← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

الدين تمرتاش؛ ثم غلب عليها (سليمان بن أرتق) وعصى بها على أبيه فانتزعها أبوه منه وسلّمها إلى ابن أخيه (سليمان بن عبد الجبّار بن أرتق) في رمضان سنة ست عشرة وخمسمائة. ثم انتزعها منه عمه (بلك بن بهرام بن أرتق) ، وبقي بها حتّى قتل في سنة سبع عشرة وخمسمائة؛ وملكها بعده ابن عمه (تمرتاش بن ايلغازي) في ربيع الأول من السنة المذكورة؛ ثم حاصرها الفرنج، وهي في يده فخلصها منهم آقسنقر البرسقيّ صاحب الموصل، وملكها مع ماردين في السنة المذكورة، وبقي حتّى قتلته الباطنية في سنة عشرين وخمسمائة. وملكها بعده ابنه (عز الدين مسعود) واستخلف بها أميرا من أمرائه اسمه قايماز، ثم استخلف عليها بعده رجلا اسمه كيغلغ. ثم انتزعها منه (سليمان بن عبد الجبار) بن أرتق المقدّم ذكره. ثم انتزعها منه (عماد الدين زنكي) صاحب الموصل في المحرّم سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وملك معها حماة وحمص وبعلبكّ، وبقي حتّى قتله غلمانه في ربيع الأول سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. ثم ملك بعده ابنه الملك العادل (نور الدين محمود) وبقي إلى أن توفّي. وملك بعده ابنه (الصالح إسماعيل) فبقي بها بعد ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب دمشق حتّى توفّي بها في سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وملكها بعده بوصية منه ابن عمه (عز الدين مسعود) بن مودود بن زنكي بن مودود في السنة المذكورة. ثم انتزعها منه السلطان (صلاح الدين يوسف بن أيوب) في سنة تسع وسبعين وخمسمائة، وقرّر فيها ابنه الظاهر غياث الدين غازي. ثم انتزعها منه وسلمها لأخيه (العادل أبي بكر بن أيوب) في السنة المذكورة، ثم أعاد إليها ابنه الظاهر غازي المقدّم ذكره في سنة اثنتين وثمانين

стр. 1892

وخمسمائة، فبقي بها حتّى توفّي في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة وستمائة. وملكها بعده ابنه (الملك العزيز محمد) فبقي بها حتّى توفّي في ربيع الأول سنة أربع وثلاثين وستمائة. ثم ملكها بعده ابنه الملك (الناصر يوسف) وعمره سبع سنين ولم تزل بيده حتّى استولت عليها التتار في سنة ثمان وخمسين وستمائة. ثم كانت الدولة التركية. فكان أول من ملكها من ملوك الترك (المظفّر قطز) حين كسر التتار على عين جالوت على ما تقدّم ذكره في الكلام على مملكة دمشق، ثم توالى عليها نواب ملوك الترك من لدن المظفر قطز وإلى زماننا في سلطنة الناصر فرج بن الظاهر برقوق على ما تقدّم ذكره في الكلام على مملكة الديار المصرية. وأما حماة. فقد تقدّم في الكلام على قواعد الشام أن الذكر في القديم إنما كان لحمص، وإنما تنبّهت حماة في الذكر في الدولة الأتابكية: عماد الدين زنكي. وذلك أن حماة كانت تبعا لغيرها من الممالك، تارة تضاف إلى دمشق، وتارة إلى حلب. فكانت مع دمشق بيد (طغتكين) أتابك دولة رضوان بن تتش السلجوقيّ في سنة تسع وخمسمائة. ثم انتزعها منه السلطان (محمد بن ملكشاه السلجوقيّ) في السنة المذكورة، وسلمها للأمير (فيرخان بن قراجا) . ثم ملكها (توري بن طغتكين) وقرر بها ابنه سونج فبقيت بيده حتّى انتزعها منه عماد الدين زنكي في سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة. ثم انتزعها منه بعد ذلك (تاج الملوك إسماعيل بن توري) بن طغتكين السلجوقيّ في سنة سبع وعشرين وخمسمائة. ثم ملكها (العادل نور الدين محمود بن زنكي) مع دمشق وحلب وغيرهما

стр. 1893

في سنة إحدى وأربعين وخمسمائة؛ ثم صارت بعده مع غيرها من البلاد الشامية إلى ابنه (الصالح إسماعيل) فبقيت بيده حتّى انتزعها منه السلطان (صلاح الدين يوسف بن أيوب) في سنة سبعين وخمسمائة، وقرّر فيها خاله شهاب الدين الحارمي، ثم قرّر فيها أخاه تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، فبقيت بيده حتّى توفّي في سنة سبع وثمانين وخمسمائة. فوليها بعده ابنه الملك المنصور (ناصر الدين محمد) فبقي بها حتّى انتزعها منه أخوه (الملك المظفر محمود) في سنة ست وعشرين وستمائة، فبقي بها حتّى توفي في سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ووليها بعده ابنه (الملك المنصور محمد) فبقي حتّى غلب عليها هولاكو ملك التتار مع دمشق وحلب وغيرهما، فقرّر «١» بها المظفر قطز صاحب مصر بعد هزيمة التتار، فبقي بها حتّى توفي في سنة ثلاث وثمانين وستمائة. فوليها بعده ابنه (المظفر شادي) عن المنصور قلاوون صاحب مصر بعهد منه، وبقي بها حتّى توفي في سنة ثمان وتسعين وستمائة في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون في سلطنته الثانية. فولّى الملك الناصر مكانه (قراسنقر) أحد أمرائه نائبا عليها، وكان العادل كتبغا بعد خلعه من السلطنة قد استقر نائبا بصرخد فنقله الملك الناصر محمد بن قلاوون اليها بعد هزيمة غازان ملك التتار، وجعله نائبا بها في سنة اثنتين وسبعمائة، ومات بعد ذلك. فولّى الملك الناصر مكانه في نيابتها (قبجق) أحد أمرائه ثم صرفه عنها وولّى مكانه (أستدمر الكرجي) ثم صرفه عنها بعد عوده من الكرك. وولّى فيها الملك المؤيد (عماد الدين إسماعيل) بن الأفضل عليّ، بن المظفر عمر سلطنة على عادة من تقدّمه فيها من الملوك الأيوبية، وكتب له بذلك عهدا عنه، فبقي بها إلى أن توفّي في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة.

стр. 1894

فولّى السلطان الملك الناصر مكانه ابنه (الملك الأفضل محمد) وكتب له بذلك عهدا أيضا، فبقي بها حتّى أزاله قوصون أتابك العساكر في سلطنة المنصور أبي بكر بن الناصر محمد بن قلاوون في سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. وولّى مكانه الأمير (طقزدمر) نائبا بها، واستقرت نيابة إلى الآن، يتوالى عليها نواب ملوك مصر نائبا بعد نائب إلى زماننا كغيرها من الممالك الشامية، وانقطعت مملكة بني أيوب من الشام بذلك. وأما أطرابلس، فكان قد تغلب عليها قاضيها أبو عليّ بن عمّار وملكها وطالت مدّته فيها. ثم انتزعها منه (المستنصر الفاطميّ) خليفة مصر مع غيرها من السواحل الشامية، فبقيت بيده حتّى غلب عليها القومص «١» فملكها في سنة ثلاث وخمسمائة، فبقيت في أيدي الفرنج من حينئذ إلى أن فتحها «الملك المنصور قلاوون» أحد ملوك الديار المصرية في سنة ثمان وثمانين وستمائة بعد أن مضى عليها في يد الفرنج مائة وخمس وثمانون سنة وأعجز فتحها من مضى من ملوك بني أيوب فمن بعدهم. ومن حين فتحها جعلت نيابة، وتوالى عليها نواب ملوك مصر من لدنه إلى زماننا. وأما صفد، فقد تقدّم في الكلام على قواعد الممالك الشامية أنها كانت في القديم قرية وأن الفرنج الدّموية بنتها واستحدثت حصنها في سنة خمس وسبعين وأربعمائة.

стр. 1895

ثم فتحها (الظاهر بيبرس) بعد ذلك في رابع عشر شوال سنة أربع وستين وستمائة، وقرّر بها الأمير كيغلدي العلائيّ نائبا، وتوالى عليها بعد ذلك نواب ملوك مصر من لدن الظاهر بيبرس وإلى زماننا في سلطنة الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق. وأما الكرك، فقد تقدّم أن قلعتها كانت ديرا لرهبان، وكانت بيد الفرنج، وأن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة أربع وثمانين وخمسمائة فتحها، وقرّر فيها أخاه (الملك العادل أبا بكر بن أيوب) فبقيت بيده إلى أن مات السلطان صلاح الدين، فقرّر فيها ابنه (الملك المعظم عيسى) فبقيت في يده إلى أن استضاف إليها دمشق، وتوفّي في سنة أربع وعشرين وستمائة. وملكها بعده ابنه (الملك الناصر صلاح الدين داود) في سنة ست وعشرين وستمائة، وبقي إلى سنة سبع وأربعين وستمائة، فاستخلف عليها ابنه (الملك المعظم عيسى) بعد أن أخذ منه غالب بلاده وفرّ بنفسه «١» . ثم انتزع (الصالح نجم الدين أيوب) الكرك من المعظم عيسى بن الناصر داود في السنة المذكورة، وأقام بها بدر الدين الصوابي نائبا عنه، وبقي الناصر داود بعد ذلك مشرّدا في البلاد إلى أن مات في سنة خمس وخمسين وستمائة، وكان من أهل العلم والورع، وله شعر رائق، منه: ألا ليت أمّي أيّم طول دهرها ... ولم يقضها ربّي لمولى ولا بعل! ويا ليتها لما قضاها لسيّد ... لبيب أريب طيّب الفرع والأصل، قضاها من اللاتي خلقن عواقرا ... ولا بشّرت يوما بأنثى ولا فحل ويا ليتها لمّا غدت بي حاملا ... أصيب من احتفّت عليه من الحمل

стр. 1896

ويا ليتني لمّا ولدت وأصبحت ... تشدّ إليّ الشّدقميّات «١» بالرّحل، لحقت بأسلافي فكنت ضجيعهم ... ولم أر في الإسلام ما فيه من ثكل وكان الملك المغيث فتح الدين عمر بن العادل أبي بكر بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب معتقلا بالشّوبك، فأخرجه الصوابي نائب الملك الصالح وملّكه الكرك فبقي بها حتّى قبض عليه الملك الظاهر بيبرس وقتله في سنة إحدى وسبعين وستمائة، وهو آخر من ملكها من بني أيوب. قلت: وأما غير هذه الممالك كحمص وبعلبكّ فإنما كانت في الغالب تبعا لغيرها حتّى إن حمص وبعلبكّ حين استولت التتار على الشام في آخر الدولة الايوبية كانتا مضافتين إلى دمشق. واعلم أن غالب أطراف البلاد الشامية ومضافاتها كانت بأيدي ملوك متفرّقة من قديم الزمان وبعضها حدث انفراده، ثم تنقلت بها الأحوال حتّى استولى على كثير منها أهل الكفر، وصارت بأيديهم إلى أن قيّض الله تعالى لها من فتحها؛ ثم استعاد أهل الكفر منها ما استعادوا، ثم فتح ثانيا على ما يأتي ذكره إن شاء الله تعالى. من ذلك القدس «٢» - كانت بيد تتش بن ألب أرسلان السّلجوقيّ صاحب دمشق المتقدّم ذكره. كان قد أقطعها للأمير أرتق جدّ ملوك ماردين الآن. فلما توفّي أرتق المذكور صار القدس لولديه ايلغازي وسقمان، وبقي بيديهما إلى أن انتزعه منهما (المستنصر الفاطميّ) في سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، وبقي بيده إلى أن ملكه الفرنج منه في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، بعد أن بذلوا السيف في المسلمين نحو سبعة أيام وقتلوا في المسجد الأقصى ما يزيد على تسعين ألف

стр. 1897

نفس، وبقي بيديهم حتّى فتحه السلطان (صلاح الدين يوسف بن أيوب) في سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ثم استعاده الفرنج من الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب بمهادنة جرت بينهم في سنة ست وعشرين وستمائة. ثم انتزعه منهم (الملك الناصر داود) صاحب الكرك في سنة سبع وثلاثين وستمائة. ثم سلمه (الصالح إسماعيل) صاحب دمشق (والناصر داود) صاحب الكرك المتقدّم ذكره للفرنج بعد ذلك ليكونوا عونا لهما على الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر في سنة إحدى وأربعين وستمائة. ثم فتحه الصالح (نجم الدين أيوب) صاحب مصر واقتلعه من أيديهم في سنة اثنتين وأربعين وستمائة؛ فاستمر بأيدي المسلمين إلى الآن. ومن ذلك بلاد السواحل الشامية كانت بأيدي أناس متفرّقة. فأما أطرابلس وصفد، فقد تقدّم الكلام عليهما في الكلام على ملوك الممالك الشامية. وأما غيرهما من بلاد السواحل وما والاها، فإن غالبها كان بيد الفاطميين خلفاء مصر إلى أن ضعفت دولتهم في أيام المستنصر أحد خلفائهم، فقصدت الفرنج هذه السواحل من كل جهة واستولوا على بلادها شيئا فشيئا. فاستولوا على عكّا وجبيل في سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وعلى صيدا في سنة أربع وخمسمائة، واستشرى فسادهم حتّى ملكوا بيروت وعسقلان وصور وأنطرسوس والمرقب وأرسوف واللاذقيّة ولداّ والرملة ويافا ونابلس وغزّة وبيت لحم وبيت جبريل، وغير ذلك من بلاد السواحل وما جاورها، فبقيت في أيديهم حتّى فتحها السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» فيما بين الثلاث والثمانين والخمسمائة إلى الثمان والثمانين والخمسمائة. ثم عقد الهدنة بينه وبين الفرنج في سنة ثمان وثمانين على أن تكون يافا وأرسوف وعكّا وقيساريّة وأعمالها بيد الفرنج، وأن تكون لدّ والرملة مناصفة بينهم

стр. 1898

وبين المسلمين. ثم استولوا على بيروت في سنة أربع وتسعين وخمسمائة؛ ثم وقعت الهدنة بعد ذلك بين الفرنج وبين العادل أبي بكر بن أيوب في سلطنته في سنة إحدى وستمائة على أن تستقرّ بيد الفرنج يافا وتترك لهم مناصفة لدّ والرملة. ثم استعاد الفرنج عكّا في سنة أربع عشرة وستمائة في أيام العادل أبي بكر المذكور. ثم استولوا على صيدا وما معها في أيام ابنه الكامل محمد في سنة ست وعشرين وستمائة قبل تسليمه القدس لهم. ثم سلمهم الصالح إسماعيل صاحب دمشق صفد والشّقيف على أن يعاونوه على الصالح أيوب صاحب مصر في سنة ثمان وثلاثين وستمائة. ثم سلمهم الصالح إسماعيل والناصر داود صاحب الكرك عسقلان وطبريّة حين سلماهم القدس في سنة إحدى وأربعين وستمائة. ثم فتح «الصالح أيوب» صاحب مصر غزّة واستولى عليها في سنة اثنتين وأربعين وستمائة. ثم فتح (الظاهر بيبرس) في سنة اثنتين وستين وستمائة قيساريّة وأرسوف؛ وصفد ويافا في سنة أربع وستين وستمائة. وفتح صهيون في سنة ست وستين وستمائة، وأطرابلس في سنة ثمان وثمانين. ثم فتح ابنه (الأشرف خليل) عكّا في سنة تسعين وستمائة، وتتابعت فتوحه ففتح صيدا وبيروت وعثليث في السنة المذكورة. وبفتوحه تكاملت بلاد السواحل بأجمعها. ولما فتحت هدمت جميعها خوفا أن يملكها الفرنج ثانيا وبقيت بأيدي المسلمين إلى الآن.

стр. 1899

ومن ذلك أنطاكية- التي هي قاعدة العواصم. فإنها كانت بيد باغي سيان «١» ابن محمد بن ألب أرسلان السلجوقي إلى أن غلب عليها الفرنج في سنة إحدى وتسعين وأربعمائة، وقتلوا باغي سيان المذكور، وقتل فيها ما يزيد على مائة ألف نفس بعد حصار تسعة أشهر، وملكوا معها كفر طاب، وصهيون، والشّغر وبكاس، وسرمين والدّر بساك وغيرها من بلاد حلب، وبالغوا حتّى جاوزوا الفرات إلى بلاد الجزيزة؛ وملكوا الرّها وسروج وغيرهما من بلادها حتّى فتح السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب الشّغر وبكاس وسرمين وغيرها في سنة أربع وثمانين وخمسمائة. ثم استعادتها الفرنج بعد فتحه؛ ثم فتح أنطاكية «الظاهر بيبرس» في سنة ست وستين وستمائة، فبقيت في أيدي المسلمين إلى الآن. ومن ذلك- باقي بلاد الثّغور والعواصم كآياس وأذنة والمصّيصة وطرسوس وبغراس وبهسنى والدّر بساك وسيس وغيرها من بلاد الثغور. فإن الأرمن وثبوا عليها قبل الأربعمائة واستولوا على نواحيها ومنعوا ما كانوا يؤدّونه من الإتاوة للمسلمين، واستضافوا إلى ذلك قلعة الروم وما قاربها، فبقيت في أيديهم حتّى فتح الظاهر بيبرس بغراس وبهسنى والدّر بساك وغيرها، وانتزعها من الأرمن في سنة ثمان وستين وستمائة. وفتح الأشرف «خليل بن قلاوون» قلعة الرّوم، وانتزعها من يد خليفتهم في سنة إحدى وتسعين وستمائة، وسمّاها قلعة المسلمين على ما تقدّم في الكلام على الأعمال الحلبية. وفتح «الناصر محمد بن قلاوون» في سلطنته الثالثة آياس «٢» ، وما والاها

стр. 1900

في سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وفتح «الأشرف شعبان بن حسين» بن الناصر محمد بن قلاوون سيس وسائر بلاد الأرمن على يد قشتمر المنصوريّ نائب حلب. ومن ذلك- قلاع الدعوة، التي هي الآن من أعمال طرابلس: وهي مصياف والعلّيقة والمنيقة والكهف والقدموس والخوابي. فإنها كانت بأيدي الإسماعيلية المعروفين الآن بالفداوية، قبل دخلوهم في طاعة ملوك الديار المصرية، فبقيت بأيديهم حتّى انتزعها منهم الملك «الظاهر بيبرس» في سنة ثمان وستين وستمائة، وانتزع منهم العلّيقة في سنة تسع وستين. ثم انتزعت منهم باقي القلاع في سنة إحدى وسبعين ودخلوا تحت طاعة ملوك مصر من حينئذ، وصاروا شيعة لهم. وهذا آخر ما يحتمله الكتاب مما يحتاج إلى معرفته. الطّرف السادس من الفصل الثاني، من الباب الثالث، من المقالة الثانية في ذكر أحوال المملكة الشامية؛ وفيه مقصدان قد تقدّم أن الممالك المعتبرة بالبلاد الشامية ستّ ممالك في ست قواعد، وكلّ مملكة منها قد صارت نيابة سلطنة مضاهية للمملكة المستقلة.

стр. 1901

النيابة الأولى نيابة دمشق؛ وفيها جملتان «١» المقصد الأول في ترتيب نياباتها على ما هي مستقرة عليه الجملة الأولى في ذكر أحوالها في المعاملات ونحوها أما الأثمان المتعامل بها فيها، فعلى ما تقدّم في الكلام على معاملات الديار المصرية من المعاملة بالدنانير المصرية ونحوها وزنا، والدنانير الافرنتية «٢» عدّا، والدراهم النّقرة «٣» وزنا لا تختلف النقود في ذلك، إلا أن الصّنجة «٤» في أوزان الذهب بالديار المصرية تخالف الصنجة الشامية في ذلك، فتنقص الصنجة الشامية عن المصرية كل مائة مثقال مثقال وربع مثقال، وتنقص صنجة الدراهم الشامية عن الصّنجة المصرية كل مائة درهم درهم؛ والمعاملة فيها بفلوس صغار، وكان يتعامل بها في الديار المصرية في الزمن الأول قبل ضرب الفلوس الجدد «٥» ، حسابا عن كل درهم أربعة وستون فلسا، وكل أربعة فلوس منها يعبّر عنها عندهم بحبة، ثم راجت الفلوس الجدد عندهم بعد سنة ثنتين وثمانمائة. إلا أن كلّ «٦» بدرهم بخلاف ما تقدّم في الديار المصرية من أن كل أربعة وعشرين فلسا منها بدرهم.

стр. 1902

وأما رطلها الذي يعتبر به موزوناتها فستمائة درهم بدرهمهم المتقدّم تقديره، وأواقيّه إثنتا عشرة أوقية، كلّ أوقية خمسون درهما. وأما كيلها الذي يعتبر به مكيلاتها فبالغرارة، وهي اثنا عشر كيلا، كلّ كيل ستة أمداد، ينقص قليلا عن ربع الويبة المصريّ، ونسبة الإردب من الغرارة أن كل غرارة ومدّ ونصف ثلاثة أرادب بالكيل المصريّ تحريرا على الدمشقيّ. ثم قال «١» : لكن كيل دمشق ورطلها هو المعتبر وإليه المرجع. وأما قياس قماشها فبذراع يزيد على ذراع القماش بالقاهرة بنصف سدس ذراع وهو قيراطان. وأما قياس أرض الدّور بها وما في معناها، فإنه يعتبر بذراع العمل «٢» المتقدّم الذكر في الديار المصرية. وأما سعرها فقال في «مسالك الأبصار» : سعر اللحم بها أرخص من مصر والدّجاج والإوزّ أغلى من مصر، وكذلك السّكّر؛ ولم يتعرّض لغير ذلك. ولا خفاء في أن الفاكهة فيها أرخص من مصر بالقدر الكبير، والقمح والشعير والباقلاء نحو من سعر مصر؛ وذلك كله عند اعتدال الأسعار. أما حالة الغلاء فيختلف الحال بحسبه. الجملة الثانية في ترتيب مملكتها؛ وهو ضربان الضرب الأول في ترتيب حاضرتها أما جيوشها، فعلى ما تقدّم في الديار المصرية في اجتماعها من الترك

стр. 1903

والجركس والروم والروس والآص «١» ، وغير ذلك من الأجناس المضاهية للترك في الزّيّ، ويزيد بها التّركمان المتميزون عن صفة الترك وزيّهم، وجندها ينقسمون إلى ما تقدّم في الديار المصرية: من الأمراء المقدّمين والطبلخانات والعشرات، ومن بين المقدّمين والطبلخانات: كأمراء السبعين والخمسين، وما بين العشرات والطبلخانات كالعشرينات ونحوهم؛ وكذلك مقدّمو الحلقة «٢» وجندها، ولا وجود فيها للمماليك السلطانية لأنهم لا يكونون إلا بحضرة السلطان. وقد أخبرني من له خبرة بحال مملكتها أن الأمراء المقدّمين بها كانوا في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون عشرة غير النائب بها، وربما نقصوا الآن عن ذلك، وأن أمراء الطبلخانات بها كانوا إذ ذاك أربعين وأنهم الآن نيّف وخمسون، وأن أمراء العشرات كانوا بها ألفين ومائة وخمسين بما فيهم من البحرية «٣» . وأما إقطاعاتها- فقال في «مسالك الأبصار» : إن إقطاعاتها لا تقارب إقطاعات مصر، بل تكون على الثلثين منها، إلا في أكابر الأمراء المقرّبين بحضرة السلطان فإن إقطاعاتهم خارجة عن العادة فلا يعتدّ بها. قال: ولا أعرف بالشأم ما يقارب ذلك إلا ما هو لنائب دمشق. وأما بيوتاتها السلطانية- فقال في «مسالك الأبصار» : بها خزانة تخرج منها الإنعامات والخلع، وخزائن سلاح، وزردخاناه «٤» ، وبيوت تشتمل على

стр. 1904

حاشية سلطانية مختصرة، حتّى لو جهز السلطان إليها «١» جريدة وجد بها من كل الوظائف القائمة بدولته. قال: وكل أمير أمّر فيها أو في غيرها من الشام أو ربّ وظيفة ولّي وظيفة من عادة متوليها لبس خلعة أو خدم أحد خدمة في مهم من المهمات أو أمر من الأمور يستوجب خلعة أو إنعاما ولم يخلع عليه من مصر كان من دمشق خلعته وإنعامه، ومنها تخرج أعلام الإمرة وطلائعهن وشعار الطبلخاناة. وفي خزائن السلاح بها تعمل المجانيق والسلاح، ويحمل إلى الشام وتعمر به البلاد والقلاع، ومن قلعتها تجرّد الرجال وأرباب الصنائع إلى جميع قلاع الشام، وتندب في التجاريد «٢» والمهمات. قلت: أما باقي البيوت كالفراش خاناه «٣» والإصطبلات السلطانية وما شاكلها، فلا وجود لها فيها مما ينسب إلى السلطان، بل يكون ذلك للنائب قائما مقام السلطان لأنه في الحقيقة السلطان الحاضر؛ وكان بها مطابخ السكّر السلطانية فأضيفت إلى من يتحدّث في الأغوار من النائب أو غيره من الأمراء الأكابر. الضرب الثاني في بيان أرباب الوظائف بدمشق على تباين مراتبهم؛ ووظائفها المعتبرة على خمسة أصناف الصنف الأول وظائف أرباب السيوف وهي مضاهية لوظائف أرباب السّيوف بالحضرة السلطانية في كثير منها؛ وهي عدّة وظائف: (منها) نيابة السلطنة بها- وهي أجلّ نيابات المملكة الشامية وأرفعها في

стр. 1905

الرتبة، ونائبها يضاهي النائب الكافل بالحضرة السلطانية في الرتبة والألقاب والمكاتبة، ويعبّر عنه في المكاتبات السلطانية وغيرها «بكافل السلطنة الشريفة بالشام المحروس» ويكتب له من الأبواب السلطانية تقليد شريف من ديوان الإنشاء الشريف؛ وهو قائم بدمشق مقام السلطان في أكثر الأمور المتعلقة بنيابته، ويكتب عنه التواقيع الكريمة، ويكتب عنه المربّعات بتعيين إقطاعات الجند، وتجهّز إلى الأبواب الشريفة فيشملها الخطّ الشريف السلطانيّ، ويترتب حكم المربعات المصرية والمناشير على حكمها كما سيأتي في الكلام على المناشير في موضعها إن شاء الله تعالى؛ وهو يكتب على كل ما يتعلق بنيابته من المناشير والتواقيع والمراسيم الشريفة بالاعتماد؛ ومعه يكون نظر البيمارستان النّوري «١» بدمشق كما يكون نظر البيمارستان المنصوريّ «٢» بالقاهرة مع أتابك العساكر؛ وكذلك يكون معه نظر الجامع الأمويّ بها. (ومنها) نيابة القلعة بها- وهي نيابة منفردة عن نيابة السلطنة، ليس لنائب السلطنة عليها حديث، وولايتها من الأبواب السلطانية بمرسوم شريف يكتب من ديوان الإنشاء الشريف. قال في «التثقيف» : وكان عادة نائبها في الأيام المتقدّمة مقدم ألف، ثم استقرت بعد ذلك طبلخاناه، وهي على ذلك إلى الآن. ومن شأنه حفظ القلعة وصونها، ولا يسلّم مفتاحها لأحد إلا لمن يتولاها مكانه أو لمن يأمره السلطان بتسليمه له. ولنائبها أجناد بحريّة مقيمون في القلعة لخدمته، ولا يحضر هو ولا أحد منهم دار النيابة بالمدينة، ولا يركبون في الغالب. وقد أخبرني بعض أهل المملكة أن بالقلعة طبلا مرتّبا لاستعلام أوقات الليل إذا أذّن للعشاء الآخرة ضرب عليه عند مضيّ كل أربع درج ضربة واحدة إلى أن ينقضي ثلث الليل الأول. فإذا دخل الثلث الثاني ضرب عليه عند مضيّ كل أربع درج ضربتين إلى إلى انقضاء الثلث الثاني. فإذا دخل الثلث الثالث ضرب عليه عند مضيّ كل أربع

стр. 1906

درج ثلاث ضربات إلى أن يؤذّن للصبح. قال: وهكذا شأن سائر القلاع بالممالك الشامية. (ومنها) الحجوبية- وكان بها في الأيام الناصرية ابن قلاوون فيما يقال ثلاثة حجّاب، أحدهم حاجب الحجّاب، ويعبر عنه في ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية بأمير حاجب؛ وعادته أن يكون مقدّم ألف من الزمن القديم وهلمّ جرّا؛ وهو الرتبة الثانية من النائب؛ ومن شأنه الجلوس بدار العدل، ولا يقف كما يقف حاجب الحجّاب بين يدي السلطان بالديار المصرية، وإذا خرج النائب عن دمشق في مهمّ أو غيره، كان هو نائب الغيبة عنه. وإذا برز مرسوم السلطان بالقبض على نائب السلطنة بها، كان هو الذي يقبض عليه ويفعل فيه ما يؤمر به من سجن أو غيره، ويقوم بأمر البلد إلى أن يقام نائب آخر. والحاجبان الآخران طبلخانتان أو طبلخاناه وعشرة، وربما كانوا أربعة: حاجب الحجّاب وثلاث طبلخانات أو طبلخانتان وعشرون أو عشرة أو غير ذلك؛ ورتبهم في المواكب أن يكون حاجب الحجّاب والذي يليه في الرتبة ميمنة والثاني ميسرة. ثم صاروا في الأيام الظاهرية برقوق خمسة أو ستة. ولم تجر العادة بأن يكتب لأحد منهم مرسوم شريف من الأبواب الشريفة عند ولايته، ولا مدخل للنائب بها في كتابة ما يوقع لأحد منهم. (ومنها) شدّ المهمّات- وهي رتبة جليلة، وموضوعها التحدّث في أمور الاحتياجات السلطانية، وتارة لنائب السلطنة بدمشق، وتارة لحاجب الحجاب، وتارة لبعض الأمراء من المقدّمين والطبلخانات بحسب ما يقتضيه رأي السلطان. (ومنها) نقابة القلعة بها- وهي إمرة عشرة بمرسوم شريف، يكتب له من الأبواب الشريفة. (ومنها) نقابة النّقباء- وهما نقيبان: نقيب للميمنة ونقيب للميسرة. (ومنها) الخزنداريّة- وموضوعها التحدّث على الخلع والتشاريف السلطانية بالقلعة وعادتها أربعة طواشيّة خصيان بعضهم أعلى من بعض، أحدهم في رتبة أمير طبلخاناه أو أمير عشرين، والثاني دونه، والثالث دونه، والرابع دونه؛

стр. 1907

وكل منهم له توقيع كريم من نائب السلطنة بدمشق على قدر رتبته. (ومنها) نقابة الجيش- وفيها ثلاثة نفر، أكبرهم يعبر عنه بنقيب النقباء، تارة يكون أمير طبلخاناه، وفي غالب الأوقات أمير عشرة، ودونه اثنان من جند الحلقة. ويكتب لكل منهم توقيع كريم عن النائب على قدر رتبته. (ومنها) شدّ الدواوين- وموضوعها التحدّث في استخراج الأموال السلطانية رفيقا للوزير كما في الديار المصرية، وكانت في الأيام المتقدّمة إمرة طبلخاناه، ثم استقرّت إمرة عشرة. وهي الآن جنديّ من أجناد الحلقة، ويكتب لمتوليها توقيع كريم عن النائب. (ومنها) شدّ الأوقاف- وموضوعها التحدّث على أوقاف المسلمين بدمشق، وعادتها إمرة عشرة، وربما كانت طبلخاناه، ويكتب لمتوليها توقيع كريم عن النائب. (ومنها) شدّ الخاصّ- وعادته طبلخاناه أو عشرة أيضا. (ومنها) شدّ الزكاة- وموضوعها التحدّث على متجر الكارم «١» ونحوه، وكانت في الزمن المتقدّم إمرة عشرة، وهي الآن جنديّ، ويكتب لمتوليها توقيع كريم عن النائب. (ومنها) شدّ العشر «٢» - وموضوعها التحدّث في واصل «٣» الفرنج، وكانت إمرة عشرة، وهي الآن جنديّ، ويكتب لمتوليها توقيع كريم عن النائب. (ومنها) شدّ الطّعم- وهي بمثابة الوكالة بالديار المصرية، وولايتها عن النائب بتوقيع كريم، وعادتها إمرة عشرة أو مقدّم حلقة أو جنديّ، ويكتب بها توقيع كريم عن النائب.

стр. 1908

(ومنها) ولاية المدينة- وموضوعها التحدّث في أمر الشّرطة كما في سائر الولايات، وعادتها إمرة عشرة، وربما وليها جنديّ، ويكتب بها توقيع كريم عن النائب. (ومنها) المهمنداريّة «١» - وموضوعها تلقي الرّسل الواردين، في أمور أخرى كما في الديار المصرية. وقد أخبرني بعض أهل المملكة أنه كان بها في الأيام الناصرية ابن قلاوون في نيابة الأمير تنكز مهمندار واحد مقدّم ألف، ثم استقرّت في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» نفرين، وهي على ذلك إلى زماننا، وهما الآن أمير عشرة، وجنديّ، ويكتب لكل منهما توقيع كريم عن النائب على قدر رتبته. (ومنها) أمير اخورية البريد- وموضوعها التحدّث على خيول البريد بدمشق ونواحيها. وأخبرني بعض أهل هذه المملكة أنه لم يزل بها أمير عشرة من الأيام الناصرية ابن قلاوون وإلى الآن. (ومنها) تقدمة البريد- وموضوعها التحدّث على جماعة البريدية بدمشق. وأخبرني بعض أهل المملكة أنها كانت في الأيام الناصرية ابن قلاوون منحصرة في واحد من جملة البريدية، ثم استقر فيها الآن اثنان إما إمرة عشرة وإمرة خمسة، أو إمرة خمسة وجنديّ، أو نحو ذلك؛ ويكتب لكل منهما توقيع كريم عن النائب على قدر مرتبته. (ومنها) شدود صغار متعدّدة، يولّى بها أجناد بتواقيع لهم عن النائب: كشدّ دار البطّيخ والفاكهة، وشدّ المسابك من الحديد والنّحاس والزّجاج وغير ذلك، وشدّ المواريث الحشرية «٢» ونحو ذلك. وكان لمطابخ السّكّر شدّ مفرد يولّى بتوقيع كريم عن النائب، ثم استقر ذلك مضافا لمن يتحدّث على الأغوار من النائب أو غيره.

стр. 1909

قلت: أما سائر أرباب الوظائف من الأمراء المستقر مثلهم بالحضرة السلطانية: كرأس نوبة، وأمير مجلس، وأمير سلاح، وأمير اخور، وأمير جاندار، وأستادار المباشرة، وأستادار الصحبة، وشادّ الشراب خاناه، والجاشنكير، ومقدّم المماليك ونحوهم «١» ، فلا وجود لهم هناك. وإنما يكون للنائب مثلهم من أجناده كغيره من سائر الأمراء. الصنف الثاني الوظائف الدّيوانية؛ وهي عشر وظائف (منها) الوزارة- وهي تارة تعلو رتبة صاحبها بأن يكون جليل القدر، كما إذا كان قد تقدّمت له ولاية وزارة بالديار المصرية أو نحو ذلك فيصرّح له بالوزارة، وتارة تقصر رتبته عن ذلك فيطلق عليه ناظر المملكة الشامية، ولا يسمح له من ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية باسم الوزارة، وإن كان الجاري على ألسنة العامة إطلاق لفظ الوزير عليه. وكيفما كان فإنما يوليه السلطان من الأبواب الشريفة، إن كان وزيرا كتب له تقليد، وإن كان ناظر المملكة كتب له مرسوم. قلت: وقلّ أن يليها أرباب السيوف، فإن وقع ذلك احتاج معه إلى ناظر مملكة كما يكون ناظر الدولة مع الوزير ربّ السيف بالديار المصرية. (ومنها) كتابة السّرّ- ويعبر عن متوليها في ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية بصاحب ديوان الإنشاء بالشام المحروس، ولا يقال فيه: صاحب دواوين الإنشاء كما في الديار المصرية. على أنها تضاهي كتابة السر بالديار المصرية في الرياسة ورفعة القدر. وموضوعها على نحو ما تقدّم في الديار المصرية. وكيفما كان فإنما يولّى من الأبواب السلطانية بتوقيع شريف، ويحترز السلطان فيها على أن يكون كاتب السر من خاصته الموثوق بهم ليطالعه بخفيات أمور المملكة وما

стр. 1910

يحدث بها مما لعل النائب قد يخفيه «١» عن السلطان. وبديوانه كتّاب الدّست «٢» وكتّاب الدّرج «٣» كما بالديار المصرية، ويقال إنه كان عدّة كتّاب الدست في الأيام الناصرية ابن قلاوون نفرين وكتّاب الدّرج جماعة يسيرة، ثم زاد الأمر كما في الديار المصرية. وولايات كتّاب الدّست وكتّاب الدّرج بتواقيع كريمة عن النائب دون الأبواب الشريفة. وأخبرني بعض أهل دمشق العارفين بأحوال المملكة أن كاتب السرّ في الزمن المتقدّم لم يكن يحضر دار العدل مع النائب، وإنما كان يحضر كتّاب الدست فقط فيوقّعون بما يحتاج إليه في المجلس وينصرفون إلى كاتب السر فيخبرونه بما اتّفق، وكاتب السر يجتمع بالنائب في أوقات مخصوصة فيما يتعلق «٤» بالأمور السلطانية فقط، وكان كاتب السرّ ربما داجى «٥» عليه الموقّعون فيما يقع بدار العدل فيلحقه بعض الخلل. فلما ولي كتابة السرّ القاضي «٦» سعى السعي العظيم حتّى أذن له في الحضور بدار العدل والتوقيع فيه، واستمر ذلك إلى الآن. (ومنها) نظر الجيش- وموضوعه التحدّث في الإقطاعات: إما في كتابة مربّعات تكتب بما يعينه النائب من الإقطاعات المتوفّرة عن أربابها بالموت ونحوها وتكميلها بخطوط ديوانه، ويجهزها النائب إلى الأبواب الشريفة ليشملها الخطّ الشريف السلطانيّ، وتحمل إلى ديوان الجيوش بالديار المصرية فتجعل

стр. 1911

شاهدا مخلّدا فيه، وتكتب منه مربعة، بمقتضاها يخرج المنشور على نظيرها كما تقدّمت الإشارة إليه، وإما في إثبات المناشير الشريفة التي تصدر إليه من الأبواب السلطانية بديوانه حفظا لحسبانات المقطعين. وليس بالشام كتابة مناشير أصلا، بل ذلك مختص بالأبواب السلطانية، فإن كان فيه كتابة الدست وقّع بدار العدل في جملة الموقعين وإلا فلا، وإذا كان موقعا جلس مجلس ناظر الجيش وإن كان متأخرا في القدمة عن غيره من الموقّعين، وولاية هذا الناظر من الأبواب الشريفة السلطانية بتوقيع شريف. وبديوانه عدّة مباشرين من صاحب ديوان وكتّاب وشهود، ولايتهم عن النائب بتواقيع كريمة. وناظر الجيش هو الذي يحكم في المحاكمات الديوانية كما يحكم فيها مستوفي المرتجع «١» بالديار المصرية. (ومنها) نظر المهمّات الشريفة- وهي وظيفة جليلة يكون متوليها من أرباب الاقلام رفيقا لشادّ المهمات المتقدّم ذكره من أرباب السيوف: من النائب أو حاجب الحجّاب أو غيرهما. وهي تارة تضاف إلى الوزارة، وتارة تفرد عنها بحسب ما يراه السلطان. وولايتها من الأبواب السلطانية بتوقيع شريف. وبهذا الديوان عدّة مباشرين من كتّاب وشهود؛ فيوليهم النائب بتواقيع كريمة. (ومنها) نظر الخاص- وموضوعه هناك التحدّث فيما يتعلق بالمستأجرات السلطانية وغيرها من الأغوار وما يجري مجراها، وربما أضيف نظرها للوزير. (ومنها) نظر الخزانة، ويعبر عنها بالخزانة العالية. ومتوليها يكون رفيقا للخازندارية من الطواشيّة المتقدّم ذكرهم، فيكون متحدّثا في أمر التشاريف والخلع وما معها؛ وهي وظيفة جليلة يوليها النائب بتوقيع كريم. (ومنها) نظر البيمارستان النّوريّ- وقد صار النظر عليه معدوقا «٢» بالنائب،

стр. 1912

يفوّض التحدّث فيه إلى من يختاره من أرباب الأقلام. (ومنها) نظر الجامع الأمويّ- وفي الغالب يكون مع قاضي القضاة الشافعيّ. (ومنها) نظر خزائن السّلاح- وموضوعها كما في الديار المصرية، وولايتها عن النائب بتوقيع كريم. (ومنها) نظر البيوت- وموضوعها على ما تقدّم في الديار المصرية، وولايتها عن النائب بتوقيع كريم. وأخبرني بعض الدّمشقيّين أن هذه الوظيفة اسم على غير مسمّى لا حقيقة لها ولا مباشرة، لعدم البيوت السلطانية هناك. (ومنها) نظر بيت المال- وحكمها كما في الديار المصرية. (ومنها) نظر ديوان الأسرى- وهو التحدّث في الأوقاف التي تفدى بها الأسرى. (ومنها) نظر الأسواق- وموضوعها كما تقدّم في الديار المصرية من التحدّث على سوق الرقيق والخيل ونحوها، وولايتها عن النائب بتوقيع كريم. (ومنها) نظر مراكز البريد- ومتوليها يكون رفيقا لأمير اخور البريد المقدّم ذكره، وولايته عن النائب بتوقيع كريم. (ومنها) نظر الحوطات- وهو على نحو من استيفاء المرتجع بالديار المصرية في تحصيل الأموال السلطانية. أما الحكم في المحاكمات الديوانية، فيختص بناظر الجيش كما تقدّم ذكره. (ومنها) نظر المسابك- ومتوليه يكون رفيقا لشادّ المسابك المتقدّم ذكره في أرباب السيوف، وولايته عن النائب بتوقيع كريم. قلت: ويضم إلى كل نظر من هذه الأنظار مباشرون: من شهود وغيرهم، يكتب لذوي الصوب منهم تواقيع كريمة عن النائب بوظائفهم، في أنظار أخرى لا يسع استيفاؤها: كنظر المواريث

стр. 1913

الحشرية وغيرها. ومما أهمل من الأنظار بها نظر مطابخ السّكّر كما أهمل شدّها لإضافتها إلى المتحدّث في الأغوار على ما تقدّم ذكره في الكلام على وظائف أرباب السيوف. الصنف الثالث من الوظائف بدمشق الوظائف الدينية؛ وهي عدّة وظائف أيضا (منها) قضاء القضاة- وبها أربع قضاة من المذاهب الأربعة على الترتيب المتقدّم في الديار المصرية. فأعلاهم الشافعيّ وهو المتحدّث على الموازع الحكمية والأوقاف وأكثر الوظائف؛ ويختص بتولية النواب في النواحي والأعمال بجميع أعمال دمشق حتّى في غزّة، ويليه في الرتبة الحنفيّ، ثم المالكيّ، ثم الحنبليّ. وكان استقرار القضاة الأربعة بها بعد حدوث ذلك بالديار المصرية، لكن لم تستقر الأربعة دفعة واحدة كما وقع في الديار المصرية في الدولة الظاهرية بيبرس، بل على التدريج. وأقدمهم فيها الشافعيّ؛ وولاية الأربعة من الأبواب الشريفة بتواقيع شريفة. (ومنها) قضاء العسكر- وموضوعه كما تقدم في الديار المصرية، وبها قاضيا عسكر شافعيّ، وحنفيّ؛ وليس بها مالكيّ، ولا حنبليّ؛ وولايتهما من الأبواب الشريفة السلطانية بتواقيع شريفة. (ومنها) إفتاء دار العدل- وهي على ما تقدّم في الديار المصرية أيضا، وبها مفتيان شافعيّ وحنفيّ، كما في قضاء العسكر، وولايتهما عن النائب بتواقيع كريمة. (ومنها) وكالة بيت المال- وموضوعها ما تقدّم في الديار المصرية، وولايتها من الأبواب الشريفة السلطانية بتوقيع شريف ووكالته مثبوتة «١» على الحكام منفّذة. ولكن لا جلوس له بدار العدل كما يجلس وكيل بيت المال بالديار

стр. 1914

المصرية، إلا أن يكون كاتب دست فيجلس بواسطتها في جملة الموقّعين لا بالوكالة. (ومنها) نقابة الأشراف- والأمر فيها كما في الديار المصرية، وولايتها عن النائب بتوقيع كريم. وقد تقدّم عليها في الديار المصرية أنه كان من حقها أن تورد في جملة وظائف أرباب السيوف إذ يكتب في توقيع متوليها «الأميري» وإن كان متعمما، وإنما التغليب العرفيّ اقتضى ذكرها في جملة وظائف أرباب الأقلام. (ومنها) مشيخة الشيوخ- وموضوعها كما في الديار المصرية: من التحدّث على جميع الخوانق والفقراء بدمشق وأعمالها؛ والعادة أن يكون متوليها شيخ الخانقاه الشّميصاتية بدمشق، وولايتها عن النائب بتوقيع كريم. (ومنها) الحسبة- وهي كما تقدّم في الديار المصرية من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وولايتها عن النائب بتوقيع كريم. ولا مجلس لمتوليها بدار العدل كما يجلس محتسب القاهرة بدار العدل في الديار المصرية، وإليه ولاية نوّاب الحسبة بجميع أعمال دمشق. (ومنها) الخطابات المعدوقة بنظر النائب- فيولّى فيها بتواقيع كريمة حتّى إنه ربما كتب عنه التواقيع بخطابة الجامع الأمويّ، وإن كان الغالب أنها لا تولّى إلا من الأبواب الشريفة بتوقيع شريف، وقد صارت مضافة لقاضي القضاة الشافعيّ. (ومنها) التداريس- وتختلف باختلاف حال من يتولاها في الرّفعة وغيرها، وولاياتها عن النائب بتواقيع كريمة غالبا والله أعلم. الصنف الرابع من الوظائف بدمشق وظائف أرباب الصنّاعات (فمنها) رياسة الطّبّ، ورياسة الكحّالين، ورياسة الجرائحية- وكلّها على نحو ما تقدّم في الديار المصرية، وولاية كل منها بتوقيع كريم عن النائب. أما مهتارية «١» البيوت وما في معناها، فهناك تختص بالنائب لقيامه مقام السلطان

стр. 1915

واختصاص البيوت به. الصنف الخامس وظائف زعماء أهل الذمة بها وفيها بطرك النصارى اليعاقبة «١» ، وبطرك النصارى الملكانية «٢» ، ورئيس اليهود القرّايين «٣» والربّانيين، ورئيس السامرة «٤» ، ولكنه مقيم بمدينة نابلس التي هي مدينتهم المعظمة عندهم، وإلى طورها حجّهم، وله نائب مقيم بدمشق. قلت: وربما كتب عن السلطان من الأبواب الشريفة بتواقيع ومراسيم بالحلّ «٥» على ما تصدر ولايته عن النائب، وربما كتب به عنه ابتداء. الجملة الثالثة في ترتيب النيابة بها وتوافق ترتيب السلطنة في الديار المصرية في بعض الأمور، وتخالفها في

стр. 1916

بعض. وكان عادة النائب بها في المواكب أن يركب في العسكر من الأمراء ومقدّمي الحلقة وأجنادها في كل يوم اثنين وخميس، ويخرجون إلى سوق الخيل تحت القلعة فيسيّرون خيولهم، وتعرض عليهم خيول المناداة وغيرها من آلات السلاح ونحوها، وينادى بينهم على العقار من الدور والضّياع وغيرها، ولا يتعدّون سوق الخيل إلى غيره. أما الآن فإنهم قد رفضوا التسيير بسوق الخيل، وصار النائب يخرج بالعسكر إما إلى ميدان ابن أتابك، وإما إلى قبة يلبغا: قبليّ دمشق، وإما إلى المزّة غربيّ دمشق، وإما إلى القابون شماليّ دمشق على حسب ما يختاره، فيسيّرون هناك بدلا من تسيرهم بسوق الخيل، ولا يسيّرون بسوق الخيل إلا في يوم مهمّ من حضور رسل من بعض الملوك الغرباء ونحو ذلك. فإذا فرغوا من التسيير عند ارتفاع النهار، عاد النائب في موكبه حتّى يأتي باب الحديد من أبواب القلعة، ويقف الأمراء على ترتيب منازلهم، وينادى بينهم على العقار والدّور وغيرها، وكذلك الخيول والسلاح. ثم يسير النائب إلى دار النيابة، فإن كان في المواكب سماط تقدّم الأمراء في خدمته، ويترجل مماليكه من سوق الخيل، ثم الأمراء على القرب من دار النيابة على ترتيب منازلهم حتّى يكون ترجل المقدّمين على باب النيابة، ويبقى النائب راكبا وحده حتّى ينتهي إلى قاعة عظيمة معدّة للجلوس في المواكب بمثابة الإيوان الذي يجلس فيه السلطان بقلعة الجبل بالديار المصرية، ويصدّر بها كرسي من خشب مغشّى بغشاء من الحرير الأطلس الأصفر، وعليه سيف نمجاه «١» ، مسند إلى صدره، فيجلس النائب بصدر القاعة على مقعد مختصّ به، لا يشاركه أحد في الجلوس عليه، وخلفه بشتميخ «٢» منصوب وراء ظهره كعادة الأمراء، ويكون الكرسيّ المذكور على نحو ثلاثة أذرع منه؛ ويجلس قاضي القضاة الشافعيّ عن يمين النائب على نحو ثلاثة أذرع منه، مسندا ظهره إلى جدار صدر القاعة، ويجلس قاضي القضاة الحنفيّ عن يمينه، وقاضي القضاة المالكيّ عن يمين الحنفيّ، وقاضي القضاة الحنبليّ عن يمين

стр. 1917

المالكيّ، وقاضي العسكر الشافعيّ عن يمين قاضي القضاة الحنبليّ، وقاضي العسكر الحنفيّ عن يمين قاضي العسكر الشافعيّ، صفّا مساويا للنائب في صدر القاعة؛ ويجلس كاتب السر من جهة يسار النائب ملاصقا لمقعده الذي هو جالس عليه، جاعلا يمينه إلى جدار صدر القاعة وظهره إلى جهة الكرسيّ بانحراف قليل لمواجهة النائب؛ وكتّاب الدست بالميسرة تحته بالتدريج على حسب القدمة صفّا ممتدا من كاتب السر إلى جهة باب القاعة، ويجلس الوزير مقابل كاتب السر من الجانب الآخر على سمت يمين قاضي القضاة الحنبليّ، ويجلس ناظر الجيش تحته، وكتّاب الدست بالميمنة تحت ناظر الجيش على الترتيب بالقدمة أيضا، آخذا من الوزير إلى جهة باب القاعة، فيصير كاتب السر والوزير ومن يسامتهما صفين متقابلين، ويجلس أتابك العساكر من الأمراء في رأس الميمنة خلف الوزير على بعد، وبقية الأمراء المقدّمين تحته على الترتيب بحسب القدمة، وأمراء الطبلخاناه بالميمنة تحتهم كذلك حتّى يصيروا صفّا آخر كصف الوزير ومن معه؛ ويجلس المقدّمون من أمراء الميسرة خلف كاتب السر ومن معه وتحتهم الطبلخاناه على الترتيب المتقدّم صفّا آخر مقابلا لصف الميمنة بحيث يكون أوّله خارجا عن يسار الكرسيّ. ويكون بين النائب ورأس الميمنة نحو خمسة أذرع، وبينه وبين رأس الميسرة نحو عشرة أذرع، وتقف طائفة من أمراء العشرات والخمسات ومقدّمي الحلقة بالميمنة صفّا مستقيما خلف الأتابك والأمراء الجلوس في صفّه على ترتيب منازلهم، ويقف مماليك النائب عن يسار الكرسيّ صفّا آخذا من خلف أوّل مقدّمي الميسرة بانحراف فيه إلى خلف، وطائفة من مقدّمي الحلقة خلف الأمراء الجالسين في الفرجة الواقعة بينهم وبين مماليك النائب؛ ويجلس حاجب الحجّاب أمام النائب في آخر صفي الموقعين الممتدّين من كاتب السر والوزير بميلة إلى صف الميمنة؛ ويقف بقية الحجاب خلفه، ونقباء الجيش خلفهم. وترفع القصص فيتناولها نقباء الجيش ويوصلونها إلى حاجب الحجّاب فيتناولها ويقوم فيوصّلها إلى كاتب السر فيفرّقها على الموقّعين، ويبتديء هو بالقراءة فيقرأ ما بيده من القصص ويوقّع عليها بما يرسم به النائب، ثم يقرأ الذي

стр. 1918

يليه، ثم الذي يليه إلى آخر صفه. فإذا فرغ ذلك الصف من القراءة، قرأ من هو أوّل الصف الذي في جانب الوزير، ثم الذي يليه، ثم الذي يليه إلى آخر الصف. فإذا انتهت القراءة، قام القضاة ومن في صفهم وكاتب السر والوزير وناظر الجيش وسائر أرباب الأقلام فينصرفون، فإذا انقضى المجلس وانصرف القضاة ومن معهم، مدّ السّماط، ويجلس النائب على رأس السماط والأمراء ومقدّمو الحلقة على ترتيب منازلهم فيأكلون، ثم يرفع السماط ويتحوّل النائب إلى طرف الإيوان فيجلس فيه، ويجلس قدّامه كاتب السر وناظر الجيش وتأتي المحاكمات فيفصلها، ويقرأ عليه كاتب السر ما يرفع في ذلك المجلس من القصص؛ ويتكلم مع ناظر الجيش فيما يتعلق بأمر الجيش والإقطاعات، ثم يقوم من مجلسه ذلك وينصرف كاتب السر وناظر الجيش. قال في «مسالك الأبصار» : وتزيد عساكر الشام على غيرها ركوب يوم السبت. قلت: وهو ركوب مجرّد ليس فيه دار عدل ولا سماط. على أنه ربما أهمل حضور دار العدل ومدّ السماط في يومي الاثنين والخميس أيضا كما في الديار المصرية. المقصد الثاني في ترتيب ما هو خارج عن حاضرة دمشق وهو على ضربين الضرب الأوّل ما هو خارج عن حاضرتها من النّيابات والولايات قد تقدّم أن لدمشق أربع صفقات: غربية (وهي الساحلية) . وقبلية وشمالية. وشرقية. ففي الصفقة الأولى وهي الغربية نيابتان وخمس ولايات. فأما النيابتان: فالأولى- (نيابة غزّة) أو تقدمة العسكر بها على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

стр. 1919

ومعاملاتها بالدنانير وبالدراهم النّقرة، وصنجتها في الذهب والفضة كصنجة الديار المصرية. وكان بها فلوس كل ثمانين منها بدرهم، ويعبّر عن كل أربعة منها بحبّة، ثم راجت بها الفلوس الجدد في أوائل الدولة الناصرية «فرج بن برقوق» ولكن كل ستة وثلاثين فلسا منها بدرهم، ورطلها سبعمائة وعشرون درهما بالدرهم المصريّ، وأواقيّة اثنتا عشرة أوقية، كل أوقية ستون درهما. ومكيلاتها معتبرة بالغرارة. وكل غرارة من غرائرها ثلاثة أرادبّ بالمصريّ؛ وقياس قماشها بالذراع المصريّ؛ وأرضها معتبرة بالفدّان الإسلاميّ والفدّان الروميّ على ما تقدم في دمشق؛ وجيوشها مجتمعة من الترك ومن في معناهم ومن العرب والتّركمان؛ وبها من الوظائف النيابة ثم تارة يصرح لنائبها بنيابة السلطنة. وبكل حال فنائبها أو مقدّم العسكر بها لا يكون إلا مقدّم ألف؛ وبها أمراء الطبلخاناه والعشرات والخمسات ومن في معناهم، وفيها من وظائف أرباب السيوف الحجوبية وحاجبها أمير طبلخاناه، وولاية المدينة وولاية البر، وشدّ الدواوين، والمهمندارية، ونقابة النقباء وغير ذلك. وبها من الوظائف الديوانية كاتب درج، وناظر جيش، وناظر مال، وولايتهم من الأبواب السلطانية. ومن الوظائف الدينية قاض شافعيّ، وولايته من قبل قاضي دمشق إذا كانت غزة تقدمة عسكر وإلا فهي من الأبواب السلطانية، وقاض حنفيّ قد استحدث، وولايته من الأبواب السلطانية، وبها المحتسب، ووكيل بيت المال ومن في معناهم وكلهم نوّاب لأرباب هذه الوظائف بدمشق كما في القاضي الشافعيّ. وليس بها قضاء عسكر ولا إفتاء دار عدل. الثانية- (نيابة القدس) - وقد تقدّم أنها كانت في الزمن المتقدّم ولاية صغيرة وأن النيابة استحدثت فيها في سنة سبع وسبعين وسبعمائة، ونيابتها إمرة طبلخاناه، وقد جرت العادة أن يضاف إليها نظر القدس ومقام الخليل ﵇؛

стр. 1920

ومعاملتها بالذهب والفضة والفلوس على ما تقدّم في معاملة دمشق؛ ورطلها «١» وكيلها يعتبر بالغرارة، وغرارتها «٢» وقياس قماشها بذراع «٣» ، وبها من الوظائف غير النيابة ولاية قلعة القدس، وواليها جنديّ وكذلك ولاية المدينة، وكانت توليتها أوّلا من جهة نائب السلطنة بدمشق، ثم أخبرني بعض أهل المملكة الشامية أن ولاية والي القلعة وولاية البلد صارتا إلى نائب القدس من حين استقرّ نيابة، وكذلك ولاية بلد الخليل ﵇. وبها قاض شافعيّ ومحتسب نائبان عن قاضي دمشق ومحتسبها، وكذلك جميع الوظائف بها نيابات عن أرباب الوظائف بدمشق. وأما الولايات: فالأولى- (ولاية الرّملة) - وكانت في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون من الولايات الصّغار بها جنديّ، ثم استقرّ بها في دولة الظاهر برقوق كاشف أمير طبلخاناه، ثم حدثت مكاتبته عن الأبواب السلطانية بعد ذلك. الثانية- (ولاية لدّ) - وقد كانت في الأيام الناصرية ابن قلاوون ولاية صغيرة بها جنديّ، ثم أضيفت إلى الرملة حين استقر بها الكاشف المقدّم ذكره. الثالثة- (ولاية قاقون) - وكان بها في الأيام الناصرية جنديّ، ثم أضيفت إلى كاشف الرملة عند استقراره. الرابعة- (ولاية بلد الخليل ﵇ - وكان في الأيام الناصرية بها جنديّ، ثم أضيفت إلى القدس حين استقرّ النائب به. الخامسة- (ولاية نابلس) - وهي باقية على حالها في الانفراد بالولاية، وواليها تارة يكون أمير طبلخاناه، وتارة أمير عشرين، وتارة أمير عشرة. وأما الصفقة الثانية وهي القبلية، فبها نيابتان وثمان «٤» ولايات.

стр. 1921

فأما النيابتان: فالأولى منهما (نيابة قلعة صرخد) - قال في «التعريف» : قد يجعل فيها من ينحطّ عن رتبة السلطنة أو تكون نيابة معظمة، وذكر نحوه في «مسالك الأبصار» وكأنه يشير إلى ما كانت عليه في زمانه، فإنه من جملة من كان نائبا بها العادل كتبغا بعد خلعه من السلطنة، ثم انتقل منها إلى نيابة حماة. واعلم أن بصرخد المذكورة قلعة لها وال خاصّ. قال في «التثقيف» : وهي من القلاع التي يستقل نائب الشأم بالتولية فيها. الثانية- (نيابة عجلون) - وقد أشار في «التثقيف» إلى أنها نيابة حيث قال: وعجلون إن كانت نيابة فإن نائب الشأم يستقل بالتولية فيها ولم تجر له عادة بمكاتبة من الأبواب الشريفة. وأما الولايات: فالأولى- (ولاية بيسان) - وواليها جنديّ. الثانية- (ولاية بانياس) - وواليها جنديّ تارة، وتارة إمرة عشرة. الثالثة- (ولاية قلعة الصّبيبة) - وكانت ولاية صغيرة وبها جنديّ ثم أضيفت إلى بانياس. الرابعة- (ولاية الشّعرا) - وكانت في الأيام الناصرية مضافة إلى بانياس، وهي الآن ولاية مفردة، وواليها جنديّ. الخامسة- (ولاية أذرعات) «١» - قال في «التعريف» : وبها مقرّ ولاية الحاكم على جميع الصفقة؛ ثم الحاكم على جميع الصفقة تارة يكون طبلخاناه وتكون ولايته عن نائب الشأم، وتارة يكون مقدّم ألف فتكون ولايته من الأبواب السلطانية. أخبرني بعض كتّاب دست دمشق أنه إن كان مقدّم ألف، سمّي كاشف الكشّاف وإن كان طبلخاناه سمّي والي الولاة وهو الغالب.

стр. 1922

السادسة- (ولاية حسبان والصّلت) - من البلقاء. أخبرني القاضي ناصر الدين بن أبي الطيب كاتب السر بدمشق أنهما إن جمعا لوال واحد كان أمير طبلخاناه أو أمير عشرة، وإن أفرد كل منهما لوال كان جنديّا. السابعة- (ولاية بصرى) - وواليها جنديّ أيضا. الصفقة الثانية الشمالية. وفيها نيابة واحدة وثلاث ولايات: فأما النيابة (فنيابة بعلبكّ) - وقد كانت في الأيام الناصرية محمد بن قلاوون إمرة عشرة، ثم صارت الآن إمرة طبلخاناه، وبكل حال فنائب الشأم هو الذي يستقل بولايتها، وربما وليت من الأبواب السلطانية. قال في «التعريف» : ولها ولاية خاصة يعني غير ولاية المدينة؛ وقد كانت في الدولة الأيوبية مفردة في الغالب بملك بمفردها. وأما الولايات: فالأولى- منها (ولاية البقاع البعلبكيّ) - قال في «التعريف» : وهاتان الولايتان «١» الآن منفصلتان عن بعلبكّ وهما مجموعتان لوال واحد جليل مفرد بذاته؛ وهما على ما ذكره من جمعهما لوال واحد إلى الآن، إلا أنه تارة يليهما مقدّم حلقة وتارة جنديّ. الثانية- (ولاية بيروت) » - وولايتها الآن إمرة طبلخاناه. الثالثة- (ولاية صيدا) «٣» - قال في «مسالك الأبصار» : وهي ولاية جليلة؛ وهي على ما ذكره إلى زماننا، تارة يليها أمير طبلخاناه، وتارة أمير عشرة. الصفقة الرابعة الشرقية. وبها ثلاث نيابات وأربع ولايات.

стр. 1923

فأما النيابات: فالأولى- (نيابة حمص) - وهي نيابة جليلة، وقد كانت في الأيام الناصرية فما بعدها تقدمة ألف. قال في «التثقيف» : ثم استقرت طبلخاناه بعد ذلك. قال: ونائب قلعتها من المماليك السلطانية. وقد تقدّم أن الذّكر في الزمن القديم كان لها دون حماة، وقد كانت في الدولة الأيوبية مملكة منفردة تارة، وتضاف إلى غيرها أخرى. الثانية- (نيابة مصياف) - وقد تقدّم أنها كانت أوّلا من مضافات أطرابلس في جملة قلاع الدعوة، ثم أضيفت بعد ذلك إلى دمشق واستمرّت على ذلك إلى الآن. ونيابتها تارة تكون إمرة طبلخاناه، وتارة تكون إمرة عشرة، وبكل حال فتوليتها من الأبواب السلطانية، ونائبها لا يكتب له إلا في المهمّات دون خلاص الحقوق أيضا. الثالثة- (ولاية صيدا) «١» - والغالب في نيابتها أن تكون تقدمة ألف، وأشار في «التثقيف» إلى أنها قد تكون طبلخاناه، قال في «التعريف» : وبقلعتها بحرية وخيّالة وكشّافة وطوائف من المستخدمين.

стр. 1924

الضرب الثاني من الخارج عن حاضرة دمشق العربان؛ والإمرة بها في بطون من العرب «١» البطن الأولى آل ربيعة من طيّىء من كهلان من القحطانية وهم بنو ربيعة «٢» بن حازم، بن عليّ، بن مفرج، بن دغفل، بن جراح، وقد تقدّم نسبه مستوفى مع ذكر الاختلاف فيه في الكلام على ما يحتاج إليه الكاتب في المقالة الأولى «٣» . قال في «العبر» : وكانت الرياسة عليهم في زمن الفاطميين: خلفاء مصر لبني جراح، كان كبيرهم مفرج بن دغفل بن جراح، وكان من إقطاعه الرملة. ومن ولده حسّان وعليّ ومحمود وحرار، وولي حسّان بعده فعظم أمره وعلا صيته، وهو الذي مدحه الرّياشيّ الشاعر في شعره. قال الحمدانيّ «٤» : وكان مبدأ ربيعة أنه نشأ في أيام الأتابك زنكي صاحب الموصل، وكان أمير عرب الشام أيام طغتكين السّلجوقيّ صاحب دمشق ووفد على السلطان نور الدين محمود بن زنكي صاحب الشأم فأكرمه وشاد بذكره. قال: وكان له أربعة أولاد، وهم فضل، ومرا، وثابت، ودغفل، ووقع في كلام المسبحيّ «٥» أنه كان له ولد اسمه بدر. قال الحمدانيّ: وفي آل ربيعة جماعة كثيرة أعيان لهم مكانة وأبّهة، أوّل من رأيت منهم ماتع بن حديثة وغنام بن الطاهر، على أيام الملك الكامل

стр. 1925

محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب. قال: ثم حضر بعد ذلك منهم إلى الأبواب السلطانية في دولة المعز أيبك وإلى أيام المنصور قلاوون زامل بن عليّ بن حديثة، وأخوه أبو بكر بن عليّ، وأحمد بن حجي وأولاده، وإخوته، وعيسى بن مهنّا وأولاده وأخوه؛ وكلهم رؤساء أكابر وسادات العرب ووجوهها، ولهم عند السلاطين حرمة كبيرة وصيت عظيم، إلى رونق في بيوتهم ومنازلهم. من تلق منهم تقل: لاقيت سيّدهم ... مثل النّجوم التي يسري بها السّاري ثم قال: إلا أنّهم مع بعد صيتهم قليل عددهم، قال في «مسالك الأبصار» : لكنهم كما قيل: تعيّرنا أنّا قليل عديدنا ... فقلت لها: إنّ الكرام قليل وما ضرّنا أنّا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكثرين ذليل ولم يزل لهم عند الملوك المكانة العلية والدرجة الرفيعة، يحلّونهم فوق كيوان، وينوّعون لهم أجناس الإحسان. قال الحمدانيّ: وفد فرج بن حيّة على المعز أيبك فأنزله بدار الضيافة وأقام أياما، فكان مقدار ما وصل إليه من عين وقماش وإقامة له ولمن معه- ستة وثلاثين ألف دينار. قال: واجتمع أيام «الظاهر بيبرس» جماعة من آل ربيعة وغيرهم فحصل لهم من الضيافة خاصة في المدّة اليسيرة أكثر من هذا المقدار، وما يعلم ما صرف على يديّ من بيوت الأموال والخزائن والغلال للعرب خاصّة إلا الله تعالى. واعلم أن آل ربيعة قد انقسموا إلى ثلاثة أفخاذ، هم المشهورون منهم ومن عداهم أتباع لهم وداخلون في عددهم، ولكل من الثلاثة أمير مختص به. الفخذ الأول- (آل فضل) - وهو فضل بن ربيعة المقدّم ذكره؛ وهم رأس الكل وأعلاهم درجة وأرفعهم مكانة. قال في «مسالك الأبصار» : وديارهم من حمص إلى قلعة جعبر إلى الرّحبة، آخذين على شقّي الفرات وأطراف العراق حتّى ينتهي

стр. 1926

حدّهم قبلة بشرق إلى الوشم «١» ، آخذين يسارا إلى البصرة؛ ولهم مياه كثيرة ومناهل مورودة: ولها منهل على كلّ ماء ... وعلى كلّ دمنة آثار وقد ذكر في «مسالك الأبصار» نقلا عن محمود بن عرام، من بني ثابت ابن ربيعة: أن آل فضل تشعّبوا شعبا كثيرة، منهم آل عيسى، وآل فرج، وآل سميط، وآل مسلم، وآل عليّ «٢» . قال: وأما من ينضاف إليهم ويدخل فيهم، فرعب، والحريث، وبنو كلب، وبعض بني كلاب، وآل بشّار، وخالد حمص، وطائفة من سنبس وسعيدة، وطائفة من بربر وخالد الحجاز، وبنو عقيل من كدر، وبنو رميم، وبنو حيّ، وقران، والسراجون. ويأتيهم من البرية من عربه غالب، وآل أجود، والبطنين، وساعدة؛ ومن بني خالد آل جناح، والصبيات من مياس، والحبور، والدغم، والقرسة، وآل منيحة، وآل بيوت، والعامرة، والعلجات من خالد، وآل يزيد من عابد، والدوامر، إلى غير هؤلاء ممن يخالفهم في بعض الأحيان. قال المقرّ الشهابيّ بن فضل الله «٣» : «على أنّي لا أعلم في وقتنا من لا يؤثر صحبتهم ويظهر محبّتهم» . وسيأتي ذكر قبائل أكثر هذه العربان التي تنضاف إليهم في مواضعها إن شاء الله تعالى. قال في «مسالك الأبصار» : وأسعد بيت في وقتنا آل عيسى، وقد صاروا بيوتا: بيت مهنّا بن عيسى، وبيت فضل بن عيسى، وبيت حارث بن عيسى، وأولاد محمد بن عيسى، وأولاد حديثة بن عيسى، وآل هبة بن عيسى. قال: وهؤلاء آل

стр. 1927

عيسى في وقتنا هم ملوك البر فيما بعد واقترب، وسادات الناس ولا تصلح إلا عليهم العرب. وأما الإمرة عليهم فقد جرت العادة أن يكون لهم أمير كبير منهم يولّى من الأبواب السلطانية، ويكتب له تقليد شريف بذلك، ويلبس تشريفا أطلس أسوة النوّاب إن كان حاضرا، أو يجهّز إليه إن كان غائبا؛ ويكون لكل طائفة منهم كبير قائم مقام أمير عليهم، وتصدر إليه المكاتبات من الأبواب الشريفة إلا أنه لا يكتب له تقليد ولا مرسوم. قال في «مسالك الأبصار» : ولم يصرّح لأحد منهم بإمرة على العرب بتقليد من السلطان إلا من أيام العادل أبي بكر: أخي السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، أمّر منهم حديثة يعني ابن عقبة «١» بن فضل بن ربيعة، والذي ذكره قاضي القضاة وليّ الدين بن خلدون في تاريخه أن الإمرة عليهم في أيام العادل أبي بكر بن أيوب كانت لعيسى بن محمد بن ربيعة، ثم كان بعده ماتع ابن حديثة بن عقبة «٢» بن فضل، وتوفي سنة ثلاثين وستمائة، وولّي عليهم بعده ابنه مهنا، وحضر مع المظفر قطز قتال هولاكو ملك التتار وانتزع سلميّة من المنصور ابن المظفر صاحب حماة وأقطعها له؛ ثم ولّى الظاهر بيبرس عند مسيره إلى دمشق لتشييع الخليفة المستعصم إلى بغداد عيسى بن مهنا بن ماتع ووفّر له الإقطاعات على حفظ السابلة وبقي حتّى توفّي سنة أربع وثمانين وستمائة؛ فولّى المنصور قلاوون مكانه ابنه مهنا بن عيسى، ثم سافر الأشرف «خليل بن قلاوون» إلى الشام فوفد عليه مهنا بن عيسى في جماعة من قومه فقبض عليهم، وبعث بهم إلى قلعة الجبل بمصر فاعتقلوا بها وبقوا في السجن حتّى أفرج عنهم العادل كتبغا عند جلوسه على التخت سنة أربع وتسعين وستمائة ورجع إلى إمارته؛ ثم كان له في أيام الناصر بن قلاوون نصرة واستقامة تارة وتارة، وميل إلى التتر بالعراق، ولم يحضر شيئا من وقائع غازان؛ ووفد أخوه فضل بن عيسى على السلطان الملك الناصر سنة اثنتي عشرة وسبعمائة فولاه مكانه وبقي مهنا مشرّدا، ثم لحق سنة ست

стр. 1928

عشرة بخدابندا ملك التتار بالعراق فأكرمه وأقطعه بالعراق وهلك خدابندا في تلك السنة فرجع مهنا إلى الشأم، وبعث ابنيه محمدا وموسى وأخاه محمد بن عيسى إلى الملك الناصر، فأكرمهم وأحسن إليهم، وردّ مهنا إلى إمارته وإقطاعه؛ ثم رجع إلى موالاة التتر فطرد السلطان الملك الناصر آل فضل بأجمعهم من الشأم وجعل مكانهم آل عليّ، وولّى منهم على أحياء العرب محمد بن أبي بكر بن عليّ، وصرف إقطاع مهنا وأولاده إليه وإلى أولاده، وأقام الحاسب على ذلك مدّة. ثم وفد مهنا على السلطان الملك الناصر صحبة الأفضل بن المؤيد صاحب حماة فرضي عنه السلطان وأعاد إمرته إليه ورجع إلى أهله، فتوفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة؛ وولي مكانه أخوه «١» سليمان فبقي حتّى توفّي سنة أربع وأربعين وسبعمائة عقب موت الملك الناصر؛ وولي مكانه أخوه سيف بن فضل فبقي حتّى عزله السلطان الملك الكامل «شعبان بن قلاوون» سنة ست وأربعين، وولّى مكانه أحمد بن مهنا بن عيسى فبقي حتّى توفّي في سنة سبع وأربعين وسبعمائة في سلطنة الناصر «حسن بن محمد بن قلاوون» المرة الأولى؛ وولي مكانه أخوه فيّاض فبقي حتّى مات سنة ستين وسبعمائة، وولي مكانه أخوه جبار من جهة الناصر حسن في سلطنته الثانية، ثم حصلت منه نفرة في سنة خمس وستين وسبعمائة وأقام على ذلك سنتين إلى أن تكلم بسببه مع السلطان نائب حماة يومئذ فأعيد إلى إمارته؛ ثم حصل منه نفرة ثانية سنة سبعين في الدولة الأشرفية «شعبان بن حسين» فولّى مكانه ابن عمه زامل بن موسى بن عيسى فكانت بينهم حروب، قتل في بعضها قشتمر المنصوريّ نائب حلب فصرفه الأشرف وولّى مكانه ابن عمه معيقل بن فضل بن عيسى، ثم بعث معيقل في سنة إحدى وسبعين يستأمن لجبار المتقدّم ذكره من السلطان الملك الأشرف فأمّنه، ووفد جبار على السلطان في سنة خمس وسبعين فرضي عنه وأعاده إلى إمرته فبقي حتّى توفّي سنة سبع وسبعين، فولّي مكانه أخوه قنارة، وبقي حتّى مات سنة إحدى وثمانين، فولّي مكانه معيقل بن فضل بن

стр. 1929

عيسى وزامل بن موسى بن عيسى المتقدّم ذكرهما شريكين في الإمارة؛ ثم عزلا في سنتهما وولّي مكانهما محمد بن جبار بن مهنّا وهو نعير، ثم وقعت منه نفرة في الدولة الظاهرية برقوق، فولّى مكانه بعض آل زامل، ثم أعيد نعير المذكور إلى إمرته وهو باق على ذلك إلى الآن، وهو محمد بن جبار بن مهنا بن عيسى بن مهنا ابن ماتع بن حديثة بن عقبة «١» بن فضل بن ربيعة. وقد ذكر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» أمراء آل فضل في زمانه، فذكر أن أمير آل عيسى وسائر آل فضل أحمد بن مهنا؛ وأمير بيت فضل ابن عيسى سيف بن فضل؛ وأمير بيت حارث بن عيسى قناة بن حارث. ثم قال: أما أولاد محمد بن عيسى، وأولاد حديثة بن عيسى، وآل هبة بن عيسى فأتباع «٢» . وذكر القاضي تقيّ الدين بن ناظر الجيش في «التثقيف» «٣» : أنهم صاروا بيتين: وهما بيت مهنا بن عيسى وفضل بن عيسى. وذكر من أكابرهم عسّاف بن مهنا وأخاه عنقا، وزامل بن موسى بن مهنا، ومحمد بن جبار وهو نعير قبل الإمرة، وعوّاد بن سليمان بن مهنا، وعليّ بن سليمان بن مهنا؛ وأما بنو فضل بن عيسى فذكر منهم فضل بن عيسى، ومعيقل بن فضل، وقال: كان قبلهما سيف وأبو بكر. ثم قال: وممن لم يكاتب أولاد فيّاض وبقية أولاد جبار ورقيبة بن عمر بن موسى ونحوهم. الفخذ الثاني- (من آل ربيعة آل مرا) - نسبة إلى مرا بن ربيعة، وهو أخو فضل المتقدّم ذكره. قال في «التعريف» : ومنازلهم حوران. وقال في «مسالك الأبصار» : ديارهم من بلاد الجيدور والجولان إلى الزرقاء والضليل إلى بصرى، ومشرّقا إلى الحرّة المعروفة بحرّة كشت قريبا من مكّة المعظمة إلى شعباء إلى نيران

стр. 1930

مزيد إلى الهضب المعروف بهضب الراقي، وربما طاب لهم البر وامتدّ بهم المرعى أوان خصب الشتاء فتوسعوا في الأرض وأطالوا عدد الأيام والليالي حتّى تعود مكة المعظمة وراء ظهورهم، ويكاد سهيل يصير شامهم، ويصيرون مستقبلين بوجوههم الشام. وقد تشعب آل مرا أيضا شعبا كثيرة، وهم آل أحمد بن حجّي وفيهم الإمرة، وآل مسخر «١» ، وآل نميّ، وآل بقرة، وآل شمّاء. وممن ينضاف إليهم ويدخل في إمرة أمرائهم حارثة، والحاص، ولام، وسعيدة، ومدلج، وقرير، وبنو صخر، وزبيد حوران: وهم زبيد صرخد، وبنو غنيّ، وبنو عزّ قال: ويأتيهم من عرب البرية آل طفير، والمفارجة، وآل سلطان، وآل غزيّ، وآل برجس، والخرسان، وآل المغيرة، وآل أبي فضيل، والزرّاق، وبنو حسين الشرفاء، ومطين «٢» ، وخثعم، وعدوان، وعنزة. قال: وآل مرا أبطال مناجيد، ورجال صناديد، وأقيال قل «كونوا حجارة أو حديدا» ، لا يعدّ معهم عنترة العبسيّ، ولا عرابة الأوسيّ «٣» ، إلا أن الحظ لحظ بني عمهم [ «٤» ] مما لحظهم، ولم تزل بينهم نوب الحرب، ولهم في أكثرها الغلب. قال الشيخ شهاب الدين أبو الثناء محمود الحلبيّ ﵀: كنت في نوبة حمص في واقعة التتار جالسا على سطح باب الإصطبل السلطانيّ بدمشق إذ أقبل آل مرا زهاء أربعة آلاف فارس شاكين في السلاح على الخيل المسوّمة، والجياد المطهمة، وعليهم الكزغندات الحمر الأطلس المعدنيّ، والديباج الروميّ، وعلى رؤوسهم البيض، مقلّدين بالسيوف، وبأيديهم الرماح كأنهم صقور على صقور، وأمامهم العبيد تميل على الركائب، ويرقصون بتراقص المهارى، وبأيديهم الجنائب، التي إليها عيون الملوك صورا؛ ووراءهم الظعائن والحمول، ومعهم مغنّية لهم تعرف بالحضرمية
следующие страницы →