← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الحافظ أبي نعيم إلى حسين بن مصعب أنه أدرك كسوة الكعبة يؤتى بها المدينة قبل أن تصل إلى مكة فتنشر على الرّضراض «١» في مؤخّر المسجد، ثم يخرج بها إلى مكة. وذلك في سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثلاثين ومائة. واعلم أن كسوة الكعبة لها حالان: الحال الأولى- ما كان الأمر عليه في الجاهلية. قد روى الأزرقيّ في «أخبار مكة» بسنده إلى أبي هريرة ﵁ أن النبيّ ﷺ ، «نهى عن سبّ أسعد الحميريّ وهو تبّع» وكان أوّل من كسا الكعبة. وذكر ابن إسحاق عن غير واحد من أهل العلم أن أوّل من كسا الكعبة كسوة كاملة تبّع وهو أسعد أري في منامه أن يكسوها فكساها الأنطاع «٢» ، ثم أري أن اكسها فكساها الوصائل ثياب حبرة «٣» من عصب اليمن؛ وعن ابن جريح «٤» نحوه. وعن ابن أبي مليكة «٥» أنه قال: بلغني أن الكعبة كانت تكسى في الجاهلية كسى شتّى، كانت البدن تجلّل الحبر والبرود والأكسية وغير ذلك من عصب اليمن، وكان يهدى للكعبة هدايا من كسى شتّى سوى جلال البدن: حبر وخزّ وأنماط فتكسى منه الكعبة، ويجعل ما بقي في خزانة الكعبة، فإذا بلي منها شيء أخلف عليها مكانه ثوب آخر، ولا ينزع مما عليها شيء. وعن عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: كانت قريش في الجاهلية ترافد في كسوة الكعبة، فيضربون ذلك على القبائل بقدر احتمالها، من عهد قصيّ بن كلاب حتّى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكان يختلف إلى اليمن يتّجر فيها فأثرى في المال، فقال

стр. 1997

لقريش: أنا أكسو الكعبة وحدي سنة وجميع قريش سنة، فكان يفعل ذلك حتّى مات: يأتي بالحبر الجندية «١» من الجند فيكسو الكعبة، فسمته قريش العدل لأنه عدل فعله بفعل قريش. وروى الواقديّ «٢» عن النّوار بنت مالك أم زيد بن ثابت ﵁ أنها قالت: رأيت قبل أن ألد زيد بن ثابت على الكعبة مطارف خزّ أخضر وأصفر، وكرار وأكسية الأعراب وشقاق شعر. وعن ابن جريج أن الكعبة فيما مضى إنما كانت تكسى يوم عاشوراء إذا ذهب آخر الحاج، حتّى كان بنو هاشم فكانوا يعلّقون القميص يوم التروية «٣» من الديباج لأن يرى الناس ذلك عليها بهاء وجمالا فإذا كان يوم عاشوراء علّقوا عليها الإزار. وعن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم قال: نذرت أمّي بدنة «٤» تنحرها عند البيت وجللتها شقّتين من شعر ووبر فنحرت البدنة وسيّرت للكعبة بالشّقّتين والنبيّ ﷺ يومئذ بمكة لم يهاجر، فنظرت إلى البيت يومئذ وعليه كسى شتّى من وصائل وأنطاع وكرار «٥» وخزّ ونمارق «٦» عراقية، كل هذا قد رأيته عليه. قلت: حاصل الأمر أن الذي كسيته الكعبة الأنطاع وحبرات اليمن والبرود والكرار والأنماط والنمارق ومطارف الخزّ الأحضر والأصفر والأكسية وشقاق الشعر والوبر وغير ذلك.

стр. 1998

الحال الثانية- ما كان الأمر عليه في صدر الإسلام وهلم جرا إلى زماننا. أما في صدر الإسلام فقد روى الواقديّ عن إبراهيم بن أبي حبيبة عن أبيه أن البيت كان في الجاهلية يكسى الأنطاع فكساه النبيّ ﷺ الثياب اليمانية ثم كساه عمر وعثمان ﵄ القباطيّ «١» . وعن ابن أبي نجيح «٢» أن عمر بن الخطاب ﵁ كسا الكعبة القباطيّ من بيت المال، كان يكتب فيها إلى مصر، ثم عثمان من بعده. فلما كان معاوية بن أبي سفيان كساها كسوتين: كسوة عمر القباطيّ وكسوة ديباج. وكانت تكسى الدّيباج يوم عاشوراء، وتكسى القباطيّ في آخر شهر رمضان. وروى الأزرقيّ عن نافع قال: كان ابن عمر يكسو بدنه إذا أراد أن يحرم القباطيّ والحبر، وفي رواية الأنماط، فإذا كان يوم عرفة ألبسها إياها وإذا كان يوم النحر نزعها عنها ثم أرسل بها إلى شيبة بن عثمان الحجبيّ فناطها على الكعبة. وروى الواقديّ عن إسحاق بن عبد الله أن الناس كانوا ينذرون كسوة الكعبة ويهدون إليها البدن عليها الحبرات، فيبعث بالحبرات إلى البيت كسوة. فلما كان يزيد بن معاوية كساها الديباج الخسروانيّ، فلما كان ابن الزبير اتبعه على ذلك، فكان يبعث إلى أخيه مصعب بن الزبير يبعث بالكسوة كل سنة وكانت تكسى يوم عاشوراء. قال الأزرقيّ: وقد قيل إن ابن الزبير أوّل من كساه الديباج. قال أبو هلال العسكريّ في كتابه «الأوائل» : وهو الصحيح. وذكر الواقديّ عن أشياخه أن عبد الملك بن مروان كان يبعث في كل سنة بالدّيباج من الشام فيمرّ به على المدينة فينشر يوما في مسجد رسول الله ﷺ على

стр. 1999

الأساطين «١» ها هنا وها هنا، ثم يطوى ويبعث به إلى مكة. وقد قيل إن عبد الملك أوّل من كسا الكعبة الديباج. قال الماورديّ: وكساه بنو أمية في بعض أيامهم الحلل التي كانت على أهل نجران في جزيتهم، والديباج من فوقها. قال الأزرقيّ: ولما حجّ المهديّ في سنة ستين ومائتين «٢» ، رفع إليه أن ثياب الكعبة قد أثقلتها ويخاف على جدرانها من ثقل الكسوة، فجرّدها حتّى لم يبق عليها شيء من الكسوة، ثم أفرغ عليها ثلاث كسى: قباطيّ وخز وديباج. ولما غلب حسين بن حسن الطالبيّ على مكة في سنة مائتين، وجد ثيابها قد ثقلت عليها أيضا فجرّدها في أوّل يوم من المحرّم وكساها كسوتين من قزّ رقيق إحداهما صفراء والأخرى بيضاء مكتوب بينهما: «بسم الله الرحمن الرحيم، وصلّى الله على محمد وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار. أمر أبو السّرايا الأصغر بن الأصغر راعية آل محمد صلوات الله عليه وسلامه بعمل هذه الكسوة لبيت الله الحرام» . وذكر الأزرقيّ عن جدّه أن الكعبة كانت تكسى في كل سنة كسوة ديباج يعني أحمر وكسوة قباطيّ. فأما الديباج فتكساه يوم التروية، فيعلّق القميص ويدلّى ولا يخاط، وإذا صدر الناس من منى خيط القميص وترك الإزار حتّى يذهب الحاج لئلا يخرّقوه. فإذا كان يوم عاشوراء علق عليها الإزار يوصل بالقميص؛ وكأن المراد بالإزار ما تدركه الأيدي في الطواف وبالقميص ما فوق ذلك إلى أعلى الكعبة، فلا تزال هذه الكسوة الديباج عليها حتّى يوم سبع وعشرين من شهر رمضان فتكسى القباطيّ القطن. فلما كانت خلافة المأمون رفع إليه أنّ الديباج يبلى ويتخرّق قبل أن يبلغ الفطر، فسأل المأمون صاحب بريد مكة في أيّ الكسوة الكعبة أحسن؟ فقال له:

стр. 2000

في البياض، فأمر بكسوة من ديباج أبيض، عملت سنة ست ومائتين وبعث بها إلى الكعبة، فصارت الكعبة تكسى ثلاث كسى: تكسى الديباج الأحمر يوم التّروية، وتكسى القباطيّ يوم هلال رجب، وتكسى الديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من شهر رمضان للفطر. ثم رفع إلى المأمون أيضا أن إزار الديباج الأبيض يتخرّق ويبلى في أيام الحج من مسّ الحاج قبل أن يخاط عليها إزار الديباج الأحمر في عاشوراء، فزادها إزار ديباج أبيض تكساه يوم التّروية، فيستر به ما تخرّق من الإزار الذي كسيته. ثم رفع إلى المتوكل في سنة أربعين ومائتين أن إزار الديباج الأحمر يبلى قبل هلال رجب من مسّ الناس ومسحهم بالكعبة، فزادها إزارين مع الإزار الأوّل، فأذال قميصها الديباج الأحمر وأسبله حتّى بلغ الأرض، ثم جعل الإزار فوقه، في كل شهرين إزار، ثم نظر الحجبة فإذا الإزار الثاني لا يحتاج إليه، فوضع في تابوت الكعبة وكتبوا إلى المتوكل أن إزارا واحدا مع ما أذيل من قميصها، فصار يبعث بإزار واحد فتكسى بعد ثلاثة أشهر، فيكون الذيل ثلاثة أشهر. ثم في سنة ثلاث وأربعين ومائتين أمر المتوكل بإذالة القميص القباطيّ حتّى بلغ الشاذروان «١» الذي تحت الكسوة. قال الماورديّ: ثم كسا المتوكل أساطينه الديباج. وقد حكى المؤيد صاحب حماة في «تاريخه» أن الفاطميين خلفاء مصر في إمارة أبي الحسن جعفر من السليمانيين على مكة في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة كسوا الكعبة البياض. قلت: ثم رفع «٢» الأمر في خلفاء بني العبّاس ببغداد إلى شعارهم من السواد، فألبسوا الكعبة الدّيباج الأسود؛ ثم جرى ملوك مصر عند استيلائهم على

стр. 2001

الحجاز على إلباسها السواد. والذي جرى عليه الحال في زماننا إلى آخر الدولة الظاهرية برقوق وأوائل الدولة الناصرية ولده أن الكعبة تكسى الديباج الأسود كسوة مسبلة من أعلى الكعبة إلى أسفلها مرقوما بأعاليها طراز رقم بالبياض من أصل النسج مكتوب فيه إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً «١» الآيات، وعلى الباب برقع من نسبة ذلك مرقوم فيه بالبياض...... «٢» ... ثم في سنة......... «٣» وثمانمائة في الدولة الناصرية فرج بن برقوق غير الطّراز من لون البياض إلى لون الصّفرة، فصار الرقم في السواد بحرير أصفر مقصّب بالذهب، ولا يخفى أنه أنفس من الأوّل والثاني أبهج منه لشدّة مضادّة ما بين البياض والسواد، ثم جعل بعض جوانب الكسوة ديباجا أسود على العادة، وبعضها كمخا أسود بجامات مرقوم فيها بالبياض «لا إله إلا الله محمد رسول الله» . ثم جعل بعد ذلك برقع البيت من حرير أسود منشورا عليه المخايش الفضة الملبسة بالذهب فزاد نفاسة وعلا قيمة. ثم في سنة أربع عشرة وثمانمائة جعل واجهة الباب من الكسوة كمخا أزرق بجامات مكتوب فيها ... «٤» ... والله العالم ما كان وما يكون. قلت: وحاصل ما تقدّم أن الذي اشتملت عليه أصناف الكسوة في الإسلام الثياب اليمانية، والقباطيّ المصرية، والحبر والأنماط والحلل النّجرانية، والديباج الأبيض، والديباج الأحمر، والديباج الأخضر، والديباج الأصفر، والديباج الأسود، والديباج الأزرق. وأما تجريد الكعبة من ثيابها، فقد ذكر الأزرقيّ أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ كان ينزع كسوة الكبيت في كل سنة فيقسمها على الحاج. وعن ابن أبي مليكة أنه قال: كانت على الكعبة كسى كثيرة من كسوة أهل الجاهلية: من الأنطاع والأكسية والكرار والأنماط، فكانت ركاما بعضها فوق بعض. فلما كسيت في الإسلام من بيت المال، كان يخفف عنها الشيء بعد

стр. 2002

الشيء إلى أن كانت أيام معاوية فكتب إليه شيبة بن عثمان الحجبيّ يرغب إليه في تخفيفها من كسى الجاهلية حتّى لا يكون عليها شيء مما مسته أيديهم لنجاستهم، فكتب إليه معاوية أن جرّدها، وبعث إليه بكسوة من ديباج وقباطيّ وحبرة، فجرّدها شيبة حتّى لم يبق عليها شيء، وكساها الكسوة التي بعث بها معاوية، وقسم الثياب التي كانت عليها بين أهل مكة؛ وكان ابن عباس حاضرا في المسجد وهم يجرّدونها فلم ينكر ذلك ولا كرهه. وروي أن عائشة ﵂ أنكرت على شيبة ذلك، وقالت له بعها واجعل ثمنها في سبيل الله، وكذلك ابن عبّاس. وروى الواقديّ عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: إذا نزعت عن الكعبة ثيابها فلا يضرها من لبسها من الناس من حائض أو جنب. وقد تقدّم أن المهديّ جردها حين حج في سنة ستين ومائتين «١» ؛ وحسين الطالبيّ جرّدها في سنة مائتين. قلت: والذي استقر عليه الحال في زماننا أنها لا تلبس في كل سنة غير كسوة واحدة على ما تقدّم بيانه، وذلك أن الكسوة تعمل بمصر على النّمط المتقدّم، ثم تحمل صحبة الرّكب إلى مكة فيقطع ذيل الكسوة القديمة على قدر قامة من جدار الكعبة ويظهر من الجدار ما كان تحته، ويبقى أعلاها معلقا حتّى يكون يوم ... ...... «٢» ...... فتخلع الكسوة العتيقة وتعلّق الجديدة مكانها، ويكسى المقام من نسبة كسوة الكعبة، ويأخذ بنو شيبة الحجبة الكسوة العتيقة فيهدونها للحجّاج ولأهل الآفاق. وقد زاد رفدهم فيها من حين حصلت المغالاة في كسوة الكعبة وبرقعها على ما تقدم. اللهمّ زد هذا البيت تشريفا وتعظيما، وتكريما ومهابة. واعلم أن جدار الكعبة كان عزيز الرؤية حين كانت الكسوة تتراكم عليها ولا

стр. 2003

يجرّد عنها شيء، حتّى إن الأزرقيّ حكى عن جدّه أنه تبجح برؤية جدارها حين جرّدت في سنة ثلاث وستين ومائتين، وأنه رأى جدار الباب المسدود الذي كان عمله ابن الزّبير في ظهرها وسدّه الحجّاج، وشبّه لون جدارها بالعنبر الأشهب. الجملة الثانية فيما هو خارج عن حاضرتها أكثر من هو بباديتها وأوديتها القريبة منها بنو الحسن الأشراف. وقد ذكر في «التعريف» من عرب الحجاز لأم، وخالد، والمنتفق، والعايد، وزاد في «مسالك الأبصار» ذكر زبيد، وبنو عمرو، والمضارجة «١» ، والمساعيد، والزراق، وآل عيسى، وآل دغم، وآل جناح، والجبور. ثم قال: وديارهم يتلو بعضها بعضا. قال الحمدانيّ: وشرقيّ مكة خليجة، وبنو هزر ومنازلهم بيشة «٢» . ومنهم من خثعم بنو منبه، وبنو فضيلة، ومعاوية، وآل مهديّ، وبنو نضر، وبنو حاتم «٣» ، والموركة، وآل زياد، وآل الصعافير، والشما وبلوس «٤» . ثم قال: ومنازلهم غير متباعدة. أما العربان بالدرب المصريّ إلى مكة، فمن بركة الحجّاج «٥» إلى عقبة أيلة للعائد «٦» من عرب الشرقية، ومن العقبة إلى الدأماء دون عيون القصب لبني عقبة، ومن الدأماء إلى أكدى لبليّ، ومن أكدى إلى آخر الوعرات لجهينة، ومن آخر الوعرات إلى نهاية بدر وإلى نهاية الصفراء، «٧» ونقب عليّ لبني حسن أصحاب الينبع؛ ويليهم من أقاربهم من بني حسن أصحاب بدر إلى رملة عالج في طرف

стр. 2004

قاع البزوة «١» ، ومن الصفراء إلى الجحفة ورابغ لزبيد، ومن الجحفة على قديد وما حولها إلى الثّنيّة المعروفة بعقبة السّويق لسليم، ومن الثّنيّة على خليص إلى «٢» الثّنيّة المشرفة على عسفان إلى الفجّ المسمّى بالمحاطب لبني جابر؛ وهم في طاعة صاحب مكة، ومن المحاطب إلى مكة المعظمة لصاحب مكة وبني الحسن. القاعدة الثانية المدينة الشريفة النبوية، على ساكنها أشرف الخلق محمد أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام؛ وفيها ثلاث جمل الجملة الأولى في حاضرتها المدينة ضبطها معروف، وهو اسم غلب عليها، وبه نطق القرآن الكريم في قوله تعالى: يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ «٣» . وقوله: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ «٤» . واسمها القديم يثرب وبه نطق القرآن في قوله تعالى: يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ «٥» . قال الزجاجيّ: وهو يثرب، بن قانية، بن مهلائيل، بن إرم، بن عبيل، بن عوص، بن إرم، بن سام، بن نوح؛ هو الذي بناها، وورد ذكره في الحديث أيضا. قال الشيخ عماد الدين بن كثير في «تفسيره» : وحديث النهي عن تسميتها بذلك ضعيف؛ وسمّاها الله تعالى الدار بقوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ «٦» . وسماها النبيّ ﷺ طيبة (بفتح الطاء المهملة وسكون الياء وفتح الباء

стр. 2005

الموحدة بعدها هاء) وطابة بإبدال الياء بعد الطاء بألف. قال النوويّ: وهما من الطيب وهو الرائحة الحسنة، وقيل من الطيب خلاف الرديء، وقيل من الطيب بمعنى الطاهر؛ وقيل من طيب العيش. وزاد السهيليّ في أسمائها الجابرة بالجيم والباء الموحدة، والمحبّة، والمحبوبة، والقاصمة، والمجبورة، والعذراء، والمرحومة؛ وكانت تدعى في الجاهلية غلبة لأن اليهود غلبوا عليها العماليق، والأوس والخزرج غلبوا عليها اليهود. قال صاحب حماة: وهي من الحجاز، وقيل من نجد، وموقعها قريب من وسط الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة. قال في كتاب «الأطوال» : وطولها خمس وستون درجة وثلث، وعرضها إحدى وعشرون درجة. وقال في «القانون» : طولها سبع وستون درجة ونصف، وعرضها إحدى وعشرون درجة وثلث. وقال ابن سعيد: طولها خمس وستون درجة وثلث، وعرضها خمس وعشرون درجة وإحدى وثلاثون دقيقة. وقال في «رسم المعمور» : طولها خمس وستون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها خمس وعشرون درجة. وقد ذكر صاحب «الهناء الدائم، بمولد أبي القاسم» «١» أن أوّل من بناها تبّع الأوّل، وذكر أنه مرّ بمكانها وهي يومئذ منزلة بها أعين ماء، فأخبره أربعمائة عالم من علماء أهل الكتاب لهم عالم يرجعون إليه أن هذا موضع مهاجر نبيّ يخرج في آخر الزمان من مكة اسمه محمد، وهو إمام الحق؛ فآمن بالنبيّ ﷺ وبنى المدينة، وأنزلهم بها وأعطى كلّا منهم مالا يكفيه وكتب كتابا فيه: «أما بعد يا محمد فإنّي آمنت بك وبربّك، وبكل ما جاء من ربك من شرائع الإسلام والإيمان، وإني قلت ذلك فإن أدركتك فيها ونعمت، وإن لم أدركك فاشفع لي يوم القيامة، ولا تنسني فإني من أمتك الأوّلين وتابعتك قبل مجيئك، وقبل أن يرسلك الله، وأنا على ملة أبيك إبراهيم» . وختم الكتاب ونقش عليه: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ، وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ

стр. 2006

الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ «١» . وكتب عنوانه: «إلى محمد بن عبد الله خاتم المرسلين، ورسول رب العالمين، ﷺ من تبّع الأوّل حمير، أمانة الله في يد من وقع إليه أن يدفعه إلى صاحبه» . ودفع الكتاب إلى رئيس العلماء المذكورين، وتداوله بنوه بعده إلى أن هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة فتلقاه به بعض أولاد ذلك العالم بين مكّة والمدينة، وتاريخ الكتاب يومئذ ألف سنة بغير زيادة ولا نقص. وقيل في بنائها غير ذلك، وهي مدينة متوسطة في مستو من الأرض، والغالب على أرضها السباخ، وفي شماليّها جبل أحد، وفي جنوبها جبل عير؛ وكان عليها سور قديم وبخارجها خندق محفور؛ وهو الذي حفره النبيّ ﷺ يوم الأحزاب. وفي سنة ست وثلاثين ومائتين بنى عليها إسحاق بن محمد الجعديّ سورا منيعا، وجدّده عضد الدولة بن بويه الديلميّ في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة، وهو باق عليها إلى الآن؛ ولها أربعة أبواب: باب في الشرق يخرج منه إلى البقيع؛ وباب في الغرب يخرج منه إلى العقيق وقباء، وبين يدي هذا الباب جداول ماء جارية، وبوسطها مسجد النبيّ ﷺ ، وهو مسجد متسع إلا أنه لم يبلغ في القدر مبلغ مسجد مكة. قال ابن قتيبة في «كتاب المعارف» : وكان على عهد رسول الله ﷺ مبنيّا باللّبن وسقفه الجريد وعمده النخل، ولم يزد فيه أبو بكر شيئا، وزاد فيه عمر، ثم غيّره عثمان وزاد فيه عثمان زيادة كبيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة وبالقصّة «٢» ، وجعل عمده من حجارة منقوشة؛ ووسعه المهدي سنة ستين ومائة؛ وزاد فيه المأمون زيادة كبيرة في سنة اثنتين ومائتين؛ ولم تزل الملوك تتداوله بالعمارة إلى زماننا.

стр. 2007

وبه الحجرة الشريفة التي بها قبر رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ بحجرته الشريفة دائر عليه مقصورة مرتفعة إلى نحو السقف، عليه ستر من حرير أسود؛ وخارج المقصورة بين القبر والمنبر الروضة التي أخبر ﷺ أنها روضة من رياض الجنة. وقد ذكر أهل الأثر: أن المنبر كان في زمن النبيّ ﷺ ثلاث درجات بالمقعد، وارتفاعه ذراعان وثلاث أصابع، وعرضه ذراع راجح، وارتفاع صدره وهو الذي يستند إليه رسول الله ﷺ ذراع، وارتفاع رمّانتيه اللتين كان يمسكهما ﷺ بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وأصبعان، وفيه خمسة أعواد من جوانبه الثلاثة؛ وبقي على ذلك إلى أيام معاوية فكتب إلى مروان عامله على المدينة أن ارفعه عن الأرض فزاد من أسفله ست درجات ورفعه عليها فصار له تسع درجات بالمجلس. قيل: وصار طوله أربعة أذرع وشبرا. ولما حج المهديّ بن المنصور العباسيّ سنة إحدى وستين ومائة، أراد أن يعيده إلى ما كان عليه فأشار عليه الإمام مالك بتركه خشية التهافت فتركه؛ ويقال: إن المنبر الذي صنعه معاوية ورفع منبر النبيّ ﷺ عليه، تهافت على طول الزمان، وجدّده بعض خلفاء بني العباس واتخذ من بقايا أعواد منبر النبيّ ﷺ أمشاطا للتبرك، ثم احترق هذا المنبر لما احترق المسجد في مستهلّ رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة أيام المستعصم بالله، وشغل المستعصم عن عمارته بقتال التتار، فعمل المظفّر صاحب اليمن المنبر، وبعث به إلى المدينة سنة ست وخمسين وستمائة، فنصب في موضع منبر النبيّ ﷺ فبقي إلى سنة ست وستين وستمائة، فأرسل الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر المنبر الموجود الآن فأزيل ذاك ووضع هذا وطوله أربعة أذرع، ومن رأسه إلى عتبته سبعة أذرع تزيد قليلا، ودرجاته سبع بالمقعد والأمر على ذلك إلى الآن.

стр. 2008

الجملة الثانية في نواحيها وأعمالها، وهي على ضربين الضرب الأول حماها ومرافقها واعلم أن للمدينة الشريفة حمى، حماه النبيّ ﷺ وحرّمه كما حرّم إبراهيم ﵇ مكة. قال في «الروض المعطار» : حماها اثنا عشر ميلا؛ وخارج بابها الشرقيّ البقيع المتقدّم ذكره، وهو مدفن أكثر أمواتها، وهو بالباء الموحدة في أوله، ويسمى بقيع الغرقد- بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة وفتح القاف ودال مهملة في الآخر. قال «الأصمعيّ» : سمي بذلك لأنه قطع ما به من شجر الغرقد يوم مات عثمان ﵁. وبه قبر إبراهيم بن النبيّ ﷺ من مارية القبطية، وقبر الحسن بن عليّ بن أبي طالب؛ وإلى جانبه قبر العبّاس: عمّ رسول الله ﷺ ؛ وقبر عثمان بن عفّان ﵁ في قبة دونهما، وقبر مالك بن أنس إمام المذهب المعروف؛ وحول المدينة حدائق النخل الأنيقة؛ وثمرها من أطيب الثمر وأحسنه، وغالب قوت أهلها منه. الضرب الثاني في مخاليفها وقراها، والمشهور منها ثمانية أماكن الأول- (قباء) - بضم القاف وفتح الباء الموحدة وألف في الآخر- ويروى بالمدّ والقصر والمدّ أشهر. قال في «الروض المعطار» : ومن العرب من يذكّره فيصرفه، ومنهم من يؤنثه فلا يصرفه. قال: وسميت قباء ببئر كانت بدار توبة ابن الحسن بن السائب بن أبي لبابة يقال لها قباء، وهي قرية غربيّ المدينة على ميلين منها، وبها مسجد التّقوى الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ «١» . وقد روي أن رسول الله ﷺ كان

стр. 2009

يأتي قباء كل يوم سبت راكبا وماشيا؛ ومصلّاه بها مشهور. الثاني- (خيبر) - بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء المثناة تحت وفتح الباء الموحدة وراء مهملة في الآخر- قال الزجاجيّ: سميت بخيبر بن قانية وهو أول من نزلها، وهي بلدة بالقرب من المدينة الشريفة. قال ابن سعيد: طولها أربع وستون درجة وست وخمسون دقيقة، وعرضها سبع وعشرون درجة وعشرون دقيقة. وهي بلدة عامرة آهلة ذات نخيل وحدائق ومياه تجري. قال في «تقويم البلدان» : وهي بلدة بني عنزة من اليهود، والخيبر في لغة اليهود الحصن، وهي في جهة الشّمال والشرق عن المدينة على نحو ست مراحل وقيل أربع مراحل. قال الإدريسيّ: وهي ذات نخيل وزرع، وكانت في صدر الإسلام دارا لبني قريظة والنّضير، وبها كان السّموءل بن عاديا الشاعر المشهور. الثالث- (فدك) - بفتح الفاء والدال المهملة وكاف في الآخر- قال الزجاجيّ: سميت بفدك بن حام، وقيل: سميت بفيد بن حام، وهو أول من نزلها. قال في «الروض المعطار» : وبينها وبين المدينة يومان، وحصنها يقال له الشمروخ على القرب من خيبر، وكان أهلها قد صالحوا النبيّ ﷺ على النصف من ثمارها في سنة أربع من الهجرة، ولم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب فكانت له ﷺ خالصة؛ وكان معاوية بن أبي سفيان قد وهبها لمروان بن الحكم، ثم ارتجعها منه لموجدة وجدها عليه. فلما ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، ردّها إلى ما كانت عليه في زمن «١» رسول الله ﷺ ، وكانت تغلّ في أيام إمرته عشرة آلاف دينار، يتجافى عنها. الرابع- (الصّفراء) - مؤنث أصفر- وهو واد على ستّ مراحل من المدينة كثير المزارع والمياه والحدائق. أخبرني بعض أهل الحجاز أن به أربعة وعشرين نهرا على كل نهر قرية، وعيونه تصب فضلها إلى ينبع؛ وهو بيد بني حسن الشرفاء.

стр. 2010

الخامس- (ودّان) - بفتح الواو وتشديد الدال المفتوحة وألف ثم نون- وهو واد به قرى خراب لا تحصى كثرة. السادس- (الفرع) - بضم الفاء وسكون الراء المهملة وبالعين المهملة- وهو واد في جنوبيّ المدينة على أربعة أيام منها يشتمل على عدّة قرى آهلة، أخبرني بعض أهل الحجاز أن به أربعة عشر نهرا على كل نهر قرية، وماؤها يصب في رابغ حيث يحرم حجّاج مصر، وعليها طريق المشاة من مكة إلى المدينة. قال في «الروض المعطار» : ويقال إنها أول قرية مارت إسماعيل ﵇ التمر بمكة، وهي الآن بيد بني حرب. السابع- (الجار) - قال في «اللباب» : بفتح الجيم وألف وراء مهملة- وهي فرضة المدينة الشريفة على ثلاث مراحل منها. قال ابن حوقل: وبينها وبين ساحل الجحفة نحو ثلاث مراحل، منه عن أيلة على نحو عشرين مرحلة. الثامن- (وادي القرى) - بضم القاف وفتح الراء المهملة وألف في الآخر جمع قرية. قال في «الروض المعطار» : وهي مدينة كثيرة النخيل والبساتين والعيون، وبها ناس من ولد جعفر بن أبي طالب ﵁، وهم الغالبون عليها، وتعرف بالواديين، والذي أخبرني به بعض أهل الحجاز أنه كان بها عيون كثيرة عليها عدّة قرى فخربت لاختلاف العرب، وهي الآن خراب لا عامر بها ولو عمرت أغنت أهل الحجاز عن الميرة من غيرها. قلت: وبالغ الإدريسيّ في «نزهة المشتاق» فعدّ من مخاليفها تيماء ودومة الجندل، ومدين، والتحقيق خلاف ذلك. فأمّا تيماء- بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء المثناة من تحت وميم ثم ألف في الآخر- فقد عدّها في «تقويم البلدان» من بادية الشأم تقريبا. قال في «العزيزيّ» : وهي حاضرة طيىء وبها الحصن المعروف بالأبلق المنسوب إلى السّموءل بن عاديا. قال في «تقويم البلدان» : وهي الآن أعمر من تبوك، وبها نخيل قائمة.

стр. 2011

وأما دومة الجندل فقال في «تقويم البلدان» : هو موضع فاصل بين الشأم والعراق على سبع مراحل من دمشق، وبينه وبين المدينة الشريفة ثلاث عشرة مرحلة. وأما مدين فقد تقدّم ذكرها في الكلام على كور مصر القديمة، ووقع الكلام عليها هناك وإن كان الحق أنها من ساحل الحجاز. الجملة الثالثة في ذكر ملوك المدينة وأمرائها، وهم على ضربين الضرب الأول من قبل الإسلام؛ وهم ثلاث طبقات الطبقة الأولى التّبابعة قد تقدّم في الكلام على بنائها نقلا عن صاحب «الهناء الدائم» : أن تبّعا الأول هو الذي بناها وأسكنها جماعة من علماء أهل الكتاب، وكتب كتابا «١» وأودعه عندهم ليوصّله من أدركه من أبنائهم إليه، وبقي الكتاب عندهم يتوارثونه حتّى هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة فتلقاه من صار إليه الكتاب منهم وأوصل الكتاب إليه. وحينئذ فيكون أول من ملكها التبابعة. الطبقة الثانية العمالقة من ملوك الشام قال السهيليّ: وأول من نزلها منهم يثرب، بن عبيل، بن مهلائيل، بن عوص، بن عملاق، بن لاوذ، بن إرم، بن سام، بن نوح ﵇ فسميت به. قال في «الروض المعطار» : وكانت هذه الأمة من العماليق يقال لها جاسم،

стр. 2012

وكانوا قد استولوا على مكة وسائر الحجاز، وكانت قاعدة ملكهم تيماء، وكان آخر ملوكهم الأرقم بن أبي الأرقم. الطبقة الثالثة ملوكها من بني إسرائيل ومن انضم إليهم من الأوس والخزرج قال في «الروض المعطار» : لما ظهر موسى ﵇ على فرعون، بعث بعثا من بني إسرائيل إلى الحجاز وأمرهم أن لا يستبقوا منها «١» أحدا بلغ الحلم، فقتلوهم حتّى انتهوا إلى ملكهم الأرقم بتيماء فقتلوه وأبقوا له ابنا «٢» صغيرا ليرى موسى ﵇ فيه رأيه. فلما رجعوا به إلى الشأم وجدوا موسى ﵇ قد توفّي، فقال لهم الناس: عصيتم وخالفتم أمر نبيكم؛ وحالوا بينهم وبين الشام، فقال بعضهم لبعض: خير من بلدكم البلد الذي خرجتم منه، فعادوا إلى الحجاز فنزلوه، فكان ذلك أول سكنى اليهود الحجاز، فنزل جمهور هم بمكان يقال له يثرب بمجتمع السيول واتخذوا الآطام والمنازل، ونزل معهم جماعة من أحياء العرب من بليّ وجهينة. وكانت يثرب أمّ قرى المدينة وهي ما بين طرف قباء إلى الجرف؛ ثم لما كان من سيل العرم باليمن ما كان، تفرّق أهل مأرب، فأتى الأوس والخزرج يثرب لليهود فحاربوهم، وكان آخر الأمر أن عقدوا بينهم وبينهم جوارا واشتركوا وتحالفوا، فلم يزالوا على ذلك زمانا طويلا، فصارت للأوس والخزرج ثروة ومال وعز جانبهم فخافهم اليهود، فقطعوا الحلف، وخافهم الأوس والخزرج فبعثوا إلى من لهم بالشام فأعانوهم حتّى أذلوا اليهود وغلبوهم عليها، وبقيت بأيديهم حتّى جاء الإسلام وهاجر النبيّ ﷺ إليها وهم رؤساؤها وحكّامها.

стр. 2013

الضرب الثاني من في زمن الإسلام، وهم أربع طبقات الطبقة الأولى من كان بها في صدر الإسلام كان بها رسول الله ﷺ إلى أن توفّي في سنة إحدى عشرة من الهجرة. ثم أبو بكر الصدّيق ﵁ إلى أن توفّي سنة اثنتي عشرة من الهجرة. ثم عمر بن الخطاب ﵁ إلى أن قتل في سنة ثلاث وعشرين. ثم عثمان بن عفّان ﵁ إلى أن قتل في سنة خمس وثلاثين. ثم عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه إلى أن قتل سنة أربعين. ثم الحسن بن عليّ بن أبي طالب إلى أن سلّم الأمر لمعاوية سنة إحدى وأربعين من الهجرة النبوية. الطبقة الثانية عمّال الخلفاء من بني أميّة ولّى عليها معاوية سنة اثنتين وأربعين من الهجرة (مروان بن الحكم) . ثم عزله سنة تسع وأربعين وولّى مكانه (سعيد بن العاص) . ثم عزله سنة أربع وخمسين وردّ إليها (مروان بن الحكم) . ثم عزله سنة تسع وخمسين وولّى مكانه (الوليد بن عتبة بن أبي سفيان) . ثم عزله يزيد بن معاوية عن المدينة والحجاز وولّى مكانه (عمرو بن سعيد الأشدق) ثم عزله سنة إحدى وستين وأعاد (الوليد بن عتبة) . ثم استعمل ابن الزبير عند غلبته على المدينة أخاه (مصعبا) سنة خمس وستين؛ ثم نقله إلى البصرة وولّى مكانه (جابر بن الأسود) بن عوف الزهري؛ ثم ولّى مكانه (طلحة بن عبد الله) بن عوف. ثم غلب عبد الملك بن مروان على الخلافة فبعث على المدينة (طارق بن عمرو) فغلب عليها طلحة بن عبد الله وانتزعها منه. ثم انفرد عبد الملك

стр. 2014

بالخلافة وولّى على المدينة والحجاز واليمن واليمامة (الحجّاج بن يوسف) وعزل طارقا عن المدينة وجعله من جنده. ثم ولّى عليها سنة سبع وسبعين (أبان ابن عثمان) . ثم عزله في سنة اثنتين وثمانين وولّى مكانه (هشام بن إسماعيل المخزوميّ) . ثم كانت خلافة الوليد بن عبد الملك فعزل هشام بن إسماعيل وولّى مكانه (عثمان بن حيّان) . ثم تولّى عليها (أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) أيام سليمان بن عبد الملك. ثم استعمل عليها عمر بن عبد العزيز في خلافته (عبد العزيز بن أرطاة) . ثم عزله يزيد بن عبد الملك سنة ثلاث ومائة وولّى مكانه (عبد الرحمن بن الضحّاك) وأضاف إليه مكة؛ ثم عزله لثلاث سنين من ولايته وولّى مكانه على مكة والمدينة (عبد الواحد النّضريّ) . ثم عزله هشام بن عبد الملك وولّى عليها وعلى مكة (إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزوميّ) . ثم عزله هشام سنة أربع عشرة ومائة وولّى مكانه بالمدينة خاصة (خالد بن عبد الملك بن الحرث بن الحكم) . ثم عزله سنة ثمان عشرة ومائة وولّى مكانه (محمد بن هشام بن إسماعيل) . ثم ولّى الوليد بن يزيد في خلافته خاله (يوسف بن محمد بن يوسف الثقفيّ) على المدينة وسائر الحجاز في سنة أربع وعشرين ومائة. ثم عزله يزيد في خلافته في سنة ست وعشرين ومائة وولّى مكانه (عبد العزيز بن عمرو بن عثمان) . ثم ولّى مروان «١» على المدينة وسائر الحجاز. ثم عزله في سنة سبع وعشرين ومائة وولّى مكانه (عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز) . ثم عزله في

стр. 2015

سنة تسع وعشرين ومائة وولّى مكانه على المدينة وسائر الحجاز (عبد الواحد) . الطبقة الثالثة عمّالها في زمن خلفاء بني العبّاس لما ولي السفّاح الخلافة ولّى على المدينة والحجاز واليمن واليمامة عمّه (داود) . ثم توفّي داود سنة ثلاث وثلاثين ومائة فولّى مكانه في جميع ذلك (زياد ابن عبد الله بن عبد المدان الحارثيّ) . ثم ولّى سنة ثلاث وأربعين ومائة على المدينة (محمد بن خالد بن عبد الله القسريّ) . ثم اتهمه في أمر فعزله وولّى مكانه (رياح بن عثمان المرّيّ) فقتله أصحاب محمد المهديّ؛ فولّى مكانه (عبيد الله بن الربيع الحارثيّ) . ثم عزله المنصور سنة ست وأربعين ومائة وولّى مكانه على المدينة (جعفر ابن سليمان) . ثم عزله في سنة خمسين ومائة وولّى مكانه (الحسن بن زيد بن الحسن) . ثم عزله المنصور في سنة خمس وخمسين ومائة وولّى مكانه عمّه (عبد الصمد بن عليّ) . ثم عزله المهدي في خلافته سنة تسع وخمسين ومائة وولّى مكانه (محمد ابن عبد الله الكثيريّ) . ثم عزله وولّى مكانه (عبد الله «١» بن محمد بن عبد الرحمن بن صفوان) . ثم عزله وولّى مكانه (زفر بن عاصم) . ثم تولّى على المدينة والحجاز (جعفر بن سليمان) . ثم كان بها (محمد بن عيسى) بعد مدّة. وعزله المتوكل وولّى مكانه (المستنصر بن المتوكل) . وتوالى عليها عمّال بني العباس إلى عشر الستين والمائة.

стр. 2016

الطبقة الرابعة أمراء الأشراف من بني حسين الذين منهم الأمراء المستقرّون في إمارتها إلى الآن كانت الرياسة بالمدينة آخرا لبني الحسن بن عليّ. وكان منهم أبو جعفر عبد الله، بن الحسين الأصغر، بن عليّ زين العابدين، بن الحسين السّبط، بن عليّ، بن أبي طالب ﵁. وكان من جملة ولده جعفر حجة الله، ومن ولده الحسن، ومن ولد الحسن يحيى الفقيه النّسّابة، كانت له وجاهة عظيمة وفخر ظاهر، وتوفي سنة ست وسبعين ومائتين؛ ومن ولده أبو القاسم طاهر بن يحيى، ساد أهل عصره وبنى دارا بالعقيق ونزلها، وتوفّي سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة. وكان من ولده الحسن بن طاهر رحل إلى الأخشيد بمصر، وهو يومئذ ملكها، فأقام عنده وأقطعه الأخشيد ما يغلّ في كل سنة مائة ألف دينار واستقر بمصر؛ وكان له من الولد طاهر بن الحسن، وتوفي سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وخلف ابنه محمدا الملقب بمسلم، وكان صديقا لكافور الأخشيدي صاحب مصر، ولم يكن في زمنه بمصر أوجه منه. ولما اختل امر الأخشيدية دعا مسلم هذا للمعز صاحب إفريقية يومئذ. ولما قدم المعز إلى الديار المصرية بعد فتح جوهر القائد لها، تلقاه مسلم بالجمال بأطراف برقة من جهة الديار المصرية، فأكرمه وأركبه معدلا له واختص به؛ ثم توفي سنة ست وستين وثلاثمائة فصلى عليه المعز، وكانت له جنازة عظيمة. وكان من ولد مسلم هذا طاهر أبو الحسين فلحق طاهر بالمدينة الشريفة فقدّمه بنو الحسين على أنفسهم واستقلّ بإمارتها سنين، وكان يلقب بالمليح، وتوفي سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة؛ وولي بعده ابنه (الحسين بن طاهر) وكنيته أبو محمد. قال العتبيّ «١» : وكان موجودا في سنة سبع وتسعين وثلاثمائة وغلبه على

стр. 2017

إمارتها بنو عم أبيه أبي أحمد القاسم بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر حجة الله واستقلوا بها. وكان لأبي أحمد القاسم من الولد داود ويكنى أبا هاشم. وقال العتبي: الذي ولي بعد طاهر بن مسلم صهره وابن عمه داود بن القاسم بن عبيد الله بن طاهر، وكناه أبا عليّ. وقال ابن سعيد: ملك أبو الفتوح الحسن بن جعفر من بني سليمان إمرة مكة والمدينة سنة تسعين وثلاثمائة بأمر الحاكم العبيدي وأزال إمرة بني الحسين منها، وحاول الحاكم نقل الجسد الشريف النبويّ إلى مصر ليلا فهاجت بهم ريح عظيمة أظلم منها الجو، وكادت تقتلع المباني من أصلها، فردّهم أبو الفتوح عن ذلك وعاد إلى مكة ورجع أمراء المدينة إليها. وكان لداود بن القاسم من الولد مهنّا وهانيء والحسن. قال العتبيّ: ولي هانيء ومهنا وكان الحسن زاهدا. وذكر الشريف الحرّانيّ «١» النسابة هنا أميرا آخر منهم وهو أبو عمارة مدّة كان بالمدينة سنة ثمان وأربعمائة. قال: وخلّف الحسن بن داود ابنه هاشما وولي المدينة سنة ثمان وعشرين وأربعمائة من قبل المستنصر. قال: وخلف مهنا بن داود عبيد الله والحسين وعمارة فولي بعده ابنه عبيد الله وكان بالمدينة سنة ثمان وأربعمائة وقتله موالي الهاشميين بالبصرة، ثم ولي الحسين وبعده ابنه مهنا بن الحسين. قال الشريف الحرّاني: وكان لمهنا بن الحسين من الولد الحسين وعبد الله

стр. 2018

وقاسم فولي الحسين المدينة وقتل عبد الله في وقعة نخلة. وذكر صاحب حماة من أمرائها منصور بن عمارة الحسينيّ وأنه مات في سنة خمس وتسعين وأربعمائة وقام ولده مقامه ولم يسمه؛ ثم قال وهم من ولد مهنا. [وذكر منهم أيضا القاسم بن مهنا] «١» حضر مع صلاح الدين بن أيوب فتح أنطاكية سنة أربع وثمانين وخمسمائة. وذكر ابن سعيد عن بعض مؤرّخي الحجاز أنه عدّ من جملة ملوكها قاسم بن مهنا وأنه ولاه المستضيء فأقام خمسا وعشرين سنة ومات سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وولي ابنه سالم بن قاسم. قال السلطان عماد الدين صاحب حماة في «تاريخه» : وكان «٢» مع السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب في فتوحاته يتبرك به ويتيمن بصحبته ويرجع إلى قوله. وبقي «٣» إلى أن حضر إلى مصر للشكوى من قتادة فمات في الطريق قبل وصوله إلى المدينة. وولي بعده ابنه شيحة وقتل سنة سبع وأربعين وستمائة، وولي ابنه عيسى مكانه. ثم قبض عليه أخوه جمّاز سنة تسع وأربعين وستمائة وملك مكانه، وهو الذي ذكر المقر الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» : أن الإمرة في بيته إلى زمانه. قال ابن سعيد: وفي سنة إحدى وخمسين وستمائة، كان بالمدينة أبو الحسين بن شيحة بن سالم. وقال غيره كان بالمدينة سنة ثلاث وخمسين وستمائة. وولي أخوه جمّاز فطال عمره وعمي ومات سنة أربع أو خمس بعد السبعمائة. وولي بعده ابنه منصور بن جمّاز، ثم وفد أخوه مقبل بن جماز على الظاهر بيبرس بمصر، فأشرك بينهما في الإمرة والإقطاع، ثم غاب منصور عن المدينة

стр. 2019

واستخلف ابنه كبيشة فهجم عليه مقبل وملكها من يده ولحق كبيشة بأحياء العرب فاستجاشهم وهجم المدينة على عمه مقبل فقتله سنة تسع وسبعمائة، ورجع منصور إلى إمارته؛ وبقي ماجد بن مقبل يستجيش العرب على عمه منصور بالمدينة ويخالفه إلى المدينة كلما خرج منها، ثم زحف ماجد سنة سبع عشرة وسبعمائة، وملكها من يد عمه منصور، فاستصرخ منصور بالملك الناصر محمد ابن قلاوون صاحب مصر، فأنجده بالعساكر وحاصروا ماجدا بالمدينة ففرّ عنها وملكها منصور؛ ثم سخط عليه السلطان الملك الناصر فعزله؛ وولّى أخاه وديّ بن جمّاز أياما، ثم أعاد منصورا إلى ولايته، ثم هلك منصور سنة خمس وعشرين وسبعمائة؛ فولّي ابنه كبيشة مكانه فقتله عسكر ابن عمه وديّ وعاد وديّ إلى الإمرة، ثم توفي وديّ؛ فولّي طفيل بن منصور بن جماز وانفرد بإمرتها، وهو الذي ذكر المقر الشهابيّ في «التعريف» : أنه كان أميرها في زمانه، وبقي إلى سنة إحدى وخمسين وسبعمائة فوقع النهب في الركب، فقبض عليه الأمير طاز أمير الركب؛ وولّى مكانه سيفا من عقب جمّاز، ثم ولي بعده فضل من عقب جماز أيضا، ثم ولي بعد فضل ماتع من عقب جماز، ثم ولي جماز بن منصور، ثم قتل بيد الفداوية أيام الملك الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون؛ واتفق أمراء الركب على تولية ابنه هبة إلى حين يرد عليهم من السلطان ما يعتمدونه، ثم ورد أمر السلطان بتولية هبة من عقب وديّ فعزل ودي «١» وولي مكانه، ثم ولي بعده عطية بن منصور بن جماز، فأقام سنين، ثم عزل وولي هبة بن جماز، ثم عزل وأعيد عطية، ثم توفي عطية وهبة وولي جماز بن هبة بن جماز؛ ثم عزل وولي نعير بن منصور بن جماز، ثم قتل، فوثب جماز بن هبة على إمارة المدينة واستولى عليها، فعزله السلطان؛ وولّى ثابت بن نعير، وهو بها إلى الآن في سنة تسع وتسعين وسبعمائة. وهو ثابت، ابن جماز، بن هبة، بن جماز، بن منصور، بن جماز، بن شيحة، بن سالم، بن

стр. 2020

قاسم، بن جماز، بن قاسم، بن مهنا، بن الحسين، بن مهنا، بن داود، بن القاسم، بن عبيد الله، بن طاهر، بن يحيى، بن الحسن، بن جعفر حجة الله، بن عبد الله بن الحسين الأصغر، بن عليّ زين العابدين، بن الحسين السّبط، بن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه. وإمرتها الآن متداولة بين بني عطية وبين بني جمّاز، وهم جميعا على مذهب الإمامية الرافضة يقولون بإمامة الاثني عشر إماما وغير ذلك من معتقدات الإمامية، وأمراء مكة الزيدية أخف في هذا الباب شأنا منهم. الجملة الرابعة في ترتيب المدينة النبوية أما معاملاتها فعلى ما تقدّم في الديار المصرية من المعاملة بالدنانير والدراهم، والأمر في الفلوس على ما تقدّم في مكة؛ ويعتبر وزنها في المبيعات بالمنّ وهو مائتان وستون درهما على ما تقدّم في مكة؛ ويعتبر كيلها بالمدّ، وقياس قماشها بالذراع الشاميّ؛ وأسعارها نحو أسعار مكة، بل ربما كانت مكة أرخى سعرا منها لقربها من ساحل البحر بجدّة. وأما إمارتها فإمارة أعرابية كما في مكة من غير فرق. وأما وفود الحجيج عليها، فقد جرت العادة أن كل من قصد السبق في العود إلى الديار المصرية من الجند وغيرهم يزور النبيّ ﷺ عند ذهاب الركب إلى مكة ثم يعود بعد الحج إلى مصر من غير تعريج على المدينة، وباقي الحجيج وأمير الركب لا يأتونها للزيارة إلا بعد انقضاء الحج. واعلم أن كسوة الحجرة الشريفة ليست مما يجدّد في كل سنة كما في كسوة الكعبة، بل كلّما بليت كسوة جدّدت أخرى، ويقع ذلك في كل نحو سبع سنين أو ما قاربها، وذلك أنها مصونة عن الشمس، بخلاف كسوة الكعبة فإنها بارزة للشمس فيسرع بلاؤها.

стр. 2021

وقد حكى ابن النجار في «تاريخ المدينة» «١» أن أوّل من كسا الحجرة الشريفة الثياب الحسين بن أبي الهيجاء صهر الصالح طلائع بن رزيك وزير العاضد، والعاضد آخر الخلفاء الفاطميين، عمل لها ستارة من الدبيقيّ «٢» الأبيض عليها الطرز والجامات «٣» المرقومة بالإبريسم «٤» الأصفر والأحمر، مكتوب عليها سورة يس بأسرها؛ والخليفة العباسيّ يومئذ المستضيء بأمر الله. ولما جهزها إلى المدينة، امتنع قاسم بن مهنا أمير المدينة يومئذ من تعليقها حتّى يأذن فيه المستضيء فنفّذ الحسين بن أبي الهيجاء قاصدا إلى بغداد في استئذانه في ذلك فأذن فيه، فعلقت الستارة على الحجرة الشريفة نحو سنتين. ثم بعث المستضيء ستارة من الإبريسم البنفسجيّ عليها الطرز والجامات البيض المرقومة، وعلى دور جاماتها مرقوم «أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ» وعلى طرازها اسم الإمام المستضيء بالله، فقلعت الأولى ونفذت إلى مشهد أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه بالكوفة، وعلقت ستارة المستضيء مكانها. ثم عمل الناصر لدين الله في خلافته ستارة أخرى من الإبريسم الأسود فعلّقت فوق تلك. ثم عملت أمّ الخليفة الناصر بعد حجها ستارة على شكل ستارة ابنها المتقدّمة الذكر فعلقت فوق الستارتين السابق ذكرهما. قال ابن النجار: ولم يزل الخلفاء في كل سنة يرسلون ثوبا من الحرير الأسود عليه علم ذهب يكسى به المنبر. قال: ولما كثرت الكسوة عندهم أخذوها فجعلوها ستورا على أبواب الحرم، ولم يزل الأمر على ذلك إلى حين انقراض الخلافة من بغداد، فتولى ملوك الديار المصرية ذلك كما تولّوا كسوة الكعبة على ما تقدّم ذكره.

стр. 2022

قلت: والستارة الآن من حرير أسود عليها طرز مرقوم بحرير أبيض، وآخر من عملها في العشر الأوّل من الثمانمائة السلطان الملك الظاهر برقوق. وقد ذكر ابن النجار في «تاريخ المدينة» أيضا أن الناصر لدين الله العباسيّ كان يرسل في كل سنة أربعة آلاف دينار للصدقة وألفا وخمسمائة ذراع قطن لتكفين من يموت من الفقراء، خارجا عما يجهزه للعمارة، وما يعدّه من القناديل والشيرج «١» والشّمع والندّ والغالية المركّبة والعود: لأجل تبخير المسجد. وذكر عن يوسف بن مسلم أن زيت قناديل مسجد النبيّ ﷺ كان يحمل من الشام حتّى انقطع في ولاية جعفر بن سليمان الأخيرة على المدينة فجعله على سوق المدينة. ثم لما ولي داود بن عيسى في سنة ثمان وسبعين ومائة، أخرجه من بيت المال، ثم ذكر أنه كان في زمانه في خلافة الناصر لدين الله يصل الزيت من مصر من أوقاف بها سبعة وعشرين قنطارا، كل قنطار مائة وثلاثون رطلا بالمصريّ، ومائة وستون شمعة ما بين كبيرة وصغيرة، وعلبة فيها مائة مثقال ندّ.

стр. 2023

الباب الرابع من المقالة الثانية في الممالك والبلدان المحيطة بمملكة الديار المصرية؛ وفيه أربعة فصول الفصل الأوّل في الممالك والبلدان الشرقية عنها، وما ينخرط في سلكها من شمال أو جنوب؛ وفيه أربعة مقاصد المقصد الأوّل في الممالك الصائرة إلى بيت جنكز خان؛ وفيه جملتان الجملة الأولى في التعريف باسم جنكزخان ومصير الملك إليه، وما كان له من الأولاد، وتقسيمه الملك فيهم أما اسمه فقد ذكر في «مسالك الأبصار» : عن الشيخ شمس الدين الأصفهانيّ أن اسمه في الأصل تمرجين «١» ، وأنه لما عظم شأنه سمي جنكزخان. وقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن بعضهم: أن الصواب في النطق به جنكص

стр. 2024

خان بالصاد بدل الزاي. وأما نسبه فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أيضا أنه جنكزخان، بن بيسوكي «١» ، بن بهادر، بن تومان، بن برتيل خان، بن تومنيه، بن بادسنقر، بن تيدوان ديوم، بن بغا، بن بودنجه، بن ألان قوا، وألان قوا هذه امرأة من قبيلة من التتر تسمّى قبات من أعظم قبائلهم شهرة، كانت متزوّجة بزوج أولدها ولدين اسم أحدهما بكتوت، والآخر بلكتوت؛ ومن عقبهما الطائفة المعروفة في قبائل التتر بالدلوكة إلى الآن؛ ثم مات زوج ألان قوا أبو هذين الاثنين وبقيت ألان قوا أيّما فحملت فأنكر عليها الحمل، وحملت إلى وليّ أمرهم حينئذ فسألها ممن حملت؟ فقالت: إني كنت جالسة وفرجي مكشوف، فنزل نور ودخل في فرجي ثلاث مرات فحملت منه هذا الحمل، وأنا حامل بثلاثة ذكور، كل مرة من دخول ذلك النور بذكر، فأمهلوني حتّى أضع، فإن وضعت ثلاثة ذكور فاعلموا صدقي، وإلا فدونكم وما ترون؛ فأمهلوها حتّى ولدت فأتت بثلاثة ذكور، فسمّت أحدهم يوقن «٢» قوتاغي، والثاني بوسن ساغي، والثالث بودنجر، وهو جدّ جنكزخان. وأولاد هذه الثلاثة يعرفون بين التتر بالنورانيين نسبة إلى النور الذي زعمت أنه دخل فرجها فحملت منه. قال في «مسالك الأبصار» : «وهذه أكذوبة قبيحة، وأحدوثة غير صحيحة؛ وإن صحت عن المرأة فلعلها كانت قد سمعت بقصة مريم البتول ﵍، فاحتالت لسلامة نفسها بالتشبه بشأنها» . وأما مصير الملك إليه فقد اختلف فيه على مذهبين: أحدهما- ما حكاه في «مسالك الأبصار» عن الصاحب علاء الدين بن عطاء ملك الجويني: أنه كان يملك الترك ملك من عظماء الملوك يدعى أزبك خان، فتردّد إليه جنكزخان في حال صغره وخدمه، فتوسم فيه النجابة فقرّبه وأدناه وزاده في الارتقاء على أقاربه، فحسدوه فوشوا به إلى الملك حتّى غيروه عليه فأضمر له المكايد؛ وكان بالقرب من أزبك خان ملكهم صغيران يخدمانه فاطلعا على ما

стр. 2025

أضمره الملك لجنكزخان وعرّفاه ما أضمره الملك له وحذّراه؛ وكان جنكزخان قد لفّ لفيفا عظيما فجمع لفيفه من قبائل التتر وقصد ذلك الملك في جيوشه، وكان من أعظم القبائل المجيبة لدعوته قبيلتان: إحداهما تدعى إديرات والأخرى فيقورات مع قبيلته قبات المقدّم ذكرها، فجرّد العساكر لأزبك خان وجرت الحرب بينهما فقتل أزبك خان وملك جنكزخان وقرب كلّا من الصغيرين وجعل كلّا منهما ترخانا، وكتب لهما بفراغهما من جميع المؤن والكلف إلى سبعة أبطن من أولادهما. والثاني- ما حكاه السلطان عماد الدين صاحب حماة في «تاريخه» عن محمد بن أحمد بن على المنشئي: كاتب إنشاء السلطان جلال الدين محمد بن خوارزم شاه: أن مملكة الصّين كانت منقسمة من قديم الزمان إلى ستة أجزاء كل جزء منها مسيرة شهر، يتولّى أمر كل جزء منها خان نيابة عن خانهم الأعظم بطمغاج قاعدة الصين «١» . إلى أن كان خانهم الأكبر في زمان السلطان خوارزم شاه يسمّى الطرخان، وكان من جملة الخانات الستة الذين ينوبون عنه شخص يسمّى دوشي خان، وكان متزوجا بعمة جنكزخان فمات دوشي خان زوج عمة جنكزخان، فحضر جنكزخان إلى عمته معزّيا، وكان يجاور دوشي خان خان من الخانات الستة يسمّى أحدهما كشلوخان والآخر قلان؛ فأرسلت زوجة دوشي خان إليهما بنعي زوجها إليهما وتلاطفهما في استقرار جنكزخان ابن أخيها مكانه في الخانية على أن يكونا معاضدين له، فأجاباها إلى ذلك. فاستقر جنكزخان في الخانية مكان دوشي خان زوج عمته، فبلغ ذلك الخان الأعظم الطرخان فأنكر ذلك على كشلوخان وقلان المذكورين، فاتصل ذلك بهما فاجتمعا هما وجنكزخان وخلعوا طاعة الطرخان، ثم مات أحد الخانين وخلف ابنا اسمه كشلوخان فغلب جنكزخان على ملكه، ثم مات الخان الآخر واستقل جنكزخان بالملك، ثم غلب على خوارزم شاه، ثم على ابنه جلال الدين واستقل بما وراء النهر «٢» .

стр. 2026

وأما أولاد جنكز خان فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن الصاحب علاء الدين الجويني المقدّم ذكره أنه كان له عدة أولاد ذكور وإناث من الخواتين والسراري، وكان أعظم نسائه أو بولي، من تيكي «١» ، ومن رسم المغل تعظيم الولد بنسب والدته، وكان له من هذه أربعة أولاد معدّين للأولاد «٢» الخطيرة، هم لتخت ملكه بمنزلة أربع قوائم؛ وهم توشي «٣» وجفطاي «٤» ، وهو أصغرهم، وأوكداي «٥» ، وأوتكين نويان «٦» ، وأنه جعل موضعه نقطة دائرة ملكه وبنيه حوله كمحيط الدائرة، فجعل ابنه أوكداي «٧» وليّ عهده ورتّبه لما يتعلق بالعقل والرأي والتدبير والولاية والعزل واختيار الرجال والأعمال وعرض الجيوش وتجهيزها، وكان موضعه في حياة أبيه حدود ايمك وقراباق. فلما جلس بعد أبيه على تخت الملك، انتقل إلى الموضع الأصلي بين الخطا وبلاد الايغور، وأعطى ذلك الموضع لولده كيوك. وجعل لابنه أوتكين «٨» حدود بلاد الخطا «٩» ؛ وعين لابنه الكبير توشي «١٠» حدود قيالق (؟) إلى أقصى سفسفين (؟) وبلغار، ورتبه على الصيد والقنص؛ وجعل لابنه جفطاي حدود بلاد الأيغور إلى سمرقند وبخارا، ورتبه لتنفيذ النائبات والأمور والمقابلات وما أشبه ذلك. قال ابن عطاء ملك: وكانت أولاده وأحفاده تزيد على عشرة آلاف. وذكر عن الشيخ شمس الدين الأصفهاني أن جنكز خان أولد أربعة أولاد، وهم جوجي: وهو أكبرهم، وكداي، وطولي، وأوكداي، فقتل جوجي في حياة أبيه وخلف أولادا. قال ابن الحكيم الطياري: وهم باتو ويقال باطو، وأورده، وبركه، وتولي، وحمتي. قال الشيخ شمس الدين المذكور: والمشهور باتو وبركة،

стр. 2027

وأوصى بأن يكون تخته لولده الصغير أوكداي وأن تكون مملكة ما وراء النهر وما معه لولده الآخر كداي، وجعل لابنه جوجي دشت القبجاق وما معه وأضاف إليه إيران وتبريز وهمذان ومراغة، ولم يحصل لطولي شيء. فلما مات جنكز خان استقل أوكداي بتخت أبيه، واستقل جوجي بدشت القبجاق وما معه، واستقل باتو ابن جوجي فيما جعله جدّه جنكز خان لأبيه جوجي من إيران وتبريز وما مع ذلك، ولم يتمكن كداي من مملكة ما وراء النهر، ثم مات أوكداي مالك التخت وملك بعده ولده كيوك، وكان جبارا قويّ النفس فحكم على بني أبيه فقهرهم وانتزع ما بيد باتو بن جوجي من إيران وسائر ما معها، وأقام بها أميرا اسمه الجكراي. ثم جرى بينهم اختلاف كان آخر الأمر فيه أن أمسك الجكراي وقتل وحمل إلى باتو بن جوجي وطبخه وأكله، فبلغ ذلك كيوك صاحب التخت فشق عليه وجمع ستمائة ألف فارس، وجمع باتو للقائه وسار كل منهما لمحاربة الآخر حتّى كان بينهما عشرة أيام مات كيوك فكتب خواتينه إلى باتو يعلمونه بموته ويسألونه في أن يكون عوضه على تخت جنكز خان، فلم يرض ذلك وميزله منكوتان بن تولي بن جوجي بن جنكز خان، وجهز معه إخوته قبلاي خان وهولاكو: ولدا تولي، ووجّه معهم باتو أخاه بركة بن جوجي في مائة ألف فارس للجلسة على التخت ثم يعود، فتوجه بركة بمنكوتان فأجلسه على التخت، ثم عاد فمرّ في طريقه ببخارا، فاجتمع فيها بالشيخ شمس الدين الباخرزيّ من أصحاب شيخ الطريقة نجم الدين كيزي وحادثه فحسن موقع كلامه منه فأسلم على يده، وهو أول من أسلم من بيت جنكز خان، وأشار الباخرزي على بركة بموالاة المستعصم خليفة بني العباس ببغداد يومئذ، فكاتبه وهاداه وتردّدت الرسل والمكاتبات بينهما. ثم إن منكوتان بعد استقلاله بتخت جدّه جنكز خان ملّك أولاد جفطاي مملكة ما وراء النهر تنفيذا لما كان جنكز خان أوصى به لأبيهم جفطاي كما تقدّم ومات دونه، وعلت كلمة منكوتان صاحب التخت ووصلت إليه كتب أهل قزوين وبلاد الجبال يشكون من سوء مجاورة الملاحدة: وهم الإسماعيلية فجهز إليهم منكوتان أخاه مكوقان «١» لقتال

стр. 2028

الملاحدة وأخذ قلاعهم، وأن يضم إلى ذلك بلاد الخليفة المستعصم فبلغ ذلك بركة بن جوجي فشق عليه لصداقته مع الخليفة، وكلم أخاه باتو في ذلك فكتب باتو إلى هولاكو يمنعه من التعرّض لممالك الخليفة، فوافاه الكتاب قبل أن يعبر نهر جيحون، فأقام هناك سنتين حتّى مات باتو وتسلطن أخوه بركة بعده فكتب هولاكو إلى أخيه منكوتان يستأذنه في إنفاذ ما كان عزم عليه من أخذ ممالك الخليفة وحسّن له ذلك فلم يأذن له فيه فأصرّ هولاكو على عزمه فأوقع بالملاحدة وقتل جماعة اتهمهم بممالأة بركة، واشتد في البلاد وقصد دشت القبجاق بلاد بركة فدهمه بركة بعساكره فكانت الدائرة على هولاكو فكر راجعا ودخل بلاد الخليفة وقبض عليه وقتله وملك بلاده. وكان أمر الله قدرا مقدورا! الجملة الثانية في عقيدة جنكز خان وأتباعه في الديانة إلى أن أسلم من أسلم منهم وما جرت عليه عادتهم في الآداب وحالهم في طاعة ملوكهم أما عقيدتهم فقد قال الصاحب علاء الدين بن عطاء ملك الجويني: إن الظاهر من عموم مذاهبهم الإدانة بوحدانية الله تعالى، وأنه خلق السموات والأرض، وأنه يحيي ويميت، ويغني ويفقر، ويعطي ويمنع، وأنه على كل شيء قدير، وأن منهم من دان باليهودية، ومنهم من دان بالنصرانية، ومنهم من اطّرح الجميع، ومنهم من تقرّب بالأصنام. قال: ومن عادة بني جنكز خان أن كل من انتحل منهم مذهبا لم ينكره الآخر عليه؛ ثم الذي كان عليه جنكز خان في التديّن وجرى عليه أعقابه بعده الجري على منهاج ياسة «١» التي قررها، وهي قوانين خمنها من عقله وقرّرها من ذهنه، رتب فيها أحكاما وحدّد فيها حدودا بما وافق القليل منها الشريعة المحمدية، وأكثرها مخالف لذلك سماها الياسة الكبرى، وقد اكتتبها وأمر أن تجعل في خزانته تتوارث عنه في أعقابه وأن يتعلمها صغار أهل بيته. منها أن من زنى قتل، ومن أعان أحد خصمين على الآخر قتل، ومن بال في

стр. 2029

الماء قتل، ومن أعطي بضاعة فخسر ثم أعطي ثانيا فخسر ثم أعطي ثالثا فخسر قتل، ومن وقع حمله أو قوسه فمرّ عليه غيره ولم ينزل لمساعدته قتل، ومن وجد أسيرا أو هاربا أو عبدا ولم يرده قتل، ومن أطعم أسير قوم أو سقاه أو كساه بغير إذنهم قتل، إلى غير ذلك من الأمور التي رتبها مما هم دائنون به إلى الآن، وربما دان به من تحلّى بحلية الإسلام من ملوكهم. ومن معتقدهم في ذبح الحيوان أن تلفّ قوائمه ويشق جوفه ويدخل أحدهم يده إلى قلبه فيمرسه بيده حتّى يموت أو يخرج قلبه. ومن ذبح ذبحة المسلمين ذبح. وأما عاداتهم في الأدب فكان من طريق جنكز خان أن يعظم رؤساء كل ملة ويتخذ تعظيمهم وسيلة إلى الله تعالى؛ ومن حال التتر في الجملة إسقاط المؤن والكلف عن العلويين وعن الفقهاء والفقراء والزهاد والمؤذنين والأطباء وأرباب العلوم على اختلافهم ومن جرى هذا المجرى. ومن آدابهم المستعملة أن لا يأكل أحد من يد أحد طعاما حتّى يأكل المطعم منه ولو كان المطعم أميرا والآكل أسيرا، ولا يختص أحد بالأكل وحده بل يطعم كل من وقع بصره عليه، ولا يمتاز أمير بالشّبع من الزاد دون أصحابه بل يقسمونه بالسوية، ولا يخطوا أحد موقد نار ولا طبقا «١» رآه، ومن اجتاز بقوم يأكلون فله أن يجلس إليهم ويأكل معهم من غير إذن. وأن لا يدخل أحد يده في الماء بل يأخذ منه ملء فيه ويغسل يديه ووجهه «٢» ، ولا يبول أحد على الرّماد. ويقال إنهم كانوا لا يرون «٣» غسل ثيابهم البتة، ولا يميزون بين طاهر ونجس. ومن طرائقهم أنهم لا يتعصبون لمذهب، وأن لا يتعرّضوا لمال ميت أصلا،

стр. 2030

ولو ترك ملء الأرض، ولا يدخلونه خزانة السلطان. ومن عاداتهم أنهم لا يفخّمون الألفاظ، ولا يعظّمون في الألقاب حتّى يقال في مراسيم السلطان «القان بكذا» من غير مزيد ألقاب. وأما حالهم في طاعة ملكهم فإنهم من أعظم الأمم طاعة لسلاطينهم، لا لمال ولا لجاه بل ذلك دأب لهم حتّى إنه إذا كان أمير في غاية من القوة والعظمة وبينه وبين السلطان كما بين المشرق والمغرب متى أذنب ذنبا يوجب عقوبة وبعث السلطان إليه من أخس أصحابه من يأخذه بما يجب عليه ألقى نفسه بين يدي الرسول ذليلا ليأخذه بموجب ذنبه، ولو كان فيه القتل. ومن طريق أمرائهم أنه لا يترّدد أمير إلى باب أمير آخر، ولا يتغير عن موضعه المعين له. فإن فعل ذلك عوقب أو قتل، وإذا عرضوا آلات الحرب على أمرائهم وفّوا في العرض حتّى بالخيط والإبرة، ورعاياهم قائمون بما يلزمون به من جهة السلطان طيّبة به نفوسهم، وإن غاب أحد من الرجال قام النساء بما عليهم «١» . المقصد «٢» الثاني في ذكر ممالك بني جنكز خان على التفصيل، وهي مملكتان المملكة الأولى مملكة أيران بفتح الهمزة «٣» وسكون الياء المثناة تحت والراء المهملة وألف ثم نون. وهي مملكة الفرس، وتعرف بأيران بن أشور بن سام بن نوح ﵇، وهو

стр. 2031

أول من ملكها وأضيفت إليه وعرفت به. قال في «التعريف» : وهي مملكة الأكاسرة. ثم قال: وهي من الفرات إلى نهر جيحون حيث بلخ، ومن البحر الفارسيّ وما صاقبه من البحر الهنديّ إلى البحر المسمى بالقلزم بحر طبرستان، وهي المملكة الصائرة إلى بيت هولاكو. قال: وقد دخل فيها مملكة الهياطلة، وهي مملكة مازندران وما يليها إلى آخر كيلان، وطبرستان واقعة بين مازندران وكيلان، ومازندران الآخذة شرقا، وكيلان الآخذة غربا. وقال في «مسالك الأبصار» : هذه المملكة طولا من نهر جيحون المحيط بآخر خراسان إلى الفرات القاطع بينها وبين الشام، وعرضها من كرمان المتصل بالبحر الفارسيّ المنقسم من البحر الهنديّ إلى نهاية ما كان بيد بقايا الملوك السّلجوقية بالروم على نهاية حدود العلايا وأنطاليا من البحر الروميّ. قال: ويفصل في الجانب الشّماليّ بين هذه المملكة وبين بلاد القبجاق النهر المجاور لباب الحديد المسمى باللغة التركية دقرقبو، وبحر طبرستان المسمّى بحر الخزر. ثم قال: وأخبرني الفاضل نظام الدين أبو الفضل يحيى بن الحكيم الطياريّ أن هذه المملكة تكاد تكون مربّعة، فيكون طولها بالسير المعتاد أربعة أشهر، وعرضها أربعة أشهر. وهي من أجلّ ممالك الأرض، وأوسطها في الطول والعرض، متوسطة في الطول والعرض. وإذا أنصفت كانت هي قلب الدنيا على الحقيقة، ذات أقاليم كثيرة ومدن كبيرة، مشتملة على رساتيق وأعمال وخطط وجهات، وهي ممتدة من بلاد الشأم وما على سمتها إلى بلاد السّند والهند وما والاهما. ولها جانبان: جنوبيّ وشماليّ. الجانب الأول الجنوبي ويشتمل على ستة أقاليم: الإقليم الأول الجزيرة الفراتية وهي أقرب أقطار هذه المملكة لمملكة الديار المصرية والشامية لمجاورتها

стр. 2032

بلاد الشام. قال في «تقويم البلدان» : ويحيط بها الفرات من حدود بلاد الروم، وهو طرف الحد الغربيّ الجنوبيّ للجزيرة. فيمتدّ الحدّ الجنوبيّ الغربيّ مع الفرات إلى ملطية، إلى شمشاط، إلى قلعة الروم، إلى البيرة، إلى قبالة منبج، إلى السّنّ، إلى الرّقّة، إلى قرقيسيا، إلى الرّحبة، إلى هيت، إلى الأنبار. ثم يخرج الفرات عن تحديد الجزيرة ويعطف الحدّ من الأنبار إلى تكريت، وهي على نهر دجلة، إلى بالس، إلى الحديثة على دجلة إلى الموصل. ثم يعطف من الموصل إلى جزيرة ابن عمر، إلى آمد. ثم يصير الحدّ غربيّا ممتدّا بعد أن يتجاوز آمد على حدود إرمينية، إلى حدود بلاد الروم، إلى الفرات عند ملطية من حيث وقع الابتداء. قال: فعلى هذا يكون بعض إرمينية وبعض الروم غربيّ الجزيرة، وبعض الشام وبعض البادية جنوبيّها، والعراق شرقيّها، وبعض إرمينية شماليها. قال في «تقويم البلدان» : وتشتمل الجزيرة على ديار ربيعة وديار مضر (يعني بالضاد المعجمة) وبعض ديار بكر، وهم القبائل الذين كانوا ينزلونها في القديم على ما تقدّم ذكره في الكلام على أحوال العرب في المقالة الأولى. قال في «مسالك الأبصار» : وقد كانت هذه الجزيرة مجموعها مملكة جليلة باقية بذاتها في الدولة الأتابكية يعني دولة الأتابك زنكي صاحب الموصل والد نور الدين الشهيد صاحب دمشق، وقاعدتها (الموصل) . قال في «اللباب» : بفتح الميم وسكون الواو وكسر الصاد المهملة ولام في الآخر- وهي مدينة من الجزيرة من الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. قال في «الأطوال» : حيث الطول سبع وثلاثون درجة، والعرض ست وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وهي على دجلة من الجانب الغربيّ، ويقابلها من الجانب الشرقيّ مدينة نينوى التي بعث يونس ﵇ إلى أهلها. وهي الآن خراب. وفي جنوبيّ الموصل مصبّ الزّاب الأصغر في دجلة، وهي في مستو من الأرض؛ ولها سوران قد خرب بعضهما، وسورها أكبر من سور دمشق. قال المؤيد صاحب حماة: والعامر منها في زماننا نحو ثلثيها، ولها قلعة قد صارت في جملة الخراب. قال قاضي القضاة

стр. 2033

وليّ الدين بن خلدون «١» : وهي قاعدة ملك قديم يعرف قديما بمملكة الجرامقة، وكانت قد صارت إلى عماد الدين زنكي: والد نور الدين الشهيد، ثم اتفق بها الحال إلى أن دخلت في مملكة التتر من بني هولاكو. قال ابن خرداذبه في كتابه في المسالك والممالك: ومن أقام بها سنة ثم...... «٢» عقله وجده قد نقص «٣» ، وبها حاكم يكاتب عن الأبواب السلطانية بالديار المصرية. وذكرها في «التثقيف» وذكر أنه كان بها الأمير أردبغا قبل أن يحصل عليها من بيرم خواجا ثم أبو القان أويس. ثم بها عدّة مدن وقلاع مشهورة. (منها) ماردين. قال في «اللباب» : بفتح الميم وسكون الألف وكسر الراء والدال المهملتين ثم ياء مثناة من تحتها ونون- وهي قلعة بديار ربيعة من هذه الجزيرة المذكورة من الإقليم الرابع. قال في «الأطوال» : حيث الطول أربع وستون درجة، والعرض سبع وثلاثون درجة وخمس وخمسون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : وهي على جبل عال، من الأرض إلى ذروته نحو فرسخين. قال ابن حوقل: وهي قلعة منيعة لا يستطاع فتحها عنوة، وبجبلها جواهر الزجاج، وبه حيّات تفوق غيرها بسرعة القتل. واعلم أن ماردين هذه بيد ملوكها من بني أرتق، لها بيدهم الأمد الطويل، لم تزل أيديهم عنها مذ ملكوها. قال القاضي وليّ الدين بن خلدون في «تاريخه» : وأول من ملكها منهم ياقوتي بن أرتق بعد السبع والأربعمائة؛ تملكها من يد مغنّ كان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقي أقطعها له، ثم ملكها بعد ياقوتيّ المذكور أخوه عليّ، ثم عمه سقمان، ثم أخوه إيلغازي، ثم ابنه حسام الدين تمرتاش، ثم

стр. 2034

ابنه قطب الدين البي، ثم ابنه نظام الدين إيلغازي، ثم ابنه حسام الدين بولق أرسلان، ثم أخوه ناصر الدين أرتق أرسلان بن إيلغازي، ثم ابنه نجم الدين غازي، ثم أخوه قرا أرسلان، ثم ابنه شمس الدين داود، ثم أخوه نجم الدين غازي، وتلقب بالمنصور وهو أول من تلقب بألقاب السلطنة منهم، ثم ابنه شمس الدين صالح وتلقب بالصالح، ثم ابنه أحمد وتلقب بالمنصور، ثم ابنه محمود وتلقب بالصالح، ثم ابنه فخر الدين داود، وتلقب بالمظفر، ثم ابنه نور الدين عيسى، وتلقب بالظاهر، وهو القائم بملكها إلى الآن، وهو الظاهر عيسى، بن المظفّر داود، بن الصالح [محمود، بن المنصور أحمد، بن الصالح] «١» صالح ابن المنصور غازي، بن المظفر قرا أرسلان، بن المنصور أرتق أرسلان [بن بولق أرسلان] «٢» بن إيلغازي، بن ألبي، بن تمرتاش، بن إيلغازي، بن أرتق. ولما ملك هولاكو بغداد وأعمالها كان القائم بملك ماردين يومئذ المظفّر قرا أرسلان فأعطاه الطاعة وخطب له في جميع أعماله، وتبعه على ذلك من بعده من ملوكها إلى حين موت القان أبي سعيد من بقايا الملوك الهولاكوية، فقطع الخطبة لصاحب بغداد وما معها وخطب لنفسه، والأمر على ذلك إلى الآن، وملوكها موادّون لملوك الديار المصرية والمكاتبات بينهم متواصلة. (ومنها) حصن كيفا. قال في «تقويم البلدان» : بحاء وصاد مهملتين ثم نون ثم كاف وياء مثناة من تحت وفاء وألف- وهي مدينة من الجزيرة المذكورة من الإقليم الرابع. قال في «الأطوال» : حيث الطول أربع وستون درجة وثلاثون دقيقة، والعرض سبع وثلاثون درجة وخمس وثلاثون دقيقة. قال في «اللباب» : وهي من ديار بكر. قال في «المشترك» : وهي على دجلة بين جزيرة ابن عمر وبين ميّا فارقين. قال في «اللباب» : والنسبة إليها حصكفيّ- بفتح الحاء وسكون الصاد وفتح الكاف وفاء ثم ياء النسب. قال في «التعريف» : وملكها من بقايا الملوك الأيوبية وممن ينظر إليه ملوك مصر بعين الإجلال، لمكان ولائهم

стр. 2035

القديم لهم، واستمرار الوداد الآن. قال في «التثقيف» : وأخبرني المقرّ السيفيّ منجك كافل الممالك الشريفة أن الملك الناصر محمد بن قلاوون كان يعظم سلفه فإنه كان أستاذ قلاوون والده. قال في «التعريف» : وكان آخر وقت منهم الملك الصالح قصد الأبواب السلطانية. فلما أتى دمشق عقبته الأخبار بأن أخاه قد ساور سريره، وقصد بسلطته سلطانه. فكر راجعا ولم يعقّب، فما لبثت الأخبار أن جاءت بأنه حين صعد قلعته، وكرّ نحو سريره رجعته، وثب عليه أخوه المتوثب فقتله وسفك دمه، ثم أظهر عليه ندمه. وكتب إلى السلطان فأجيب بأجوبة دالة على عدم القبول لأعذاره والسرائر مكدّرة، والخواطر بعضها من بعض منفّرة. وذكر في «التثقيف» أن الذي اتّضح له آخرا في رمضان سنة ست وسبعين وسبعمائة أن صاحبها الملك الصالح سيف الدين أبو بكر، ابن الملك العادل شهاب الدين غازي، ابن الملك العادل مجد الدين محمد، ابن الملك الكامل سيف الدين أبي بكر، ابن الملك الموحد تقيّ الدين عبد الله، ابن الملك المعظم سيف الدين توران شاه، ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن العادل أبي بكر بن أيوب. ثم قال: وما يبعد أن الصالح المذكور هو ابن عم العادل مجد الدين محمد، وأن العادل غازي لا حقيقة له. ثم قال: وهو غلط لأن المستقرّ إلى آخر سنة ثنتين وستين وسبعمائة وما بعدها بمدّة هو العادل مجد الدين، وكتبت إليه في هذه المدة بهذا الاسم واللقب، ولم يبلغنا أنه استقر بعده سوى ولده، ثم نقل أنه الصالح ونقل الناقل أنه ابن العادل وهو صحيح لكنه قال: إن اسمه شهاب الدين غازي بن العادل مجد الدين وفيه بعد: كون الولد يلقب بلقب والده الملوكي. انتهى كلامه. قلت: والذي أخبرني به بعض قصّاد صاحبها في سنة تسع وتسعين وسبعمائة أن الملك القائم بها يومئذ اسمه سليمان بن داود، وذكر لي لقبه الملوكيّ فنسيته، وذكر أنه يقول الشعر، وأحضر معه بيتا مفردا من نظمه وهو: وجارية تعير البدر نورا ... ولولا نورها عاد الظّلام
следующие страницы →