← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

كبار، ووقّافون صغار، وكلهم يقفون بين يديه في أوقات جلوسه إذا جلس للناس. الطبقة الرابعة- عامّة الجند . الطبقة الخامسة- الجند من قبائل العرب . الطبقة السادسة- الصّبيان : وهم جماعة من الشّباب بمثابة المماليك الكتّانية بالديار المصرية، يكونون في خدمة السلطان. الطبقة السابعة- الجند من الإفرنج ، ويعبّر عنهم بالعلوج «١» ؛ وهم لخاصة السلطان لا يطمئنّ إلا إليهم. وأما عدّة العسكر. ففي «مسالك الأبصار» عن ابن القويع أنها لا تبلغ عشرة آلاف وإنما العدد الجمّ في العرب أهل البادية ولهم قوّة شوكة. وأما أرباب الوظائف فعلى ثلاثة أضرب . الضرب الأول (أرباب السّيوف، وهم ثمانية) الأوّل- الوزراء : وهم ثلاثة وزراء: وزير الجند وهو المردود إليه الحديث في أمر الجند. قال في «مسالك الأبصار» : وهو بمثابة الحاجب بالدّيار المصرية، ووزير المال: وهو المتحدّث في أمر المال، ويعبّر عنه بصاحب الأشغال، ووزير الفضل وهو كاتب السّرّ. الثاني- شيخ الموحّدين . قال ابن القويع: وشيخ الموحدين كأنه نائب السلطان، ويسمّى الشيخ المعظّم وهو الذي يتولى عرض الموحدين وأمورهم. الثالث- أهل المشورة : وهم ثلاثة من أشياخ الموحدين يجلسون بمجلسه للرأي والمشورة.

стр. 2347

الرابع- صاحب الرّقاعات . قال ابن سعيد: وهو الذي يتولّى إبلاغ الظّلامات إلى السلطان وإيصال قصصهم إليه وعرضها عليه ثم يخرج بجوابها عنه. قال في «مسالك الأبصار» : وهذا بمثابة الدوادار (يعني بالديار المصرية) . الخامس- صاحب العلامات : وهو المتولّي أمور الأعلام، وهو بمثابة أمير علم بالديار المصرية. وفي معناه آخر إليه أمر دقّ الطبول، يأمر بدقّ الطّبول عند ركوب السلطان في المواكب. السادس- الحافظ : وهو صاحب الشّرطة، وعنه يعبّر المصريّون بوالي المدينة. السابع- محرّكو الساقة : وهم قوم يكون بأيديهم العصيّ، يرتّبون الناس في المواكب، بمنزلة النّقباء بالديار المصرية. الثامن- صاحب الطّعام : وهو بمنزلة إستاددار «١» الصّحبة. الضرب الثاني (أرباب الأقلام) وقد ذكر منهم ثلاثة: الأوّل- قاضي الجماعة : وهو مثل قاضي القضاة بالديار المصرية. الثاني- المحتسب : وهو معروف. الثالث- صاحب كتب المظالم . قال في «مسالك الأبصار» : وهو الموقّع على القصص وكأنه بمثابة موقّع الدّست «٢» بمصر والشام.

стр. 2348

الجملة الثانية عشرة (في ذكر الأرزاق المطلقة من جهة السلطان) ويختلف الحال باختلاف أحوال أربابها. فأما أشياخ الموحدين الكبار، فقد نقل في «مسالك الأبصار» عن القاضي أبي القاسم بن بنّون أنّ لهم أرضا يزرعونها أو يحكّرونها ويكون لهم عشر ما طلع منها. وهذه الأرض بمثابة الإقطاع بمصر، ولكلّ واحد منهم في كل سنة حرث عشرة أزواج بقرا، كل زوج بشعبتين، كل شعبة رأسان من البقر فيكون لكلّ واحد عشرون شعبة. قال في «مسالك الأبصار» : وهذه الشعبة هي المسماة في بلاد دمشق بالفدّان. ولهم مع ذلك راتب يفرّق عليهم في طول السنة، يسمّونه البركات، بمثابة الجوامك بمصر؛ يفرّق أربع مرّات في السنة: في عيد الفطر تفرقة، وفي عيد الأضحى تفرقة، وفي ربيع الأول تفرقة، وفي رجب تفرقة، يصيب كل واحد منهم من ذلك أربعون دينارا مسماة، تكون بثلاثمائة درهم عتيقة، والسلطان يأخذ معهم بسهم كواحد منهم على السّواء، فيكون جملة ما لكلّ واحد منهم في كل سنة مائة وعشرين دينارا مسمّاة، عنها ألف ومائتا درهم مغربية، عنها من نقد مصر والشام ستّمائة وخمسون درهما، وما يتحصّل من مغلّ عشرين فدّانا بقدر مثلها. قال في «مسالك الأبصار» : فيكون تقدير ما لأحد المشايخ الكبار الذين بمثابة أمراء الألوف بمصر والشام في كل سنة ألف وثلاثمائة وعشرة دراهم نقرة بمعاملة مصر في كل سنة. وأما الأشياخ الصّغار، فلكلّ واحد منهم حرث خمسة أزواج من البقر، على النّصف من الأشياخ الكبار؛ والبركات في كل سنة على ما تقدّم في الكبار. قال ابن بنّون: ولعامّة الأشياخ الكبار والصّغار والوقّافين والجند شيء آخر يفرّقه السلطان عليهم، يسمّى المواساة: وهي غلة تفرّق عليهم عند تحصيل الغلّات في المخازن، وشيء ثالث يقال له الإحسان، وهو مبلغ يفرّق عليهم. قال [وكلاهما «١» ] من السنة إلى السنة ليس لها قدر مضبوط ولا قدر مخصوص، بل

стр. 2349

على قدر ما يراه السلطان وبحسب أقدار الناس. ومقادير العطايا بينهم متفاوتة. قال: وكذلك القبائل ومزاويرهم على هذا النحو. قال ابن القويع: والجند الغرباء يتميزون في الأعطيات على الموحّدين. قال: وللعرب أهل البادية إقطاعات كثيرة، ومنهم من يخرج مع السلطان إذا استدعاهم السلطان للخروج معه. الجملة الثالثة عشرة (في لبس سلطان مملكة تونس، ولبس أشياخه، وسائر جنده، وعامّة أهل بلده) أما لبسه فقد ذكر في «مسالك الأبصار» عن سلطان زمانه بأفريقيّة: أن له عمامة ليست بمفرطة في الكبر، بحنك وعذبة صغيرة. وقال ابن سعيد: له عمامة كبيرة من صوف وكتّان فيها طراز من حرير. ولا يتعمّم أحد من أهل دولته قدرها في الكبر. وذكر أن عذبة عمامته تكون خلف أذنه اليسرى، وأنها مخصوصة به وباقاربه؛ وله جباب «٢» تليها، ولا يلبس هو ولا عامّة جنده وأشياخه خفّا إلا في السّفر. وغالب لبسه ولبس أكابر مشايخه من قماش عندهم يسمّى السّفساريّ، يعمل عندهم من حرير وقطن أو حرير وصوف رفيع جدّا، وقماش يعرف بالتّلمسانيّ يعمل بتلمسان: إما صوف خالص أو حرير خالص: مختّم وغير مختّم. قال ابن بنّون: والسلطان يمتاز بلبس الخزّ «٣» ، ولونه لون الخضرة

стр. 2350

والسّواد. قال: وهذا اللّون هو المسمّى بالجوزيّ، وبالغيار، وبالنّفطيّ. قال ابن سعيد: وهو ما يخرج من البحر بصفاقس. قال في «مسالك الأبصار» : وهو المسمّى بوبر السمك بمصر والشام يعني المعبّر عنه بصوف السمك المقدّم ذكره عند ذكر صفاقس من بلاد أفريقية. قال ابن سعيد: وهي أفخر ثياب السلطان بتونس ونقل في «مسالك الأبصار» عن ابن سعيد: أنه يلبس الثياب الصوف الرفيعة، ذوات الألوان البديعة، وأكثر ما يلبس المختم الممتزج من الحرير والصّوف، بكمين طويلين من غير كثرة طول، ضيقين من غير أن يكونا مزنّدين. وثيابه دون شدّ نطاق إلا أن يكون في الحرب فإنه يشدّ المنطقة، ويلبس الأقبية، وله طيلسان صوف في نهاية اللّطافة، كان يرتدي به ولا يضعه على رأسه. [وأما لبس الأشياخ والدواوين والوقافين والجند والقضاة والوزراء والكتاب وعامة الناس فعلى زيّ واحد، لا تكاد تتفاوت العمائم والجباب ولا يمتاز الأشياخ والوقافون والجند إلا بشيء واحد لا يكاد يظهر ولا يبين وهو صغر العمائم وضيق القماش، ولباس عامة أهل أفريقية من الجوخ ومن الثياب الصوف ومن الأقبية ومن الثياب القطن، فمن لبس غير هذا مما يجلب من طرائف الإسكندرية والعراق كان نادرا شاذّا] «١» . الجملة الرابعة عشرة (في شعار الملك بما يتعلق بهذا السلطان) نقل في «مسالك الأبصار» عن ابن القويع أن له علما أبيض يسمّى العلم المنصور، يحمل معه في المواكب، وذكر أن الأعلام التي تحمل معه في المواكب سبعة أعلام: الأوسط أبيض وإلى جانبه أحمر وأصفر وأخضر. قال: ولا

стр. 2351

أتحقق كيف ترتيبها وأن ذلك غير أعلام القبائل التي تسير معه فلكلّ قبيلة علم تمتاز به بما عليه من الكتابة، والكتابة مثل لا إله إلا الله، أو الملك لله، وما أشبه ذلك، وأن له الطبول والبوقات والنفير. الجملة الخامسة عشرة (في جلوس سلطان هذه المملكة في كل يوم) قال ابن سعيد: عادة هذا السلطان في مدينة مملكته تونس: أنه يخرج باكر كلّ يوم إلى موضع يعرف بالمدرسة، ويبعث خادما صغيرا يستدعي وزير الجند من موضعه المعيّن له، فيدخل عليه رافعا صوته «بسلام عليكم» عن بعد من غير أن يوميء برأسه، ولا يقوم له السلطان، فيجلس بين يدي السلطان، ويسأله السلطان عما يتعلّق بأمور الجند والحروب، ثم يأمره باستدعاء من يريده من أشياخ الجند أو العرب أو من له تعلّق بوزير الجند؛ ثم يأمر باستدعاء وزير المال وهو المعروف بصاحب الأشغال فيأتي معه ويسلّمان جميعا من بعد على السلطان، وإن كان قد تقدّم سلام وزير الجند، ثم يتقدّم وزير المال إلى ما بين يدي السلطان ويتأخر وزير الجند إلى مكان لا يسمع فيه حديثهما، ثم يخرج وزير المال ويستدعي من يتعلّق به، ثم يحضر صاحب الطعام بطعام الجند ويعرضه على وزيرهم لئلّا يكون فيه تقصير، ثم يقوم السلطان من المدرسة إلى موضع مخصوص ويستدعي وزير الفضل: وهو كاتب السر، ويسأله عن الكتب الواردة من البلاد، وعما تحتاج خزانة الكتب إليه، وعما تجدّد في الحضرة وفي البلاد مما يتعلّق بأرباب العلم وسائر فنون الفضل والقضاة، ويأمر باستدعاء من يخصّه من الكتّاب ويملي عليه وزير الفضل ما أمر بكتابته، ويعلّم عليه وزير الفضل بخطّه؛ ثم يستدعي السلطان من شاء من العلماء والفضلاء ويتحاضرون محاضرة خفيفة. وإن كان وزير الفضل قد رفع قصيدة لشاعر وافد أو مرتّب في معنى استجدّ، أمره السلطان بقراءتها عليه، أو يأمر بحضور الشاعر لينشدها قائما أو قاعدا بحسب ما تقتضيه رتبته، ويتكلّم

стр. 2352

السلطان مع وزير الفضل ومن حضر من الفضلاء في ذلك ويكتب على كل قصيدة بما يراه. الجملة السادسة عشرة (في جلوسه للمظالم) قال الشيخ شرف الدّين عيسى الزّواويّ: إذا جلس السلطان جلس حوله ثلاثة من كبار أشياخ الموحّدين للرأي والمشورة، ويجلس معهم وزير الجند إن كان كبيرا، وإن لم يكن كبيرا وقف بإزاء أولئك الثلاثة، ويجلس دونهم عشرة من أكابر أشياخه، وربما كان الثلاثة المختصّون بالرأي من جملة العشرة المذكورين، ويقف خمسون وقّافا وراء وزير الجند. فإذا أمر السلطان بأمر بلّغه وزير الجند لآخر واقف وراءه، وبلّغه الآخر لآخر، حتّى ينتهي إلى من هو خارج الباب بنقل ناس عن ناس، ويقف دون الخمسين المذكورين جماعة تسمّى بالوقّافين بأيديهم السيوف حوله، وهم دون الخمسين المذكورين في الرّتبة. وقد ذكر ابن سعيد: أن يوم السبت مخصوص عنده بأن يقعد في قبّة كبيرة في القصبة: وهي القلعة، ويحضر عنده أعيان دولته وأقاربه والأشياخ، ويجلس أقاربه عن جانبه الأيمن، والأشياخ عن جانبه الأيسر؛ ويجلس بين يديه وزير الجند، ووزير المال، وصاحب الشّرطة، والمحتسب، وصاحب كتب المظالم: وهو الموقّع على القصص. ويقرأ الكاتب المعيّن ما وقّع له على قصص المظالم، ويردّ كلّ ما يتعلق بوظيفة إلى ربّ تلك الوظيفة وينفّذ الباقي. الجملة السابعة عشرة (في خروجه لصلاة الجمعة) قال ابن سعيد: من عادة السلطان بأفريقيّة أنه لا يجتمع يوم الجمعة بأحد، بل يخرج عندما ينادى المنادى بالصلاة، ويشقّ رحبة قصره ما بين خواصّ من المماليك الأتراك، فعندما يعاينونه ينادون «سلام عليكم» نداء عاليا على صوت واحد يسمعه من يكون بالمسجد الجامع، ثم يتقدّمه وزير الجند بين يديه في

стр. 2353

ساباط «١» يخرج هناك للجامع، عليه باب مذهب سلطانيّ، ويسبق الوزير فيفتح الباب، ويخرج منه السلطان وحده، ويخرج له جماعة الوقّافين من أعيان الدّولة فلا يقوم له في الجامع غيرهم؛ وليس له مقصورة مخصوصة للصلاة. فإذا انفصل عن الصلاة قعد في قبّة كبيرة له في صدر الرّحبة وحضر عنده أقاربه، ثم يدخل قصره. الجملة الثامنة عشرة (في ركوبه لصلاة العيدين أو للسّفر) قال القاضي شرف الدين عيسى الزّواوي: وعادته في ذلك أن يركب السلطان، وعن يمينه فارس وعن يساره فارس من أكابر أشياخه من العشرة المقدّم ذكرهم، ويمشي إلى جانبه رجلان مقلّدان سيفين رجّالة إلى جانبه: أحدهما ممسك بركابه الأيمن، والثاني ممسك بركابه الأيسر، ويليهما جماعة رجّالة من أكابر دولته: مثل الثلاثة أصحاب الرأي، والعشرة الذين يلونهم، ومن يجري مجراهم من أعيان الجند، وتسمّى هذه الجماعة ايربان، يمشون حوله بالسّيوف وبأيديهم عكاكيز. قال: وربما مشى في هؤلاء قاضي الجماعة: وهو قاضي القضاة. وأمام هؤلاء الجماعة المشّائين نفر كثير من الموحّدين أقارب السلطان بسيوف ومزاريق «٢» ، ويسمّون بالمشّائين. وقدّامهم جماعة يقال لهم جفاوة: وهم عبيد سود بأيديهم حراب في رؤوسها رايات من حرير، وهم لابسون جبابا بيضا مقلّدون بالسيوف. وأمام هولاء قوم يعبّر عنهم بعبيد المخزن، وهم عوامّ البلد وأهل الأسواق، وبأيديهم الدّرق «٣» والسّيوف، ومعهم العلم الأبيض المسمّى بالعلم

стр. 2354

المنصور المقدّم ذكره في شعار السّلطنة. وعادتهم أن ينادى فيهم ليلة العيد أو ركوب السلطان لسفر، فيخرج أهل كل صناعة بظاهر البلد، ويكون خلف السلطان صاحب العلامات، وهو أمير علم راكب، ووراءه أعلام القبائل، ووراء الأعلام الطّبول والبوقات، وخلفهم محرّكو الساقة الذين هم بمثابة النّقباء وبأيديهم العصيّ يرتّبون العساكر، وخلف هؤلاء العسكر. والفارس الذي عن يمين السلطان إليه أمر دقّ الطبول يقول: دقّ فلان باسم كبيرهم، ويستمرّ من حول السلطان من المشاة يمشون ثم يركبون، ويطيف بالسلطان جماعة يقرأون حزبا من القرآن الكريم. ثم يقف السلطان ويدعو ويؤمّن وزير الجند على دعائه، ويؤمّن الناس على تأمينه، ويجدّ الناس والسلطان السير. فإن كانوا في فضاء كان مشيهم على هذا الترتيب، وإن ضاق بهم الطريق مشوا كيف جاء على غير ترتيب إلا أنّ الجند لا يتقدّمون على السلطان. فإذا قربوا من المنزلة وقف السلطان ودعا وأمّن على دعائه كما تقدّم، وإن كان في صلاة العيد ذهب في طريق وعاد في أخرى. الجملة التاسعة عشرة (في خروج السلطان للتنزّه) قد تقدّم في الكلام على مدينة تونس أنها على طرف بحيرة خارجة من البحر الروميّ تحدق بها البساتين من كل جانب، وفي تلك البحيرة جزيرة يقال لها سكلة لا ساكن بها ربما ركب السلطان في السّفن وصار إليها في زمن الربيع، وتضرب بها أخبية ويقيم بها للتنزّه أياما ثم يعود. على أنه لا ماء فيها ولا مرعى، ولكن لما تشرف عليه من البساتين المستديرة بتلك البحيرة وما قبلها من الجواسق «١» المشرفة ومنظر البحر. وقد ذكر ابن سعيد: أنه ربما خرج إلى بستانه، فيخرج في نحو

стр. 2355

مائتي فارس من الشباب المعروفين بالصّبيان الذين هم بمثابة المماليك الكتانية بالديار المصرية، يوصّلونه إلى البستان ويرجعون، ويبقى وزراؤه الثلاثة نوّابا له. وكل ما تجدّد عند كل واحد منهم من الأمر طالعه به وجاوبهم بما يراه. قال في «مسالك الأبصار» : وركوبه إلى البستان في زقاق من قصبته إلى البستان، محجوب بالحيطان لا يراه فيه أحد. الجملة العشرون (في مكاتبات السلطان) قال في «مسالك الأبصار» : قال ابن سعيد: قال العلّامة أبو عبد الله بن القويع: إن هذا السلطان لا يعلّم على شيء يكتب عنه، وإنما يعلّم عنه في الأمور الكبار صاحب العلامة الكبرى، وهو كاتب السرّ في الغالب؛ والعلامة «الحمد لله» أو «الشكر لله» بعد البسملة. قال: ومن خاصّيّة كتب هذا السلطان أن تكتب في ورق أصفر. ومن عادته وعادة سائر المغاربة أن لا يطيلوا في الكتب ولا يباعدوا بين السطور كما يفعل في مصر وما ضاهاها. أما في الأمور الصّغار فإنما تكون الكتابة فيها عن وزير الجند، ويكتب عليها صاحب العلامة الصغرى اسم وزير الجند، وتكون هذه الكتب في غير الورق الأصفر. الجملة الحادية والعشرون (في البريد المقرّر في هذه المملكة) قد ذكر في «مسالك الأبصار» : أنه إذا كتب كتاب إلى نواحي هذه المملكة ليوصّل إلى بعض نوابها، جهّز مع من يقع الاختيار عليه من النّقباء أو الوصفان: وهم عبيد السلطان، ويركب على بغل إمّا ملك له أو مستعار ويسافر عليه إلى تلك الجهة. فإن أعيا في مكان تركه عند الوالي بذلك المكان وأخذ منه بغلا عوضه، إما من جهة الوالي أو يسخّره له من الرعايا، إلى أن ينتهي إلى جهة قصده ثم يعود كذلك.

стр. 2356

الجملة الثانية والعشرون (في الخلع والتّشاريف في هذه المملكة) قال القاضي أبو القاسم بن بنّون: ليس من عادة سلطان افريقيّة إلباس من ولّي ولاية خلعة كما في مصر، وإنما هي كسوة: وهو قماش غير مفصّل يتصرّف فيه كيف شاء. المملكة الثانية (من ممالك بلاد المغرب مملكة تلمسان) وهي مملكة الغرب الأوسط. وفيها جملتان: الجملة الأولى (في ذكر حدودها، وقاعدتها، وما اشتملت عليه من المدن، والطريق الموصّلة إليها) أما حدودها، فحدّها من الشرق حدود مملكة أفريقيّة وما أضيف إليها من جهة الغرب، وحدّها من الشّمال البحر الرومي، وحدّها من الغرب حدود مملكة فاس الآتي ذكرها من الشرق؛ وحدّها من جهة الجنوب المفاوز الفاصلة بين بلاد المغرب وبلاد السّودان. وذكر في «العبر» : أن حدّها من جهة الغرب من وادي ملويّة الفاصل بينها وبين الغرب الأقصى إلى وادي مجمّع في جهة الشرق الفاصل بينها وبين أفريقيّة. وأما قاعدتها، فمدينة (تلمسان) بكسر المثناة من فوق واللام وسكون الميم وفتح السين المهملة وألف ونون. وهي مدينة من الغرب الأوسط. وقال في «تقويم البلدان» : من الغرب الأقصى متاخمة للغرب الأوسط شرقيّ فاس بميلة إلى الشّمال. وموقعها في أوائل الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد:

стр. 2357

حيث الطول أربع عشرة درجة وأربعون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة واثنتا عشرة دقيقة. وهي مدينة في سفح جبل، ولها ثلاثة عشر بابا، وماؤها مجلوب من عين على ستة أميال منها، وفي خارجها أنهار وأشجار؛ ويستدير بقبليّها وشرقيّها نهر يصبّ في بركة عظيمة من آثار الأول، ويسمع لوقعه فيها خرير على مسافة، ثم يصبّ في نهر آخر بعد ما يمرّ على البساتين، ثم يصبّ في البحر، وعليه أرحاء دائرة تدخل فيه السفن اللّطاف حيث يصبّ في البحر، وبقعتها شريفة كثيرة المرافق. ولها حصون كثيرة وفرض عديدة: منها (هنين) و (وهران) و (مستغانم) . فهنين تقابل المريّة «١» من الأندلس ووهران في شرقيّ تلمسان بشمال قليل، على مسيرة يوم من تلمسان، ومستغانم تقابل دانية من الأندلس، وعرض البحر بينهما ثلاث مجار ونصف مجرى. قال الإدريسي في «كتاب رجّار» : وبها آثار الأول، ولها أسواق ضخمة ومساجد جامعة. قال في «مسالك الأبصار» : وهي على ما بلغ حدّ التواتر أنها في غاية المنعة والحصانة مع أنها في وطاءة من الأرض ولكنها محصّنة البناء. وبلغ من حصانتها أنّ أبا يعقوب المرينيّ صاحب فاس حاصرها عشر سنين، وبنى عليها مدينة سمّاها فاس الجديدة وأعجزه فتحها ولها ثلاثة أسوار، ومن جهة القصبة وهي القلعة ستة أسوار، وبها أنهار وأشجار، وبها شجر الجوز على كثرة، ومشمشها يقارب في الحسن مشمش دمشق. قال في «مسالك الأبصار» : زكيّة الزرع والضّرع، ويقصدها تجّار الآفاق للتجارة. قال: ويطول مكث المخزونات فيها حتى إنه ربما مكث القمح والشعير في مخازنها ستّ سنين ثم يخرج بعد ذلك فيزرع فينبت.

стр. 2358

وأما مدنها الداخلة في مملكتها، فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن لها ثمان عشرة مدينة: وهي تلمسان، وجده، ومديونة، وتدرومه، وهنين، ووهران، وتميز غزان، وبرسك، وشرشال، وتونت، ومستغانم، وتنس، والجزائر، والقصبات، ومازونة، وتاحجحمت، ومليانة، والمريّة. وأما الطريق الموصل إليها، فقد تقدّم في الكلام على مملكة تونس الطريق من الديار المصرية إلى تونس. وقد ذكر في «الذيل على الكامل» أن من تونس إلى باجة، ومنها إلى تغريه وهي آخر بلاد أفريقية، ومنها إلى قسنطينة وهي أوّل بلاد بجاية، ومنها إلى أوّل بلاد تلمسان، ومنها إلى قليلية، ومنها إلى البقيعة، ومنها إلى تلمسان. الجملة الثانية (في حال مملكتها) لم أقف على شيء من ترتيب مملكتها، والظاهر أنها تشبه مملكة تونس في الحال والترتيب أو قريب من ذلك. فقد ذكر في «مسالك الأبصار» أن بجاية ثانية تونس في الرّتبة والحال، والموجودات، والمعاملات. وقد تقدّم أن بجاية من الغرب الأوسط، فتكون تلمسان في معناها، وإن وقعت مخالفة في ترتيب المملكة فإنما تكون في القدر اليسير. قال في «مسالك الأبصار» وهي مملكة كبيرة، وسلطنة جليلة، قريب الثلثين من مملكة برّ العدوة. وهي وسيعة المدى كثيرة الخيرات، ذات حاضرة وبادية، وبرّ وبحر.

стр. 2359

المملكة الثالثة (من بلاد المغرب- الغرب الأقصى، ويقال له برّ العدوة، وفيه ثلاثة مقاصد) المقصد الأوّل (في بيان موقعها من الأقاليم السبعة وذكر حدودها وما اشتملت عليه من المدن والجبال المشهورة. وفيه أربع جمل) الجملة الأولى (في بيان موقعها من الأقاليم السبعة) فموقعها في الإقليم الثالث كما في مملكة تونس، وبعضها في الإقليم الثاني، وبعضها في أوائل الإقليم الرابع على ما سيأتي ذكره. وأما حدودها، فقد ذكر صاحب «العبر» : أنه من مدينة آسفي حاضرة البحر المحيط إلى وادي ملويّة ومدينة تازا من جهة الشّرق، يحيط به البحر المحيط من جهة الغرب، وجبال درن وما يليها من جنوبيّه، وجبال تازا من شرقيّة، والبحر الرومي من شماليّه. ثم قال: وهو ديار المصامدة وغيرهم من البربر. وذكر في «مسالك الأبصار» نقلا عن أبي عبد الله محمد بن محمد السلايحي «١» : أن حدّها من الجنوب الصّحراء الكبيرة الآخذة من بلاد البربر إلى جنوب أفريقيّة، ومن الشرق جزائر بني مزغنّانة وما هو آخذ على حدّها إلى الصحراء الكبيرة، ومن الشّمال البحر الشاميّ، ومن الغرب البحر المحيط. وحكى عنه: أن طول هذه المملكة من جزائر بني مزغنّانة، وهي جزائر بني مزغنّان المقدّم ذكرها في بلاد بجاية من مملكة تونس إلى البحر المحيط، وعرضها من بحر الزّقاق بسبتة إلى نهاية بلاد البربر المتّصلة بالصحراء الفاصلة بين هذه المملكة وبين بلاد السّودان ثلاثون يوما.

стр. 2360

الجملة الثانية (في بيان قواعدها وما اشتملت عليه هذه المملكة من الأعمال وما انطوت عليه من المدن) أما قواعدها فخمس: «١» القاعدة الأولى (فاس) بفتح الفاء ثم ألف وسين مهملة. وهي مدينة بالغرب الأقصى، واقعة في آخر الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول عشر درج وخمسون دقيقة، والعرض ثلاث وثلاثون درجة. قال: وسمّيت بفاس لأنهم لمّا شرعوا في حفر أساسها، وجدوا فأسا في موضع الحفر. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينتان يشقّ بينهما نهر. الأولى (فاس القديمة) والمياه تجري بأسواقها وديارها وحمّاماتها، حتّى يقال إنه ليس بالمشرق ولا بالمغرب مدينة تضاهيها في ذلك، إلا أن أرضها ذات ارتفاع وانخفاض، وفيها عدّة عيون. قال أبو عبد الله العسلي: عدّتها ثلاثمائة وستون عينا. قال ابن سعيد: لم أر قطّ حمّامات في داخلها عين تنبع إلا في فاس. قال: وهي أكثر مياها من دمشق. قال ابن سعيد في «المغرب» وهي مدينتان: إحداهما بناها إدريس «٢» بن عبد الله: أحد خلفاء الأدارسة بالمغرب، وتعرف بعدوة الأندلس. والأخرى بنيت بعدها وتعرف بعدوة القرويّين. قال في «الروض المعطار» : وكان بناء عدوة الأندلسيين في سنة اثنتين وتسعين ومائة، وبناء عدوة القرويين في سنة ثلاث وتسعين ومائة. وعدوة القرويين أكثر عيونا وبساتين وأشجارا من عدوة الاندلسيين. ورجال عدوة الأندلسيّين أشجع ورجال

стр. 2361

عدوة القرويين أجمل. ونساء عدوة الأندلسيين أجمل. وبعدوة الأندلسيين تفّاح حسن طيّب الطّعم يعرف بالطرابلسيّ لا يفلح بعدوة القرويّين. وبعدوة القرويين أترجّ حسن لا يفلح بعدوة الأندلسيّين مع التقارب على ضفّة النهر الغربية؛ وهي في مستو من الأرض؛ وهي في علو لا يحكم النهر عليها. والثانية (فاس الجديدة) وهي ثلاث مدن بناها آباء ملوكها القائمين بها الآن حين ملكوا الغرب الأقصى. ولما نزلوها بنوا معها ثلاث مدن على ضفّة النهر الغربية. أوّلها (المدينة البيضاء) وتعرف بالجديدة. بناها أبو يوسف «١» يعقوب بن عبد الحق أوّل من استقل بالملك بعد الموحّدين. الثانية (مدينة حمص) ويعرف موضعها بالملّاح. بناها ولده أبو سعيد: عثمان بن أبي يوسف إلى جانب المدينة البيضاء المقدّم ذكرها. الثالثة (ربض النصارى) وهي المتّخذة لسكنى النصارى من الفرنج المستخدمين بخدمة السلطان. وهذه المتجدّدات الثلاث على ضفّة النهر الغربية: فربض النصارى يقابل فاس القديمة على بعد من ضفّة النهر. والبيضاء وهي فاس الجديدة آخذة من شماليّ ربض النصارى إلى ضفّة النهر. وأوّل عمارة فاس الجديدة آخر عمارة فاس العتيقة. وحمص راكبة على النهر بشمال على جانب فاس الجديدة آخذة إلى ربض النصارى، ينصبّ من الجنوب إلى الشّمال، ثم ينعطف على زاوية آخذا من الغرب إلى الشرق حتى يصير كأنه ينحدر من الغرب، وحمص على مجراه هناك؛ ثم يمرّ آخذا إلى الشرق على حاله فوق فاس الجديدة. ثم ينعطف عليها بزاوية إلى الجنوب ثم ينعطف إلى الشرق جائزا بها؛ وهناك فاس العتيقة على الضّفّة الشّمالية، والقصبة وهي القلعة بها في غربيها مرجّلة على الأرض لا تتميز على المدينة برفعة ولا ببناء عال، ويصير النهر مستديرا

стр. 2362

بفاس الجديدة من جانب الشّمال على المجرى المركّب عليه حمص، ومن الشرق حيث انعطف النهر عند فاس العتيقة. قال في «مسالك الأبصار» : وهذا النهر متوسّط المقدار. عرضه في المكان المتسع نحو أربعين ذراعا، وفي الضّيّق دون ذلك، وربما تضايق إلى خمسة عشر ذراعا فما دونها، وعمقه في الغالب تقدير قامة رجل. ونقل في «مسالك الأبصار» عن ابن سعيد: أن نهرها يلاقي وادي سبو، وهو من أعظم أنهار المغرب، يصبّ في البحر المحيط بين سلا وقصر عبد الكريم. قال في «تقويم البلدان» قال ابن سعيد: وعلى أنهارها «١» داخل المدينة نحو ستّمائة رحا تدور بالماء دائما. قال في «مسالك الأبصار» : وعليها ناعورة ترفع الماء إلى بستان السلطان. وبناء فاس العتيقة بالآجرّ والجبال مكتنفة بها، وعلى كل من عتيقها وجديدها أسوار دائرة محصّنة ذات بروج وبدنات، وجميع أبنيتها بالحجر والآجرّ والكلس موثّقة البناء مشيّدة الأركان. وتزيد فاس الجديدة على فاس العتيقة في الحصانة والمنعة، والعتيقة بسور واحد من الحجارة والجديدة بسورين من الطين المفرغ بالقالب من التراب والرمل [والكلس المضروب وهو أشد من الحجر ولا تعمل فيه المجانيق ولا تؤثر فيه، وكذلك غالب أبنيتها، وسقوف جميعها الخشب وربما غشيت بعض السقوف بالقصدير والأصباغ الملوّنة، وأرض دور رؤسائها مفروشة بالزّلّيج. وهو نوع من الآجر مدهون بدهان ملوّن كالقاشاني بالأبيض والأسود والأزرق والأصفر والأخضر وما يركب من هذه الألوان وغالبه الأزرق الكحلي وربما اتخذ منه الوزرات بحيطان الدور، قال في «مسالك الأبصار» : وسألت السلائحي عن مقدار عمارة فاس عتيقها وجديدها. فقال: تكون قدر ثلث مصر والقاهرة وحواضرهما. قال في «تقويم البلدان» ] «٢» : وللمدينتين ثلاثة عشر بابا؛ وفي

стр. 2363

القديمة مخازن الغلال، وهي مكان يستدير عليه سور منيع عليه باب وغلق داخله المطامير. وبفاس العتيقة داخل سورها جنان ورياض ذات أشجار ورياحين في دور الكبراء وبيوت الأعيان. ثم قال: وبكل من فاس القديمة وفاس الجديدة المعروفة بالبيضاء وحمص الجوامع والمساجد والمآذن والحمّامات والأسواق. أما المدارس والخوانق والرّبط فمما خلت صحائف أهل المغرب من أجورها إلا النّزر اليسير جدّا. وبفاس العتيقة مارستان، ودور فاس مجالس متقابلة على عمد من حجر أو آجرّ ورفارف تطلّ على صحن الدار، وفي وسط صحن الدار بركة يصبّ بها الماء ويعبّر عنها عندهم بالصّهريج؛ ولهم عناية باتّخاذ القباب في بيوتهم، حتّى يوجد في دار الكبير قبّتان فأكثر، وحمّاماتهم صحن واحد لا خلاوى فيها، ولذلك يتّخذ غالب رؤساهم الحمّامات في بيوتهم، فرارا من مخالطة العامة في الحمّام. قال ابن سعيد: ومدينة فاس متوسطة بين ملك الغرب، بينها وبين مرّاكش عشرة أيام وبينها وبين تلمسان عشرة أيام، وبينها وبين سبتة عشرة أيام، وبينها وبين سجلماسة عشرة أيام، قال في «مسالك الأبصار» : ولذلك صلحت أن تكون قاعدة الملك. وهي تشبه الإسكندرية في المحافظة على علوم الشريعة وتغيير المنكر والقيام بالناموس، وتشبّه بدمشق في البساتين. وقد ذكر ابن منقذ: رسول السلطان «صلاح الدين يوسف بن أيوب» «١» إلى بلاد المغرب: أنهم أخرجوا إلى بستان بفاس يقال له البحيرة متحصّله في كل سنة خمسة وأربعون ألف دينار، وبه بركة ذرع كل جانب منها مائتان وستة عشر ذراعا، يكون دورها ثمانمائة ذراع وأربعة وستين ذراعا. قال: وبها ما هو أكبر من ذلك.

стр. 2364

قال في «تقويم البلدان» : وأهلها مخصوصون برفاهية العيش. قال في «مسالك الأبصار» : ولأهلها حسن الصنعة في المخروطات من الخشب والنّحاس. قال أبو عبد الله السلايحي: ولكنها وخمة ثقيلة الماء، تعلو وجوه سكّانها صفرة، وتحدث في أجسادهم كسلا وفتورا. القاعدة الثانية (سبتة) قال في «تقويم البلدان» : بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة وتاء مثناة فوق وهاء في الآخر. قال في «الروض المعطار» : والنسبة إليها سبتيّ بكسر السين. وهي في دخلة في البحر. قال في «تقويم البلدان» : وهي مدينة بين بحرين: بين البحر المحيط وبحر الرّوم. ومدخلها من جهة المغرب وهو مدخل ضيّق، والبحر محيط بأكثرها، ولو شاء أهلها لوصلوا البحر حولها وجعلوها جزيرة. ولها أسوار عظيمة من الصّخر، وعليها أبراج كثيرة، والماء يجلب إليها في الشّواني «١» حتى للحمّامات التي بها، وبها صهاريج من ماء المطر. ويقال إنها أوّل ما بني ببر العدوة. قال في «الروض المعطار» : وهي سبعة أجبل «٢» صغار متصلة بعضها ببعض معمورة؛ طولها من الغرب إلى الشرق نحو ميل. وقال في «مسالك الأبصار» : طولها من السور الغربي المحيط بربضها إلى آخر الجزيرة خمسة أميال. قال في «الروض المعطار» : ولها بابان من جهة البرّ، ويتصل بها على ميلين من جهة الغرب جبل يعرف بجبل موسى، وهو موسى بن نصير «٣» الذي فتح الأندلس، ويجاوره بساتين وأشجار وقرى كثيرة، وهناك يزرع قصب السكّر ويحمل إلى ما جاورها من البلدان، ولها نهر عذب في البحر، وكان بها كنيسة

стр. 2365

جعلت جامعا، وبها يستخرج من البحر شجر المرجان الذي لا يعدله مرجان. ويقابلها من الأندلس الجزيرة الخضراء وبحر الروم بينهما ضيّق، حتّى إنه إذا كان الصحوريئت إحداهما من الأخرى، ولذلك يسمّى بحرها بحر الزّقاق، وميناها شرقيّها، وغالب طرف الدنيا موجودة فيها، والحنطة مجلوبة إليها إذ لا يزكو نباتها فيها، ويصاد بها أسماك مختلفة على نحو مائة نوع. ويقابل هذه المدينة من برّ الأندلس الجزيرة الخضراء. وكانت هذه المدينة قاعدة لهذا القطر قبل الإسلام، وهي يومئذ ديار عمارة من المصامدة، والحاكم عليها ملك الأندلس من القوط، وكان ملك عمارة بها في زمن الفتح يقال له يليان «١» ؛ ولما زحف إليه موسى بن نصير المذكور أمير أفريقيّة في زمن الفتح جاء معه بالهدايا، وأذعن لأداء الجزية فأقرّه عليها، واسترهن ابنه وأبناء قومه، وأنزل طارق بن زياد «٢» بطنجة بالعساكر إلى أن أجاز البحر لفتح الأندلس كما سيأتي في الكلام على مكاتبة صاحب الأندلس. ولما هلك يليان استولى المسلمون من العرب على مدينة سبتة بالصّلح من أهلها فعمروها إلى أن كانت فتنة ميسرة الخفير وما دعا إليه من مذهب الخوارج وأخذ به الكثير من البربر من غمارة وغيرهم، فزحف برابرة طنجة إلى سبتة فأخرجوا العرب منها وخرّبوها، وبقيت خالية إلى أن عمرها ماجكس من وجوه غمارة من البربر وبناها وأسلم وصحب أهل العلم، فرجع الناس إليها ومات. فقام بأمره من بعده ابنه (عصام) فأقام بها زمنا إلى أن مات. فولي بعده ابنه (مجير) فأقام بها إلى أن مات.

стр. 2366

فوليها أخوه (الرّضيّ) ويقال ابنه، وكانوا يعطون الطاعة لبني إدريس من العلوية ملوك فاس، ولما سما الناصر «١» الأمويّ صاحب الأندلس إلى ملك المغرب وتناول أكثره من يد الأدارسة ببلاد غمارة وغيرها حين أخرجوا من فاس وقاموا بدعوة الناصر في جميع أعمالهم، نزلوا للناصر عن سبتة، فبعث إليها العساكر فانتزعها من يد الرّضيّ بن عصام سنة تسع عشرة وثلاثمائة، وانقرض أمر بني عصام وصارت سبتة للناصر ومن بعده من بني أميّة خلفاء الأندلس. وكان عليّ والقاسم ابنا حمّود بن ميمون، بن أحمد، بن عليّ، بن عبيد الله، بن عمر، بن إدريس العلويّ قد لحقا بالأندلس لما أخرج المستنصر «٢» الأمويّ الأدارسة من المغرب، وبقيا بالأندلس إلى أن كانت أيام المستعين سليمان «٣» بن الحكم فاختصّ بقاسم وعليّ ابني حمّود، وعقد لعليّ بن حمّود على طنجة وأعمال غمارة فنزلها، ثم خرج عن طاعته ودعا لنفسه، وعاد إلى الأندلس وولي الخلافة بقرطبة كما سيأتي في مكاتبة صاحب الأندلس، وولّى على عمله بطنجة ابنه يحيى بن علي. ثم أجاز يحيى بعد موت أبيه إلى الأندلس واستقلّ أخوه إدريس بن علي بولاية طنجة وسائر أعمال أبيه من مواطن غمارة. ثم أجاز إلى الأندلس بعد مهلك أخيه يحيى، وعقد لحسن ابن أخيه يحيى

стр. 2367

على عملهم بسبتة وطنجة وأرسل معه نجا الخادم لتدبير دولته. ثم أجاز (نجا) الخادم إلى الأندلس ومعه حسن بن يحيى المذكور، ثم عقد حسن لنجا الخادم على عملهم في بلاد غمارة. فلما هلك حسن بالأندلس، أجاز (نجا) إلى الأندلس واستخلف على العمل من وثق به من الموالي الصّقالبة، واستمرّت في الموالي واحدا بعد آخر إلى أن استقلّ بسبتة وطنجة من موالي بني حمّود الحاجب (سكّوت البرغوطي) فاستقلّ بسبتة وطنجة وأطاعته قبائل غمارة؛ واتّصلت أيامه إلى أن كانت دولة المرابطين، وغلب أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» «١» على مغراوة بفاس، وسار إلى بلاد غمارة ونازل سكوت الحاجب، وكانت بينهما واقعة قتل فيها سكوت، ولحق ضياء الدولة بن سكوت بسبتة فأقام بها إلى أن نازله المعزّ بن يوسف بن تاشفين بها فقبض عليه ثم قتله؛ وانقرضت دولة بني حمّود من بلاد غمارة وصارت في ملك المرابطين إلى أن فتح بنو عبد المؤمن من الموحّدين مرّاكش، فدخل أهل سبتة وسائر غمارة في طاعتهم؛ وأقامت على ذلك إلى أن ضعفت دولة بني عبد المؤمن: ثار في غمارة محمد بن محمد اللّثاميّ المعروف بابي الطواجن، وكان له يد في السّيمياء، وارتحل إلى سبتة فنزل عليها وادّعى النبوّة وأظهر أنواعا من السيمياء فاتّبعه جماعة، ثم ظهر لهم حقيقة أمره فرجعوا عنه، وقتله بعض البربر غيلة، إلى أن كانت أيام بني مرين وغلبهم على بلاد المغرب فامتنعت عليهم سبتة، وقام بأمرها الفقيه أبو القاسم العزفي من مشيختها فبقيت بيده ويد بنيه إلى أن ملكها منهم بنو مرين سنة تسع وعشرين وسبعمائة في أيام السلطان أبي الحسن، فصارت

стр. 2368

تابعة لفاس دار ملك بني مرين جارية في يد ملوكها، وهي باقية بأيديهم إلى زماننا بعد العشر والثمانمائة. القاعدة الثالثة «١» (مدينة مرّاكش) بفتح الميم وتشديد الراء المهملة وفتحها وألف ساكنة ثم كاف ثم شين معجمة. وهي مدينة واقعة في أوّل الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول إحدى عشرة درجة، والعرض تسع وعشرون درجة. بناها أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» ملك المرابطين في أرض صحراويّة، وجلب إليها المياه. قال ابن سعيد: وأوّل ما بني بها القصر المعروف (بقصر الحجر) ثم بنى الناس حوله؛ ثم زادها يعقوب بن عبد المؤمن، وكبّرها ومصرّها، وفخّمها وضخّمها؛ وجلب إليها المياه والغراس. قال في «تقويم البلدان» ودورها سبعة أميال، ولها سبعة عشر بابا. قال في «الروض المعطار» : وبنى سورها عليّ بن يوسف بن تاشفين في سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، وقيل سنة أربع عشرة وخمسمائة. قال: وطولها مائة وعشرون ميلا، وعرضها قريب من ذلك؛ وهي في وطاءة من الأرض ليس حولها جبال إلا جبل صغير منه قطع الحجر الذي بنى منه عليّ بن يوسف بن تاشفين قصره؛ وعامّة بنائها بالطين والطوب. قال ابن سعيد: وهي مما سكنت بها وعرفتها ظاهرا وباطنا، ولا أرى عبارة تفي بما تحتوي عليه، ويكفي أن كلّ قصر من قصورها مستقلّ بالديار والبساتين والحمّام والإصطبلات والمياه، وغير ذلك حتّى إن الرئيس منهم يغلق بابه على جميع خوله وأقاربه وما يحتاج إليه، ولا يخرج من بابه إلى خارج داره لحاجة يحتاجها، ولا يشترى شيئا من السوق لمأكل، ولا يقريء أولاده في مكتب،

стр. 2369

ويخرج من بابه راكبا فلا تقع عليه العين راجلا. قال: ولا أدري كيف أصل إلى غاية من الوصف أصف بها ترتيب هذه المدينة المحدثة؟ فإنها من عجائب همّات السلاطين، ذات أسوار ضخمة وأبواب عالية. وبظاهرها مدينة اختطها المنصور «يعقوب بن عبد المؤمن» له ولخواصّه تعرف بتامرّاكش، وبها قصر الخلافة الذي بناه به دور عظيمة، وبها بستان يعرف بالبحيرة طوله اثنا عشر ميلا، به بركة عظيمة لم يعمل مثلها قال العقيليّ: طولها ثلاثمائة وثمانون باعا، على جانبها الواحد أربعمائة شجرة نارنج، بين كل اثنتين منها ليمونة أو ريحانة. وهي أكثر بلاد الغرب بساتين، وشجرها أكثر منها، وبساتينها تسقى بالبئار «١» وبئارها قريبة الرشاء «٢» على نحو قامتين من وجه الأرض، وهي كثيرة الزّرع والضّرع، وبها دار الضيافة المعروفة بدار الكرامة. وفيها يقول محمد بن محمد البربريّ من أبيات يمدحهم ويصفها: (خفيف) . خير قوم دعوا إلى خير دار ... هي للملك نضرة وكمامه عالم السبعة الأقاليم فيها، ... وهم في فنائها كالقلامه وبمرّاكش جامع جليل يعرف بالكتبيّين، طوله مائة وعشرة أذرع، وعلى بابه ساعات مرتفعة في الهواء خمسين ذراعا، كان يرمى فيها عند انقضاء كلّ ساعة صنجة زنتها مائة درهم، تتحرك لنزولها أجراس تسمع على بعد، تسمّى عندهم بالبحّانة. قال في «تقويم البلدان» : إلا أنّ الناس أكثروا فيها البساتين فكثر وخمها. قال في «الروض المعطار» : وقد هجاها أبو القاسم بن أبي عبد الله محمد ابن أيوب بن نوح الغافقيّ من أهل بلنسية بأبيات أبلغ في ذمّها، فقال: (مخلّع البسيط) . مرّاكش إن سألت عنها، ... فإنّها في البلاد عار! هواؤها في الشّتاء ثلج ... وحرّها في المصيف نار!

стр. 2370

وكلّ ما ثمّ وهو خير ... من أهلها عقرب وفار! فإن أكن قد مكثت فيها، ... فإنّ مكثي بها اضطرار! وكانت هذه المدينة دار ملك المرابطين من الملثّمين الذين ملكوا بعد بني زيري، ثم الموحّدين من بعدهم. قال ابن سعيد: وبينها وبين فاس عشرة أيام. وقال في «الروض المعطار» : نحو ثمانية أيام. قال: وبينها وبين جبال درن نحو عشرين ميلا. القاعدة الرابعة (سجلماسة) بكسر السين المهملة وكسر الجيم وسكون اللام وفتح الميم ثم ألف وسين مهملة مفتوحة وهاء في الآخر، وهي مدينة في جنوب الغرب الأقصى في آخر الإقليم الثاني من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول ثلاث عشرة درجة واثنتان وعشرون دقيقة والعرض ستّ وعشرون درجة وأربع وعشرون دقيقة. وهي مدينة عظيمة إسلامية، وبينها وبين البحر الرّوميّ خمس عشرة مرحلة، وليس قبليّها ولا غربيّها عمران، وبينها وبين غابة من بلاد السّودان مسيرة شهرين في رمال وجبال قليلة المياه، لا يدخلها إلا الإبل المصبرة على العطش. اختطّها يزيد «١» بن الأسود من موالي العرب، وقيل: مدرار بن عبد الله. وكان من أهل الحديث، يقال إنه لقي عكرمة مولى ابن عباس بأفريقيّة وسمع منه. وكان صاحب ماشية، وكان ينتجع موضع سجلماسة بالصّحراء ليرعى به ماشيته، فكان يجتمع إليه أهل تلك الصحراء من مكناسة والبربر، وكانوا يدينون بدين الصّفرية من

стр. 2371

الخوارج، فاجتمع عليه جماعة منهم فلما بلغوا أربعين رجلا قدّموا عليهم يزيد بن الأسود «١» وخلعوا طاعة الخلفاء، واختطّوا هذه المدينة سنة أربعين ومائة من الهجرة. ولها اثنا عشر بابا، وهي كثيرة العمارة، كثيرة البساتين، رائقة البقاع، ذات قصور ومنازل رفيعة وعمارات متّصلة، على نهر كثير الماء يأتي من جهة المشرق من الصحراء، يزيد في الصيف كزيادة النّيل، ويزرع على مائة كما يزرع على ماء النيل، والزّرع عليه كثير الإصابة، والمطر عندهم قليل: فإذا كانت السنة كثيرة الأمطار، نبت لهم ما حصدوه في العام السابق من غير بذر، وربما حصدوه عند تناهيه وتركوا أصوله فتنبت ثانيا. ويقال: يزرع بها عاما ويحصد ثلاثة أعوام، وذلك أن أرضها مشقّة، وهي بلدة شديدة الحرّ فإذا يبس الزرع تناثر عند الحصاد ودخل في الشّقوق، فإذا كان العام الثاني وعلاه ماء النهر وخرج عنه حرثوه بلا بذر فينبت ما في الشّقوق، ويبقى كذلك ثلاث سنين. وقد حكى ابن سعيد: أن هذا الزرع في السنة الأولى يكون قمحا، وفي باقي السنين سلتا، وهو حبّ بين القمح والشعير. وبها الرّطب، والتمر، والعنب الكثير، والفواكه الجمّة، وليس فيها ذئاب ولا كلاب لأنهم يسمّونها ويأكلونها، وقلمّا يوجد فيها صحيح العينين، ولا يوجد بها مجذوم، ولها ثمانية أبواب من أيّ باب منها خرجت ترى النهر والنخيل وغير ذلك من الشجر، وعليها وعلى جميع بساتينها حائط يمنع غارة العرب مساحته أربعون ميلا، وثمرها يفضل ثمر سائر بلاد المغرب، حتى يقال: إنه يضاهي الثّمر العراقيّ، وأهلها مياسير، ولها متاجر إلى بلاد السّودان، يخرجون إليها بالملح والنّحاس والودع، ويرجعون منها بالذهب التّبر. قال ابن سعيد: رأيت صكّا لأحدهم على آخر مبلغه أربعون ألف دينار. ولمّا قدّموا عليهم عيسى بن الأسود «٢» المقدّم ذكره، أقام عليهم أياما ثم قتلوه

стр. 2372

سنة خمس وخمسين ومائة، واجتمعوا بعده على كبيرهم (أبي القاسم سمكو) ، بن واسول بن مصلان، بن أبي يزول، بن تافرسين، بن فراديس، بن ونيف، بن مكناس، بن ورصطف، بن يحيى، بن تمصيت، بن ضريس، بن رجيك، بن مادغش، بن بربر. كان أبوه سمكو من أهل العلم ارتحل إلى المدينة النبوية (على ساكنها أفضل الصلاة والسلام والتحية والإكرام) فأدرك التابعين، وأخذ عن عكرمة مولى ابن عباس، ومات فجأة سنة سبع وستين ومائة لثنتي عشرة سنة من ولايته. وكان مع ذلك على مذهب الصّفرية، وخطب في عمله للمنصور والمهديّ من خلفاء بني العباس. ولما مات ولي مكانه ابنه (إلياس بن أبي القاسم) [وكان يدعى بالوزير ثم انتقضوا عليه] «١» سنة أربع وسبعين ومائة [فخلعوه] «٢» وولي مكانه أخوه (اليسع بن أبي القاسم) وكنيته أبو منصور، فبنى سور سجلماسة، وشيّد بنيانها، واختطّ بها المصانع والقصور لأربع وثلاثين سنة من ولايته. وعلى عهده استفحل ملكهم بسجلماسة، وسكنها آخر المائة الثانية بعد أن كان يسكن الصّحراء وهلك سنة ثمان ومائتين. ووليّ بعده ابنه (مدرار) ولقّب المنتصر وطال أمد ولايته. وكان له ولدان اسم كل منهما ميمون، فوقع الحرب بينهما ثلاث سنين، ثم كان آخر أمرهما أن غلب أحدهما أخاه وأخرجه من سجلماسة، ثم خلع أباه واستقلّ بالأمر، وساءت سيرته في الرعيّة فخلعوه، وأعادوا مدرارا أباه. ثم حدّث نفسه بإعادة ابنه ميمون فخلعوه وولّوا ابنه (ميمونا) الآخر، وكان يعرف بالأمير، ومات مدرار إثر ذلك سنة ثلاث وخمسين ومائتين. [ومات ميمون

стр. 2373

سنة ثلاث وستين ومائتين] «١» وولي مكانه ابنه (محمد) فبقي إلى أن توفّي سنة سبعين ومائتين. فولي مكانه (اليسع) بن المنتصر. وفي أيامه وفد عبيد الله المهديّ الفاطميّ وابنه أبو القاسم على سجلماسة في خلافة المعتضد العباسيّ، وكان اليسع على طاعته فبعث المعتضد إليه فقبض عليهما واعتقلهما إلى أن غلب أبو عبد الله الشّيعي داعي المهديّ بني الأغلب أصحاب أفريقية، فقصد سجلماسة فخرج إليه اليسع في قومه مكناسة، فهزمه أبو عبد الله الشيعي واقتحم عليه البلد، وقتله سنة ستّ وتسعين ومائتين، واستخرج عبيد الله وابنه من محبسهما، وبايع (لعبيد الله المهديّ) . وولّى المهديّ «٢» على سجلماسة (إبراهيم بن غالب المزاتي) وانصرف إلى أفريقيّة، ثم انتقض أهل سجلماسة على واليهم إبراهيم ومن معه من مكناسة سنة ثمان وتسعين ومائتين. وبايعوا (الفتح بن ميمون) الأمير ابن مدرار المتقدّم ذكره، ولقبه واسول، وهلك قريبا من ولايته على رأس المائة الثالثة. وولي مكانه أخوه (أحمد بن ميمون) الأمير، واستقام أمره إلى أن زحف مصالة بن حيوس «٣» في جموع كتامة ومكناسة إلى المغرب سنة تسع وثلاثمائة، فافتتح سجلماسة وقبض على صاحبها أحمد بن ميمون. وولّى عليها ابن عمه (المعتزّ بن محمد) بن يادن بن مدرار، فلم يلبث أن

стр. 2374

استبدّ وتلقب المعتزّ، وبقي حتى مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة قبل موت المهديّ. وولي من بعده ابنه أبو المنتصر (محمد بن المعتزّ) فأقام عشرا ثم هلك. وولي من بعده ابنه (المنتصر سمكو) شهرين، ودبّرته جدّته لصغره. ثم ثار عليه ابن عمه (محمد بن الفتح) بن ميمون الأمير وتغلّب عليه، وشغل عنه بنو عبيد الله المهديّ بفتنة ابن أبي العافية «١» وغيرها، فدعا لنفسه مموّها بالدعاء لبني العبّاس وتلقّب الشاكر لله، وأخذ بمذاهب أهل السّنّة ورفض الخارجية، وكان جميع من تقدّم من سلفه على رأي الأباضيّة والصّفرية من الخوارج، وضرب السّكّة باسمه ولقبه، وبقي كذلك حتى فرغ بنو عبيد الله من الفتن، فزحف القائد جوهر أيام المعزّ لدين الله معدّ إلى المغرب سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، فغلب على سجلماسة وملكها وفرّ محمد بن الفتح عنها، ثم قبض عليه جوهر بعد ذلك وحمله إلى القيروان. فلما انتقض المغرب على العبيديّين وفشت فيه دعوة الأمويّين بالأندلس، ثار بسجلماسة قائم من ولد الشاكر، وتلقّب (المنتصر بالله) ثم وثب عليه أخوه (أبو محمد) سنة اثنتين وخمسين فقتله وقام بالأمر مكانه، وتلقب (المعتز بالله) وأقام على ذلك مدّة، وأمر مكناسة يومئذ قد تداعى إلى الانحلال، وأمر زناتة قد استفحل بالمغرب إلى أن زحف خزرون بن فلفول من ملوك مغراوة إلى سجلماسة سنة ستّ وستين وثلاثمائة، وبرز إليه أبو محمد المعتزّ فهزمه خزرون وقتله واستولى على بلده، وبعث برأسه إلى قرطبة مع كتابه بالفتح، وكان ذلك لأول حجابة المنصور بن أبي عامر «٢» بقرطبة، فعقد لخزرون على

стр. 2375

سجلماسة، فأقام دعوة هشام في نواحيها، فكانت أوّل دعوة أقيمت لهم في أمصار المغرب الأقصى، وانقرض أمر مكناسة من المغرب أجمع. وانتقلت الدّولة إلى مغراوة وبني يفرن وعقد هشام (لخزرون) على سجلماسة وأعمالها، وجاءه عهد الخليفة بذلك، وضبطها وقام بأمرها إلى أن هلك. فولي أمر سجلماسة من بعده ابنه (وانّودين بن خزرون) إلى أن غلب زيري ابن مياد على المغرب، فعقد على سجلماسة (لحميد بن فضل) المكناسي، وفرّ وانّودين بن خزرون عنها، ثم أعاده عبد الملك إلى سجلماسة بعد ذلك على قطيعة يؤدّيها إليه، ثم استقلّ بها من أوّل سنة تسعين وثلاثمائة مقيما للدعوة الأمويّة بالأندلس، ورجع المعزّ بن زيري بولاية المغرب عن المظفّر بن أبي عامر، واستثنى عليه ولاية سجلماسة لكونها بيد وانّودين، واستفحل ملك وانّودين، واستضاف إلى سجلماسة بعض أعمال المغرب ومات. فقام بالأمر من بعده ابنه (مسعود بن وانّودين) إلى أن خرج (عبد الله بن ياسين) شيخ المرابطين، فقتل ابن وانّودين سنة خمس وأربعين وأربعمائة، ثم ملك سجلماسة بعد ذلك سنة ست وأربعين، ودخلت في ملك المرابطين لأوّل أمرهم، وانقرضت دولة بني خزرون منها، وتداولها من بعدهم من ملوك الموحّدين، ثم ملوك بني مرين على ما سيأتي ذكره في الكلام على ملوك الغرب الأقصى إن شاء الله تعالى. وأما ما اشتملت عليه هذه المملكة من المدن المشهورة. فمنها مدينة (آسفي) بفتح الهمزة ومدّها وكسر السين المهملة والفاء وياء مثناة تحت في آخرها. وهي مدينة واقعة في الإقليم الثالث من الأقاليم السبعة قال ابن سعيد: حيث الطول سبع درج، والعرض ثلاثون درجة. قال في «تقويم

стр. 2376

البلدان» : وهي من عمل دكّالة، وهي كورة عظيمة من أعمال مرّاكش، قال ابن سعيد: وهي على جون من البحر داخل في البرّ، في مستو من الأرض، وهي فرضة مرّاكش، وبينها وبين مرّاكش أربعة أيام؛ وأرضها كثيرة الحجر، وليس بها ماء إلا من المطر، وماؤها النّبع غير عذب، وبساتينها تسقى على الدّواليب، وكرومها على باب البلد. قال الشيخ عبد الواحد: وهي تشبه حماة ودونها في القدر، ولكن ليس لها نهر يجري. ومنها (سلا) بفتح السين واللام وفي آخرها ألف، وهي مدينة من الغرب الأقصى في آخر الإقليم الثالث قال ابن سعيد: حيث الطول سبع درج وعشر دقائق [والعرض ثلاث وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة] «١» وهي مدينة قديمة في غربيّها البحر المحيط وفي جنوبيّها نهر عظيم يصبّ في البحر المحيط والبساتين والكروم. وبنى «عبد المؤمن» أمامها من الشّطّ الجنوبيّ على النهر والبحر المحيط قصرا عظيما، وبنى خاصّته حوله المنازل فصارت مدينة عظيمة سماها المهديّة. وسلا متوسّطة بين بلاد المغرب الأقصى قريبة من الأندلس؛ وهي مدينة كثيرة الرّخاء، ولها معاملة كبيرة يقال لها تامسنّا، كثيرة الزّرع والمرعى، وفيها مدن كثيرة. ومنها (لمطة) بفتح اللام وسكون الميم وفتح الطاء المهملة. وهي مدينة من الغرب الأقصى واقعة في آخر الإقليم الثاني قال بعضهم: حيث الطول سبع درج وثلاثون دقيقة، والعرض سبع وعشرون درجة، على ثلاث مراحل من البحر المحيط، ولها نهر كبير ينزل من جبل في شرقيها على مرحلتين منها، يجري على جنوبيّها غربا بميلة إلى الشّمال حتّى يصبّ في البحر المحيط. ومنها (السّوس) بضم السين المهملة وسكون الواو ثم سين ثانية. وهي مدينة من أقصى المغرب في الإقليم الثاني قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان درج

стр. 2377

والعرض ستّ وعشرون درجة وعشرون دقيقة، وهي على طرف من البرّ داخل في البحر أربعين ميلا، وفي جانبها الشّمالي نهر يأتي من الشرق من جبل لمطة. ومنها (قصر عبد الكريم) وضبطه معروف. وهي مدينة من الغرب الأقصى في أوائل الإقليم الرابع قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان درج وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وثلاثون درجة وأربعون دقيقة. وهي مدينة على نهر من جهتها الشّمالية، وهو نهر كبير تصعد فيه المراكب من البحر المحيط، وجانباه محفوفان بالبساتين والكروم. وكان قاعدة تلك الناحية قبلها مدينة اسمها (البصرة) يسكنها الأدارسة؛ فلما عمرت هذه المدينة صارت هي القاعدة. ومنها (طنجة) بفتح الطاء المهملة وسكون النون وفتح الجيم ثم هاء في الآخر. وهي مدينة من أقاصي المغرب واقعة في الإقليم الرابع قال ابن سعيد: حيث الطول ثمان درج وإحدى وثلاثون دقيقة، والعرض خمس وثلاثون درجة وثلاثون دقيقة. وهي مدينة على بحر الزّقاق، واتساع البحر عندها ثلث مجرى، فإذا شرّق عنها اتّسع عن ذلك. وهي مدينة أزليّة، واستحدث أهلها لهم مدينة على ميل منها على ظهر جبل ليمتنعوا بها، والماء ينساق إليها في قنيّ. قال في «مسالك الأبصار» : وكانت دار ملك قديم. وهي التي كانت قاعدة تلك الجهات قبل الإسلام إلى حين فتح الأندلس؛ وهي محطّ السّفن؛ وهي كثيرة الفواكه، لا سيما العنب والكمّثرى؛ وأهلها مشهورون بقلة العقل وضعف الرأي، على أن منها أبو الحسن الصّنهاجيّ الطّنجيّ، ترجم له في قلائد العقيان وأثنى عليه، وأنشد له أبياتا منها: (وافر) . وقد تحمي الدّروع من العوالي ... ولا تحمى من الحدق الدّروع! وكذلك أبو عبد الله بن محمد بن أحمد الحضرميّ القائل: (طويل) . وضنّوا بتوديع، وجادوا بتركه ... وربّ دواء مات منه عليل! ومنها (درعة) بفتح الدال وسكون الراء وفتح العين المهملات وهاء في الآخر. وهي مدينة من جنوبيّ المغرب الأقصى واقعة في الإقليم الثاني. نقل في

стр. 2378

«تقويم البلدان» عن بعضهم أنّ طولها إحدى عشرة درجة وستّ دقائق، وعرضها خمس وعشرون درجة وعشر دقائق. قال في «نزهة المشتاق» : وهي قرى متصلة، وعمارات متقاربة، وليست بمدينة يحوط بها سور ولا حفير «١» ولها نهر مشهور في غربيها ينزل من ربوة حمراء عند جبل درن، وتنبت عليه الحنّاء، ويغوص ما يفضل منه بعد السّقي في صحارى تلك البلاد. ومنها (أغمات) قال في «اللباب» : بفتح الألف وسكون الغين المعجمة وفتح الميم وألف وتاء مثناة من فوق في آخرها. وهي مدينة من الغرب الأقصى، واقعة في الإقليم الثالث. قال في «تقويم البلدان» : والقياس أن طولها إحدى عشرة درجة وثلاثون دقيقة، والعرض ثمان وعشرون درجة وخمسون دقيقة. وهي مدينة قديمة في الجنوب بميلة إلى الشرق عن مرّاكش، في مكان أفيح طيّب التّربة، كثير النبات والعشب، والمياه تخترقه يمينا وشمالا. قال ابن سعيد: وهي التي كانت قاعدة ملك أمير المسلمين «يوسف بن تاشفين» «٢» قبل بناء مرّاكش. قال الإدريسي: وحولها جنات محدّقة، وبساتين وأشجار ملتفّة؛ وهواؤها صحيح، وفيها نهر ليس بالكبير، يشقّ المدينة يأتيها من جنوبيّها ويخرج من شماليها، وربما جمد في الشتاء حتّى يجتاز عليه الأطفال. ومنها (تادلا) قال في «تقويم البلدان» عن الشيخ عبد الواحد: بفتح المثناة من فوق ثم ألف ودال مهملة مكسورة ولام ألف. ثم قال: وفي خطّ ابن سعيد تادلة في آخرها هاء، وهي مدينة بالمغرب الأقصى في جهة الجنوب في الإقليم الثالث قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتا عشرة درجة، والعرض ثلاثون درجة. قال ابن سعيد: وهي مدينة بين جبال صنهاجة، ويقال هي قاعدة

стр. 2379

صنهاجة «١» ، وغربيّها جبل درن ممتدّ إلى البحر المحيط، وهي بين مرّاكش وبين أعمال فاس، ولها عمل جليل، وأهلها بربر يعرفون بحراوة. ومنها (أزمّور) قال الشيخ شعيب: بفتح الهمزة «٢» والزاي المعجمة وتشديد الميم ثم واو وراء مهملة في الآخر. وهي مدينة على ميلين من البحر أكثر سكّانها صنهاجة. ومنها (المزمّة) وهي فرضة ببر العدوة تقابل فرضة المنكّب من برّ الأندلس من ساحل غرناطة. والمزمّة في الشرق عن سبتة بينهما مائتا ميل. ومنها (مدينة باديس) وهي فرضة مشهورة من فرض غمارة في الجنوب والشرق عن سبتة بينهما نحو مائة ميل. قال في «تقويم البلدان» : وهي قياسا حيث الطول عشر درج وثلاثون دقيقة، والعرض أربع وثلاثون درجة وخمس وعشرون دقيقة. ومنها (أودغست) قال الشيخ عبد الواحد: بفتح الهمزة وسكون الواو وفتح الدال المهملة «٣» والغين المعجمة وسكون السين المهملة وفي آخرها تاء مثناة فوق. وهي مدينة في المغرب الأقصى في الجنوب في الصّحراء في الإقليم الثاني قال في «الأطوال» : حيث الطول ثمان درج وثمان دقائق. قال في «القانون» : والعرض ستّ وعشرون درجة. قال: وهي في براريّ سودان المغرب. قال في «العزيزي» : وهي جنوبيّ سجلماسة وبينهما ستّ وأربعون مرحلة في رمال ومفاوز على مياه معروفة، ولها أسواق جليلة، والسفن تصل إليها

стр. 2380

في البحر المحيط من كلّ بلد، وسكّان هذه المدينة أخلاط من البربر المسلمين، والرّياسة فيها لصنهاجة. قال في «العزيزي» . ولأودغست أعمال واسعة، وهي شديدة الحرارة، وأمطارها في الصيف، ويزرعون عليها الحنطة، والذّرة، والدّخن، واللّوبيا، والكرسنّة، وبها النخل الكثير وليس فيها فاكهة سوى التين، وبها شجر الحجاز كلّه: من السّنط والمقل وغيرهما. قلت: وقد ذكر في «مسالك الأبصار» عدّة مدن غير هذه غير مشهورة يطول ذكرها. الجملة الثالثة (في ذكر جبالها المشهورة. وهي عدّة جبال) منها (جبل درن) بفتح الدال والراء المهملتين ونون في الآخر. قال ابن سعيد: وهو جبل شاهق مشهور لا يزال عليه الثلج، أوّله عند البحر المحيط الغربيّ في أقصى المغرب، وآخره من جهة الشّرق على ثلاث مراحل من إسكندرية من الديار المصرية، ويسمّى طرفه الشرقيّ المذكور رأس أوثان، فيكون امتداده نحو خمسين درجة، وفي غربيّه بلاد تينملك من قبائل البربر، وشرقيها بلاد هنتاتة من البربر أيضا وشرقيها بلاد مشكورة منهم، وشرقيها بلاد المصامدة. ومنها (جبل كزولة) وهي قبيلة من البربر. قال ابن سعيد: وابتداؤه من البحر المحيط الغربيّ، ويمتدّ مشرّقا إلى حيث الطول اثنتا عشرة درجة، وموقعه بين الإقليم الثاني والإقليم الثالث، وبه مدينة اسمها تاعجست. ومنها (جبل غمارة) . بضم الغين المعجمة وفتح الراء بعد الألف. وهي قبيلة من البربر أيضا؛ وهو جبل ببرّ العدوة فيه من الأمم ما لا يحصيه إلا الله تعالى، وهو ركن على البحر الروميّ، فإن بحر الزّقاق إذا جاوز سبتة إلى الشّرق انعطف جنوبا إلى جبل عمارة المذكورة، وهناك مدينة باديس المقدّم ذكرها. ومنها (جبل مديونة) بفتح الميم وسكون الدال المهملة وضم المثناة من

стр. 2381

تحت وواو ثم نون مفتوحة وهاء في الآخر: وهو جبل ببرّ العدوة شرقيّ مدينة فاس، يمتدّ إلى الجنوب حتّى يتصل بجبال درن، ومديونة قبيلة من البربر واطنون به. ومنها (جبال مدغرة) وهي شرقيّ مديونة، ومعظم أهلها كومية- بضم الكاف وكسر الميم وفتح المثناة تحت وهاء في الآخر. وهي قبيلة من البربر، منها «عبد المؤمن» أحد أصحاب المهديّ بن تومرت. ومنها (جبل يسر) بضم الياء المثناة تحت وسكون السين المهملة. وهو جبل شرقيّ مديونة أيضا منه ينبع نهر يسر المذكور. ومنها (جبل ونشريش) وهو جبل يتصل بجبل يسر من شرقيه، وفيه تعمل البسط الفائقة، ومنه ينبع نهر سلف المشهور. قال ابن سعيد: وهو نهر كبير يزيد عند نقص الأنهار كنيل مصر. الجملة الرابعة (في ذكر أنهارها المشهورة، وهي عدّة أنهار) منها (نهر السّوس الأقصى) وهو نهر يأتي من الجنوب والشرق من جبل يعرف بجبل لمطة، ويجري إلى الشمال، ويمرّ على مدينة السّوس من شماليّها، ويزرع على جانبيه قصب السكّر والحنّاء وغير ذلك كما يزرع في مصر، ويجرى حتى يصبّ في البحر المحيط الغربيّ. ومنها (نهر سجلماسة) الآتي ذكرها، وهو نهر منبعه من جنوبيّ سجلماسة بمسافة بعيدة، ويمرّ من شرقيها ويجري حتّى يصبّ في نهر ملويّة الآتى ذكره. ومنها (نهر ملويّة) قال ابن سعيد: وهو نهر كبير مشهور في المغرب الأقصى، يصبّ إليه نهر سجلماسة ويصيران نهرا واحدا، يجرى حتّى يصب في بحر الروم شرقيّ سبتة. ومنها (نهر فاس) وهو نهر متوسّط يشقّ مدينة فاس كما تقدّم قال في

стр. 2382

«تقويم البلدان» ومخرجه على نصف يوم من فاس، يجري في مروج وأزاهر حتّى يدخلها. المقصد الثاني (في ذكر زروعها، وحبوبها، وفواكهها، وبقولها ورياحينها ومواشيها، ومعاملاتها، وصفات أهلها. وفيه خمس جمل) الجملة الأولى (في ذكر زروعها، وحبوبها، وفواكهها، وبقولها، ورياحينها) أما زرعها فعلى المطر كما تقدّم في أفريقيّة. وأما حبوبها: ففيها من أنواع الحبوب: القمح، والشعير، والفول، والحمّص، والعدس، والدّخن، والسّلت وغير ذلك. أما الأرزّ فإنه عندهم قليل، بعضه يزرع في بعض الأماكن من برّ العدوة، وأكثره مجلوب إليهم من بلاد الفرنج. على أنهم لا نهمة لهم في أكله ولا عناية به. وبها السّمسم على قلّة، ولا يعتصر منه بالمغرب شيرج لاستغنائهم عنه بالزّيت حتّى مزورات الضعفاء وكذلك يعملون الحلوى بالعسل والزّيت، وإنما يستعمل الشّيرج عندهم في الأمور الطّبّيّة. وأما فواكهها، فبها أنواع الفواكه المستطابة اللذيذة المختلفة الأنواع: بين النخل، والعنب، والتّين، والرمّان، والزيتون، والسّفرجل، والتّفّاح على أصناف، وكذلك الكمّثرى، وتسمّى عندهم الإنجاص كما بدمشق، وبها المشمش والتين «١» ، والبرقوق، والقراصيا، والخوخ، وغالب ذلك على عدّة أنواع، والتّوت على قلة، والجوز، واللّوز. ولا يوجد بها الفستق والبندق إلا مجلوبا. وبها الأترجّ، واللّيمون، والليم، والنارنج، والزّنبوع، وهو المسمّى

стр. 2383

بمصر والشام الكبّاد. وبها البطّيخ الأصفر والأخضر واسمه عندهم الدلاع كما في سائر بلاد المغرب على قلة، والموجود منه غير مستطاب. وبها الخيار، والقثّاء، واللّفت، والباذنجان، والقرع، والجزر، واللّوبيا، والكرنب، والشّمار، والصّعتر وسائر البقول. والموز موجود بها في بعض المواضع نادرا، والقلقاس لا يزرع عندهم إلا للتفرّج على عروقه لا لأن يؤكل، وبها قصب السكر بجزائر بني مزغنّان وبسلا كثير، ويعصر ثم يعمل منه القند ومن القند السّكّر على أنواع لا سيما بمرّاكش، فإنه يقال إن بها أربعين معصرة للسّكّر، وإنّ حمل حمار من القصب يساوي درهما من دراهمهم: وهو ثلث درهم من الدراهم المصرية؛ ويعمل منه المكرّر الفائق، ومع ذلك فليس لهم به اهتمام لاكتفائهم عنه بعسل النحل مع كثرته عندهم، وميلهم إليه أكثر من السكّر، حتّى يقال إنه لا يستعمل السّكّر عندهم إلا الغرباء أو المرضى. وأما رياحينها، فبها الورد، والبنفسج، والياسمين، والآس، والنّرجس، والسّوسن، والبهار، وغير ذلك. الجملة الثانية (في مواشيها، ووحوشها، وطيورها) أما مواشيها، ففيها من الدوابّ الخيل، والبغال، والحمير، والإبل، والبقر، والغنم؛ أما الجاموس فلا يوجد عندهم. وأما الطير، فبها منه الإوزّ، والحمام، والدّجاج ونحوها، والكركيّ عندهم كثير على بعد الدار، واسمه عندهم الغرنوق، وهو صيد الملوك هناك كما بمصر والشام. وأما وحوشها، ففيها من أنواع الوحش الحمر، والبقر، والنّعام، والغزال، والمها وغير ذلك.

стр. 2384

الجملة الثالثة (فيما تتعامل به من الدّنانير، والدراهم، والأوزان، والمكاييل) أما مثاقيل الذهب فأوزانها لا تختلف، وأما الدراهم فذكر في «مسالك الأبصار» عن السلايحي: أن معاملتها درهمان: درهم كبير، ودرهم صغير؛ فالدّرهم الكبير قدر ثلث درهم من الدراهم النّقرة بمصر والشام، والدّرهم الصغير على النّصف من الدرهم الكبير يكون قدر سدس درهم نقرة بمصر والشام. وعند الإطلاق يراد الدرهم الصغير دون الدرهم الكبير إلا بمرّاكش وما جاورها، فإنه يراد بالدرهم عند الإطلاق الدرهم الكبير. قال: وكلّ مثقال ذهب عندهم يساوي ستين درهما كبارا، تكون بعشرين درهما من دراهم النّقرة بمصر. وأما رطلها فعلى ما تقدّم من رطل أفريقيّة، وهي كلّ رطل ستّ عشرة أوقيّة، كل أوقيّة أحد وعشرون درهما من دراهمها. وأما كيلها فأكثره الوسق (ويسمّى الصّحفة) وهو ستّون صاعا بالصاع النبويّ على السواء. الجملة الرابعة (في ذكر أسعارها) قد ذكر في «مسالك الأبصار» عن السلايحي أيضا عن سعر زمانه المتوسّط في غالب الأوقات، (وهي الدولة الناصرية محمد بن قلاوون» وما قاربها) : أنّ سعر كل وسق من القمح أربعون درهما من الدّراهم الصّغار: وهو ثلاثة عشر درهما وثلث درهم من نقرة مصر، والشعير دون ذلك. وكلّ رطل لحم بدرهم واحد من الدراهم الصّغار، وكلّ طائر من الدّجاج بثلاثة دراهم من الصّغار، وعلى نحو ذلك.

стр. 2385

الجملة الخامسة (في صفات أهلها في الجملة) قد تقدّم أن معظم هذه المملكة في الإقليم الثالث. قال ابن سعيد: والإقليم الثالث هو صاحب سفك الدماء، والحسد، والحقد، والغلّ، وما يتبع ذلك. ثم قال: وأنا أقول: إن الإقليم الثالث وإن كثرت فيه الأحكام المرّيخيّة على زعمهم، فإن للمغرب الأقصى من ذلك الحظّ الوافر، لا سيّما في جهة السّوس وجبال درن، فإن قتل الإنسان عندهم كذبح العصفور، قال وكم قتيل قتل عندهم على كلمة وهم بالقتل يفتخرون. ثم قال: إن الغالب على أهل المغرب الأقصى كثرة التنافس المفرط، والمحاققة، وقلة التغاضي، والتهوّر، والمفاتنة. أما البخل فإنما هو في أراذلهم، بخلاف الأغنياء، فإن في كثير منهم السماحة المفرطة والمفاخرة بإطعام والاعتناء بالمفضول والفاضل. المقصد الثالث (في ذكر ملوكها، وما يندرج تحت ذلك: من انتقال الملك من الموحّدين إلى بني مرين والتعريف بالسلطان أبي الحسن الذي أشار إليه في كلامه في «التعريف» . وهم على طبقات) الطبقة الأولى (ملوكها قبل الإسلام) قد تقدّم أن بلاد المغرب كلّها كانت مع البربر، ثم غلبهم الرّوم الكيتم عليها ثم افتتحوا قرطاجنّة وملكوها، ووقع بين البربر والرّوم فتن كثيرة كان آخرها أن وقع الصلح بينهم على أن تكون البلاد والمدن الساحليّة للروم، والجبال والصحارى للبربر، ثم زاحم الفرنج الروم في البلاد، وجاء الإسلام والمستولي عليها من ملوك الفرنجة جرجيس ملكهم، وكان ملكه متصلا من طرابلس إلى البحر المحيط، وكرسيّ ملكه بمدينة سبيطلة، ومن يده انتزعها المسلمون عند الفتح.
следующие страницы →