أين يمّم ولا أيّ جهة نحا، حتى أتتهم وافدات البشائر وجاءت منه. فقال له السلطان: لم لا أعلمت أهلك بقصدك إلينا؟
قال: خفت أن يقولوا: يفتك بك السلطان فأتثبّط، فاستحسن قوله، وأفاض عليه طوله، ثم أعيد إلى أهله، فانقلب بنعمة من الله لم يمسسه سوء ولا رثى له صاحب ولا شمت به عدوّ.
قلت: والإمرة اليوم في برقة في عمر بن عريف، وهو رجل ديّن وكان أبوه [عريف ذا دين متين رأيته] «١» في الإسكندرية بعد الثمانين والسبعمائة، واجتمعت به فوجدت آثار الخير ظاهرة عليه.
стр. 1788
الفصل الثاني من المقالة الثانية في المملكة الشامية، وما يتصل بها: من بلاد الأرمن والروم وبلاد الجزيرة بين الفرات والدّجلة مما هو مضاف إلى هذه المملكة، وفيه أربعة أطراف
الطرف الأول في فضل الشام وخواصّه وعجائبه؛ وفيه مقصدان
المقصد الأول في فضل الشام
أعظم شاهد لذلك ما أخرجه الترمذيّ «١» من حديث زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: «كنّا يوما عند رسول الله ﷺ نؤلّف القرآن من الرّقاع. فقال رسول الله ﷺ : طوبى لأهل الشام. فقلت: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: لأن الملائكة باسطة أجنحتها عليه» . هذا وقد بعث به الكثير من الأنبياء ﵈، وفيه ضرائحهم الشريفة، والمسجد الأقصى الذي هو أحد المساجد الثلاثة التي تشدّ إليها الرّحال، وهو أول القبلتين؛ وبه ينزل المسيح ﵇ بمنارة جامع دمشق، وبه يقتل الدجّال بمدينة لدّ «٢» . وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «إن الله بارك فيما
стр. 1789
بين العريش إلى الفرات وخصّ فلسطين بالتقديس» .
المقصد الثاني في خواصّه وعجائبه
أما خواصّه فإنّ به الأماكن التي تعظّمها الأمم على اختلاف عقائدهم كالصّخرة التي هي قبلة اليهود، والقمامة «١» التي يحجّها النصارى من سائر أقطار الأرض، وطور نابلس «٢» الذي تحجّه السامرة؛ وبمدينة صور كنيسة تعتقد طائفة من النصارى أنه لا يصح تمليك ملوكهم إلا منها، على ما سيأتي ذكره في الكلام على أعمال صفد إن شاء تعالى، وغير ذلك مما تنقاد به الأمم إلى صاحب هذه المملكة وتذعن لمسالمته.
وأما عجائبه فكثيرة.
منها: (حمّة طبريّة) المشهورة: وهي عين تنبع ماء شديد الحرارة يكاد يسلق البيضة، يقصدها المتردّدون للاستشفاء بالاغتسال فيها. قال ابن الأثير في «عجائب المخلوقات» «٣» : وليس فيها حمّام يوقد فيه النار إلا الحمّام الصغير.
ومنها: (قبّة العقارب) بمدينة حمص. وهي قبّة بالقرب من مسجدها الجامع، إذا أخذ شيء من تراب حمص وجبل بالماء وألصق بداخل تلك القبّة وترك حتّى يجفّ ويسقط بنفسه من غير أن يلقيها «٤» أحد ثم أخذت ووضع منها
стр. 1790
شيء في بيت لم يدخله عقرب، أو في قماش لم يقربه، وإن ذرّ على عقرب منه شيء أخذها مثل السّكر فربما زاد عليها فقتلها، بل قيل إن ذلك لا يختصّ بالقبة بل عامّة أرض البلد كذلك حتّى لا يدخلها عقرب إلا مات، بل لا يقرب ثيابا ولا أمتعة عليها غبارها، وإلى ذلك أشار القاضي الفاضل «١» في البشرى بفتوحها بقوله:
«ودبّت إليها عقارب المجانيق فخالفت عادة حمص في العقارب، ورميت الحجارة بالحجارة فوقعت العداوة المعروفة بين الأقارب» .
ومنها: (عين فوّارة) داخل البحر الملح على القرب من ساحل مدينة طرابلس على قدر رمية حجر عن البئر، تنبع ماء عذبا يطفو على وجه الماء قدر ذراع أو أكثر يتبين عند سكون الريح.
ومنها: (وادي الفوّار) وهو واد بالقرب من حصن الأكراد من عمل طرابلس غربا عنه بشمال على الطريق السالكة. قال في «مسالك الأبصار» :
وهي صفة بئر قائمة في الأرض، وفي سفل الأرض سرداب ممتدّ إلى الشّمال يفور في كل أسبوع يوما واحدا لا غير، فتسقى به أرض ومزدرعات، وينزل عليه التّركمان ويردونه؛ ويسمع له قبل فورانه دويّ كالرعد، وهو في بقية الأيام يابس لا ماء فيه. قال: وذكر لي من دخل السّرداب أن في نهايته نهرا كبيرا آخذا من الغرب إلى الشرق تحت الأرض؛ له جريان قويّ، وبه موج وريح عاصف، لا يعرف إلى أين يجري ولا من أيّ جهة يأتي.
ومنها: (حمّام القدموس) «٢» من قلاع الدعوة من عمل طرابلس يخرج منها «٣» أنواع كثيرة من الحيات تظهر من أنابيب مائها وتدخل في ثياب داخلها، ولم يشتهر أنها أضرّت أحدا قطّ على ممرّ الدّهور وتطاول الأزمنة، حكاه
следующие страницы →