Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
الثالثة- ولاية طبريّة.
الرابعة- ولاية تبنين وهونين.
الخامسة- ولاية عثليث.
السادسة- ولاية عكّا.
السابعة- ولاية صور.
الثامنة- ولاية الشاغور.
التاسعة- ولاية الإقليم.
العاشرة- ولاية الشّقيف.
الحادية عشرة- ولاية جينين.
النيابة السادسة نيابة الكرك، وفيها جملتان
الجملة الأولى فيما هو بحاضرتها
أما معاملاتها فكما في غيرها: من المعاملة بالدنانير والدراهم، وصنجتها «١» ورطلها «٢» وأواقيّة أثنتا عشرة أوقية كل أوقية «٣» ويقاس قماشها بذراع «٤» وتقاس أرض دورها بذراع العمل كما في غيرها، وتعتبر أرض زراعتها بالفدّان الإسلاميّ والفدّان الروميّ كما في غيرها من بلاد الشام، وكذلك خراج أرضها.
وأما جيوشها فعلى ما تقدّم في غيرها من الممالك من اجتماعها من الترك ومن في معناهم؛ وبها من الأمراء الطبلخانات والعشرات والخمسات ومن في معناهم، وليس بها مقدّم ألف غير النائب كما تقدّم والحجوبية والمهمندارية
стр. 1962
وتقدمة البريد، وولاية القلعة؛ وبها من الوظائف الديوانية ناظر المال وناظر الجيش وكاتب درج؛ وولاية هؤلاء الثلاثة من الأبواب السلطانية.
وأما ترتيب الموكب بها «١» ..
الجملة الثانية فيما هو خارج عن حاضرتها، وهو على ضربين
الضرب الأوّل الولايات، وفيها أربع ولايات
الأولى- ولاية برّها كما في غيرها.
الثانية- ولاية الشّوبك.
الثالثة- ولاية زغر.
الرابعة- ولاية معان.
الضرب الثاني العرب
وعرب الكرك فيما ذكره في «مسالك الأبصار» : بنو عقبة، وعقبة من جذام. قال في «مسالك الأبصار» : وكان آخر أمرائهم شطى بن عتبة «٢» وكان سلطاننا الملك الناصر محمد بن قلاوون قد أقبل عليه إقبالا أحلّه فوق السّماكين وألحقه بأمراء آل فضل وأمراء آل مرا، وأقطعه الإقطاعات الجليلة، وألبسه التشريف الكبير، وأجزل له الحباء، وعمر له ولأهله البيت والخباء. وكذلك ممن ينسب إلى عرب الكرك بنو زهير عرب الشّوبك، وآل عجبون، والعطويون، والصونيون «٣» وغيرهم.
стр. 1963
الفصل الثالث من الباب الثالث من المقالة الثانية في المملكة الحجازية، وفيه سبعة أطراف
الطّرف الأوّل في فضل الحجاز وخواصّه وعجائبه
أما فضله ففي «صحيح مسلم» من حديث جابر بن عبد الله الأنصاريّ ﵁ أن النبيّ ﷺ قال: «غلظ القلوب والجفاء في المشرق، والإيمان في أهل الحجاز» .
قلت: وفي ذلك دليل صريح لفضل الحجاز نفسه، وذلك أن هواء كل بلد يؤثّر في أهله بحسب ما يقتضيه الهواء، ولذلك تجد لأهل كل بلد صفات وأحوالا تخصهم، وقد أخبر ﷺ عن أهل الحجاز بالرقّة كما أخبر عن أهل المشرق بالغلظة والجفاء؛ وناهيك بفضل الحجاز وشرفه أن به مهبط الوحي ومنبع الرسالة، وبه مكة والمدينة اللتين هما أشرف بلاد الله تعالى وأجلّ بقاع الأرض، ولكل منهما فضل يخصه يأتي الكلام عليه عند ذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وأما خواصه فيختص من جهة الشرع بأمرين:
أحدهما- أنه لا يستوطنه مشرك من ذمّي ولا معاهد، وإن دخله لم يمكّن من الإقامة في موضع منه أكثر من ثلاثة أيام ثم يصرف إلى غيره، فإن أقام بموضع أكثر من ثلاثة أيام، عزّر إن لم يكن له عذر. قال أصحابنا الشافعية: ولو عقد الإمام عقدا لكافر على الإقامة بالحجاز على مسمّى بطل العقد ووجب المسمّى.
стр. 1964
الثاني- أنه لا تدفن فيه موتاهم وإن دفن أحد منهم فيه نقل إلى غيره.
وأما عجائبه فمنها مقام إبراهيم ﵇، وهو الحجر الذي كان يقوم عليه لبناء البيت فأثّرت فيه قدماه وصار أثرهما فيه ظاهرا كما أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ
«١» وهو باق على ذلك أمام البيت من جهة الباب إلى الآن.
(ومنها) ما ذكره في «الروض المعطار» من أنّ أثر قدم إسماعيل ﵇ بمسجد بمنى في حجر فيه أثر عقبه حين رفس إبليس برجله عند اعتراضه له في ذهابه مع أبيه للذّبح «٢» .
(ومنها) حصى الجمار، وهو أنه في كل سنة يرمي الحجّاج عند الجمرات الثلاث في أيام منى ما تتحصّل منه التلال العظيمة على طول المدى، ومع ذلك لم يكن موجودا بمنى منها إلا الشيء القليل على تطاول السنين، يقال إن مهما تقبّل منها رفع والباقي منها ما لم يتقبل.
الطرف الثاني في ذكر حدوده، وابتداء عمارته، وتسميته حجازا
أما حدوده فاعلم أن الحجاز عبارة عن مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها على خلاف في بعض ذلك، يأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، وهو بجملته قطعة من جزيرة العرب، وهو ما بين بحر القلزم وبحر الهند وبحر فارس والفرات وبعض بادية الشام.
قال المدائني: جزيرة العرب خمسة أقسام: تهامة، ونجد، والحجاز، والعروض، واليمن. وزاد ابن حوقل في أقسامها بادية العراق وبادية الجزيرة فيما
стр. 1965
بين دجلة والفرات وبادية الشام، وفيها خلاف يطول ذكره.
قال النوويّ «١» في «تهذيب الأسماء واللّغات» : وسميت جزيرة العرب جزيرة لانجزار الماء عنها حيث لم يمدّ عليها وإن كان مطيفا بها. والحجاز عندهم عبارة عن جبل السّراة- بالسين والراء المهملتين- على ما أورده في «الروض المعطار» «٢» ؛ وضبط في «تقويم البلدان» «٣» في الكلام على البلقاء من الشأم بالشين المعجمة، وهو جبل يقبل من اليمن حتّى يتصل ببادية الشأم، وهو أعظم جبال العرب. وحدّه من الجنوب تهامة: وهي ما بينه وبين بحر الهند في غربيّ بلاد اليمن؛ وحدّه من الشرق بلاد اليمن وهي بينه وبين فارس؛ وحدّه من الشّمال نجد، وهو ما بينه وبين العراق؛ وحدّه من الغرب بحر القلزم وما في جنوبيه من بادية الشام.
الطرف الثالث في ابتداء عمارته وتسميته حجازا
أما ابتداء عمارته فإنه لما انبثّ أولاد سام بن نوح ﵇ وهم العرب في أقطار هذه الجزيرة حين قسم نوح الأرض بين بنيه، نزل الحجاز منهم من العرب البادية طسم وجديس [ومنزلهم] اليمامة ومنزلة جرهم على القرب من مكة فكان ذلك أوّل عمارة الحجاز بعد الطّوفان؛ ثم بادت هذه العرب وهلكوا عن آخرهم، ودرست أخبارهم وانقطعت آثارهم. وعمر الحجاز بعدهم جرهم الثانية، وهم بنو جرهم بن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇. ولما أسكن إبراهيم الخليل ﵇ ولده إسماعيل بمكة كما
стр. 1966
أخبر تعالى عنه بقوله: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ
«١» كانت جرهم الثانية نازلين بالقرب من مكة فاتصلوا بإسماعيل ﵇، وتزوّج منهم وكثر ولده وتناسلوا فعمروا الحجاز إلى الآن.
وأما تسميته حجازا، فقال الأصمعيّ: سمي بذلك لأنه حجز بين نجد وتهامة ولا متداده بينهما على ما تقدّم. وقال ابن الكلبيّ: سمّي بذلك لما احتجز به من الجبال. قلت: ووهم في «الروض المعطار» فقال «٢» : سمي حجازا لأنه حجز بين الغور والشام، وقيل لأنه حجز بين نجد والسّراة، وما أعلم ما الذي أوقعه في ذلك.
الطّرف الرابع في ذكر مياهه وعيونه وجباله المشهورة
أما مياهه وعيونه، فقال المتكلمون في المسالك والممالك: ليس بالحجاز بل بجزيرة العرب جملة نهر يجري فيه مركب، وإنما فيه العيون الكثيرة المتفجرة من الجبال المعتضدة بالسيول والأمطار، الممتدّة من واد إلى واد، وعليها قراهم وحدائقهم وبساتينهم مما لا يحصى ذلك كثرة، كما في الطائف وبطن مرّ، وبطن نخل، وعسفان وبدر وغير ذلك.
وأما جباله المشهورة، فاعلم أن جميع أرض الحجاز جبال وأودية ليس فيها بسيط من الأرض، وجباله أكثر من أن تدخل تحت العدّ أو يأخذها الحصر، وقد ذكر الأزرقيّ في «تاريخ مكة» «٣» أن لمكة «٤» اثني عشر ألف جبل لكل جبل منها اسم يخصه ولكن قد شهرت جبال مكة والمدينة والينبع.
стр. 1967
فمن جبال مكة المشهورة (جبل أبي قبيس) وهو الجبل الذي في جنوبيّ مكة ممتدّا على شرقيها. قال الأزرقيّ: وهو أول جبل وضع بالأرض ولذلك كان أقرب الجبال إلى البيت.
(ومنها) جبل قينقاع «١» - بقاف مفتوحة وياء مثناة تحت ساكنة ونون مضمومة وقاف ثانية مفتوحة بعدها ألف وعين مهملة- وهو الجبل الذي غربيّ مكة، سمي بذلك لمكان سلاح تبّع منه، والقعقعة صوت السلاح، كما سمي جياد جيادا لمكان خيله منها.
(ومنها) جبل حراء- بحاء مهملة مكسورة وراء مهملة مفتوحة بعدها ألف- وهو جبل يشرف على مكة من شرقيها يرى البيت من أعلاه، وفيه الغار الذي كان يتعبّد فيه رسول الله ﷺ وفيه جاءه جبريل ﵇ في أول النبوّة.
(ومنها) جبل ثور- بفتح الثاء المثلثة وسكون الواو وراء مهملة في الآخر- وهو جبل مشرف على مكة من جنوبيها، وفيه الغار الذي اختفى فيه رسول الله ﷺ من المشركين ومعه أبو بكر الصدّيق ﵁.
(ومنها) جبل تبير «٢» - بفتح التاء المثناة فوق وكسر الباء الموحدة وسكون الياء المثناة تحت وراء مهملة في الآخر- وهو جبل مشرف يرى من منى والمزدلفة.
الطّرف الخامس في زروعه وفواكهه ورياحينه ومواشيه ووحوشه وطيوره
أما زروعه ففيه من الحبوب المزدرعة البرّ والشعير والذّرة والسّلت «٣» ،
стр. 1968
وجميعها تزرع على المطر، وربما زرع بعضها على ماء العيون، والشعير والذرة أكثر الحبوب وجودا، ويزرع فيه على العيون البطّيخ: الأخضر والأصفر، والقثّاء، والباذنجان، والدّبّاء، والملوخيا، والهندبا، والفجل، والكرّاث، والبصل، والثّوم.
وأما فواكهه ففيه الرّطب، والعنب، والموز والتّفّاح، والسّفرجل، واللّيمون وغير ذلك.
وأما رياحينه ففيه التامر حنّاء، ويسمّى عندهم الفاغية: بالفاء وغين معجمة وياء مثناة تحت وهاء في الآخر.
وأما مواشيه ففيه الإبل والضّان، والمعز بكثرة، والبقر بقلّة. وبه من الخيل ما يفوق الوصف حسنه، ويعجز البرق إدراكه.
وأما وحوشه ففيه الغزلان، وحمر الوحش، والذّئاب، والضّباع، والثعالب، والأرانب وغيرها.
وأما طيوره ففيه الحمام، والدجاج، والحدأة، والرّخم.
الطرف السادس في قواعده وأعماله؛ وفيه ثلاث قواعد
القاعدة الأولى مكة المشرفة، وفيها جملتان
الجملة الأولى في حاضرتها
وقد ذكر العلماء ﵏ لها ستة عشر اسما. «مكّة» بفتح الميم وتشديد الكاف المفتوحة وهاء في الآخر. كما نطق به القرآن الكريم في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ
«١» ؛ سميت
стр. 1969
بذلك لقلة مائها أخذا من قولهم امتكّ الفصيل ضرع أمه إذا امتصه، وقيل لأنها تمكّ الذنوب بمعنى أنها تذهب بها، ويقال لها أيضا (بكّة) بإبدال الميم باء موحدة. وبه نطق القرآن أيضا في قوله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
«١» قال الليث: «٢» سميت بذلك لأنها تبكّ أعناق الجبابرة أي تدقّها والبك الدّق؛ وقيل بالميم الحرم كلّه وبكّة المسجد خاصة، حكاه الماورديّ عن الزهريّ وزيد بن أسلم؛ وقيل بالباء اسم لموضع الطواف، سمي بذلك لازدحام الناس فيه والبكّ الازدحام. ومن أسمائها أيضا (أمّ القرى) و (البلد الأمين) و (أم رحم) بضم الراء وإسكان الحاء المهملتين لأن الناس يتراحمون فيها ويتوادعون؛ و (صلاح) مبنيّ على الكسر كقطام ونحوه؛ و (الباسّة) لأنها تبسّ الظالم أي تحطمه؛ و (الناسّة) بالنون لأنها تنسّ الملحد فيها أي تطرده؛ و (النّسّاسة) لذلك أيضا؛ و (الحاطمة) لأنها تحطم الظالم كما تقدّم؛ و (الرأس) و (كوثى) بضم الكاف وفتح المثلثة؛ و (القدس) و (القادس) و (المقدّسة) . قال النوويّ: وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، ولذلك كثرت أسماء الله تعالى وأسماء رسوله ﷺ وقد تقدّم أنها من جملة الحجاز. وحكى ابن حوقل عن بعض العلماء أنها من تهامة ورجحه في «تقويم البلدان» . وموقعها في الإقليم الثاني من الاقاليم السبعة. قال في «كتاب الأطوال» «٣» : طولها سبع وستون درجة وثلاث عشرة دقيقة، وعرضها إحدى وعشرون درجة وأربعون دقيقة. وقال في «القانون» «٤» : طولها سبع وستون درجة فقط، وعرضها إحدى وعشرون درجة وعشرون دقيقة. وقال في «رسم المعمور» «٥» : طولها سبع وستون درجة، وعرضها إحدى وعشرون. وقال كوشيار: «٦»
стр. 1970
طولها سبع وستون درجة وعشر دقائق، وعرضها إحدى وعشرون درجة وأربعون دقيقة. وقال ابن سعيد: طولها سبع وستون درجة وإحدى وثلاثون دقيقة، وعرضها إحدى وعشرون درجة وعشرون دقيقة. وهي مدينة في بطن واد والجبال محتفّة بها، فأبو قبيس مشرف عليها من شرقيها وأجياد بفتح الهمزة مشرف عليها من غربيها. قال الجوهريّ: سمي بذلك لموضع خيل تبّع منه. قال في «الروض المعطار» : وسعتها من الشمال إلى الجنوب نحو ميلين، ومن أسفل أجياد إلى ظهر جبل قعيقعان مثل ذلك. قال الكلبيّ: ولم يكن بها منازل مبنية في بدء الأمر؛ وكانت جرهم والعمالقة حين ولايتهم على الحرم ينتجعون جبالها وأوديتها ينزلون بها؛ ثم جاءت قريش بعدهم فمشوا على ذلك إلى أن صارت الرياسة في قريش لقصيّ بن كلاب فبنى دار النّدوة، يحكم فيها بين قريش؛ ثم صارت لمشاورتهم وعقد الألوية في حروبهم؛ ثم تتابع الناس في البناء، فبنوا دورا وسكنوها، وتزايد البناء فيها حتى صارت إلى ما صارت. وبناؤها بالحجر وعليها سور قديم قد هدم أكثره وبقي أثره والمسجد في وسطها. وقد ذكر الأزرقيّ في «تاريخ مكة» أن الكعبة كانت قبل أن تدحى الأرض رابية حمراء مشرفة على وجه الماء، ولما أهبط الله آدم ﵇ وجاء إلى مكة، استوحش فأنزل الله تعالى إليه قبّة من الجنة من درّة بيضاء لها بابان فوضعت مكان البيت فكان يتأنّس بها، وجعل حولها ملائكة يحفظونها من أن يقع بصر الشياطين عليها. قال في «الروض المعطار» : وكان الحجر الأسود كرسيّا يجلس عليه. قال: وطوله ذراع. والذي ذكره الماورديّ وغيره أن الملائكة لما قالوا: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها
«١» لاذوا بالعرش خوفا من غضب الله تعالى فطافوا حوله سبعا فرضي عنهم وقال: ابنوا في الأرض بيتا يعوذ به من سخطت عليه من بني آدم فبنوا هذا البيت، وهو أول بنائه؛ ثم بناها إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما أخبر الله تعالى بقوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ
«٢» قال في «الروض المعطار» : ولم يجعل لها سقفا. قال:
стр. 1971
ثم انهدمت الكعبة فبنتها العمالقة، ثم انهدمت فبنتها جرهم، ثم انهدمت فبناها قصيّ بن كلاب وسقفها بخشب الدّوم وجريد النخل وجعل ارتفاعها خمسا وعشرين ذراعا، ثم استهدمت وكانت فوق القامة فأرادت قريش تعليتها فهدمتها وبنتها، والنبيّ ﷺ عمره خمس وعشرون سنة، وشهد بناءها معهم، وكان بابها بالأرض فقال أبو حذيفة بن المغيرة: يا قوم ارفعوا باب الكعبة حتى لا يدخل إلا مسلم «١» ففعلوا ذلك وسقفوها بخشب سفينة ألقاها البحر إلى جدّة.
قال في «الروض المعطار» : وكان طولها ثماني عشرة ذراعا، ثم احترق البيت حين حوصر ابن الزّبير بمكة وتأثّرت حجارته بالنار، فهدمه ابن الزبير وأدخل فيه ستة أذرع من الحجر، وقيل سبعة، وجعل له بابين ملصقين بالأرض:
شرقيّا وغربيّا يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر، وجعل على بابها صفائح الذهب، وجعل مفاتيحه من ذهب. قال في «الروض المعطار» : وبلغ بها في العلوّ سبعا وعشرين ذراعا. فلما قتل ابن الزبير كتب عبد الملك بن مروان إلى الحجّاج يأمره بإعادته على ما كان عليه في زمن النبيّ ﷺ من بناء قريش فهدم جانب الحجر وأعاده إلى ذلك، وسدّ الباب الغربي ورفع الشرقيّ عن الأرض إلى حدّه الذي هو عليه الآن؛ وكان عبد الملك بن مروان بعد ذلك يقول: «وددت أني كنت حمّلت ابن الزبير من بناء الكعبة ما تحمّل» .
ثم جدّد المتوكل رخام الكعبة فأزّرها بفضة وألبس سائر حيطانها وسقفها الذهب، وهو على ذلك إلى الآن. وهو مبنيّ بالحجر الأسود مستطيل البناء على التربيع، في ارتفاع خمسة وعشرين ذراعا.
وله أربعة أركان:
الأول- ركن الحجر الأسود. وهو ما بين الشرق والجنوب، ومنه يبتدأ الطواف.
стр. 1972
الثاني- الشاميّ. وهو ما بين الشرق والشمال، سمّي بذلك لمسامتته بعض بلاد الشام، وداخله باب المطلع إلى سطح الكعبة.
الثالث- الغربيّ. وهو ما بين الشمال والغرب، سمي بذلك لمسامتته بلاد المغرب، ولو سميّ بالمصريّ لكان جديرا به لمسامتته بلاد مصر.
الرابع- اليماني. وهو ما بين الغرب والجنوب، سمي بذلك لمسامتته بلاد اليمن ولذلك خففت الياء في آخره نسبة إلى اليمن. وقال ابن قتيبة: سميّ بذلك لأنه بناه رجل من اليمن يقال له ابن أبي سالم، وقد يطلق عليه وعلى ركن الحجر الأسود اليمانيان، وعلى الشاميّ والغربيّ الشاميّان تغليبا.
ثم بين ركن الحجر الأسود وبين الركن الشاميّ أربعة وعشرون ذراعا، وبالقرب من الركن الأسود في هذا الجدار باب الكعبة على أربعة أذرع وشيء من الأرض يرقى إليه بدرج من خشب توضع عند فتح الباب؛ والملتزم بين الركن الأسود والباب الشرقيّ؛ وبالقرب من الركن الشاميّ منه مصلّى آدم ﵇.
وهذا الجدار مقسوم بثلاث جهات:
الأولى- من الركن الاسود إلى باب الكعبة. وهي في جهة القبلة لأهل البصرة، والأهواز، وفارس، وأصبهان، وكرمان، وسجستان، وشمال بلاد الصّين وما على سمت ذلك.
الثانية- من الباب إلى مصلى آدم ﵇. وهي جهة القبلة لأهل الكوفة، وبغداد، وحلوان، والقادسيّة، وهمذان، والرّيّ، ونيسابور، ومرو، وخوارزم، وبخارا، ونسا، وفرغانة، والشاش، وخراسان، وما على سمت ذلك.
الثالثة- من مصلى آدم ﵇ إلى الركن الشاميّ. وهي جهة القبلة لأهل الرّها، والموصل، وملطيّة، وشمشاط، والحيرة، وسنجار، وديار بكر، وأرمينية إلى باب الأبواب، وما على سمت ذلك.
وبين الركن الشاميّ والركن الغربيّ أحد وعشرون ذراعا، وبأعلى هذا
стр. 1973
الجدار الميزاب في الوسط منه وخارجه الحجر (بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم) مستديرا به على سمت الركنين، يفصل بينه وبين البيت فرجتان.
وهذا الجدار مقسوم بثلاث جهات أيضا:
الأولى- من الركن الشاميّ إلى دون الميزاب. وهي جهة القبلة لدمشق، وحماة، وسلميّة، وحلب، ومنبج، وميّافارقين، وما سامت ذلك.
الثانية- وسط الجدار من الميزاب وما إلى جانبه. وهي جهة القبلة للمدينة النبوية (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام) وجانب الشام الغربيّ، وغزّة، والرّملة، وبيت المقدس، وفلسطين، وعكّا، وصيدا.
الثالثة- ما يلي هذه الجهة إلى الركن الغربيّ. وهي جهة القبلة لمصر بأسرها من أسوان إلى دمياط، والإسكندريّة، وبرقة، وكذلك طرابلس الغرب، وصقلّية، وسواحل الغرب، والأندلس وما على سمت ذلك. وبين الركن الغربيّ والركن اليماني في هذا الجدار الباب المسدود تجاه الباب المفتوح.
وهذا الجدار مقسوم بثلاث جهات أيضا:
الأولى- من الركن الغربيّ إلى ثلث الجدار. وهي جهة القبلة لأهل الشمال من بلاد البجاوة، والنّوبة، وأوسط الغرب من جنوب الواحات إلى بلاد الجريد «١» إلى البحر المحيط وما على سمت ذلك من عيذاب، وسواكن، وجنوب أسوان، وجدّة، ونحو ذلك.
الثانية- من ثلث الجدار إلى دون الباب المسدود. وهي جهة القبلة لأهل الجنوب من بلاد البجاوة ودهلك وسواكن والنوبة والتّكرور وما وراء ذلك وعلى سمته.
стр. 1974
الثالثة- من دون الباب المسدود إلى الركن اليماني. وهي جهة القبلة لأهل الحبشة، والزّنج، والزّيلع، وأكثر بلاد السودان وما والاها من البلاد أو كان على سمتها.
وبين الركن اليماني وركن الحجر الأسود عشرون ذراعا، أنقص من مقابله بذراع، وبالقرب من ركن الحجر الأسود من هذا الجدار مصلّى النبيّ ﷺ قبل الهجرة.
وهذا الجدار مقسوم بثلاث جهات:
الأولى- الركن اليماني إلى سبعة أذرع من الجدار. وهي جهة القبلة لتدمر، وحضر موت، وعدن، وصنعاء، وعمان، وصعدة، والشّحر، وسبإ، وزبيد وما والاها أو كان على سمتها.
الثانية- من حدّ الجهة المتقدّمة إلى دون مصلّى النبيّ ﷺ قبل الهجرة.
وهي جهة القبلة لجنوب بلاد الصّين، والسّند، والتّهائم، والبحرين، وما سامت ذلك.
الثالثة- من مصلّى النبيّ ﷺ قبل الهجرة إلى ركن الحجر الأسود. وهي جهة القبلة لأهل واسط، وبلاد الصّين، والهند، والمرجان، وكابل، والقندهار.
والمعبر، وما والاها من البلاد أو كان على سمتها.
ويقابل الجدار الشرقيّ من البيت مما يلي ركن الحجر الأسود زمزم وسقاية العبّاس، ويقابله مما يلي الركن الشاميّ مقام إبراهيم ﵇. وقد تقدّم الكلام عليه في عجائب الحجاز فيما مرّ؛ ويسمّى ما بين الكعبة وزمزم والمقام الحطيم (بالحاء والطاء المهملتين) . قال في «الروض المعطار» : سمي بذلك لأنه كان من لم يجد من الأعراب ثوبا من ثياب أهل مكة يطوف فيه رمى ثيابه هناك وطاف عريانا. وخارج المسجد الصّفا والمروة اللذان يقع السعي بينهما.
стр. 1975
الجملة الثانية في نواحيها وأعمالها، وهي على ضربين
الضرب الأول الحرم ومشاعر الحج الخارجة عن مكة
أما الحرم فهو ما يطيف بمكة مما يحرم صيده وقطع شجره وحشيشه ونحو ذلك، وقد تقدّم أن الله تعالى جعل ملائكة يحرسون القبّة التي أنزلها الله تعالى إلى آدم من الجنة ووضعت له مكان الكعبة وجعلت الملائكة حرسا لها كي لا يقع عليها بصر الشياطين، فكانت مواقف الملائكة هي حدود الحرم. قال ابن حوقل: وليس بمكة والحرم شجر يثمر إلا شجر البادية، أما خارج الحرم ففيه عيون وثمار.
واعلم أن مقادير جهات الحرم تتفاوت في القرب والبعد عن مكة، وعلى حدوده أعلام منصوبة في كل جهة تدلّ عليه. قال في «الروض المعطار» : قال الزبير: وأول من وضع علامات الحرم ونصب العمد عليه عدنان بن أدّ، خوفا من أن تندرس معالم الحرم أو تتغير. قال: وحدّه من التنعيم على طريق سرف إلى مرّ الظّهران خمسة أميال، وذكر في موضع آخر أنّها ستة أميال، وحدّه من طريق جدّة عشرة أميال، ومن طريق اليمن ستة أميال، ودوره سبعمائة وثلاثة وثلاثون ميلا.
ثم بحدود هذا الحرم أماكن مشهورة، يخرج إليها من مكة من أراد أن يهلّ بعمرة فيحرم منها.
أحدها- (التّنعيم) - بألف ولام لازمتين وفتح التاء المثناة فوق وسكون النون وكسر العين المهملة وسكون الياء المثناة تحت وميم في الآخر- وهو موضع على حدّ الحرم على طريق السالك من بطن مرّ وإلى مكة. قال في «الروض المعطار» : وسمّي التنعيم لأن الجبل عن يمينه اسمه نعيم والذي عن يساره اسمه ناعم والوادي الذي هو فيه اسمه نعمان؛ ومنه اعتمرت عائشة ﵂ مع عبد الرحمن بن أبي بكر، وهناك مسجد يعرف بمسجد عائشة إلى الآن.
стр. 1976
الثاني- (الحديبيّة) - بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون الياء المثناة تحت وكسر الباء الموحدة وفتح الياء المشدّدة وفي آخرها تاء- ونقل في «الروض المعطار» عن الأصمعي تخفيف الياء الثانية. قال في «تقويم البلدان» : وهو موضع بعضه في الحلّ وبعضه في الحرم، وفيه صدّ المشركون رسول الله ﷺ عن البيت؛ وهي أبعد أطراف الحرم عن البيت؛ وهي على مسيرة يوم؛ وهي في مثل زاوية للحرم. وذكر في «الروض المعطار» أن الحديبية اسم لبئر في ذلك المكان، ومذهب الشافعيّ أن العمرة منه أفضل من التنعيم.
الثالث- (الجعرّانة) - بكسر الجيم والعين المهملة وفتح الراء المهملة المشدّدة بعدها ألف ونون مفتوحة وهاء في الآخر- ونقل في «الروض المعطار» عن الأصمعي سكون العين وتخفيف الراء. قال: وهو مكان بين مكة والطائف ولكنه إلى مكة أقرب، ومنه أحرم رسول الله ﷺ بالعمرة في «١» وجهته تلك، ومذهب الشافعيّ أن العمرة منه أفضل من الحديبية.
وأما مشاعر الحج الخارجة عن مكة فثلاثة:
أحدها- منى بكسر الميم وفتح النون وألف مقصورة- سميت بذلك لما يمنى فيها من الدماء أي يراق. قال في «المشترك» : وبينها وبين مكة ثلاثة أميال- وهي تشبه القرية مبنية على ضفتي الوادي. وبها مسجد الخيف- بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة تحت وفي آخره فاء- وهو مسجد عظيم متّسع الأرجاء بغير سقف.
الثاني- (المزدلفة) - بضم الميم وسكون الزاي المعجمة وفتح الدال المهملة وكسر اللام وفتح الفاء وآخرها هاء- وهي موضع على يسرة الذاهب من منى إلى عرفة. قال النوويّ: سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرّب، لأن الحجاج إذا أفاضوا من عرفات ازدلفوا إليها أي تقرّبوا ومضوا إليها، وتسمى
стр. 1977
جمعا أيضا بفتح الجيم وسكون الميم وعين مهملة- لأنه يجمع بها بين المغرب والعشاء؛ وبها مسجد متسع. قال في «الروض المعطار» : طوله ثلاثة وستون ذراعا، وعرضه خمسون ذراعا، وارتفاع جداره عشرة أذرع.
الثالث- (عرفة) - بفتح العين والراء المهملتين والفاء وهاء في الآخر- ويقال فيه أيضا عرفات على الجمع، وبه جاء القرآن في قوله تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
«١» وهو موقف الحج، وسمي عرفات لتعارف آدم ﵇ وحوّاء به. قال كعب الاحبار «٢» : أهبط آدم ﵇ بالهند، وحواء بعرفة، وإبليس بجدّة، والحيّة بأصبهان، وأمر الله تعالى آدم بحج البيت فحج، فكان حيث وضع قدمه تتفجر الأنهار وتبنى المساجد. فلما وصل إلى عرفة، وجد بها حواء فتعارفا بها.
الضرب الثاني قراها ومخاليفها
واعلم أن أكثر جبال مكة وأوديتها مسكونة معمورة إلا أنه ليس بها قرية مقرّاة إلا حيث المياه والعيون الجارية والحدائق المحدّقة، والمشهور من ذلك عشرة أماكن:
الأول- (جدّة) - بضم الجيم وتشديد الدال المهملة ثم هاء- وهي فرضة مكة على ساحل بحر القلزم، وموقعها في أول الاقليم الثاني من الأقاليم السبعة، وهي في الغرب عن مكة بميلة إلى الشمال. قال في «الأطوال» : طولها ست وستون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها إحدى وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة. ووافقه على ذلك في «القانون» . وقال في «رسم المعمور» : طولها خمس وستون درجة وثلاثون دقيقة، وعرضها على ما تقدم. وهي مينا عظيمة محلّ
стр. 1978
حطّ وإقلاع، إليها تنتهي المراكب من مصر واليمن وغيرهما، وعنها تصدر من مكة. قال في «تقويم البلدان» : وهي من مكة على مرحلتين. وقال الإدريسي:
بينهما أربعون ميلا، وهي ميقات من قطع البحر من جهة عيذاب إليها.
الثاني- (بطن نخل) - وضبطه معروف، ويقال فيه أيضا وادي نخلة على التوحيد ونخلة بإسقاط لفظ وادي. قال الجوهريّ: وبه كانت العزّى التي هي أحد طواغيت قريش، وبعث النبيّ ﷺ إليها خالد بن الوليد فهدمها، وهي الآن بيد هذيل، وهي قرى مجتمعة ذات عيون وحدائق ومزدرع. أخبرني بعض أهل الحجاز أن بها نحو أربعة عشر نهرا على كل نهر قرية، وغالب فواكه مكة وقطانيّها وبقولها منها، ومنها يصب الماء إلى بطن مرّ الآتي ذكره.
الثالث- (الطّائف) - بألف ولام لازمتين فطاء مهملة مشدّدة مفتوحة بعدها ألف وياء مثناة تحت مكسورة ثم فاء- وهو بلد شرقيّ بطن نخل المتقدّم ذكرها، وبطن نخل بينه وبين مكة. قيل سميت الطائف لأنها في طوفان نوح انقطعت من الشام وحملها الماء وطافت بالأرض حتّى أرست في هذا الموضع. وقال في «الروض المعطار» : اسمها القديم وجّ يعني بواو مفتوحة وجيم مشدّدة- سميت برجل من العمالقة، ثم سكنها ثقيف فبنوا عليها حائطا مطيفا بها فسميت الطائف قال: وهي إحدى القريتين المذكورتين في قوله تعالى: وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
«١» . قال في «تقويم البلدان» : وهي من الحجاز تقريبا، وموقعها في أوائل الإقليم الثاني. وقال ابن سعيد: طولها ثمان وستون درجة وإحدى وثلاثون دقيقة، وعرضها إحدى وعشرون درجة وأربعون دقيقة، وهو بلد خصيب كثير الفواكه المختلفة مما يشابه فواكه الشام وغيرها، وهي طيّبة الهواء إلا أنها شديدة البرد حتّى إنه ربما جمد الماء بها لشدّة بردها.
الرابع- (بطن مرّ) - بفتح الباء الموحدة وسكون الطاء المهملة ونون بعدها ثم ميم مفتوحة وراء مهملة مشدّدة- وهو واد من أودية الحجاز في الشّمال
стр. 1979
عن مكة على مرحلة منها على طريق حجّاج مصر والشام. قال في «الأطوال» :
طولها سبع وستون درجة وعرضها إحدى وعشرون درجة وخمس وأربعون دقيقة.
قال في «تقويم البلدان» : وهي بقعة بها عدّة عيون ومياه تجري ونخيل كثير، والنخل والمزدرع متصل من وادي نخلة إليها. وذكر غيره أن بها نحو أربعة وعشرين نهرا على كل نهر قرية، ومنها تحمل الفواكه والبقولات إلى مكة كما تحمل من نخلة والطائف، وهي بيد بني حسن أمراء مكة.
الخامس- (الهده) - بألف ولام ثم هاء ودال مهملة مفتوحتين وهاء ساكنة في الآخر- وهو واد على القرب من بطن مرّ، على مرحلة ونصف من مكة، به أربعة عشر نهرا على كل نهر قرية، وهي بيد بني جابر.
السادس- (عسفان) - بضم العين وسكون السين المهملتين وفتح الفاء ثم ألف ونون- وهو واد معروف على طريق حجّاج مصر، على ثلاث مراحل من مكة، كان بها حدائق ومياه تنصب إليها من الهده المذكورة، وهي الآن خراب ليس بها عمارة.
السابع- (البرزة) - بألف ولام ثم باء موحدة مفتوحة وراء مهملة ساكنة وزاي معجمة مفتوحة وهاء في الآخر- وهي واد بالقرب من عسفان على مرحلتين من مكة؛ به أربعة عشر نهرا على كل نهر قرية؛ وهي الآن بيد بني سلول وبني معبّد بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد الباء الموحدة المفتوحة.
الثامن- (خليص) - بضم الخاء المعجمة وفتح اللام وإسكان الياء المثناة تحت والصاد المهملة- وهو واد على طريق حجّاج مصر على أربع مراحل من مكة؛ به نحو تسعة أنهر على كل نهر قرية.
التاسع- (وادي كليّة) - بضم الكاف وفتح اللام وتشديد الياء المثناة تحت المفتوحة وهاء في الآخر- وهو واد بالقرب من خليص به نحو سبعة أنهر على كل نهر قرية، وكان بيد سليم، وقد خرب من مدّة قريبة بعد الثمانين والسبعمائة.
العاشر- (مرّ الظّهران) - بفتح الميم وتشديد الراء المهملة ثم ألف ولام
стр. 1980
وظاء معجمة مفتوحة وهاء ساكنة وراء مهملة مفتوحة بعدها ألف ونون- وهو موضع بينه وبين مكة نحو ستة عشر ميلا، وهو الذي نزل به رسول الله ﷺ عند صلحه مع قريش، كان به ضياع كثيرة وهو الآن خراب. قال في «الروض المعطار» :
وبه حصن كبير كان يسكنه شكر بن الحسن بن عليّ بن جعفر الحسني، يعني أمير مكة الآتي ذكره في جملة أمرائها.
الطرف السابع في ذكر ملوك مكة، وهم على ضربين
الضرب الأوّل ملوكها قبل الإسلام
اعلم أن مكة بعد الطّوفان كان ملكها في عاد، وكان بها منهم معاوية بن بكر ابن عوص بن إرم بن سام بن نوح ﵇، وكان مع معاوية بن بكر (وهو عاد الآخرة فيما يقال) يعرب ثم غلبهم العمالقة عليها. فلما غلب ابن قحطان بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عادا على اليمن وفرّق ملك اليمن في إخوته، استولى على الحجاز وأخرج العمالقة منه وولّى أخاه جرهم بن قحطان على الحجاز، فبقي به حتّى مات. فملك بعده ابنه عبد ياليل. ثم ملك من بعده ابنه جرهم؛ ثم ملك بعده ابنه عبد المدان؛ ثم ملك بعده ابنه بقيلة؛ ثم ملك بعده ابنه عبد المسيح؛ ثم ملك بعده ابنه مضاض؛ ثم ملك بعده ابنه الحرث؛ ثم ملك بعده ابنه عمرو؛ ثم ملك بعده أخوه بشر بن الحرث، ثم ملك بعده مضاض بن عمرو بن مضاض.
قال ابن سعيد: وجرهم هذه هم الذين بعث إليهم إسماعيل ﵇ وتزوّج فيهم، وكانت قبلهم جرهم أخرى مع عاد. قال في «الروض المعطار» :
وفي ذلك يقول عمرو بن الحرث بن مضاض، وهو التاسع من ملوك جرهم المتقدّم ذكرهم:
стр. 1981
وصاهرنا من أكرم النّاس والدا ... فأبناؤه منّا ونحن الأصاهر
قال صاحب حماة في «تاريخه» : وقد اختلف المؤرّخون في أمر الملك على الحجاز بين جرهم وبين إسماعيل فبعضهم يقول: كان الملك في جرهم، ومفاتيح الكعبة وسدانتها في يد ولد إسماعيل، وبعضهم يقول: إن قيدار بن إسماعيل توّجته أخواله من جرهم وعقدوا له الملك عليهم بالحجاز.
وأما سدانة البيت ومفاتيحه فكانت مع بني إسماعيل بلا خلاف حتّى انتهى ذلك إلى نابت من ولد إسماعيل، فصارت السّدانة بعده لجرهم؛ ويدل على ذلك قول عمرو بن الحرث:
وكنّا ولاة البيت من بعد نابت ... نطوف بذاك البيت والأمر ظاهر
وذكر في «الروض المعطار» : أنه كان مع جرهم بمكة قطورا «١» ، وجرهم وقطورا أخوان، وكان منزل جرهم أعلى مكة بقعيقعان فما حاز، ومنزل قطورا أسفل مكة بأجياد فما حاز، وانتهت رياسة قطورا في زمن مضاض بن عبد المسيح المتقدّم ذكره إلى السّميدع، وكان مضاض يعشّر من دخل مكة من أعلاها، والسّميدع يعشر من دخلها من أسفلها، ثم بغى بعضهم على بعض وتنافسوا الملك واقتتلوا فقتل السميدع، واستقلّ مضاض بالأمر، وبقيت جرهم ولاة البيت نحو ثلاثمائة سنة فأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها واستحلّوا حرمها، وبلغ من أمرهم أن الرجل إذا لم يجد مكانا يزني فيه «٢» الكعبة فزنى فيها، ولم يتناهوا حتّى يقال إن إساف بن سهيل زنى بنائلة بنت عمرو بن ذؤيب في جوف الكعبة فمسخا حجرين، ونضب ماء زمزم لكثرة البغي ودرست معالمها؛ ثم جاء عمرو بن لحيّ فغيّر دين إبراهيم ﵇ وبدّله وبعث العرب على عبادة التماثيل، وعمّر ثلاثمائة سنة وخمسا وأربعين سنة، وبلغ من الولد وولد الولد ألفين.
стр. 1982
ثم صارت سدانة البيت ومفاتيحه إلى خزاعة بن الأزد من بني كهلان بن سبإ من العرب العاربة، وكانت منازلهم من حين تفرّق عرب اليمن بسبب سيل العرم ببطن مرّ على القرب من مكة؛ وصارت لهم الرياسة بسدانة البيت، وبقيت السّدانة بيدهم إلى أن انتهت إلى أبي غبشان: سليمان بن عمرو الخزاعيّ في زمن بهرام جور بن يزدجرد من ملوك الفرس؛ ورئيس قريش يومئذ قصيّ بن كلاب، فاجتمع قصيّ مع أبي غبشان على شراب بالطائف، فلما سكر أبو غبشان اشترى قصيّ سدانة البيت منه بزقّ خمر وتسلم مفاتيحه وأشهد عليه بذلك، وأرسل ابنه عبد الدار بها إلى البيت فرفع صوته وقال: يا معشر قريش! هذه المفاتيح: مفاتيح بيت أبيكم إسماعيل، قد ردّها الله عليكم من غير عار «١» ولا ظلم. فلما صحا أبو غبشان ندم حيث لا ينفعه النّدم. ويقال «أخسر من صفقة أبي غبشان» وأكثر الشعراء القول في ذلك حتّى قال بعضه:
باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت ... بزقّ خمر، فبئست صفقة البادي
باعت سدانتها بالنّزر وانصرفت ... عن المقام وظلّ البيت والنّادي
ولما وقع ذلك عدت خزاعة على قصيّ فظهر عليهم وأجلاهم عن مكة؛ وكان بمكة عرب يجيزون الحجيج إلى الموقف، وكان لهم بذلك رياسة فأجلاهم قصيّ عن مكّة أيضا وانفرد بالرياسة. قال العسكريّ في «الأوائل» : وكان أوّل من نال الملك من ولد النّضر بن كنانة.
ولما تم لقصيّ ذلك بنى دار النّدوة بمكة، فكانت قريش تقضي فيها أمورها فلا تنكح ولا تشاور في أمر حرب ولا غيره إلا فيها؛ ولم تزل الرياسة فيه وفي بنيه بعد ذلك. فولد له من الولد عبد مناف وعبد الدّار وعبد العزّى.
ثم انتقلت الرياسة العظمى بعد ذلك لبني عبد مناف، وكان له من الولد هاشم وعبد شمس والمطّلب ونوفل؛ وكان هاشم أرفعهم قدرا وأعظمهم شأنا،
стр. 1983
وإليه انتهت سيادة قومه؛ وكانت إليه الرّفادة وسقاية الحجيج بمكة؛ وكانت قريش تجّارا، وكانت تجارتهم لا تعدو مكة وما حولها فخرج هاشم إلى الشأم حتّى نزل بقيصر ملك الروم فسأله كتابة أمان لتجّار قريش، فكتب له كتابا لكل من مرّ عليه، فخرج هاشم فكلّما مرّ بحيّ من العرب أخذ من أشرافهم أمانا لقومه حتّى قدم مكة، فأتاهم بأعظم شيء أتوا به قطّ بركة، فخرجوا بتجارة عظيمة وخرج معهم حتّى أوردهم الشام؛ وخرج أخوه المطلب إلى اليمن فأخذ لهم أمانا من ملكه؛ وخرج أخوهما عبد شمس إلى ملك الحبشة فأخذ لهم أمانا كذلك؛ وخرج أخوهم نوفل إلى كسرى ملك الفرس فأخذ لهم منه أمانا. وكانت قريش يرحلون في الشتاء للشام وفي الصيف لليمن، واتسعت معايشهم بسبب ذلك، وكثرت أموالهم حتّى امتن الله عليهم بذلك بقوله: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ
«١» والإيلاف الأمان.
ثم ولد لهاشم عبد المطلب وبقيت الرياسة فيه؛ وكانت بئر زمزم قد انطمّت ونضب ماؤها فحفرها عبد المطلب، حتّى أكمل الله تعالى بنبوّة نبيه محمد ﷺ .
وأما سدانة البيت ومفاتيحه، فبقيت بيد بني عبد الدار بن قصيّ المتقدّم ذكره من حين تسلّمها عبد الدار عند أخذها من أبي غبشان الخزاعيّ حتى صارت لبني شيبة من بني عبد الدار، وانتهت في زمن النبيّ ﷺ إلى عثمان بن طلحة ابن عبد الدار. فلما دخل النبيّ ﷺ مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب الكعبة وصعد السطح وأبى أن يدفع المفتاح إليه، وقال: لو علمت أنه رسول الله لم أمنعه، فلوى عليّ بن أبي طالب يده وأخذه منه وفتح ودخل رسول الله ﷺ الكعبة فصلّى ركعتين، فلما خرج سأله العبّاس أن يعطيه المفتاح ويجمع له السّقاية والسّدانة فنزل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«٢» فأمر رسول الله ﷺ عليّا أن يردّ المفتاح إلى عثمان ويعتذر إليه، فقال عثمان: أكرهت
стр. 1984
وآذيت ثم جئت ترفق؟ فقال له عليّ: لقد أنزل الله تعالى في شأنك قرآنا، وقرأ عليه الآية، فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فهبط جبريل ﵇ على النبيّ ﷺ فأخبره أن السّدانة في أولاد عثمان أبدا، فهي باقية فيهم إلى الآن.
الضرب الثاني ملوكها في الإسلام، وهم على طبقات
الطبقة الثالثة «١» عمال النبيّ ﷺ والخلفاء الراشدين
هاجر منها النبيّ ﷺ إلى المدينة قبل وفاته، وحجّ حجة الوداع في السنة العاشرة من الهجرة، وتوفّي سنة إحدى عشرة من الهجرة وعلى مكة عثمان بن أسيد، وتوالت عليها عمّال الخلفاء بعده إلى آخر أيام الحسن بن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه.
الطبقة الرابعة عمال بني أميّة من لدن معاوية ﵁ إلى انقراضهم
ثم ولّى عليها معاوية بن أبي سفيان في خلافته في سنة اثنتين وأربعين من الهجرة (خالد بن العاص بن هشام) ثم أضيفت إلى عمّال المدينة إلى أيام الوليد ابن عبد الملك فكان من وليها منهم (الوليد بن عتبة) ثم (عمرو بن سعيد الأشدق) ثم (الوليد بن عتبة) ثانيا؛ ثم (مصعب بن الزبير) من جهة أخيه عبد الله بن الزبير لما بويع له بالخلافة؛ ثم (جابر بن الأسود) ثم (طلحة بن عبد الله بن عوف) ثم (طارق بن عمرو بن عثمان) ثم (الحجّاج بن يوسف
стр. 1985
الثقفيّ) ثم (أبان بن عثمان) ثم (هشام بن إسماعيل المخزوميّ) ثم (عمر «١» ابن عبد العزيز) .
ثم أفردها الوليد بن عبد الملك عن المدينة وولّى عليها (خالد بن عبد الله القسري) بعد عمر «٢» بن عبد العزيز؛ ثم وليها (عبد العزيز بن خالد بن أسيد) أيام سليمان بن عبد الملك؛ ثم عزله يزيد سنة ثلاث ومائة وأضافها مع المدينة إلى (عبد الرحمن بن الضحّاك) ، ثم عزله عن مكة والمدينة لثلاث سنين من ولايته وولّى مكانه (عبد الواحد النضريّ) ، ثم عزله هشام بن عبد الملك في خلافته وولّى مكانه على مكة والمدينة (إبراهيم بن هشام بن إسماعيل) ثم عزله هشام سنة أربع عشرة ومائة وولّى مكانه على مكة والطائف دون المدينة (محمد ابن هشام المخزوميّ) ؛ ثم ولّى الوليد بن زيد في خلافته خاله (يوسف بن محمد الثقفيّ) على مكة مع سائر أعمال الحجاز؛ ثم ولّى مروان على مكة وبرّ الحجاز (عبد العزيز بن عمر، بن عبد العزيز) ثم عزله في سنة تسع وعشرين ومائة وولّى مكانه على مكة والحجاز (عبد الواحد) «٣» ثم توالت عليها عمّال بني أمية إلى أن انقرضت دولتهم.
الطبقة الخامسة عمّال بني العبّاس
وأوّلهم أبو العباس السّفّاح، فولّى عليها وعلى المدينة وسائر الحجاز عمّه (داود) ثم توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة؛ فولّى مكانه في جميع ذلك (زياد بن عبد الله بن عبد الدار الحارثيّ) .
ثم ولّى السّفّاح على ذلك سنة ثلاث وأربعين ومائة (السّريّ بن عبد الله بن
стр. 1986
الحارث بن العبّاس) .
ثم عزله أبو جعفر المنصور سنة ست وأربعين ومائة وولّى مكانه عمه (عبد الصمد بن عليّ) ثم عزله عنها سنة تسع وأربعين ومائة وولّى مكانه (محمد بن إبراهيم الإمام) ثم عزله وولّى مكانه (إبراهيم ابن أخيه) ثم ولّى على مكة وسائر الحجاز واليمامة (جعفر بن سليمان) ؛ ثم توالت عليها العمال إلى أن ولّى الرشيد في خلافته على مكة واليمن (حمادا اليزيدي) «١» سنة أربع وثمانين ومائة.
ثم وليها في زمان الأمين (داود بن عيسى) .
ثم وليها (محمد بن عيسى) ثم عزله المتوكل سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وولّى مكانه ابنه (المنتصر) بن المتوكل.
ثم وليها (عليّ بن عيسى بن جعفر بن المنصور) ثم عزله المتوكل سنة سبع وثلاثين ومائتين وولّى مكانه (عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى) ثم عزله المتوكل سنة ثنتين وأربعين ومائتين وولّى مكانه (عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام) ثم توالت عليها العمال من قبل خلفاء بني العبّاس إلى أن غلب عليها السّليمانيّون الآتي ذكرهم آنفا.
الطبقة السادسة السليمانيون من بني الحسن
نسبة إلى سليمان بن داود بن الحسن المثنّى بن الحسن السّبط.
وكان سليمان هذا في أيام المأمون بالمدينة وحدثت الرياسة فيها لبنيه بعد أيام، وكان كبيرهم آخر المائة الثالثة محمد بن سليمان الربذيّ.
قال البيهقيّ «٢» : خلع طاعة العبّاسيين وخطب لنفسه بالإمامة في سنة إحدى وثلاثمائة في خلافة المقتدر؛ ثم اعترضه أبو طاهر القرمطيّ في سنة ثنتي عشرة
стр. 1987
وثلاثمائة، فانقطع حجيج العراق بسبب ذلك.
ثم أنفذ المقتدر الحجيج من العراق في سنة سبع عشرة وثلاثمائة فوافاهم القرمطيّ بمكة فنهبهم، وخطب لعبيد الله المهديّ صاحب إفريقية وقلع الحجر الأسود وباب الكعبة وحملهما إلى الأحساء، وتعطل الحج من العراق إلى أن ولي الخلافة القاهر في سنة عشرين وثلاثمائة فحجّ بالناس أميره في تلك السنة.
ثم انقطع الحج من العراق بعدها إلى أن صولحت القرامطة على مال يؤدّيه الحجيج إليهم، فحجوا في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، وخطب بمكة للراضي بن المقتدر، وفي سنة تسع وعشرين لأخيه المتّقي من بعده.
ثم انقطع الحج من العراق بسبب القرامطة إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة؛ فخرج ركب العراق بمهادنة القرامطة في خلافة المستكفي؛ ثم خطب بمكة لمعز الدولة بن بويه مع المقتدر في سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة؛ ثم تعطل الحج بسبب القرامطة؛ ثم برز أمر المنصور الفاطميّ صاحب إفريقيّة لأحمد بن أبي سعيد أمير القرامطة بعد موت أبي طاهر بإعادة الحجر الأسود إلى مكانه فأعاده في سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.
وفي سنة ثنتين وأربعين وثلاثمائة حاول أمير الركب المصريّ الخطبة لابن الأخشيد صاحب مصر فلم يتأتّ له ذلك وخطب لابن بويه، واتصلت وفود الحج من يومئذ.
وفي سنة ثلاث وخمسين خطب للقرمطيّ بمكة مع المطيع.
وفي سنة ست وخمسين وثلاثمائة خطب بمكة لبختيار بن معزّ الدولة بعد موت أبيه.
ثم في سنة ستين وثلاثمائة جهز المعزّ الفاطميّ عسكرا من إفريقيّة لإقامة الخطبة له بمكة وعاضدهم بنو الحسين أهل المدينة فمنعهم بنو الحسن أهل مكة من ذلك واستولوا على مكة.
стр. 1988
فلما ملك مصر المعزّ كان الحسن بن جعفر بن الحسن بن سليمان بالمدينة فبادر فملك مكة ودعا للمعزّ وكتب له المعزّ بالولاية؛ ثم مات الحسن فولّي مكانه أخوه عيسى.
ثم ولّي بعده أبو الفتوح الحسن بن جعفر بن أبي هاشم، ثم الحسن بن محمد بن سليمان بن داود سنة أربع وثمانين وثلاثمائة؛ ثم جاءت عساكر عضد الدولة بن بويه ففرّ الحسن وترك مكة. ولما مات المعز وولي ابنه العزيز، بعث إلى مكة أميرا علويّا فخطب له بالحرمين واستمرّت الخطبة بمكة للعلويين إلى سنة سبع وستين وثلاثمائة.
وفي سنة ثمان وستين خطب لعضد الدولة بن بويه، ثم عادت الخطبة بمكة إلى الخلفاء الفاطميين بمصر؛ ثم كتب الحاكم سنة ثنتين وأربعين وأربعمائة إلى عمّاله بالبراءة من أبي بكر وعمر ﵄ فأنكر ذلك أبو الفتوح أمير مكة وحمله ذلك على أن استبدّ بالأمر في مكة وخطب لنفسه وتلقب بالراشد بالله، وقطع الحاكم الميرة عن الحرمين فرجع أبو الفتوح إلى طاعته فأعاده إلى إمارته بمكة.
وفي سنة ثنتي عشرة وأربعمائة خطب بمكة للظاهر بن الحاكم؛ ثم خطب بمكة سنة سبع وعشرين وأربعمائة للمستنصر بن الظاهر؛ ثم توفي أبو الفتوح أمير مكة المتقدّم ذكره سنة ثلاثين وأربعمائة لستّ وأربعين سنة من إمارته.
وولي بعده إمارة مكة ابنه شكر وملك معها المدينة واستضافها لمكة، وجمع بين الحرمين كله «١» ثلاثا وعشرين سنة ومات سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. قال ابن حزم «٢» : وكانت وفاته عن غير ولد وانقرضت بموته دولة بني سليمان بمكة.
стр. 1989
الطبقة السابعة الهواشم
نسبة إلى أبي هاشم: محمد بن الحسن بن محمد بن موسى بن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون بن عبد الله بن حسن بن الحسن السّبط.
كان رئيس الهواشم لما مات شكر آخر أمراء السليمانيين (محمد بن جعفر) بن أبي هاشم المذكور فاستولى على إمارة مكة في سنة أربع وخمسين وأربعمائة بعد موت شكر، وخطب للمستنصر الفاطميّ صاحب مصر، ثم خطب لبني العبّاس في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة فقطعت ميرة مصر عن مكة فعذله أهله على ذلك فأعاد الخطبة للمستنصر الفاطميّ، ثم استماله القائم العباسيّ وبذل له الأموال فخطب له سنة ثنتين وستين بالموسم فقط، وكتب للمستنصر بمصر يعتذر إليه، ثم بعث إليه السلطان ألب أرسلان السّلجوقيّ بأموال كثيرة في سنة ثلاث وستين فخطب له بنفسه.
ثم جمع محمد بن جعفر المتقدّم ذكره وزحف إلى المدينة فأخرج منها بني الحسين وملكها وجمع بين الحرمين.
ثم مات القائم وانقطع ما كان يصل إلى أمير مكة منه فقطع الخطبة للعباسيين.
ثم أرسل المقتدي بالله العباسيّ بمال فأعاد الخطبة للعباسيين فاستمرت الخطبة لهم إلى أن مات السلطان ملكشاه السلجوقيّ سنة ست «١» وثمانين وأربعمائة فانقطعت الخطبة بمكة للعباسيين وبطل الحاجّ من العراق، ومات المقتدي وبويع ابنه المستظهر، ومات المستنصر العبيديّ بمصر وبويع ابنه المستعلي فخطب له بمكة.
стр. 1990
ثم مات محمد بن جعفر أمير مكة المتقدّم ذكره سنة سبع وثمانين وأربعمائة لثلاث وثلاثين سنة من إمارته؛ وولي بعده ابنه (قاسم) فكثر اضطرابه، ثم توفي سنة ثمان عشرة وخمسمائة لثلاثين سنة من إمارته.
وولي بعده ابنه أبو فليتة فافتتح بالخطبة العباسية وحسن الثناء عليه؛ ثم مات سنة سبع وعشرين وخمسمائة لعشر سنين من إمارته وولي بعده ابنه قاسم والخطبة مستمرّة للعباسيين.
ثم صنع المقتفي بابا للكعبة وأرسله إليها في سنة ثنتين وخمسين وخمسمائة وحمل الباب العتيق إليه فاتخذه تابوتا يدفن فيه، واتصلت الخطبة لبني العبّاس إلى سنة خمس وخمسين «١» ، وبويع المستنجد فخطب له كما كان يخطب لأبيه المقتفي.
ثم قتل قاسم بن أبي فليتة سنة ست وخمسين وخمسمائة، وولي بعده ابنه (عيسى) في أيام العاضد: آخر خلفاء الفاطميين بمصر، وتوفي المستنجد وبعث المستضيء بالركب العراقيّ وانقضت دولة الفاطميين بمصر، ووليها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فخطب له بالحرمين الشريفين.
والذي ذكره السلطان عماد الدين صاحب حماة في «تاريخه» أن عيسى عمّ قاسم سيّر الحاجّ في سنة ست وخمسين وخمسمائة وقام مكان ابن أخيه قاسم المذكور، ثم عاد قاسم فملك مكة، ثم هرب وعاد عمه عيسى فملكها وهرب قاسم إلى جبل أبي قبيس فوقع عن فرسه فأمسكه عيسى وقتله.
ثم مات المستضيء وبويع ابنه الناصر وخطب له بالحرمين، وحجت أمه وعادت فأنهت إليه من أحوال عيسى بن قاسم أمير مكة ما عزله به؛ وولّى مكانه أخاه (مكثر بن قاسم) وكان جليل القدر، وهو الذي بنى القلعة على جبل أبي
стр. 1991
قبيس، ومات سنة تسع وثمانين وخمسمائة، وبموته انقرضت دولة الهواشم بمكة.
وذكر السلطان عماد الدين صاحب حماة في «تاريخه» أن أمير حاج العراق في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة توجه من عند الخليفة بعزله، فجرى بينهما حرب انتهى الأمر فيها إلى انهزام مكثر المذكور، وأقيم أخوه داود مكانه. وما زالت الإمرة فيه تارة، وفي أخيه مكثر تارة حتّى مات داود في سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وقال: إنه داود بن عيسى بن محمد بن أبي هاشم.
الطبقة الثامنة بنو قتادة
نسبة إلى قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن موسى بن عيسى بن عبد الله أبي الكرام بن موسى الجون بن عبد الله بن حسن بن الحسن السّبط بن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه.
وكان السبب في ولايته مكة أنها لما كانت مع الهواشم كان بنو حسن مقيمين بنهر العلقمية من وادي ينبع، فجمع قتادة قومه بني مطاعن وأسالف بني أحمد وبني إبراهيم وتأمر عليهم وملك ينبع، ثم ملك الصفراء، وسار إلى مكة فانتزعها من الهواشم المتقدّم ذكرهم وملكها، وخطب للناصر لدين الله العباسيّ: خليفة بغداد، وتعاظم أمره حتّى ملك مع مكة والينبع أطراف اليمن وبعض أعمال المدينة وبلاد نجد، ولم يفد على أحد من الخلفاء ولا من الملوك، وتوفي سنة سبع عشرة وستمائة؛ وولّي مكانه ابنه الحسن فامتعض لذلك أخوه راجح بن قتادة، ثم قدم الملك المسعود أقسر بن الكامل صاحب اليمن سنة عشرين وستمائة من اليمن إلى مكة وملك مكة وقتل جماعة من الأشراف ونصب رايته وأزال راية أمير الركب الذي من جهة الخليفة، فكتب الخليفة من بغداد إلى أبيه الكامل يعاتبه في ذلك، فكتب الكامل إلى ابنه أقسر: برئت يا أقسر من ظهر العادل إن لم أقطع يمينك! فقد نبذت وراء ظهرك دنياك ودينك! ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم! وذهب
стр. 1992
حسن بن قتادة إلى بغداد صريخا فمات بها سنة ثنتين وعشرين وستمائة، ومات أقسر بمكة سنة ست وعشرين ودفن بالمعلى، وبقي على مكة قائده فخر الدين بن الشيخ؛ وقصد راجح بن قتادة مكة مع عساكر عمر بن رسول فملكها من يد فخر الدين بن الشيخ سنة تسع وعشرين وستمائة.
ثم جاءت عساكر مصر سنة ثنتين وثلاثين مع الأمير جبريل فملكوا مكة وهرب راجح إلى اليمن، ثم عاد ومعه عمر بن رسول صاحب اليمن بنفسه فهربت عساكر مصر، وملك راجح مكة وخطب لعمر بن رسول بعد الخليفة المستنصر.
ثم غلب على مكة سنة سبع وأربعين وستمائة أبو سعد الحسن بن عليّ بن قتادة ولحق راجح باليمن؛ وسار جمّاز بن حسن بن قتادة سنة إحدى وخمسين وستمائة إلى الناصر بن العزيز بن الظاهر بن أيوب بدمشق مستجيشا على أبي سعد أن يقطع ذكر صاحب اليمن، فجهز له عسكرا وسار إلى مكة فقتل أبا سعد في الحرم وملك مكة، ثم وصل راجح من اليمن إلى مكة وهو شيخ كبير السن وأخرج منها جماز بن حسن فلحق بالينبع.
ثم دار أمر مكة بين أبي نمي محمد بن أبي سعد عليّ بن قتادة وبين غالب ابن راجح بن قتادة، ثم استبدّ أبو نمي بإمرة مكة ونفى قبيلة أبيه أبي سعد إلى الينبع.
ولما هلك أبو نمي قام بأمر مكة من بعده ابناه رميثة وحميضة ونازعهما أخواهما عطيفة وأبو الغيث فاعتقلاهما، ووافق ذلك وصول بيبرس الجاشنكير كافل المملكة المصرية في الأيام الناصرية فأطلق عطيفة وأبا الغيث وولاهما، وأمسك رميثة وحميضة وبعث بهما إلى مصر، ثم ردّ السلطان رميثة وحميضة إلى إمارتهما بمكة مع عسكره وبعثا إليه بعطيفة وأبي الغيث، وبقي التنازع بينهم، وهم يتعاقبون في إمرة مكة مرة بعد أخرى وهلك أبو الغيث في بعض حروبهم ببطن مرّ.
ثم تنازع حميضة ورميثة وسار رميثة إلى الملك الناصر محمد بن قلاوون
стр. 1993
صاحب مصر سنة خمس عشرة وسبعمائة فأمدّه بعساكر وجّه بها إلى مكة واصطلحوا.
ثم خالفهم عطيفة سنة ثمان عشرة وسبعمائة ووصل إلى السلطان فأمدّه بالعساكر فملك مكة وقبض على رميثة فسجن ثم أطلق سنة عشرين وأقام بمصر، وبقي حميضة مشرّدا إلى أن استأمن السلطان فأمنه، ثم وثب بحميضة مماليك كانوا معه وقتلوه، وأطلق رميثة من السجن واستقر شريكا لأخيه عطيفة في إمارتها.
ثم مات عطيفة وأقام أخوه رميثة بعده مستقلّا بإمارة مكة إلى أن كبر وهرم.
وإلى ذلك أشار في «التعريف» بقوله: وأوّل «١» إمرة في رميثة وهو آخر من بقي من بيته، وعليه كان النص من أبيه دون البقية مع تداولهم لها، وكان ابناه بقية وعجلان قد اقتسما معه إمارة مكة برضاه، ثم أراد الرجوع فلم يوافقاه عليه واستمرّا معه في الولاية.
ولما مات رميثة تنازع ولداه: بقية وعجلان، وخرج بقية وبقي عجلان بمكة، ثم غلبه عليها بقيّة، ثم اجتمعا بمصر سنة ست وخمسين وسبعمائة فولّى السلطان عجلان، وفرّ بقية إلى الحجاز فأقام هناك منازعا لعجلان من غير ولاية، وعجلان هو المستبدّ بها مع سلوك سيرة العدل والإنصاف والتجافي عن أموال الرعية والتعرّض للمجاورين إلى أن توفي سنة سبع وسبعين وسبعمائة.
وولّي بعده ابنه أحمد، وكان قد فوّض إليه الأمر في حياته وقاسمه في أمره، فقام أحمد بأمر مكة جاريا على سنن أبيه في العدل وحسن السيرة، ومات في رمضان سنة ثمان وثمانين وسبعمائة في الدولة الظاهرية برقوق.
فولّي مكانه ابنه محمد، وكان صغيرا في كفالة عمه كبيش بن عجلان فبقي حتّى وثب عليه فداويّ «٢» عند ملاقاة المحمل فقتله؛ ودخل أمير الركب إلى مكة
стр. 1994
فولّى عنان بن مغامس بن رميثة مكانه.
ثم لحق عليّ بن عجلان بالأبواب السلطانية بمصر فولاه الظاهر برقوق سنة تسع وثمانين وسبعمائة شريكا لعنان وسار مع أمير الركب إلى مكة فهرب عنان ودخل عليّ بن عجلان مكة فاستقل بإمارتها؛ ثم وفد عليّ بن عجلان على السلطان بمصر سنة أربع وتسعين فأفرده بالإمارة وأنزل عنان بن مغامس عنده وأحسن إليه؛ ثم اعتقله بعد ذلك وبقي عليّ بن عجلان في إمارة مكة حتّى قتل ببطن مرّ في سنة سبع وتسعين وسبعمائة.
فولّى السلطان ابن أخيه حسن بن أحمد مكانه واستبدّ بإمرة مكة وهو بها إلى هذا العهد. وهو حسن، بن أحمد، بن عجلان، بن رميثة، بن أبي نميّ محمد، بن أبي سعد، عليّ، بن أبي عزيز قتادة، بن إدريس، بن مطاعن، بن عبد الكريم، بن موسى، بن عيسى، بن سليمان، بن عبد الله، بن أبي الكرام، بن موسى الجون، بن عبد الله، بن حسن، بن الحسن السّبط، بن عليّ بن أبي طالب ﵁.
الطرف الثامن في ترتيب مكة المشرفة ؛
[القاعدة الأولى]
وفيه جملتان
الجملة الأولى فيما هو بحاضرتها
أما معاملاتها فعلى ما تقدّم في الديار المصرية والبلاد الشامية من المعاملة بالدنانير والدراهم النّقرة، وصنجتها في ذلك كصنجة الديار المصرية، ويعبّر عن الدرهم النّقرة فيها بالكامليّ؛ نسبة إلى الملك الكامل محمد بن أبي بكر بن أيوب صاحب مصر، وعندهم درهم آخر من فضة خالصة، مربع الشكل، زنته نحو نصف، ثم نقص حتّى صار نحو سدس، يعبرون عنه بالمسعوديّ نسبة إلى الملك المسعود صاحب اليمن، وهو في المعاملة بثلثي درهم كامليّ.
стр. 1995
ولم يكن بها في الزمن المتقدّم فلوس يتعامل بها ثم راجت الفلوس الجدد بها في أيام الموسم فيما قبل الدولة الظاهرية برقوق. ثم راجت في سائر الأوقات آخرا، إلا أن كل درهم بها ثمانية وأربعون فلسا على الضّعف من الديار المصرية، حيث كلّ درهم فيها أربعة وعشرون فلسا؛ ويعبر عن كل خمسة قراريط من الدرهم الكامليّ فيها بجائز، وعن الربع والسدس منه بجائزين، وتعتبر أوزانها بالمن: وهو مائتان وستون درهما. وأواقيه عشرة، كل أوقية عشرة دراهم؛ وكيلها بالغرارة وكل غرارة من غرائرها «١» ... وقياس قماشها بالذراع المصري وأسعارها في الغالب مرتفعة عن سعر مصر والشام.
وأما إمرتها فإنها إمرة أعرابية يمشي أميرها في إمرته على قاعدة أمراء العرب دون عادة الملوك في المواكب وغيرها، وأتباعه عرب، وأكثرهم من بني الحسن أشراف مكة، ويعبّر عن أكابرهم بالقوّاد، وهم بمثابة الأمراء للملوك، وربما استخدم المماليك الترك ومن في معناهم.
وأكثر متحصّله مما يؤخذ من التجار الواردين إلى مكة من الهند واليمن وغيرهما. وأما تجهيز ركب الحجيج إليها ففي كل سنة يجهز إليها المحمل من الديار المصرية بكسوة البيت مع أمير الركب ويكسى البيت بالكسوة المجهزة مع المحمل، ويأخذ سدنة البيت الكسوة التي كانت على البيت، فيهادون بها الملوك وأشراف الناس، وداخل البيت كسوة أخرى من حرير منقوش لا تحتاج إلى التغيير إلا في السنين المتطاولة لعدم وصول الشمس ولمس الأيدي إليها.
ومن عادة أمير مكة أنه إذا وصل المحمل إلى ظاهر مكة خرج لملاقاته، فإذا وافاه ترجل عن فرسه وأتى الجمل الحامل للمحمل فقلب خفّ يده اليمنى وقبّله خدمة لصاحب مصر، وقد روى ابن النجار «٢» في تاريخ المدينة النبوية من طريق
стр. 1996
الحافظ أبي نعيم إلى حسين بن مصعب أنه أدرك كسوة الكعبة يؤتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة فتنشر على الرّضراض «١» في مؤخّر المسجد، ثم يخرج بها إلى مكة. وذلك في سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين ومائة.
واعلم أن كسوة الكعبة لها حالان:
الحال الأولى- ما كان الأمر عليه في الجاهلية. قد روى الأزرقيّ في «أخبار مكة» بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ ، «نهى عن سبّ أسعد الحميريّ وهو تبّع» وكان أوّل من كسا الكعبة. وذكر ابن إسحاق عن غير واحد من أهل العلم أن أوّل من كسا الكعبة كسوة كاملة تبّع وهو أسعد أري في منامه أن يكسوها فكساها الأنطاع «٢» ، ثم أري أن اكسها فكساها الوصائل ثياب حبرة «٣» من عصب اليمن؛ وعن ابن جريح «٤» نحوه.
وعن ابن أبي مليكة «٥» أنه قال: بلغني أن الكعبة كانت تكسى في الجاهلية كسى شتّى، كانت البدن تجلّل الحبر والبرود والأكسية وغير ذلك من عصب اليمن، وكان يهدى للكعبة هدايا من كسى شتّى سوى جلال البدن: حبر وخزّ وأنماط فتكسى منه الكعبة، ويجعل ما بقي في خزانة الكعبة، فإذا بلي منها شيء أخلف عليها مكانه ثوب آخر، ولا ينزع مما عليها شيء.
وعن عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: كانت قريش في الجاهلية ترافد في كسوة الكعبة، فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها، من عهد قصيّ بن كلاب حتّى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكان يختلف إلى اليمن يتّجر فيها فأثرى في المال، فقال
стр. 1997
لقريش: أنا أكسو الكعبة وحدي سنة وجميع قريش سنة، فكان يفعل ذلك حتّى مات: يأتي بالحبر الجندية «١» من الجند فيكسو الكعبة، فسمته قريش العدل لأنه عدل فعله بفعل قريش.
وروى الواقديّ «٢» عن النّوار بنت مالك أم زيد بن ثابت ﵁ أنها قالت: رأيت قبل أن ألد زيد بن ثابت على الكعبة مطارف خزّ أخضر وأصفر، وكرار وأكسية الأعراب وشقاق شعر.
وعن ابن جريج أن الكعبة فيما مضى إنما كانت تكسى يوم عاشوراء إذا ذهب آخر الحاج، حتّى كان بنو هاشم فكانوا يعلّقون القميص يوم التروية «٣» من الديباج لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء وجمالا فإذا كان يوم عاشوراء علّقوا عليها الإزار.
وعن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم قال: نذرت أمّي بدنة «٤» تنحرها عند البيت وجللتها شقّتين من شعر ووبر فنحرت البدنة وسيّرت للكعبة بالشّقّتين والنبيّ ﷺ يومئذ بمكة لم يهاجر، فنظرت إلى البيت يومئذ وعليه كسى شتّى من وصائل وأنطاع وكرار «٥» وخزّ ونمارق «٦» عراقية، كل هذا قد رأيته عليه.
قلت: حاصل الأمر أن الذي كسيته الكعبة الأنطاع وحبرات اليمن والبرود والكرار والأنماط والنمارق ومطارف الخزّ الأحضر والأصفر والأكسية وشقاق الشعر والوبر وغير ذلك.
стр. 1998
الحال الثانية- ما كان الأمر عليه في صدر الإسلام وهلم جرا إلى زماننا.
أما في صدر الإسلام فقد روى الواقديّ عن إبراهيم بن أبي حبيبة عن أبيه أن البيت كان في الجاهلية يكسى الأنطاع فكساه النبيّ ﷺ الثياب اليمانية ثم كساه عمر وعثمان ﵄ القباطيّ «١» . وعن ابن أبي نجيح «٢» أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الكعبة القباطيّ من بيت المال، كان يكتب فيها إلى مصر، ثم عثمان من بعده. فلما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين: كسوة عمر القباطيّ وكسوة ديباج. وكانت تكسى الدّيباج يوم عاشوراء، وتكسى القباطيّ في آخر شهر رمضان.
وروى الأزرقيّ عن نافع قال: كان ابن عمر يكسو بدنه إذا أراد أن يحرم القباطيّ والحبر، وفي رواية الأنماط، فإذا كان يوم عرفة ألبسها إياها وإذا كان يوم النحر نزعها عنها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان الحجبيّ فناطها على الكعبة.
وروى الواقديّ عن إسحاق بن عبد الله أن الناس كانوا ينذرون كسوة الكعبة ويهدون إليها البدن عليها الحبرات، فيبعث بالحبرات إلى البيت كسوة. فلما كان يزيد بن معاوية كساها الديباج الخسروانيّ، فلما كان ابن الزبير اتبعه على ذلك، فكان يبعث إلى أخيه مصعب بن الزبير يبعث بالكسوة كل سنة وكانت تكسى يوم عاشوراء.
قال الأزرقيّ: وقد قيل إن ابن الزبير أوّل من كساه الديباج. قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : وهو الصحيح.
وذكر الواقديّ عن أشياخه أن عبد الملك بن مروان كان يبعث في كل سنة بالدّيباج من الشام فيمرّ به على المدينة فينشر يوما في مسجد رسول الله ﷺ على
стр. 1999
الأساطين «١» ها هنا وها هنا، ثم يطوى ويبعث به إلى مكة. وقد قيل إن عبد الملك أوّل من كسا الكعبة الديباج. قال الماورديّ: وكساه بنو أمية في بعض أيامهم الحلل التي كانت على أهل نجران في جزيتهم، والديباج من فوقها.
قال الأزرقيّ: ولما حجّ المهديّ في سنة ستين ومائتين «٢» ، رفع إليه أن ثياب الكعبة قد أثقلتها ويخاف على جدرانها من ثقل الكسوة، فجرّدها حتّى لم يبق عليها شيء من الكسوة، ثم أفرغ عليها ثلاث كسى: قباطيّ وخز وديباج. ولما غلب حسين بن حسن الطالبيّ على مكة في سنة مائتين، وجد ثيابها قد ثقلت عليها أيضا فجرّدها في أوّل يوم من المحرّم وكساها كسوتين من قزّ رقيق إحداهما صفراء والأخرى بيضاء مكتوب بينهما:
«بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار. أمر أبو السّرايا الأصغر بن الأصغر راعية آل محمد صلوات الله عليه وسلامه بعمل هذه الكسوة لبيت الله الحرام» .
وذكر الأزرقيّ عن جدّه أن الكعبة كانت تكسى في كل سنة كسوة ديباج يعني أحمر وكسوة قباطيّ. فأما الديباج فتكساه يوم التروية، فيعلّق القميص ويدلّى ولا يخاط، وإذا صدر الناس من منى خيط القميص وترك الإزار حتّى يذهب الحاج لئلا يخرّقوه. فإذا كان يوم عاشوراء علق عليها الإزار يوصل بالقميص؛ وكأن المراد بالإزار ما تدركه الأيدي في الطواف وبالقميص ما فوق ذلك إلى أعلى الكعبة، فلا تزال هذه الكسوة الديباج عليها حتّى يوم سبع وعشرين من شهر رمضان فتكسى القباطيّ القطن.
فلما كانت خلافة المأمون رفع إليه أنّ الديباج يبلى ويتخرّق قبل أن يبلغ الفطر، فسأل المأمون صاحب بريد مكة في أيّ الكسوة الكعبة أحسن؟ فقال له:
стр. 2000
في البياض، فأمر بكسوة من ديباج أبيض، عملت سنة ست ومائتين وبعث بها إلى الكعبة، فصارت الكعبة تكسى ثلاث كسى: تكسى الديباج الأحمر يوم التّروية، وتكسى القباطيّ يوم هلال رجب، وتكسى الديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من شهر رمضان للفطر.
ثم رفع إلى المأمون أيضا أن إزار الديباج الأبيض يتخرّق ويبلى في أيام الحج من مسّ الحاج قبل أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر في عاشوراء، فزادها إزار ديباج أبيض تكساه يوم التّروية، فيستر به ما تخرّق من الإزار الذي كسيته.
ثم رفع إلى المتوكل في سنة أربعين ومائتين أن إزار الديباج الأحمر يبلى قبل هلال رجب من مسّ الناس ومسحهم بالكعبة، فزادها إزارين مع الإزار الأوّل، فأذال قميصها الديباج الأحمر وأسبله حتّى بلغ الأرض، ثم جعل الإزار فوقه، في كل شهرين إزار، ثم نظر الحجبة فإذا الإزار الثاني لا يحتاج إليه، فوضع في تابوت الكعبة وكتبوا إلى المتوكل أن إزارا واحدا مع ما أذيل من قميصها، فصار يبعث بإزار واحد فتكسى بعد ثلاثة أشهر، فيكون الذيل ثلاثة أشهر.
ثم في سنة ثلاث وأربعين ومائتين أمر المتوكل بإذالة القميص القباطيّ حتّى بلغ الشاذروان «١» الذي تحت الكسوة. قال الماورديّ: ثم كسا المتوكل أساطينه الديباج.
وقد حكى المؤيد صاحب حماة في «تاريخه» أن الفاطميين خلفاء مصر في إمارة أبي الحسن جعفر من السليمانيين على مكة في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة كسوا الكعبة البياض.
قلت: ثم رفع «٢» الأمر في خلفاء بني العبّاس ببغداد إلى شعارهم من السواد، فألبسوا الكعبة الدّيباج الأسود؛ ثم جرى ملوك مصر عند استيلائهم على
следующие страницы →