← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

تحت وواو ثم نون مفتوحة وهاء في الآخر: وهو جبل ببرّ العدوة شرقيّ مدينة فاس، يمتدّ إلى الجنوب حتّى يتصل بجبال درن، ومديونة قبيلة من البربر واطنون به. ومنها (جبال مدغرة) وهي شرقيّ مديونة، ومعظم أهلها كومية- بضم الكاف وكسر الميم وفتح المثناة تحت وهاء في الآخر. وهي قبيلة من البربر، منها «عبد المؤمن» أحد أصحاب المهديّ بن تومرت. ومنها (جبل يسر) بضم الياء المثناة تحت وسكون السين المهملة. وهو جبل شرقيّ مديونة أيضا منه ينبع نهر يسر المذكور. ومنها (جبل ونشريش) وهو جبل يتصل بجبل يسر من شرقيه، وفيه تعمل البسط الفائقة، ومنه ينبع نهر سلف المشهور. قال ابن سعيد: وهو نهر كبير يزيد عند نقص الأنهار كنيل مصر. الجملة الرابعة (في ذكر أنهارها المشهورة، وهي عدّة أنهار) منها (نهر السّوس الأقصى) وهو نهر يأتي من الجنوب والشرق من جبل يعرف بجبل لمطة، ويجري إلى الشمال، ويمرّ على مدينة السّوس من شماليّها، ويزرع على جانبيه قصب السكّر والحنّاء وغير ذلك كما يزرع في مصر، ويجرى حتى يصبّ في البحر المحيط الغربيّ. ومنها (نهر سجلماسة) الآتي ذكرها، وهو نهر منبعه من جنوبيّ سجلماسة بمسافة بعيدة، ويمرّ من شرقيها ويجري حتّى يصبّ في نهر ملويّة الآتى ذكره. ومنها (نهر ملويّة) قال ابن سعيد: وهو نهر كبير مشهور في المغرب الأقصى، يصبّ إليه نهر سجلماسة ويصيران نهرا واحدا، يجرى حتّى يصب في بحر الروم شرقيّ سبتة. ومنها (نهر فاس) وهو نهر متوسّط يشقّ مدينة فاس كما تقدّم قال في

стр. 2382

«تقويم البلدان» ومخرجه على نصف يوم من فاس، يجري في مروج وأزاهر حتّى يدخلها. المقصد الثاني (في ذكر زروعها، وحبوبها، وفواكهها، وبقولها ورياحينها ومواشيها، ومعاملاتها، وصفات أهلها. وفيه خمس جمل) الجملة الأولى (في ذكر زروعها، وحبوبها، وفواكهها، وبقولها، ورياحينها) أما زرعها فعلى المطر كما تقدّم في أفريقيّة. وأما حبوبها: ففيها من أنواع الحبوب: القمح، والشعير، والفول، والحمّص، والعدس، والدّخن، والسّلت وغير ذلك. أما الأرزّ فإنه عندهم قليل، بعضه يزرع في بعض الأماكن من برّ العدوة، وأكثره مجلوب إليهم من بلاد الفرنج. على أنهم لا نهمة لهم في أكله ولا عناية به. وبها السّمسم على قلّة، ولا يعتصر منه بالمغرب شيرج لاستغنائهم عنه بالزّيت حتّى مزورات الضعفاء وكذلك يعملون الحلوى بالعسل والزّيت، وإنما يستعمل الشّيرج عندهم في الأمور الطّبّيّة. وأما فواكهها، فبها أنواع الفواكه المستطابة اللذيذة المختلفة الأنواع: بين النخل، والعنب، والتّين، والرمّان، والزيتون، والسّفرجل، والتّفّاح على أصناف، وكذلك الكمّثرى، وتسمّى عندهم الإنجاص كما بدمشق، وبها المشمش والتين «١» ، والبرقوق، والقراصيا، والخوخ، وغالب ذلك على عدّة أنواع، والتّوت على قلة، والجوز، واللّوز. ولا يوجد بها الفستق والبندق إلا مجلوبا. وبها الأترجّ، واللّيمون، والليم، والنارنج، والزّنبوع، وهو المسمّى

стр. 2383

بمصر والشام الكبّاد. وبها البطّيخ الأصفر والأخضر واسمه عندهم الدلاع كما في سائر بلاد المغرب على قلة، والموجود منه غير مستطاب. وبها الخيار، والقثّاء، واللّفت، والباذنجان، والقرع، والجزر، واللّوبيا، والكرنب، والشّمار، والصّعتر وسائر البقول. والموز موجود بها في بعض المواضع نادرا، والقلقاس لا يزرع عندهم إلا للتفرّج على عروقه لا لأن يؤكل، وبها قصب السكر بجزائر بني مزغنّان وبسلا كثير، ويعصر ثم يعمل منه القند ومن القند السّكّر على أنواع لا سيما بمرّاكش، فإنه يقال إن بها أربعين معصرة للسّكّر، وإنّ حمل حمار من القصب يساوي درهما من دراهمهم: وهو ثلث درهم من الدراهم المصرية؛ ويعمل منه المكرّر الفائق، ومع ذلك فليس لهم به اهتمام لاكتفائهم عنه بعسل النحل مع كثرته عندهم، وميلهم إليه أكثر من السكّر، حتّى يقال إنه لا يستعمل السّكّر عندهم إلا الغرباء أو المرضى. وأما رياحينها، فبها الورد، والبنفسج، والياسمين، والآس، والنّرجس، والسّوسن، والبهار، وغير ذلك. الجملة الثانية (في مواشيها، ووحوشها، وطيورها) أما مواشيها، ففيها من الدوابّ الخيل، والبغال، والحمير، والإبل، والبقر، والغنم؛ أما الجاموس فلا يوجد عندهم. وأما الطير، فبها منه الإوزّ، والحمام، والدّجاج ونحوها، والكركيّ عندهم كثير على بعد الدار، واسمه عندهم الغرنوق، وهو صيد الملوك هناك كما بمصر والشام. وأما وحوشها، ففيها من أنواع الوحش الحمر، والبقر، والنّعام، والغزال، والمها وغير ذلك.

стр. 2384

الجملة الثالثة (فيما تتعامل به من الدّنانير، والدراهم، والأوزان، والمكاييل) أما مثاقيل الذهب فأوزانها لا تختلف، وأما الدراهم فذكر في «مسالك الأبصار» عن السلايحي: أن معاملتها درهمان: درهم كبير، ودرهم صغير؛ فالدّرهم الكبير قدر ثلث درهم من الدراهم النّقرة بمصر والشام، والدّرهم الصغير على النّصف من الدرهم الكبير يكون قدر سدس درهم نقرة بمصر والشام. وعند الإطلاق يراد الدرهم الصغير دون الدرهم الكبير إلا بمرّاكش وما جاورها، فإنه يراد بالدرهم عند الإطلاق الدرهم الكبير. قال: وكلّ مثقال ذهب عندهم يساوي ستين درهما كبارا، تكون بعشرين درهما من دراهم النّقرة بمصر. وأما رطلها فعلى ما تقدّم من رطل أفريقيّة، وهي كلّ رطل ستّ عشرة أوقيّة، كل أوقيّة أحد وعشرون درهما من دراهمها. وأما كيلها فأكثره الوسق (ويسمّى الصّحفة) وهو ستّون صاعا بالصاع النبويّ على السواء. الجملة الرابعة (في ذكر أسعارها) قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن السلايحي أيضا عن سعر زمانه المتوسّط في غالب الأوقات، (وهي الدولة الناصرية محمد بن قلاوون» وما قاربها) : أنّ سعر كل وسق من القمح أربعون درهما من الدّراهم الصّغار: وهو ثلاثة عشر درهما وثلث درهم من نقرة مصر، والشعير دون ذلك. وكلّ رطل لحم بدرهم واحد من الدراهم الصّغار، وكلّ طائر من الدّجاج بثلاثة دراهم من الصّغار، وعلى نحو ذلك.

стр. 2385

الجملة الخامسة (في صفات أهلها في الجملة) قد تقدّم أن معظم هذه المملكة في الإقليم الثالث. قال ابن سعيد: والإقليم الثالث هو صاحب سفك الدماء، والحسد، والحقد، والغلّ، وما يتبع ذلك. ثم قال: وأنا أقول: إن الإقليم الثالث وإن كثرت فيه الأحكام المرّيخيّة على زعمهم، فإن للمغرب الأقصى من ذلك الحظّ الوافر، لا سيّما في جهة السّوس وجبال درن، فإن قتل الإنسان عندهم كذبح العصفور، قال وكم قتيل قتل عندهم على كلمة وهم بالقتل يفتخرون. ثم قال: إن الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط، والمحاققة، وقلة التغاضي، والتهوّر، والمفاتنة. أما البخل فإنما هو في أراذلهم، بخلاف الأغنياء، فإن في كثير منهم السماحة المفرطة والمفاخرة بإطعام والاعتناء بالمفضول والفاضل. المقصد الثالث (في ذكر ملوكها، وما يندرج تحت ذلك: من انتقال الملك من الموحّدين إلى بني مرين والتعريف بالسلطان أبي الحسن الذي أشار إليه في كلامه في «التعريف» . وهم على طبقات) الطبقة الأولى (ملوكها قبل الإسلام) قد تقدّم أن بلاد المغرب كلّها كانت مع البربر، ثم غلبهم الرّوم الكيتم عليها ثم افتتحوا قرطاجنّة وملكوها، ووقع بين البربر والرّوم فتن كثيرة كان آخرها أن وقع الصلح بينهم على أن تكون البلاد والمدن الساحليّة للروم، والجبال والصحارى للبربر، ثم زاحم الفرنج الروم في البلاد، وجاء الإسلام والمستولي عليها من ملوك الفرنجة جرجيس ملكهم، وكان ملكه متصلا من طرابلس إلى البحر المحيط، وكرسيّ ملكه بمدينة سبيطلة، ومن يده انتزعها المسلمون عند الفتح.

стр. 2386

الطبقة الثانية (نوّاب الخلفاء من بني أمية وبني العبّاس) كان كرسيّ المملكة بعد الفتح بأفريقيّة، وكان نوّاب الخلفاء يقيمون بها وينزلون القيروان، وكانوا يولّون على ما فتح من بلاد المغرب من تحت أيديهم. فبقي الأمر على ذلك أيّام عبد الله بن أبي سرح «١» ، الذي افتتحها في خلافة عثمان ابن عفّان ﵁، ثم أيّام معاوية بن صالح، ثم أيام عقبة بن نافع «٢» ، ثم أيّام أبي المهاجر «٣» ، ثم أيّام عقبة بن نافع ثانيا، ثم أيام زهير بن قيس «٤» ، ثم أيّام حسّان بن النعمان، «٥» ثم أيام موسى بن نصير «٦» ، ثم أيّام محمد بن يزيد، ثم أيام إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر، ثم أيام يزيد بن أبي مسلم، ثم أيام بشر بن صفوان الكلبيّ «٧» ، ثم أيام عبيد بن عبد الرحمن السلمي، ثم أيام عبد الله بن الحبحاب «٨» ، ثم أيام كلثوم بن عياض «٩» ، ثم أيام حنظلة بن صفوان «١٠» ، ثم أيام

стр. 2387

عبد الرحمن بن حبيب «١» ، ثم أيّام حبيب بن عبد الرحمن، ثم أيام عبد الملك بن أبي الجعد، ثم أيام عبد الأعلى بن السّمح المعافري «٢» ، ثم أيام محمد بن الأشعث «٣» ، ثم أيّام الأغلب بن سالم «٤» ، ثم أيّام عمرو بن حفص «٥» ،، ثم أيام يزيد بن حاتم بن قبيصة «٦» ، ثم أيام روح بن حاتم «٧» ، ثم أيام الفضل «٨» بن روح، ثم أيام هرثمة بن أعين «٩» ، ثم أيّام محمد بن مقاتل «١٠» ، ثم أيّام إبراهيم بن الأغلب «١١» ، ممّن تقدّم ذكره في ملوك أفريقيّة في خلافة هارون الرشيد. وفي أيامه ظهرت دعوة الأدارسة الآتي ذكرهم بعد هذه الطبقة. وسيأتي بسط القول فيهم بعض البسط في الكلام على مكاتبة صاحب تونس. الطبقة الثالثة الأدارسة (بنو إدريس الأكبر بن حسن المثلث، بن حسن المثنّى، بن الحسن السبط، بن عليّ بن أبي طالب ﵃ وكان مبدأ أمرهم أنه لما خرج حسين بن عليّ بن حسن المثلّث بمكة سنة سبعين ومائة أيّام الهادي واجتمع عليه قرابته وفيهم عمّه إدريس وقتل الحسين، فرّ إدريس ولحق بالمغرب، وصار إلى مدينة وليلي من المغرب الأقصى، فاجتمع

стр. 2388

إليه قبائل البربر وبايعوه وفتح أكثر البلاد، وبقي حتى مات سنة خمس وسبعين ومائة. وأقاموا الدعوة بعده لابنه إدريس الأصغر. وكان أبوه قد مات وترك أمّه حاملا به فكفلوه حتّى شبّ، فبايعوه سنة ثمان وثمانين ومائة، وهو ابن إحدى عشرة سنة، وافتتح جميع بلاد المغرب وكثر عسكره، وضاقت عليهم وليلي فاختطّ لهم مدينة فاس سنة ثنتين وتسعين ومائة على ما تقدّم وانتقل إليها، واستقام له الأمر واستولى على أكثر بلاد البربر، واقتطع دعوة العباسيين، ومات سنة ثلاث عشرة ومائتين. وقام بالأمر بعده ابنه (محمد بن إدريس) ومات سنة إحدى وعشرين ومائتين بعد أن استخلف في مرضه ولده (عليشا بن محمد) وهو ابن تسع سنين، ومات سنة أربع وثلاثين ومائتين لثلاث عشرة سنة من ولايته. وكان قد عهد لأخيه (يحيى بن محمد) فقام بالأمر بعده ومات. فولي مكانه ابنه (يحيى بن يحيى) ثم مات فاستدعوا ابن عمه (عليّ بن عمر) ابن إدريس الأصغر فبايعوه بفاس، واستولى على جميع أعمال المغرب، وقتل سنة اثنتين وتسعين ومائتين. وقام بالأمر بعده (يحيى بن إدريس) بن عمر، بن إدريس الأصغر، وملك جميع المغرب وخطب له على منابره، وبقي حتّى وافته جيوش عبيد الله المهديّ الفاطميّ «١» ، فغلبوه على ملكه وخلع نفسه من الأمر وأنفذ بيعته إلى المهديّ سنة خمس وثلاثمائة واستقرّ عاملا للمهديّ على فاس وعملها خاصّة، وبقية المغرب بيد موسى «٢» بن أبي العافية كما سيأتي.

стр. 2389

الطبقة الرابعة (ملوك بني أبي العافية من مكناسة) كانت مكناسة من قبائل البربر لأوّل الفتح بنواحي (تارا) «١» من أوساط المغرب الأقصى والأوسط وكانوا يرجعون في رياستهم إلى بني أبي باسل بن أبي الضحّاك وكانت الرياسة في المائة الثالثة لمصالة- بن حيوس، بن منازل، بن أبي الضّحّاك، بن يزّول، بن تافرسين، بن فراديس، بن ونيف، بن مكناس، بن ورصطف، بن يحيى، بن تمصيت، بن ضريس، بن رجيك، بن مادغش، بن بربر-؛ وموسى بن أبي العافية، بن أبي باسل، بن أبي الضحاك المتقدّم ذكره. ولما استولى عبيد الله المهدي على المغرب صار مصالة بن حيوس من أكبر قوّاده وولّاه مدينة تاهرت والغرب الأوسط. ولما زحف مصالة إلى المغرب الأقصى سنة خمس وثلاثمائة واستولى على فاس ثم على سجلماسة واستنزل يحيى بن إدريس بفاس إلى طاعة عبيد الله المهديّ وأبقاه أميرا على فاس على ما تقدّم، عقد لابن عمّه موسى بن أبي العافية أمير مكناسة على سائر ضواحي المغرب وأمصاره مضافة إلى عمله من قبل: تسول وتازا وما معهما وقفل مصالة إلى القيروان. فقام موسى بن أبى العافية بأمر المغرب، وعاود مصالة غزو المغرب سنة تسع وثلاثمائة: أغراه موسى بن أبي العافية بيحيى بن إدريس، فقبض عليه وأخذ ماله وطرده، فلحق ببني عمه بالبصرة والريف، وولّى مصالة مكانه على فاس ريحانا الكتاميّ وقفل إلى القيروان فمات، وعظم ملك موسى بن أبي العافية بالمغرب.

стр. 2390

ثم ثار بفاس سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة (الحسن بن محمد) بن القاسم، بن إدريس الملقب بالحجّام، ودخل فاس على حين غفلة من أهلها وقتل ريحانا واليها، واجتمع الناس على بيعته، ثم خرج لقتال ابن أبي العافية والتقوا، فهلك جماعة من مكناسة ثم كانت الغلبة لهم. ورجع الحسن مهزوما إلى فاس فغدر به عامله على عدوة القرويّين: حامد بن حمدان الهمداني، فقبض عليه واعتقله وأمكن ابن أبي العافية من البلد، وزحف إلى عدوة الأندلسيين فملكها وقتل عاملها، وولّى مكانه أخاه محمدا، واستولى ابن أبي العافية على فاس وجميع المغرب وأجلى الأدارسة عنه. ثم استخلف على المغرب الأقصى ابنه (مدين) وأنزله بعدوة القرويّين، واستعمل على عدوة الأندلسيّين طوال بن أبي زيد «١» ، وعزل عنه محمد بن ثعلبة. ونهض إلى تلمسان سنة تسع عشرة وثلاثمائة فملكها، وغلب عليها صاحبها الحسن بن أبي العيش بن عيسى، بن إدريس، بن محمد بن سليمان: من عقب سليمان ابن عبد الله: أخي إدريس الأكبر الداخل إلى المغرب بعده؛ ورجع بعد فتحها إلى فاس وخرج عن طاعة العبيديين، وخطب للناصر الأمويّ خليفة الأندلس على منابر عمله، فبعث عبيد الله المهديّ قائده حميدا المكناسيّ ابن أخى مصالة إلى فاس، ففرّ عنها مدين بن موسى بن أبي العافية إلى أبيه فدخلها حميد، ثم استعمل عليها حامد بن حمدان ورجع إلى أفريقيّة، وقد دوّخ المغرب. ثم انتقض أهل المغرب على العبيديين بعد مهلك عبيد الله، وثار (أحمد بن بكر) بن عبد الرحمن بن سهل الجذاميّ على حامد بن حمدان عامل فاس، فقتله وبعث برأسه إلى موسى بن أبي العافية، فبعث به إلى الناصر الأمويّ بالأندلس واستولى على المغرب، وزحف (ميسور الخصيّ) قائد أبي القاسم بن عبيد الله

стр. 2391

المهديّ سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة إلى فاس وحاصرها فأحجم ابن أبي العافية عن لقائه، واستنزل ميسور أحمد بن بكر عاملها وقبض عليه وبعث به إلى المهديّة. ثم خرج أهل فاس عن طاعته، وقدّموا على أنفسهم (حسن بن قاسم اللّواتي) ، ثم حاصرهم ميسور فدخلوا تحت طاعته، واشترطوا على أنفسهم الإتاوة، فقبل ميسور ذلك منهم، وأقرّ حسن بن قاسم على ولايته بفاس، وارتحل إلى حرب بن أبي العافية، فكانت بينهم حروب آخرها أن ظهر ميسور على ابن أبي العافية، وأجلاه عن أعمال المغرب إلى بلاد الصّحراء، ثم قفل ميسور إلى القيروان سنة أربع وعشرين وثلاثمائة. ورجع موسى بن أبي العافية من الصّحراء إلى أعماله بالمغرب، وزحف إلى تلمسان، ففرّ عنها أبو العيش ولحق بتكور، واستفحل أمر ابن أبي العافية بالمغرب الأقصى واتّصل عمله بعمل محمد بن خزر ملك مغراوة وصاحب المغرب الأوسط، وبثّوا دعوة الأمويّة في أعمالها، وبعث ابنه مدين إلى منازلة فاس فحاصرها، وهلك موسى في خلال ذلك سنة سبع وعشرين وثلاثمائة. وقام ابنه (مدين) بأمره، وعقد له الناصر الأمويّ على أعمال أبيه بالمغرب، ثم قسم أعماله بينه وبين أخويه البوري وأبي منقذ، وأجاز البوريّ إلى الناصر بالأندلس سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة فعقد له ثم هلك سنة خمس وأربعين وثلاثمائة وهو محاصر لأخيه مدين بفاس، فعقد الناصر لابنه (منصور) على عمله. ثم توفّي مدين، فعقد الناصر لأخيه أبي منقذ على عمله؛ ثم غلب مغراوة على فاس وأعمالها، واستفحل أمرهم بالمغرب. وأزاحوا مكناسة عن ضواحيه وأعماله؛ وأجاز إسماعيل بن البوري ومحمد بن عبد الله بن مدين إلى الأندلس، فنزلا بها إلى أن أجازوا مع واضح أيّام المنصور بن أبي عامر عند ما خرج زيري بن عطية عن طاعتهم سنة ستّ وثمانين وثلاثمائة.

стр. 2392

الطبقة الخامسة (بنو زيري بن عطيّة من مغراوة من البربر) وهو زيري بن عطية، بن عبد الله، بن خزر، بن محمد، بن خزر، بن حفص، بن صولات، بن رومان، من بطون زناتة من البربر، وكان أوّليّة أمره أنّ زيري هذا كان أمير بني خزر في وقته، وانتهت إليه رياستهم وإمارتهم في البداوة. ولما غلب بلكين بن زيري الصّنهاجيّ صاحب أفريقيّة وقومه صنهاجة على المغرب الأوسط سنة تسع وستّين وثلاثمائة وأجلوا عنه مغرواة الذين كانوا به من تقادم السنين وصار المغرب الأوسط جميعه لصنهاجة، لحق مغراوة فيمن بقي من بني خزر، بالغرب الأقصى؛ وأمراؤهم يومئذ محمد بن الخير، ومقاتل وزيري ابنا عطية بن عبد الله، وخزرون بن فلفول، ووصلوا إلى سبتة وأميرهم المنصور بن أبي عامر حاجب. وبعث العزيز بن نزار العبيديّ من مصر الحسن بن كنّون من الأدارسة لاسترجاع ملكه بالمغرب، فبعث المنصور لحربه أبا الحكم عمرو بن عبد الله بن أبي عامر الملقب بعسكلاجة سنة خمس وسبعين وثلاثمائة، وانحاش «١» إليه زيري ابن عطية ومن معه من بني خزر في جموع مغراوة، وزحفوا إلى الحسن بن كنّون حتى ألجأوه إلى الطاعة، ثم انصرف أبو الحكم بن أبي عامر إلى الأندلس، فعقد المنصور بن أبي عامر على المغرب الأقصى للوزير (حسن بن أحمد) بن عبد الودود السلمي، وأنفذه إليه سنة ست وسبعين وثلاثمائة، وأوصاه بملوك مغراوة خصوصا زيري؛ فسار الحسن بن أحمد حتى نزل بفاس وضبط أعمال المغرب، ومات مقاتل بن عطية سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة واستقلّ أخوه زيري بن عطية برياسة مغراوة؛ وبقي الحسن بن أحمد إلى أن قتل في بعض الحروب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وبلغ الخبر المنصور بن أبي عامر فعقد على المغرب (لزيري ابن عطية) المذكور، وكتب إليه بعهده وأمره بضبط المغرب، فاستفحل ملكه

стр. 2393

وغلب على تلمسان. فملكها من يد أبي البهار الصنهاجي، وبعث بالفتح إلى المنصور بن أبي عامر فجدّد له العهد، واختطّ مدينة (وجدة) سنة أربع وثمانين، وأنزل بها عساكره. ثم فسد ما بين المنصور بن أبي عامر وبين زيري بن عطية، فعقد المنصور لمولاه واضح على المغرب، وعلى حرب زيري بن عطية، وجهّزه إليه في عساكره؛ ثم أتبعه المنصور ابنه المظفّر عبد الملك فاجتمعا على زيري بن عطية، ودارت بينهم الحرب فكانت الهزيمة على زيري وجرح في المعركة وفرّ إلى فاس فامتنع عليه أهلها، فلحق بالصحراء جريحا؛ وكتب عبد الملك بن المنصور بالفتح إلى أبيه فاستبشر به وكتب إلى ابنه (عبد الملك) بعهده على المغرب. وكان زيري بن عطية لمّا فرّ إلى الصحراء صرف وجهه إلى حرب صنهاجة بالمغرب الأوسط فقصده وفتح تاهرت وتلمسان وأعمالهما، وأقام الدعوة فيها لهشام بن عبد الملك خليفة الأندلس وحاجبه المنصور من بعده، وبقي على ذلك حتى مات سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة. وبويع من بعده ابنه (المعزّ بن زيري) فجرى على سنن أبيه من الدعاء لهشام بن عبد الملك والمنصور من بعده؛ ومات المنصور في خلال ذلك. وقام بأمره من بعده ابنه المظفّر (عبد الملك) وبعث المعزّ بن زيري يرغب إلى المظفّر في عمل فاس والمغرب الأقصى فأجابه إلى ذلك، وكتب له عهده بذلك، خلا سجلماسة فإنها كانت بيد خزرون «١» ؛ وبقي المعزّ في ولايته إلى أن هلك سنة سبع عشرة وأربعمائة. وولي من بعده ابن عمه (حمامة) بن المعز بن عطية واستفحل ملكه؛ ثم

стр. 2394

نازعه الأمير أبو الكمال (تميم بن زيري) بن يعلى اليفرني سنة أربع وعشرين وأربعمائة؛ واستقلّ بملك المغرب وبقي حتى مات سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة. وولي من بعده ابنه (دوناس) المعروف بأبي العطّاف، واستولى على فاس وسائر عمل أبيه، فاستقامت دولته، واحتفل بعمارة فاس وأدار السّور على أرباضها، وبنى بها المصانع، والحمّامات، والفنادق، وبقي حتى مات سنة إحدى وخمسين وأربعمائة. وولي من بعده ابنه (الفتّوح بن دوناس) ونازعه أخوه الأصغر عجيسة واستولى على عدوة القرويّين من فاس، وبقي الفتّوح بعدوة الأندلسيّين، وافترق أمرهما ووقعت الحرب بينهما؛ وابتنى الفتّوح بعدوة الأندلسيين (باب الفتوح) المعروف به إلى الآن، وابتنى عجيسة بعدوة القرويين (باب الجيسة) المعروف به إلى الآن، وحذفت العين منه لكثرة دورانه على الألسنة، وبقي الأمر على ذلك حتى ظفر الفتوح بأخيه عجيسة، وقتله سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة، ودهم المغرب على إثر ذلك ما دهمه من أمر المرابطين من لمتونة، وخشي الفتّوح عاقبة أمرهم، فرحل عن فاس وتركها. وزحف صاحب القلعة (بلكين) بن محمد بن حمّاد إلى المغرب سنة أربع وخمسين، فدخل فاس واسترهن بعض أشرافهم على الطاعة ورجع إلى عمله، وولّى على المغرب بعد الفتّوح (معتصر) بن حماد، بن معتصر، بن المعز، بن زيري.

стр. 2395

وزحف (يوسف بن تاشفين) «١» إلى فاس فملكها صلحا سنة خمس وخمسين وأربعمائة وخلّف عليها عامله، وارتحل إلى غمارة فخالفه معتصر إلى فاس وملكها وقتل العامل ومن معه من لمتونة، وبلغ الخبر يوسف بن تاشفين فأرسل العساكر إلى فاس وحاصرها، وخرج معتصر للقاء عساكره، فكانت الدائرة عليه وقتل في المعركة سنة ستين وأربعمائة. وبايع أهل فاس من بعده ابنه (تميم بن معتصر) فكانت أيامه أيام حصار وفتنة وشدّة وغلاء. ولما فرغ يوسف بن تاشفين من أمر عمارة سنة ثنتين وستين وأربعمائة قصد فاس فحاصرها أيّاما ثم افتتحها عنوة وقتل بها نحو ثلاثة آلاف من مغراوة وبني يفرن ومكناسة وقبائل زناتة وهلك تميم بن معتصر في جملتهم، وأمر يوسف بن تاشفين بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين العدوتين وصيّرهما مصرا واحدا وأدار عليهما سورا واحدا، وفرّ من خلص من القتل من مغراوة من فاس إلى تلمسان «٢» ، وانقرض ملكهم من الغرب الأقصى وتصاريف الأمور بيد الله تعالى. الطبقة السادسة (المرابطون من الملثّمين من البربر) كان الملثّمون من البربر من صنهاجة قبل الفتح الإسلامي متوطّنين في القفار وراء رمال الصّحراء: ما بين بلاد البربر وبلاد السّودان، في جملة قبائل صنهاجة على دين المجوسيّة؛ قد اتخذوا اللّثام شعارا يميّز بينهم وبين غيرهم من الأمم؛ والرياسة فيهم يومئذ للمتونة، ولم يزالوا على ذلك إلى أن كان فتح الأندلس واستمر ملكهم أيام عبد الرحمن «٣» أوّل خلفاء بني أمية بالأندلس.

стр. 2396

قال ابن أبي زرع: أوّل من ملك الصحراء من لمتونة (يتلوثان) وكان يركب في ألف نجيب «١» وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. وملك بعده (يلتان) فقام بأمرهم وتوفّي سنة سبع وثمانين ومائتين. وقام بأمرهم بعده ابنه (تميم) إلى سنة ستّ وثلاثمائة وقتله صنهاجة. ثم افترق أمرهم بعد تميم مائة وعشرين سنة إلى أن قام فيهم (أبو عبد الله بن نيفاوت) المعروف بتادشت اللّمتوني، وحجّ ومات لثلاثة أعوام من رياسته عليهم. وقام بأمرهم صهره (يحيى بن إبراهيم) فحج في سني أربعين وأربعمائة، وعاد وصحبته عبد الله بن ياسين الجزوليّ» ليعلّمهم الدّين، فلما مات يحيى بن إبراهيم اطّرحوا عبد الله بن ياسين واستعصوا عليه وتركوا الأخذ بقوله فاعتزلهم، ثم اجتمع عليه رجال من لمتونة فخرج فيهم وقاتل من استعصى عليه منهم حتّى أنابوا إلى الحق وسمّاهم «المرابطين» وجعل أمرهم في الحرب إلى الأمير يحيى بن عمر، بن واركوت، بن ورتنطق، بن المنصور، بن مرصالة، بن منصور، بن فرصالة، بن أميت، بن راتمال؛ بن تلميت، وهو لمتونة، فافتتحوا درعة وسجلماسة، واستعملوا عليها منهم، وعادوا إلى الصحراء، وهلك يحيى بن عمر سنة سبع وأربعين وأربعمائة. وولي مكانه أخوه (أبو بكر بن عمر) ثم افتتحوا بلاد السّوس سنة ثمان وأربعين ثم مدينة أغمات سنة تسع وأربعين، ثم بلاد المصامدة وجبال درن سنة خمسين، ثم استشهد عبد الله بن ياسين في بعض الغزوات سنة خمسين، واستمرّ أبو بكر بن عمر في إمارة قومه، وافتتح مدينة لواتة سنة ثنتين وخمسين، ثم ارتحل إلى الصحراء لجهاد السّودان واستعمل على المغرب ابن عمه (يوسف بن

стр. 2397

تاشفين) بن إبراهيم بن واركوت، فسار يوسف في عسكره من المرابطين ودوّخ أقطار المغرب، واختط مدينة مرّاكش سنة أربع وخمسين. ثم انتزع جبال زناتة بالمغرب من أيديهم، ثم افتتح فاس صلحا سنة خمس وخمسين ثم استعيدت بعد فتحها، ثم فتحها عنوة سنة اثنتين وستين وأربعمائة، وأمر بهدم الأسوار التي كانت فاصلة بين عدوتي القرويّين والأندلسيّين وصيرهما مصرا واحدا، ثم افتتح بعد ذلك مدينة تلمسان واستولى على الغرب الأقصى والغرب الأوسط، ثم صار إلى الأندلس واستولى على أكثر ممالكه كما سيأتي في ذكر مكاتبة صاحب الأندلس، ثم توفّي يوسف بن تاشفين على رأس المائة الخامسة. وقام بالأمر بعده ابنه (علي بن يوسف) فاستولى على ما كان بيد أبيه من العدوتين، وسار فيهم بأحسن السّيرة. ولأربع عشرة سنة من ولايته كان ظهور المهدي بن تومرت صاحب دولة الموحّدين. ومات عليّ بن يوسف سنة سبع وثلاثين، وقد ضعفت كلمة المرابطين بالأندلس لظهور الموحّدين. وقام بالأمر بعده ولده (تاشفين بن علي) وأخذ بطاعته وبيعته أهل العدوتين، وقد استفحل أمر الموحّدين وعظم شأنهم، ونزل تلمسان فقصده الموحّدون، ففرّ إلى وهران واتّبعه الموحدون، ففقد سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، واستولى الموحدون على الغرب الأوسط. ثم بويع بمرّاكش (إبراهيم بن تاشفين) ، بن علي، بن يوسف بن تاشفين، فألفوه عاجزا فخلعوه. وولّي مكانه عمه (إسحاق بن علي) بن يوسف بن تاشفين، وقد ملك الموحّدون جميع بلاد المغرب وقصدوه في مرّاكش، فخرج إليهم في خاصّته فقتلوه، وأجاز عبد المؤمن والموحّدون إلى الأندلس، فملكوه سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، وفرّ أمراء المرابطين في كلّ وجه.

стр. 2398

الطبقة السابعة (ملوك الموحّدين) كان أوّل أمرهم أن المهديّ محمد بن تومرت، كان إماما متضلّعا بالعلوم، قد حجّ ودخل العراق واجتمع بأئمته من العلماء والنّظّار، كالغزاليّ [وإلكيا الهرّاسي] «١» وغيرهما، وأخذ بمذهب الأشعريّة أهل السنة، ورجع إلى الغرب وأهله يومئذ على مذهب أهل الظاهر في منع التأويل، فاجتمع إليه قبائل المصامدة من البربر وجعل يبثّ فيهم عقائد الأشعريّة، وينهى عن الجمود على الظاهر، وسمّي أتباعه الموحدين، تعريضا بتكفير القائلين بالتجسيم الذي يؤدّي إليه الوقوف على الظاهر. وكان الكهّان يتحدّثون بظهور دولة بالمغرب لأمّة من البربر، وصرفوا القول في ذلك إليه، ودعا المصامدة إلى بيعته على التوحيد وقتال المجسّمين سنة خمس عشرة وخمسمائة فبايعوه على ذلك. ولما كملت بيعته لقّبوه المهدي، وكان قبل ذلك يلقّب الإمام، وأخذوا في قتال المرابطين من لمتونة حتّى استقاموا على الطاعة. وتوفّي المهديّ سنة ثنتين وعشرين وخمسمائة. وقام بالأمر بعده (عبد المؤمن) بن عليّ بعهده إليه. فكان من أمره ما تقدّم من استيلائه على العدوتين وانقراض ملك المرابطين بهما، وكان ذلك من سنة أربع وثلاثين وخمسمائة إلى سنة إحدى وأربعين. ثم صرف همّه إلى بجاية وأفريقيّة فافتتحهما، واستخلص المهديّة والبلاد الساحلية التي كانت النصارى قد

стр. 2399

استولوا عليها من أيديهم واستولى على سائر بلاد أفريقيّة، وعاد إلى الغرب في سنة ستّ وخمسين وخمسمائة. وتوفّي بسلا من الغرب الأقصى في جمادى الآخرة سنة ثمان وخمسين. وبويع بعده ابنه أبو يعقوب (يوسف بن عبد المؤمن) فاستولى على ما كان بيد أبيه من العدوتين وأفريقيّة، واشتغل بإصلاح الممالك وجهاد العدوّ، وأجاز إلى الأندلس لجهاد النصارى، وقتل في بعض غزواته فيه بسهم أصابه. وقيل مرض فمات سنة ثمانين وخمسمائة. وبويع ابنه (يعقوب بن يوسف) بإشبيلية عقب وفاته وتلقّب بالمنصور، فاستولى على ما كان بيد أبيه من الممالك إلى الأندلس، وكان له مع العدو وقائع، ومرض بالأندلس فمات سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وبويع ابنه (محمد) وليّ عهده وتلقّب الناصر لدين الله، ورجع إلى بلاد المغرب. وفي أيامه ثار (ابن غانية) «١» على أفريقيّة وتغلّب عليها، وولّى أبا محمد ابن الشيخ أبي حفص عليها، فاستقرّت بها قدم بنيه إلى الآن، وأجاز إلى الأندلس ونزل إشبيلية، والتقى مع العدوّ في صفر سنة تسع وستمائة، وابتلي المسلمون في ذلك اليوم ورجع إلى مرّاكش فمات في شعبان من السنة المذكورة. وبويع ابنه (يوسف بن محمد) سنة إحدى عشرة وستمائة، وهو ابن ستّ عشرة سنة، ولقّب المستنصر بالله، وتأخّر أبو محمد ابن الشيخ أبي حفص عن بيعته لصغر سنه، وغلب عليه مشيخة الموحّدين فقاموا بأمره. وبقي المستنصر حتّى مات يوم الأضحى سنة «٢» ست وعشرين وستمائة.

стр. 2400

وبويع بعده أبو محمد (عبد الواحد بن يوسف) بن عبد المؤمن، وهو أخو المنصور ويعرف (بالمخلوع) . وكان الوالي بالمرسية من الأندلس أبو محمد عبد الله بن يعقوب بن المنصور، بن يوسف، بن عبد المؤمن. فثار بالأندلس ودعا لنفسه وتلقّب (العادل) . واتصل الخبر بمرّاكش فاضطرب الموحّدون على (المخلوع) وبعثوا ببيعتهم إلى العادل بالأندلس، وبادر العادل إلى مرّاكش فدخلها وبقي حتّى قتل بها أيام الفطر سنة أربع وعشرين وستّمائة. وكان أخوه (إدريس بن المنصور) بإشبيلية من الأندلس فدعا لنفسه وبويع وبعث الموحّدون ببيعتهم إليه، ثم قصد مرّاكش فهلك في طريقه بوادي أمّ ربيع مفتتح سنة ثلاثين وستمائة، وتغلب ابن هود على سبتة. وبويع بعده ابنه (المأمون عبد الواحد بن إدريس) فلقّب الرشيد، ودخل إلى مرّاكش فبايعوه، وبقي حتّى توفّي سنة أربعين وستمائة. وبويع بعده أخوه (أبو الحسن عليّ السعيد) ولقّب المعتضد بالله، وقام بالأمر ثم سار إلى تلمسان فكان بها مهلكه على يد بني عبد الواد في صفر سنة ستّ وأربعين وستمائة، وكان فيها استيلاء النصارى على إشبيلية. ثم اجتمع الموحّدون على بيعة (أبي حفص) عمر «١» بن أبي إسحاق بن يوسف، بن عبد المؤمن، فبايعوه ولقّب (المرتضى) وكان بسلا فقدم إلى مرّاكش. وفي أيامه استولى أبو يحيى بن عبد الحق المرينيّ جدّ السلطان أبي الحسن على مدينة فاس سنة سبع وأربعين وستمائة، واستبدّ العزفيّ بسبتة. ثم انتقض على المرتضى قائد حروبه (أبو العلاء) الملقّب بأبي دبّوس، بن أبي عبد الله محمد، بن أبي حفص، بن عبد المؤمن، ففرّ منه واجتمع عليه جموع

стр. 2401

من الموحّدين وقصد مرّاكش وبها المرتضى فغلبه عليها، والتقيا وفرّ المرتضى إلى أزمّور فقبض عليه واليها واعتقله إلى أن ورد أمر [أبي دبّوس] «١» بقتله فقتله، واستقلّ أبو دبّوس بالأمر وتلقّب (الواثق بالله) والمعتمد على الله. ثم جمع يعقوب «٢» بن عبد الحق وقصد مرّاكش فخرج إليه أبو دبّوس، فكانت الهزيمة على أبي دبوس، ففرّ هاربا فأدرك وقتل، ودخل يعقوب بن عبد الحق مرّاكش وملكها سنة ثمان وستين وستمائة، وفرّ مشيخة الموحدين إلى معاقلهم بعد أن كانوا بايعوا عبد الواحد بن أبي دبّوس ولقّبوه المعتصم، فأقام خمسة أيام، وخرج في جملتهم، وانقرض أمر بني عبد المؤمن، ولم يبق للموحدين ملك إلا بأفريقيّة لبني أبي حفص على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. الطبقة الثامنة (ملوك بني عبد الحق من بني مرين، القائمون بها إلى الآن) وهو عبد الحق بن محيو، بن أبي بكر، بن حمامة، بن محمد، بن ورزيز، ابن فكّوس، بن كوماط، بن مرين، بن ورتاجن، بن ماخوخ، بن جديح، بن فاتن، بن بدر، بن نجفت، بن عبد الله، بن ورتبيص، بن المعز، بن إبراهيم، بن رجيك، بن واشين، بن بصلتن، بن مشد، بن إكيا، بن ورسيك، بن أديدت، بن جانا، وهو زناتة. كانت منازل بني مرين ما بين فيكيك إلى صاوملوية، وكانت الرياسة فيهم (لمحمد) بن ورزيز بن فكّوس. ولما هلك محمد قام بأمره من بعده ابنه (حمامة) ثمّ من بعده أخوه (عسكر) ولما هلك قام برياسته ابنه (المخضب) فلم يزل أميرا عليهم إلى أن قتل في حرب

стр. 2402

الموحّدين في سنة أربعين وخمسمائة. وقام بأمرهم من بعده (أبو بكر ابن عمه حمامة بن محمد) وبقي حتّى هلك. فقام من بعده ابنه (محيو) ولم يزل حتّى أصابته جراحة في بعض الحروب، وهو في عداد المنصور بن عبد المؤمن، هلك منها بعد مرجعه إلى الزّاب سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. وقام برياسته ابنه (عبد الحق بن محيو) وكان أكبر أولاده، وهو الذي تنسب إليه ملوك فاس الآن. فأحسن السّير في إمارته إلى أن كانت أيام المستنصر يوسف ابن الناصر: خامس خلفاء بني عبد المؤمن فثارت الفتنة بينه وبين بني مرين، وكانت بينهم حروب هلك في بعضها عبد الحق بن محيو. ونصّب بنو مرين بعده ابنه أبا سعيد (عثمان بن عبد الحق) وشهرته بينهم ادرغال، ومعناه بلغتهم الأعور، وقوي سلطانه وغلب على ضواحي المغرب، وضرب الإتاوة عليهم وتابعه أكثر القبائل، وفرض على أمصار المغرب مثل فاس وتازا وغيرهما ضربية معلومة في كل سنة على أن يكفّ الغارة عنهم. ولم يزل على ذلك إلى أن قتله علج من علوجه سنة سبع وثلاثين وستمائة. وقام بأمر بني مرين من بعده أخوه (محمد بن عبد الحق) فجرى على سنن أخيه في الاستيلاء على بلاد المغرب، وضرب الإتاوة على بلاده ومدنه إلى أن كانت أيام السعيد بن المأمون من بني عبد المؤمن، فجهّز عساكر الموحدين لقتال بني مرين، فخرجوا إليهم في جيش كثيف في سنة ثنتين وأربعين وستمائة، ودارت الحرب بينهم فكانت الهزيمة على بنى مرين، وقتل محمد بن عبد الحق. وقام بأمرهم من بعده ابنه «١» أبو يحيى (زكريّا بن عبد الحق) وقسم جبايته ببلاد المغرب في عشائر بنى مرين، ودارت الحرب بينهم وبين الموحّدين، إلى

стр. 2403

أن مات السعيد بن المأمون من بني عبد المؤمن، وانتقل الأمر بعده إلى ابنه عبد الله، فضعفت دولة بني عبد المؤمن. واستولى (أبو يحيى) بن عبد الحق على أكثر بلاد المغرب، وقصد فاس وبها بعض بني عبد المؤمن فأناخ عليها وتلطّف بأهلها، ودعاهم إلى الدّعوة الحفصيّة بأفريقيّة، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه خارج باب الفتوح. ودخل إلى قصبة فاس لشهرين من موت السعيد في أوّل سنة ستّ وأربعين وستمائة، وبايعه أهل تازا وأهل سلا ورباط الفتح، واستولى على نواحيها، وأقام فيها الدّعوة الحفصيّة، واستبدّ بنو مرين بملك المغرب الأقصى، وبنو عبد الواد بملك المغرب الأوسط. وملك سجلماسة سنة ثلاث وخمسين وستمائة من أيدي عامّة الموحّدين وبقي حتّى هلك بفاس في رجب سنة ستّ وخمسين وستمائة، ودفن بمقبرة باب الفتوح. وتصدّى للقيام بأمره ابنه (عمر) ومال أهل الحلّ والعقد إلى عمّه أبي يوسف يعقوب بن «١» عبد الحق، وكان غائبا بتازا فقدم ثم وقع الصلح بينهما على أن ترك يعقوب الأمر لابن أخيه عمر على أن يكون له تازا وبلادها، ثم وقع الخلف بينهما والتقيا فهزم عمر ثم نزل لعمه يعقوب عن الأمر. ورحل السلطان أبو يوسف (يعقوب بن عبد الحق) فدخل فاس مملّكا، ثم هلك عمر بعد سنة، فكفي يعقوب شأنه واستقام سلطانه، وأخذ في افتتاح أمصار المغرب. وافتتح أمره باستنقاذ مدينة سلا من أيدي النصارى، ثم قصد إلى مرّاكش فخرج إليه الخليفة المرتضى من بني عبد المؤمن، وكانت بينهما حرب هزم فيها المرتضى وقتل، وبايع الموحدون أخاه (إسحاق) ثم قبض عليه سنة أربع وستين وستمائة فقتل فيمن معه، وانقرض أمر بني عبد المؤمن من المغرب. ووصل السلطان أبو يوسف إلى مرّاكش أوّل سنة ثمان وستين وستمائة

стр. 2404

فدخلها، وورث ملك الموحدين بها، ثم رجع إلى فاس بعد أن استخلف على مرّاكش في شوّال من سنته، وشرع في بناء المدينة التي استجدّها ملاصقة لمدينة فاس في ثالث شوّال سنة أربع وسبعين وستمائة، ونزل فيها بحاشيته وذويه، وغزا في خلال ذلك النصارى بالأندلس أربع مرّات حتّى أذعن له شانجة بن أدفونش، وسأله في عقد السلّم له فعقد له على شروط اشترطها عليه، وعاد إلى بلاد المغرب فمرض ومات في آخر المحرّم سنة خمس وثمانين وستمائة. وبويع بعده ابنه وليّ عهده أبو يعقوب (يوسف بن يعقوب) فجرى على سنن أبيه في العدل والغزو، وأجاز إلى الأندلس، وجدّد السلم مع شانجة ملك النصارى. وغزا تلمسان مرّات وبقي حتّى طعنه خصيّ من خدمه، وهو نائم على فراشه، فمات سابع ذي القعدة سنة ستّ وسبعمائة. وبويع بعده ابنه أبو ثابت (عامر بن أبي يعقوب يوسف) واختلفت عليه النّواحي، ثم استقام أمره وبقي حتّى انتقض عليه عثمان بن أبي العلاء «١» ، بنواحي طنجة من أقصى الغرب، فخرج لقتاله ومرض في طنجة ومات في ثامن صفر سنة سبع وسبعمائة. وبويع بعده أخوه (أبو الرّبيع بن أبي يعقوب يوسف) فأحسن السّيرة، وأجزل الصّلات، وسار بسيرة آبائه وبقي حتّى مات بمدينة تازا في سلخ جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة ودفن بصحن جامعها. وبويع بعده أخوه أبو سعيد (عثمان بن أبي يعقوب يوسف) فلما استقام أمره

стр. 2405

بالغرب الأقصى سار إلى تلمسان سنة أربع عشرة وسبعمائة فانتزعها من موسى بن عثمان بن يغمراس: سلطان بني عبد الواد بها، وانتقض عليه محمد بن يحيى العزفي صاحب سبتة فسار إليه في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة فأذعن للطاعة، وأحضر عبد المهيمن بن محمد الحضرمي «١» من سبتة وولاه ديوان الإنشاء والعلامة. وفي أيامه قصد بطرة وجوان ملك النصارى بالأندلس غرناطة. فاستغاثوا به، فأجاز البحر إليهم ولقي عساكر النصارى فهلك بطرة وجوان في المعركة وكانت النّصرة للمسلمين. وتوفّي في ذي الحجّة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة. وبويع بعده ابنه وليّ عهده أبو الحسن (علي بن عثمان) وهو الذي كان في عصر المقرّ الشهابيّ بن فضل الله. وسار إلى تلمسان سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، فملكها من ابن أبي تاشفين سلطان بني عبد الواد بها بعد أن قتله بقصره. وملك تونس من يد أبي يحيى سلطان الحفصيين بها في جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، واتصل ملكه ما بين برقة إلى السّوس الأقصى والبحر المحيط الغربي، ثم استرجع الحفصيّون تونس بعد ذلك. وملك بعد ذلك سجلماسة قاعدة من بلاد الصحراء بالغرب الأقصى، وبقي حتّى مات في الثالث والعشرين من ربيع الآخر سنة ثنتين وخمسين وسبعمائة بجبل هنتاتة. وبويع بعده ابنه (أبو عنان بن أبي الحسن) وكان بنو عبد الواد قد استعادوا تلمسان في أيام أبيه فارتجعها منهم في سنة ثلاث وخمسين، ونزل له الأمير محمد ابن أبي زكريا صاحب بجاية عنها فانتظمت في ملكه. وملك قسنطينة من الحفصيّين بعد ذلك بالأمان. ثم ملك تونس من أيديهم سنة ثمان وخمسين. ورجع

стр. 2406

إلى المغرب فارتجع الحفصيّون تونس وسائر بلاد أفريقيّة وبقي حتى توفي في ذي الحجة سنة تسع وخمسين. وكان ابنه (أبو زيّان) وليّ عهده فعدل عنه إلى ابنه (السّعيد بن أبي عنان) واستولى عليه الحسن بن عمر وزير أبيه فحجبه في داره، واستقلّ بالأمور دونه. وتغلب أبو حمو سلطان بني عبد الواد على تلمسان فانتزعها من يده في سنة ستين وسبعمائة. ثم خرج على السعيد بن أبي عنان عمّه أبو سالم (إبراهيم بن أبي الحسن) وكان بالأندلس فجاء إليه بالأساطيل، واجتمع إليه العساكر، ووصل إلى فاس، وخلع الحسن بن عمر سلطانه السعيد عن الأمر، وأسلمه إلى عمّه أبي سالم وخرج إليه فبايعه، ودخل فاس في منتصف شعبان سنة ستين وسبعمائة، واستولى على ملك المغرب، وقصد تلمسان فأجفل عنها أبو حمو سلطان بني عبد الواد فدخلها بالأمان في رجب سنة إحدى وستين وسبعمائة، فأقرّ بملكها حفيدا من أحفاد بني عبد الواد يقال له أبو زيّان، ورجع إلى فاس في شعبان من سنته. وعاد أبو حمو إلى تلمسان فملكها من أبي زيّان. وبنى إيوانا فخما بفاس بجانب قصره، وانتقل إليه، وفوّض أمر القلعة إلى عمر بن عبد الله بن عليّ من أبناء وزرائهم، فعمد إلى أبي عمر (تاشفين الموسوس) ابن السلطان أبي الحسن فأجلسه على أريكة الملك، وبايعه في ذي القعدة سنة ثنتين وستين وسبعمائة. وأفاض العطاء في الجند. وأصبح السلطان أبو سالم فوجد الأمر على ذلك ففرّ بنفسه، فأرسل عمر بن [عبد الله بن] «١» عليّ في أثره من قبض عليه واحتزّ رأسه وأتى بها إلى فاس. ثم أنكر أهل الدولة على عمر بن عبد الله ما وقع منه من نصب أبي عمر المذكور لضعف عقله، فأعمل فكره فيمن يصلح للملك فوقع رأيه على (أبي

стр. 2407

زيّان محمد ابن الأمير عبد الرحمن) ابن السلطان أبي الحسن. وكان قد فزع إلى ملك النصارى بإشبيلية من الأندلس، فأقام عنده خوفا من السلطان أبي سالم، فبعث إليه من أتى به، وخلع أبا عمر من الملك، وبعث إليه بالآلة والبيعة من تلقّاه بطنجة. ورحل إلى فاس في منتصف شهر صفر سنة ثلاث وستين وسبعمائة، ودخل إلى قصر الملك، فأقام به والوزير عمر بن عبد الله مستبدّ عليه لا يكل إليه أمرا ولا نهيا وحجره من كل وجه، فثقل ذلك على السلطان أبي زيّان، وأمر بعض أصحابه في الفتك بالوزير عمر، فبلغ الخبر الوزير فدخل على السلطان من غير إذن على ما كان اعتادة منه، وألقاه في بئر وأظهر للناس أنه سقط عن ظهر فرسه وهو ثمل في تلك البئر. واستدعى من حينه (عبد العزيز) ابن السلطان أبي الحسن من بعض الدّور بالقلعة، فحضر القصر وجلس على سرير الملك، ودخل عليه بنو مرين فبايعوه وكمل أمره، وذلك في المحرم سنة ثمان وستين وسبعمائة، واستبدّ عليه كما كان مستبدّا على من قبله، فحجره ومنعه من التصرّف في شيء من أمره، ومنع الناس أن يسألوه في شيء من أمورهم، فثقل ذلك عليه غاية الثّقل، وأكنّه في نفسه إلى أن استدعاه يوما فدخل عليه القصر، وكان قد أكمن له رجالا بالقصر، فخرجوا عليه وضربوه بالسيوف حتّى مات. واستقلّ السلطان عبد العزيز بملكه، وقصد تلمسان فملكها من يد أبي حمو سلطان بني عبد الواد بالأمان بعد إجفال أبي حمو عنها. ودخلها يوم عاشوراء سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. وارتحل عنها آخر المحرّم إلى الغرب ووصل إلى فاس، ثم عاد إلى تلمسان وخرج منها يريد المغرب، فمرض ومات في الثاني والعشرين من ربيع الآخر سنة أربع وسبعين وسبعمائة. وبويع بعده ابنه (سعيد بن عبد العزيز) وهو طفل، وقام بأمره وزيره أبو بكر بن غازي ورجعوا به إلى المغرب ودخل إلى فاس وجدّدت له البيعة بها، واستبدّ عليه الوزير أبو بكر، وحجره عن التصرّف في شيء من أمره لصغره. ورجع أبو حمو سلطان بني عبد الواد إلى تلمسان فملكها في جمادى سنة أربع وسبعين وسبعمائة.

стр. 2408

وخرج عليه (أبو العباس أحمد بن أبي سالم) وكان بالأندلس فأجاز البحر وسار إلى فاس فملكها. ودخلها أوّل المحرّم سنة ستّ وسبعين وسبعمائة، واستقلّ بملك المغرب، وكان ذلك بموالاة ابن الأحمر صاحب الأندلس فاتّصلت بينهما بذلك الصّحبة، وتأكّدت المودّة، وتخلّى عن مرّاكش لعبد الرحمن، وكان بينهما صلح وانتقاض تارة وتارة، وقصد تلمسان فملكها من أبي حمو بعد فراره عنها، وأقام بها أياما وهدم أسوارها وخرج منها في أتباع أبي حمو. وخالفه السلطان (موسى) ابن عمه أبي عنان إلى فاس فملكها، ونزل دار الملك بها في ربيع الأوّل سنة ستّ وثمانين وسبعمائة، وقدم السلطان أبو العباس إلى فاس، فوجد موسى ابن عمه قد ملكها ففرّ عنها إلى تازا، ثم أرسل إلى السلطان موسى بالطاعة والإذعان، فأرسل من أتى به إليه، فقيّده وبعث به إلى الأندلس واستقلّ السلطان موسى بملك المغرب، وتوفي [لثلاث سنين من خلافته] «١» وبويع بعده (المنتصر ابن السلطان أبي العباس) فلم يلبث أن خرج عليه (الواثق محمد بن أبي الفضل) ابن السلطان (أبي الحسن) من الأندلس، فسار إلى فاس ودخلها وحلّ بدار الملك بها، وبويع في شوّال سنة ثمان وثمانين وسبعمائة. وبعث المنتصر إلى أبيه أبي العبّاس بالأندلس فأجاز السلطان أبو العبّاس من الأندلس إلى سبتة، فملكها في صفر سنة تسع وثمانين وسبعمائة، ثم استنزله عنها ابن الأحمر صاحب الأندلس وانتظمها في ملكه، ثم ظهرت دعوة السلطان أبي العبّاس بمرّاكش واستولى جنده عليها، ثم سار إليها ابنه المنتصر وملكها، وسار السلطان أبو العباس إلى فاس فملكها ودخل البلد الجديد بها خامس رمضان سنة تسع وثمانين وسبعمائة لثلاثة أعوام وأربعة أشهر من خلعه، وبعث بالواثق إلى الأندلس ثم أمر بقتله فقتل في طريقه بطنجة.

стр. 2409

وكان أبو حمو صاحب تلمسان قد مات واستولى عليها بعده ابنه (أبو تاشفين) قائما بدعوة أبي العبّاس صاحب فاس، ومات أبو تاشفين وأقيم ابنه طفلا فيها، ثم قتله عمّه يوسف بن أبي حمو، وجهّز السلطان أبو العباس ابنه (أبا فارس عثمان) فملكها وأقام فيها دعوة أبيه، وتوفّي السلطان أبو العباس بمدينة تازا في المحرّم سنة ست وتسعين وسبعمائة، واستدعوا ابنه أبا فارس فبايعوه بتازا، ورجعوا به إلى فاس، وأطلقوا أبا زيّان بن أبي حمو من الاعتقال وبعثوا به إلى تلمسان. وبقي أبو فارس في مملكة الغرب إلى الآن: وهو السلطان أبو فارس: عثمان ابن السلطان أبي العباس أحمد، ابن السلطان أبي سالم إبراهيم، ابن السلطان أبي الحسن علي، ابن السلطان أبي سعيد عثمان، ابن السلطان أبي يوسف يعقوب، بن عبد الحق. المقصد الرابع (في بيان ترتيب هذه المملكة، وفيه تسع (عشر) جمل) الجملة الأولى (في ذكر الجند، وأرباب الوظائف: من أرباب السّيوف والأقلام، ومقادير الأرزاق الجارية عليهم، وزيّ السلطان، وترتيب حاله في الملك) أما الجند، فأشياخ كبار وأشياخ صغار، وهم القائمون مقام الأمراء الطّبلخانات بمصر على ما تقدّم في أفريقيّة، ولا يعرف بها أمير له عدّة كما بمصر والشام وإيران، ولا يطلق اسم الإمرة عندهم على أحد من الجند بحال. ثم بعد الأشياخ عامّة الجند من الأندلسيّين وغيرهم، والعلوج من الفرنج، على ما تقدّم في مملكة أفريقيّة من غير فرق في الترتيب، والوزراء والقضاة وأرباب الوظائف على نحو ما تقدّم في أفريقيّة. الجملة الثانية (في زيّ السلطان والأشياخ وأرباب الوظائف في اللّبس) أما زيّ السلطان والأشياخ وعامّة الجند، فإنهم يتعمّمون بعمائم طوال،

стр. 2410

قليلة العرض من كتّان، ويعمل فوقها إحرامات يلفّونها على أكتافهم، ويتقلّدون السّيوف تقليدا بدويّا، ويلبسون الخفاف في أرجلهم (وتسمّى عندهم الأنمقة) كما في أفريقيّة، ويشدّون المهاميز «١» فوقها، ويتّخذون المناطق وهي (الحوائص) ويعبّرون عنها بالمضمّات من فضّة أو ذهب. وربما بلغت كلّ مضمّة منها ألف مثقال، ولكنهم لا يشدّونها إلا في يوم الحرب أو يوم التمييز: وهو يوم عرضهم على السلطان. ويختصّ السلطان بلبس البرنس الأبيض الرفيع، لا يلبسه ذو سيف غيره. أما العلماء وأهل الصّلاح فإنه لا حرج عليهم في ذلك، ولا حرج في غير الملوّن «٢» البيض من البرانس على أحد. وأما زيّ القضاة والعلماء والكتّاب وعامّة الناس، فقريب من لبس الجند. إلا أنّ عمائمهم خضر، ولا يلبس أحد منهم الأنمقة: وهي الأخفاف في الحضر ولا يمنع أحد منهم من لبسها في السّفر. الجملة الثالثة (في الأرزاق المطلقة من قبل السلطان على أهل دولته) أما رزق الأجناد ففي «مسالك الأبصار» عن السّلايحي: أن للأشياخ الكبار الإقطاعات الجارية عليهم: لكلّ واحد منهم في كل سنة عشرون ألف مثقال من الذهب، يأخذها من قبائل، وقرى، وضياع، وقلاع، ويتحصّل له من القمح والشعير والحبوب من تلك البلاد نحو عشرين ألف وسق. ولكلّ واحد مع الإقطاع الإحسان في رأس كل سنة وهو حصان بسرجه ولجامه، وسيف ورمح محلّيان، وسبنيّة: وهي بقجة قماش فيها ثوب طرد وحش مذهب سكندريّ، ويعبّرون عن هذا الثوب بالزّردخاناه، وثوبان بياض من الكتّان عمل أفريقيّة،

стр. 2411

وإحرام وشاش طوله ثمانون ذراعا، وقصبتان من ملف وهو الجوخ. وربما زيد الأكابر على ذلك، وربما نقص من هو دون هذه الرتبة. وللأشياخ الصّغار من الإقطاع والإحسان نصف ما للأشياخ الكبار مع الحصان المسرج الملجم والسيف والرّمح والكسوة، ومنهم من لا يلحق هذه الرتبة فيكون أنقص. ومن عدا الأشياخ من الجند على طبقات: فالمقرّبون إلى السلطان يكون لكلّ واحد منهم ستّون مثقالا من الذهب في كلّ شهر، وقليل ما هم، ومن دون ذلك يكون له في الشهر ثلاثون مثقالا ثم ما دونها، إلى أن يتناهى إلى أقلّ الطبقات وهي ستة مثاقيل في كل شهر. وليس لأحد منهم بلد ولا مزدرع «١» وأما قاضي القضاة، فله في كلّ يوم مثقال من الذهب، وله أرض يسيرة، يزرع بها ما تجيء منه مؤونته وعلق دوّابه. وأما كاتب السّر، فله في كلّ يوم مثقالان من الذهب، وله محيّران (يعني قريتين) يتحصّل له منهما متحصّل جيّد، مع رسوم كثيرة له على البلاد ومنافع وإرفاقات، ولكلّ واحد من كاتب السّر وقاضي القضاة في كل سنة بغلة بسرجها ولجامها، وسبنيّة قماش برسم كسوته كما للأشياخ. الجملة الرابعة (في جلوس السلطان في كلّ يوم) قال السلايحي: من عادة سلطانهم أن يجلس في بكرة كلّ يوم، ويدخل عليه الأشياخ الكبار فيسلّموا عليه، فيمدّ لهم السماط «٢» ثرائد «٣» في جفان «٤» حولها

стр. 2412

طوافير: وهي المخافي، فيها أطعمة ملوّنة منوّعة، ومع ذلك الحلوى: بعضها مصنوع بالسّكّر، ومعظمها مصنوع بالعسل والزّيت، فيأكلون ثم يتفرّقون إلى أماكنهم. وربما ركب السلطان بعد ذلك والعسكر معه وقد لا يركب. أما أخريات النهار فإن الغالب أن يركب بعد العصر في عسكره ويذهب إلى نهر هناك، ثم يخرج إلى مكان فسيح من الصّحراء، فيقف به على نشز من الأرض، وتتطارد الخيل قدّامه، وتتطاعن الفرسان، وتتداعى الأقران، وتمثّل الحرب لديه، وتقام صفوفها على سبيل التمرين حتّى كأنها يوم الحرب حقيقة، ثم يعود في موكبه إلى قصره، وتتفرّق العساكر، وتحضر العلماء وفضلاء الناس وأعيانهم إلى محاضرته حينئذ، فيمدّ لهم سماط بين يديه فيأكلون ويؤاكلهم. ثم يأخذ كاتب السرّ في قراءة القصص والرّقاع والكلام في المهمّات، ويبيت عنده من يسامره من الفضلاء في بعض الليالي، وربما اقتضت الحال مبيت كاتب السر فيبيت عنده. الجملة الخامسة (في جلوسه للمظالم) قال السلايحي: قد جرت عادة من له ظلامة أن يرتقب السلطان في ركوبه في موكبه (يعني يوم جلوسه للمظالم) فإذا اجتاز به السلطان صاح من بعد «لا إله إلا الله انصرني نصرك الله!» فتؤخذ قصته وتدفع لكاتب السرّ، فإذا عاد جلس في قبّة معيّنة لجلوسه، ويجلس معه أكابر أشياخه مقلّدين السّيوف، ويقف من دونهم على بعد، مصطفّين متكئين على سيوفهم، ويقرأ كاتب السرّ قصص أصحاب المظالم وغيرها فينظر فيها بما يراه. الجملة السادسة (في شعار السلطان بهذه المملكة) منها علم أبيض حرير مكتوب فيه بالذهب نسيجا بأعلى دائره آيات من القرآن، يسمّونه العلم المنصور كما في أفريقيّة. وربما عبّر عنه هؤلاء بسعد الدولة، يحمل بين يديه في المواكب.

стр. 2413

ومنها- أعلام دونه مختلفة الألوان تحمل معه أيضا. ومنها- سيف ورمح ودرقة. يحملن بين يديه في المواكب أيضا: يحملها ثلاثة من خاصّته من وصفانه أو من أبناء خدم سلفه. ومنها- أطبار تحمل حوله. ويعبّرون عنها بالطّبرزينات، يحملها أكابر قوّاد علوجه من الفرنج ورجال من الأندلسيين خلفه وقدّامه. ومنها- رماح طوال وقصار. يحملها خمسون رجلا مشاة بين يديه مشدودي الأوساط بيد كلّ واحد منهم رمحان: رمح طويل ورمح قصير، وهو متقلّد مع ذلك بسيف. ومنها- الجنائب. وهي خيل تقاد أمامه، عليها سروج مخروزة بالذهب كالزّركش وركبها ذهب كل ركاب زنته ألف دينار، وعليها ثياب سروج من الحرير مرقومة بالذهب، ويعبّرون عن الجنائب بالمقادات، وعن ثياب السّروج بالبراقع. ومنها- الطبول تدقّ خلف ساقته وهي من خصائص السلطان ليس لأحد من الناس أن يضرب طبلة غيره حتّى يمنع من ذلك أصحاب الحلق. ومنها- البوقات مع الطبل على العادة. الجملة السابعة (في ركوبه لصلاة العيد) قال السلايحي: وفي ليلة العيدين ينادي والي البلد في أهلها بالمسير، ويخرج أهل كلّ سوق ناحية، ومع كل واحد منهم قوس أو آلة سلاح، متجمّلين بأحسن الثياب، ويبيت الناس تلك الليلة أهل كل سوق بذاتهم خارج البلد، ومع أهل كل سوق علم يختصّ بهم، عليه رنك أهل تلك الصناعة بما يناسبهم. فإذا ركب السلطان بكرة اصطفّوا صفوفا يمشون قدّامه، ويركب السلطان ويركب العسكر معه ميمنة وميسرة والعلوج خلفه ملتفّون به، والأعلام منشورة وراءه، والطبول خلفها حتّى يصلّي ثم يعود، فينصرف أرباب الأسواق إلى بيوتهم، ويحضر طعام السلطان خواصّه وأشياخه.

стр. 2414

الجملة الثامنة (في خروج السلطان للسّفر) من عادة هذا السلطان إذا سافر أن يخرج من قصره وينزل بظاهر بلده، ثم يرتحل من هناك فيضرب له طبل كبير قبيل الصبح إشعارا بالسفر، فيتأهّب الناس ويشتغل كلّ أحد بالاستعداد للرحيل. فإذا صلّى صلاة الصبح ركب الناس على قبائلهم في منازلهم المعلومة، ووقفوا في طريق السلطان صفّا إلى صفّ، ولكل قبيل رجل علم معروف به ومكان في الترتيب لا يتعدّاه، فإذا صلّى السلطان الصبح قعد أمام الناس، ودارت عليه عبيده ووصفانه ونقباؤه، ويجلس ناس حوله يعرفون بالطلبة يجري عليهم ديوانه، يقرأون حزبا من القرآن، ويذكرون شيئا من الحديث النبويّ، على قائله أفضل الصلاة والسلام!. فإذا أسفر الصبح ركب وتقدّم أمامه العلم الأبيض المعروف بالعلم المنصور، وبين يديه الرّجّالة بالسلاح والخيل المجنوبة، بثياب السّروج الموشيّة، ويعبّرون عن ثياب السروج بالبراقع. وإذا وضع السلطان رجله في الرّكاب، ضرب على طبل كبير يقال له تريال ثلاث ضربات إشعارا بركوبه. ثم يسير السلطان بين صفّي الخيل ويسلّم كلّ صفّ عليه بأعلى صوته «سلام عليكم» ويكتنفانه يمينا وشمالا، وتضرب جميع الطبول التي تحت البنود الكبار الملوّنة خلف الوزير على بعد من السلطان، ولا يتقدّم أمام العلم الأبيض إلا من يكون من خواصّ علوج السلطان، وربما أمرهم بالجولان بعضهم على بعض، ثم ينقطع ضرب الطبول إلى أن يقرب من المنزل. وإذا ركب السلطان لا يسايره إلا بعض كبار الأشياخ من بني مرين أو بعض عظماء العرب، وإذا استدعى أحدا لا يأتيه إلا ماشيا، ثم ربما حدّثه وهو يمشي، وربما أكرمه فأكرمه بالركوب. فإذا قرب السلطان من المنزل تقدّمت الزّمّالة: وهم الفرّاشون، ويضربون شقّة من الكتّان في قلبها جلود يقوم بها عصيّ وحبال من القصب في أوتاد، وتستدير على كثير من الأخبية وبيوت الشّعر الخاصّة به وبعياله وأولاده الصّغار، تكون هذه الشّقّة كالمدينة لها أربعة أبواب في كل جهة باب،

стр. 2415

وهذه الشّقّة هي المعبّر عنها في الديار المصرية بالحوش، ويحفّ به عبيده وعلوجه ووصفانه، ويضرب للسلطان أمام ذلك قبّة كبيرة مرتفعة من كتّان تسمّى قبة الساقة لجلوس الناس فيها وحضورهم عنده بها، وهذه هي التي تسمّى بمصر المدوّرة. وإذا عاد السلطان إلى حضرة ملكه ضربت البشائر سبعة أيام، وأطعم الناس طعاما شاملا في موضع يسع كافّتهم. الجملة التاسعة (في مقدار عسكر هذه المملكة) قال في «مسالك الأبصار» : سألت أبا عبد الله السلايحي عن عدّة هذا العسكر في سلطنة أبي الحسن المرينيّ، وكان ابن جرّار قد قال إن عسكره مائة ألف وأربعون ألفا- فقال: الذي نعرفه قبل فتحه تلمسان أن جريدته المثبتة في ديوانه لا تزيد على أربعين ألف فارس غير حفظة المدن والسواحل، إلا أنه [يمكنه] إذا استجاش لحرب عليه أن يخرج في جموع كثيرة لا تكاد تنحصر، وأنه يمكن أن يكون قد زاد عسكره بعد فتح تلمسان مثل ذلك. الجملة العاشرة (في مكاتبات السلطان) قال في «مسالك الأبصار» : جرت العادة أنه إذا إنتهى الكاتب إلى آخر الكتاب وكتب تاريخه، كتب السلطان بخطه في آخره ما صورته «وكتب في التاريخ المؤرّخ به» ونقل عن السلايحي: أن ذلك مما أحدثه أبو حفص «عمر المرينيّ» «١» عم السلطان أبي الحسن في سلطنته، وتبعه السلطان أبو الحسن على ذلك مع وثوقه بكاتب سرّه حينئذ: الفقيه الفاضل أبي محمد عبد المهيمن بن الحضرمي «٢» واعتماده عليه ومشاركته له في كل أمره.

стр. 2416

المملكة الخامسة (من بلاد المغرب جبال البربر) قال في «مسالك الأبصار» : في جنوب الغرب بين مملكة برّ العدوة وبين بلاد مالّي وما معها من بلاد السّودان ثلاثة ملوك من البربر بيض مسلمون: وهم سلطان (أهير) وسلطان (دمونسة) وسلطان (تادمكة) كلّ واحد منهم ملك مستقلّ بنفسه لا يحكم أحد منهم على الآخر، وأكبرهم ملك (أهير) وزيّهم نحو زيّ المغاربة: يلبسون الدّراريع إلا أنها أضيق، وعمائم بأحناك، وركوبهم الإبل، ولا خيل عندهم ولا للمرينيّ [عليهم حكم ولا لصاحب مالي] «١» ولا خبز عندهم، وعيشهم عيش أهل البرّ من اللحم واللّبن، أما الحبوب عندهم فقليلة، وهم في قلّة أقوات. ونقل عن الشيخ عيسى الزواويّ أن لهم جبالا عامرة، كثيرة الفواكه. وذكر أن ما بأيدي الثلاثة تقدير نصف ما لملك مالّي من ملوك السّودان أو أرجح بقليل، ولكن صاحب مالّي أكثر في تحصيل الأموال لاستيلائه على بلاد الذهب وما يباع بمملكته من السّلع، وما يغنمه في الغزوات من بلاد الكفّار لمجاورته لهم بخلاف هؤلاء فإنه ليس لهم يد تمتدّ إلى كسب، بل غالب أرزاقهم من دوابّهم. ثم قال: ودون هؤلاء فيما بينهم وبين مرّاكش من بلاد المغرب جبال المصامدة، وهم خلق لا يعدّ، وأمم لا تحصى، وهم يفتخرون بالشجاعة والكرم. ثم ذكر أنهم كانوا لا يدينون لسلطان إلا أنهم دانوا للسلطان أبي الحسن المرينيّ ودخلوا تحت ذيل طاعته، على أنهم لا يملّكون أحدا قيادهم، ولا يسلّمون إليه بلادهم. وبكل حال فهم معه بين صحّة واعتلال.

стр. 2417

المملكة السادسة (من ممالك بلاد المغرب جزيرة الأندلس) «١» قال في «تقويم البلدان» : بفتح الألف والدال المهملة وسكون النون بينهما وضمّ اللام ثم سين مهملة. وهي مقابل برّ العدوة من بلاد المغرب، وبينهما بحر الزّقاق الذي هو فم بحر الروم، وقد تقدّم ذكره في الكلام على الأبحر في أوّل هذه المقالة. وقد اختلف في سبب تسمية الأندلس بهذا الاسم: فقيل ملكته أمّة بعد الطّوفان يقال لها الأندلش بالشين المعجمة فسمّي بهم ثم عرب بالسين المهملة، وقيل خرج من رومة ثلاثة طوالع في دين «٢» الروم، يقال لأحدهم القندلش بالقاف في أوّله وبالشين المعجمة في آخره، فنزل القندلش هذه الأرض فعرفت به، ثم عرّبت بإبدال القاف همزة والشين المعجمة سينا مهملة. ويقال: إن اسمه القديم أفارية، ثم سمّي باطقة، ثم سمّي أشبانية، ثم سمّي الأندلس باسم الأمّة المذكورة. قال في «تقويم البلدان» : وسمّيت جزيرة لإحاطة البحر بها من الشرق والغرب والجنوب، وإن كان جانبه الشماليّ متصلا بالبرّ كما سيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى. وفيه ست جمل: الجملة الأولى (في ذكر سمك «٣» أرضه وحدوده) قال في «تقويم البلدان» : وجزيرة الأندلس على شكل مثلّث: ركن جنوبي غربيّ، وهناك جزيرة قادس وفم بحر الزّقاق. وركن شرقي بين طرّكونة وبين

стр. 2418

برشلونة، وهي في جنوبيه، وبالقرب منه بلنسية وطرطوشة وجزيرة ميورقة. وركن شماليّ بميلة إلى البحر المحيط، حيث الطول عشر درجات ودقائق، والعرض ثمان وأربعون. وهناك بالقرب من الركن المذكور مدينة شنتياقوه، وهي على البحر المحيط في شمالي الأندلس وغربيّها. قال: والضّلع الأوّل من الركن الجنوبي الغربيّ- وهو الذي عند جزيرة قادس- إلى الركن الشّرقيّ الذي عند ميورقة، وهذا الضّلع هو ساحل الأندلس الجنوبي الممتدّ على بحر الزقاق. والضلع الثاني من الركن الشرقيّ المذكور إلى الركن الشماليّ الذي عند شنتياقوه، وهذا الضّلع هو حدّ الأندلس الشمالي، ويمتدّ على الجبل المعروف بجبل البرت الحاجز بين الأندلس وبين أرض تعرف بالأرض الكبيرة، وعلى ساحل الأندلس الممتدّ على بحر برديل والضلع الثالث من الركن الشماليّ المذكور إلى الركن الجنوبي المقدم الذكر، وهذا الضلع هو ساحل الأندلس الغربيّ الممتد على البحر المحيط. قال ابن سعيد: قال الحجاريّ: وطول الأندلس من جبل البرت الفاصل بين الأندلس والأرض الكبيرة وهو نهاية الأندلس الشرقية إلى أشبونة: وهي في نهاية الأندلس الغربية ألف ميل، وعرض وسطه من بحر الزّقاق إلى البحر المحيط عند طليطلة وجبل البرت ستة عشر يوما. قال في «تقويم البلدان» : وقد قيل إن طوله غربا وشرقا من أشبونة: وهي في غرب الأندلس إلى أربونة: وهي في شرق الأندلس مسيرة ستين يوما، وقيل: شهر ونصف. وقيل: شهر. قال: وهو الأصح. واعلم أن جبل البرت المقدّم ذكره متصل من بحر الزّقاق إلى البحر المحيط وطوله أربعون ميلا، وفيه أبواب فتحها الأوائل، حتى صار للأندلس طريق في البرّ من الأرض الكبيرة، وقبل فتحها لم يكن للأندلس من الأرض الكبيرة طريق. وفي وسط الأندلس جبل ممتدّ من الشرق إلى الغرب يقال له جبل الشارة، يقسمه بنصفين: نصف جنوبي ونصف شمالي.

стр. 2419

الجملة الثانية (فيما اشتمل عليه من المدن) وهو يشتمل على عدّة قواعد ومضافاتها. القاعدة الأولى (غرناطة) قال في «تقويم البلدان» : بفتح الغين المعجمة وسكون الراء المهملة وفتح النون وألف وطاء مهملة وهاء في الآخر. ويقال: أغرناطة بهمزة مفتوحة في أوّلها. وهي مدينة في جنوب الأندلس، موقعها في الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى عشرة درجة وأربعون دقيقة، والعرض سبع وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. قال في «تقويم البلدان» : ومملكتها في الجنوب والشرق عن مملكة قرطبة، وبينها وبين قرطبة نحو خمسة أيام. قال: وغرناطة في نهاية الحصانة وغاية النّزاهة، تشبه دمشق من الشام، وتفضّل عليها بأنّ مدينتها مشرفة على غوطتها وهي مكشوفة من الشمال، وأنهارها تنصبّ من جبل الثلج الذي هو من جنوبيها وتتخرق فيها، وعليها الأرحي داخل المدينة، ولها أشجار وثمار ومياه مسيرة يومين تقع تحت مرأى العين لا يحجبها شيء. قال في «مسالك الأبصار» ولها ثلاثة عشر بابا: باب إلبيرة وهو أضخمها، وباب الكحل، وباب الرّخاء، وباب المرضى، وباب المصرع، وباب الرملة، وباب الدبّاغين؛ وباب الطّوّابين، وباب الفخّارين، وباب الخندق، وباب الدفاف، وباب البنود؛ وباب الأسدر. وحولها أربعة أرباض «١» : ربض الفخّارين، وربض الأجل، وهو كثير القصور والبساتين، وربض البيازين بناحية باب الدفاف، وهو كثير العمارة يخرج منه نحو خمسة عشر ألف مقاتل، وهو ربض مستقلّ بحكّامه وقضاته وغير ذلك.

стр. 2420

وجامعها من أبدع الجوامع وأحسنها منظرا، وهو محكم البناء لا يلاصقه بناء، تحفّ به دكاكين الشّهود والعطّارين، وقد قام سقفه على أعمدة حسان، والماء يجرى داخلة، ومساجدها [ورباطاتها] لا تكاد تحصى لكثرتها. وذكر في «مسالك الأبصار» : أنها قليلة مهبّ الرياح، لا تجري بها الريح إلا نادرا لاكتناف الجبال إيّاها. ثم قال: وأصل أنهارها نهران عظيمان (شنيل) «١» و (حدرّه) . أما شنيل، فينحدر من جبل شكير بجنوبيها ويمرّ على غربيّ غرناطة إلى فحصها، يشقّ فيها أربعين ميلا بين بساتين وقرى وضياع كثيرة البيوت والغلال وأبراج الحمام وغير ذلك. قال: وينتهي فحصها إلى (لوشة) «٢» حيث أصحاب الكهف على قول، وجبل شكير المذكور هو طود شامخ لا ينفكّ عنه الثلج شتاء ولا صيفا، فهو لذلك شديد البرد، ويؤثّر برده بغرناطة في الشتاء: لقربه منها إذ ليس بينه وبينها سوى عشرة أميال. وفي ذلك يقول ابن صدرة الشاعر قاتله الله: (طويل) . أحلّ لنا ترك الصلاة بأرضكم، ... وشرب الحميّا «٣» وهو شيء محرّم فرارا إلى نار الجحيم لأنّها ... أرقّ علينا من شكير وأرحم! لئن كان ربّي مدخلي في جهنّم ... ففي مثل هذا اليوم طابت جهنّم! وأما حدرّه، فينحدر من جبل بناحية (وادياش) «٤» شرقيّ شكير فيمرّ بين
следующие страницы →